المبحث الرابع: الرسول الخاتم .
فيه تمهيد ومطلبان:
* المطلب الأول: أقوال المتأثرين بالاستشراق حول منصب الرسالة التشريعي.
* المطلب الثاني: أقوال المتأثرين بالاستشراق حول ختم الرسالة المحمدية.
стр. 457
تمهيد
الإيمان برسالة محمد ﷺ هو الجزء الثاني من كلمة شهادة: أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، وهو في ذاته كلمة الرسالة إذ أن كلمة الشهادة تنقسم إلى جزءين: الجزء الأول: كلمة التوحيد والجزء الثاني: كلمة الرسالة.
معنى كلمة الرسالة:
" ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ : هو العلم والاعتراف بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي عبد الله ورسوله، أرسله الله إلى الناس كافة بالهدى ودين الحق الباقي إلى قيام الساعة، ولا نبي بعده" اهـ (١).
مقتضى كلمة الرسالة:
ومقتضاها: طاعته في ما أمر وتصديقه في ما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا نعبد الله إلا بما شرعه ﵊، وأن طاعته واتباع هديه فريضة على جميع الأمة، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه واتبع هدى غيره دخل النار، ... قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢) " (٣).
وإذا حللنا عبارة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فإننا نقول: إن الشهادة بأن محمدًا رسول الله يقتضي الإيمان بما يأتي:
١ - أن الرسول ﷺ قد أُرسل مبينًا لكتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤).
стр. 458
٢ - أنه ﷺ مطاعٌ وجوبًا: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣).
٣ - أنه ﷺ أسوة حسنة يجب على المسلمين اتباعه قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٤).
٤ - أنه ﷺ صاحب سلطة تشريعية: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥).
٥ - أن سننه ﷺ يجب على المسلمين اتباعها لأنها وحي من الله وهو مثل القرآن قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٦).
стр. 459
وقال الرسول ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه .... " (١).
٦ - أنه ﷺ هو خاتم الرسل والأنبياء قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢).
وقال النبي ﷺ : "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما
هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون" (٣).
بعد هذا العرض السريع للجانب التأصيلي في هذا المبحث نأتي إلى موضوع التأثر بالمنهج الاستشراقي، فنذكر أقوال المتأثرين بالاستشراق حول رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي تنقسم قسمين، وكلٌ منهما نجعله في مطلب:
المطلب الأول: أقوالهم حول منصب الرسالة التشريعي.
المطلب الثاني: أقوالهم حول ختم الرسالة المحمدية.
стр. 460
المطلب الأول: أقوال المتأثرين بالاستشراق حول منصب الرسالة التشريعي وتفنيد شبهة نزع السلطة التشريعية عن صاحبها ﷺ -.
стр. 461
أقوال المتأثرين بالاستشراق حول منصب الرسالة التشريعي
قال جراغ علي: "إن الرسول ﷺ كان مصلحًا اجتماعيًا غير أنه استطاع أن يوجه الإنسانية الجاهلية المستغرقة في الأوهام إلى التمسك بعقيدة توحيد الخالق، وربى فيهم الخلق الفاضل وعظم فيهم مكانة المرأة حيث حدد التعدد في الزواج وذم استعباد الإنسان وقضى على عادة قتل الأولاد" اهـ (١).
وقال أيضًا: "الأحاديث المروية عن الرسول ﷺ وأصحابه كثيرة جدًا كأنها بحر زخار .... وفي الحقيقة إن أصحاب الرسول ﷺ كانوا لا يريدون كتابتها، بل كانوا ينهون عنها، والذين جاءوا من بعدهم كتبوها وأضافوا إليها أشياء من عندهم، ولكنهم لم يضعوا منهجًا لنقدها، فاختلط الصحيح بالضعيف والثابت بالموضوع، وبعد زمن طويل فكر بعض الشيوخ في تحقيق هذه الذخائر من الحديث، فدونت الكتب الستة، ولكن تحقيقهم هذا لم يكن مبنيا على أسس تاريخية وعقلية يمكن التحقق منها، ولم يضعوا معيارًا للنظر في متن الحديث أو للنظر في وثائقها التاريخية الداخلية والخارجية، حتى يتعين لهم الصحيح من غيره، إنما نظروا في تحقيقها إلى اتصال السند وعدمه، وتعديل الرواة وجرحهم، وغيرها من بعض الأمور البسيطة، وأما تحقيقها من حيث المتن فتركوها لغيرهم، ولهذا السبب أخبار الآحاد لا يُحتج بها عند المحققين ....
وهناك قاعدة قد أشار إليها المحققون الذين جمعوا الأحاديث وحققوها قالوا: إن الحديث مهما كان مستندًا قويًا محكمًا- فلا اعتبار له إذ لا يحصل منه العلم الحقيقي عما هو فيه، ولو نظرنا إلى هذا القول فلا حاجة إلى وضع معيار صادق من منهج عقلي للتحقيق لأن الأحاديث نفسها ليس لها أهمية" اهـ (٢).
стр. 462
وقال إقبال: "أحكام الشريعة الناتجة عن هذا التطبيق كالأحكام الخاصة بعقوبات الجرائم هي أحكام يمكن أن يقال تخص هذه الأمة، ولما كانت هذه الأحكام ليست مقصودة لذاتها فلا يمكن أن تفرض بحرفيتها على الأجيال المقبلة، ولعل هذا هو السبب في أن أبا حنيفة ﵀ الذي كان يعلم عالمية الإسلام لم يكد يعتمد على الأحاديث" اهـ (١).
وقال أيضا: "وأما في مسألة الاجتهاد فلا بد من التمييز بين أحاديث تدخل في إطار القانون، وأحاديث ليس لها ارتباط بالقانون، ثم لا بد من التفريق في القسم الأول: بين تلك الأحاديث التي جاءت كعادات جاهلية، وتلك التي ذُكرت فيها أعراف وعادات جاهلية مع تدخلٍ شرعيٍ من قِبَلِ الرسول ﷺ ، ولكن هذه الحقيقة صعب إدراكها لأن الفقهاء المتقدمين لم يشيروا إلى هذه الأعراف، ولا نعلم هل أجاز الرسول ﷺ هذه الأعراف بقوله الصريح أم تركها بدون أي تلميح، هل كان قصد الرسول ﷺ من هذه الأحاديث أن يُعمل بها في كل مكان وزمان" اهـ (٢).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة
المتأمل في العبارات السابقة يعرف جيدا أن العبارات كلها ترتكز على نقطة واحدة وهي محاولة نزع السلطة التشريعية عن صاحبها ﷺ ، ولأجل هذا الهدف سلكوا عدة طرق منها:
١ - وصفه ﷺ بأنه كان مصلحا اجتماعيا.
٢ - وأن سننه ليست بواجبة الاتباع على الأمة.
٣ - وأن سننه ﷺ مختلطة بالعادات والأعراف الجاهلية، كما هي مختلطة بالضعيف والموضوع.
