القاديانية تعريفها وفرقها
التعريف:
القاديانية (١) نسبة إلى مدينة "قاديان" في مقاطعة البنجاب -وهذا الجزء من البنجاب يقع في الهند الآن- التي ولد فيها مؤسس الفرقة الميرزا غلام أحمد القادياني (١٨٣٩ م/ ١٩٠٨ م)، وهي حركة نشأت سنة ١٩٠٠ م بتخطيط من الاستعمار الإنكليزي في القارة الهندية بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم، وعن فريضة الجهاد بشكل خاص، حتى لا يواجهوا المستعمر باسم الإسلام، وكان لسان حالهم هو مجلة " Religions" (الأديان) التي كانت تصدر باللغة الإنكليزية (٢).
فرقهم:
وهم منقسمون على فرقتين:
الأحمدية: كان يرأسها نور الدين ومقرهم الرئيسي الحالي "ربوة" بباكستان، ويعتقدون أن غلام أحمد نبي الله ورسوله وأنه المسيح الموعود والمهدي المعهود، وأنه أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين، ومن لم يؤمن به فهو كافر يدخل نار جهنم، ومن أكابر هذه الفئة غير نور الدين، محمود أحمد بن الغلام، ومحمد صادق مفتي القاديانية، وكانت هذه الفئة الحقيقية للمتنبئ القادياني، لأنها تجهر بتعليمات غلام أحمد ولا تكتم منها شيئا.
الأحمدية اللاهورية: كان يرأسها محمد علي اللاهوري، ومقرهم الرئيسي الحالي "لاهور" بباكستان، ويظهرون أن غلام أحمد ليس بنبي ورسول بل هو مجدد ومصلح، وإن منكريه فساق فجار، وكان من أكابرها الخواجة كمال الدين، ومحمد
стр. 632
أحسن أمروهي، ولكن هذه الفكرة لا يوافقها أقوال الغلام ولا تعليماته وحتى ولا أقوالهم كما سنبين ذلك فيما بعد (١).
مؤسس القاديانية
ولادته وأسرته:
هو الميرزا غلام أحمد بن غلام مرتضى بن عطا محمد القادياني ولد عام ١٨٣٩ م وعلى رواية عام ١٨٤٠ م (٢). في مدينة قاديان في أسرة تنتمي إلى السلالة المغولية وإلى فرع من فروعها يسمى "برلاس" (٣).
هذا ما وجدناه عند من كتب في سيرته، ولكن غلام أحمد لما رأى أن لرجل من الفارس فضلًا قد ورد في الحديث النبوي ادعى بأنه قد أوحي إليه بأنه من أسرة فارسية هذا مرة، (٤). ومرة أخرى ادعى أنه صيني الأصل، (٥). وكما ادعى أنه من أولاد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم ادعى أنه من أولاد إسحاق (٦).
مع هذه الاضطرابات والتقلبات في انتسابه إلى أصل من السلالة البشرية، وهو مجمع ومطمئن البال في قوله: بأن أسرته كانت عملية للاستعمار الإنكليزي، بل يعتز
стр. 633
بهذه النسبة ويفتخر ويقول: "لقد أقرّت الحكومة بأن أسرتي في مقدمة الأسر التي يختص في الهند بالنصح والإخلاص للحكومة الإنكليزية، ودلت الوثائق التاريخية على أن والدي وأسرتي كانوا من كبار المخلصين لهذه الحكومة من أول عهدها، اعترف بذلك الموظفون الإنكليز الكبار" اها هـ (١).
وفي هذا البيت عاش الميرزا غلام أحمد، فكان يرى أباه يجهز قوة وينضم بها إلى صفوف الإنكليز، ويرى أخاه غلام قادر يقاتل إلى جانبهم، وكان عمره آنذاك سبعة عشر عامًا، وكان يشاهد دار أبيه سرحًا للقادة العسكريين الإنكليز، وهم يخططون الخطط ويرسمون الوسائل للقضاء على الصحوة الإسلامية وقتل رجالها، وقد اعترف الميرزا في أكثر من مرة بهذه المشاركة مع الإنكليز (٢). إذ يقول: "إننا لم نقصر في إراقة دمائنا والتضحية بأنفسنا في سبيل حكم الإنكليز" اهـ (٣).
طفولته ودراسته:
بعد أن بلغ الميرز غلام سن الشعور بدأ يتعلم، وكانت الدراسة كلها -وهو صغير- في داره، ومن الأساتذة الذين درس عليهم القادياني هم: فضل إلهي، وفضل أحمد، وغل علي شاه. ومن العلوم التي درسها هي: النحو، والصرف، والمنطق، وبعض العلوم الدينية والأدبية، وهو يتحدث عن مستوى علمه فيقول: "ولما ترعرعت ودخلت في طور الشباب قرأت قليلا من الفارسية ونبذة من رسائل الصرف والنحو وغيرها من العلوم، وشيئًا يسيرًا من كتب الطب، وكان أبي عرافًا حاذقًا وكانت له يد طولي في هذا الفن، فعلمني من بعض كتب هذه الصناعة، وأطال القول في
стр. 634
الترغيب لكسب الكمال فيها .... وكذلك لم يتفق لي التوغل في علم الحديث والأصول والفقه إلا كطل من الوابل" اهـ (١).
وذكر ابنه بشير أحمد أن أباه غلام أحمد القادياني درس بعض الكتب الإنكليزية، فقال: "وفي أثناء قيامه في سيالكوت فتحت مدرسة ليلية الإنكليزية لموظفي الحكومة .... بدأ حضرته (الغلام القادياني) يدرس الإنكليزية في هذه المدرسة، وقرأ كتابًا أو كتابين هناك" اهـ (٢).
هذا جُلّ ما تعلمه القادياني أيام دراسته، ولقد فاتته أهم العلوم وأجلها مثل القرآن وتفسيره والحديث وعلومه والفقه وأصوله، لعله لم يردها أو أرادها ولكن قد عاقته دون تعلمها كثرة الأمراض التي كان يعانيها منذ صغره، من الأمراض التي قد أصيب بها الميرزا ما يلي: الكسور في يده اليمنى، ومرض الدق والسل، ومرض الدُوار، ومرض عصبي وسوء الذاكرة، ومرض الماليخوليا (المراق) بسبب ضعف في الدماغ، وكان ضعيف العينين لم يكد يفتحهما وأخطر مرض أصيب به القادياني مرض "هستيريا" (٣). نسأل الله السلامة والعافية من كل شر.
وتوظف الميرزا القادياني في محاكم المديرية في مدينة سيالكوت بمرتب يساوي خمس عشرة روبية (٤). وبقي على ذلك أربع سنوات من عام ١٨٦٤ م إلى عام
стр. 635
١٨٦٨ م، وبعد أن درس الإنكليزية توظف في الحقوق إلى أن ترك هذه الوظيفة سنة ١٨٦٨ م، ثم شارك والده في المحاكمات والقضايا التي كان مشغولًا بها (١).
هذا وقد قضى معظم حياته في مساندة الحكومة ومؤازرتها، فيقول الميرزا القادياني نفسه عن نفسه: "لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنكليزية ومؤازرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإنكليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وكابل والروم" اهـ (٢).
لقد كان العصر الذي عاش فيه الميرزا غلام عصر المناظرات بين الأديان والفرق، وقد نشط المستشرقون النصارى ورجال الكنيسة في نشر ديانتهم، والدعوة إليها، والرد على الدين الإسلامي، فقد هيأ الميرزا القادياني نفسه للدخول في هذه المعركة التي تكسبه الصيت البعيد، وبدأ يؤلف كتابًا كبيرًا في إثبات فضل الإسلام والرد على النصرانية، وغيرها من الأديان السائدة في الهند كالآرية والبرهمية، وسماه براهين أحمدية.
وبدأ تأليف هذا الكتاب عام ١٨٧٩ م، وكاتب بعض العلماء والباحثين ليرسلوا إليه أفكارهم ومقالاتهم لكي يستعين بها في تأليفه، ومن هؤلاء العلماء الذين راسلهم القادياني السيد جراغ علي، فجاء الكتاب في أربعة أجزاء، (٣). وفي صفحة ٥٦٢ أصدر المؤلف إعلانًا بالإنكليزية والأردية تحدى فيه وادعى لأول مرة أنه مأمور من الله لإقامة حجة الإسلام، ومهيأٌ لإقناع حميع الناس، فقال: "لقد كلفني الله إصلاح الخلق بكل مسكنة وتواضع وفقر وتذلل على طريق النبي الناصري الإسرائيلي (المسيح)، وقد ألفت لهذا الغرض كتاب "براهين أحمدية"، فقد جمعت فيه ٣٧ مَلْزَمةً،
стр. 636
وها أنا مرسل إليكم نسخة من هذا الكتاب، وقد ألهمني الله بأنه من لم يقرّ بما فيه من الحق بعد أن قرأ هذه الرسالة الموجهة فقد باء بالهزيمة والخذلان" اهـ (١).
وادعى أن من طلب الحق وحضر مدينة "قاديان" ومكث معه سنة كاملة سيرى الآيات السماوية والخوارق، ومن لم يرها يستحق جائزة منا قدرها: مائتا روبية (٢).
