مفهوم الغيب وأنواعه
أولًا: مفهوم الغيب
الغيب لغة:
" كل ما غاب عنك، تقول غاب عنه غيبةً وغيبًا وغيابًا وغيوبًا ومغيبًا" اهـ (١). وقال الأصفهاني: "الغيب مصدرُ غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن العين، يقال: غاب عني كذا، قال تعالى: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (٢) واستعمل في كل غائب عن الحاسة وعما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، قال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣) ويقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى فإنه لا يغيب عنه شيء كما قال الله : ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) وقوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٥) أي ما يغيب عنكم وما تشهدونه، والغيب في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (٦) ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداهة العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء ﵈ وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد (٧).
стр. 492
والغيب اصطلاحًا:
قال الإمام القرطبي ﵀: "كل ما أخبر به الرسول ﷺ مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار .... هذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل ﵇ حين قال للنبي ﷺ فأخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: "صدقت" وذكر الحديث" اهـ (١).
ثانيًا: أنواع الغيب
قال الإمام الرازي ﵀: "الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل وإلى ما ليس عليه دليل، فالمراد من هذه الآية (٢) مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا، فيؤمنون به، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع .... (٣).
وقد قسم بعض العلماء المعاصرين تقسيما آخر للغيب، وهو أنه ينقسم إلى قسمين: غيب مغيَّب وغيب محضَّر، والغيب المحضَّر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عام وخاص وأخص (٤). وهذا تقسيم جيد في ضوء الكتاب والسنة، لأنه يتضح فيه أنواع الغيب جلية لمن أراد أن يعرف حقيقة الغيب، فنذكر هنا كل نوع من هذه الأنواع مع ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبيوية التي تؤيد لكل نوع من هذه الأنواع:
стр. 493
١ - الغيب المحضَّر العام: يشمل جميع الإيمانيات والمسلمات والإخباريات الشرعية، وهو صفة المؤمنين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (١).
٢ - الغيب المحضَّر الخاص: وهو قد يسمى العلم اللّدني، وهذا العلم يهدي الله إليه من يشاء من عباده كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٢).
٣ - الغيب المحضَّر الأخص: وقد أوتي به خاتم النبيين نبينا محمد ﷺ ، مثل ما رآه ﷺ من أحوال الغيب يوم أسري به وعرج إلى السماء، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٣).
٤ - الغيب المغيَّب فقد استأثره الله به في علم الغيب عنده كما ورد في الدعاء عند الهم والحزن من قول الرسول ﷺ : ..... أو استأثرت به في علم الغيب عندك .... (٤).
ومن هذا الغيب مفاتيح الغيب الخمسة (٥) قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٦).
منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٧) وقال
стр. 494
تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١).
وقد تبين مما سبق من تعريف الغيب وأنواع الغيب أن الإيمان بالغيب شامل لكل ما أخبر به النبي ﷺ في القرآن أو في السنة الثابتة الصحيحة، ومن أهم أركانه التي أمرنا بالإيمان بها: الإيمان بالله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بالملائكة وأعمالهم، والإيمان بالكتب وما فيها من الهداية، والإيمان بالرسل وأخبارهم، والإيمان باليوم الآخر وأهواله والجنة ونعيمها والنار وعذابها.
هذا وقد سبق أن بينا أن المنهج السليم في كل مسألة من مسائل العقيدة النظر إلى جميع النصوص الواردة في الموضوع ليتضح الحق جليا، والاقتصار على بعض النصوص دون البعض الآخر هو من مناهج الفرق الضالة (٢).
يقول الدكتور عبد الرحمن الزنيدي: "إن المنهج السليم لفهم صحيح للنصوص في ميدان العقيدة أن يكون نظر المرء فيها ودراسته لمسائل الإيمان منطلقًا من النظرية الشاملة -الموضوعية والمنهجية-، ليقع كل عنصر من عناصر الإيمان في مقامه الصحيح، ويفهمه حسب وضعه في البنية الإيمانية المتكاملة.
إن يقين المسلم بأن في الوجود عالمين -وليس عالمًا واحدًا- هما عالم الغيب وعالم الشهادة، وأن لكل منهما حقائقه ونظامه الخاص.
ويقينه بأن قدرة الله لا تقف عند حدود العادة البشرية ولا تخضع للقوانين السببية.
ويقينه بأن النصوص الشرعية هي مصدر العقيدة الإسلامية لأنها من علم الله المحيط الحق.
ويقينه بأن البشر لا يمكن أن يحيطوا بذات الله ولا بصفاته علما، مهما أوغلوا في بحوثهم، وأن الصفات المتعلقة بالذات فالقول فيها كالقول في الذات.
стр. 495
ويقينه بأنه لا يملك حق التشريع لحياة الإنسان إلا الذي خلقه بيده مقاليد السماوات والأرض.
ويقينه بأنه تعالى ما أشهد خلقه على خلق السماوات ولا خلق أنفسهم .... إلخ، اليقينيات الضابطة لفكر الإنسان في دراسته للعقيدة.
مثل هذه اليقينيات إذا هيمنت على فكر الإنسان وقلبه، فإنها تحوطه عن جو النصوص الشرعية والكليات الإيمانية إلى تلك الجزئية ليدرسها لا العكس.
لقد كان السلف ابتداء بالصحابة ﵃ يعيشون في جو هذه الشمولية وبالتالي لم تكن الجزئيات الإيمانية مثار قلق وتقليب لديهم، سواء فهموا النصوص المتعلقة بها تماما أو وقف بعضهم عن الفهم التفصيلي لها، لأن تلك الشمولية تضفي عليها معنى عاما" اهـ (١).
وكذلك قد أثبتنا سابقا أن من المنهج السني السليم التسليم لما جاء به الوحي مع إعطاء العقل دوره الحقيقي وعدم الخوض في الأمور الغيبية مما لا مجال للعقل فيه (٢).
فيقول الدكتور الزنيدي أيضا: "هذا بين الوحي والعقل المجردين -افتراضًا- فإذا حددنا ميدان العقيدة وهو الغيب الذي يتجاوز حدود طاقة العقل البشري المحدود بعالم الكون المحيط بالإنسان -عالم الشهادة فإن أدلة الوحي تكون أصدق وأرسخ، أما بالنسبة- لنا نحن المسلمين فإن الأمر لا يقف عند حد افتراض وحي إلهي صادق إذ هو واقع حي بين أيدينا، وحي إلهي موثوق النسبة إلى الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ألا يحتم المنطق السليم الذي ذكرناه أن لا يعدو هذا الوحي إلى المصادر البشرية فيما قرره- في ميدان العقيدة بالذات بصفته موضوع حديثنا -ألا يعني تعويل المسلم على غير الوحي من المصادر البشرية- في أمور قررها الوحي -الشك في صحته، أو في وفائه بكل مطالب الإنسان العقدية؟ ذلك هدم لإيمانه بهذا الوحي-
стр. 496
العياذ بالله -وليس المقصود هنا- أن مقتضى إيمان المسلم بالوحي اقتصاره في الاستمداد من الوحي لنفسه فقط بحكم هذا الإيمان، بل وأن يقتصر عليه في دعوة الآخرين إلى العقيدة الإسلامية من الضلال والكفار، لأنه يعلم أن الوحي أصلح لهؤلاء من التصورات المنحوتة في ظل الرؤى الفكرية أيا كان مستوى هذه الرؤى ولأن الوحي نزل أول ما نزل مخاطبًا للكفار بالإيمان بالعقيدة الإسلامية" اهـ (١).
