← Акыда

Акыда · id 118

أثر الاستشراق على المنهج العقدي بالهند

سعيد أحمد بن صغير هندي

Полный текст (713 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ذلك انعدام عالم الجن بسب التسمية به الإنسان، كما لا ينعدم عالم الأسد إذا وصف رجل شجاع بالأسد. ثانيًا: فُطِرَ الناس على أن في العالم خلقًا آخر غير الإنسان يعرفونه بآثاره، ولا يرون أشباحه ولا يعرفون حقيقته، وقد صرحت بذلك جميع الكتب السماوية بعبارات واضحة لا تحتمل التأويل كما صرحت بالعناوين الخاصة بهذا الخلق، فذكرت "الملائكة" وذكرت "الجن" على أنهم نوع مقابل للإنسان بدرجات تحت عنوان الثقلين .... إذن فليس في وجود الجن شك وليس في تحميلهم شرائع الله ورسالته شك، وليس في مسؤولياتهم ومؤاخذاتهم بالتقصير شك وليس في استعدادهم لاستماع القرآن وتلقيه وفهمه وتدبره والتأثر به شك، فكل هذا حق لا ريب فيه ومن لم يؤمن به فليس بمؤمن بالقرآن ولا برسالة السماء وإن محاولة تأويل شيء منه تحريف للكلم عن مواضعه، وسلخ للألفاظ عن معانيه وضيق عطن من المولعين بإنكار ما لا يدركه الحس (١). ثالثًا: إن عالم الجن كعالم الملائكة من المغيبات التي أمرنا الله بالإيمان بها، ولم يكلف رحمة بنا أن نروي من أخبارها وأطوارها مما ذكره الوحي لنا فلنعقل منه ما نعقل، ولنكل أمر ما لا نعقل إلى الله ، ولا نتنازل عن ديننا وعقيدتنا بحرف أمام تحديات المستشرقين والمستغربين الماديين المحجوبين الذين ينكرون كل شيء غاب عن حواسهم، فنقول لهم: إن قوى وجود روحانية وعوالم غيبية وإن استترت عن حواسنا بأعينها، وقد تجلت لنفوسنا بآثارها، وما تواتر من أخبارها أمر محقق لا ريب فيه، ولنضرب لها مثلًا: كثير من القوات الطبيعية كانت مجهولة للبشر منذ أزمنة التاريخ كالكهربائية التي ظهرت كثير من عجائبها في هذا الزمن، والميكروبات التي ظهرت في علم الطب حقيقتها وتأثيرها في سبب الأدواء والأمراض في هذا الزمن قد صُدقت بها، وإذا كنا لا نصدق إلا ما نشعر به بحواسنا، فهذه

стр. 527

أرواحنا التي في أبداننا لا نراها ولا نسمعها ولا نشمها ولا نذوقها ولا نلمسها ولكننا نؤمن بوجودها ونعترف بعالمها ... (١). خلاصة القول: إن الله خلق هذه الخلائق على نوعين: ١ - ما يكون متناسلًا: وهم الجن والإنس. ٢ - ما لا يكون متناسلًا: وهم الملائكة. خلق الملائكة جميعًا بعددهم لأنهم غير متناسلين أولًا، ثم خلق إبليس قبل آدم ﵇ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٢). وبخلق الإنسان تمت أنواع المخلوقات الثلاثة، فكرمه الله تعالى بسجود المخلوقات السابقة له ملائكة وجانًا، ولم يكن من الجن حينئذ إلا إبليس فكان الأمر موجها للملائكة تغليبًا وشمل إبليس لوجوده معهم وليس منهم ولذا استثني منهم عند معصيته وبين جنسه كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٣). فبقي الملائكة في السماء لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ونزل الإنس والجن يمثل الأول آدم ﵇ ويمثل الجنس الثاني إبليس لعنة الله عليه، أنزل الجنسان إلى الأرض حيث تقع الطاعة وحيث تقع المعصية. فكان من ذرية آدم ﵇ طائعون موحدون، وكان منهم عصاة وفاسقون وكان من ذرية إبليس لعنه الله موحدون من الجن وعصاة. ولم تقع المعصية من الصنف الأول ووقعت المعصية من الصنفين الآخرين فكان منهما شياطين (٤).

стр. 528

المبحث الثالث: الحياة البرزخية وما بعدها . وفيه: * تعريف البرزخ. * الإيمان باليوم الآخر. * أقوال المتأثرين بالاستشراق. * تحليل العبارات وتعيين الشبهة. * تفنيد شبهة كون المعاد روحانيا وليس جسمانيا.

стр. 529

الحياة البرزخية وما بعدها تعريف البرزخ: وقال الجوهري: البرزخ الحاجز بين الشيئين، والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث فمن مات فقد دخل البرزخ (١). وقال القرطبي: روى هناد بن سري قال: "حدثنا محمد بن فضيل، ووكيع عن خطر قال سألت مجاهدًا عن قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢) قال: هو ما بين الموت والبعث، قيل: للشعبي مات فلان قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة هو في برزخ. والبرزخ في كلام العرب الحاجز بين الشيئين ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ (٣) أي حاجزًا وكذلك هو في الآية من وقت الموت إلى البعث فمن مات فقد دخل في البرزخ" اهـ (٤). وقال أبو العز الحنفي: "الحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا ودار البرزخ، ودار القرار، وقد جعل الله لكل دار أحكامًا تخصها، وركّب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعًا لها وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأرواح تبعًا لها، فإذا جاء يوم حشر الأجساد، وقام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعًا، فإذا تأملت هذا المعنى حق التامل ظهر ذلك كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم" اهـ (٥).

стр. 530

قال الشيخ الحكمي: حال البرزخ من الرتبة الثانية وليس هو في الدنيا ولا في الآخرة بل حاجز بينهما (١). فحياة الإنسان منقسمة إلى ثلاث: الحياة الدنيا، الحياة البرزخية، والحياة الآخرة، فقد أجمل العلماء القول عن الحياة البرزخية وما بعدها في قولهم: هو اليوم الآخر، يدخل فيه كل ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة عن رسول الله ﷺ مما أن يكون بعد الموت إلى أن يدخل أهل الجنةِ الجنةَ لينعموا من نعيمها وأن يدخل أهل النارِ النارَ ليتعذبوا بما فيها من العذاب. يقول سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: "أما الايمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان والحساب والجزاء ونشر الصحف بين الناس، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويدخل في ذلك أيضًا الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد ﷺ ، والإيمان بالجنة والنار، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعظيمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فيجب الإيمان بذلك كله وتصديقه على الوجه الذي بينه الرسول ﷺ " اهـ (٢). الإيمان باليوم الآخر: هو ركن من أركان الإيمان الستة المذكورة في حديث جبرئيل ﵇: عند ما سأل جبرئيل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله

стр. 531

وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" اهـ هذا هو الركن الخامس من أركان الإيمان وهو الإيمان باليوم الآخر وما يدخل فيه (١). قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥) والآيات في ذلك كثيرة. وهذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، بل نطقت به كتب الله وسابقها ولاحقها، وتطابقت عليه الرسل أولهم وآخرهم ولم يخالف فيه أحد منهم، وهكذا اتفق على ذلك أتباع جميع الأنبياء من أهل الملل حيث يقرون بأن هناك يومًا يبعث الناس فيه ويجازون (٦). من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بأمارات الساعة: قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (٧). ومن أمارات الساعة: خروج دابة الأرض تكلم الناس (٨)، وخروج يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون (٩)، ومنها إتيان الدخان المبين من السماء (١٠)، ومنها

стр. 532

زلزلة الأرض (١)، ومنها طلوع الضمس من مغربها (٢)، وفتنة الدجال (٣)، ونزول عيسى ﵇ (٤)، وغيرها من الآيات. ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بأن ملك الموت يتوفى الأنفس (٥)، وبأن كل نفس ذائقة الموت (٦)، ومنه الإيمان بفتنة القبر من سؤال الميت، وعذاب القبر ونعيمه (٧)، ومنه الإيمان بالبعث والنشور (٨)، وكيفية البعث بأن الله ينزل من السماء ماء وهم ينبتون من عجب الذنب (٩)، ومنه الإيمان بالنفخ في الصور (١٠)، فيحشر العباد حفاة عراة غرلًا (١١)، والكافر يمشي على وجهه (١٢)، ومنه الإيمان على الشفاعة

