شروطًا لقبول السنة لا تنطبق إلا على المتواتر اللفظي، وأما المتواتر المعنوي والآحاد الصحيحة الثابتة التى عليها مدار العقيدة والأحكام فقد ألغاها إلغاءًا تامًا (١).
وقال جراغ على: إن سننه ﷺ ليست بواجبة الاتباع على الأمة (٢).
نتيجة لهذا الإنكار قد حدث الإنكار الجزئي عند بعض علماء الهند عامة والإنكار الكلى عند الفرقة القرآنية خاصة، سيأتي تفاصيل ذلك في البحث الخاص بالقرآنية (منكري السنة) (٣).
٤ - إنكار حقيقة عالم الغيب:
حمل النيجريون النصوص الواردة الثابتة الصريحة في عالم الغيب إما على أنها تمثيل أو تصوير ليست لها حقيقة واقعية هذا فيما يتعلق بأحوال يوم القيامة والجنة والنار، وإما على أنها أصول الطبيعة هذا فيما يتعلق بالملائكة والجن والشياطين، وقد سبق القول في هذا بالتفصيل في الفصول الماضية، فقد كان هذا هجومًا على عقيدة الإيمان بالغيب وتأثرًا بالفكر الاستشراقي.
يقول المستشرق جيب مهاجمًا الاتجاه السلفي ومادحا للاتجاه المتأثر بالاستشراق الغربي: "ولكن حرفية هذا الاتجاه ولا سيما فيما يتعلق بأوصاف الجنة والنار، وكذلك الإسهاب في الحديث عن العجائب، يشكل مانعًا لدى الروح التحررية الجديدة" اهـ (٤).
стр. 597
٥ - إلغاء فريضة الجهاد:
إن سير سيد أحمد خان لولائه التام للاستعمار والمستعمرين كان يرى أن الجهاد إنما شرع للدفاع عن النفس، ولا يجوز إلا في حالة واحدة وهي أن يعتدي الكافرون على المسلمين من أجل تغيير دينهم أما إذا كان الاعتداء لأمر آخر كاحتلال الأراضي فالجهاد غير مشروع وذلك ليجد مبررًا لمسالمة الإنجليز أسياده والمحتلين لبلاده (١).
وقد ألف جراغ على في هذا كتابًا سماه تحقيق الجهاد، اتبع فيه أسلوبًا اعتذاريًا، ومن ثم نشأت الفرق التى دعت إلى ترك الجهاد في سبيل الله، ومن هذه الفرق: القرآنية والقاديانية، وهكذا نجحت خطة المستشرقين في استعمار البلاد وسرقة خيراتها.
والسبب في تركيز الأعداء على ترك الجهاد قد فصلته سابقًا بأن أخوف شيء كان يخاف منه العدو الجهاد في سبيل الله (٢).
٦ - بروز فوق مارقة من الدين:
وإن الطامة الكبرى التي حصلت بسبب هذه المدرسة النيجرية هي: بروز فرق ضالة في حيز الوجود كفرقة القرآنية وفرقة القاديانية، ولم تقم هاتان الفرقتان إلا على المبادئ التي دعت إليها المدرسة النيجويرية فقد كانت النيجرية سببا مباشرا لظهورهما وإن كان الاستشراق قد عمل عمله وراء الستار لإبرازهما كما سنبين ذلك في المباحث القادمة إن شاء الله.
стр. 598
٧ - دعوى تحرير المرأة:
هذه الدعوى (١) من أخطر الدعاوي التي أثارها النيجريون أول مرة في تاريخ الهند المعاصر، ومن أشهر من نادى إلى القضية ممتاز على المتخرج في مدرسة دار العلوم ديوبند، بعد أن تأثر من حركة السيد النيجرية فأصدر مجلة باسم "تهذيب النسوان" فكانت هذه المجلة للنساء بمثابة مجلة "تهذيب الأخلاق" للرجال، وألف كتابًا سماه "حقوق النسوان"، ومن أهم القضايا التى تناولها محمد على كالتالي:
١ - قوله إن الفوارق الطبيعة بين الرجل والمرأة لا ينبغي أن تكون سببًا للنظر إلى توزيع مجالات العمل بين المرأة والرجل، لأن هذه الفوارق لا تختلف كثيرًا عن الفوارق الطبيعة التى توجد بين رجل ورجل أو بين حيوان وحيوان.
٢ - وقوله إن الكتب السماوية أجازت التعدد للرجال ولم يجزه للنساء، ووعدت لمن عاش عفيفًا في الدنيا بزواج عديدٍ من الحور العين، ولم يرد مثل هذه البشارة للنساء، هذا كله كان نظرًا إلى تلك المجتمعات التى نزلت فيها هذه الكتب، فلا اعتبار لها في المجتمعات المسقبلة المتحضرة.
٣ - وتأويله لقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بأن معناها أن الرجل خلق لخدمة المرأة ولها فضل على الرجل بهذا الاعتبار.
٤ - وتوافُقُ رأي ممتاز علي ورأي جراغ علي في بيان سبب النسخ لآية التعدد، فقالا: إن التعدد مشروط بقيام العدل بينهن، ثم جاء البيان باستحالة التعادل بين النساء في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فنسخ التعدد (٢).
стр. 599
٥ - وقوله عن الاختلاط إنه لا يكون سببًا لفساد المجتمع وانتشار الفواحش فيه، بل انتشار الفواحش يرتبط بخِسَّة أذهان بعض الرجال الذين لم يتمارسوا الاختلاط ولم يصلوا إلى مستوى المجتمعات المخلوطة ولن يصلوا إلى هذا المستوى إلا بعد أمد من الزمن (١).
٦ - وقوله عن الحجاب المعروف عند العرب والهنود إنه من تقاليد المجتمعات القديمة على الإسلام ولا يفرض على المرأة المتحضرة اليوم لأن القرآن لم يشر إلى تغطية الوجوه وستر البدن (٢).
إلى غير ذلك من الانحرافات التي يطول ذكرها وكذلك الرد عليها يحتاج إلى سجل ولا يسع لنا المجال لذلك.
стр. 600
المبحث الثالث: البرويزية (منكرو السنة)
وفيه:
* التعريف والتأسيس والنشأة.
* فرقهم المعاصرة.
* سر انتشارهم.
* أبرز شخصياتهم.
* صلتهم بالاستعمار والاستشراق.
* من نظرياتهم وأفكارهم.
* من معتقداتهم.
стр. 601
التعريف والتأسيس والنشأة .
تعريف البرويزية:
البرويزية حركة نشأت في نهاية القرن التاسع عشر بتشجيع من الاستعمار الإنكليزي في القارة الهندية بهدف إبعاد المسلمين عن السنة النبوية وعن فريضة الجهاد وسمت نفسها بالقرآنية (١). وأدعت بشعار براق "حسبنا كتاب الله" وهي مرت بثلاثة مراحل: مرحلة بذر الفتنة ومرحلة التأسيس ومرحلة الازدهار والتطور، ففي المرحلة الأخيرة سميت الحركة بالبرويزية نسبة إلى غلام أحمد برويز (١٩٠٣ م - ١٩٨٥ م).
يقول الأستاذ المودودي ﵀: "ما أحل القرن الثامن عشر الهجري حتى دبت الحياة في هذه الفتنة (فتنة إنكار السنة) ... وترعرعت في الهند وإن بدايتها في هذه البلاد تعود إلى السيد أحمد خان، والمولوي جراغ علي، ثم كان فارسها المقدام عبد الله الجكرالوي، ثم تسلم الرأية المولوي أحمد الدين الأمرتسري ثم تقدم بها الشيخ أسلم الجيراجبورى، وأخيرًا تولى رياستها غلام أحمد برويز الذي وصل بها إلى ساحل الضلال" اهـ (٢).
وهم منقسمون إلى أربع فرق، وكلهم يعملون لإنكار السنة وترك الجهاد، ولقد قام الدكتور خادم حسين إلهي بخش بالبحث الميداني لفرق منكري السنة المعاصرة وتتبع نشاطاتهم الحديثة أثناء إعداده رسالة ماجستير بعنوان "القرآنيون" وهو يقول: "يوجد في الوقت الحاضر أربع فرق من القرآنية (منكري السنة) يجمعهم أمران:
١ - القول بالاقتصار على القرآن وحده في أمور الدنيا والآخرة.