أقوال المتأثرين بالاستشراق
قال سيد أحمد خان: "الغيب يطلق على حقيقة خارجية عن إدراك الإنسان، أو هو شيء لا يعلمه الإنسان قبل وقوعه مثلًا: ذات الله وصفاته، كيفية خلق العالم والروح وحقيقته وماهية الموجودات. وهناك آلاف من الأشياء في هذه الدنيا إذا التقى الاثنان منها يخرج منهما ثالثهما فلا تعرف حقيقة كل واحد منهما ولا تعرف كيفية خروج ثالثهما، فهذه القوى الأعلى والأدنى الضعيفة والقوية مع كل أقسامها تعتبر عالم الغيب" اهـ (٢).
وقال أمير علي: "المغيبات قد سماها المتقدمون بالملائكة والجن والجنة والنار وما هي إلا قوى ونحن نسميها أصول الفطرة" اهـ (٣).
وقال إقبال: تعاليم القرآن تتحدث عن الآخرة وتقول: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٤) ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (٥).
стр. 497
والجنة والنار أحوال ليست مواضع، ووصفها في القرآن يدل على ذلك بأن المراد به قوى داخلية يراها الإنسان في عينيه كما جاء عن النار: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ (١).
ومعنى هذا أن الإنسان يشعر حزن الخسران وهمه في قلبه، والمقصود بالجنة هي شعور مسرة النجاح والغلبة على الفناء والهلاك" اهـ (٢).
وقال مهدي علي: "على كل من اعتقد اعتقادًا أن يعرض معتقده على وسيلة صادقة أو يختبره بآلة مفيدة ويحلل عناصرها بتحليل جيد حتى يتبين له الصدق من الكذب ويصل إلى علم اليقين ويتجنب من الأوهام والتخيلات الباطلة" اهـ (٣).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة:
لقد اعترف السيد وإقبال وأمير علي بأن هناك عالم غيب ولكنهم لم يفهموا حقيقة هذا العالم كفهم السلف بأنه عالم قائم بذاته في مكان يحتله كما أخبره الصادق المصدوق ﷺ من غير (تأويل) ولا زيادة ولا نقصان (٤).
فمفهوم الغيب عند هؤلاء المستغربين تصور خيالي يجده الإنسان في ذاته ليس بخارج منه وإن كان خارجا عن إدراكه، فسماه السيد القوى المختلفة في ذات الإنسان وهي خارجة عن إدراكه، وسماه أمير علي أصول الفطرة عند الإنسان، وسماه إقبال أحوالًا معنوية وكل هذا مخالف لفهم السلف.
إن تفاصيل عالم الغيب ستأتي في المباحث القادمة وهنا نجمل القول ونقول إن العوالم التي يتصورها الإنسان ثلاثة: العالم الدنيوي والعالم الأخروي والعالم البرزخي، ومنتهي وصول الإنسان بحواسه هو عالم الدنيا قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
стр. 498
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (١).
رغم كل المحاولات التي بذلها الإنسان في سبيل الاستطلاع على كل ما في هذا الكون مازال شيء كثير منه في الغيب عن إدراك الإنسان.
وأما عالم البرزخ وعالم الآخرة بجملتهما عالم الغيب فلا يعرف منه الإنسان إلا ما أخبر به الرسل، فلا سبيل إلى معرفة هذا العالم إلا بالإيمان بالنبوات، ولما أن الفكرة السائدة في الغرب عدم الاعتراف بالنبوات من كونها هبة من الله ومنَّة على الإنسان أنكر معظمهم عالم الغيب، فحاول السيد ومن سلك مسلكه تقريب عقيدة الإيمان بالغيب إلى أذهان أولئك الماديين، ولكن هذه المحاولة أخرجتهم من عقيدة السلف الصحيحة في الإيمان بعالم الغيب إلي عقيدة باطلة.
ومفهومهم لعالم الغيب كاد أن يوصلهم إلى الانكار كليًا لولا أنهم ارتكنوا إلى آراء الفلاسفة اليونانيين والمستشرقين الغربيين، فاختاروا مذهبهم ليتماشى مع ثقافة الغرب ومعطياتها.
فقد تأثر السيد برأي أفلاطون فقد قال: "اعلم أن فلاسفة اليونان المتقدمين مثل أفلاطون وغيره كانوا يقرون أن هناك أعيانا ثابتة غير مادية" اهـ.
وأما إقبال فقد نقل قول المستشرق "هوكنك" (Hocking) حيث قال: "شموليات الشعور الديني يمكن رؤيتها بالبصيرة العقلية" اهـ.
ومفهومهم هذا لعالم الغيب كان باعثًا قويًا لإنكارهم للمعاد الحسي (٢) الذي اتفقت عليه الشرائع كلها كما قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: "والحاصل أن هذا (المعاد الحسي) أمر اتفقت عليه الشرائع ونطقت به كتب الله سابقها ولاحقها، وتطابقت الرسل أولهم وآخرهم ولم يخالف فيه أحد منهم وهكذا اتفق على ذلك أتباع جميع الأنبياء من أهل الملل، ولم يسمع عن أحد منهم، أنه أنكر ذلك قط،
стр. 499
ولكنه ظهر رجل من اليهود زنديق يقال له موسى بن ميمون اليهودي الأندلسي، فوقع عنه كلام في إنكار المعاد، واختلف كلامه في ذلك، فتارة يثبته وتارة ينفيه، ثم هذا الزنديق لم ينكر مطلق المعاد، إنما أنكر بعد تسليمه للمعاد أن يكون فيه لذات حسية جسمانية، بل لذات عقلية روحانية. ثم تلقى ذلك عنه من هو شبيه به من أهل الإسلام كابن سيناء، فقلده ونقل عنه ما يفيد أنه لم يأت في الشرائع السابقة على الشريعة المحمدية إثبات المعاد، وتقليدًا لذلك اليهودي الملعون الزنديق مع أن اليهود أنكروا عليه هذه المقالة، ولعنوه، وسموه كافرًا" اهـ (١).
وهكذا هؤلاء المستغربون اختلف كلامهم في ذلك فتارة يثبتونه وتارة ينفونه، ولم ينكروا مطلق المعاد إنما أنكروا بعد تسليمهم للمعاد أن يكون فيه لذات حسية جسمانية أو عذاب حسي وجسماني كما نثبت ذلك في المباحث القادمة.
إذن تكمن الشبهة في قولهم إن عالم الغيب عالم معنوي خيالي ليس حسيًا ولا جسمانيا.
تفنيد الشبهة
تفنيد شبهة كون عالم الغيب خيالا غير حسي:
أولًا: عالم الغيب هو سر من أسرار الله وليس السبيل إلى معرفته إلا سبيل الإخبار بواسطة الرسل قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (٢).
فنصدق الرسول فيما أخبره عن عالم الغيب من أحوال "من غير زيادة ونقصان، فيا خيبة من ينفي الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع .... " اهـ (٣).