стр. 463
٤ - وأنه ليس هناك منهج معين يتميز به الأعراف الجاهلية من السنن النبوية، أو يُميَّز به بين الصحيح والضعيف منها.
٥ - وأما القدر الثابت منها فلم يكن مقصودا لذاته، فلا يمكن أن تفرض هذه السنن بحرفيتها على الأجيال المقبلة.
وهذا كله وجه من وجوه إنكار السنة بل هي الطامة الكبرى التي حصلت في ديار الهند بسبب التأتير الاستشراقي الغربي، وهذا هو السبب الأساسي في بروز الفرق المنحرفة عن الإسلام مثل الفرقة القاديانية والقرآنية (منكري السنة).
يقول الدكتور سمير عبد المجيد: "وسط هذه الظروف والأحوال فإن مستوى الاعتزال الجديد يمكن أن يكون مستوى متدنيا جدا بالنسبة للاعتزال القديم لسبب العلم القليل مع جسارة الجهل الزائدة، ويضم التكنيك الذي يستعمل الآن لنشر هذه الفتنة العناصر التالية كأهم ما فيه:
أولا: التصديق لصحة الطعن الذي استخدمه المستشرقون الغربيون للتشكيك في الحديث، ثم إضافة الحواشي من جانبهم ونشر هذه الأفكار بين عامة المسلمين حتى يصاب الجاهلون منهم بسوء الفهم الذي يجعلهم يظنون أن النبي ﷺ لم يأت لهذه الأمة بأية وسائل أخرى ثابتة، وقابلة للاعتماد إلا بالقرآن الكريم.
ثانيا: محاولة التجريح في مجموع الأحاديث بهدف إعابتها، وتتم هذه الطريقة بنفس الأسلوب الذي يجرح به الهنادكة الآريون والمنصرون المسيحيون القرآن الكريم، واستخراج أشياء بل اصطناعها اصطناعا، وعرضها على العامة، حتى يمكن أن يؤثروا بها عليهم، على أساس أن كتب الحديث مملوءة بمواد مخجلة ومضحكة .... ثم تدمع العين بعدها وتطلب إنقاذ الإسلام من هذا الخجل.
ثالثا: اعتبار منصب الرسالة مجرد منصب، وأن عمل النبي هو فقط مجرد إبلاغ الناس بالقرآن الكريم.
стр. 464
رابعا: اعتبار القرآن الكريم هو المصدر الوحيد للتشريع وإخراج السنة من نظام الشريعة" اهـ (١).
ولم تنحصر هذه الفتنة فيمن تأثر بالمستشرقين مثل سيد أحمد خان وجراغ علي وأمير علي وإقبال بل تعدت إلى العلماء الكبار الذين لهم جهود طيبة في نشر الدعوة الإسلامية والدفاع عنها، فأثاروا شبها حول منهج المحدثين في تحقيق الروايات فتشابهت شبهاتهم وشبهات المستشرقين والمستغربين، ونذكر هنا على سبيل المثال: من هؤلاء العلماء الكبار شبلي النعماني ﵀: فيرى ترجيح الدراية على الرواية، وترجيح فتوى عقلية لعالم من العلماء على الحديث الثابت الصحيح، والاهتمام بمتن الحديث في النقد أكثر من نقد الرواة وعددهم، فرفض على هذا الأساس معظم الأحاديث الثابتة سندا، منها ما يرى مخالفا للعقل أو مخالفا لدراسته الطبيعية أو مخالفا لمشاهدته الجغرافية أو مخالفا لنص القرآن في الظاهر أو مخالفا للإجماع المزعوم عند الفقهاء .... وإلى غير ذلك من المخالفات (٢).
ومن هؤلاء العلماء الكبار الأستاذ أبو الأعلى المودودي ﵀ فيقول: "وأما الإسناد فالمحدثون قد بذلوا قصارى جهدهم ليعرفوا أمورًا، منها: هل ثبتت المعاصرة بين الراوي والمروي عنه؟ وهل ثبت اللقاء بينهما؟ وإذا ثبت اللقاء فهل سمعه منه تلك الرواية أو سمع من غيره ونسبها إليه ومهما كان هذا البحث والتحقيق فلم يخرج من حدود القدرات البشرية.
ولا يستلزم من هذا التحقيق أنهم قد أدركوا الأمر على حقيقته، لأنه من الممكن جدًا أن الإسناد الذي يقولون باتصاله قد يكون منقطعًا في حقيقة الأمر، لأنه من الممكن جدًا أن يكون قد سقط راو مجهول ليس بثقة وهم لا يدرون، وهكذا من الممكن جدًا أن الروايات التي أقرَّها المحدثون بأنها مرسلة ومعضلة ومنقطعة وحكموا
стр. 465
عليها بأنها ضعيفة قد تكون قد جاءت من الرواة الثقات وهى صحيحة والمحدثون لا يدرونها. نظرًا إلى هذه وغيرها من الاحتمالات الكثيرة نقول: إن علم الإسناد وعلم الجرح والتعديل لا يمكن أن يقال إنه علم صحيح كليًا، إنما يستعان به في تحقيق السنة النبوية وآثار الصحابة، ولكن لا يصح الاعتماد الكلي على هذا العلم" اهـ (١).
وقال أيضًا: "كان موضوع المحدثين ﵏ وشغلهم الشاغل تحقيق الأخبار والآثار نظرًا إلى الرواية، فغلبت عليهم وجهة نظر الأخباريين، وكانوا يحكمون بصحة الرواية وعدمها معتمدين على الإسناد ورجال السند فقط، ولذلك تغيّبت عنهم نظرة فقهية، فترى أكثر الروايات التي قالوا بصحتها ليست صالحة من حيث المعنى، وكثير من الروايات التي قالوا بضعفها تراها صحيحة من حيت المعنى" اهـ (٢).
بعد أن نقد منهج المحدثين في تحقيق الرواية، وضع المودودي منهجًا جديدًا، لتحقيق الروايات فيقول فيه: "إذا اتحدت روح المسلم بروح محمد ﷺ ، ونظره ببصيرة محمد ﷺ ينصهر عقله في بوتقة الإسلام، فيرى ما يراه الإسلام ويفكر بفكرة الإسلام، وإذا بلغ المرء إلى هذا المقام فلن يحتاج إلى إسناد فى قبول الرواية، وإن استعان به فلا يكون حكمه على الحديث متوقفا عليه، إذ أنه قد يقبل حديثًا مهما كان غريبًا أو ضعيفًا أو منقطع السند أو مطعونًا فيه. لأن نظره الثاقب قد اطلع على لمعان الجوهرة من بين تلك الأحجار المهجورة، وقد يعرض طرفه من قبول حديث متصل السند لأنه يعرف أن الخمر المعنية التي ملئت بها هذه الكأس الثمينة لا تنسجم مع طبيعة الإسلام ومزاجه" اهـ (٣).