المراحل التدريجية لدعاوي القادياني:
قد برز القادياني من عالم الخمول إلى عالم الشهرة، وبدأ يتدرج في دعاويه الكاذبة، وقد لخص الأستاذ المودودي ﵀ هذه المراحل التدريجية بالترتيب التاريخي، وهنا نلخص ما قاله:
١ - من سنة ١٨٨٠ م إلى سنة ١٨٨٨ م اشتهر مناظرًا إسلاميًا يدعو إلى الإسلام ويدافع عنه، إلا أنه في هذه المرحلة كان يمهد السبيل إلى الادعاءات الكاذبة حسب الخطة المرسومة من الاستعمار والاستشراق، وكان المسلمون يتوجسون خلال كتاباته ضروبًا من الادعاءات المبطنة ويحسبون لها حسابًا، لأن الميرزا القادياني كان يقول عن نفسه: "إنه أفضل أولياء الأمة" (٣).
٢ - من سنة ١٨٨٨ م إلى سنة ١٨٩٠ م كان يدعي أنه "مجدد العصر" وأنه "مأمور من الله". ويدعو الناس إلى مبايعته ويظهر للناس مماثلته للمسيح.
٣ - وفي سنة ١٨٩١ م أعلن أن المسيح قد مات وادعى أنه هو المسيح الموعود والمهدي المعهود، وزعم أنه كان غافلًا كل الغفلة عن خطاب الله إياه
стр. 637
بالمسيح الموعود، وناقض عما قاله في البراهين الأحمدية من أن المسيح رفع إلى السماء (١).
٤ - في سنة ١٩٠٠ م قد أعلن أحد أتباعه عبد الكريم في خطبة الجمعة بأن القادياني هو النبي المرسل، يجب الإيمان به كإيمان الصحابة بمحمد رسول الله ﷺ ، فوافقه الميرزا القادياني إلا أنه لم يصرح بالنبوة المستقلة في هذه الفترة إنما ادعي بالنبوة الجزئية وبأن له فضلًا جزئيًا على المسيح.
٥ - وفي سنة ١٩٠١ م أعلن الميرزا غلام بوجه سافر بأنه هو النبي والرسول كما صرح بذلك أحد أتباعه جلال الدين شمس بقوله: "قد أنكر السيد الأقدس الميرزا القادياني في بعض كتاباته قبل سنة ١٩٠١ م نبوته، وقال: لست نبيًا ولكني محدَّث، وإلا أنه لم يتنازل بعد سنة ١٩٠١ م عن نبوته الكاملة إلّا أن هذه النبوة نبوة ناقصة أو نبوة محدث، بل مازال يصرح بكونه نبيا مرسلا بكلمات واضحة" اهـ (٢).
٦ - وفي سنة ١٩٠٤ م أضاف القادياني دعوى جديدة إلى دعاويه السابقة وهي: "أنه كرشن"، (٣). وقد أسفر الميرزا القادياني بهذه الدعوى بقوله الصريح في اجتماع عام عقده في تقديس بيت المقدس فقال فيه: "ليس مرة بل مرارًا أوحي إليّ بأنني بعثت كرشنا للهنادكة ومسيحًا موعودًا للمسلمين والنصارى" اهـ (٤).
مؤلفاته:
وقد ألف الميرزا القادياني عدة كتب ومن أهمها ما يلي:
стр. 638
(١) أربعين.
(٢) آرية دهرم.
(٣) غزالة الأوهام.
(٤) استفتاء.
(٥) إعجاز أحمدي.
(٦) إعجاز المسيح.
(٧) أنجام آتهم.
(٨) أنوار الإسلام.
(٩) براهين أحمدية.
(١٠) التبليغ.
(١١) تجليات إلهية.
(١٢) تذكرة وحي المقدس.
(١٣) مجموعة مكاشفات الغلام القادياني.
(١٤) حجة الله، حقيقة المهدي.
(١٥) كتاب البرية.
(١٦) كشف الغطاء، نجم المهدي.
(١٧) نشان السماء.
(١٨) نصرة الحق نور الحق.
(١٩) نزول المسيح.
(٢٠) نسيم الدعوة، وغيرها من الكتب.
وفاته:
وقد جرت المناظرات ومناقشات بين الميرزا والعالم المشهور من علماء أهل الحديث الشيخ ثناء الله الأمرتسري، وبعد أن هُزِمَ الميرزا الكذاب في كل مناظرة دعا
стр. 639
للمباهلة عام ١٩٠٧ م، وتحدى بأن الكاذب من الرجلين سيموت في حياة الصادق، ودعا الله تعالى أن يقبض الكاذب في حياة صاحبه ويسلط عليه داءًا مثل الكوليرا والطاعون فيكون فيه حتفه (١).
ففي شهر مايو ١٩٠٨ م أصيب بالكوليرا الوبائية (٢). وكان ذلك الوباء حتفًا له، وهو في لاهور يقضي حاجته، ونقلت جثته إلى قاديان حيث دفن في المقبرة التي سماها "بهشتي مقبرة" (مقبرة الجنة).
والشيخ ثناء الله قد عاش بعد موته أربعين سنة، وانتقل إلى رحمة الله في ١٥ من مارس سنة ١٩٤٨ م وهو في الثمانين من عمره، ومن ثم قد لقب الشيخ ثناء الله بـ "فاتح القاديان" ﵀ رحمة واسعة (٣).
نشأة القاديانية وصلتها بالاستعمار والاستشراق
نشأة القاديانية وصلتها بالاستعمار:
قد سبق أن ذكرنا تصريحات سافرة من الميرزا غلام القادياني وأتباعه بأن القادياني وأسرته كانت عملية للاستعمار، ومن خلال هذه التصريحات السابقة نتأكد أن القاديانية وليدة الاستعمار، والمستشرقون هم الدين خططوا لها تخطيطًا مرسومًا من عندهم.
وكما صرح غلام أحمد القادياني أيضا بأن الدين الذي يدين به ويدعو إليه قائم على أساسين وهما كما يقول: "من ديني الذي أنا أبديه للناس مرة بعد أخرى أن الإسلام منقسم إلى قسمين:
стр. 640
الأول: أن نطيع الله تعالى.
والثاني: أن نطيع الحكومة التي بسطت الأمن وأظلتنا بظلها وحمتنا من أيدي الظالمين، وهذه الحكومة هي الحكومة البريطانية (١).
وكتب بشير الدين محمود أحمد ابن القادياني خطابا قدمه إلى الملك "جورج" (George) الخامس ملك المملكة البريطانية، وذلك بمناسبة زيارته للهند سنة ١٩٣١ م، فيقول فيه: "إن منهج هذه الجماعة من يوم تأسيسها أن تطيع الحكومة القائمة، وتبتعد عن جميع أعمال الفتنة والفساد (يقصد أعمال الجهاد لتحرير البلاد من الاحتلال الإنكليزي)، وأن مؤسسها ﵇ كان قد وضع ضمن شروط المبايعة التي لا يمكن للمرء أن ينضم إلى الجماعة بدونها، وهو ضرورة أن يتعهد الشخص بأن يطيع الحكومة القائمة، ولهذا قد اجتنب أعضاء هذه الجماعة الفتنة والفساد، وأصبحوا أسوة وقدوة للآخرين" اهـ (٢).
ولسنا بحاجة أن نكثر النصوص في إثبات صلة القاديانية بالاستعمار، ولكن الذي يهمنا في هذا المقام أن نبين الدوافع التي تسببت في نشأة هذه الفرقة، ولقد سبقت الإشارة في تمهيد هذا الباب من أن ترك الجهاد وإنكار السنة قضيتان قد قامتا لخدمة الاستعمار، فكل زعامة نادت بأحدى هاتين القضيتين أو بكلتيهما ساندها الاستعمار وشجعها الاستشراق، فالقاديانية نادت بكلتيهما.
أما الجهاد الذي أقلق الاستعمار وشغل خاطر الاستشراق فأفتى الميرزا غلام أحمد القادياني بكل صراحة بحرمته في عصره، وكتب كتابات طافحة بذلك ومن ذلك قوله: "لقد ألغي الجهاد في عصر المسيح الموعود إلغاءً باتًا" اهـ (٣).
стр. 641
وأما السنة النبوية التي حسدها المستشرقون في بقائها بكل ثبوت عند المسلمين، وخافوا من عودة المسلمين بالتمسك بها إلى أصل الدين الحنيف، فأنكرها غلام أحمد القدياني بالدعوة إلى اتباع نفسه والتمسك بما اخترع من دين فيقول في ذلك:
"فكلما ذكرت مرارًا أن هذا الكلام الذي أتلوه وهو كلام الله بطريق القطع واليقين كالقرآن والتوراة، وأنا نبي ظلي (١)، وبروزي (٢). من أنبياء الله، وطاعتي واجبة على كل مسلم في الأمور الدينية وكما يجب على كل مسلم أن يؤمن بأني المسيح الموعود، وكل من بلغته دعوتي فلم يحكِّمني، ولم يؤمن بأني المسيح الموعود، ولم يؤمن بأن الوحي الذي ينزل عليّ من الله، هو مسئول يوم القيامة ومحاسب في السماء وإن كان مسلمًا، لأنه قد رفض الأمر الذي قد وجب عليه في وقته، إنني لا أقتصر على قولى: "أنني لو كنت كاذبًا لهلكت"، بل أضيف إلى ذلك أنني صادق كموسى وعيسى وداود ومحمد ﷺ ، وقد أنزل الله لتصديقي آيات سماوية تربو على عشرة آلاف، وقد شهد لي القرآن، وشهد لي الرسول ﷺ وقد عين الأنبياء زمان بعثتي، وذلك هو عصرنا هذا، والقرآن يعيّن عصري، وقد شهدت لي السماء والأرض، وما من نبي إلا وقد شهد لي" اهـ (٣).