стр. 602
٢ - وأن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ليست بحجة في الدين فلا مجال لإقحامها فيه" اهـ (١).
التأسيس والنشأة:
اتفقت المراجع التي درست حركة البرويزية خاصة وفتنة إنكار السنة في القارة الهندية عامة على أن الحركة كانت وليدة مدرسة النيجرية (٢). (الطبيعية) التي بذرها أعضاء حركة سيد أحمد خان (٣).
يقول الشيخ ثناء الله الأمرتسري ﵀: "ما أشأم ذلك اليوم الذي خرج فيه صوت عليكره المخالف لجميع الأمة الإسلامية الداعي إلى الاعتماد على القرآن وحده في الدين، وأن السنة لا تكون دليلًا شرعيًا، فأثّر هذا الصوت في الحافظ محب
стр. 603
الحق العظيم آبادي في بتنة (بالهند) كما أثّر في عبد الله الجكرالوي في لاهور بباكسشان أعظم تاثير" اهـ (١).
إن السبب الرئيسي في القول بأن حركة إنكار السنة كانت نتيجة للحركة النيجرية هو تشابه الفكر وتوافقه في كثير من المسائل العقدية والأحكام الفقهية بين الحركتين، ثم هناك علاقة وثيقة بين شخصيات الحركتين مثل علاقة التلمذ وعلاقة التأثر وسنبين كل ذلك عندما نتكلم عن أبرز شخصيات هذه الفتنة.
ومعنى هذا أن الدولة المستعمرة استخدمت بعض الشخصيات لبث الأفكار الغربية التي اصطنعها الاستشراق لتقديمها إلى المسلمين بديلًا مما عندهم من الحق، فاستغلت الدولة تربية بعض الأفراد من المسلمين مباشرة أو بالواسطة وشحنت أفكارهم لصالحها وكان على رأس هؤلاء سيد أحمد خان وأتباعه ثم انتشرت هذه الأفكار إلى عبد الله الجكرالوي وغلام أحمد القادياني وأتباعهما.
يقول الشيخ خادم حسين: "اغتر بعض الفئات الإسلامية بالنظريات العلمية الأوربية المنتشرة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتفسير الحقائق الإسلامية في ضوء تلك النظريات والتوفيق بينها وبين الإسلام، وقد ترأس أتباع السيد أحمد خان إيجاد هذا الانسجام ثم تبعهم القرآنيون في هذا المسلك لوجود الصلة الروحية التي تربط بين الفريقين" اهـ (٢).
وبالجملة قد نجح التخطيط الاستعماري في هدفيه الأساسين: إنكار السنة وترك الجهاد في بثهما بين أوساط هذه الفرقة في أبهى صورة.
стр. 604
فرق منكري السنة المعاصرة
١ - فرقة أمت مسلم أهل الذكر والقرآن:
وهذه الفئة هي البقية الباقية من أهل فرقة عبد الله مؤسس "حركة إنكار السنة" ضمت إلى اسمها اسم فرقة الخواجة أحمد الدين، والواقع أنها لا تمت إلى فرقة الخواجة بصلة، ولهذه الفئة مراكز متعددة في أكثر المدن الباكستانية وأما مركزها الرئيسي فهو في "دار القرآن" ١١٠ N سمن آباد لاهور. ويصلون في مراكزهم صلاة الجمعة بسجدة واحدة في كل ركعة ولهم مجلة خاصة بهم باسم "بلاغ القرآن"، لنشر آرائها في الناس بل قد أسسها محمد رمضان (١). تلميذ عبد الله الجكرالوي وكان لها نشاط ملموس أيام بانيها، غير أنها بعد وفاته أخذت تضمحل شيئًا فشيئًا، وهي في طريقها إلى الانقراض عاجلًا أو آجلًا، وينتمي إليها بضعة آلاف من البشر (٢).
٢ - فرقة أمة مسلمة:
هذه الفرقة هي التي وضع أسسها الخواجة أحمد الدين في أمرتسر بالهند، ثم انتقل مقرها إلى لاهور بعد الاستقلال عام ١٩٤٧ م، وقد كان لها مجلتان في الماضي "بلاغ" و "البيان" (٣).
وفي الآونة الأخيرة شعر المتعصبون من أعضائها بضرورة القيام لأداء مهمتهم من جديد، فلا تخلو مدينة من مدن باكستان من أعضاء هذه الحركة، ولهم مراكز
стр. 605
متعددة في أغلب مدن باكستان الرئيسة وأما مركزهم الرئيسي فهو في مبنى دار القرآن، نسنت رود (شارع نسنت) لاهور.
إن المنتمين إلى هذه الفرقة يوافقون المسلمين في الأعمال الإسلامية الظاهرة من الصلوات الخمس وصيام الشهر كله وذلك ما يحول دون تمييزهم من بين المسلمين، ويسعى أعضاؤها لإعادة إصدار "البيان" من جديد، وعدد هؤلاء أكثر من عدد أهل بلاغ القرآن (١).
٣ - فرقة طلوع إسلام:
فرقة "طلوع إسلام" قد قام بتأسيسها غلام أحمد برويز في الهند قبل استقلالها، إلا أنه نشط في الحركة بعد انتقاله من دهلي إلى باكستان، فما من مدينة من مدن باكستان إلا وفيها فرع من فروع طلوع إسلام، بل لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوز ذلك إلى الدول الأوربية عبر البحار، إذ لطلوع إسلام فروع في المدن الأوربية تتولى الدعوة إلى الأفكار البرويزية.
ومركزها الرئيسي في ٢٥ , B كلبرك لاهور، ولها مجلتها الرسمية الشهيرة "طلوع إسلام"، وأما عدد أتباعها فقد يبلغ بضعة ملايين، ولا سيما المثقفون وأصحاب المناصب في الدولة ينجرفون وراء تيار طلوع إسلام لأن في تعاليمها تلبية رغباتهم الجامحة.
والجدير بالذكر أن داعيتها غلام برويز كان يقوم بإلقاء درس في تفسير القرآن الكريم في يوم العطلة الأسبوعية يحضره عدد لا يقل عن أربعمائة فرد يستمعون إليه، قلما نجد الأمي بينهم، وبالإضافة إلى أن دروسه تسجل وتباع (٢).
стр. 606
٤ - فرقة تحريك تعمير إنسانيت:
أما حركة "تعمير الإنسانية" فهي فرقة من فرق منكري السنة الموجودة في الآونة المعاصرة، حديثة الولادة والنشوء، يمولها عبد الخالق مالواده، وهي تجد وتجتهد لسكب ثقة الشعب، ورزقت بخطيب مفوه شاب نشيط دؤوب الحركة، وهو القاضي كفاية الله يحمل الماجستير في اللغة العربية.
القاضي يستحسن أفكار عبد الله الجكرالوي ويقول فيه: "إن عبد الله أفكاره حول السنة لم تتجاوز ما أمر الله به من أتباع ما أنزل الله، وإن لأفكار عبد الله اليد الطولى في القضاء على الجمود العقلي الذي كان مفروضًا على المسلمين قبله" اهـ (١).
ومركز هذه الحركة في ١٦ B كبور تهلة هاؤس ليك رود براني أنار كلى لاهور، وليس للحركة صحيفة مستقلة غير أنها تقوم بنشر خطبة القاضي يوم الجمعة كل أربعاء في صحيفة "مشرق" اليومية، وبالإضافة إلى أن الحركة تتفق على طبع ما يكتبه القاضي بسخاء على ورق ناصع البياض وطباعة ممتازة وتوزعها على الناس دون مقابل، ولهم طموحات في المستقبل (٢).
سر انتشار فرقة منكري السنة:
إن فرقة منكري السنة بفروعها الأربعة ترتقى وتتطور وتنشر أفكارها المسمومة، إلا أن فرقة طلوع إسلام البرويزية لها تفوق على جميع حركات منكري السنة، وتكاد تنتظم بقية الفروع تحت قيادة هذه الفرقة لأنها اكتسبت شهرة عالمية.
стр. 607
ويذكر الشيخ عبد الرحمن الكيلاني سر انتشار هذه الحركة ويقول: "إن إدارة طلوع إسلام تبنت نظريات ومبادئ تسببت في سرعة انتشارها واكتساب شهرتها في كل فئات البشر منها:
١ - نظرية الارتقاء الداروينية: أكسبتها شهرةً وقبولًا عند طلبة الجامعات الذين لا يعدون عالما إلا من قال بنظرية داروين.