стр. 466
إن هذه الإشكالات صدرت من رجل مثل المودودي الذي أفنى حياته في الدفاع عن الإسلام ورفع شأنه على سائر الأديان، والذي كتب كتابه "السنة ومكانتها في التشريعي الإسلامي" بحمال شديد ردًّا على منكري السنة، فقال فيه: "لم يكن الضمير الاجتماعي للأمة الإسلامية على استعداد بأي حال من الأحوال لقبول مسألة تحرر المسلمين من إطاعة الله، واتباع الرسول ﷺ ، وقد يظهر بعض الناس في كل زمان وفي كل أمة، يخدعون بمثل هذه الأمور، إلَّا أن ملء عقل الأمة كلها بهذا الأمر يكون أمرًا صعبًا وعسيرًا، فغرس مثل هذا الأمر اللامعقول في ذهن عامة المسلمين لا يمكن أن يتم، فكيف يؤمن الإنسان برسالة النبي ﷺ ثم يخلع من عنقه قلادة طاعته، إن أي مسلم بسيط -لو أصابه مس في عقله- يمكن أن يرتكب عصيانًا، إلا أنه لا يمكن أبدًا أن يتبع تلك العقيدة التي تأمره بعدم الالتزام بطاعة الرسول ﷺ ، وهو يؤمن بالرسالة المحمدية" اهـ (١).
وأخيرا نرى في هذا الصدد إلى ما قاله زعيم المتأثرين بالاستشراق في الهند سيد أحمد خان: بعد أن آمن إيمانًا جازمًا بأن امتداد الزمن قد أوجد أحاديث وروايات موهومة لا حقيقة لها في الوجود وضع منهجًا جديدًا في تحقيق السنة فيقول: "يشترط في قبول السنة شروط ثلاثة:
١ - أن يكون الحديث المروي قول الرسول ﷺ بالجزم واليقين.
٢ - أن توجد شهادة تثبت أن الكلمات التي أتى بها الرواي هي الكلمات النبوية بعينها.
٣ - ألا يكون للكلمات الواردة في الحديث معان سوى ما ذكرها الشراح.
стр. 467
فإن تخلف أحد هذه الشروط الثلاثة لا يصح نسبة هذا القول إلى رسول ﷺ أو أنه حديث من أحاديثه" اهـ (١).
وهذه الشروط الثلاثة لا تنطبق إلَّا على المتواتر اللفظي وأما المتواتر المعنوي، والآحاد الصحيحة الثابتة التي عليها مدار العقيدة والأحكام قد ألغاها إلغاءً تامًا، وبناء على موقفه هذا جعل الأحكام الواردة عن طريق السنة بوجه عام أحكامًا لا يجب على المسلمين اتباعها ولا يلزم العمل بمقتضاها، وهكذا قد حاولوا نزع السلطة التشريعية عن صاحبها ﷺ .
إذن الشبهة متعددة الأطراف وهي ترتكز حول نزع السلطة التشريعية عن صاحبها ﷺ . فنذكر كل طرف منها ثم ننقده.
تفنيد الشبهة:
شبهة نزع السلطة التشريعية عن صاحبها ﷺ .
والرد على هذه الشبهة يكون من وجوه:
أولا: قول جراغ علي: "وفي الحقيقة إن أصحاب الرسول ﷺ كانوا لا يريدون كتابتها ...... " اهـ.
فنرد عليه بقولنا إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكتبون السنة ويحفظونها ويدل على ذلك الآثار المروية عن الصحابة ﵃: عن عبد الله عمرو بن العاص ﵁ قال: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه ..... " اهـ (٢).
عن أنس أن أبا بكر رضى الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله
стр. 468
صلى الله عليه وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سأل فوقها فلا يعط ........ وذكر أنصبة الزكاة في الماشية وذكر نصاب الفضة (١).
وعن عبد الملك بن ورَّاد (كاتب المغيرة) قال: "كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت من رسول الله ﷺ فكتب إليه: إن نبي الله ﷺ كان يقول دبر كل صلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وكتب إليه: أنه كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، وكان ينهى عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات (٢).
وأما أحاديث النهي المرفوعة إلى النبي ﷺ في هذا الصدد كلها لم تخل من مقال الّلهم إلا حديث أبي سعيد ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه، مع ما فيه من وجود من أعلَّه بالوقف، ثم إنه على فرض أن الصواب رفعه، فإن حديث أبي هريرة رضى الله عنه "اكتبوا لأبي شاة" متأخر عنه كما بين ذلك أحمد شاكر (٣).
وأما أحاديث الإباحة المرفوعة فهي كثيرة، مما ذكر منها من قبلُ كله صحيح، وهي دلائل واضحة على إباحة الكتابة منه ﷺ بل إن حديث ابن عباس رضى الله عنهما "ايتوني بكتاب أكتب لكم .... " دليل واضح على أن ذلك كان آخر الأمرين منه ﷺ ، إن الصحابة الذين رُوي عنهم النهي أو
стр. 469
الامتناع من الكتابة قد ثبت عنهم الإذن بالكتابة إلا أبا موسى الأشعري رضى الله عنه على أن ما روى عنه في النهي ضعيف لا يحتج به (١).
ثانيا: وأما قول جراغ علي عن المحدثين: "بأن تحقيقهم هذا لم يكن مبنيا على أسس تاريخية وعقلية .... إنما نظروا إلى اتصال السند وعدمه .... وأما تحقيق الرواية من حيث المتن فتركوه لغيرهم ... " اهـ.
فنرد عليه بقولنا: المنهج التاريخي الحديث نفسه مستمد من منهج المحدثين لنقد الروايات، يقول الدكتور قنديل محمد قنديل ﵀ : "وفي المجال التاريخي في القديم كان يُعتمد في نقد الأحداث التاريخية على مجرد الرواية دون أن يكون هناك منهج علمي محدد تنتقد على أساسه الروايات، استمر الحال على ذلك إلى أن وضعت خطوات وأسس في العصر الحديث لنقد الروايات التاريخية مستمدة من منهج النقد للروايات الحديثية عند المحدثين (٢).
وقد ذكرنا هذه الخطوات مع الإشارة إلى عمل المحدثين الذي أخذت منه هذه الخطوات عند ذكر مناهج المستشرقين (٣).
ثالثا: وأما قول جراغ علي: "إن المحدثين إنما نظروا إلى اتصال السند وتركوا دراسة المتن" اهـ.
فهذه فرية أخرى قد أثارها أعداء الإسلام ومن سلك مسلكهم للطعن في الحديث، ومن ثم الطعن في منصب النبي ﷺ التشريعي.
فنرد على هذه الفرية بقولنا: "إن صحة إسناد الحديث لا تعني (في اصطلاح المحدثين) صحة الحديث، لأن من شروط الصحيح ألا يكون شاذًا ولا معللًا.
стр. 470
والشذوذ والعلة يكونان في السند كما يكونان في المتن، فقد يصح إسناد حديث ويكون في متنه علة قادحة تقدح في صحته وهكذا الشذوذ، ولذا لم تكن دراستهم قاصرة على الأسانيد وإنما بحثوا في علل المتون وشذوذها، ومن ذلك كتب المصطلح وكتب العلل وهو كثيرة.