стр. 500
وهذا ما اعترف به أحد تلاميذ السيد سيد مهدي علي حين قال: "على كل من اعتقد اعتقادا ما أن يعرض معتقده على وسيلة صادقة أو يختبره بآلة مفيدة، ويحلل عناصره بتحليل جيد حتى يتبين له الصدق من الكذب، ويصل إلى علم اليقين ويتجنب من الأوهام والتخيلات الباطلة" اهـ (١).
ثم أضاف قائلا: "وليس المراد بالآلة صورة الرسول ﷺ الذاتية الخَلقية التي قد يتشابه فيها بعض الناس. بل المقصود بالآلة منصبه الخاص منصب النبوة الذي لا يشبهه فيه أحد، أعني به جزأين من النبوة والهداية. أحدهما أبعد من أن يشك فيه أو أن يثار حوله شبهات، والثاني بحاجة إلى التصحيح والإسناد والتحقيق، فالجزء الأول هو كتاب الله والثاني هي سنة رسول الله ﷺ ، ومن كان عنده هذان الجزءان فعنده آلة في كل وقت وحين، فيختبر بها كل معتقد، فأينما كان والآلة معه سواء كان في الشرق والغرب، أو في الشمال والجنوب" اهـ (٢).
ثانيًا: قد أخبر الله عن عالم الغيب أنه عالم متميز في شكل السماوات السبع والعرش العظيم والجنة والنار وما فيهما من النعيم والعذاب الماديين، وفي شكل عالم الملائكة والجن والقرآن حافل بذكر هذه الأشياء بكل صفاتها وأشكالها المتميزة، وأخبر النبي ﷺ بكل شرح وتفصيل لما جاء في القرآن، وكتب السنة غنية بذكر عالم الغيب الحسي المادي، وكل وحي من الله وقد ثبت بالسند الصحيح.
"فإن أولية الوحي تكون أصدق وأرسخ، أما بالنسبة لنا نحن المسلمين فإن الأمر لا يقف عند حد افتراض وحي إلهي صادق إذ هو واقع حي بين أيدينا، وحي إلهي موثوق النسبة إلى الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" اهـ (٣).
стр. 501
ثالثًا: لا ينبغي لمسلم أن يجعل معتقده تابعًا لمادة ثبتت بالعلم الحديث بل العكس هو الصحيح، والدين لا بد أن يأخذ مقامه الأول في ترتيب المدلولات، وهذه حقيقة قد أقرّها إقبال في موضع آخر فقال: "هل يختلف شعور الحقيقة الحاصلة بالحواس المدركة عن نظريته التي أقامها الدين تجاه الحقيقة المطلقة؟ وهل يلزم أن يؤدي هذا الشعور الحاصل إلى نظرية تنافي نظرية الدين؟ وهل العلوم الطبيعية في الواقع مقهورة لتندرج تحت المادة؟ ومما لا شك فيه أن العلم الحاصل عن نظريات العلم الحديث يُعتمد عليه إذ أننا نستطيع أن نصدقه ونثق به، بل نستخدمه في تسخير حوادث الطبيعة، ولكن مما ينبغي أن نعلم أن المعارف الحديثة ليست عندها نظرية منظمة توصل الإنسان إلى الحقيقة إنما هي أجزاء متناثرة تصورية لا انسجام بينها، لأن موضوع العلم الحديث "مادة وحياة ونفس" في العلاقة بين هذه الأشياء إنما هي قطع مبعثرة لا يرتبط بعضها ببعض، وفي رائيي هي كالغراب والحدأة تكالبت على الجثة الميتة، وأخذ كل منها قطعة .... وأما الدين لما أنه يطالب الحقيقة بكاملها فلا بد من أن يأخذ مقامه المركزي في ترتيب المدلولات التي حصلت بالشعور والإدراك" اهـ (١).
بعد أن أدرك إقبال حقيقة الدين الثابتة وحقيقة علم الحديث الزائفة فما الذي دفعه إلى مركب التأويل والتزييف لما ثبت بالشرع من عالم الغيب؟ إن هو إلا منهجه الغربي الذي اختاره لدراسة الإسلام، وظن أن الغاية القصوى هو الاعتراف بعالم الغيب أيًا كان وصفه! !
لم يكتف إقبال بالاعتراف بعالم الغيب بل شنّ هجوما على الماديين الذين ينكرون عالم الغيب فقال: "إن الماديين افترضوا بدون تحقيق وتفحيص أصلًا يقول إن العلم علم إذا أدركه الحواس الخارجية وإذا تسلمنا صحة هذا القول يلزمنا الإنكار لذواتنا وأنفسنا ... " اهـ (٢).
стр. 502
رابعا: إن عالم الغيب قد أصبح معترفا به في الشرق والغرب عامة، وهو حقيقة لا تحتاج إلى إقامة دليل عليه، يقول المستشرق ميورس (Miures) الأستاذ في جامعة كامبردج:
"المذهب المادي قد تسلط على عقول رجال هذا البلد (إنكلترا)، حتى تشكل مجلس في جامعة كامبردج لتحقيق العالم الروحي الذي قد قام حوله الجدل والنزاع أحقيقة هو أم خيال؟ وكان لي رأي في هذا المذهب الروحي: وهو أنه لا داعي لنا أن ننظر إلى أساطير الأولين، ولا أن نحقق روايات المعتقدين، ولا أن نضحك من المنكرين الجاحدين، بل نكتفي بقولنا: إنه إذا كان العالم الروحاني حقيقة ثابتة كحقائق أخرى فعلينا أن نحققه بالمنهج التجريبي، وعلى هذا أصدر المجلس القرار في تحقيق العالم الروحي" اهـ (١).
ثم أضاف قائلا وهو يخاطب المنكرين: "لِمَ لا أُصدِّق هذا الاعتقاد؟ هذا التساؤل يستحق إثارته في ذهن المؤمن قبل كل تحقيق، وفي هذا الموضوع تزداد أهميته، وأنا أعترف بأن علمي وثقافتي لم يبلغا إلى اليقين، وهو بين مرجح وغير مرجح، وهو قاصر من أن يفهم أسرار هذا الكون، ولا شيء عندي يصبح دليلا أردُّ به مشاهداتي، وبخاصة إذا لم تتعارض مع المشاهدات اليقينية، مهما كان دائرة الأدلة العلمية واسعة يقينية على ردّ العالم الروحي وقد اعترف به العلماء الموثوق بهم" اهـ (٢).
خامسا: الأدلة العقلية مهما بلغت من الدقة والإتقان لا تصمد أمام حيل الشيطان ومكائده، لأنه يرد عليها بأتفه شبهة، فالطريق المستقيم لإثبات ما غاب عن أعيننا هو الإيمان الجازم بما جاء به الرسل والأنبياء ﵈ بغير زيادة ونقص وتأويل.
стр. 503
قد جمع الإمام فخر الدين الرازي مائتي أدلة عقلية على إثبات وجود الخالق، وأعلن بأنه قد أحاط الطرق العقلية في هذا الموضوع، فجاء الشيطان في مجلس الإمام بعد أن غير هيئته، وبدأ يناقشه، والإمام كان يعرض عليه الأدلة العقلية التي جمعها طوال عمره واحدا واحدا، والشيطان ينقضه بأتفه شبهة ويبطله، حتى لم يبق دليل عند الإمام، فاعترف بعجزه، واشتكى إلي الله بقلة حيلته أمام الشيطان، فرأى رؤية في المنام، وسمع قائلا يقول: دع الأدلة وهذا مقام يستدعي منك الإيمان الجازم، وقل آمنت بالله ثم استقم ... " (١).