٢ - المساواة بين الرجل والمرأة: كانت تلك دعاية قد انجذبت إليها المسلمات الغافلات من كل طائفة، وظننّ أنها دعوة تلبى رغباتهن.
٣ - نظرية إنكار السنة والدعوة إلى مركز الملة: أعطت للقضاة ورجال المحاكم خيارات، وحرية الاجتهاد فلبّوا دعوة الحركة وتبنوا مبادئها.
٤ - نظرية نظام الربوبية: هي نظرية تشبه النظرية الاشتراكية قدمها غلام أحمد برويز بعد أن تأثر بالشيوعية، ففي البداية أنكر الملكية الفردية في الأراضي، ثم بدأ ينكر الملكية في كل شيء، وكان يستدل على هذه النظرية بالآيات القرآنية (١)، فكانت هذه النظرية تلبية لرغبات الحكام الجامحة فتقبلوا مجهودات هذه الفرقة وشجعوها وساعدوها في الانتشار.
والطلبة، والنساء، والقضاة، والساسة هذه هي الفئات الأربع التي تؤثر في تغيير ثقافة البلاد في المستقبل (٢).
стр. 608
أبرز شخصيات هذه الفرقة
(١) عبد الله الجكرالوي:
هو الشيخ عبد الله بن عبد الله الجكرالوي نزيل لاهور ولد في بلدة "جكرالة" في البنجاب بباكستان الآن، في نهاية العقد الثالث من القرن التاسع عشر الميلادي، وسماه أبوه "غلام نبي" ثم ترك هذا الاسم لشبهة الشرك فيه واختار لنفسه الاسم الجديد "عبد الله".
بعد أن تعلم في المدارس الأهلية في البنجاب سافر إلى دهلي لدراسة الحديث الشريف على يد المحدث الشهير الشيخ ميان نذير حسين الدهلوي ﵀، وقد تفرّس أستاذه فيه لعرجه وخشي أن يكون هو مصداق قوله ﵊ "لألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدرى ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" اهـ (١).
بعد أن اشتهر وأصبح شيخًا من شيوخ أهل الحديث بدأ ينحرف عن جادة الطريق عندما حصلت له مناظرة مع ولد عمه القاضي قمر الدين الحنفي، فطرح معضلات أمام عبد الله في الحديث الشريف فأوقعته في اللبس، فقال قولته المشهورة: "هذا هو القرآن الموحى به وحده من عند الله إلى محمد ﷺ وأن ما عداه فليس بوحي" اهـ ثم شرع في تأليف كتاب في إثبات فكرته في إنكار السنة.
ثم اتخذ عبد الله لاهور مقرا لحركته بصورة دائمة لنشر دعوته الجديدة فانضم إليه بعض أثرياء لاهور فكون جماعة سماها أهل الذكر والقرآن.
ومن أشهر تأليفاته:
١ - تفسير القرآن بآيات الفرقان.
стр. 609
٢ - صلاة القرآن ما علَّم الرحمن بآيات الفرقان.
٣ - إشاعة القرآن في جواب إشاعة السنة.
٤ - الزكاة والصدقات كما جاء في آيات بينات.
٥ - برهان الفرقان على صلاة القرآن.
٦ - رد النسخ المشهور في كلام الرب الغفور.
٧ - البيان الصريح لإثبات كراهية التراويح.
٧ - حالات عيسى ورسول رباني (أحوال عيسى ﵇ ورسول الله ﷺ .
وكان له صلة بالسلطات الاستعمارية والمنصرين المستشرقين. يقول محمد علي قصوري: "وفي هذه الآونة اتخذ المشروع الإنكليزي نوعًا جديدا من المناورات المناوئة للإسلام، فضمت صفوف السياسة كثيرًا من القساوسة المبشرين مما مكنها من اصطياد بعض الشخصيات الإسلامية وإيقاعها في شبكة التحريف ضد الإسلام ...... إلى أن قال: "وكان على رأس هؤلاء جميعًا عبد الله الجكرالوي، وقد اختاره النصارى لأداء هذه المهمة فرفع صوته بإنكار السنة كلها، وأخذ يدعو إلى هذا المشروع الهدام فأخذت كتب التأييد والرسائل تصل إليه من المنصرين، وتعده بالمساعدات المالية وتشكره على هذا المجهود الجبار وقد عرفنا كل ذلك من قبل أحد أصدقائنا الصادقين الذي كان يقوم بدور الترجمة لهذه الرسائل .... " اهـ (١).
ولقد أفتى بكفر عبد الله جلّ علماء شبه القارة الهندية في باكستان والهند و، وفي نهاية سنة ١٩٠٢ م تولت مجلة "إشاعة السنة" نشر عشرات التوقيعات لعلماء الذين أفتوا بكفر عبد الله وخروجه من الإسلام وأنه مقطوع الصلة عن الدين
стр. 610
والمسلمين (١). غير أن عبد الله بقي مستمرًا في دعوته حتى اخترمته المنية عام ١٩١٤ م (٢).
(٢) أحمد الدين الأمرتسري:
هو الخواجه أحمد الدين ابن الخواجه ميان محمد بن محمد بن إبراهيم هو أحد دعائم الفكر العميق لحركة إنكار السنة، ولد عام ١٨٦١ م بمدينة أمرتسر بالهند، وقد تلقى الخواجة دروسه في القرآن الكريم عند الحافظ إمام الدين، كما تلقى علومه الدنيوية عند الطبيب أمين الدين بن حسام الدين الأمرتسري، ثم التحق بمدرسة المنصرين فدرس التوراة والإنجيل الموجودين عند النصارى الآن والعلوم العصرية الحديثة (٣). وبعد تخرجه من مدرسة المبشرين التحق بالثانوية الإسلامية في أمرتسر ونال شهادتها.
وكان أحمد الدين يجيد من اللغات: اللغة العربية والفارسية والأردية والإنكليزية، وأما البنجابية فهي لغته الأصلية كما كان الخواجه يفهم البشتو وغيرها من اللغات (٤).
لقد استفاد الخواجة أحمد الدين من نظريات السيد أحمد خان فيقول ابنه ضياء الله: "يبدو أن أول من وضع أساس استدلاله على القرآن الكريم وحده هو السيد أحمد خان ..... " اهـ وقد قضت أفكاره على الجمود الذي ساور على عقول المسلمين، ثم نسج على منواله عبد الله الجكرالوي وظل الخواجه مدة يستفيد من
стр. 611
أفكاره وأفكار عبد الله، ولأفكاره الأخيرة تأثير بالغ في تعديل الوضع للسنة النبوية، فأصبح الذين كانوا يفضلونها على القرآن يجعلونها بعد القرآن (١).
ومما يلاحظ في فكر أحمد الدين نقده اللاذع للنظام السائد في الميراث عند المسلمين، والدعوة بالاكتفاء على ما ورد في القرآن الكريم دون السنة كتوريث ابن الابن مع وجود الابن للميت وجعل الوصية فرض عين على المتوفى لمن شاء من ورثته، وإعطاء الإرث لمستحقه بقطع النظر عن ديانته وحريته إلى غير ذلك من الآراء الغريبة المخالفة لإجماع المسلمين.
وكانت له صلة بالدكتور محمد إقبال الشاعر، فقد قام الخواجه أحمد الدين بزيارات متكررة للدكتور محمد إقبال الشاعر لتبادل الآراء وتمحيصها في المسائل الدينية، واختيار الموافق منها لشرع الله (٢).
قام الخواجة أحمد الدين عام ١٩٢٦ م بتأسيس طائفته المنفصلة بأمرتسر والتي اختار لها اسم: "أمة مسلمة" (٣). وأصدر مجلة "بلاغ" الخاصة بهذه الجماعة تحمل أفكارهم وتنشر نظرياتهم الخاصة (٤).
ومن أهم مؤلفاته:
١ - معجزهء قرآن (معجزة القرآن).
٢ - أصل مطاع (الأصل المطاع).
٣ - تفسير بيان للناس وهو ٧ مجلدات ووصل إلى قوله تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥).
стр. 612
٤ - برهان الفرقان.
٥ - ريحان القرآن.
٦ - قرآن مجيد ورسول حميد.
٧ - مباحثة غوشت خوري (الكلام على آكل اللحم).