وهناك كثير من علوم الحديث لم يكتف فيها بدراسة الإسناد فقط، بل يدرس الإسناد والمتن جميعًا، فمن ذلك: الحديث المقلوب والمضطرب، والدرج والمعلل والمصحَّف والموضوع وزيادة الثقة.
كما أنشئت علوم كثيرة تتعلق بدراسة المتن خاصة من ذلك غريب الحديث، أسباب وروده، ناسخه ومنسوخه، مشكله، ومحكمه (١).
ومما يدل على أن المحدثين اجتهدوا في نقد المتن -كما اهتموا بنقد السند- ما وضعوه من علامات وضوابط يعرف بها وضع الحديث لمجرد الرجوع إلى متنه ومن ذلك: ركاكة اللفظ في المروي، وفساد المعنى، ومخالفة الحديث لنص القرآن أو السنة المتواترة، وما دل على تواطؤ الصحابة على كتمان أمر وعدم نقله، وما خالف الحقائق التاريخية التي جرت في عهد النبي ﷺ . واختبر بقرائن دلت على بطلانه، ما وافق مذهب الراوي وهو غالٍ فِى تعصبه، وما كان عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله، وما اشتمل على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم على الأمر الصغير أو وعيد عظيم على فعل يسير، هذه وغيرها من الضوابط قد جمعها الشيخ الأمين الصادق الأمين من كتب علوم الحديث (٢).
ولما سئل الإمام ابن القيم ﵀ هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ قال: "فهذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة،
стр. 471
وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعوا إليه، ويحبه ويكرهه ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه.
فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول ﷺ وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به، وما لا يجوز: ما لا يعرفه غيره وهذا شأن كل متبع مع متبوعه، فإن للأخص به، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك" اهـ (١).
رابعًا: أما قول جراغ علي: "إن الحديث مهما كان مستندًا قويًا محكمًا فلا اعتبار له إذ لا يحصل منه العلم اليقينيّ" اهـ.
فقبل أن نفند زعم جراغ علي نقول:
شبهة كون الحديث ظنيّ الثبوت والدلالة كالن أكبر متمسك تمسك به المستشرقون والمستغربون للطعن في الحديث ومن ثم حاولوا نزع منصب التشريع من صاحب التشريع ﷺ ، وازدادت الشكوك إثارة لما نقلوا الكلمة "الظنية" إلى الانجليزية بقولهم: (doubtful) (٢) .
وأما الرد فعلى النحو التالي:
стр. 472
١ - لا يجوز أن يكون الخبر الذي تعبد الله به الأمة، وتعرف به إليهم على لسان رسوله ﷺ كذبًا وباطلًا، لأنه من حجج الله على عباده، وحجج الله لا يمكن أن تكون كذبا وباطلًا (١).
(ولكن) "لما أظلمت القلوب وعميت البصائر بالإعراض عما جاء به الرسول ﷺ ، وازدادت الظلمة بالاكتفاء بآراء الرجال، التبس عليها الحق بالباطل، فجوزت على أحاديثه الصحيحة التي رواها أعدل الأمة وأصدقها أن تكون كذبًا، وجوزت على الأحاديث الباطلة المكذوبة المختلقة التي توافق أهواءها أن تكون صدقًا فاحتجت بها" اهـ (٢).
٢ - لقد تكفل رب العالمين بحفظ دينه كله، وإظهاره على الأديان كافة، ولذلك فضح الله من كذب على رسوله ﷺ في حياته وبعد مماته.
قال سفيان ابن عيينة: (٣) "ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث" اهـ (٤).
وقال ابن المبارك: "لو همَّ رجل أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب" اهـ (٥).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا يثبت بها شيء من صفات الله، زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين وأن العقائد لا بد فيها من اليقين
стр. 473
باطل لا يعول عليه، ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ بمجرد تحكيم العقل" اهـ (١).
خامسا: وقد ادعى جراخ علي: "أن الحديث مهما كان مستندًا قويًا محكمًا فلا اعتبار لها".
إن قصد به الأحاديث المتواترة فلا حاجة لنا للخوض معه في إثبات حجية المتواتر، لأنه مفروغ عنه ومعترف به عند جميع الفرق الإسلامية، وأما إذا قصد به أحاديث الآحاد فقوله: بأن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم اليقيني ليس موضع اتفاق بين العلماء بل الخلاف بينهم قائم في ذلك، فجمهور الأصوليين على أنه يفيد الظن، وذهب جمهور أهل الحديث وأهل الظاهر وجماعة من العلماء على أنه يفيد العلم اليقيني، وذهب جماعة آخرون على أنه يفيد العلم إذا احتفت بالقرائن (٢).
والذي يترجح من أقوال العلماء وتطمئن له النفس أن حديث الآحاد متى ثبتت روايته ولم يكن فيه طعن فإنه يفيد العلم اليقيني (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيما نقله عنه ابن القيم: "فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم مفيد لليقين، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين، فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم، كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلا العلماء بها دون المتكلمين والنحاة والأطباء، وكذلك لا يعتد في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله، وهم علماء أهل الحديث
стр. 474
العالمون بأحوال نبيهم، الضابطون لأقواله وأفعاله، المعتنون بها أشد من عناية المقلدين بأقوال متبوعيهم" اهـ (١).
وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀: "والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ﵀ ومن قال بقوله من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي سواء كان في أحد الصحيحين أم في غيرها، وهذا العلم اليقنّي علم نظري برهاني، لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث العارف بأحوال الرواة والعلل.
وهذا العلم اليقيني النظري يبدو ظاهرًا لكل من تبحر في علم من العلوم، وتيقنت نفسه بنظرياته، واطمأنت قلبه إليها. ودع عنك تفريق المتكلمين في اصطلاحاتهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى آخر غير ما نريد" اهـ (٢).
وقال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: والحق الذي نراه ونعتقده أن كل حديث آحادي صحيح تلقته الأمة بالقبول من غير نكير منها عليه أو طعن فيه فإنه يفيد العلم واليقين، سواءً كان في الصحيحين أو في غيرهما: وأما ما تنازعت الأمة فيه، فصححه بعض العلماء وضعفه آخرون فإنما يفيد عند من صححه الظن الغالب فحسب. والله أعلم اهـ (٣).
سادسا: أما قول إقبال: "لما كانت هذه الأحكام ليست مقصودة لذاتها فلا يمكن أن تفرض بحرفيتها على الأجيال المقبلة .... " إلى أن قال " ... ولعل هذا هو السبب في أن أبا حنيفة .... لم يكن يعتمد على الأحاديث" اهـ.
فهذه محاولة من إقبال لإلغاء التشريع الجنائي المذكور في الأحاديث النبوية من الشريعة الإسلامية.