وإن كانت هذه الدعوى حرب على الكتاب والسنة بل على جميع الكتب السماوية إلا أنه قد يعترف أحيانًا بأن القرآن كلام الله وهو يتبعه، ولكن السنة النبوية لم يشر قط في كتاب من كتبه أنه يعمل بما ثبت عن النبي ﷺ من السنة أو يتبع منهج الصحابة في ذلك.
стр. 642
يقول الشيخ عبد الله السامرَّائي: "لقد جرّب المستعمرون وسائل كثيرة في محاربة الإسلام عن طريق القوة، وعن طريق الإفساد الحضاري بواسطة الإغراء بالمال والسلطان وعن طريق الإكراه والاضطهاد فلم يحصد من ذلك إلا الكراهية والعناد والإصرار على المقاومة، فأدركوا أن خير وسيلة لمحاربة الإسلام وإضعافه في محاربته من الداخل عن طريق قيام حركة دينية تتحدث باسم الإسلام، وتدين بمبادئه، وترفع شعاراته، وتدخل في حوار مع واحد من أسسه، وتتحرك عبره في سبيل تفجيره من الداخل فالانتقال منه إلى إشعال الحريق في المبادئ الأخرى، ولما كانت مبادئ الإسلام متكاملة متفاعلة مع بعضها فإن الدخول إلى محاربتها يكون قويا عند اختراق مبدأ النبوة الذي هو الأساس المتين للعقيدة الإسلامية، وإن ركوب موجة النبوة يصلح أن يكون مدخلًا لهدم الإسلام من الداخل والهجوم على بقية مبادئه" اهـ (١).
وقد جاء في وثيقة بريطانية باسم " The arrival of British Empire in India" - وتؤيده القرائن الخارجية- أن إنكلترا أرسلت وفدا من المفكرين (المستشرقين) البريطانيين والزعماء النصارى في سنة ١٨٦٩ م إلى الهند لدراسة الوسائل والطرق التي يمكن أن تتخذ لتسخير المسلمين وحملهم على طاعة السلطة البريطانية، فلما رجع الوفد قدّم تقريرين وذلك سنة ١٨٧٠ م وذكر فيهما: أن أكثر المسلمين في الهند يتبعون زعماء هم الدينيين اتباعا أعمى، فلو وجدنا شخصا يدعي أنه نبي حواري لاجتمع حوله كثير من الناس، ولكن ترقيب شخص كهذا أمر في غاية الصعوبة، فإن حلت هذه المسألة، فمن الممكن أن ترعى نبوة هذا الشخص بأحسن وجه تحت إشراف الحكومة، والآن -ونحن مسيطرون على سائر الهند- نحتاج إلى
стр. 643
مثل هذا العمل لإثارة الفتن بين الشعب الهندي وجمهور المسلمين وإضرابهم الداخلي (١).
فاختاروا لهذا الغرض رجلًا مناسبًا وأعدوه إعدادًا كاملًا فوقع الاختيار على الميرزا غلام أحمد القادياني حسب الخطة المرسومة من قبل الدوائر الاستعمارية، وكأن الخطة كانت متكاملة وشاملة للخطوط العريضة التالية:
١ - أن يكون المرشح لتولي أمر الدعوى واحدًا من العوائل المشهورة بعمالتها للإنجليز والمعروفة تاريخيًا وعمليًا بولائها وخدماتها لهم.
٢ - أن يكون رجل الدعوى مسلمًا وممن اشتهر في الدفاع عن الإسلام، وعمل في حقل مقاومة خصومه وساهم فكريًا في الدفاع عنه، وله قدرة على الكتابة والخطابة، والانتقال من موقع فكري إلى آخر وفقًا لظروف وتطور الأحوال.
٣ - أن يمر المرشح في معارك ثقافية صاخبة، وأن يكون مستعدًا للدخول في "مختبر تجارب"، وينتقل عبره من حالة إلى أخرى ويلبس لكل حالة لَبُوسَها فيكون مرة رجل دينٍ مجددا وأخرى ملهما، وثالثة متصوفا حتى يصل إلى أعلى الدرجات.
٤ - أن يختبر هذا المرشح في إخلاصه وولائه للمستعمرين الإنجليز، وفي استعداده لتبني بدعة منافية للإسلام، لأنه يظل أمينًا على مهمته حتى آخر الشوط.
٥ - أن تكون فيه مواصفات الزعامة الدينية، ولديه مقوِّمات القيادة الفكرية والاجتماعية بحيث يكون قادرًا على زعامة دعوة تقف بمستوى العقيدة الإسلامية.
هذه الشروط والملامح كانت موجودة في شخصية الميرزا غلام أحمد، وإن كانت هناك أمور لم تكن بالدرجة المطلوبة، فإن المستعمرين الإنجليز عملوا على
стр. 644
توفيرها وإعداد الميرزا لها وتجميع الأسس والعوامل الكفيلة باكتسابها من قبله بحيث تكون قائمة فيه (١).
صلتها بالاستشراق:
وأما صلتها بالاستشراق فتبرز في النقاط التالية:
أولًا: إن الخطة المرسومة التي سبق ذكرها لم تحصل للدوائر الاستعمارية إلا بعد دراسة أوضاع المسلمين من قبل المستشرقين الحاذقين كما أثبتنا ذلك في تمهيد هذا الباب.
ثانيًا: إن الدعوى المذكورة دعوى النبوة لم تأت إلى حيز الوجود بين عشيّة أو ضحاها، إنما جاءت بعد تخطيط المستشرقين منذ أمد بعيد، وإذا راجعنا الفصول السابقة في هذا البحث يظهر لنا أن المنهجية الاستشراقية قد صنعت رجالًا أمثال سيد أحمد خان وجراغ علي، وأمير علي، وإقبال. وهؤلاء الرجال هم الذين مهّدوا الطريق لكل مدّع للنبوة من الكذابين والدجالين، فعرّف السيد النبوة بقوله: "ليست النبوة منحة إلهية يعطيها الله لمن شاء من عباده، إنما النبوة أمر فطري .... لا اختصاص فيها كعدم اختصاص آلاف الصلات والملكات الكامنة في النفس البشرية، قد يكون الإنسان بمقتضى فطرته مالكًا لقوة في فن من الفنون، ويعتبر فيه إمامًا ونبيًا كالحداد فهو إمام ونبي في فنه" اهـ (٢).
وعرّف إقبال النبوة بـ: "أنها عبارة عن أحوال وكشوفات من مكاشفات الصوفية إلا أن الصوفي معراجه لذة الاتحاد وأما الأنبياء فهم يجدون في أنفسهم قوى مستيقظة يمكن بواسطتها قلب الدنيا كلها، وتغيير الحياة الإنسانية بكاملها ... " اهـ (٣).
стр. 645
فتعريف السيد يرتكز على كون النبوة أمرًا فطريًا، وعلى هذا قد اعتبر السيد "إيديسن" (Adison) و "سيتل" (Seattle) الإنكليزيين من الأنبياء (١).
وأما تعريف إقبال فيلمح إلى أن النبوة أمر كسبي وعلى هذا الأساس شعر إقبال وجود شأن النبوة في الغزالي كما حصلت هذه المنزلة في نظره لـ "كانت" (Cant) في ألمانيا في القرن الثامن عشر الميلادي (٢).
سواءً كانت النبوة أمرًا فطريًا أو شيئًا كسْبيًا ففيه رفض لكون النبوة منحة إلهية، وكان هذا أكبر متمسك قد تمسك به الميرزا وجرّبه في حياته.
أضف إلى ذلك ما قاله إقبال في ختم النبوة: "ظهور الإسلام هو ظهور العقل الاستقرائي وفي الإسلام قد وصلت النبوة إلى عروجها وكمالها وأوجبت على نفسها الانتهاء" اهـ (٣).
قد ربط إقبال انتهاء النبوة بكمال العقل البشري أو العقل الاستقرائي فيتيبن من ذلك أن العقل البشري إذا ضعف عادت النبوة إلى وظيفتها.
فكانت هذه بعض المحركات والدوافع التي أوجدتها المنهجية الجديدة المتأثرة بالاستشراق، وهي أيضًا دفعت الميرزا إلى ادعائه بالنبوة.