٨ - خير كثير در إثبات وجوب رب قدير (خير كثير في إثبات وجوب الرب القدير).
وبالجملة إن الباحث خادم حسين وصل إلى النتيجة أن الخواجه يعتبر أول الخلفاء والوريث البكر للسيد أحمد خان عند هذه الطائفة، في ابتكار جسر العبور للأفكار الغربية على أسس السيد المادية ومرد ذلك أن الرجل كان نابغة في علم الاقتصاد والجغرافية والفلك والرياضيات والتاريخ والمنطق فحاول إيجاد التوافق بين نظريات الغرب في هذه العلوم وبين حقائق الإسلام (١). ولكن هذا التوافق كان على حساب الإسلام، فتنازل عن حقائق الإسلام أمام نظريات الغرب، وقد وافته المنية في ٢ يونيو يوم الثلاثاء ١٩٣٦ م.
(٣) نياز الفتحبوري:
ولد في مدينة فتحبور في الهند (١٨٧٧ - ١٩٦٦ م) بعد أن أكمل دراسته توظف في رياسة عدد من المجلات إلى أن أصدر مجلته الخاصة باسم "نكار". وكان فيلسوفًا، وإنكاره للسنة أداه إلى إنكاره للقرآن الكريم وكتابه "من ويزدان" أكبر دليل على عقائده الباطلة المنحرفة عن الإسلام، فكان يعتقد بأن القرآن ليس بكلام الله إنما هو كلام محمد ﷺ ، وكان يسخر ممن قال إن القرآن كلام الله يقول: "إن الاعتقاد بأن محمدًا ﷺ كان ناقلًا لكلام الله المنزل من عند الله -هو لا يتقول من عنده ولا يفكر فيه- تحطيم لمكانة الله العالية إلى مكانة
стр. 613
الإنسان الدنية من ناحية ومن ناحية أخرى تحطيم لمنزلة محمد ﷺ إلى منزلة أدنى من منزلة الإنسان" اهـ (١).
ولا يؤمن بالجنة ولا بالنار ولا يشترط للنجاة الإيمان بكلمة "لا إله إلا الله ومحمد رسول الله" بل يسخر ممن اعتقد بما سبق من العقائد ويقول: إن الإلهية لم يتم قيامها إلى الآن ولا يرجى إتمامه إلا بسعي الكفار والملحدين (٢).
وبعد هذا الكفر البواح والإلحاد الصريح كفّره العلماء، وكان يفسّر بما صدرت من الفتاوى على تكفيره بقوله: "إذا كان جماعة المشايخ مسلمة في الواقع فأنا كافر لا محالة وإن كنت مسلمًا فالمشايخ كلهم كفارٌ لأن الإسلام عندهم تقليد أعمى والتقليد ليس للرسول وأوامره إنما التقليد للبخاري ومسلم ومالك وغيرهم .. " اهـ (٣).
وقد تبين مما سبق أن إنكار السنة يجرّ إلى إنكار القرآن، وأن المرء مهما كان كافرًا أو ملحدًا يظن نفسه مسلمًا ويعد غيره من الكفار، وأن الإسلام كلمة جذابة لا يريد أحد مهما بلغ في كفره وإلحاده أن يخرج من دائرة الإسلام (٤).
(٤) الحافظ أسلم الجيراجبورى:
هو محمد أسلم ابن العلامة سلامة الله البهوبالي المؤرخ الفيلسوف، أحد أركان منكري السنة البارزين، ولد عام ١٢٩٩ هـ / ١٨٨٠ م في جيراجبور بمقاطعة أعظم كره بالهند، حفظ القرآن الكريم قبل أن يناهز التاسعة من عمره فلذلك لقب بالحافظ، ودرس العربية على الشيخ فتح الله.
ففي سنة ١٩٠٣ م أصبح الحافظ كاتبًا لأحد الأعمدة الرئسية لجريدة (بيسة) اللاهورية اليومية، ومن هنا ذاع صيته، لكنه ترك الوظيفة عام ١٩٠٦ م ليصبح مدرسًا
стр. 614
في ثانونية عليكرة للعربية والفارسية، وفي سنة ١٩١٢ م أصبح أمينًا عامًا لمكتبة الثانوية المذكورة.
تحولت هذه الثانوية إلى جامعة عليكرة الإسلامية، فأصبح الحافظ أسلم بها محاضرًا في العربية والفارسية ولكنه لم يمكث فيها طويلًا بعد هذا التعيين إذ غادرها إلى الجامعة الملية الإسلامية (١) في دلهي (٢).
إن الحافظ كان في موضوع الإرث على نهج الخواجه، وترجم كتاب الخواجه معجزة القرآن إلى اللغة العربية، ونشره بين البلاد العربية باسم "الوراثة في الإسلام"، وكان لفكر الحافظ نصيب وافر في صبغ الأفكار الاشتراكية بالإسلام، وكان يمدح الاتحاد السوفيتي بما نصه: "إن الملة الروسية جددت العمل الإسلامي الذي وجد في العهود السابقة بل أجود منه، إذ أطاحت بالرأسماليين وملاك الأرض وأصحاب الإمارات الصغيرة وهذا معنى "لا" من كلمة "لا إله إلا أنت" وهى أول لبنة في الإسلام، وهذا العمل هو عين الامتثال لمبدأ الشهادتين" اهـ (٣).
ومما لا يسع الباحث إنكاره أن الحافظ هو الرجل الثاني بعد برويز، الذي نبغ من حيث التأليف وقام بنشر أفكار منكري السنة.
ومن أهم مؤلفاته التي تخدم الحركة:
١ - الوراثة في الإسلام، تعريب كتاب الخواجه "معجزه قرآن".
٢ - نكات القرآن.
٣ - تعليمات القرآن.
٤ - محجوب الإرث.
٥ - عقائد إسلام.
стр. 615
٦ - مقام حديث (مكانة السنة).
٧ - تاريخ قرآن.
٨ - نوادرات.
وتوفي في ٢٨ ديسمبر عام ١٩٥٥ م (١).
وكان يقول: "إن الأحاديث لا تزيد مكانتها عن روايات تاريخية فللمرء أن يختار منها ما يشاء ويترك منها ما يشاء وليس هناك ضابط يضبط هذا الاختيار والرد سوى الذوق" اهـ. ويعترض على مجموعات الأحاديث عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ .. ﴾.
ويقول: "فبعد هذا الإكمال فأي نقص يبقى حتى تأتى السنة وتكملها، وعندنا دواليب التاريخ مليئة بالكتب التاريخية فيستفاد منها في استخراج الفوائد العلمية واستنباط القوانين الفقهية، وفي الأحاديث لم يذكر شيء سوى أقوال الرسول ﷺ وأعماله وأحواله، وهو تاريخ لا محالة، وأما أحكام القرآن مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة فقد عمل بها الرسول وعلّمها لأمته وتواتر إلينا أحكامها تواترا عمليا يفيد العلم اليقيني، وفيها نزلت الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) فلا نحتاج إلى الروايات الحديثية" اهـ (٣).
(٥) غلام أحمد برويز:
هو غلام أحمد برويز بن فضل دين بن رحيم بخش ولد في ٩ يوليو ١٩٠٣ م، في بلدة "بتالة" القريبة من قاديان في البنجاب ولم يتجاوز برويز في دراسته الثانوية ثم
стр. 616
انتقل إلى المحيط العملي، فتوظف في المطبعة الحكومية برتبة كاتب وآخر ما وصل إليه قبل استقلال باكستان أن أصبح مديرًا لتلك المطبعة (١).
كان من محبِّي محمد إقبال الشاعر، عندما توفي إقبال أصدر السيد نذير نيازي مجلة على ذكرى الفقيد إقبال وسماها "طلوع إسلام"، دون تسجيلها باسمه الخاص، وكان برويز يملكها لأنه كان يمولها منذ صدورها، وكان ينشر فيها أفكاره مع نشر تعاليم إقبال وبعد الاستقلال انتقل برويز من الهند إلى باكستان مع مجلته "طلوع إسلام" اهـ (٢).
بعد ما وصل برويز كراتشي وجد أرضًا خصبة لنشر أفكاره، فوضع لمؤيديه أسسًا واضحة وجعل لهم مكاتب تحت إدارته وأطلق عليها اسم "نوادي طلوع إسلام" تبعًا لاسم مجلته، ولم تمض بضع سنوات على مجيئيه حتى عمّ ذكره في أرجاء باكستان، بل تجاوز إلى الدول العربية والأوربية والأمريكية (٣).