стр. 533

العظمى (١)، وبالشفاعة لأهل الكبائر وأنها لا تصيب إلا أهل التوحيد (٢)، ومنه الإيمان بموازين القسط (٣). ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالميزان الذي توزن به الأعمال، قال ابن حجر: "قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة وأن الميزان له لسان وكفتان يميل بالأعمال، أنكرت المعتزلة وقالوا: هو عبارة عن العدل (٤). ومنه الإيمان بالصراط وهو الصراط على متن جهنم يمر عليه الناس على أحوال متفاوتة بقدر كسبهم في الحياة الدنيا من الأعمال من إحسان وإساءة أو تخليط، فمنهم بين مجتاز عليه إلى الجنان وهم المؤمنون على تفاوت درجاتهم ومراتبهم في البطء والإسراع، ومسرف على نفسه يكب في النيران فلا ينجو" اهـ (٥) قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٦)، وجاء وصفه في الحديث (٧)، ومنه الإيمان بأن المؤمنين يرون

стр. 534

ربهم بعد دخولهم الجنة (١)، ومنه الإيمان بحوض الكوثر (٢)، ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك، ولا يشرب منه إلا أهل التوحيد والسنة (٣). ومنه الإيمان بالجنة والنار ومعناه "التصديق الجازم بوجودهما وأنهما مخلوقتان الآن، وأنهما باقيتان بإبقاء الله لهما لا تفنيان أبدًا، ويدخل في ذلك كل ما احتوت عليه هذه من النعيم وتلك من العذاب" اهـ (٤). فأهل الجنة ينعمون فيها بما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين (٥) من فاكهة ولحم طير وخمر ولبن وعسل ونون وثور (٦)، ويلبسون فيها بلباس فاخر من حرير ومن سندس خضر واستبرق (٧)، ويتزينون فيها بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ (٨)، ويتناكحون فيها بحور عين (٩)، ويعطى المؤمن في الجنة قوة مائة رجل من الجماع (١٠).

стр. 535

وأفضل ما يعطى أهل الجنة في الجنة رضوان الله (١)، والنار لها دركات كما للجنة درجات (٢)، وأهل النار متفاوتون في العذاب إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقُوَته (٣). وقد تعرض شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لبيان أنواع المكذبين بالبعث والنشور من اليهود والنصارى والصائبة ومنافقي هذه الأمة فقال: "الذين كفروا من اليهود والنصارى ينكرون الأكل والشرب والنكاح في الجنة، ويزعمون أن أهل الجنة إنما يتمتعون بالأصوات المطربة والأرواح الطيبة مع نعيم الأرواح، وهم يقرّون مع ذلك بحشر الأجساد مع الأرواح ونعيمها وعذابها. وأما طوائف من الكفار وغيرهم من الصائبة والفلاسفة ومن وافقهم فيقرّون بحشر الأرواح فقط، وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط، وطوائف من الكفار والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية، فلا يقرّون لا بمعاد الأرواح، ولا الأجساد، ورد على الكافرين والمنكرين لشيء من ذلك، بيانا تاما غاية التمام والكمال. وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة فإنهم يحرفون الكلام عن مواضعه، ويقولون هذه أمثال ضربت لنفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية الذين قولهم مؤلف من قول المجوس والصائبة، ومثل المتفسلفة الصائبة المنتسبين إلى الإسلام، وطائفة ممن ضاهوهم: من كاتب، أو متطبب، أو متكلم، أو متصوف، كأصحاب "رسائل إخوان الصفا" وغيرهم، أو منافق، وهؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان" اهـ (٤).

стр. 536

وقال أيضا: "إن باطنية الفلاسفة يفسرون ما وعد الناس به في الآخرة بأمثال مضروبة لتفهيم ما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم، لا بإثبات حقائق منفصلة يتنعم بها، ويتألم بها (١). أقوال المتأثرين بالاستشراق قال سيد أحمد خان: "قد انقسم الناس في تصورهم عن الجنة والنار من خلال آيات القرآن الكريم إلى فريقين: فريق عندهم عقول مستنيرة مدرّبة، فيتخيلون أن الوعد بالجنة والوعيد بالنار قد وردا بألفاظ لم يقصد بها تلك الأشياء بعينها، إنما المقصود بها تقريب معاني السرور والراحة العليا إلى فهم الإنسان في أنسب تشبيه، وهم بهذا التخيل الجميل للجنة يرغبون في الإتيان بالأوامر ويزجرون عن أرتكاب النواهي. وآخرون عندهم عقول متحجرة مغلقة وهم من علماء الدين والزهاد الشهوانيين يظنون أنهم سيجدون في الجنة عددًا لا تحصى من أجمل الحور العين ويشربون الخمر، ويأكلون الفواكه، وينعمون في أنهار اللبن والعسل، ويمارسون من الشهوات ما يشاءون، فبهذا التخيل التافه البليد هم يسعون في طاعة الأوامر وينتهون عن الزاجر، وكلا الفريقين يصل إلى نتيجة واحدة، وهكذا يكتمل أهداف التربية لكافة الأنام، فمن لم يتدبر في هذه الحقائق القرآنية التي جاءت مطابقة للفطرة الإنسانية لم يفهم من القرآن شيئا، وحرم نعمة عظمى" اهـ (٢). وقال أيضًا: "هذا التصور عن الجنة أنها خلقت كحديقة من الحدائق، فيها قصور عالية مبنية من رخام ولؤلؤ، وفيها أشجار يانعة خضراء، وفيها أنهار من خمر ولبن وعسل، وفيها فواكه من كل نوع وفيها سقاة وساقيات في غاية الجمال لابسين أسورة من فضة كما تلبس عندنا بائعات اللبن، فيسقون أهل الجنة خمرًا.

стр. 537

وأصحاب الجنة منهم من ألقى يده في نحر حبيبته الحوراء، ومنهم من وضع رأسه على فخذها، ومنهم من التفّ حول صدرها، ومنهم من انكبَّ بقبلة على شفتها، ومنهم من يمارس شيئا في زاوية من زوايا الجنة، وآخر في أخرى. وهذا الفحش يا للعجب! لو كانت هذه هي الجنة، أقول بدون أي مبالغة إن دور الزنا والخمارات (بيوت الدعارة) خير منها ألف مرة" اهـ (١). قال أمير علي: "ولكن الزعم بأن النبي العربي ﷺ وعد أتباعه بجنة مليئة بالشهوات والحور العين وضروب متنوعة من الملذات لا يزال قائمًا، وهو زعم يتم على الجهل، والتعصب القديم على السواء .... والوصف الوارد في الجنة والجحيم وصف مستمد من واقع الحياة، وإن كان في بعض المواطن يكاد يكون حسيًا، ولكن الزعم بأنه وصف شهواني، أو أن محمدًا ﵊ أو أحدًا من أتباعه، حتى ولو كان من علاوة أهل الظاهر، يفهمه على أنه كذلك حديث مفترى، وإن الكأس التي لا فيها غول، وقاصرات الطرف لا يمكن أن تكون لذات شهوانية" (٢). وقال أيضًا: " .... وفي هذا القدر كفاية في دحض ما افتراه القائلون بأن القرآن صوّر الحياة الآخرة بصور حسية، ونختم هذا الفصل بهذه الآية الكريمة التي تكشف عما ينطوي عليه الإسلام من السمو الروحي العميق، والآمال والأماني السامية التي عليها منهجه في الحياة: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٣) (٤). وقال إقبال: "ليس البرزخ حالة انفعالية للانتظار والتوقف إنما هو عبارة عن الشعور الذاتي بحالة التغيير بالتهيؤ لما يستقبله بعد أن ظهر له بعض الجوانب من

стр. 538

الحقيقة المطلقة، وبعبارة أخرى: هي كيفية تولد في نفس الإنسان اختلالًا شديدًا" اهـ (١). وقال أيضًا: "أما الجنة والنار فليستا مكانين معينين، لأن القرآن عبَّر عنهما كأنها أحوال داخلية في نفس الإنسان، والتي تدور في عينيه، حيث قال عن النار: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ (٢) وبعبارة أخرى هو شعور نفسي بالألم الشديد أمام الخسران والهزيمة، وأما الجنة فهي شعور نفسيٌّ بالغلبة على قوى الهلاك والفناء، والمسرّة والنجاح ولم يجعل الإسلام الإنسان متعرضًا للشقاوة واللعنة الأبديتين" اهـ (٣). وقال أيضًا: "أنا أرى في رواية القرآن هذه جاءت لفظة "الجنة" والمقصود بها الإشارة إلى مرحلة بدائية للإنسان وهي مرحلة لم ترتبط بما حوله من الأشياء، فلم يشعر بتكاليف الحياة ومشاقها التي سوف يستقبلها عندما تحيط به حاجاته في ضروريات الحياة" اهـ (٤). وقال أيضًا: " .... ويبقى هنا أمر لم يتضح بعد وهو: لماذا هذا الزمن غير المتناهي للمجازاة بالسعادة والسرور، والأخلاق الفاضلة؟ وكيف يمكن لله أن يوجد اتصالًا بين هذه التصورات المتباينة؟ (ثم يبحث إقبال عن الجواب عند المستشرق "وليم جيمز" (٥).

стр. 539

تحليل العبارات وتعيين الشبهة بعد أن كان الأمر متفقا عليه بين الشرائع السماوية بأن الحياة البرزخية والحباة الأخروية وما يحصل فيها من نعيم وعذاب معنويان وحسيان يطرءان على الأرواح والأبدان ظهر رجل من اليهود يقال له موسى بن ميمون قد أنكر أن يكون في المعاد لذات حسية جسمانية. قد أشار إليه العلامة الشوكاني ﵀ بعد أن نقل نصوصًا من التوراة والإنجيل تدل على المعاد الجسماني وقال: "ولم يسمع عن أحد منهم (أي من الأنبياء وأتباعهم)، أنه أنكر ذلك قط، ولكنه ظهر رجل من اليهود زنديق يقال له موسى بن ميمون اليهودي الأندلسي (١)، فوقع عنه كلام في إنكار المعاد، واختلف كلامه في ذلك، فتارة يثبته وتارة ينفيه، ثم هذا الزنديق لم ينكر مطلق المعاد، إنما أنكر بعد تسليمه للمعاد أن يكون فيه لذات حسية جسمانية، بل لذات عقلية روحانية. ثم تلقى ذلك عنه من هو شبيه به من أهل الإسلام كابن سيناء (٢)، فقلده، ونقل عنه ما يفيد أنه لم يأت في الشرائع السابقة على

стр. 540

الشريعة المحمدية إثبات المعاد، وتقليدًا لذلك اليهود الملعون الزنديق مع أن اليهود أنكروا عليه هذه المقالة، ولعنوه، وسموه كافرًا (١). ثم تلقى هذه الشبهة فلاسفة الغرب وعلماء الاستشراق إذ كانت صالحة ومناسبة لإنكار الغيبيات التي كانت صدمة أمام المنهج التجريبي في معامل الغربية المادية، ومن ثم اجتاز لهم الطعن في الإسلام بأنه دين شهواني لأنه يَعِدُ أتباعه بملذات شهوانية في الآخرة، كما يظهر هذا الاتجاه في قول أمير علي السابق عندما قال: ولكن الزعم بأن النبي العربي وَعَدَ أتباعه بجنة مليئة بالشهوات والحور العين .... وهكذا عرض أمير علي هذه الفكرة كشبهة ثم حاول الرد عليها متنازلًا عن بعض ما عنده من الحق من تصوير القرآن عن الحياة الآخرة بصور حسية، فأنكر هذه الحقيقة وقال: في هذا القدر كفاية في دحض ما افتراه القائلون بأن القرآن صور الحياة الآخرة بصورة حسية، ودلل على ذلك ببعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢) (٣) فأوَّل الوصف القرآني الحقيقي الجنة والنار إلى أنه وصف مستمد من واقع الحياة. ثم أثار شبهة تطور الوحي في بيان وصف الجنة حيث قال: فالسور المكية تشتمل على الأوصاف الجميلة المادية في شأن الفردوس ولكن ينمو الوعي الديني على مر السنين وبارتقاء المسلمين في إدراك المعاني الروحية بالمدينة اصطبغت المعاني التي اتخذت مظهرًا ماديًا في البداية بصفة روحية (٤).

стр. 541

وأكبر دليل أو متمسك عنده آية في سورة الفجر: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (١) وهي مكية، وهذا ينقض أساس التطور في الوحي، إذ أن الوصف النفساني قد نزل في مكة كما نزل في المدينة ولكن الحقيقة كما نعلم أن في الجنة ملذات مادية وروحانية، ونزل الوحي بهذين الوصفين في مكة والمدينة على حد سواء. وقد سبقه أستاذه سيد أحمد خان في إثارة هذه الشبهة ولكنه كان زكيًا في تناوله هذه الشبهة فإنه لم يشر أدنى إشارة إلى أن هذه الشبهة واردة من الخارج، بل قسم الأمة إلى قسمين: فجعل أتباع موسى بن ميمون الزنديق اليهودي أمثال: ابن سيناء ومن شابهه من المعتزلة والجهمية الذين أنكروا المعاد الحسي من أصحاب العقول المستنيرة، وبمقابلتهم جعل علماء الدين الزهاد من المحدثين والمفسرين من أصحاب العقول المتحجرة واتهمهم بأنهم شهوانيون لأنهم آمنوا بوجود اللذات الحسية في الجنة، وشبه الجنة التي أعد الله فيها لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بقلب بشر بأنها تشبه بيوت الدعارة نسأل الله العافية من الزيغ في الفكر. وأما إقبال فتأثرُهُ بالمناهج الغربية الاستشراقية واضحة جدا في هذا الصدد، حيث صرح بأنه أخذ رأيه هذا في البرزخ من نظرية "هلمهولتس" (Helm Holtz) القائلة: "إن الأعصاب إذا هاجت لا تشعر إلا بعد مدة قليلة" اهـ. فقال: "حالة البرزخ هو حالة تطرأ على النفس عند هيجان الأعصاب بسبب اختلال شديد في نفس الإنسان ..... " اهـ (٢). حتى قال: "إن البعث بعد الموت ليس حادثا خارجًا عن الإنسان إنما هو المحاسبة النفسية على عمل سابق التي يشعر بها الإنسان داخله، لتستكمل حياته العملية في المستقبل" اهـ (٣).

стр. 542

بعد أن أثار شبهات حول الحياة بعد الممات يتساءل إقبال: لماذا هذا الزمن غير المتناهي؟ وكيف يمكن لله أن يوجد اتصالًا بين هذه التصورات .... ؟ يبحث الجواب عند "وليم جيمز" و"نيتشه" فهذا يدل دلالة واضحة على أن إقبالًا تنازل عن الحقائق المذكورة في القرآن والسنة عن حياة الآخرة، وسلك في فلك فلاسفة الغرب في تصوره عن الحياة البرزخية والحياة الآخرة. وبعد هذا التحليل العلمي يمكن أن نجمل الشبهات التي أثارها كل من السيد وإقبال وأمير علي في جملة واحدة وهي أن المعاد روحاني وليس جسمانيًا. تفنيد الشبهة تفنيد شبهة كون المعاد روحانيا وليس جسمانيا: والرد على هذه الفرية من وجوه: أولًا: إن الدور ثلاث دار الدنيا، دار البرزخ ودار القرار، وقد جعل الله لكل دار أحكامًا تخصها، وركّب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبعًا لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعًا لها، فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم، صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعًا، فإذا تأملت هذا المعني حق التأمل ظهر لك كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من النار مطابقًا للعقل وأنه حق لا مرية فيه (١). ثانيًا: "ولا عجب ولا استغراب ممن ألحدوا في أسماء الله وصفاته وجحدوا ما صرح به تعالى في محكم آياته، وردّوا ما صح عن الرسول ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات، وحكموا العقل في الشرع، وعارضوا الوحي الرحماني بالحدس الشيطاني، وقدموا الآراء السقيمة عن السنن المستقيمة وآثروا الأهواء الذميمة على المحجة القويمة، فليس بعجيب ولا غريب ممن هذا شأنهم أن ينكروا عذاب القبر

стр. 543

وغيره من أنباء الغيب التي لا يشاهدونها وما لهم لا ينكرون ذلك وهم لا يعرفون الإنسان إلا هذا الجسم الذي هو الجلد واللحم والعظم والعرق والأعصاب والشرايين ونحوها مما يمتلئ بكثرة الطعام والشراب فيه ويخلو بقلتهما فيه، وما لهم لا ينكرون ذلك وهم لا يقرون الموجود إلا مسموعًا متكلمًا به مبصرًا مشمومًا ملموسًا، وما لهم لا ينكرون ذلك وطريقتهم في النصوص أبدًا تأويل الصريح وتضعيف الصحيح وأنها آحاد ظنية لا تفيد اليقين وليست بأصل بزعمهم عند المحققين" اهـ (١). ثالثًا: إن النصوص من الآيات القرآنية والأحاديث الثابتة الصحيحة بل نصوص التوراة والإنجيل مستفيضة كثيرة تدل على أن المعاد يكون جسمانيًا ونفسانيًا، فالملذات النفسانية التي ذكرت في بعض النصوص لا تنافي حصول الملذات الجسمانية التي ورد ذكرها في كتب الله وعلى لسان رسول الله ﷺ والقادر الذي أوجد المعاد النفساني أو الروحاني فهو القادر أيضًا على إيجاد المعاد الجسماني في تلك الدار. رابعًا: إن لذة الطعام والشراب والجماع المذكورة في النصوص لا تقتصر على الملذات النفسانية بل هي لذات جسمانية ونفسانية، ولكن من أين يلزم أنه لا لذة طعام وشراب ونحوهما في تلك الدار الآخرة كما أشار إليه بعضهم. "فإن كان بالشرع، فكُتبُ الله جميعا ناطقة بخلاف ذلك، (٢) وفي القرآن الكريم العظيم مما يكثر تعداده، ويطول إيراده وهو لا يخفى مثله على أحد من المسلمين الذين يقرؤون القرآن لبلوغه في الكثرة إلى غاية يشترك في معرفتها المقصر والكامل. وإن كان بالعقل فليس في العقل ما يقتضي إثبات اللذة النفسانية ونفي اللذة الجسمانية، بل لا مدخل للعقل ها هنا ولا يتعول عليه أصلًا.

стр. 544

وإن كان لا يعتبر عقل، ولا شرع، بل لمجرد الزندقة والمروق من الأديان كلها، والمخالفة لما ورد في كتاب الله ، فبطل ذلك مستغن عن البيان" اهـ (١). خامسا: وكفي لمن أنكر المعاد الجسماني خطأً وضلالًا تقليدهم في ذلك لذلك اليهودي الملعون الزنديق موسى بن ميمون الأندلسي ومن هو شبيه به من أهل الإسلام كابن سيناء وغيره من الفلاسفة الضلال، ومن غير أهل الإسلام كـ "هلم هولتس" (Helm Holtz) و"وليم جيمز" (William Jams) و"نيتشه" وغيرهم الكفار، وكفاهم خطأ وضلالًا خرق إجماع الأمة قاطبة بل اتفاق الشرائع كلها.

стр. 545

الباب الثالث: تأثير المنهج الاستشراقي في تفريق عقائد المسلمين فيه مدخل وفصلان: * الفصل الأول: الفرق المبتدعة. * الفصل الثاني: الفرقة الخارجة عن الإسلام (القاديانية).

стр. 546

المدخل من أهم الموضوعات التي تناولها المستشرقون بالدراسة من ضمن الموضوعات الإسلامية موضوع الفرق، وقد ساعدهم على ذلك الاستعمار إذ أن فى دراسة هذا الموضوع كانت خدمة لهدفه الأساسي الذي يعبر في قولهم: "فَرِّقْ تَسُدْ"، بل اجتمعت الأفاعي الثلاثة: الاستشراق والاستعمار والتنصير تحقيقا لهذا الهدف. يقول حلمي مرزوق: "هذان (الاستشراق والتنصير) هما الضلع الثاني في الثالوث (الاستعمار) اجتمعا على تزييف الحضارة العربية والإسلامية، وهما وإن كانا مختلفين في النشأة والمصدر، فالاستشراق تقوم عليه الجامعات والهيئات العلمية، أما التبشير (التنصير) فتقوم عليه الكنائس وما في حكمها من المجامع والمؤسسات، وغاية الاستشراق علمية خالصة، أما التبشير (التنصير) فدينية بحتة، وتلك غايات نقدرها قدرها ولا نضيق مما يبذل فيها من الجهد، وإنما الضيق كما قدمنا من الانحراف بهذه الجهود عن وجهتها العلمية أو الدينية إلى خدمة الاستعمار أو التعصب على غيرها من الحضارات والمعتقدات" اهـ (١). والمستشرقون قد قاموا بدورهم الفعال، فدخلوا البلاد المقصود استعمارها سياحين وجوالين، وهم كانوا في الحقيقة طلائع الغرب الذين جمعوا معلومات عن هذه البلاد لتكون كشافة لاستعمارها. يقول حسين الهراوي: "واستعدادًا لذلك كان لا بد من تجول طلائع الغرب في البلاد التي يجب قهرها واحتلالها، وأن تكون هذه الطلائع من الذين تعلموا اللغة العربية وغيرها من لغات الشرق لكي يستطيعوا التحدث إلى الشعوب، والبحث في الآثار والتعرف على الأفكار والقيام بالدعايات وإثارة المنازعات وإشعال الخلافات حتى تقع البلاد فريسة بين مخالب الاستعمار، ولتحقيق هذا الهدف أكثروا من هذه

стр. 547

الطلائع ليمارسوا التجسس على البلاد، وأن يصطنع البحث العلمي وأن يسعى لخلق صلة بين الأهالي وجيوش الاستعمار إذا دخلتها" اهـ (١). والهند لا يختلف وضعها عن وضع أي دولة إسلامية لأنها كانت إسلامية، وحكمها المسلمون ثمانية قرون حتى قضى على حكمها الاستعمار سنة ١٨٠٦ م مع موت شاه عالم، وبلحده لحد الحكم الإسلامي في الهند (٢). وقفت الهند أمام الثالوث (الاستشراق، والتنصير، والاستعمار) الخطير وقفة مغلوب أمام الغالب، بعد ما سلمت زمام حكمها لهذا العدو الجاشم سقطت بعض رجالاتها أمام هجماته الشرسة، هم رجال من قواد الفكر الإسلامي بالهند أمثال السير سيد أحمد خان ومحمد إقبال الشاعر الإسلامي، والعلامة شبلي النعماني، وهم رجال لا نشك في نياتهم أرادوا لشعبهم الخير، واستخدموا للدفاع عن الإسلام جميع الوسائل المتاحة إلا وسيلة واحدة هو المنهج السني الصحيح في العقيدة، فسقطوا فريسة أمام المنهجية الاستشراقية الغربية الوافدة كما سبق ذكر ذلك كله في الفصول الماضية. ولكن الشعب الهندي المسلم وقف موقفًا خاصًا من هؤلاء القادة المتأثرين بالاستشراق، ويمكننا التعبير عن هذا الموقف بقولنا: إن المسلمين بالهند تأثروا من أمثال سيد أحمد خان وأمير علي ومحمد إقبال في القضايا الدينية العامة، ولم يتأثروا منهم في تفاصيل العقيدة، فقليلًا ما تجد منهم من أنكر الجنة والنار والجن والشياطين والمعجزات إلى غير ذلك مما تخبط فيه المتأثرون. كما أشار إلى ذلك المستشرق إسمث فيقول: "المتحررون المتأثرون بالمنهج الغربي قد تسلطوا على سلطة باكستان ولكن أثرهم على البلد والشعب كان ضئيلًا في دائرة محدودة ..... منذ بداية القرن الماضي السير سيد أحمد خان وأمير على، ويوسف على، وإقبال ومن سلك مسلكهم من أهل التصوف يرون ترك التمسك

стр. 548

بظواهر الدين والإكتفاء بروح الإسلام، ولكن لا توجد في الباكستان سلطة قوية تفهم الناس أن الإسلام لم يأمر الناس بالقتال والإفساد (يقصد القتال في سبيل الله) ولم يؤسس مبناه على الظواهر، بل أساس الإسلام هو الجمهورية والحرية والمساواة والحلم والعدل (١). ولكن مما لا مرية فيه أنه قد حصلت زلزلة في أذهان المسلمين تجاه هذه المعتقدات وبخاصة تجاه مصادر تلقى هذه المعتقدات من الكتاب والسنة، وتجاه منهجية التلقي من هذه المصادر. هذا وقد سبق أن ذكرنا أن الحكومة البريطانية لما سيطرت على الهند خططت لتنصير جميع المسلمين بوسائل عديدة فلما رأت أن أطماعها قد فشلت في تنصير جميع الشعب الهندي المسلم أو في تحويل كافتهم إلى الإسلام المصبوغ بالصبغة الغربية، الذي هو إسلام في اسمه وإلحاد في أصله وحقيقته، وخافت من زوال سيطرتها على الهند فراجعت في تخطيطها، وأسرعت في الحصول على أدنى مطلب ولكنه أعلى مقصد في ذاته، ألا هو تفريق المسلمين في عقائدهم لتستمر لها السيادة عليهم، فنصبت عددا من المستشرقين الحاذقين لدراسة أوضاع المسلمين من جديد، وللبحث عن طرق جديدة يمكن بها استمرار السيطرة عليهم، فنشط هؤلاء المستشرقون البارعون للحصول على هذا الغرض فكتبوا كتابات حول الفرق وشجعوا كل من نادي بحرية الفكر في الدين فغذّوه من منابيع الانحراف القديم مثل الاعتزال والتشيع، فانقسم المسلمون إلى فرق بعد أن كانوا مجتمعين فنجح الاستشراق والاستعمار في هذا كل النجاح. والتاريخ خير شاهد على قولنا هذا، فلم تشهد الهند قبل دخول الاستعمار افتراقًا في صفوف المسلمين، اللهم إلا افتراق أهل السنة والشيعة، وهذا الاختلاف اختلاف قديم قدم الإسلام، ولكن الفرق الجديدة من الديوبندية، والبريلوية،

стр. 549

والقاديانية، والنيجرية، والقرآنية (منكرو السنة) وغيرها من الفرق هي وليدة الاستعمار والاستشراق في الهند. يقول الشيخ خادم حسين: "الفرق المنحرفة عن الإسلام وتعاونها مع الفكر المناوئ لدين الله ممتد عبر التاريخ فما من معاد لله ولدينه إلا ويجد المساندة من هذه الفرق، فحين احتل الإنجليز الهند وجدوا فرقًا تناوئ العقيدة الصحيحة، فاستفادوا من مقاومتها ووجهوا جهودها إلى ما يقوي جانبهم ويمد فكرهم وسلطانهم بالبقاء أطول فترة ممكنة. أضف إلى ذلك أن المحتلين شجعوا كل فكرة تبعد المسلمين عن دينهم المنزل، وساندوا كل زعامة تقف سدًّا بين المسلمين وبين العودة إلى شرع الله، فخرجت إلى حيز الوجود فرق بعقائد وتشريعات لم يعرفها الإسلام من قبل، ونسبت إلى دين الله أمورًا ما جاء إلا لمحاربتها، وتمت الحلقة بإنشاء فرق على يد الاستعمار تحمل لواءه، وتدافع عن فكره وتنقض الإسلام باسم الإسلام، وعلى ذلك يمكننا تقسيم الفرق التي استفاد منها الغرب وفكره إلى قسمين: (أ) فرق كانت موجودة قبل الإنجليز، فغذيت ورفعت العراقيل عن تعميم فكرها أهمها: الشيعة بفرقها الثلاثة: الاثنى عشرية، البهرة (الإسماعيلية)، الآغاقانية، والصوفية. (ب) فرق لم تكن موجودة فوجدت بإيعاز من الفكر الغربي تارة، وبتشجيعها أفكارًا وتشريعات لا عهد للإسلام بها تارة أخرى، أهمها البريلوية، والقرآنيون، والقاديانية" اهـ (١). الفرق التي وجدت في الهند قبل دخول الاستعمار والاستشراق لا تتجاوز الشيعة بأقسامها الثلاثة، وأما الصوفية فهي فكرة مشتركة من الشيعة والسنة وهى لا تعد فرقة إنما هي فكرة قامت على أساسها فرق كثيرة، وعلى هذا يستقيم كلامنا بأن

стр. 550

الافتراق بين المسلمين في الهند وبخاصة بين أهل السنة والجماعة هو وليد الاستشراق والاستعمار، فالديوبندية والبريلوية والقاديانية والقرآنية والنيجرية حتى الجماعات التي أسست بعد الاستعمار مثل جماعة التبليغ والجماعة الإسلامية، إذا تتبعنا تاريخ تلك الفرق ونشأة هذه الجماعات يتحقق لنا لكل منها مؤسس قد عاش زمن الاستعمار وله ارتباط بالاستعمار والاستشراق إما لصالح المسلمين أو لضدهم .... وما من فرقة من هذه الفرق إلّا ولها تأثر خفي أو جلي من الاستشراق. ومن المستشرقين البارعين الذين عينتهم الحكومة لدراسة أوضاع المسلمين ولوضع الخطة الجديدة لإخضاع المسلمين من جديد المستشرق "هنتر" (Hunter) الذي يقول في تقريره الذي أصدره بعد دراسة أوضاع المسلمين: "فليكن دائما على بال الحكومة الإنكليزية أن الوهابية الهنود هم شرذمة قليلة من الجماعة الكبيرة التي تجول في جميع أنحاء الآسيا، يُرَحَّبون في بعض المساجد، ويطردون عن بعضها، وهؤلاء كلهم دعاة يسعون في تجريد الدين المحمدي عن البدع والخرافات، كما قام قساوسة "هيدربيند" بإصلاح كنائس الروما. ومن سوء حظ الحكومة الإنكليزية أنها قامت في وقت قد بدأ الإصلاح بين المسلمين، وهذا الإصلاح الذي هو قائم بين المسلمين يبعث فيهم التنافر والجفوة تجاه المستعمرين الكافرين، لأن إصلاح البين والتنافرة تجاه الحكومة شيئان متلازمين، إذ أن المسلمين كلما تمسكوا بالأصول الأصلية من الدين لزمهم الخروج على حكومة ذلك الوقت" اهـ (١). ويقول أيضا: "إن البحث والاستفتاء عن مسألة الجهاد من قبل المسلمين يبين بيانًا واضحًا بأن حكومتنا في الهند قامت على أسس خطرة. لأن الجدير بالذكر أنه لم تصدر فتوى بجواز جهاد ضد حكومة ما إلا قد قام القتال ونصبت المذابح، فلما أفتى

стр. 551

علماء "جونبور" بأن الخروج على الملك "أكبر" والجهاد ضده قد جاز للمسلمين تزلزل عرش ذلك الملك العظيم" اهـ (١). ثم يضيف قائلا: "الثوار الذين خرجوا على الحكومة لا يمكن القضاء عليهم بالضرب ولا بالحبس الجماعي، لأن هذا العمل يجلب لهم تعاطف الشعب المتدين، ولكن بدون أي تنفير، وبكل لين وحكمة نجعلهم في عُزلة عن الآخرين" اهـ (٢). من التقرير السابق الذي قدمه المستشرق نستنتج الأمور الآتية: ١ - أن المنهجية السديدة التي تأمر المسلمين بالتمسك بالسنة في العقيدة والأحكام، وتحثهم على الجهاد في سبيل الله كانت سدا منيعا في سبيل الاستعمار. ٢ - أن أخوف ما يخاف منه العدو الجهاد في سبيل الله، فقضية الجهاد شغلت بالهم أكثر مما شغلتهم أي مسألة أخرى. ٣ - أن الأعداء قد فطنوا أن السنة هي الأساس الذي يُميَّز بها بين أهل السنة والشيعة، فكلما ابتعد المسلم عن التمسك بالسنة اقترب إلى الشيعة، والشيعة كانت مقصودهم إذ أنهم أول فرقة قامت مساندة للاستعمار في الهند، وأصدرت فتوى بترك الجهاد ضد الاستعمار، فيقول فيهم المستشرق "فندر" نفسه في تقريره السابق: "أما الشيعة فهم يشترطون الإمام بإقامة فريضة الجهاد، ولكن ذلك الإمام الغائب قد غاب عن أنظار الناس الذين يتعرضون للفناء، ولن يرضى هذا الإمام المعصوم أن يظهر ويقود الجيوش للجهاد ضد الملكة المعظمة، فإن السعي للجهاد قبل ظهور هذا الإمام جريمة لا تغفر" اهـ (٣).

стр. 552

وكذلك حاول المستشرق "هنتر" بتقريره هذا أن يبث بين المسلمين بعض فتاوى أهل السنة التي توافق فتوى الشيعة في الجهاد، والتي تخدم أهدافهم في توطئة أرض الهند لترك الجهاد فمن أهم هذه الفتاوى التي أوردها في كتابه ما يلي: فتوى علماء مكة المكرمة السؤال: ما رأيكم دام فضلكم عن دولة الهند التي يحكمها النصارى لا يتدخلون في أمر من الأمور الإسلامية مثلًا لا يمنعون من الصلوات الخمس وصلاة العدين وغيرها من الأمور إلا أنهم يجيزون ترك بعض الأمور مثلًا: يورثون النصراني الذي ارتد عن الإسلام من آباءه المسلمين، فهذه البلدة أدار الإسلام هي أم دار الكفر أفيدونا أفادكم الله. الجواب الأول: "نحمد الله رب العالمين، ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ما دامت بعض الأحكام الإسلامية تجري فيها فهي دار الإسلام" اهـ. (جمال بن عبد الله الشيخ عمر الحنفي، مكة الكرمة) الجواب الثاني: نحمده ونصلي على رسوله الكريم وآله وصحابه وذرياته أجمعين، اهدنا الصراط المستقيم، ما دامت تُنفّذ فيها بعض الأحكام الإسلامية هي دار الإسلام (توقيع أحمد بن ذبيني مفتي المذهب الشافعي بمكة المكرمة) (١). فتوى علماء شمال الهند: السؤال: هل يجوز الجهاد في الهند؟ وقد كانت دولة إسلامية يحكمها حاكم مسلم، واستعمرها النصارى، ولكنهم لا يتدخلون في أمورهم الدينية مثلًا: لا يمنعونهم عن الصلوات الخمس والحج والجمعة وغيرها من العبادات، والمسلمون أحرار فيما يفعلون، والحكام النصارى يحمونهم مثل ما يحميهم أحد ملوكهم،

стр. 553

فالمسلمون لا قوة عندهم ولا عدة لقتال حكامهم بل هم ضعفاء، إذا قاتلوا فالهزيمة متأكدة لهم، وبهذا تنكسر شوكة المسلمين ويذهب عزهم. الجواب: ما دام المسلمون في أمن من حكامهم النصارى، فلا يجوز للمسلمين الجهاد ضدهم، لأن الجهاد لا يشرع إلا عند فقدان الأمن والحرية، والأمر هنا خلاف ذلك، وإضافة إلى ذلك يشترط للقتال أن يترجح غلبة المسلمين، وإذا كانت الهزيمة متأكدة للمسلمين فلا يجوز الجهاد. (توقيعات: المولوي محمد اللكهنوى، المولوي عبد الحي اللكهنوي، المولوي فيض الله اللكهنوي، مولوي قطب الدين الدهلوي، المولوي محمد نعيم اللكهنوي، المولوي مفتي سعد الله اللكنهوي، المولوي لطف الله الرامفوري، المولوي غلام علي الرامفوري) (١). فتوى الجمعية المحمدية: السؤال الثاني هل يجوز الجهاد في الهند أم لا؟ الجواب: إن الهند دار إسلام، ودار الإسلام لا يجوز فيها الجهاد، وهذا الأمر أوضح من أن يستدل عليه بدليل أو بمثال، ولكن القتال من سوء حظه، إذا بدأ ضد الحكام الإنكليز يعتبر خروجًا على الحاكم، والخروج ممنوع حسب الشريعة الإسلامية، وإذا نشب مثلُ هذا القتال يجب على المسلمين مساندةُ الحكام والقتال معهم ضد الثُوّار. (وهذه الفتوى مذكورة في فتاوى عالمكير) (٢). إذن ترك الجهاد وإنكار السنة قضيتان قد قامتا لخدمة الاستعمار، فكل زعامة نادت بإحدى هاتين القضيتين أو بكلتيهما ساندها الاستعمار وشجعها الاستشراق، فالبريلوية مع رفضهم السنن الثابتة عن الرسول ﷺ تقليدًا لآبائهم

стр. 554

ومشايخهم أنكروا الجهاد، والقرآنيون معروفون في إنكار السنة لأن هذا هو أساس دعوتهم، فقد شنعوا على من نادى بالجهاد ضد العدو، والقاديانية مع ادعائهم بنبوة غلام أحمد القادياني فإنهم قبل كل شيء منكرو السنة ورافضو الجهاد، وكذلك الفرقة النيجرية (الطبيعية) أنكروا السنة ليجعلوا الدين حسب مزاجهم، وجعلوا الجهاد مرفوضًا في دينهم الجديد، وكل هذا يحتاج إلى تفصيل يترك إلى حين الكلام عن كل فرقة. حتى الجماعة الإسلامية والجماعة التبليغية لم تنجوا من هاتين البليتين مع كونهما من أقرب الجماعات إلى الحق، فقد رأينا موقف الجماعة الإسلامية من السنة عندما ذكرنا آراء مؤسسها حول السنة، وكذلك الجماعة التبليغية وهي لم تميز بين الصحيح والضعيف من السنة، وحولت جميع النصوص الواردة في الجهاد في صالح الاستعمار، فقسمت الجهاد إلى جهادين: الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر واستدلت على هذا بقول النبي ﷺ ، فقد رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وفسرت الجهاد الأصغر بالقتال ضد الأعداء وزعمت بأنه قد انتهى دوره، وأما الجهاد الأكبر في نظرهم هو الدعوة إلى مبادئهم الستة المحرفة، فقد حملوا كل الآيات التي في الجهاد إلى جهادهم هذا. وهكذا لما حاد المسلمون عن جادة الطريق ظهر في حيز الوجود فرق وجماعات كثيرة، وكان السبب في وجودها كما ذكرنا الابتعاد عن المنهج السليم وترك الجهاد وإنكار السنة، ولكن المستشرقين اصطنعوا أسبابا جديدة من عندهم لتفريق عقائد المسلمين لتخفى الأسباب الحقيقية عن أنظار المسلمين، ومن الأسباب التي ذكرها المستشرقون عدم وفاء الإسلام بمتطلبات العصر الحاضر، فيقول المستشرق إسمث:

стр. 555

"أكبر قضية أشكلت على مسلمي اليوم، هي أنه لا يوجد تطابق بين الإسلام والعصر الحاضر وهذا الأمر أصبح جليًا أمام مسلمي الهند .... (١). ثم يبين إسمث آراء المسلمين حول هذه القضية المصطنعة التي لم يكن لها وجود في تاريخ الإسلام المجيد بقوله: "وقد اختلف آراء الناس حول تحديد معنى الشريعة والمراد بها". قال بعضهم: الشريعة معددة ومرتبة في مكتبة، وليس علينا إلا القيام بتنفيذها. وقال الآخرون منهم بعض العلماء وبعض أفراد السلطة: نريد أن نصوغ الشريعة القديمة صياغة جديدة لتكون موافقة للعصر الحديث. وقال البعض مشيرًا إلى القرن الأول: نحن نأخذ الدين من حيث أخذ سلف هذه الأمة، ولكننا بحاجة إلى ناس ذوي فهم عال وذكاء فذ، وذوي همة عالية وعزم مصمم. ويرى البعض أن الماضي أسطورة يُرجع إليها للدراسة والاهتداء إذ أن الشريعة ليست جامدة إنما هي متحركة متأثرة بمقتضيات الزمن في الحاضر والمستقبل، فإذا سلمنا هذا فالشريعة تتغير وتتبدل دائمًا .... ويرى البعض أن الشريعة إنما هي في القرآن وليست السنة من أدلة الشريعة .. (٢). ثم يقدم حلّا من عنده لهذه المشكلة المصطنعة فيقول: "إذا نظرنا إلى ما سبق تبين أن المسلمين بحاجة إلى القيام بصياغة جديدة للقانون الإسلامي وهو أمر عظيم تشرع به الشريعة الجديدة" اهـ (٣).

стр. 556

"وهذا كله لا ينال المسلمين إلا إذا نظروا إلى الإسلام بأنه لم يأت من عند الله، ولا هو رابطة حية بين الله الإنسان إنما هو حقيقة تاريخية بل هو أمر دنيوي فتشكل بشكل نظام في الماضي" اهـ (١). هذه هي الغاية القصوى التي أرادها الأعداء وخططوا لها كل تخطيط، ولكن المسلمين لغفلتهم وجهلهم لم يفطنوا إلى ذلك، اتبعوهم في منهجهم، وادعوا صياغة الإسلام من جديد، كما رأينا ذلك كله في الصفحات السالفة، فوقعوا فريسة لأهدافهم وغاياتهم، وتفرقوا واختلفوا، وكُسِرت شوكتهم وذهبت ريحهم، فانقسموا إلى جماعات وتفرقوا إلى فرق ومن أهم هذه الفرق: البريلوية والنيجرية والقرآنية والقاديانية، وفيما يلي نذكر بعض أهم النقاط التي تبين أسباب بروز كل فرقة إلى حيز الوجود مع بيان أهم اعتقاداتها وصلتها بالاستشراق.

стр. 557

الفصل الأول: الفرق المبتدعة . فيه ثلاثة مباحث: * المبحث الأول: البريلوية. * المبحث الثاني: النيجرية. * المبحث الثالث: البروزية (منكرو السنة).

стр. 558

المبحث الأول: البريلوية وفيه: * التعريف بالبريلوية. * مؤسس البريلوية. * علاقته بالاستشراق والاستعمار. * من أبرز رجالات البريلوية. * معتقدات البريلوية وأفكارها. * البريلوية والمستشرقون.

стр. 559

التعريف بالبريلوية: " البريلوية فرقة حنفية ولدت في الهند أيام الاستعمار البريطاني، وقد غالى أفرادها في محبة وتقديس الأنبياء والأولياء بعامة، والنبي ﷺ بخاصة، وأضافوا عليهم صفات تعلو بهم عن خصائص البشر" اهـ (١). ولفظ البريلوي نسبة إلى مدينة "بانس بريلي" في ولاية أتربرديش في شمال الهند مسقط رأس أحمد رضا خان البريلوى مؤسس الفرقة البريلوية (١٨٦٥ م - ١٩٢١ م) الذي نادى بزعامة قامت على ترك الجهاد ضد الاستعمار والمستعمرين بل أمر الناس بولايتهم وموالاتهم. يقول المستشرق الإنكليزي "فرانسس رابنسن" (Francis Rabenson): " إن البريلوي كان عمله حماية الحكومة في الحرب العالمية الأولى، واستمر في هذه الحماية والتأييد للحكومة في أيام حركة الخلافة سنة ١٩٢١ م، وعقد مؤتمرا في بريلي وجمع فيه العلماء الذين كانوا يوالون الحكومة ويخالفون من نادى بأمر يخالف الحكومة، والذين كان لهم أثر كبير في نفوس عامة المتعلمين والمثقفين المسلمين" اهـ (٢). مؤسس البريلوية: هو أحمد رضا خان بن نقي علي بن رضا علي ولد في بيت علمي في ١٤ يونيو ١٨٦٥ م الموافق ١٠ شوال ١٢٧٢ هـ (٣).، فسُمي بمحمد، وسمته أمه "أمن ميان" وسماه أبوه "أحمد ميان" وجده "أحمد رضا" (٤). ولكنه لم يرض بهذه الأسماء كلها

стр. 560

فسَمى نفسه "عبد المصطفى" (١). وكان يلتزم باستعماله في المكاتبات والرسائل والكتب. قيل إنه في الرابعة من عمره قرأ القرآن كله (٢). وقيل: إنه فرغ من التحصيل والدراسة وجلس على مسند الإفتاء وعمره لم يتجاوز أربع عشرة سنة (٣).، فقد قال عن نفسه: الحمد لله أفتيت أول فتيا حينما كنت في الثالثةَ عشرةَ من عمري في اليوم الرابع عشر من شعبان سنة ١٢٨٦ هـ، وفي هذا التاريخ فُرضتْ عليّ الصلاة وتوجهت إلى الأوامر (٤). وقيل إنه تتلمذ على السيد آل رسول شاه سنة ١٢٩٤ هـ وأخذ منه الإجازة في الحديث وغيره من العلوم (٥). وبعد ذلك أخذ بعض العلوم من ابنه (ابن الشيخ) أبي الحسين أحمد بن السيد آل رسول شاه وذلك سنة ١٢٩٦ هـ (٦). هذا وقد نسب إليه أتباعه أشياء لم تكن لنبي من الأنبياء وغلوا في شأنه ليجعلوه على منصب الرسالة والعصمة، فقالوا مثلًا: إن البريلوي لم ينطق بلسانه المبارك بكلمة غير شرعية والله عصمه من كل زلة (٧). وإن الله صان قلمه ولسانه من الخطأ (٨). إن حضرة الشيخ (البريلوي) كان في يد الغوث الأعظم (الشيخ عبد القار الجيلاني) كالقلم في يد الكاتب، والغوث الأعظم في يد رسول الله ﷺ كالقلم في يد الكاتب والرسول في الحضرة الإلهية وما ينطق عن الهوى (٩).

стр. 561

وقالوا إنه عرف اللغة العربية بدون أن يعلمه أحد، وحكوا: أن شخصًا لقي البريلوى وهو لم يتجاوز يوم ذاك ثلاث سنوات وستة أشهر من العمر، فكلمه بالعربية الفصحى فرد عليه البريلوى بالعربية الفصحى مثله ولم يُر ذلك الرجل بعد (١). وتوفي البريلوي سنة ١٣٤٠ هـ الموافق ١٩٢١ م (٢).، وترك آثارا كثيرة ضلَّ بها الناس بعده. ومن أشهر مؤلفاته "أبناء المصطفى" و"خالص الاعتقاد" و"دوام العيش" و"مرجع العتاب" و (الملفوظات) وله ديوان شعر: "حدائق بخشش" (حدائق الغفران). أصل أحمد رضا خان البريلوي: يرى بعض الكتاب أن أصله كان شيعيًا واستدلوا على ذلك بأمور ذكرها الشيخ إحسان إلهي ظهير ﵀ وهي كالآتي (٣). ١ - إن أسماء آبائه وأجداده أسماء شيعية لم تكن رائجة في أهل السنة مثلا: أحمد رضا بن نقي علي بن رضا علي بن كاظم علي (٤). ٢ - إن البريلوى تكلم بكلمات حول الصديقة أم المؤمنين عائشة ﵂ لا يتصور التفوه بها من سُنيِّ أبدًا. ٣ - إنه روّج في أهل السنة عقائد وأفكارًا لم تكن رائجة بين أهل السنة في شبه القارة الهندية الباكستانية قبله، وكلها كانت مأخوذة من الشيعة مثل علم الغيب للأنبياء والصلحاء وعلم ما كان وما يكون، والاختيار والقدرة وغيرها من الأشياء (٥).

стр. 562

٤ - إنه كان ممن يروي روايات شيعية وأحاديثها ويروِّجها بين السنة ويستدل بها مثل "إن عليًا قسيم النار" (١). و"إن فاطمة سميت فاطمة لأن الله فطمها وذريتها من النار" اهـ (٢). وكان يعتقد بأن عليًا يدفع البلاء ونظم دعاء في الشعر وسماه دعاء السيف وقال من قرأ هذا الدعاء سبع مرات يُكشف منه البلاء، وهو كالتالي: ناد عليًا مظهر العجائب ... تجده عونًا لك في النوائب كل همِّ وغمِّ سينجلي ... بولايتك يا علي يا علي (٣). وقال في دفع الأوبئة: لي خمسة أُطفي بها حر الوباء الحاطمة (٤). المصطفى والمرتضى وابناهما والفاطمة (٥). ٥ - إن سلسلة بيعته تصل إلى النبي ﷺ بواسطة أئمة الشيعة كما ذكر نفسه في عبارته العربية: "اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد المصطفى رفيع المكان المرتضى علي الشأن الذي رجيل من أمته خير من الرجال السالفين، وحسين من زمرته أحسن من كذا وكذا، حسنًا من السابقين، السيد السجاد زين العابدين، باقي علوم الأنبياء والمرسلين ساقي الكوثر، ومالك تسنيم، وجعفر الذي يطلب، موسى الكليم، رضا ربه بالصلاة عليه" اهـ (٦).

стр. 563

٦ - إنه كفر أهل السنة وعلماءهم من شبه القارة وخارجها. ٧ - إنه نظم بعض القصائد وبالغ فيها في مدح أئمة الشيعة ومنقبتهم (١). علاقته بالاستشراق والاستعمار إن كان الاستعمار لم ينشئ البريلوية فإنه قد استغل أفكارها لصالحه كل الاستغلال، فوجهها لضرب العقيدة الصحيحة وحال بها بين المسلمين وبين ما يأمر به دين الله، وتلك خدمة لا تدانيها خدمة، فتحققت آماله المعلقة التي كان يسعى إليها الغربيون منذ الحروب الصليبية، فحلَّ مكان شرع الله غير شرع الله مما لا يتنافى مع المصالح الاستعمارية، وتجسدت آمالهم في صورة أمور ثلاثة مازالت الأمة تعاني من آلامها، ويتجرع المصلحون مرارتها اليوم، كتجرع إخوانهم الذين عاصروا الاستعمار بالأمس وهي كما يلي: " (أ) تهوين أمر العلماء في نظر العامة، والاستخفاف بهم لأنهم كفار لا يستحقون أي تقدير أو احترام، وبذلك انقطعت الصلة بين العلماء الربانيين وعامة الناس. (ب) فقدت القيادات المقتدرة -التى حملت السيوف في وجه الإنجليز ووجهِ كل معتد على شرع الله- مراكزها القيادية، وأحلَّ محلها علماء البريلوية الموالين للفكر المستعمر في صورة تشجيع الناس على عصيان أوامر الله وارتكاب منهياته. (ج) شغلوا الأمة بإبراز خلافات تبعد بهم عن قضيتهم الأم، قضية طرد الدخلاء والفكر الدخيل" اهـ (٢). إضافة إلى ما سبق من إسقاط فريضة الجهاد وكان هذا من أهم أهداف الاستعمار بل هو المهم على الإطلاق وقد أفتى البريلوي بإسقاط الجهاد بقوله

стр. 564

الصريح: "إنه لا جهاد علينا مسلمي الهند بنصوص القرآن العظيم ومن يقول بوجوبه فهو مخالف للمسلمين ويريد إضرارهم" اهـ (١). فقد كتب في موضوع الجهاد عدة كتب كلها تدور حول إسقاط فرضية الجهاد من المسلمين الهنود، وإثبات أن الهند دار إسلام ولا جهاد في دار تنسب إلى الإسلام، ومن أهمها "إعلام الأعلام بأن هندوستان دار الإسلام" (٢). وقد سبقت الإشارة في تمهيد هذا الباب إلى أن من أهم المسائل التي أثيرت حول الجهاد في الهند "مسألة دار الحرب ودار الإسلام"، فإذا كانت الهند دار حرب يجوز الجهاد ضد الحكام وإذا كانت الهند دار الإسلام فلا يجوز القتال، ومن العلماء من قال: إن الهند دار حرب يجوز فيها القتال. ومنهم من قال: إن الهند مع كونها دار الإسلام يجوز فيها القتال. أما البريلوى فقد كتب في هذا الموضوع رسالة تشتمل على عشرين صفحة بعنوان: "إعلام الأعلام بأن هندوستان دار الإسلام" وأثبت فيها أمرين أساسيين: الأول: أن الهند التي تسلط عليها الإنجليز الكفار ونهبوها وغصبوها هي دار إسلام وهو من أغرب استدلالاته. والأمر الثاني: الذي حاول إثباته في هذه الرسالة أن المجاهدين الذين سماهم الوهابيين، هم مرتدون لا يجوز أخذ الجزية منهم ولا يعطون الأمان المؤبد، ويجوز استرقاق نسائهم، ولا تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا الصلاة على ميتهم ولا مخالطتهم ولا مجالستهم ولا مشاركتهم في أمورهم (٣). وكتب كتابًا آخر سماه "دوام العيش في أن الأئمة من قريش" (٤). وكان هذا ردًا على الدعوة إلى مناصرة الخلافة العثمانية التي زلزلت أقدام الإنجليز وزحزحت عرشهم

стр. 565

وضعفت شوكتهم في الهند، واستدل في هذه الرسالة على ترك مناصرة الخلافة بأن الخليفة لا يكون إلا من قريش فبما أن العثمانيون الأتراك ليسوا من قريش لا تثبت خلافتهم، وعلى ذلك ليس على مسلمي الهند مناصرتهم ومحاربة الإنجليز ومقاتلتهم إلى أن قال: "إن التقنع بحماية الأتراك خداع محض، وإنما المقصود الحقيقي من وراء حركة الخلافة تحرير الأراضي الهندية دون شيء آخر" اهـ (١). ثم صرح بما استهدف إليه بهذه الرسالة فقال: "لا جهاد ولا قتال على مسلمي الهند في ضوء الشريعة الإسلامية" (٢). وقد أبدى هو وجماعته المولاة التامة للحكام الإنجليز ومما يدل على ذلك المعروض الذي قدم من قبل علماء البريلوية في حفل وداع "مايكل فرانسس أدورد" (Michael Francis Edward) حاكم البنجاب قالوا فيه: قبل كل شيء نهنئ معاليكم بمناسبة انتهاء الحرب العالمية الضروس، وقد انتهت بكل خير في حكم معاليكم المؤقر، فقد عادت الدولة البريطانيا ذات البركات الإلهية أكثر عظمة من ذي قبل، كما صرح بذلك الملك المعظم، إن سيوف الدولة البريطانية ما دخلت غمودها حتى نال العالم الحرية والأمن، وعم الخير والرفاهية بين الشعوب المستضعفة .... ولا ننسى ذلك الفضل الذي منت به علينا حكومتكم الرشيدة، حين أيّد سفهاؤنا الأتراك وساندوهم فيما يبتغون، كل ذلك أثر نتيجة عدم وعيهم وعدم إعطاء الأمور حقها من الفهم والإدراك ومع ذلك فقد أكد لنا ملكنا العظيم بعدم انتهاك مقدساتنا الإسلامية، وإن هذه الروح الفياضة جددت فينا الحب والولاء والوفاء .... ونرجو من معاليكم بعد العودة إلى بريطانيا أن تؤكدوا للملك أن وفاءنا وولاءنا لن يتغير أبدًا، مهما قامت المحن والثورات، وأنا على ثقة أن أتباعنا في الجيش سيكونون أوفياء لملكنا المعظم دومًا وأبدًا ....
следующие страницы →