إن صلاحية قانون الإسلام لكل زمان ومكان وتطبيقه على حرفيته بدون تغيير وتبديل هي ميزة من مزايا الإسلام التي لا توجد عند أي دين من الأديان، إذ أن
стр. 475
القاعدة المطبقة المستقرة في شريعتنا الإسلامية، ينبثق استقرارها من صلاحيتها لكل زمان ومكان، فهي لا تتقيد ولا تتبدل بتغيير الأزمنة والأمكنة، لأنها تراعي المصالح الأساسية لكل مجتمع يقوم على وجه الأرض، ولا يمكن أن تعتبر صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان دليلًا على جمودها كما يدّعي أعداء الإسلام، بل هي أصدق دلالة على كمالها الذي يبحث عنه فقهاء التشريع في كل العصور.
وفي هذا يقول أحد علماء الاجتماع القانوني في أمريكا اليوم "روسكو باوند" (Roscoe pund) والذي تولى القضاء في محكمتها العليا وأستاذية فقه القانون بجامعة هارفارد بأمريكا أعوامًا طويلة، في مقدمة كتابه "القواعد الأساسية لعلم الاجتماع القانوني" الذي ألَّفه "يوجين ألريك" (Eugene Elrick) بعد بحث مستفيض في طبيعة القانون:
"إن البحث استمر قرونًا طويلة من الزمان للوصول إلى حل لمشكلة إيجاد التوازن بين الاستقرار في القاعدة القانونية وإلى الحاجة إلى التغيير وهو الأمر الذي نعتبره المشكلة الأساسية في النظام القانوني ........ وإن محاولات قد بذلت للربط بين هذه الضروريات الماسة لقيام النظام القانوني وبين نوع من نظام عالمي للقانون، يعبر عن المثل العليا التي ينبغي أن تقوم، والتي ينبغي أيضًا أن تتحقق، وحين تتحقق هذه المحاولات يصبح بين أيدينا بالفعل، في النهاية قانون مثالي كامل، ولا بد أن يكون كذلك عامًا في كل مكان وفي كل زمان صالحًا للتطبيق في كل مكان يسكنه البشر" اهـ (١).
فالمطلوب الإشارة إلى الاستقرار في القانون مطلب يسعى إلى الوصول إليه علماء القانون في أمريكا وكذلك في غير أمريكا، فيحاولون إيجاد نظام عالمي عام صالح للتطبيق بالفعل في كل زمان ومكان وعلى كل جنس من البشر، وهم يبحثون
стр. 476
ويكدون في البحث عن وجود هذا النظام القانوني الذي يمكن بالفعل تطبيقه وقبوله على حرفيته، بدون تغيير وتبديل في كل مجتمع وهذه الخاصة لم توجد إلا في القانون الإسلامي، ولكن إقبالًا لم يطب له هذه الميزة في القانون الإسلامي خوفًا من أن يوصف دينه بالجمود أو الوحشية، فادعى بأن الأحكام الخاصة بعقوبات الجرائم لا يمكن أن تفرض بحرفيتها على الأجيال المقبلة، فيريد أن يغير القانون السماوي كما غيره النصارى واليهود، وقد حذر من ذلك الرسول ﷺ .
عن عائشة رضى الله عنها: "إن امرأة من بني مخزوم سرقت، فقالوا من يكلم فيها النبي ﷺ ؟ فلم يجترئ أحد أن يكلمه فكلمه أسامة بن زيد، فقال إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه لو كانت فاطمة (بنت محمد) لقطعت يدها" اهـ (١).
لو لم تكن هذه الأحكام مقصودة بذاتها لما قال النبي ﷺ : "لو كانت فاطمة (بنت محمد ﷺ لقطعت يدها".
سابعا: وأما قول إقبال: "من الصعب أن تفرق بين الأحاديث التي تدخل في إطار القانون وبين تلك التي جاءت كعادات جاهلية .... " اهـ.
فهذه محاولة أخرى من إقبال لإلغاء العمل بالأحاديث النبوية الثابتة الصحيحة.
وعلل على ذلك بقوله: "هذه الحقيقة صعب إدراكها لأن الفقهاء المتقدمين لم يفرقوا بين هذه وهذه .. " اهـ.
فنرد على هذا بقولنا: إن الله قيض لهذه الأمة ولدينها جهابذة من الفقهاء والمحدثين الذين صنفوا الأحاديث على أبواب الفقه وبينوا أحكامها، وميزوا بين الناسخ والمنسوخ والمحكم وغير المحكم، وذكروا أسباب ورود الأحاديث وتاريخ وقوعها بكل دقة وأمانة.
стр. 477
قال ابن القيم ﵀: "إن الله سبحانه نصب رسول الله ﷺ منصب المبلغ المبين عنه فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق بين ما يبلغه منه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع ومخالفة هذا كمخالفة هذا" اهـ (١).
والبيان الذي عن الرسول ﷺ قد قسمه العلماء وبينوا علاقته بالشرع حتى لا يبقى لشاكِّ من صعوبة في تمييز الأحاديث التي جاءت كعادات والتي جاءت كأحكام قانونية.
قال ابن القيم ﵀: إن البيان من النبي ﷺ على أقسام:
أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًا.
الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بين أن الظلم المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ هو الشرك، وأن الحساب اليسير هو العرض ....
الثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله.
الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها، كما سئل في قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره.
الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعد ما تضمخ بالخلوق فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر الخلوق.
السادس: بيان للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال، كما حرّم عليهم لحوم الحمر والمتعة وصيد المدينة ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك.
السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نهيهم عن التأسي به.
стр. 478
الثامن: بيانه جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده أو يعلمهم يفعلونه.
التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوًا بالسكوت على تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقًا.
العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأقوال وأوصاف، فيحل الرب على رسوله ﷺ في بيانها كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١)(٢).
ثامنا: أما قول إقبال بإن أبا حنيفة ... لم يكد يعتمد على الأحاديث فهذا اتهام صريح على هذا الإمام الجليل الذي قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وجعل الأخذ بالسنة بعد كتاب الله، من أصوله في استباط الأحكام (٣).
بعد هذا التقسيم الدقيق لسنن النبي صلى الله عليه سلم هل يبقى لشاكِّ حجة لترك اتباع سننه ﷺ زاعما بأن الفقهاء المتقدمين لم يميزوا بين الأعراف والسنن؟
وبالجملة حصلت في الهند فتنة إنكار الحديث، وكان هذا الإنكار على قسمين: الإنكار الكلي والإنكار الجزئي، أما الإنكار الكلي فحصلت من فرقة منكري السنة، ولنا مع هذه الفرقة وقفات خاصة في الفصول القادمة إن شاء الله تعالى (٤).
وقد تعرضنا للإنكار الجزئي في الصفحات السابقة عند جراغ علي، ومحمد إقبال، وشبلي النعماني، وسيد أحمد خان والشيخ أبي الأعلى المودودي، ولا يسعنا المجال أن نتناول جميع الشبهات والرد عليها إذ هو موضوع طويل يحتاج إلى سجل خاص.