ثالثا: إن الحالة الصحية التي كان يعانيها الميرزا المتنبئ من أمراض كثيرة وبخاصة منها مرض الهِسْتِيريا (Hysteria) أصيب بها في شبابه قد ناسبته، فكانت تصيبه النوبات العصبية العنيفة، وكان يغمى عليه في بعض هذه النوبات، وقد سبق أن ذكرنا أن سيد أحمد خان شبه هذه النوبات بالحالة التي أوحي فيها النبي ﷺ فقد قال: "ويسمع النبي كلام نفسه بأذنيه الخارجيتين كأن شخصًا يخاطبه من الخارج ويرى بعينيه الخارجتين، كأنه رأى شخصًا وقف أمامه .... مع فارق التشبيه نثبت أن الألوف منا من رأى حالات فاقدي العقل يسمعون أصواتًا دون متكلم
стр. 646
ويرون أشخاصًا في الخارج مع انفرادهم عن البشر، تلك كلها أوهام من أوهام لارتكاز كل قواهم واتجاهاته إلى شيء معين" اهـ (١).
وهذا الذي قد أصر عليه المستشرقون ليسوَّوا بين وحي السماء وبين ما يصيبه لفاقد العقل في حالة الصرع حتى لا يبقى هناك فارق بين النبوة والادعاء بالنبوة.
يقول المستشرق "لوثروب ستودارد": "كان محمد أميا لا يقرأ ولا يكتب ولم يكن فيلسوفا ولكنه لم يزل يفكر في هذا الأمر إلى أن تكونت في نفسه بطريق الكشف التدريجي المستمر عقيدة كان يراها الكفيلة بالقضاء على الوثنية" اهـ (٢).
وقال أيضا: "إن سبب الوحي النازل على محمد ﷺ والدعوة التي قام بها هو ما كان ينتابه من داء الصرع" اهـ (٣).
ويقول المستشرق "درمنغم": "وجعل (الرسول ﷺ يقضي ساعات طويلة (٤). جافيا في أطلال الغار، أو متقلبا تحت وهج الشمس، وسائرا بخطى واسعة في الشعاب، وكان كلما سار خيل إليه أن أصواتا تخرج من الحجارة ... هذه الكواكب تكون في ليالي صيف الصحراء من الكثرة وشدة النور ما يخيل معه أنه يسمع صوتا لِلَمَعَانِهَا كما يسمع صوت نار موقد كبير" اهـ (٥). ولقد ناقشنا مسألة اكتساب النبوة وفندنا هذه الشبهة في الفصول الماضية، فلا حاجة لتكرارها.
стр. 647
وهكذا قد نجح الاستشراق في بثّ فكرة اكتساب النبوة المعروفة عند اليهودية والنصارى في أوساط المسلمين، وأنبتت شجرتها في شخصية الميرزا، وجنت ثمارها في صورة القاديانية.
ومن خلال هذه الدراسة التي كانت حول نشأة الفرقة القاديانية يتبين لنا التاريخ التسلسلي لهذه الفرقة هو: أن الاستشراق قد أوجد الفرقة النيجرية، والفرقة النيجرية كانت سببًا لبروز الفرقة القاديانية، لأنه قد ثبت أن هناك ارتباطا وثيقا بين الفرقتين.
يقول إحسان إلهي ظهير: "اجتمع حوله (الميرزا) أو جمع حوله أشخاصًا مثله طماعون غدرة. باعوا ضمائرهم بالجنيهات والدولارات .... هؤلاء هم الذين يمولون (يغذون) نبوة غلام أحمد القادياني، والغلام القادياني ما كان إلا مذياعًا يذيع كل ما يشيرون عليه بإذاعته عليه، ويتفوه بكل ما يريدون أن يتفوهوا به، وهذا لا نقوله دون سند أو برهان بل ننقله من المتنبئ نفسه، فها هو يطلب المعونة والعون لكتاب يريد تأليفه (فيقول وهو يخاطب جراغ علي): "وصلني كتابكم الكريم، وسررت جدًا بوصوله، ومن قبل كنت أتمنى أن أؤدي خدمة للإسلام ولكن كتابكم شجعني أكثر وأكثر ... وإن وجد عندكم بعض المقالات فأرسلوها إليّ" اهـ (١).
ويقول أيضًا: "لم يصلني مقالكم في إثبات النبوة بعد وقد انتظرت طويلًا، فلذا أكلفكم مرة أخرى أن ترسلوا مقالكم هذا عاجلًا" اهـ (٢).
ويدل على هذا الارتباط الوثيق بين الفرقتين أيضًا توافق عقائد الفرقتين، وبخاصة الفرقة القاديانية اللاهورية التي يتزعمها محمد علي اللاهوري كان يعتقد بكل ما يؤمن به سيد أحمد خان من إنكار المعجزات وإنكار عالم الغيب من الجنة والنار والجن والملائكة.
стр. 648
أهم رجالات القاديانية
ومن أبرز هؤلاء نور الدين ، ومحمد علي، والميرزا بشير الدين ابن الغلام القادياني، ومحمود أحمد بن الغلام القادياني، وكمال الدين، ومحمد أحسن أمروهي، ويار محمد، وعبد الله تيمابوري، ومحمد صادق، وعلى رأس الجميع آنذاك كان نور الدين، ومحمد علي، ونخص هنا بذكر الترجمة: نور الدين، ومحمد علي، والميرزا بشير الدين محمود.
نور الدين:
الحكيم نور الدين بن الحافظ غلام رسول ولد سنة ١٨٤١ م الموافق ١٢٥٨ هـ، أخذ قسطًا من العربية والفارسية ومبادئ العلوم الأخرى والحساب والجغرافية، وقرأ بعض كتب النحو والمنطق والتوحيد. وبعد أن اشتغل مدرسًا ومديرًا لإحدى المدارس الابتدائية ترك الوظيفة، ولزم بعض الشيوخ ليزداد علمًا، ثم اشتغل طبيبًا في ولاية "جمو" منطقة كشمير الجنوبية (١).
وفي زمن إقامته في جمو تعرف بالميرزا غلام أحمد القادياني الذي كان مقيمًا في "سيالكوت" وتوثقت بينهما الصداقة، ولما ألف الميرزا "براهين أحمدية" ألف الحكيم كتاب "تصديق براهين الأحمدية" وبايعه الحكيم وانخضع له حتى قال فيه لما أُخبر بأن الميرزا ادعى النبوة: "لو ادعى هذا الرجل أنه نبي صاحب شريعة ونسخ شريعة القرآن لما أنكرت عليه" اهـ (٢).
ويقول الشيخ إحسان إلهي ظهير: "فالأول (نور الدين) قد اشتهر عنه أنه هو الصاحب الحقيقي لكل ما نسب إلى غلام أحمد المتنبئ من أول دعواه "التجدد" إلى
стр. 649
آخر دعواه "النبوة"، وقد ذهب إلى هذا الرأي الشيخ أبو الحسن الندوي كذلك (١)، وهذا ليس ببعيد لأن الغلام نفسه لم يدرس العلوم الشرعية من التفسير والحديث والفقه دراسة صحيحة منتظمة وخاصة اللغة العربية بخلاف نور الدين، فإنه درس اللغة العربية وأقام في الحجاز (٢).
إضافة إلى ما سبق إن نور الدين كان من أولئك الرجال الذين تلمذوا على أساتذة الفرقة النيجرية، وتمسك بالمنهجة المتأثرة بالاستشراق ورأي إخضاع الأحكام الشرعية والعقيدة الإسلامية للعلوم الطبيعية.
يقول الشيخ الندوي: "كان (نور الدين) قلق النفس، عقلي النزعة، تحرر في المذهب ورفض التقليد في بداية أمره، ثم تأثر بالمدرسة التي تدين بضرورة إخضاع الدين والعقيدة والقرآن لعلوم الطبيعة ونظراتها التي دخلت، عن طريق الإنجليز جديدة في الهند وتأويل كل ما عارض -وبالأصح ظهر أنه يعارض المقررات والمشهورات- الطبيعة في ذلك العصر، ولو تعدى ذلك إلى التعسف وتحميل اللغة العربية ما لا تحتمله، وجنح إلى تأويل المعجزات والحقائق الغيبية" اهـ (٣).
وانتقل إلى "قاديان" بعد اعتزاله عن الوظيفة عام ١٨٩٢ م وأقام بها، وبويع له بالخلافة بعد وفاة الميرزا عام ١٩٨١ م ولقب بالخليفة الأول، و"خليفة المسيح الموعود نور الدين الأعظم".
وبقي في خلافته ست سنوات حتى مات في ١٣ من مارس عام ١٩١٤ م، وكان قد استخلف الميرزا بشير الدين محمود ابن الميرزا غلام أحمد الأكبر (٤).
стр. 650
محمد علي اللاهوري:
لم تذكر المراجع تاريخ ولادته ومكان ولادته إلا أنه اشتهر باللاهوري نسبة إلى مدينة لاهور التي هي محل إقامته ومقر نشاطه في تكوين الجماعة القاديانية اللاهورية.