المطلب الأول: الملائكة
وفيه:
* تعريف الملائكة، الإيمان بالملائكة، صفاتهم الخلقية، أسماؤهم وأعمالهم.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق في الملائكة
* شبهة كون الملائكة قوى مودعة في مخلوقات هذا الكون:
стр. 506
المطلب الأول: الملائكة
تعريف الملائكة
الملائكة لغة:
جمع ملَكٍ "أصله مألَكٌ بتقديم الهمزة، من الألوك، وهى الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل ملأك وأنشد أبو عبيدة لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح بعض الملوك: فلست بإنسبيّ ولكن لملأك تنزل من جوَّ السماء يصوب.
ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال، فقيل: مَلَكٌ، فلما جمعوه ردوها إليه فقالوا: ملائكة وملائك أيضًا" (١).
الملائكة اصطلاحا:
الملائكة عالم من عوالم الغيب، وهو غير عالم الإنس والجن، وهو عالم كريم، كله طهر وصفاء ونقاء، وهم كرام أتقياء، مخلوق من نور، يعبدون الله حق العبادة، ويقومون بتنفيذ ما يأمرهم به ربهم، ولا يعصون الله أبدًا كما قال الله : ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢)(٣).
الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة أصل من أصول الإيمان وركن من أركانه لا يصح إيمان عبد ما لم يؤمن بهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٤).
стр. 507
وجاء في حديث جبريل .... "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" اهـ (١).
الإيمان بالملائكة ينتظم في معانٍ:
أحدها: التصديق بوجودهم.
الثاني: إنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه كالإنس والجن مأمورون مكلفون لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، والموت عليهم جائز، ولكن الله تعالى جعل لهم أمدًا بعيدا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى، ولا يدعون آلهة كما دعتهم الأوائل.
الثالث: الاعتراف بأن منهم رسلًا يرسلهم إلى من يشاء من البشر، وقد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض، ويتبع ذلك الاعتراف بأن منهم حملة العرش، ومنهم الصافون، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الذين يسوقون السحاب، فقد ورد القرآن بذلك كله أو أكثره، ولهم أجساد، بدليل قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢) ورأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح، قد سد الأفق (٣) خلافًا لمن قال: إنهم أرواح (٤).
صفاتهم الخلقية:
إن الملائكة خلقوا من نور (٥) حجبهم الله عنا فلا نراهم وربما كشفهم لبعض عباده فقد رأى النبي ﷺ جبريل على صورته له ستمائة جناح قد
стр. 508
سد الأفق (١) وتمثل جبريل لمريم بشرًا سويًا فخاطبته وخاطبها، وأتى إلى النبي ﷺ وعنده الصحابة بصورة رجل لا يعرف ولا يرى عليه أثر السفر شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، فجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ ، ووضع كفيه على فخذيه وخاطب النبي ﷺ ، وأخبر النبيُّ ﷺ أصحابه أنه جبريل (٢).
عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" اهـ (٣).
والملائكة ليسوا على درجة واحدة في الخلق والمقدار، فبعض الملائكة له جناحان وبعضهم له ثلاتة، وبعضهم له أربعة (٤)، وجبريل له ستمائة جناح ولهم عند ربهم مقامات متفاوتة معلومة.
أسماؤهم وأعمالهم:
والملائكة خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٥) وقد أخبر النبي ﷺ أن هذا البيت المعمور في السماء يدخله (وفي رواية) يصلي فيه في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخرَ ما عليهم (٦).
وللملائكة أسماء لا نعرفها إلا القليل منها وكما أن لهم أعمالا كلفوا بها، فنذكر هنا بعض أسماء الملائكة مع ذكر أعمالهم التي كلفوا بها، فمنهم جبريل الموكل
стр. 509
بالوحي (١) ومنهم إسرافيل الوكل بالنفْخ في الصور حين الصعق والنشور، ومنهم ميكائيل جاء ذكره في القرآن (٢) وقد جمع النبي ﷺ في دعائه جبرئيل وميكائيل وإسرافيل (٣) ومنهم مالك خازن النار (٤) ومنهم رضوان خازن الجنة ومنهم منكر ونكير الموكلان بسؤال الميت في قبره، ومنهم هاروت وماروت اللذان أرسلا إلى الدنيا للفتنة (٥)، ومنهم رقيب وعتيد الموكلان لكتابة الأعمال (٦).
ومنهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت وغيرها من الأعمال، ومنهم الموكلون بالأجنة في الأرحام (٧) ومنهم الموكلون بأهل الجنة بالتسليم عليهم وتبشيرهم بالجنة (٨)، ومنهم الموكلون بالصلاة على العباد الذين يعلمون الناس الخير (٩) والذين ينتظرون صلاة الجماعة (١٠) وعلى الذين يصلون في الصف الأول (١١) وعلى الذين يسدون الفرج بين الصفوف (١٢) وعلى الذين يتسحرون (١٣) وعلى الذين يصلون على النبي ﷺ (١٤) وعلى الذين يعودون المرضى (١٥) ومنهم
стр. 510
الموكلون بالتأمين على دعاء المؤمنين (١) ومنهم الموكلون بالاستغفار للمؤمنين (٢) ومنهم الموكلون بالشهود في مجالس العلم فيحفونهم بأجنحتهم (٣) ومنهم الموكلون بكتابة الأسماء من يحضر الجمعة (٤) ومنهم الموكلون بتبليغ السلام الرسول ﷺ عن أمته (٥) ومنهم الموكلون بتبشير الأنبياء والمؤمنين، (٦) إلى غير ذلك من الأعمال لا يمكن حصرها (٧).
أقوال المتأثرين بالاستشراق في الملائكة
قال سيد أحمد خان: "إذا أمعنا النظر في دقة هذا الأمر -بأن الله نسب قدرته الباهرة وأفعاله الجليلة إلى الملائكة- يبدو لنا أن الملائكة التي ذكرت في القرآن ليس لها وجود حقيقي، إنما هي القوى الإلهية اللامتناهية والملكات الإنسانية التي أودعها الله تعالى خلقه، ومن هذه القوى والملكات: شيطان أو إبليسُ، وصلابة الجبال، ورقة الماء، وقوة النمو في الأشجار، وقوة البريق في الجذب والدفع وغيرها من القوى المودعة في المخلوقات فهي الملائكة المذكورة في القرآن المجيد" اهـ (٨).
وبعد أن ذكر السيد النصوص التي جاء فيها ذكر الملك الموكل بالأرحام قال: "يبدو من هذه الروايات كلها أن لفظة "الملك" أُطلقت على القوى التي أودعها الله في النطفة بأرحام النساء، وعبر بدخول الملك عن ظهور تلك القوى في الرَّحِم، فولادة الجنين ذكرًا أو أنثى سليمًا أو خداجًا تكون نتيجة لتلك القوى التي أُودِعت
стр. 511
النطفةَ والرحمَ، وهذه القوى هي التي تسأل الله بلسانها الحالي أي رب ذكر أو أنثى ... " اهـ (١).