وبالإضافة إلى ما ذكرنا من ردود فإنا نشير إلى بعض المؤلفات التي تناولت هذا الموضوع ردًّا وتفنيدًا بالتفصيل:
стр. 479
وقد قام بالرد على شبهات سيد أحمد خان الشيخ صلاح الدين مقبول أحمد في كتابه "زوابع في وجه السنة قديمًا وحديثًا" (١) والشيخ الدكتور خادم حسين الهي بخش في كتابه "أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية" (٢).
وأما الأستاذ المودودي فقد تناول بشبهاته قديمًا الشيخ أبو الوفاء ثناء الله الأمرتسري في رسالة سماها "خطاب بمودودي" نشرتها ثنائي برقي بريس أمرتسر الهند سنة ١٩٤٦ م / ١٣٦٥ هـ، وحديثًا تناول شبهاته الشيخ صلاح الدين مقبول أحمد في كتابه "زوابع في وجه السنة" (٣) كما أشار إلى مزاعم الأستاذ المودودي د. الأمين الصادق الأمين في كتابه "موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية" (٤). كما تناول موقف الجماعة الإسلامية عامة وموقف الأستاذ المودودي من السنة بالتفصيل الشيخ محمد إسماعيل في كتابه "موقف الجماعة الإسلامية من الحديث النبوي" (٥).
وأما الشبلي النعماني فقد رد على مزاعمه الشيخ المحدث عبد العزيز رحيم آبادي في كتابه "حسن البيان فيما في سيرة النعمان" نشرته مكتبة مولانا ثناء الله الأمرتسري دلهي الهند ط/ ٤ - ١٩٨٤ م -١٤٠٤ هـ.
وخلاصة القول إن السيد والشبلي وإقبالًا والمودودي مع خدماتهم الجليلة للدين الإسلامي كانوا ممن فتحوا باب الإنكار الجزئي للحديث النبوي، أما الأولون (السيد والشبلي وإقبال) فيدل على تأثرهم بالاستشراق منهجهم العقلي إذ أنهم كانوا من أولئك العقلانيين الذين تأثروا بالاستشراق الغربي، فأنكروا كل شيء لم تدرك عقولهم، واختاروا طريق التأويل البعيد وأسموا هذه العملية بالمنهج الطبيعي أو الفطري
стр. 480
هذا عند السيد، أما الشبلي فسماها دراية، وقد راج المصطلح الأول في أوساط المثقفين بالثقافة الغربية، ولكن وُجد النفور عند علماء الدين، أما المصطلح الثاني الذي اختاره الشبلي والذي كان مقبولًا في القديم مع اختلافه في المعنى قد تلقى قبولًا عند الجميع (١).
وأما الشيخ المودودي فلا نقول أنه تأثر بالاستشراق الغربي بل أراد أن يرد على العقلانيين بمناهجهم فوقع فيما وقعوا فيه، وقد سمى هذه العملية بـ "مسلك الاعتدال" (٢)، وقد راج هذا المصلح أيضا في المعاصرين.
فكل من السيد والشبلي والمودودي قد يلمحون إلى استنادهم بالأصلين المشهورين اللذين قد راجا عند جماهير علماء الأمة عفوًا وسهوًا، فأولهما: "الآحاد لا يحتج بها في العقائد". والثاني: "الآحاد تفيد الظن ولا تفيد اليقين" وعلى هذين الأساسين أثاروا شبهات حول منهج المحدثين فأوّلوا أحاديث بل ردوها مع كونها مروية بأسانيد صحيحة، فردوا الأحاديث التي جاء فيها ذكر المعجزات والغيبيات هذا عند السيد والشبلي، وأما الشيخ المودودي فقد أوّل أحاديث (٣) منها: حديث
стр. 481
سليمان ﵇ "لأطوفن الليلة على نسائي" (١) وحديث الجساسة (٢) وحديث "كذب إبراهيم ﵇ ثلاث كذبات" (٣).
стр. 482
المطلب الثاني
وفيه:
• أقوال المتأثرين بالاستشراق حول ختم الرسالة المحمدية.
• تفنيد شبهة كون العقل الاستقرائي يسد مسد النبوات والرسالات.
стр. 483
أقوال المتأثرين بالاستشراق حول ختم الرسالة المحمدية
قال إقبال: "وإذا نظرنا إلى استعمالات القرآن لكلمة الوحي يتبين لنا أن الوحي هو خاصة الحياة كخواص الحياة الأخرى يمرُّ بمراحل متعددة يتطور ويرتقي وتتغير نوعيته، مثل: أن تخرج شجرة رأسها بكل حرية من تحت الأرض، أو أن ينبعث عضو جديد لحيوان في بيئة جديدة، أو أن يخرج من الإنسان نفسه من أعماق وجوده نور وضياء، فهي أشكال مختلفة للوحي، بدأت تتغير نوعيته بتغيير أصحابه حسب ضرورياتهم ولما كانت البشرية في مراحلها الأولى أو في سنها الطفولي بدأت قوتها النفسية تنمو وتتطور حتى وصلت إلى شكل عبرنا عنه بشعور النبوة" اهـ (١).
ولكن لما تفتحت عيون العقل واستيقظت قوة النقد كان مستفاد الحياة في أن تتوقف القوى الغيبية التي كانت مقيدة للحياة في مراحل رقيها الأولى .... ، فالإنسان يسخر الأشياء التي حوله بالعقل الاستقرائي (العقل الكامل)، والعقل الاستقرائي يحصل للإنسان دفعة واحدة، فإذا حصل له هذا العقل يستحسن أن تسدّ كل الطرق العلمية بكل وجه حتى يصبح العقل الاستقرائي مستحكما .......
وظهور الإسلام هو ظهور العقل الاستقرائي وفي الإسلام قد وصلت النبوة إلى عروجها وكمالها، وأوجبت على نفسها الانتهاء" اهـ (٢).
وقال أيضا: "وإذا أقررنا بختم النبوة كأننا اعتقدنا أنه لا يجوز لأحد أن يدَّعي بأن علمه مرتبط بما هو فوق الفطرة .... فتصور الخاتمية هو قوة نفسية تقضي على ادعاء النبوة، ويفتح طريقا إلى الواردات الباطنية والأحوال الصوفية" اهـ (٣).
стр. 484
تحليل العبارة وتعيين الشبهة
إن استدلال إقبال على ختم النبوة فهو استدلال عقلي جيد، ولكنه لا يخلو من تأثر استشراقي خفي، حيث جعل الوحي والنبوة في مراحل وجعل حياة الإنسان في مراحل، وكل يرتقي في مراحله مرتبطا بعضهما ببعض، وجعل ختم الرسالة بكمال العقل الاستقرائي، ورفع العقل فوق منزلته حيث سدّ الطرق العلمية جميعا أمام طريق العقل الاستقرائي.
هذه وغيرها من العبارات كثر ترديدها بين رجال المدرسة المتأثرة بالاستشراق، ويجعلون بلوغ العقل سن الرشد دليلا على انقطاع الوحي والنبوة، واستحسن بعض الكتاب في هذا العصر مثل هذه العبارات لكونها دليلًا عقليًا على ختم النبوة، وهم لا يشعرون إلى أي شيء تستهدف هذه العبارات عند المستغربين، ولا يدرون أنهم جعلوا النبوة والعقل بمنزلة واحدة يغني كل منهما عن الآخر، فعند عدم كمال العقل تأتي النبوة، ويُرسل الأنبياء، وعند كمال العقل وبلوغ سن الرشد تنتهي الحاجة إلى النبوة والأنبياء، فينقطع الوحي والنبوة، والبشرية في نظرهم قد بلغت سن الرشد وليس لها من حاجة إلى النبوة وهدايتها فيكتفون بأحكام العقل وهدايته (١).
فهذا ما أشار إليه إقبال عند ما قال: " .... ولما كانت البشرية في مراحلها الأولى أو في سنها الطفولي بدأت قوتها النفسية تنمو وتتطور حتى وصلت إلى شكل عبرنا عنه بشعور النبوة .... ولكن لما تفتحت عيون العقل واستيقظت قوة النقد كان مستفاد الحياة في أن تتوقف القوى الغيبية التي كانت مقيدة للحياة في مراحل رقيها الأولى .... فالإنسان يسخر الأشياء التي حوله بالعقل الاستقرائي .... " اهـ.
стр. 485
"وما بُني هدا الزعم إلّا على نظرية التطور (الداروينية) التي قال بها المشككون في الدين حيث زعموا أن الإنسان بدأ حياته لا يفقه منها شيئًا ولم يزل عقله ينمو ويتطور إلى أن بلغ أشده" اهـ (١).
ليته وقف إلى هذا الحد ولكنه بعد ختم النبوة واستقرار العقل فتح مجالًا للشطحات الصوفية فقال: " .. فتصور الخاتمية هي قوة نفسية تقضى على ادعاء النبوة ويفتح طريقًا إلى الواردات الباطنية والأحوال الصوفية" اهـ.
وبعد هذا التحليل العلمي يمكننا أن نعين الشبهة في العبارة التالية وهي: أن العقل الاستقرائي يسد مسد النبوات والرسالات.
تفنيد الشبهة:
تفنيد شبهة كون العقل الاستقرائي يسد مسد النبوات والرسالات .
ويكون الردّ على الزعم السابق بوجهين:
أولًا: إن انقطاع الوحي لن يكون أبدًا بسبب بلوغ النوع الإنساني أو العقل البشري أشده، لأن الوحي السماوي لمَّا انقطع بوفاة رسول الله ﷺ ما زالت معظم الدنيا في جاهلية ووثنية.
فعملًا بقول الرسول ﷺ "ليبلغ الشاهد الغائب" (٢) حمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين هذه الأمانة إلى كل أفق من آفاق الدنيا، فانتشر نور الإسلام حتى لم يبق في الدنيا بيت مدر ولا وبر إلّا دخله هدى الإسلام، ثم عادت البشرية إلى جاهلية عمياء بسب غربة الإسلام مصداقا بقول الرسول صلى الله
стр. 486
عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء" اهـ (١) وقوله ﷺ : "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" اهـ (٢).
فكلما اهتدت البشرية بنور الإسلام تطورت وارتقت، وكلما خفي نور الإسلام عادت إلى جهلة جهلاء، وإذا كان الأمر هكذا فكيف يسد العقل الاستقرائي مسد النبوات والرسالات؟
ثانيًا: إن ختم الرسالة والنبوة ثابت في الكتاب والسنة وفيهما كفاية لكل مؤمن يؤمن بالله ورسوله، ولا يحتاج إلى التكلف بإتيان أدلة عقلية، وإذا لزم المقام إلى إتيان الأدلة العقلية فهناك أدلة عقلية، وهى أكثر دلالة من أدلة إقبال المشتبهة، وقد لخصها الأستاذ الدكتور محمود ماضي في كتابه "نبوة محمد" ﷺ (٣).
وخلاصته كما يلي:
إن الله تعالى لا يرسل نبيا بعد نبي إلّا لأحد الأسباب الآتية (٤):
١ - أن لا يكون قد جاء في أمةٍ رسولٌ لهدايتها وتعليمها وكانت الحجة تقتضي مجيئه بموجب عموم القاعدة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٥).
وقد ارتفع هذا السبب بنبوة محمد ﷺ لأن نبوته ﷺ لم تكن منحصرة في أمة دون أمة، أو زمن دون زمن، وإنما "أرسل إلى العالم كافة، بينما كانت رسالات غيره محدودة، كل رسول (أرسل) لأمة واحدة خاصة، وهكذا كانت كتبهم المنزلة، كل كتاب لشعب معين، أما النبي محمد صلى
стр. 487
الله عليه وسلم فكانت رسالته عالمية" اهـ (١) مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢).
٢ - أن يكون قد جاءها رسول ولكن اندثرت آثار رسالته ووقع التحريف والتبديل في تعليمه وكتابه المنزل عليه من الله وانمحت معالم سيرته وأعماله حتى لم يعد بوسع الناس أن يتبعوه ويتأسوا بحياته ويقتدوا بهداه.
وقد ارتفع هذا السبب بحفظ الله تعالى لشريعة محمد ﷺ فإن تعاليم محمد ﷺ حية باقية مصداقا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣)، ونعلم أي هداية وأي شرع جاء به من عند الله، وما هي السبل التي جاهد بها ليدفع عن هديه وشرعه. فإذا كان هذا كله حيًا في متناول الأيدي والفكر، فلا حاجة إلى نبي آخر يجددها ويعرضها مرة أخرى على الناس إذ كل رسالة بعد ذلك قول معاد ليس فيه جديد يستفاد" اهـ (٤).
٣ - أن يكون تعاليم الرسول السابق أو الرسل السابقين ناقصة أو بحاجة إلى التكميل والزيادة.
وقد ارتفع هذا السبب بشرع محمد ﷺ إذ جاء شرعه ﷺ كاملا مكتملا شاملا لجميع احتياجات الإنسان إلى قيام الساعة، وليس في شرع محمد ﷺ نقص أو قصور ينبغي أن يأتي نبي آخر لتلافيه، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥).
стр. 488
وهكذا قد ارتفعت الأسباب الثلاثة برسالة محمد ﷺ وانتهت النبوات إلى قيام الساعة مصداقا لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١)، فلا يزال -وسيظل- بأيدينا من الوسائل ما نعلم به في كل وقت وفي أي وقت، والحمد لله.
стр. 489
الفصل الثالث: أثره في مسائل الغيب
فيه ثلاث مباحث:
* المبحث الأول: مفهوم الغيب وأنواعه.
* المبحث الثاني: الملائكة والجن والشياطين.
* المبحث الثالث: الحياة البرزخية وما بعدها.
стр. 490
المبحث الأول: مفهوم الغيب وأنواعه
وفيه:
* مفهوم الغيب وأنواعه.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق في الغيب.
* تحليل العبارة وتعيين الشبهة.