درس محمد علي دراسة عصرية عالية وحصل على شهادة ماجستير، ثم لم يجد عملا يعمل، فبقي معطلًا حتى اصطاده الاستعمار واشترى منه إيمانه، ودفعه إلى عميله الخائن المتنبئ القادياني الكذاب ليعمل معه ويساعده في هدم دين الإسلام وتشكيك المسلمين في عقائدهم وليبذر بذور الفتنة فيهم، فرتب له راتبًا ضخمًا (١).
في إبان ظهور الميرزا بدعوته عمل محمد علي معه أمينا للجماعة الأحمدية بقاديان، وكان ينوب عنه أحيانًا في إلقاء بعض البحوث في المؤتمرات بالهند (٢).
ولما أصدر الميرزا مجلة شهرية حسب إيعاز من الاستعمار "ريوو آف ريليجز" (Revive of Religions) لنشر الأفكار القاديانية الهدامة في أوساط المتعلمين المثقفين ثقافة عصرية، جعل محمد علي رئيس التحرير لها (٣).
ولما رأى الاستعمار أن علماء المسلمين أطبقوا على تضليل القاديانيين وتكفيرهم، وأصبح ذلك كلمة إجماع، لم يشذ منها إلا شاذ، وأفتوا وألفوا الكثير في ارتداد القاديانيين من دين الإسلام بسبب إيمانهم بنبوة الميرزا، وطالبوا من الحكومات بمحاكمة هذه الجماعة، وإخراجها عن دائرة الإسلام وإلحاقهم بغير المسلمين، خاف على نفسه من ضياع مجهوداته في سبيل إضلال المسلمين بهذه الفئة، فأشار عميله الأصغر محمد علي الذي كان يرأس الجماعة المخالفة في القاديانية لأطماعه الذاتية بأن
стр. 651
يكون جماعة جديدة بإمارته، ويعلن أن دعوى غلام أحمد لم تكن دعوى النبوة، إنما كان يدعي بأنه مجدِّد ومحدَّث، لينخدع من المسلمين من يخدع من جديد ويقترب إلى غلام أحمد الكذاب، ومن ثم يسهل إدخاله في القاديانة وإخراجه من حيز الإسلام، وهكذا تكونت الجماعة اللاهورية حسب أوامر الاستعمار ومطامع محمد علي (١).
فأعلن محمد علي مكرًا وخداعًا فقال: "أُنشدُكم بالله (أيها القاديانيون) إن صح الاعتقاد بأن النبوة لم تنقطع وأن الأنبياء لا يزالون في غدوّ ورواح إلى هذا العالم كما صرّح بذلك محمود أحمد في كتابه "أنوار الخلافة", فلماذا لا تزال هذه الطوائف التي تعد بالآلاف يكفر بعضها بعضًا؟ وغابت عنهم الوحدة الإسلامية؟ (٢).
وتمسك بكلام الميرزا في المرحلة الأولى، وحاول تأويل كلامه المتأخر في المراحل الأخيرة بقوله: بأن دعوى النبوة ودعوى الحلول كانت في حالة الوجد والكشف، كما ادعى ابن عربي وغيره من المتصوفة، وأوَّل معنى النبي بالمنبئ ومن كلامه في ذلك: "هذا بأن النبي بمعني المنبئ الذي يخبر عن ما يحصل في المستقبل" اهـ (٣). إلى غير ذلك من التأويلات الباردة.
وقد انتهز الباحث فرصة الجلوس مع القاديانيين اللاهوريين، وأخذ منهم أطراف الحديث عن حركتهم، فوجدهم في محاولة أن يثبتوا أنفسهم من ضمن المسلمين، وكما أن القوم يذكرون القرآن وقد يستدلون به أما الحديث النبوي فلا يعرفون منه شيئا، بل ينكرونه إنكارا شديدا بحجة أن الحديث اختلط الصحيح منه بالضعيف، وأهدوا إلى الباحث مجموعة من الكتب منها ما هو من تأليفات غلام أحمد القادياني في المرحلة الأولى، ومنها ما هو تأليفات أمير جماعتهم محمد علي اللاهوري،
стр. 652
وإليكم قائمة تلك الكتب المهداة لتعرفوا ما هي مراجع القوم يلتجئون إليها، وينشرونها بين أوساط المسلمين:
من كتب الميرزا غلام أحمد القادياني:
١ - حجة الإسلام: مطبعة رياض أمرتسر الهند ١٨٩٣ م.
٢ - البلاغ المبين: أحمدية أنجمن إشاعت إسلام بمبائي الهند.
٣ - مقدمة حقيقة إسلام مأخوذ من كتاب آئينه كمالات إسلام (مرآة كمال الإسلام) لم يذكر معلومات النشر.
٤ - تحفة بغداد باللغة العربية: الجمعية الأحمدية لإشاعة الإسلام، لاهور باكستان.
ومن تأليفات محمد علي اللاهوري:
٥ - بيان القرآن (في مجلدين ضخمين بطباعة فاخرة): الجمعية الأحمدية اللاهورية لاهور ١٤٠١ هـ.
٦ - وفات مسيح ونزول مسيح، الجمعية الأحمدية دلهي.
٧ - ردّ تكفير أهل قبلة الجمعية الأحمدية دلهي.
٨ - حقيقة اختلاف (في الفرقة القاديانية) الجزء الأول والجزء الثاني الجمعية الأحمدية دلهي.
٩ - جماعت أحمدية كي دو فريق (فريقتان من جماعة القاديانية) الجمعية الأحمدية دهلي.
١٠ - هماري عقائد (عقائدنا) لصدر الدين: الجمعية الأحمدية دلهي.
١١ - اسمه أحمد لصدر الدين: الجمعية الأحمدية بمبائي.
١٢ - لا نبي بعدي لشير محمد ملك: الجمعية الأحمدية دلهي.
١٣ - آسماني غواهي (الشهادة السماوية) لخورشيد عالم: مكتبة إشاعة الحق سرينكر كشمير الهند.
١٤ - أحمدي مسلمان هين (القاديانيون من المسلمين) أمر من المحكمة العليا قي الأفريقية الجنوبية ١٩٨٦ م.
стр. 653
أهدوا هذه الكتب كلها بدون مقابل، وهذا دليل واضح على أن القوم حريصون في الدعوة إلى ما يعتقدون، ويبذلون في سبيله أموالا ولا يُلقُون بها بالا، ومن أهم هذه الكتب تفسيره للقرآن الكريم باسم بيان القرآن (١).
وقد اطلع الباحث على الكتاب فوجد الرجل لا يختلف كثيرًا عما ذهب إليه السيد من تأويلات وتحريفات لإخضاع القرآن ومعانيها لعلوم الطبيعة فأنكر المعجزات (٢). وأنكر رفع المسيح (٣). وأنكر الجن (٤). وأنكر الغيبيات عامة (٥).
وهكذا قد تلاعب الرجل بالقرآن ومعانيها، وقد أشرنا إلى بعض تحريفاته ورددنا عليه في الفصول الماضية، وقد ذكر الشيخ أبو الحسن الندوي طائفة من تحريفاته في كتابه "القادياني والقاديانية" (٦).
وتبين مما سبق أن القاديانية لا تختلف في اتجاهها وعقائدها من النيجرية، بل عدّ بعض المؤلفين محمد علي اللاهوري هذا من أتباع سيد أحمد خان، وسنعرض بعض مبادئها وعقائدها فيما يلي:
المبادئ والعقائد
١ - عقيدة القاديانية في الميرزا غلام أحمد القادياني:
وقد انقسمت القاديانة في اعتقادهم تجاه مؤسسهم غلام أحمد القادياني إلى فرقتين:
стр. 654
فرقة: كان يرأسهم نور الدين يعتقدون أن غلام أحمد نبي الله ورسوله المرسل وأنه مسيح موعود ومهدي معهود.
كتبت جريدة قاديانية "الفضل": "إن غلام أحمد كان نبيا ورسولا في المعنى الذي يراد به الأنبياء والرسل السابقون" اهـ (١).
وقال الميرزا بشير أحمد بن الميرزا المتنبئ: "إن هذا الأمر متحقق بأن غلام أحمد كان نبيا ورسولا، وناداه محمد ﷺ باسم النبي، وخاطبه الله في الوحي بقوله يا أيها النبي" اهـ (٢).
والفرقة الثانية: التي كان يرأسها محمد علي اللاهوري يظهرون أن غلام أحمد ليس بنبي ولا رسول بل هو مجدِّد ومصلح وإن منكريه فجار.
يقول محمد علي اللاهوري: "أنا محمد علي اللاهوري أمير الجماعة الأحمدية اللاهورية أقسم بالله وأقول إن عقيدتي بأن حضرة الميرزا كان مجددا ولم يكن نبيا مرسلا، وإنما هو المسيح الموعود، وبتكذيبه لا يخرج أحد من حوضة الإسلام وهذه هي كانت عقيدة حضرة الميرزا" اهـ (٣).
ولكن هذه الأقوال لا يوافقها أقوال الميرزا ولا تعليماته ولا أقوال اللاهوريين أنفسهم أحيانا، فجاء نص في الجريدة السابق ذكرها: "نحن الخدامُ الأولون لحضرة المسيح الموعود، ونحن نؤمن بأن حضرته كان رسول الله الصادق الحق وقد أُرسل لإرشاد أهل هذا الزمن وهدايتهم، كما نؤمن أنه لا نجاة إلا في اتباعه" اهـ (٤).