وأضاف قائلا: "وإن قيل إنه يستلزم من هذا التأويل إنكار الوجود المستقل للملائكة الذي ورد ذكره في النصوص فنقول: إن التعبيرات التي وردت في النصوص هي ألفاظ لإفهام عامة الناس إذ كانت رسالات الأنبياء للعامة والخاصة.
وأما الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ في ذلك لا تطمئن إليها النفوس بل تنكر أن تكون هي نفسها ألفاظ النبي ﷺ ، ولو افترضنا أنها ألفاظه، لا يستلزم من ذلك إطلاق هذه الكلمات على حقيقتها بل هي استعارات وتمثيلات" اهـ (٢).
وقال شبلي النعماني: "إن الملائكة موجودة إلا أن لفظة الملائكة قد تطلق على الملكات النبوية والملكات البشرية أيضًا" اهـ (٣).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة:
سبق أن ذكرنا موقف سيد أحمد خان من عالم الغيب في المبحث الماضي بأنه يعتقد بأن ما يوجد في الغيب هو شيء معنوي، وهنا يتضح موقفه جليًا عند التفصيل حيث ينكر عالم الملائكة من كونه وجودا خارجيا مستقلا، فيعتقد بأن الملائكة هي قوى أو ملكات مُودَعة هذا الكون، وأما شبلي فموقفه لا يبتعد كثيرا من موقف السيد إذ أجاز إطلاق لفظ الملائكة على الملكات البشرية والنبوية.
وقد استند السيد فيما قاله عن الملائكة إلى محي الدين ابن عربي وأتباعه، وهذا أسلوب من أساليب المستشرقين، فيركنون إلى آراء المنحرفين في الإسلام، فيبرزونها
стр. 512
لأهداف يريدونها، ومن هذه الأهداف: بث هذه الآراء في صفوف المسلمين فيرفعون من شأنها ويمدحون أصحابها.
وقد دافع عن السيد تلميذه الوفي مهدي علي -رغم كونه لم يعتقد (١) في صحة هذه الأقوال- فقال "إذا أنكر السيد الوجود الخارجي للملائكة فقد أنكره بعض حكماء الإسلام وله أسوة في ذلك، وفيما يلي ننقل بعض أقوالهم حتى يتبين أن العلماء الأقدمين أنكروا الوجود الخارجي لحملة العرش الأعلى وجبريل وعزرائيل ومنكر نكير ورضوان ومالك والحور والغلمان، واعتبروا بعضها كواكب ثابتة وبعضها أرواح السيارات السبع، ومن هذه الأقوال:
قال صاحب رسائل إخوان الصفا (٢): "اعلم يا أخي إن الملائكة الحافين بالعرش هم حملة العرش، وهى الكواكب الثابتة الحافون بالفلك التاسع من داخله .... وتنبعث من جرم الشمس قوة روحانية في جميع العالم وتسمي الفلاسفة هذه القوة وما انبث منها في العالم بروحانيات الشمس ويسمي الناموس هذه القوة ملكًا ذا جنود وأعوان، وإسرافيل منهم صاحب الصور، وهكذا ينبث من جرم زحلَ قوة روحانية، تسري في جميع العالم وتسمي الفلاسفة هذه القوة روحانيات زحل، والناموس يسميها ملكًا ذا جنود وأعوان، وملك الموت منهم، ومنكر ونكير أيضًا وهكذا ينبث من جرم المريخ قوة روحانية تسري في العالم وتسمي الفلاسفة هذه القوة وما ينبث منها من الأفعال في العالم روحانيات المريخ، ويسميها الناموس ملكًا ذا جنود وأعوان وجبريل منهم ومالك الغضبان وخزنة جهنم أجمعون، وهكذا ينبث عن جرم المشتري قوة روحانية تسري في جميع العالم، وتسمي الفلاسفة هذه القوة وما ينبث من أفعالها روحانيات المشتري ويسميها الناموس ملكًا ذا جنود وأعوان ورضوان خازن الجنان منهم، وهكذا ينبعث من جرم الزهرة قوة روحانية وتسمي الفلاسفة هذه القوة وما يتفرع
стр. 513
منها روحانيات الزهرة، ويسميها الناموس ملكًا ذا جنود وأعوان، والولدان الذين هم خدم أهل الجنان والكرام البررة والكرام الكاتبون منهم، وهكذا تنبث من جرم القمر قوة روحانية وتسمى الفلاسفة هذه القوة وما ينبت منها من الأفعال روحانيات القمر ويسميها الناموس ملكًا ذا جنود وأعوان" اهـ (١).
وغير ذلك من الآراء التي يطول ذكره، قد نقلها مهدي علي دفاعًا عن سيده وأستاذه.
فالشبهة إذًا هي: أن الملائكة ليس لها وجود مستقل متميز إنما هي قوى مودعة مخلوقات هذا الكون.
تفنيد الشبهة:
شبهة كون الملائكة قوى مودعة مخلوقات هذا الكون:
أولًا: إن إنكار السيد الوجود المتحيز المستقل للملائكة الكرام هو انحراف عن جادة الطريق الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو اتباع لما كان عليه محي الدين ابن عربي وإخوان الصفا وأتباعهم، وكفى به ضلالة أن يكون من أتباع أولئك الضلال.
ثانيًا: إن هذا القرآن العظيم أنزله الله بلسان عربي مبين هدى للناس ورحمة لهم، ولم ينزل بالإشارات والرموز والإيحاءات، ثم بينه الرسول بيانًا واضحًا لكل من أراد الهداية وأخلص النية، وهذا الطريق الذي سلكه السيد ومن معه من إنكار الأحاديث وتفسير الآيات بتسليط التأويل على كل ما يصعب فهمه على بعض العقول، واستبعاد ظاهر المعنى إلى ضرب من التمثيل أو القول بالاستعارات هو الذي يخشى أن ينفذ منه إلى تحريف الكلم عن مواضعها ابتغاء فتنة لجماهير من عامة الناس.
ثالثًا: لو نظرنا إلى صفة الملائكة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة فلا يسع لهم هذا المكان الضيق، فلهم مكان عند الله على سعة وصفهم، يقول ابن حزم ﵀:
стр. 514
"قد ثبت بضرورة المشاهدة أن محل الحياة وعنصرها، ومعدنها وموضعها إنما هو هنالك من حيث جاءت النفوس الحية الناقصة بما في طبعها من محاورة هذه الأجساد، والتثبت بها عن كمال ما خُصَّ بالحياة الدائمة ولم يشن ولا نقص فضلُه وصفاؤه بمجاورة الأجساد الكدرة المملؤة آفاتٍ ودرنًا وعيوبًا، فصح أن العلو الصافي في محل الأحياء الفاضلين السالمين من كل رذيلة ومن كل نقص، ومن كل مزاج فاسد، المحبُوِّين بكل فضيلة في الخلق.
وهذه صفة الملائكة ﵈، وصح بهذا أن على قدر سعة ذلك المكان يكون كثرة من فيه من أهله وعُمَّاره، وأنه لا نسبة لما في هذا المحل الضيق والنطفة الكدرة (الكدراء) مما هنالك، كما لا نسبة بمقدار هذا المكان من ذلك، بهذا أصبحت النبوة، وهكذا أخبر الرسول ﷺ عن كثرة الملائكة في الأخبار المسندة الثابتة عنه ﷺ ، وبهذا وجب أن يكونوا هم الرسل والوسائط بين الأول تعالى الذي خصهم بالنبوة والرسالة وتعليم العلوم، وبين إنقاذ النفوس من هلكة" اهـ (١).