وكان فكره متغذيًا بأفكار سيد أحمد خان والدكتور محمد إقبال فنراه يبجلهما ويضعهما في قائمة مفكري هذا العصر فيقول فيهما: "وفي عصرنا الحاضر يعتبر السيد أحمد خان والدكتور محمد إقبال أشهر مفكري هذا العصر" اهـ (٤).
وقد تلمذ برويز على الحافظ محمد الجيراجبوري، وورث منه جميع مخالفات الخواجه الفكرية حول السنة، وما أضاف الحافظ إليها طوال عمره الطويل .... وأما موقفه من عبد الله الجكرالوي فنراه يمدح منهجه وينكر عليه تعيين الجزئيات من القرآن الكريم، غير أن برويز يحوّل تعيين الجزئيات إلى مركز الملة (٥). فالرجلان
стр. 617
متفقان في المبدأ والغاية غير أنهما اختلفا في السبيل الموصل إليها، فكلاهما ادعى كمال الدين في القرآن وعدم التسليم لغيره في الحجة والبرهان، اختلفا في تعيين هذا الكمال فيرى عبد الله كماله لشموله جزئيات الدين، ويرى برويز كماله وشموله بذكر الأصول وترك الجزئيات إلى مركز الملة، وبذا يكون قد وصلا إلى الغاية المنشودة وهي إلغاء السنة من مصادر التشريع في الإسلام (١).
ويعتبر برويز أكثر منكري السنة كتابة وتأليفًا، حتى سميت الحركة بالبرويزية نسبته إلى اسمه برويز نظرًا لكثرة تأليفاته.
ومن أشهر تأليفاته:
(١) تبويب القرآن وهو ثلاث مجلدات وهو عبارة عن معجم لبعض معاني القرآن.
(٢) سليم كي نام خطوط (المراسلات إلى "سليم") ٣ مجلدات.
(٣) قرآني فيصلى (أقضية القرآن) ٣ مجلدات.
(٤) قرآني قوانين (الأصول القرآنية).
(٥) إبليس وآدم.
(٦) كتاب التقدير.
(٧) شاهكار رسالة (فارس الرسالة ﷺ .
(٨) طاهرة كي نام خطوط (المراسالات إلى "طاهرة").
(٩) مقام حديث (مكانة السنة).
(١٠) الجهاد.
(١١) منزل به منزل (خطوة بعد خطوة).
(١٢) قتل مرتد.
(١٣) جهان فردا (عالم الغد).
(١٤) فردوس كم كشتة (الجنة المفقودة).
стр. 618
(١٥) ختم نبوت وتحريك أحمديت (الحركة القاديانية وختم النبوة).
(١٦) نظام ربوبيت (النظام الرباني).
(١٧) إقبال اور قرآن (القرآن والدكتور محمد إقبال).
(١٨) إسلام كيا هي؟ (ما هو الإسلام؟ ).
(١٩) مطالب الفرقان.
(٢٠) مفهوم القرآن.
(٢١) لغات القرآن في أربعة مجلدات وغير ذلك من الكتب التي يطول ذكرها.
وهو متأثر جدا بالمستشرقين الغربيين، وقد مُنح أسلوبا جذابا، فاستطاع أن يعبر نظريات المستشرقين بتعبير يجذب القارئ ويكثر بذكر النصوص الاستشراقية، وينهج منهج المستشرقين ويقتبس من كلامهم في عرضه للإسلام.
وكان يملك جهازا إداريا كاملا، وقام هذا الجهاز بنشر كتبه أيدت فكرته ولا تزال هذه المؤسسة تمجد مساعي من سبق في هذه الفكرة فصدر جديدًا كتاب "باكستان كي معمار أول" فيمدح كاتبُه السيد أحمد خان ويقول فيه: "إن السير سيد أحمد خان له فضل كبير علينا ولا نسطيع أن نشكره ونقدر سعيه في المن علينا وهو قد بدأ هذا العمل المبارك المسعود في زمن مظلم، وها نحن في ضياء ونور، وروح السيد تنظر إلى مساعينا ومساعي مفكري الإسلام الحديثة تفرح وترقص بشدة الفرح وتقول بالوجد والمسرة" وكانت تلك بداية وهذه نهاية .... " اهـ (١).
صلتهم بالاستعمار والاستشراق
ومن المؤكد أن فكرة إنكار السنة أو إنكار حجيتها كلها ليست وليدة الهند نفسها، سواء سلمنا أن السيد أحمد خان اختلق الشبهات لنزع الثقة عن ثاني مصادر التشريع في الإسلام بعد عودته من أوربا أو اعتنق القرآنيون الفكرة نتيجة غزوٍ استشراقي وتنصيري مُرَكّزٍ، بيد أن الدراسات تشير إلى تعاون العاملين في تعميم هذا الاتجاه الهدام،
стр. 619
فمحمد علي قصوري مثلًا يرى: أن الحكومة المستعمرة لها يد في الفرقتين: القاديانية، ومنكري السنة، وأن المشروع الإنكليزي في تلك الآونة اتخذ نوعًا جديدًا من المناورات المناوئة للإسلام فضمت إلى صفوفه السياسية كثيرًا من القساوسة المنصرين.
وإذا تتبعنا شبهات منكري السنة حول السنة وجدنا تشابهًا كبيرا بين مزاعم هؤلاء وبين ما تفوه به أعداء الإسلام من اليهود والنصارى أمثال جولدتسيهر وغيره من المستشرقين. والجدير بالذكر أن منكري السنة لم تقتصر شبهاتهم حول السنة بل تجاوزت وشملت جمع القضايا العقدية والفقهية، لأن ترك السنة هو سبب الضلال فتغيرت المنهجية التي يدرس بها الإسلام، فاستخدموا المناهج الغربية المادية الاستشراقية كما استخدمها أسلافهم أمثال سيد أحمد خان وجراغ علي وأمير علي وغيرهم من أتباع الفرقة النيجرية.
وهؤلاء إن كانوا ينسبون إلى الإسلام ويعدون من أبنائه إلا أنهم يفكرون بعقول غربية، ويكتبون بأقلام استشراقية، ولا شك أنهم يعلمون من الإسلام أكثر مما يعلمه المستشرقون، ولذلك كان خطرهم أعظم، وشرهم أشد على الإسلام والمسلمين.
ولذلك نرى هذه الفرقة قد نالت إعجابًا كبيرًا عند علماء الغرب. يقول برويز نفسه عن نفسه وعن جماعته: "إن السياح المصنف اليوناني عندما زار باكستان قال: "إنني قد سررت بحركة واحدة من حركات إسلامية هي: حركة "طلوع الإسلام"، وصدر جديدا كتاب آخر من هولندا للمستشرق بولتن (J.M.S Bultan) باسم " Modren Muslim kuran Inerpretation" وذكر فيه المساعي التي تبذل لتعبير جديد للقرآن في العالم الإسلامي، واختار من كتّاب باكستان عالمين فقط وهما: العلامة عنايت الله المشرقي والثاني صاحبكم هذا (يقصد برويز نفسه) وهذا
стр. 620
المستشرق قد درس كتابين: "معارف القرآن" و "سليم كي خطوط" مباشرة باللغة الأردية، واقتبس من جواهر هذين الكتابين وأدرجها في كتابه" اهـ (١).
وإن كان المقام يستدعى منا أن نذكر منهجية هؤلاء المتأثرين بالاستشراق والمزاعم التي ترتبت على هذا المنهج ثم الرد على شبهاتهم بالتفصيل، ولكن مجال البحث لا يسع لذلك، ولقد ذكرنا منهجية بعض المتأثرين بالاستشراق وتتبعنا آثارهم السلبية خاصة. وفيها كفاية كنموذج لكل من أراد الاطلاع على المنهجية المتأثرة بالمناهج الاستشراقية المادية الغربية، إلا أننا نشير هنا إلى بعض نظريات منكري السنة وأفكارهم المنحرفة عن جادة الطريق.
من نظرياتهم وأفكارهم
١ - حرية التدين:
نظرية نادى بها الغرب لنشر التغريب بين أبناء المسلمين، فالإنسان في نظرهم حرٌّ ومخير في تغيير عقيدته، وله إن شاء بقي على عقيدة الإسلام وإن شاء غيرها إلى النصرانية أو الهندوسية، وإن شاء نفى الأديان جميعًا، ولا يمنعه مانع فيما فعل، ومن ثم يسهل لهم تغريب الأذهان.
فقد نادى منكرو السنة بهذه النظرية لبث دينهم الجديد بين أبناء المسلمين فقال الخواجه أحمد الدين في تفسيره: "لا وجود لكتاب إلهامي في عالم الإنسان أصدر حكمه بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ (٢).
стр. 621
﴿ولست عليهم بمسيطر﴾ (١). إلا القرآن، وقد جاءت تعليماته لمحو الالتزام بديانة ما" اهـ (٢).
ويوضح برويز موقف منكري السنة بقوله: "قد رأيت أن القرآن لم يفرق في هذا الباب بين من لم يؤمن أصلًا، ومن آمن بالإسلام ثم رجع عنه، لذا أخبر أن السبب في الاثنين واحد: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ..... ﴾ (٣) ..
وقد اتضح لك من الآيات السابقة حكم القرآن الجلي وأن اختيار الكفر بعد الإسلام ليس جريمة، وأن المرء في حل من أن يبقى مسلمًا أو أن يتحول عن الإسلام إلى الكفر، وبذلك تعين أن الارتداد ليس جريمة فعلام العقوبة عليه؟ " اهـ (٤).
ومن هنا ورّث منكرو السنة غير المسلم من المسلم، يقول الخواجه: "اختلاف الدين بين الوارث والموروث لا يمنع من الميراث، لأن القرآن أباح نكاح الكتابيات فالنصرانية تحت عصمة المسلم تعتبر زوجة، والزوجة ترث بنص القرآن، ولو كان اختلاف الدين مانعًا من الميراث لما جاز أن تصبح الكتابيات أمهات وزوجات للمسلمين" اهـ (٥).
٢ - نظرية مركز الملة:
نظرية مركز الملة قد أباحت للقرآنيين تحريف الآيات ما يشاؤون بل منحتهم سلطة تشريعية فيشرعون من عندهم كما يشاؤون، ومعنى مركز الملة في نظرهم طاعة السلطة التشريعية التي كونتها جماعتهم فطاعتها هي طاعة الرسول عندهم.
стр. 622
يقول الحافظ محمد أسلم: "الأحكام الواردة في طاعة الرسول ﷺ لا تقتصر عليه، ولا تتقيد بمحمد ﷺ بل تشتمل جميع الخلفاء الذين أتوا بعده، فطاعتهم طاعة لرسول الله ﷺ وطاعة الرسول طاعة الله ، وإن ما ورد من الأحكام في طاعة الرسول في القرآن فالمراد بها طاعة الإمام، وطاعة مركز الملة" اهـ (١).
ويقول برويز موضحًا معنى مركز الملة: "مركز الملة هي السلطة العليا للدولة الحاكمة وفق القرآن، والمنفذة لأحكام الكتاب المجيد وهي التي تشكلت في عهده ﵊ ثم في عهد خلفائه على منهاج نبوته، وهذه هي الصورة المقصودة عندنا للإسلام وهو ما نسميه بالحكومة القرآنية أو النظام الإسلامي أو الحكومة الإسلامية أو السلطة المركزية أو مركز الملة" اهـ (٢).
٣ - نظرية إنكار السنة:
تتلخص في قولهم: "حسبنا كتاب الله" كلمة حق أريد بها الباطل، لأن القرآن في نظرهم تكفل بذكر الأمور الدينية كلها بالشرح والتفصيل فلم تبق للمسلمين حاجة إلى السنة كمصدر للتشريع لأخذ الأحكام منها، يقول عبد الله الجكرالوي: "إن الكتاب المجيد ذكر كل شيء يحتاج إليه في الدين مفصلًا ومشروحًا من كل وجه، فما الداعي إلى الوحي الخفي وما الحاجة إلى السنة؟ " اهـ (٣).
أما الإيمان بالحديث النبوي في نظرهم: هو الإيمان ببيئة خاصة وبزمان معين قد مضى، يقول برويز: "إن الإيمان بالحديث كسند وحجة يجعل من الضرورة الإيمان
стр. 623
بأشياء تتعلق ببيئة خاصة وبزمان معين، وعلى هذا الأساس فعلى المسلمين أن يرسموا خريطة حياتهم في ضوء القرآن فقط طبقًا لظروف الزمان" اهـ (١).
ومن ثم قسم منكرو السنة الإسلام على قسمين: الإسلام القرآني والإسلام الحديثي، فسموا الإسلام "الدين" والقسم الثاني سموه "المذهب" والسبب الذي اصطنعوه لرد الأحاديث هو أغرب شيء سجل في القرطاس فيقول برويز: "إن الشيعة حاولوا تفرقة المسلمين بإيجاد النقص في القرآن ولكنهم لم ينجحوا في ذلك لأن كلام الله مصون عند المسلمين فتقدموا إلى الحديث فجعلوه جزءًا من الدين، ثم رفعوا الموضوعات من الأحاديث إلى درجة الشهرة، ثم إلى درجة الصحة، والدليل على ذلك إن الجامعين لكتب الستة كلهم من "إيران" حتى ظن المسلمون أن هذا الدين الحديثي الذي برز في حيز الوجود في القرن الثالث الهجري، هو الدين الأصلي فيعملون به، فهذا هو السبب الحقيقي لتأخر هذه الأمة" اهـ (٢).
والعمل بالأحاديث عند منكري السنة يفتح أبواب الشرك المتعددة، يقول عبد الله الجكرالوي: "الحض على أقوال الرسل وأفعاله وتقريراته مع وجود كتاب الله علة قديمة قدم الزمن، وقد برأ الله ورسله وأنبياءه من هذه الأحاديث بل جعل تلك الأحاديث كفرًا وشركًا" اهـ (٣).
ويوضح الخواجه أحمد الدين هذه الشبهة أكثر، فيقول: "قد وضع الناس لإحياء الشرك طرقًا متعددة فقالوا إنا نؤمن بأن الله هو الأصل المطاع، غير أن الله أمرنا باتباع رسوله، فهو اتباع مضاف إلى الأصل المطاع، وبناءً على هذا الدليل
стр. 624
الفاسد يصححون جميع أنواع الشرك، فهل يصبح الأجنبى زوجًا لمتزوجة بقول زوجها إنها زوجته، ألا وإن الله لم يأمر بمثل ذلك: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ اهـ (١).
٤ - نظرية الارتقاء والتطور:
نظرية الارتقاء الداروينية قد طابت للمستغربين والمتأثرين بالاستشراق، فقبلها سيد أحمد خان لأنها كانت مطابقة لنظرية السيد النيجرية (الطبيعية)، وقلده غلام أحمد برويز، فتبنى بهذه النظرية لأنها أفادته من ناحيتين: أفادته في نظرية إنكار الأحاديث وتأويل الآيات الواردة في خلق آدم ﵊ من ناحية، وأفادته في قبول نظرية حتمية قوانين الطبيعة المأخوذة من نيجريين من ناحية أخرى، إلا أن برزويز قد اشترط في تبنى هذه النظرية بشرطين:
الشرط الأول: إن الجرثومة التي هو أصل الإنسان لم تدب فيها الحياة صدفة بل الله أحياها خلافًا لما ذهب إليه داروين.
والشرط الثاني: إن فكر الإنسان وشعوره لم يكن نتيجة الارتقاء إنما حصل له الشعور عندما نفخ فيه الروح بطريقة فجائية (٢).
يقول برويز تحت تفسير الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٣). إن المراد بالنفس الواحدة "الجرثومة الأولى" التي كانت على ساحل البحر في شكل "الطُّحْلُب" والمراد بـ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ انقسام هذه الجرثومة إلى قطعتين ثم بامتزاجهما ذرأ الله خلقًا كثيرًا اهـ (٤).
стр. 625
هذه وغيرها من النظريات التي قد تبناها منكرو السنة تركت آثارًا كثيرة في العقائد والعبادات، وتغيرت مفاهيم المصطلحات الشرعية عند القوم، ومن آثارها في العقائد ما يلي:
من معتقداتهم
١ - العمل بالحديث شرك بالله:
الشرك عند منكري السنة يختلف تعريفه عما هو عند أهل السنة، فيرون أن العمل بالسنة والنزول عند أحكام النبي ﷺ الواردة في الحديث شرك، وإن الامتثال لتلك الأحكام طريقة من طرق إحياء الشرك، وتصحيح المعتقدات الشركية (١).
٢ - إنكار حقيقة العرش والاستواء:
قد أنكر منكروا السنة حقيقة العرش العظيم، ومن ثم أنكروا الاستواء، فيقول عبد الله الجكرالوي في معنى الاستواء: "إنه مَلَكَ جميعَ نُظمِ الكائنات، وإن له السلطة المتفردة عليها، وإذا قيل إن فلانًا ملك عرش الدولة الفلانية فهمنا أنه قبض على جميع أمور الدولة، فاستواء الله على العرش استعارة ولا يؤخذ منه إلا المعنى المجازي لا محالة" اهـ (٢) وذهب إلى هذا الرأي برويز أيضًا (٣).
стр. 626
٣ - إنكار المعجزات:
أما موقفهم من المعجزات لا يختلف كثيرًا عما ذهب إليه السيد أحمد خان وأتباعه فيقول الحافظ أسلم: "لم يعط النبي ﷺ معجزة سوى القرآن، بينما الأحاديث ذكرت له معجزات حسية كثيرة، منها انشقاق القمر وسعى بعض الناس لإثباتها من القرآن، غير أن ذلك الانشقاق علامة من علامات قرب الساعة، وسياق القرآن لا يربط صلته برسول الله ﷺ تصريحًا ولا تلميحا" اهـ (١).
ويقول الخواجه: "لم يرِد في القرآن لفظ المعجزة أو خارق العادة، بل ورد مكانهما (سنة الله)، وأنه لا تتبدل ولا تحيد عن مكانها لتحل في مكان آخر" اهـ (٢).
٤ - إنكار ختم النبوة:
وقد أقرّ بختم النبوة جُلُّ أعيان منكري السنة، إلا أن بعضا منهم مثل مقبول أحمد (٣). يرى "أن الرسل جاءت تترى لهداية الخلق أجمعين، وأنها ستستمر في المجيء ما دام للجهل والظلمات بقاء على هذه الأرض" اهـ (٤).
ولكنهم عامة قد أعطوا حق التشريع لمركز الملة، ومركز الملة يُشرِّعُ من عندهم أحكامًا إلى قيام الساعة، وبهذا قد فتحوا باب النبوة لكل من جاء على هذا
стр. 627
المنصب لأن له حقًا في أن يأمر بما يشاء وينهي عما يشاء. وعلى أمة القرآنيين أن تطيعه فيما يشرع، وطاعته واجبة مثل طاعة الله ورسوله (١).
٥ - إنكار ولادة عيسى ﵇ بلا أب ورفه إلى السماء:
إن إنكارهم للخوارق والمعجزات جعلهم ينكرون ولادة المسيح بدون أب وينكرون رفعه إلى السماء وعودته قبل قيام الساعة.
يقول الخواجه عن ولادة عيسى ﵇: "إن مريم ﵍ جاءت بالولد عن طريق مشروع مألوف كما يجئ الولد لغيرها من النساء" اهـ (٢).
ويرى الخواجه وبرويز وغيرهما من منكري السنة: أن معتقد عودة المسيح دخل إلى الإسلام من المسلمين الذين كانوا نصارى قبل الإسلام، وأنه أمر مخالف للعقل ولا تقبله سنن الكون (٣). إلا أن الحافظ وعبد الله وأتباعهما يرون: أن عيسى ﵊ حي على الأرض وأنه سيظهر مرة أخرى قبل يوم القيامة (٤).
٦ - إنكار الحياة البرزخية:
قد اتفق منكرو السنة على إنكار عالم البرزخ فيقول الحافظ: "إن عالم البرزخ عالم موت لا حياة فيه ولا إدراك بأي شكل من أشكاله" اهـ (٥).
ويقول برويز: "القبر لا حقيقة له بروح القرآن الكريم لأنه مدفن جسم ميت يقي الجو الخارجي من عفونته ما لو بقي ذلك الجسم على ظهر الأرض بارزًا، لا أنه موضع سؤال وعذاب لأن الجسم المدفون في القبر لا حياة فيه ولا شعور" اهـ (٦).
стр. 628
٧ - إنكار حقيقة الجنة والنار:
قد اختلف منكرو السنة في تصورهم للجنة والنار:
أ - عبد الله وأتباعه يرون: إن الجنة والنار أمكنة حقيقية ستخلق يوم القيامة، وأنه لا وجود لهما في الوقت الحاضر لأن وجودهما الآن يخلو عن الحكمة والمصلحة، وأفعال الله لا تَعْرى عنهما البتة (١).
ب - الحافظ وأتباعه يرون: أن الجنة والنار وما وصفتا به من نعيم وعذاب صورتان تمثيليتان حسبما كانت تعرفه وتحس به البشرية عصر نزول القرآن، وقد اختلف الحس البشري في النعيم والعذاب في الوقت الحاضر، فلذا ينبغي وضع تعريفات جديدة للجنة والنار، فلا يلزم من إحراق النار احتراق حس الجسم، بل المراد المشقة والكرب التي تجعل الإنسان يحس بالاحتراق داخل نفسه (٢).
ج - وأما برويز والخواجه أحمد الدين وأتباعهما فيرون: أن الجنة والنار طور من أطوار الحياة البشرية، وإن نمو الحياة وازدهارها يعني حياة الجنة وتوقفها، وعدم الرقي فيها يعنى الجحيم والنار، كما أن الجنة والنار ليستا الحلقة الأخيرة من حياة البشر، ولا من الأشياء التي لا نجدها إلا بعد الموت، بل الحياة أمر أبدي، والرقي من منزلة إلى أخرى قائم فيها على قدم وساق وسيبقى إلى الأبد، فالجنة والنار تعبيرات لكيفيات الحياة، لا أنهما أسماء أمكنة خاصة (٣).
وأما شبهاتهم في مجال العبادات والمعاملات فحدث ولا حرج شرعوا من عندهم عبادات لم تعرفها الأمة في تاريخها مثلًا: قد تضاربت آرائهم في الصلوات في أوقاتها وعدد المفروض منها وعدد ركعاتها وهيئة أركانها، فكل فرقة له رأي بل كل شخص له رأي ينسب إليه.
стр. 629
فعبد الله لا يرى نقض الوضوء من مس الفرج وخروج الدم، ولا يرى للصلاة أذانًا، وهيئة لأداء الصلاة، ولا يوجب استقبال القبلة ويرى إمساك الأذنين مع كل تكبير من تكبيرات الصلاة، لأن هذه الهيئة عنده تشير إلى الإقرار بالجرم والاعتراف بالذنب (١)، ويرى أن صلاة التراويح بدعة وضلالة مفضية إلى النار (٢).
وكذلك تخبطوا في كثير من المعاملات، فأنكر عبد الله حد الرجم (٣). وأنكروا حد السرقة وأولوا آيات القرآن لأن قطع العضو عقوبة وحشية لا تقصدها الآية البتة (٤)، وأنكروا الردة (٥). وغير ذلك من الشبهات التي يطول ذكرها.
والذي يتأمل في هذه الشبهات يعرف جيدا أن شبهاتهم لا تختلف عن شبهات النيجرية إذ أن السبب في بروزهما إلى حيز الوجود واحد فتشابهت الشبهات واتحدت الآراء، والرد على هذه الشبهات يكون تكرارا لما سبق من الشبهات وتفنيدها، فنكتفي بذكرها ولا نمل القارئ بإعادة الردود نفسها.
стр. 630
الفصل الثاني: الفرقة الخارجة عن الإسلام (القاديانية)
وفيه:
* تعريفها.
* فرقها.
* مؤسسها.
* نشأنها وصلتها بالاستشراق والاستعمار.
* أهم رجالاتها.
* مبادئها وعقائدها.
стр. 631
القاديانية تعريفها وفرقها
التعريف:
القاديانية (١) نسبة إلى مدينة "قاديان" في مقاطعة البنجاب -وهذا الجزء من البنجاب يقع في الهند الآن- التي ولد فيها مؤسس الفرقة الميرزا غلام أحمد القادياني (١٨٣٩ م/ ١٩٠٨ م)، وهي حركة نشأت سنة ١٩٠٠ م بتخطيط من الاستعمار الإنكليزي في القارة الهندية بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم، وعن فريضة الجهاد بشكل خاص، حتى لا يواجهوا المستعمر باسم الإسلام، وكان لسان حالهم هو مجلة " Religions" (الأديان) التي كانت تصدر باللغة الإنكليزية (٢).
فرقهم:
وهم منقسمون على فرقتين:
الأحمدية: كان يرأسها نور الدين ومقرهم الرئيسي الحالي "ربوة" بباكستان، ويعتقدون أن غلام أحمد نبي الله ورسوله وأنه المسيح الموعود والمهدي المعهود، وأنه أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين، ومن لم يؤمن به فهو كافر يدخل نار جهنم، ومن أكابر هذه الفئة غير نور الدين، محمود أحمد بن الغلام، ومحمد صادق مفتي القاديانية، وكانت هذه الفئة الحقيقية للمتنبئ القادياني، لأنها تجهر بتعليمات غلام أحمد ولا تكتم منها شيئا.
الأحمدية اللاهورية: كان يرأسها محمد علي اللاهوري، ومقرهم الرئيسي الحالي "لاهور" بباكستان، ويظهرون أن غلام أحمد ليس بنبي ورسول بل هو مجدد ومصلح، وإن منكريه فساق فجار، وكان من أكابرها الخواجة كمال الدين، ومحمد
стр. 632
أحسن أمروهي، ولكن هذه الفكرة لا يوافقها أقوال الغلام ولا تعليماته وحتى ولا أقوالهم كما سنبين ذلك فيما بعد (١).
مؤسس القاديانية
ولادته وأسرته:
هو الميرزا غلام أحمد بن غلام مرتضى بن عطا محمد القادياني ولد عام ١٨٣٩ م وعلى رواية عام ١٨٤٠ م (٢). في مدينة قاديان في أسرة تنتمي إلى السلالة المغولية وإلى فرع من فروعها يسمى "برلاس" (٣).
هذا ما وجدناه عند من كتب في سيرته، ولكن غلام أحمد لما رأى أن لرجل من الفارس فضلًا قد ورد في الحديث النبوي ادعى بأنه قد أوحي إليه بأنه من أسرة فارسية هذا مرة، (٤). ومرة أخرى ادعى أنه صيني الأصل، (٥). وكما ادعى أنه من أولاد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم ادعى أنه من أولاد إسحاق (٦).
مع هذه الاضطرابات والتقلبات في انتسابه إلى أصل من السلالة البشرية، وهو مجمع ومطمئن البال في قوله: بأن أسرته كانت عملية للاستعمار الإنكليزي، بل يعتز
стр. 633
بهذه النسبة ويفتخر ويقول: "لقد أقرّت الحكومة بأن أسرتي في مقدمة الأسر التي يختص في الهند بالنصح والإخلاص للحكومة الإنكليزية، ودلت الوثائق التاريخية على أن والدي وأسرتي كانوا من كبار المخلصين لهذه الحكومة من أول عهدها، اعترف بذلك الموظفون الإنكليز الكبار" اها هـ (١).
وفي هذا البيت عاش الميرزا غلام أحمد، فكان يرى أباه يجهز قوة وينضم بها إلى صفوف الإنكليز، ويرى أخاه غلام قادر يقاتل إلى جانبهم، وكان عمره آنذاك سبعة عشر عامًا، وكان يشاهد دار أبيه سرحًا للقادة العسكريين الإنكليز، وهم يخططون الخطط ويرسمون الوسائل للقضاء على الصحوة الإسلامية وقتل رجالها، وقد اعترف الميرزا في أكثر من مرة بهذه المشاركة مع الإنكليز (٢). إذ يقول: "إننا لم نقصر في إراقة دمائنا والتضحية بأنفسنا في سبيل حكم الإنكليز" اهـ (٣).
طفولته ودراسته:
بعد أن بلغ الميرز غلام سن الشعور بدأ يتعلم، وكانت الدراسة كلها -وهو صغير- في داره، ومن الأساتذة الذين درس عليهم القادياني هم: فضل إلهي، وفضل أحمد، وغل علي شاه. ومن العلوم التي درسها هي: النحو، والصرف، والمنطق، وبعض العلوم الدينية والأدبية، وهو يتحدث عن مستوى علمه فيقول: "ولما ترعرعت ودخلت في طور الشباب قرأت قليلا من الفارسية ونبذة من رسائل الصرف والنحو وغيرها من العلوم، وشيئًا يسيرًا من كتب الطب، وكان أبي عرافًا حاذقًا وكانت له يد طولي في هذا الفن، فعلمني من بعض كتب هذه الصناعة، وأطال القول في
стр. 634
الترغيب لكسب الكمال فيها .... وكذلك لم يتفق لي التوغل في علم الحديث والأصول والفقه إلا كطل من الوابل" اهـ (١).
وذكر ابنه بشير أحمد أن أباه غلام أحمد القادياني درس بعض الكتب الإنكليزية، فقال: "وفي أثناء قيامه في سيالكوت فتحت مدرسة ليلية الإنكليزية لموظفي الحكومة .... بدأ حضرته (الغلام القادياني) يدرس الإنكليزية في هذه المدرسة، وقرأ كتابًا أو كتابين هناك" اهـ (٢).
هذا جُلّ ما تعلمه القادياني أيام دراسته، ولقد فاتته أهم العلوم وأجلها مثل القرآن وتفسيره والحديث وعلومه والفقه وأصوله، لعله لم يردها أو أرادها ولكن قد عاقته دون تعلمها كثرة الأمراض التي كان يعانيها منذ صغره، من الأمراض التي قد أصيب بها الميرزا ما يلي: الكسور في يده اليمنى، ومرض الدق والسل، ومرض الدُوار، ومرض عصبي وسوء الذاكرة، ومرض الماليخوليا (المراق) بسبب ضعف في الدماغ، وكان ضعيف العينين لم يكد يفتحهما وأخطر مرض أصيب به القادياني مرض "هستيريا" (٣). نسأل الله السلامة والعافية من كل شر.
وتوظف الميرزا القادياني في محاكم المديرية في مدينة سيالكوت بمرتب يساوي خمس عشرة روبية (٤). وبقي على ذلك أربع سنوات من عام ١٨٦٤ م إلى عام
стр. 635
١٨٦٨ م، وبعد أن درس الإنكليزية توظف في الحقوق إلى أن ترك هذه الوظيفة سنة ١٨٦٨ م، ثم شارك والده في المحاكمات والقضايا التي كان مشغولًا بها (١).
هذا وقد قضى معظم حياته في مساندة الحكومة ومؤازرتها، فيقول الميرزا القادياني نفسه عن نفسه: "لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنكليزية ومؤازرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإنكليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وكابل والروم" اهـ (٢).
لقد كان العصر الذي عاش فيه الميرزا غلام عصر المناظرات بين الأديان والفرق، وقد نشط المستشرقون النصارى ورجال الكنيسة في نشر ديانتهم، والدعوة إليها، والرد على الدين الإسلامي، فقد هيأ الميرزا القادياني نفسه للدخول في هذه المعركة التي تكسبه الصيت البعيد، وبدأ يؤلف كتابًا كبيرًا في إثبات فضل الإسلام والرد على النصرانية، وغيرها من الأديان السائدة في الهند كالآرية والبرهمية، وسماه براهين أحمدية.
وبدأ تأليف هذا الكتاب عام ١٨٧٩ م، وكاتب بعض العلماء والباحثين ليرسلوا إليه أفكارهم ومقالاتهم لكي يستعين بها في تأليفه، ومن هؤلاء العلماء الذين راسلهم القادياني السيد جراغ علي، فجاء الكتاب في أربعة أجزاء، (٣). وفي صفحة ٥٦٢ أصدر المؤلف إعلانًا بالإنكليزية والأردية تحدى فيه وادعى لأول مرة أنه مأمور من الله لإقامة حجة الإسلام، ومهيأٌ لإقناع حميع الناس، فقال: "لقد كلفني الله إصلاح الخلق بكل مسكنة وتواضع وفقر وتذلل على طريق النبي الناصري الإسرائيلي (المسيح)، وقد ألفت لهذا الغرض كتاب "براهين أحمدية"، فقد جمعت فيه ٣٧ مَلْزَمةً،