стр. 655
بل قد عارض محمد علي نفسه وقال: "نحن نعتقد أن غلام أحمد المسيح الموعود والمهدي المعهود، وهو رسول الله ونبيه، وهو في منزلة بين منزلتين: منزلة النبي ومنزلة الرسول، وكما نحن نؤمن بأن لا نجاة لمن لا يؤمن به" اهـ (١).
٢ - عقيدتهم في الله:
يعتقدون بأن الله يصوم وينام ويصحو ويكتب يوقّع ويخطئ، ويجامع تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
قال الميرزا: "قال الله لي إني أصلي وأصوم وأصحو وأنام" اهـ (٢).
وقال أيضا: "قال الله إني مع الرسول أجيب وأخطئ وأصيب، إني مع الرسول محيط" اهـ (٣).
وأضاف قائلا: "أنا رأيت في الكشف بأني قدمت أوراقا كثيرة إلى الله تعالى ليوقّع عليها ويصدق الطلبات التي اقترحتها فرأيت أن الله وقّع على الأوراق بحبر أحمر، وكان عندي عبد الله أحد أتباعي وقت الكشف، ثم نقض الرب القلم، وسقطت منه قطرات الحبر الأحمر على أثوابي وأثواب عبد الله، ولما انتهى الكشف رأيت بالفعل أن أثوابي وأثواب عبد الله لطخت بهذه الحمرة، وقتئذ لم يكن عندنا شيء من اللون الأحمر، ولا تزال هذه الثياب موجودة عند عبد الله المذكور" اهـ (٤).
ذكر الميرزا كيفية تحوله إلى المسيح الموعود بقوله: "ففي المرحلة الأولى أدركت نفسي كأنني امرأة (مريم بنت عمران)، وأن الله قد أظهر فيّ قوته الرجولية فحَبَلْتُ،
стр. 656
وبعد مدة لا تتجاوز عن عشرة أشهر تحولت من مريم إلى عيسى بن مريم" اهـ (١) وهكذ افترى هذا الكذاب المفتري على الله الكذب.
٣ - موقفهم من النبوة وختمها:
تعتقد القاديانية بأن النبوة لم تختم بمحمد ﷺ بل هي جارية إلى يوم القيامة، والله يرسل الرسل حسب الضرورة، وأن الميرزا هو أفضل الأنبياء جميعا.
قال الميرزا: "إن من نعم الله أن يجيء الأنبياء وأن لا تنقطع سلسلتهم، وهذه سنة الله لا تستطيعون تجابهه" اهـ (٢).
وقال أيضا: "إن الله آتاني ما لم يؤت أحدا من العالمين" اهـ (٣).
وقال أيضا: "أنا وحدي أعطيت كل ما أعطى جميعُ الأنبياء" اهـ (٤).
وقال الميرزا محمود أحمد بن الميرزا القادياني: "نحن (القاديانية) نعتقد بأن الله لا يزال يرسل الأنبياء لإصلاح هذه الأمة وهدايتها على حسب الضرورة" اهـ (٥).
ويقول أيضا: "هل يفهمون أن خزائن الله قد نَفِدت، .... ففهمهم هذا خطأ لأنهم لا يعرفون قدرة الله، وإلا فأين النبي الواحد، بل هناك سيأتي آلاف من الأنبياء" اهـ (٦).
стр. 657
٤ - اعتقادهم في الوحي والقرآن:
يعتقد القادياني بأن الملك الذي جاءه كان شابا إنكليزيا، والوحي الذي أوحي إليه كان باللغة الإنكليزية:
يقول الميرزا عن نفسه: "إني رأيت ملكا في صورة شاب إنكليزي لم تتجاوز عشرين سنة، وهو جالس على كرسي، وأمامه منضدة فقلت له: إنك جميل جدا فقال: أي نعم ثم أوحي إلي بالإنكليزية " I love you" يعني أنا أحبك، " I am with you" يعني أنا معك " I shell help you" يعني أنا سأنصرك فارتجف بعد ذلك جسمي ثم ألهمت " I can do what I want" يعني أنا أستطيع أن أفعل ما أريد، ففهمت النطق واللهجة كأنه إنجليزي يتكلم عند رأسي" اهـ (١).
وقال أيضا: "قد جاءني جبريل واختارني، وأشار بإصبعه إليّ، وقال: يحفظك الله من الأعداء" اهـ (٢).
وقال أيضا: "والله العظيم إنني أؤمن بوحيي كما أؤمن بالقرآن، وبقية الكتب المنزلة من السماء، وأنا أؤمن بأن الكلام الذي أنزل عليّ قد جاني من الله، كما أؤمن بأن القرآن نزل من عنده" اهـ (٣).
ويعتقدون بأن كتابهم منزل من الله واسمه "الكتاب المبين" وهو غير القرآن الكريم.
يقول محمد يوسف القادياني: "إن الله سمى مجموعة إلهامات غلام أحمد بـ "الكتاب المبين"، وسمى الإلهام الواحد آية، فالذي يعتقد بأنه لا بد للنبي أن يكون صاحب كتاب، عليه أن يؤمن أيضا بنبوة غلام أحمد ورسالته، لأن الله أنزل عليه كتابا وسماه بالكتاب المبين، وقد أثبت له هذا الوصف ولو كره الكافرون" اهـ (٤).
стр. 658
٥ - مدينة "قاديان" عندهم كالمدينة المنورة ومكة المكرمة:
جاء في جريد الفضل قاديانية: "ما هي قاديان؟ قاديان هي آية باهرة من آيات جلال الله، وقدرته، كما قال حضرة المسيح الموعود، وهي أيضا دار خلافة رسول الله، مسكن المسيح ومولده، ومدفنه، وفي هذه القرية بيت كان يسكنه منجي العالم وقاتل الدجال، ومكسر الصليب، ومظهر دين الإسلام على جميع الأديان" اهـ (١).
ويقول الخليفة الثاني للقاديانية محمود أحمد ابن الميرزا: "أقول لكم حقا إن الله أخبرني بأن أرض قاديان ذات بركة، وتنزل فيها نفس البركات التي تنزل في مكة المكرمة والمدينة المنورة" اهـ (٢).
وجاء في جريدة الفضل: "إن المقصود من الأقصى في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٣) هو "مسجد القاديان"، لأن الرسول ﷺ أسري به إلى هذا المسجد الذي يقع في شرقي قاديان والتي هي صورة حية لكمالات الغلام وبركاته، والذي وهبه رسول الله ﷺ " اهـ (٤).
هذه دعوة سافرة من القاديانية للمسلمين لصرف أنظارهم من القدس والمسجد الأقصى.
٦ - القاديانية دين جديد وشريعة مستقلة:
يعتقدون بأنهم أمة يدينون بدين جديد ولهم شريعة مستقلة وأصحاب الميرزا بمنزلة أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 659
قال الميرزا: "إن أمتي تنقسم إلى قسمين، قسم يختار لون المسيحية ويهلك، وقسم يختار لون المهدوية" اهـ (١).
وقال أيضا: "فافهموا ما هي الشريعة، فالشريعة، هي عبارة عن بيان أمر ونهي، فمن فعل هذا وقنن لأمته قانونا، صار صاحب الشريعة، فأنا صاحب الشريعة لأنه يوحى إليّ الأوامر والنواهي، وليس من الضروري للشريعة أن تكون مشتملة على أحكام جديدة، لأنه ما يوجد في القرآن من التعليمات، يوجد في التوراة، وإلى هذا أشار الرب ﵎، إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى" اهـ (٢).
وقال أيضا: "من دخل في جماعتي فإنه دخل في الحقيقة في صحابة سيد المرسلين" اها هـ (٣).
وجاء في جريدة الفضل: "إن كل من رأى غلام أحمد المسيح الموعود معتنقا بالقاديانية يقال له صحابي" اهـ (٤).
وبالجملة قد تبين لنا من النصوص القاديانية السابقة الصريحة بأن القاديانة دين لا تمت بالإسلام بشيء، بل هو دين مضاد ومضاه للدين الإسلامي الحقيقي وقائم على أساسيين غير أساس التوحيد والرسالة.
ولقد صرح بذلك غلام أحمد القادياني بقوله: "من ديني الذي أنا أبديه للناس مرة بعد أخرى هو: أن الإسلام منقسم إلى قسمين:
الأول: أن تطيع الله تعالى.
والثاني: أن نطيع الحكومة التي بسطت الأمن وأظلتنا بظلها وحمتنا من أيد الظالمين، وهذه الحكومة هي الحكومة البريطانية (٥).
стр. 660
ولذلك قد نصت المحكمة الشرعية المركزية الباكستانية بأن القاديانية بفرعيها هي أقلية غير المسلمة ولا يحق لها أن تسمي نفسها بالمسلمين ولا معابدها بالمساجد (١).
стр. 661
الملحق لبعض التراجم والتعريفات .
١ - أبو الكلام آزاد (ت ١٣٧٧ هـ): هو أحمد بن خير الدين الكلكتوي المشهور بأبي الكلام آزاد، وسماه والده محي الدين، وهو عربي الأصل من قبل أمه، واشتغل بالعلم من صباه، وعندما وجد أباه مستغرقا في تصوفه، خالفه في بعض المسائل، وهو في صغر سنه، فغضب عليه غضبا شديدا، فشمر آزاد عن ساق الجد في الطلب والتحصيل، فقرأ بعض الكتب على أساتذة كلكته ثم على أساتذة بمبي، ولما حصلت له الملكة الراسخة في معرفة اللغة العربية، أقبل على دراسة الكتب وجدّ واجتهد، ... وأيد مبدأ ترك موالاة الحكومة الإنكليزية، ومقاطعة البضائع الأجنبية، ورأس مؤتمر الخلافة في آكره، واعقلته الحكومة الإنكليزية سنة ١٣٣٩ هـ، وأدلى أبو الكلام ببيان في محكمة في أسلوب أدبي بليغ، كان له الأثر العميق في نفوس المسلمين والمواطنين، وأطلقته الحكومة سنة ١٣٤٢ هـ، وألف في السجن كتابه المشهور "غبار خاطر" (أفكار وخواطر)، وتلقاه الشعب بحماس وترحيب، وبعد ما استقلت البلاد أصبح وزير التعليم للبلاد. (نزهة الخواطر لعبد الحي اللكهنوي بتصرف: ٨/ ١٥).
٢ - إخوان الصفا: هم عصابة منتمية إلى طائفة الإسماعيلية من الشيعة الباطنية، تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، وكان يرأسهم أبو سليمان المنطقي السجستاني، ووضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله، وهذا المذهب مَزْجُ الفلسفة بالدين. (إخوان الصفاء لعمر الدسوقي -دار نهضة مصر للطبع والنشر- القاهرة ط / ٣ ص: ٥٤).
٣ - الدراية عند السلف: قال ابن الأكفاني معرفا للدراية عند المحدثين: (هو) علم يعرف منه حقيقة الرواية، وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الرواة، وشروطهم، وأصناف المرويات، وما يتعلق بها. (تدريب الراوي لجلال الدين السيوطي ص: ٤٠، وينظر للتفاصيل معجم مصطلحات الحديث ولطائف الأسانيد لـ د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي ص: ١٦٦).
стр. 662
٤ - الرومي: هو محمد جلال الدين بن بهاء الدين محمد بن الحسين الخطيبي البكري، ولد ببلخ في ٦/ ربيع الأول ٦٠٤ هـ، ونشأ في بيت أكثر أفراده ممن اشتهر في التصوف، ولم يتوجه الرومي إلى العلم إلا متأخرا من عمره، فتعلم على يد برهان الدين، وأمره أستاذه بالاستغراغ في الرياضة الصوفية مدة مائة وعشرين يوما، وبعد أن توفي والده جلس في مسنده، وبدأ يأخذ البيعة على طريقته، وكان متأثرا جدا بالإمام الغزالي، ونهج منهجه في التصوف والفلسفة، واستباح الموسيقة والرقص في الرياضة الصوفية، واستدل على إباحته بما قاله الغزالي في إحياء العلوم في باب آدب الوجد والسماع. (مولانا رومي حيات وأفكار لبشير محمود أختر ص: ٥٠ وما بعدها).
٥ - الغزالي (٤٥٠ هـ - ٥٠٥ هـ): هو الإمام الزاهد أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي، ولد بطوس واشتغل بها ثم جال البلاد لأخذ العلم، ودخل بغداد فصار مدرسا بالنظامية، وأقام بدمشق عشر سنين، ثم انتقل لمصر والإسكندرية، ثم رجع لبغداد وعقد بها مجلس وعظ، وتوفي بطوس وقيل بقضبة طائران. قال ابن تيمية: بضاعته في الحديث مزجاة، وقال أبو بكر ابن العربي: شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلسفة، ثم أراد أن يخرج منها فما قدر. وحكى علي القاري أن الغزالي مات وكتاب الصحيح للبخاري على صدره، وهذا يرشدك إلى أنه رجع آخرا عما ذهب إليه أولا. (التاج المكلل للشيخ السيد صديق حسن القِنَّوجي بتصرف ص: ٣٨٨).
٦ - ولهاوسن J. Welhausen (١٢٦٠ - ١٣٣٦ هـ / ١٨٤٤ - ١٩١٨ م): هو يوليوس ولهاوسن مستشرق ألماني. كان من أساتذة مدرسة "غوتنجن"، صنف بلغته كتبا في تاريخ الدولة الأموية ودين العرب في الجاهلية، ونشر بالعربية مع ترجمته الألمانية، وصنف التآليف في تاريخ العرب قبل الإسلام وآثارهم الدينية والمدنية، ثم تتبع أخبارهم بعد الإسلام في عهد بني أمية وبني العباس إلى سقوط تلك الدولة، وله
стр. 663
تآليف أخرى عن الأسفار المقدسة، ذهب فيها مذهب الإباحيين (الأعلام للزركلي: ٨/ ٢٦٠).
٧ - كتب اليهود الدينية: التسمية الكاملة للكتب الدينية عند اليهود: التوراة ونَبيئيم وكُتبيم، ونحتوا من الأحرف الأول لهذه الكلمات كلمة "التناخ" من تاء التوراة، ومن نون نبيئيم وكاف كتبيم التي أصبحت خاء لوقوعها بعد المد، والنصارى يسمون هذه المجموعة بالعهد القديم تمييزا لها من كتبهم الدينية التي يسمونها العهد الجديد. (من كلام الدكتور ف. عبد الرحيم حفظه الله).
٨ - الغزنوي: هو السلطان محمود سبكتكين الغزنوي أول فاتح بعد الفتح العربي للهند، فدخل الهند عن طريق الجبال الشمالية الغربية سنة ٣٩٢ هـ / ١٠٠١ م، قال المستشرق بروكلمان كانت حياة السلطان محمود حافلة بالمغازي، ولقد سار بجيشه إلى الهند مرة بعد أخرى وكانت فتوحاته ذات تابع إسلامي، فأعلن في كل مكان أنه ناشر لدين الإسلام وحضارة العرب، فأنعم عليه خليفة بغداد بلقب "يمين الدولة"، وقد اعترف بهذه الحقيقة المؤرخ الغربي المستشرق جوستاف لوبون، واستمر حكم الغزنويين في الهند إلى نحو عام ٥٨٢ هـ / ١١٨٦ م. (ينظر لترجمته الكامل في التاريخ لابن الأثير: ٨/ ٢٠، وتاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص: ٢٦٨، وحضارة الهند لجوستاف لوبون ص: ٢١٨). ٩ - دفاع عن أبي حنيفة: قال الإمام أبو حنيفة ﵀: "آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فإذا لم أجد فيه أخذت بسنة رسول الله ﷺ ، الآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه من شئت ... "، وكان الإمام يتشدد في قبول الحديث والعمل به لأن العراق كثر فيه وضع الحديث، فوضع شروطا لقبول الحديث لم يسلم منها إلّا القليل. (ينظر تارخ بغداد للخطيب البغدادي ١٣/ ٣٦٩، وينظر المدخل في الفقه الإسلامي للدكتور مصطفى شلبي ص: ١٧٢).
(أ) الاستنتاجات
إن الحمد لله الذي بفضله ومنّه وكرمه وتوفيقه تتمّ الصالحات والصلاة والسلام على عبده ورسوله الذي أمر أمته بإخلاص النيات وحثهم على إتقان الأعمال.
أما بعد:
فبعد هذه الجولة العلمية الممتعة يمكن الباحث أن يوجز أهم النتائج التي خلصت إليها دراسته في النقاط التالية، وهي في الوقت نفسه تكون إجابة عن الأسئلة التي بدأ بها الباحث بحثه تحديدا للمشكلة المراد دراستها.
أولا: ما سمات المنهج العقدي السائد قبل الاستشراق في الهند ؟
* دخل الإسلام إلى الهند زمن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وأهل الهند لم يعرفوا إلّا القرآن والحديث، ولم يعلموا إلّا ما صح عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى مدة ثلاثه القرون المفضلة، وهذا بالطبع هو منهج أهل السنة والجماعة.
* بدأ الانحراف عن المنهج السني في القرن الرابع الهجري، حين تتابعت الفتوحات من جهة إيران وأفغانستان، فدخلت المناهج العديدة إلّا أن الغلبة قد كتبت للمنهج الكلامي المتمثل في الأشعرية الماتريدية الممتزج بالصوفية.
* مع مرور الزمن ازدادت الفتن والأهواء وبلغ الضلال إلى منتهاه عندما ملك البلاد الملك أكبر المغولي الملحد، ولكن في الوقت نفسه كان هذا بداية رجوع الناس نحو المنهج السني الصحيح.
* وفي مثل هذه الآونة الصعبة قيض الله العلماء المخلصين فقاموا بالتجديد، وتلك الجهود الجبارة التي بذلوها شقت الطريق إلى المنهج الصحيح، فبدأ المنهج السني يظهر ويختفي وبجانبه المنهج الكلامي كان سائدا عند عامة المسلمين وعلمائهم، كما أنه لم يخل زمن من وجود الشيعة الاثنى العشرية والإسماعيلية البهرة منذ ظهورهم في الهند.