стр. 515
المطلب الثاني: الجن والشياطين
وفيه:
* تعريف الجن والشياطين.
* صفاتهم الخلقية.
* أعمالهم في إيذاء الإنسان.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق في الجن والشياطين:
* تفنيد شبهة إنكار عالم الجن والشياطين.
стр. 516
تعريف الجن والشياطين، وصفاتهم، وأعمالهم
تعريف الجن لغةً:
" الجن غلاف الإنس، والواحد جنيٌ، يقال: سميت بذلك لأنها تُتَّقى ولا ترى .... والجنة: الجن ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١) والجانُّ أبو الجن الجمع جِنَّانٌ" اهـ (٢).
تعريف الشيطان لغة:
" الشيطان: النون فيه أصلية وهو من شطن أي تباعد ومنه بئر شطون، وشطنت الدار وغُربة شطون، وقيل بل النون فيه زائدة من شاط يشيط احترق غضبًا، فالشيطان مخلوق من النار كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (٣) قال أبو عبيدة "الشيطان اسم لكل عازم من الجن والإنس والحيوانات قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٤).
تعريف الجن والشياطين في الشرع:
عالم الجن والشيطان عالم من عوالم الغيب، غير عالم الإنسان وعالم الملائكة، بينهم وبين الإنسان قدر مشترك من حيث القدرة على اختيار الخير والشر، يخالفون الإنسان في أمور، أهمها: أن أصل الجان مخالف لأصل الإنسان قد ورد في النصوص كلمة الجن مقابل الإنس قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥)
стр. 517
والجِنَّةُ بمقابل الناس قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (١) ووردت كلمة الجان بمقابل الإنسان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٢).
وأما كلمة الشيطان فقد وردت في القرآن الكريم أريد بها إبليس، وكان من عالم الجن يعبد الله في بداية أمره وسكن السماء مع الملائكة، ودخل الجنة ثم عصى ربه عند ما أمره أن يسجد لآدم استكبارًا وعلوًا، فطرده الله من رحمته.
والشياطين جمع شيطان أطلق على العارمين من الإنس والجن، إلا أن استخدامه غلب على شياطين الجن قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٣).
من صفاتهم الخلقية:
للجن قلوب وأعين وآذان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (٤).
ولهم قوة لا توجد في الإنسان، قال الله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ (٥).
ولهم قدرة على التشكل بأشكال الإنسان والحيوان، فقد جاء الشيطان المشركين يوم بدر في صورة سراقة بن مالك ووعد المشركين بالنصر (٦) وقد تشكل لأبي هريرة
стр. 518
في صورة إنسان محتاج صاحب عيال (١) وقد يتشكل بصورة الكلب الأسود (٢) وقد يتشكل بصورة الحية (٣).
ومن الشيطان من له صورة قبيحة (٤) وله قرنان، (٥) والشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، (٦) وللجن قدرة على سرعة الحركة والانتقال فقد أتى بعرش ملكة سبأ إلى سليمان ﵇ في طرفة عين (٧). ومنذ القدم كانوا يصعدون إلى السماء، فيسترقون أخبار السماء (٨). طعامهم الروث والعظام (٩).
الجن يسكنون على هذه الأرض التي نعيش عليها ويكثر جمعهم في الخراب والفلوات، والشيطان منهم من يسكن في مواضع النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل وأماكن الفساد في الأسواق (١٠).
ومن أعمالهم في إيذاء الإنسان:
إيقاع العباد في الشرك والكفر (١١). إيقاعهم في الذنوب والمعاصي (١٢). صدهم عن طاعة الله (١٣). إفساد الطاعات لهم (١٤). إيذاء الوليد عند الولادة (١٥). مس الشيطان للإنسان (١٦).
стр. 519
هذا ملخص ما عرفنا من عالم الجن والشياطين في ضوء الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة فيؤمن أهل السنة والجماعة أن الجن أمة كأمة الإنسان خلقوا من نار وكلفوا بالشرائع ومنهم المؤمن والكافر (١).
والإبليس من شياطينهم بل هو من قاد المعركة في الصراع الدائر بين عالم الشياطين وعالم البشر، ومن قاعدته يرسل البعوث والسرايا في الاتجاهات المختلفة، ويعقد مجالس ويناقش جنوده فيما صنعته، ويثني على الذين أحسنوا وأجادوا في الإضلال وفتنة الناس.
عن جابر رضى الله عنهما عن النبي ﷺ قال: "إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظم فتنة، يجئ أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا قال: ثم يجئ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت. قال الأعمش أراه قال فيلتزمه" اهـ (٢).
هو لم يزل حيًا يضل الناس منذ وجد الإنسان إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (٣).
стр. 520
أقوال المتأثرين بالاستشراق في عالم الجن والشياطين
قال سيد أحمد خان: "نرجو أننا قد أثبتنا بأحسن وجه بأن لفظة الجن في الجاهلية كانت تطلق على أقوام متوحشين سكنوا الجبال مع تطور الحضارة بالتدريج تحضروا، وتحالفوا الحضريين وكانوا كلهم من الإنس، وأما الوجود الخيالي الموهوم الذي كان العرب يعتقدونه ويسمونه جنًا بسبب اختفائهم، فهو مجرد الخيال، ليس في القرآن دليل على وجود مثل هذا المخلوق الذي يتخيله حمقاء من الناس، فإذا لم يثبت بالقرآن شيء يدل على مثل هذا المخلوق، فلا يصح أن يراد به مخلوقًا في الواقع، فلفظ الجن الذي جاء ذكره في القرآن إطلاقه على وجود وهمي وخيالي غلط محض، ونذكر هنا آيات. تدل على قوم وحشي وبري من الإنس وبالله نستعين:
الآية الأولى: يقول الله في سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ومعناه الواضح أننا خلقنا جميع الإنس حضريين ووحشيين ليعبدوا الله ... (٢).
وقال السيد أيضًا: "إن في هذه القصة (قصة آدم) أربعة فرقاء: الفريق الأول "الله" والثاني "الملائكة" يعني القوى الملكوتية، الثالث "الإبليس" أو "الشيطان" يعني القوى البهيمية، والفريق الرابع الأخير "آدم" يعني الإنسان، وهو جامع للقوى الملكوتية والقوى البهيمية، وشامل للذكر والأنثى، فالمقصود من القصة بيان فطرة الإنسان بلسانه الحالي، والله الذي خلقهم جميعًا خاطب القوى الملكوتية وقال: إني خالق بشرًا بمادة كثيفة وهو خليفتي، فإذا خلقته فاسجدوا له يعني أطيعوه، ولما أن
стр. 521
القوى الملكوتية علمت أن في الإنسان قوى بهيمية قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (١).
وقال إقبال: " (قال الشيطان لجبريل): يا جبريل إذا خلصت لك خلوة مع الله فاسأله: بدَمِ مَنْ صُبغت به قصةُ آدم؟ فأنا شوكة تنغرس في قلب الرب (العياذ بالله) وأنت أيها الإنسان في ذكر الله تقول فقط الله هو الله هو الله هو (٢).