* تفنيد شبهة كون عالم الغيب خيالا غير حسي.
стр. 491
مفهوم الغيب وأنواعه
أولًا: مفهوم الغيب
الغيب لغة:
" كل ما غاب عنك، تقول غاب عنه غيبةً وغيبًا وغيابًا وغيوبًا ومغيبًا" اهـ (١). وقال الأصفهاني: "الغيب مصدرُ غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن العين، يقال: غاب عني كذا، قال تعالى: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (٢) واستعمل في كل غائب عن الحاسة وعما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، قال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣) ويقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى فإنه لا يغيب عنه شيء كما قال الله : ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) وقوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٥) أي ما يغيب عنكم وما تشهدونه، والغيب في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (٦) ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداهة العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء ﵈ وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد (٧).
стр. 492
والغيب اصطلاحًا:
قال الإمام القرطبي ﵀: "كل ما أخبر به الرسول ﷺ مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار .... هذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل ﵇ حين قال للنبي ﷺ فأخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: "صدقت" وذكر الحديث" اهـ (١).
ثانيًا: أنواع الغيب
قال الإمام الرازي ﵀: "الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل وإلى ما ليس عليه دليل، فالمراد من هذه الآية (٢) مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا، فيؤمنون به، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع .... (٣).
وقد قسم بعض العلماء المعاصرين تقسيما آخر للغيب، وهو أنه ينقسم إلى قسمين: غيب مغيَّب وغيب محضَّر، والغيب المحضَّر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عام وخاص وأخص (٤). وهذا تقسيم جيد في ضوء الكتاب والسنة، لأنه يتضح فيه أنواع الغيب جلية لمن أراد أن يعرف حقيقة الغيب، فنذكر هنا كل نوع من هذه الأنواع مع ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبيوية التي تؤيد لكل نوع من هذه الأنواع:
стр. 493
١ - الغيب المحضَّر العام: يشمل جميع الإيمانيات والمسلمات والإخباريات الشرعية، وهو صفة المؤمنين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (١).
٢ - الغيب المحضَّر الخاص: وهو قد يسمى العلم اللّدني، وهذا العلم يهدي الله إليه من يشاء من عباده كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٢).
٣ - الغيب المحضَّر الأخص: وقد أوتي به خاتم النبيين نبينا محمد ﷺ ، مثل ما رآه ﷺ من أحوال الغيب يوم أسري به وعرج إلى السماء، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٣).
٤ - الغيب المغيَّب فقد استأثره الله به في علم الغيب عنده كما ورد في الدعاء عند الهم والحزن من قول الرسول ﷺ : ..... أو استأثرت به في علم الغيب عندك .... (٤).
ومن هذا الغيب مفاتيح الغيب الخمسة (٥) قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٦).
منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٧) وقال
стр. 494
تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١).
وقد تبين مما سبق من تعريف الغيب وأنواع الغيب أن الإيمان بالغيب شامل لكل ما أخبر به النبي ﷺ في القرآن أو في السنة الثابتة الصحيحة، ومن أهم أركانه التي أمرنا بالإيمان بها: الإيمان بالله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بالملائكة وأعمالهم، والإيمان بالكتب وما فيها من الهداية، والإيمان بالرسل وأخبارهم، والإيمان باليوم الآخر وأهواله والجنة ونعيمها والنار وعذابها.
هذا وقد سبق أن بينا أن المنهج السليم في كل مسألة من مسائل العقيدة النظر إلى جميع النصوص الواردة في الموضوع ليتضح الحق جليا، والاقتصار على بعض النصوص دون البعض الآخر هو من مناهج الفرق الضالة (٢).
يقول الدكتور عبد الرحمن الزنيدي: "إن المنهج السليم لفهم صحيح للنصوص في ميدان العقيدة أن يكون نظر المرء فيها ودراسته لمسائل الإيمان منطلقًا من النظرية الشاملة -الموضوعية والمنهجية-، ليقع كل عنصر من عناصر الإيمان في مقامه الصحيح، ويفهمه حسب وضعه في البنية الإيمانية المتكاملة.
إن يقين المسلم بأن في الوجود عالمين -وليس عالمًا واحدًا- هما عالم الغيب وعالم الشهادة، وأن لكل منهما حقائقه ونظامه الخاص.
ويقينه بأن قدرة الله لا تقف عند حدود العادة البشرية ولا تخضع للقوانين السببية.
ويقينه بأن النصوص الشرعية هي مصدر العقيدة الإسلامية لأنها من علم الله المحيط الحق.
ويقينه بأن البشر لا يمكن أن يحيطوا بذات الله ولا بصفاته علما، مهما أوغلوا في بحوثهم، وأن الصفات المتعلقة بالذات فالقول فيها كالقول في الذات.
стр. 495
ويقينه بأنه لا يملك حق التشريع لحياة الإنسان إلا الذي خلقه بيده مقاليد السماوات والأرض.
ويقينه بأنه تعالى ما أشهد خلقه على خلق السماوات ولا خلق أنفسهم .... إلخ، اليقينيات الضابطة لفكر الإنسان في دراسته للعقيدة.
مثل هذه اليقينيات إذا هيمنت على فكر الإنسان وقلبه، فإنها تحوطه عن جو النصوص الشرعية والكليات الإيمانية إلى تلك الجزئية ليدرسها لا العكس.
لقد كان السلف ابتداء بالصحابة ﵃ يعيشون في جو هذه الشمولية وبالتالي لم تكن الجزئيات الإيمانية مثار قلق وتقليب لديهم، سواء فهموا النصوص المتعلقة بها تماما أو وقف بعضهم عن الفهم التفصيلي لها، لأن تلك الشمولية تضفي عليها معنى عاما" اهـ (١).
وكذلك قد أثبتنا سابقا أن من المنهج السني السليم التسليم لما جاء به الوحي مع إعطاء العقل دوره الحقيقي وعدم الخوض في الأمور الغيبية مما لا مجال للعقل فيه (٢).
فيقول الدكتور الزنيدي أيضا: "هذا بين الوحي والعقل المجردين -افتراضًا- فإذا حددنا ميدان العقيدة وهو الغيب الذي يتجاوز حدود طاقة العقل البشري المحدود بعالم الكون المحيط بالإنسان -عالم الشهادة فإن أدلة الوحي تكون أصدق وأرسخ، أما بالنسبة- لنا نحن المسلمين فإن الأمر لا يقف عند حد افتراض وحي إلهي صادق إذ هو واقع حي بين أيدينا، وحي إلهي موثوق النسبة إلى الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ألا يحتم المنطق السليم الذي ذكرناه أن لا يعدو هذا الوحي إلى المصادر البشرية فيما قرره- في ميدان العقيدة بالذات بصفته موضوع حديثنا -ألا يعني تعويل المسلم على غير الوحي من المصادر البشرية- في أمور قررها الوحي -الشك في صحته، أو في وفائه بكل مطالب الإنسان العقدية؟ ذلك هدم لإيمانه بهذا الوحي-