стр. 667
ثانيا: ما طبيعة الظاهرة الاستشراقية في الهند من الناحية المنهجية خاصة ؟
* نشأ الاستشراق بديار الهند على أيدي رحالين من الغرب جابوا الهند ودرسوها، وكتبوا عنها تقارير وافية، فكانت هذه التقارير نبراسا اهتدت به الدول الاستعمارية لغزو الهند وما جاورها من البلاد الشرقية اقتصاديا وسياسيا ودينيا.
* قد مر الاستشراق عامة وفي ديار الهند خاصة في مراحله الأولى منطبعا بالصبغة الدينية المتمثلة قي التنصير، لأن البلاد لما سيطر عليها المستعمرون البريطانيون انتهز المنصرون بتشجيع الاستعمار لهم فرصة لتنصير المسلمين، فكان معظم من اشتغل في التنصير هم المستشرقون، فقد كانوا يعرفون لغة أو أكثر من اللغات الشرقية مع تعصبهم للديانة النصرانية.
* هذه الهجمة الشرسة قد أدت إلى ارتداد بعض المسلمين ولكن قد قاومها العلماء المسلمون خير مقاومة باللسان والسنان، حتى فشلت محاولة التنصير، وراجعت الحكومة البريطانية في تخطيطها، وعينت عددا من المستشرقين لدراسة أوضاع المسلمين من جديد، فتحول الاستشراق من مرحلة دينية تنصيرية إلى مرحلة أكاديمية استشراقية.
ثالثا: ما مدى تأثير الاستشراق في إعطاء سمات جديدة للمنهج العقدي بالهند ؟
* قد استخدم الاستشراق في مرحلته الإكاديمية البحث العلمي في تحقيق أهدافه، فحاول فيها المستشرقون تغيير الطرق المنهج الذي ينظر به المسلمون إلى دينهم وإلى عقيدتهم، وإحلال مناهج جديدة لدراسة العقيدة محل ما هو موجود لدى المسلمين.
* إن المنهج الاستشراقي مع ما فيه من النقائص وعدم الصلاحية ظهر بصورة براقة، واستخدم جميع الوسائل المتاحة له، فتأثر بعض المسلمين وأصبحوا فريسة للمنهج الوافد وتوصلوا إلى نتائج تعسفية عن عقيدة الإسلام ومصادرها.
стр. 668
* إن البعض الذين تأثروا بالمنهج الاستشراقي كانوا جبالا في شهرتهم، وأساطين الثقافة في مجتمعاتهم، لهم خدمات لا تنكر في مجال العلم والمعرفة، فكان الاستشراق حاذقا في اختيارهم ليتم هدفه في تأثيرهم في نفوس المسلمين.
* هم رجال لا نشك في نياتهم أرادوا الخير لشعبهم، واستخدموا للدفاع عن الإسلام جميع الوسائل المتاحة لهم إلا وسيلة واحدة هو المنهج السني الصحيح في العقيدة، فسقطوا فريسة أمام المنهجية الاستشراقية الغربية الوافدة.
* إن الخلل في المنهج التأصيلي كان من أهم مداخل المستشرقين لبث شبهاتهم، فتمكنوا من إحلال مناهج جديدة عما هو موجود لدى المسلمين في الهند كي تؤتي نتائجها المقصودة في إضعاف الإيمان عند المسلمين.
رابعا: ما هي الآثار التي تركها المنهج الجديد على المسائل العقدية ؟
* إن المنهج الجديد بشتى أنواعه أثر على كل مسالة من المسائل العقدية بداية من توحيد الباري تعالى إلى نزع السلطة التشريعية عن صاحبها ﷺ ، فأنكر من تأثر منهم حقيقة أصل الإنسان، والجنة، والنار، والملائكة، والجن، والشياطين.
* إن المستشرقين لم يأتوا بشيء جديد إنما رددّوا تلك الشبهات القديمة في قالب جديد، لأن الشبه المثارة حول العقيدة الإسلامية فقد أشار إليها القرآن مع الرد عليها، وعلى ذلك يمكن القول بأن المستشرقين والمتأثرين بهم رددوا تلك الشبهات نفسها، وضخموها دون الإشارة إلى تفنيد القرآن لها.
* إن منهج الأثر والتأثر قد عمل عمله عند المستشرقين وعند المستغربين سواء بسواء، لأن المستشرقين قد أخذوا شبهاتهم من أصحاب الفرق الضالة، بل من المستغربين أنفسهم، لأن التتبع الزمني في البحث قد أسفر أن بعض المستشرقين المذكورين في البحث قد جاؤوا بعد بعض المستغربين أنفسهم.
стр. 669
* قد حاول المنهج الجديد بنظرته المادية أن يكون عالم الغيب معترفا به بأي شكل من الأشكال التي يعترف بها المعامل الغربية، حتى ولو أدى ذلك إلى إنكار الحقائق الثابتة عندنا بالكتاب والسنة والإجماع.
* قد أرادوا تضييق الفجوة بين مبادئ الدين عند المسلمين وبين مفهوم الدين عند الغرب، فجاؤوا بتعريفات لمسائل العقيدة توافق ما عند الأعداء، حتى يخف الصدام الواقع بين المبادئ التي عندنا وعندهم.
خامسا: ما مدى تأثير الاستشراق على تفريق المسلمين ؟
* لما رأت الحكومة البريطانية أن أطماعها قد فشلت في تنصير جميع الشعب الهندي أو تحويلهم إلى الإسلام المصبوغ بالصبغة الغربية، أسرعت في الحصول على أدنى مطلب ولكنه أعلى مقصد في ذاته ألا هو تفريق المسلمين في عقائدهم لتستمر لها السيادة عليهم.
* نشط المستشرقون البارعون للحصول على الغرض المذكور فكتبوا كتابات حول الفرق وشجعوا كل من نادى بحرية الفكر في الدين وفغذوه من منابيع الانحراف القديم مثل الاعتزال والتشيع، فانقسم المسلمون إلى فرق وجماعات.
* إن ترك الجهاد وإنكار السنة قضيتان قد قامتا لخدمة الاستعمار، فكل زعامة نادت بإحدى هاتين القضيتين أو بكلتيهما ساندها الاستعمار، وشجعها الاستشراق.
سادسا: ما هو النقد البناء لتلك الآثار الاستشراقية في الدراسات العقدية منهجيا وموضوعا ؟
* إن النقد البناء أو التقويم السديد لتلك الآثار يكون بتقرير المنهج السني السليم الذي كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وذلك يتم في ضوء الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، ثم بعرض تلك الآثار على هذا الميزان لكي يرجع القول إلى صوابه ويعود الحق إلى نصابه.
стр. 670
* لا يكفي أحدا من الناس أو فرقة أن تدعي النجاة حتى تعرض نفسها وأقوالها وأعمالها واعتقاداتها على الكتاب والسنة، كما لا يكفي أحدا أن يستدل بالكتاب والسنة حتى يقف على فهم الصحابة رضوان الله عليهم لهذين المصدرين.
* إن الخلل في المنهج كان من أهم مداخل المستشرقين لبث شبهاتهم بين المسلمين، فليراجع جميع المسلمين وبخاصة العلماء منهم المنهج الذي يصيرون عليه في فهم دينهم وعقيدتهم.
* عدم التقيد بالمعنى الشرعي للمصطلحات الدينية كان من أهم مزلات المتأثرين بالاستشراق، لأن المعنى اللغوي مهما بلغ العالم في تحقيقه لم يعرف مراد الله ومراد رسوله إلا إذا وقف على فهم السلف الصالح لها في ضوء الكتاب والسنة.
* عدم الرجوع إلى جميع النصوص الواردة في مسألة معينة والاقتصار على بعضها دون البعض الآخر كان من أسباب انحراف المتأثرين بالاستشراق لأنهم يستندون إلى بعض النصوص ويتركون البعض الآخر.
* إن نتيجة البحث قد أسفرت أن الشاعر الإسلامي محمد إقبال كان من المتأثرين كثيرا بالمنهج الاستشراقي الوافد وإن كنا قد عددناه في بداية البحث من المتأثرين جزئيا، وأن السيد مهدي علي كان من المتأثرين بالاستشراق جزئيا وإن كنا قد عددناه في بداية البحث من المتأثرين كليا.
* إن الشاعر محمد إقبال والسيد أحمد خان قد كثرت شبهاتهما وتشابهت كثيرا إيراداتهما حول العقيدة، إلا أن السيد قد كفره جمهور العلماء في الهند، ولم يكفروا إقبالًا.
* فأوضحت نتائج البحث بأن السر في ذلك أن السيد تكونت حوله جماعة أخذوا ينشرون أفكاره، وأما إقبال فلم يكوّن حماعة فانحصرت الشبهات في نفس الشاعر، وإن نشر بعضها في كلامه الشعري لم يدرك الناس حقيقتها أو أولوها لأن الشعر يحتمل معان، ثم إن إقبالًا نادى بالتصوف الذي هو أساس الدين عند غالبية المسلمين