وقال أيضا وهو يحكي عن الشيطان: "ليس ابن آدم إلا قبضة من تراب، وقبضة من التراب تكفيها في جمرة من النار (٣).
وقال أيضا: أن الشيطان لديه قوى متحركة، وهو في سعي مستمر وينبغي للإنسان أن يكسب حظًا ونصيبًا من هذا السعي المستمر (٤).
تحليل العبارة وتعيين الشبهة
في العبارات السابق ذكرها أنكر السيد عالَما من عوالم الغيب بأكمله هو عالم الجن إلا أنه أقرّ بوجود الجان أو الإبليس، ولكن ليس على حقيقته إنما هي قوى بهيمية أودعها الله داخل الإنسان، وأما إقبال فلم يُفصح عن موقفه من عالم الجن فقد أقرّ بوجود الشيطان أيًا كان وصفه، ثم مجّده ورفع به فوق منزلته وأعطاه مقامًا فوق مقام الإنسان في سعيه المستمر، بل جعله يتعالى على الله ويؤذيه (العياذ بالله).
стр. 522
فيمكن تحليل العبارات السابقة في ثلاث نقاط تالية:
- هل المراد بالجن هو الإنس؟
- هل الإبليس قوى بهيمية؟
- تمجيد الشيطان ووضعه فوق منزلته.
أولًا: هل المراد بالجن هو الإنس ؟
قال السيد: "إن لفظة الجن كانت تطلق على أقوام متوحشين سكنوا الجبال كانوا كلهم من الإنس، ليس في القرآن دليل على وجود مثل هذا المخلوق الذي يتخيله حمقاء من الناس" اهـ (١).
هذا يدل على شدة اعتماد السيد على المنهج المادي حتى ترك الماديين جميعًا وراءه، حيث أنكر عالم الجن بأكمله الذي كان معترفًا به عند علماء الغرب من المستشرقين وغيرهم في شكل من الأشكال، وزعم فريق من المُحْدَثين: أن الجن هم الجراثيم والميكروبات التي كشف عنها العلم الحديث (٢). ولعل السيد هو الوحيد الذي قد ذهب إلى هذا الشذوذ، ولم يسبقه أحد يُذكر إلا أنه قد قيل أن السيد أخذ هذا القول من جراغ علي كما أشار إلى ذلك البروفسور عزيز أحمد في كتابه "هند وباك مين إسلامي جديديت" (حداثة الإسلام في الهند والباكستان) (٣) لأنه قد تناول هذا الموضوع في بعض كتاباته بعنوان: "الجن والشياطين قوم وحشي من الإنس سكنوا الجبال" (٤)، ولم يتبع السيد أحد من أتباعه فيما نعلم في هذا القول.
يقول ابن تيمية ﵀: "أنكرت قلة من الناس وجود الجن إنكارًا كليًا، وزعم بعض المشركين: أن المراد بالجن أرواح الكواكب وزعمت طائفة من الفلاسفة:
стр. 523
أن المراد بالجن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواها الخبيثة، كما أن المراد بالملائكة نوازع الخير فيها" اهـ (١) كما هو رأي السيد في الملائكة والشياطين.
أما عالم الجن فقد أنكره السيد إنكارًا كاملًا وألف في ذلك كتابًا سماه "تفسير الجن والجان على ما في القرآن" ذكر فيه تسعة عشر آية من كتاب الله وردت فيها كلمة الجن، فصرف معناها إلى الإنس بدون أي دليل عقلي أو شرعي، وقد ذكرنا من تحريفاته مثالًا واحدًا عند ذكر أقواله وفيه كفاية لمن يريد أن يعرف تحريفاته في ذلك، إلا أنه اعتمد كدليل على بعض إطلاقات أهل اللغة كلمة الجن على بعض أقوام من الإنس، ولا تتجاوز هذه الإطلاقات من كونها تشبيهات بليغة لبيان صفتهم الاستتار والإختفاء، كما يطلق كلمة "أسد" لبيان وصف الشجاعة.
ثانيًا: هل حقيقة إبليس قوى بهيمية ؟
وقد صرح السيد بهذا القول عند تأويله قصة آدم إلى تمثيل حدث بين الفرقاء الأربعة (٢).
وهذا يدل على أنه يستثنى في إنكاره لعالم الجن الإبليس ويسمي أحيانًا الشيطان فيقول "إن الجن والجان لفظة واحدة، وأطلق على إبليس كلمة "الجن" في سورة الكهف ولكنه مرتبطة بقصة آدم، وكذلك استخدم "الجان" في السورتين "الحجر والرحمن" على إبليس إذ جاء ذكره بمقابل الإنسان، فالمراد بالجن والجان في هذه المواضع الثلاثة إبليس الذي هو شيطان رجيم، ولسنا بصدد تحقيق هذا الجن
стр. 524
والجان، في هذه الرسالة (١) وإنما قصدنا في هذه الرسالة الجنَّ الذي جاء ذكره بمقابل الإنس، أو الجن المزعوم والمظنون الباطل الذي كان في العرب" اهـ (٢).
فثبت بهذا كله أن السيد كان ينكر الجن ويقرّ الشيطان بأنه قوى بهيمية، كما يقرّ الملائكة بأنها قوى ملكوتية، ويذهب في هذا مذهب الفلاسفة اليونان عامة كما زعمت طائفة من الفلاسفة، أن المراد بالجن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواها الخبيثة كما أن المراد بالملائكة نوازع الخير فيها اهـ" اهـ (٣).
ثالثًا: تمجيد الشيطان ورفعه فوق منزلته:
أما قول إقبال عن الشيطان: إنه كشوكة ينغرس في قلب الرب وقوله أن ابن آدم قبضة من تراب يكفيه في إحراقه جمرة من النار، هذه الأقوال في كلامه الشعري ليست شبهات إنما هي سقطات من سقطات اللسان، ينبغي التحرز منها، ولم يفصح إقبال عن موقفه من الجنّ والشيطان إلا أنه وافق السيد في قوله: إن قصة آدم مع إبليس تمثيل ليس حقيقة، وفي هذا التمثيل على حد زعمه إبليس كفريق من الفرقاء الأربعة.
فتمكن الشبهة في ثلاث نقاط:
- إنكار عالم الجن بكامله، وتأويله إلى أنه إنس في الجبال.
- تأويل إبليس إلى أنه قوى بهيمية.
стр. 525
تفنيد الشبهة
تفنيد شبهة إنكار عالم الجن والشياطين:
ويمكن الرد على الزعم السابق من وجوه:
أولًا: أكبر دليل استند إليه السيد هو استخدام لفظة الجن عند العرب الجاهلين على الإنس، ومن الأشعار التي نقلها في هذا قول الأخفش:
"أتوا ناري فقلت منونَ أنتم ... فقالوا: الجنُّ فقلت عِموا ظلاما
فقلت: إلى الطعام فقال منهم ... زعيم نحسد الإنس الطعاما"
وقول ورقة بن نوفَل في خزانة الأدب (١):
"ولا سليمان إذ دان الشعوب له ... الجن والإنس تجري بينهما البرد"
وقال نابغة الذبياني في ديوانه:
"لقد قلت لنعمان يومًا لقيته ... يريد بني جن ببرق صادر
تجنب بني جن فإن لقائهم ... كريه وإن لم تلق إلا بصابر" (٢).
والقارئ يفهم جيدًا أن في الأشعار السابقة لا يوجد أدنى إشارة إلى أن لفظة الجن أنها أطلقت على الإنس الذي سكن الجبال بل العبارات واضحة على أن الجن أطلق على مخلوق يقابل الإنس، ولكن السيد قد حرّف وشرح هذه الأشعار لتكون دليلًا إلى ما ذهب إليه.
اللهم إلا قول النابغة الذبياني "بني الجن" إذا أطلق على بني الإنس، فهذا مجرد اسم وإن سموا به نظرًا لصلابتهم في الحرب أو لاستتارهم في الجبال، ولا يستلزم من
стр. 526
ذلك انعدام عالم الجن بسب التسمية به الإنسان، كما لا ينعدم عالم الأسد إذا وصف رجل شجاع بالأسد.
ثانيًا: فُطِرَ الناس على أن في العالم خلقًا آخر غير الإنسان يعرفونه بآثاره، ولا يرون أشباحه ولا يعرفون حقيقته، وقد صرحت بذلك جميع الكتب السماوية بعبارات واضحة لا تحتمل التأويل كما صرحت بالعناوين الخاصة بهذا الخلق، فذكرت "الملائكة" وذكرت "الجن" على أنهم نوع مقابل للإنسان بدرجات تحت عنوان الثقلين .... إذن فليس في وجود الجن شك وليس في تحميلهم شرائع الله ورسالته شك، وليس في مسؤولياتهم ومؤاخذاتهم بالتقصير شك وليس في استعدادهم لاستماع القرآن وتلقيه وفهمه وتدبره والتأثر به شك، فكل هذا حق لا ريب فيه ومن لم يؤمن به فليس بمؤمن بالقرآن ولا برسالة السماء وإن محاولة تأويل شيء منه تحريف للكلم عن مواضعه، وسلخ للألفاظ عن معانيه وضيق عطن من المولعين بإنكار ما لا يدركه الحس (١).
ثالثًا: إن عالم الجن كعالم الملائكة من المغيبات التي أمرنا الله بالإيمان بها، ولم يكلف رحمة بنا أن نروي من أخبارها وأطوارها مما ذكره الوحي لنا فلنعقل منه ما نعقل، ولنكل أمر ما لا نعقل إلى الله ، ولا نتنازل عن ديننا وعقيدتنا بحرف أمام تحديات المستشرقين والمستغربين الماديين المحجوبين الذين ينكرون كل شيء غاب عن حواسهم، فنقول لهم: إن قوى وجود روحانية وعوالم غيبية وإن استترت عن حواسنا بأعينها، وقد تجلت لنفوسنا بآثارها، وما تواتر من أخبارها أمر محقق لا ريب فيه، ولنضرب لها مثلًا: كثير من القوات الطبيعية كانت مجهولة للبشر منذ أزمنة التاريخ كالكهربائية التي ظهرت كثير من عجائبها في هذا الزمن، والميكروبات التي ظهرت في علم الطب حقيقتها وتأثيرها في سبب الأدواء والأمراض في هذا الزمن قد صُدقت بها، وإذا كنا لا نصدق إلا ما نشعر به بحواسنا، فهذه
стр. 527
أرواحنا التي في أبداننا لا نراها ولا نسمعها ولا نشمها ولا نذوقها ولا نلمسها ولكننا نؤمن بوجودها ونعترف بعالمها ... (١).
خلاصة القول: إن الله خلق هذه الخلائق على نوعين:
١ - ما يكون متناسلًا: وهم الجن والإنس.
٢ - ما لا يكون متناسلًا: وهم الملائكة.
خلق الملائكة جميعًا بعددهم لأنهم غير متناسلين أولًا، ثم خلق إبليس قبل آدم ﵇ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٢).
وبخلق الإنسان تمت أنواع المخلوقات الثلاثة، فكرمه الله تعالى بسجود المخلوقات السابقة له ملائكة وجانًا، ولم يكن من الجن حينئذ إلا إبليس فكان الأمر موجها للملائكة تغليبًا وشمل إبليس لوجوده معهم وليس منهم ولذا استثني منهم عند معصيته وبين جنسه كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٣).
فبقي الملائكة في السماء لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ونزل الإنس والجن يمثل الأول آدم ﵇ ويمثل الجنس الثاني إبليس لعنة الله عليه، أنزل الجنسان إلى الأرض حيث تقع الطاعة وحيث تقع المعصية.
فكان من ذرية آدم ﵇ طائعون موحدون، وكان منهم عصاة وفاسقون وكان من ذرية إبليس لعنه الله موحدون من الجن وعصاة. ولم تقع المعصية من الصنف الأول ووقعت المعصية من الصنفين الآخرين فكان منهما شياطين (٤).
стр. 528
المبحث الثالث: الحياة البرزخية وما بعدها .
وفيه:
* تعريف البرزخ.
* الإيمان باليوم الآخر.
* أقوال المتأثرين بالاستشراق.
* تحليل العبارات وتعيين الشبهة.
* تفنيد شبهة كون المعاد روحانيا وليس جسمانيا.
стр. 529
الحياة البرزخية وما بعدها
تعريف البرزخ:
وقال الجوهري: البرزخ الحاجز بين الشيئين، والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث فمن مات فقد دخل البرزخ (١).
وقال القرطبي: روى هناد بن سري قال: "حدثنا محمد بن فضيل، ووكيع عن خطر قال سألت مجاهدًا عن قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢) قال: هو ما بين الموت والبعث، قيل: للشعبي مات فلان قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة هو في برزخ. والبرزخ في كلام العرب الحاجز بين الشيئين ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ (٣) أي حاجزًا وكذلك هو في الآية من وقت الموت إلى البعث فمن مات فقد دخل في البرزخ" اهـ (٤).
وقال أبو العز الحنفي: "الحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا ودار البرزخ، ودار القرار، وقد جعل الله لكل دار أحكامًا تخصها، وركّب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعًا لها وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأرواح تبعًا لها، فإذا جاء يوم حشر الأجساد، وقام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعًا، فإذا تأملت هذا المعنى حق التامل ظهر ذلك كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم" اهـ (٥).
стр. 530
قال الشيخ الحكمي: حال البرزخ من الرتبة الثانية وليس هو في الدنيا ولا في الآخرة بل حاجز بينهما (١).
فحياة الإنسان منقسمة إلى ثلاث: الحياة الدنيا، الحياة البرزخية، والحياة الآخرة، فقد أجمل العلماء القول عن الحياة البرزخية وما بعدها في قولهم: هو اليوم الآخر، يدخل فيه كل ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة عن رسول الله ﷺ مما أن يكون بعد الموت إلى أن يدخل أهل الجنةِ الجنةَ لينعموا من نعيمها وأن يدخل أهل النارِ النارَ ليتعذبوا بما فيها من العذاب.
يقول سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: "أما الايمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان والحساب والجزاء ونشر الصحف بين الناس، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويدخل في ذلك أيضًا الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد ﷺ ، والإيمان بالجنة والنار، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعظيمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فيجب الإيمان بذلك كله وتصديقه على الوجه الذي بينه الرسول ﷺ " اهـ (٢).
الإيمان باليوم الآخر:
هو ركن من أركان الإيمان الستة المذكورة في حديث جبرئيل ﵇: عند ما سأل جبرئيل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله