Полный текст (6 828 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
(٨٤) مشكل إعراب القرآن، لمكي القيسي، تحقيق: ياسين السواسي، دمشق: دار المأمون للتراث، ط: ٢.
(٨٥) معاني الحروف، للرماني، تحقيق: د. عبد الفتاح شلبي، جدة: دار الشروق، ط: ٢، ١٤٠١هـ / ١٩٨١م
(٨٦) معاني القرآن، للفراء، تحقيق: محمد علي النجار، وأحمد يوسف نجاتي، بيروت: عالم الكتب، ١٩٨٠م.
وط بيروت: عالم الكتب، ط: ٣، ١٤٠٣هـ.
(٨٧) معاني القرآن، للأخفش، تحقيق: د. فائز فارس، ط: ٢، ١٤٠١هـ.
(٨٨) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، تحقيق: د. عبد الجليل عبده شلبي، بيروت: عالم الكتب، ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م.
(٨٩) المعجم الأوسط لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد الحسيني القاهرة: دار الحرمين، ١٤١٥هـ.
(٩٠) المعجم الكبير للطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، ط: ٢، ١٤٠٤هـ.
(٩١) المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، وضعه عدد من المستشرقين، نشر:د. أ. ي ونسنك، ليدن: مكتبة بريل ١٩٣٦م.
(٩٢) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار الفكر.
(٩٣) المعرَّب من الكلام الأعجمي، للجواليقي، تحقيق: د. ف. عبد الرحيم، دمشق: دار القلم، ط: ١، ١٤١٠هـ ١٩٩٠م.
(٩٤) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
وطبعة أخرى بتحقيق د. مازن المبارك، ومحمد علي حمد الله، مراجعة: سعيد الأفغاني: بيروت، دار الفكر ط: ٥، ١٩٧٩م.
(٩٥) المقتصد في شرح الإيضاح، للجرجاني، تحقيق: د. كاظم بحر المرجان، منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراق: دار الرشيد، ١٩٨٢م.
(٩٦) المقتضب، للمبرد، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة، بيروت: عالم الكتب.
стр. 1122
(٩٧) المنصف، لابن جني، تحقيق: إبراهيم مصطفى، عبد الله أمين، مصر: مصطفى البابي الحلبي، ١٣٧٣هـ ١٩٥٤م.
(٩٨) المؤتلف والمختلف للآمدي، تحقيق عبد الستار أحمد فراج: القاهرة دار إحياء الكتب العربية ١٣٨١هـ ١٩٦١م.
(٩٩) نتائج الفكر في النحو، للسهيلي، تحقيق: د. محمد إبراهيم البنا، الرياض: دار الرياض.
(١٠٠) النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، بيروت: دار الكتب العلمية.
(١٠١) هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، لإسماعيل البغدادي، بيروت: ط مكتبة المثنى واستانبول: طبعة وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهية، ١٩٥٥م.
(١٠٢) همع الهوامع شرح جمع الجوامع للسيوطي، تحقيق وشرح: عبد السلام هارون، د. عبد العال سالم مكرم: الكويت: دار البحوث العلمية، ١٣٩٤هـ / ١٩٧٥م، وط: بيروت: مؤسسة الرسالة ١٤١٣هـ / ١٩٩٢م.
стр. 1123
ملخص الدراسة
(دفاعٌ عن المبني للمجهول في اللغة العربية)
تفند هذه الدراسة خطأ الاعتقاد الشائع بأن اللغة العربية لا تسمح بذكر الفاعل في جملة المبني للمجهول. وتثبت الدراسة أن اللغة العربية في نسق تام مع الظواهر اللغوية الموجودة في لغات العالم في ما يخص صيغة المبني للمجهول؛ مثل استخدام حروف الجر في ذكر الفاعل وأغلبية عدم ذكر فاعل المبني للمجهول التي تجعل جملة المبني للمجهول الخالية من ذكر الفاعل هي السائدة، بل والطبيعية في لغات العالم. وتعد هذه الدراسة إسهاماً في دراسات اللغة العربية ودراسات المبني للمجهول بصفة عامة إذ كشفت عن تطورين جديدين في اللغة العربية. الأول بروز صيغة جديدة ومتميزة لجملة المبني للمجهول وذلك باستخدام الفعل تَمَّ مع المصدر. أما الإسهام الثاني فهو استخدام التمييز (تمييز الفاعل) للتعبير أو للدلالة على الفاعل في جملة المبني للمجهول.
نبذة مختصرة عن الباحث (باللغة العربية)
أحمد فتح الله التاروتي، دكتوراة من جامعة كاليفورنيا، لوس أنجيلوس، سنة ١٩٩١م، في علم اللغويات التطبيقية، وعنوان أطروحة ألد كتوراة: "التعبير عن الزمن والهيئة في قواعد اللغة العربية ونصوصها" (Temporality in Arabic Grammar and Discourse) . يعمل أستاذ علم اللغويات التطبيقية المساعد في قسم اللغات الأجنبية، جامعة الملك فيصل، المملكة العربية السعودية. اهتماماته البحثية تتمحور حول التحليل اللغوي، تعلم وتعليم اللغات، بحوث الصف الدراسي، ودور اللغة في التربية والتعليم.
стр. 1124
العدد ٢٠
فهرس المحتويات
١- معاني الركوع والسجود في القرآن المجيد
٢- جزء فيه حديث أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيارهم خيارهم لأهله رواية ودراية
٣- البيان والتبيين لضوابط ووسائل تمييز الرواة المهملين
٤- صفة الرضا بين الإثبات والتعطيل وأثر الإيمان بها في حياة المسلم
٥- مواقف الطوائف من توحيد الأسماء والصفات
٦- الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع
٧- قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الكتاب والسنة
٨- حكم الأواني الذهبية والفضية وما مُوِّه بهما استعمالاً وبيعاً وشراء
٩- نظرة فقهية للإرشاد الجيني
١٠- العَقْلُ عند الأصوليين عَرْضُُ ودراسة
١١- المجاز عند الأصوليين بين المجيزين والمانعين
١٢- العلاقات السياسية بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية في عهد الخليفة هارون الرشيد
١٣- الوجود الإسلامي في صقلية في عهد النورمان بين التسامح والاضطهاد
١٤- جهود الملك عبد العزيز في عمارة عين عرفة
١٥- خَلَلُ الأُصُولِ فِي مُعْجَمِ الجَمْهَرَة
١٦- الأبنية المختصة باسم أو صفة في كتاب سيبويه
١٧- القياس الشكلي
١٨- مفهوم المجاز بين ابن سينا وابن رشد
١٩- ظاهرة التَّلَطف في الأساليب العربية
٢٠- صعوبات تعلم اللغة العربية لدى تلاميذ الطور الثاني من التعليم الأساسي في المناطق الناطقة بالبربرية والمناطق الناطقة بالعربية
٢١- المرأة الناقدة في الأدب العربي
٢٢- كتاب الإغفال وهو المسائلُ المصلَحَةُ من كتاب (معاني القرآن وإعرابه) لأبي إسحاق الزَّجَّاج
٢٣- كتاب الإغفال
٢٤- دفاع عن كتاب الله - القرآن ... والضرورة الشعرية
٢٥- محتويات الجزء الأول
٢٦- محتويات الجزء الثاني
стр. 1125
معاني الركوع والسجود في القرآن المجيد
د. إبراهيم بن سعيد بن حمد الدوسري
الأستاذ المساعد في قسم القرآن وعلومه، كلية أصول الدين
الرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
ملخص البحث
يتناول هذا البحث دراسة جميع ألفاظ الركوع والسجود في القرآن الكريم الواقعة في تسعة وأربعين موضعا من سوره المكية والمدنية.
وقد عني بجانب التفسير التحليلي المقارن، وذلك برصد معانيهما اللغوية والشرعية والمجازية، وحسبما اقتضته الآيات جرى تصنيفها إلى ثلاثة عشر موضوعا، ومن ثَمَّ دُرس كل موضوع في مبحث يتناول تلكم الآيات من خلال ما جاء في تفسيرها من نصوص الكتاب والسنة والآثار وأقاويل السلف والمفسرين، كما اقتضت الدراسة الاعتبار بالسياق وكذلك النظائر وسائر القرائن والدلائل من المكي والمدني والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك مما ينتهي بالبحث إلى الصحيح من الأقوال، وتعقّب المعاني الضعيفة وما لا يعوّل عليه، وهذا بالإضافة إلى توضيح ما جاور ألفاظ الركوع والسجود من المفردات الغريبة، مما يستلزمه البحث، وكذلك الإشارة إلى بعض المعاني البلاغية.
ويعتبر هذا البحث متصلا بعلم الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، وسلسلة ينبغي أن تتواصل على أيدي الباحثين، وإذا لم تستوعب مصادر الوجوه والنظائر ما في القرآن الكريم من المعاني فإن الدراسات في هذا الجانب المهم من علوم القرآن الكريم وتفسيره ضرورية لإبراز هدايات القرآن الكريم ودلالاته.
والله ولي التوفيق.
• • •
الحمد لله الذي دانت لعظمته العباد، وخضعت لعزته الرقاب، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما، أما بعد:
стр. 1126
فإن مما يثير التساؤل ورود صيغ الركوع والسجود في القرآن الكريم لمعان متعددة، واختلاف المفسرين ﵏ في تأويلها كذلك، فما معنى قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (البقرة /٥٨) ؟ وهل المقصود في قوله تعالى في شأن داود ﵇ ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ (ص/٢٤) الركوع الشرعي؟ وهل عفّر أبوي يوسف وأخوته وجوههم على الأرض سجدا ليوسف؟ وما كيفية سجود النجم والشجر وغيرهما؟ وهل هو حقيقة أو مجاز؟ كل ذلك يستدعي البحث والتدبر، مع ما للركوع والسجود من تاريخ عريق على اختلاف هيئاتها باختلاف الزمان وتعدد الأديان، ولا جرم أن أحدهما (١) كان أول تحية تلقاها البشر عند خلق العالم (٢) ، وهما من أهم أركان الصلاة وأدلهما على العبودية لله رب العالمين.
تعريف الركوع والسجود:
معاني الركوع والسجود تدور على ثلاثة محاور، وهي:
المعاني اللغوية.
المعاني الشرعية.
المعاني المجازية.
المعنى اللغوي:
الركوع: يكون في القلب بالخضوع، وفي الجسد بالانحناء وطأطأة الرأس (٣) .
والسجود: يشترك مع الركوع في معنييه، ويَفْضُلُ عليه بأنه يختص بوضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه (٤) والساجد أشد انحناء من الراكع (٥) .
стр. 1127
المعنى الشرعي: الركوع والسجود من أهم أركان الصلاة وأفضلها كما في صحيح مسلم (ت٢٦١هـ) عن ابن مسعود (ت٣٢هـ) ﵁ موقوفا: ((إن أفضل الصلاة الركوع والسجود (١)) ) ، ((أما الركوع فهو أن يخفض المصلي رأسه بعد القَومة التي فيها القراءة حتى يطمئن ظهره راكعاً (٢) ، قال أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) : ((ينبغي له إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه ويُفرِّق بين أصابعه، ويعتمد على ضَبْعَيه (٣) وساعديه، ويسوي ظهره، ولا يرفع رأسه ولا يُنكِّسه (٤)) ) ، ((وكل قومة يتلوها الركوع والسجدتان من الصلوات كلها فهي ركعة، ويقال ركع المصلي ركعة وركعتين وثلاث ركعات)) (٥) .
وأما السجود في الشرع فهو وضع الجباه على الأرض (٦) ولا بد معه من الطمأنينة (٧) ، وقد بينه الرسول (في الصلاة فيما رواه عنه ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵄ أن الرسول (قال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة (وأشار بيده على أنفه) واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكِفت الثياب ولا الشعر)) (٨) .
الحقيقة والمجاز:
الحقيقة: ((اللفظ الدالّ على معنى بالوضع الذي وقع فيه ذلك التخاطب)) (٩) .
والمجاز: ((اسم لما أُريد به غير ما وُضع له لمناسبة بينهما كتسمية الشجاع: أسدا)) (١٠)
وبين العلماء خلاف مشهور في وقوع المجاز في القرآن الكريم، بل وفي اللغة العربية، ومن نفاه يعتبر ما يُسمى مجازا - من الاستعارة والحذف والتعبير عن الكل بالجزء وغير ذلك - أسلوبا من أساليب اللغة، وذلك صيانة لكتاب الله تعالى من القول بجواز نفي ما أثبت، كنفي كثير من الصفات الثابتة لله جلّ وعلا في القرآن العظيم (١١) .
على أن من أجرى المجاز من المحققين قصَره على النصّ، وذلك بالرجوع إلى أهل اللغة المعتبرين، إذ إن المجازات واردة على خلاف الأصل الذي هو الحقيقة (١٢) .
стр. 1128
وقد حاول الزمخشري (ت٥٣٨هـ) أن يفرق بين الحقيقة والمجاز في الركوع والسجود، فقال ﵀: ((ومن المجاز لغبت (١) الأبل حتى ركعت، وهن رواكع إذا طأطت رءوسها وكبت على وجوهها ... وركع الرجل انحطت حاله وافتقر (٢)) ) وقال في مادة (سجد) : ((ومن المجاز شجر ساجد وسواجد وشجرة ساجدة: مائلة، والسفينة تسجد للرياح: تطيعها وتميل بميلها ... وفلان ساجد المنخر إذا كان ذليلا خاضعا، وعين ساجدة: فاترة، وأسجَدت عينَها: غضَّتها ... وسجد البعير وأسجد طأ من رأسه لراكبه (٣)) ) ، واعتبار ماسبق من المجاز غير الدقيق، حيث اعتبرته أكثر المصادر الأخرى حقيقة (٤) ، ولأنه كله يدل على الخضوع والانحناء، ((وإذا دار اللفظ بين احتمال المجاز واحتمال الحقيقة فاحتمال الحقيقة أرجح (٥)) ) .
وقد استعمل الركوع والسجود في أساليب متعددة أصولها راجعة إلى ما أشرت إليه في المعاني اللغوية والشرعية، وهي:
أنه يقال للمصلي: راكع، ويقال له أيضا ساجد (٦) .
ويقال للساجد راكع، وللراكع ساجد (٧) .
وهذه الأساليب جميعها قد استعملت في القرآن الكريم على خلاف بين المفسرين في تأويلها، وللسياق والقرائن والدلائل اعتباراتها في ذلك، وإن كان أكثر هذا الاختلاف من قبيل التنوع لا التضاد.
دراسة الآيات:
وقعت ألفاظ الركوع والسجود في القرآن الكريم في تسعة وأربعين موضعا، وتنتظم موضوعاتها فيما يلي:
أولا سجود المخلوقات جميعها لله رب العالمين.
ثانيا- سجود الملائكة.
ثالثا- سجود النبيين عليهم الصلاة والسلام.
رابعا- الرُّكع السجود في قصة نبي الله إبراهيم ﵇.
خامسا- سجود أبوي يوسف وإخوته له.
سادسا- سجود السحرة من بني إسرائيل.
سابعا- أمر بني إسرائيل بأن يدخلوا القرية سجدا.
ثامنا- ذكر ركوع نبي الله داود ﵇.
تاسعا- سجود الصديقة مريم وركوعها.
عاشرا- سجود مؤمني أهل الكتاب.
стр. 1129
حادي عشر- سجود الرسول محمد (وأمته وركوعهم.
ثاني عشر- سجود الكفار وركوعهم.
ثالث عشر- أمر اليهود بالركوع.
أولا - سجود المخلوقات جميعها لله رب العالمين:
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الرعد/١٥) .
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل/٤٨،٤٩) .
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (الحج/١٨) .
وقال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن/٦) .
﴿بِالْغُدُوِّ﴾ : أول النهار، ﴿وَالْآصَالِ﴾ آخره، وهو مابين العصر إلى مغرب الشمس (١) .
﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ بمعنى ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ، فمعنى تتفيأ في هذه الآية: تتنقل وتتميل، فالظل يرجع من موضع إلى موضع، والمقصود ب ﴿الْيَمِينِ﴾ أول النهار، وب ﴿وَالشَّمَائِلِ﴾ أواخره (٢) .
﴿دَاخِرُونَ﴾ : صاغرون (٣) .
стр. 1130
﴿وَالشَّجَرُ﴾ : ما قام على ساق، وأما ﴿وَالنَّجْمُ﴾ فقد اختُلف فيه، ففسره ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵄ بالنبات الذي لا ساق له، واختاره ابن جرير (ت٣١٠هـ) ، وفسره مجاهد (ت١٠٤هـ) بنجم السماء، واختاره ابن كثير (ت٧٧٤هـ) (١) ، وجمع الزجاج (ت٣١١هـ) بين التفسيرين، فقال: ((ويجوز أن يكون النجم ههنا يعني به ما نبت على وجه الأرض وما طلع من نجوم السماء، يقال لكل ما طلع قد نَجَم (٢) .
اشتملت هذه الآيات على سجود كل شئ لله تعالى، إذ يقول الله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (النحل/٤٨) ، ونصّ على بعضه لما فيه من الدلالات الظاهرة على وحدانية الله كالظل، ولأن بعضه قد عُبد من دون الله كالشمس والقمر (٣) ، والأصناف المنصوص عليها في الآيات الأربع هي:
أهل السموات والأرض من العقلاء، كما يفيده التعبير ب ﴿مَنْ﴾ الواقعة على العقلاء. (الرعد/١٥، الحج/١٨) .
الملائكة (النحل/٤٩) .
المؤمنون في قوله تعالى ﴿وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾ (الحج/١٨) .
الكفار، إذ هم معدودون ضمن العقلاء المذكورون أولا، ونص عليهم أيضا في قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي وكثير حق عليه العذاب سجد (٤) ، وقيل: بل المعنى وكثير أبى السجود (٥) .
كل مالا يعقل المعبر عنه ب ((ما)) . (النحل/٤٨،٤٩) .
الظلال. (الرعد/١٥، النحل/٤٨) .
الشمس والقمر والنجوم. (الحج/١٨) .
الجبال والشجر. (الحج/١٨، الرحمن/٦) .
الدوابّ. (النحل/٤٩، الحج/١٨) .
وقد اختلف العلماء في سجود هذه الأصناف على ثلاثة أقوال:
стр. 1131
القول الأول: أنه السجود الشرعي، هو الوقوع على الأرض بقصد العبادة، واعتبروا من لم يسجد من أهل السموات والأرض كالكفار من العام المخصوص، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ (الحج/١٨) على القول بأن بعض الناس غير داخل في هذا السجود (١) .
القول الثاني: أن المقصود المعنى اللغوي، وهو الخضوع والخشوع (٢) .
وهذان القولان معتبران عند علماء التفسير، غير أن القول الأول يتعذر فيه السجود الشرعي في بعض الأصناف، وأما القول الثاني فيتعارض مع القاعدة الأصولية التي تنص على أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة الشرعية واللغوية حمل على الشرعية، ولاشك أن الحقيقة الشرعية متحققة في بعض المخلوقات كالمؤمنين، ولولا إرادة ذلك لما أثبته لبعض الناس ونفاه عن بعضهم الآخر في قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾ (الحج/١٨) (٣) .
القول الثالث: أن السجود كل شئ مما يختص به حسب حاله، وهذا هو الراجح (٤) ، وعليه فيكون السجود فيما سبق من الأصناف على النحو التالي:
الملائكة: سجودهم عبادة حقيقية، ويكون طوعا بلا خلاف (٥) كما قال الرسول (: ((إني أرى مالا ترون وأسمع مالا تسمعون، أطَّت السماء (٦) ، وحُقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله ...)) (٧) .
المؤمنون: سجودهم شرعي طوعا، وقيل إن الكره يكون في سجود عصاة المسلمين وأهل الكسل منهم، وهذا القول أجنبي عن المقصود بقوله تعالى: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (٨) . (الرعد/١٥) .
الكفار: لهم السجودان: أما الشرعي فيكون كرها، ويصدق على المنافقين منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٩) (التوبة/٥٤) .
стр. 1132
وأما سجود الكافر خضوعاً على حسب ماهو في اللغة فلأنه منقاد لمشيئة الله وقدرته (١) ، وقال مجاهد (ت١٠٤هـ) : ((ظِل الكافر يسجد طوعا وهو كاره (( (٢) ، وقال الزجاج (ت٣١١هـ) : ((والكافر إن كفر بقلبه ولسانه وقصده فنفس جسمه وعظمه ولحمه وجميع الشجر والحيوان خاضعة لله ساجدة)) (٣) .
سجود الموات والجماد المعبر عنه ب (مالا يعقل) : مامن حيوان ولا نبات ولا جماد إلا وهو مطيع لله خاشع له مسبح له كما أخبر الله تعالى عن السموات والأرض: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت/١١) ، وقال جل شأنه في وصف الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (البقرة/٧٤) ، وغير ذلك من الشواهد، مما يدل على أن الله قد أودعها فهما وإدراكا، والخشية لا تكون إلا لما أعطاه الله مما يختبر به خشيته، فهو سجود طاعة، وعلينا التسليم لله، والإيمان بما أنزله من غير تطلّب كيفية السجود وفقهه، إلا ما جاء النص فيه مما سيأتي إن شاء الله قريبا، وهذا مذهب أهل السنة.
وقيل سجود الموات والنبات ونحوهما ظهور أثر الصنع فيها، على معنى أنه يدعو الغافلين إلى السجود عند التأمل والتدبر فيه وهذا مخالف لكثير من ظواهر الكتاب والسنة (٤) .
الظلال: لها سجود خاص غير سجود الأشخاص، وقيل: إن المراد بالظلال الأشخاص، وهو ضعيف مخالف للتفسير ولظاهر الآيات (٥) .
стр. 1133
وقد بين الله كيفية سجود الظلال في قوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ (النحل/٤٨) قال ابن جرير: ((وسجودها ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب، وناحية إلى ناحية، كما قال ابن عباس: يقال من ذلك سجدت النخلة: إذا مالت، وسجد البعير وأُسجد: إذا أُميل للركوب (١)) ) ، ويتضمن ذلك خضوعها وانقيادها لأمر الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ (الفرقان/٤٥،٤٦) ولا يبعد أن يجعل الله للظلال عقولا تخشع بها وتدرك بها ونحن لا ندركها (٢) .
стр. 1134
الشمس والقمر والنجوم: قال أبو العالية الرِّياحي (ت٩٠هـ) : ((مافي السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه)) (١) ، فهذا سجود حقيقي (٢) ، ويشهد له ما رواه أبو ذرّ (ت٣٢هـ) ﵁ أن النبي (قال يوماً: ((أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ((إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة. فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك، تحت العرش. فيقال لها: ارتفعي، اصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها)) ، فقال الرسول (: ((أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (٣)) ) (الأنعام/١٥٨) .
فهذا نص صريح عن الصادق المصدوق ﵊ في سجود الشمس يجب الإيمان به والتسليم به كما ورد، قال ابن العربي (ت٥٤٣هـ) : ((أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن)) (٤) ، وقال ابن حَجَر (ت٨٥٢هـ) : ((ويحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكّل بها من الملائكة أو تسجد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين)) (٥) ، وما ذكره ابن حجر - عفا الله عنه - صرف لهذا النص عن ظاهره وحقيقته دون قرينة تصرفه إلى ما احتمله.
стр. 1135
الجبال والشجر: نصّت آية الحج/١٨ على أن الجبال والشجر تسجد لله، وكذلك نصت آية الرحمن/٦ على الشجر، ومعنى ذلك أن الله قد أودعهما فَهماً وإدراكا، فهي تسجد سجوداً تعبدياً حقيقياً لا نعلم كيفيته (١) ، وقال ابن جرير الطبري
(ت٣١٠هـ) : ((سجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس وحين تزول، إذا تحول ظل كل شئ فهو سجوده)) (٢) ، والأظهر كما سبق أن للجبال والشجر ونحوهما سجوداً آخر خاصاً بها، ولظلالها سجوداً آخر خاصاً بها. وليس في آية الحج/١٨ ولا الرحمن/٦ ذكر سجود الظلال، قال ابن كثير (ت٧٧٤هـ) : ((وقال مجاهد أيضا: سجود كل شئ فيه، وذكر الجبال قال: سجودها فيها)) (٣) .
ومما يدل على أن هذا السجود غير سجود الظلال ما جاء عن ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵄، قال: ((كنت عند النبي (، فأتاه رجل فقال:إني رأيت البارحة، فيما يرى النائم، كأني أصلى إلى أصل شجرة، فقرأتُ السجدة فسجدتُّ فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا، قال ابن عباس: فرأيت النبي (قرأ السجدة فسجد، فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة)) (٤) .
الدوابّ: عامّ في جميع الحيوانات المميِّزة وغير المميِّزة (٥) ، وهي داخلة بحسب اختلاف أنواعها فيما تم توضيحه آنفا. والله أعلم.
إنه لا شيء أدل من السجود على الطاعة والخضوع، ولا جرم أن إخبار الله بسجود هذه المخلوقات له حث للناس على توحيده وطاعته والسجود له، ولهذا استُحب السجود في السور الثلاث الأُول التي أخبر الله فيها عن سجود أهل السموات والأرض (٦) .
واختيار صيغة المضارع في الآيات السابقة دلالة على تجدد ذلكم السجود واستمراره.
ثانيا سجود الملائكة:
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم للملائكة نوعين من السجود: السجود لله تعالى طاعة وتعبدا، والسجود لآدم تكرمة وتحية.
стр. 1136
أسجود الملائكة لله تعالى:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ . (الأعراف/٢٠٦) .
ورد عن العلماء في معنى السجود ثلاثة أقوال:
١ السجود الشرعي، وهو وضع الجباه بالأرض (١) .
٢ الصلاة (٢) .
٣ الخضوع والتذلل (٣) .
والذي يظهر أن أصحها السجود الشرعي، لقول الرسول (: ((أطّت السماء وحُقّ لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله)) (٤) ، ولهذا شُرع لِيُتشبه به بالملائكة في فعلهم (٥) ، كما جاء في الحديث: ((ألا تصُفُّون كما تصُفّ الملائكة عند ربها؟)) فقلنا يا رسول الله وكيف تصفّ الملائكة عند ربها؟ قال يتمون الصفوف الأُول ويتراصون في الصفّ)) (٦) ، والجمهور من العلماء على أن هذا أول مواضع سجود التلاوة في القرآن الكريم من حيث ترتيب السور (٧) .
أما الخضوع فقد أغنى عنه في الآية قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ ، وأما القول بأن معناه ((ولله يصلون)) فهو الذي فسر به ابن جرير (ت٣١٠هـ) هذه الآية، وهو لا يختلف عن القول الأول، لأن السجود جزء من الصلاة، ولأن للملائكة صلاة كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (الصافات/١٦٥-١٦٦) ، والمقصود بذلك صلاتهم (٨) .
ولا يخفى أن التعبير بصيغة المضارع في قوله تعالى ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ للدلالة على التجديد والاستمرار،وكذلك تقديم المعمول للدلالة على الاختصاص، أي ولا يسجدون لغيره، وفيه أيضا تعريض بالذين يسجدون لغير الله تعالى وتقدس (٩) .
ب سجود الملائكة لآدم:
ورد سجود الملائكة لآدم في سبع سور من القرآن الكريم، وهي:
стр. 1137
١ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ . (البقرة /٣٤) .
٢ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ﴾ . (الأعراف/١١) .
٣- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ . (الحجر/٢٨-٣١) .
٤ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ . (الإسراء/٦١) .
٥ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ . (الكهف/٥٠) .
٦ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ . (طه/١١٦) .
٧ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ . (ص/٧١-٧٤) .
اشتملت هذه الآيات على فضيلة عظيمة لآدم حيث اسجد الله له ملائكته (١) ، وقد اختلف العلماء في كيفية هذا السجود على أربعة أقوال:
стр. 1138
أنه مجرد الخضوع، دون إيماء ولا انحناء ولا نحوهما، وهذا يرجع إلى أحد معاني السجود اللغوية، والمقصود إقرارهم لآدم بالفضل والقيام بمصالِحه (١) .
الإيماء والخضوع (٢) .
الانحناء المساوي للركوع، وذلك بالتكفَّي والتعظيم، كسلام الأعاجم (٣) .
أنه السجود المتعارف، وهو وضع الجبهة بالأرض (٤) . وعزاه القرطبي (ت٦٧١هـ) إلى الجمهور (٥) ، وهو الصواب ولا يُعكّر عليه أن السجود في الشريعة الإسلامية محرم، لأن ذلك خاص بآدم في العالم العلوي، وليس ذلك ضمن التكاليف المنوطة بأهل الأرض، فلا يقاس عليه (٦) ، على أن هذا السجود كان جائزا قبل الإسلام كما سيأتي بيانه في السجود ليوسف ﵇.
وقد اتفق العلماء على أن سجود الملائكة لآدم سجود تحية لا عبادة تكريما لآدم
﵇ وإظهاراً لفضله (٧) ، ولهذا اعترض إبليس على السجود كما أخبر الله تعالى عنه في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (الإسراء/٦٢) ، ولم يكن الأمر بالسجود له على أنه نُصب قبلة للساجدين كالكعبة للمسلمين، وذلك يقتضي أن تكون اللام بمعنى إلى في ﴿لِآدَمَ﴾ ، فيكون التقدير: اسجدوا إلى آدم، وذلك تكلف لا مُلجئ إليه (٨) .
стр. 1139
ومما يدلّ على أن سجودهم كان على الجباه قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر/٢٩،ص/٧٢) ، حيث أمرهم بالوقوع وهو السقوط (١) ، قال ابن جرير (ت٣١٠هـ) في تفسير هذه الجملة: ((يقول فاسجدوا له وخِرّوا له سجدا)) (٢) ، ومن المرجحات لقول الجمهور أن الأصل في حكم اللفظ أن يكون محمولا على بابه وحقيقته (٣) ، ولا شك أن هذا يتأكد إذا كان معه قرينة تدل عليه كما في هذا السجود، ولهذا قال ابن عطية (ت٥٤١هـ) : ((وهذه اللفظة [فَقَعُوا] تُقوّي أن سجود الملائكة إنما كان كالمعهود عندنا لا أنه خضوع وتسليم واشارة كما قال بعض الناس)) (٤) ، لكنه ﵀ ناقض نفسه في موضع آخر من تفسيره، فقال: وقوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ لا دليل فيه، لأن الجاثي على ركبتيه واقع (٥) ، وما اعتلّ به منقوض بكلامه الآنف الذكر، كما أن الجثيّ لا يلزم منه الإنحناء (٦) ، فهذه هيئة مغايرة للهيئات التي ذكرها العلماء في سجود الملائكة لآدم ﵈. والله أعلم.
ثالثاً - سجود النبيين عليهم الصلاة والسلام:
قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم/٥٨) .
﴿آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾ : كلام الله المتضمن حججه ودلائله مما أنزله على أنبيائه في كتبهم (٧) .
﴿خَرُّوا﴾ : الخرور هو السقوط والهوي إلى الأرض (٨) .
﴿وَبُكِيًّا﴾ : بضم الباء وبكسرها لغتان مستفيضتان وقراءتان سبعيتان، جمع باك وهو فاعل على فُعول، كساجد وسُجود، لكن قلبت الواو ياء، فأدغمت نحو جاث وجثي (٩) .
стр. 1140
وقوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ اشتمل على ثلاثة أمور: خرور وسجود وبكاء، فهو صريح في السجود المعروف على الجباه (١) ، ((فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم (٢)) ) ، كما استُحب البكاء عند تلاوة القرآن (٣) .
وقيل المقصود بالسجود في هذه الآية الصلاة، وقيل مجرد الخشوع، والخرور يأباهما (٤) ، إلا إن القول الراجح _ وهو السجود على الوجه _ يتضمن الخشوع أيضا، ولذلك قال الطبري (ت٣١٠هـ) في تفسير هذه الآية: ((خروا لله سجدا استكانة وتذللا وخضوعا لأمره وانقيادا)) (٥) .
رابعاً - الرُّكع السجود في قصة نبي الله إبراهيم ﵇:
قال الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ . (البقرة/١٢٥) .
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج/٢٦) .
﴿وَعَهِدْنَا﴾ : وأََمَرْنا (٦) ، وعُدِّي ب ﴿إِلى﴾ لأنه في معنى أوحينا (٧) .
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ : هم المقيمون بالبيت على سبيل الجوار فيه، ومنهم المعتكفون (٨) .
﴿بَوَّأْنَا﴾ : ((جعلنا مكان البيت مبؤا لإبراهيم، والمبؤ المنزل)) (٩) .
﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ : أي في الصلاة (١٠) .
стр. 1141
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ : جماعة القوم الراكعين لله، وجماعة القوم الساجدين لله، وقد تعددت عبارات المفسرين في ذلك، فقال ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) : ((يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جماعة القوم الراكعين فيه له، واحدهم راكع، وكذلك ﴿السُّجُودِ﴾ : هم جماعة القوم الساجدين فيه له، واحدهم ساجد: كما قال: رجل قاعد، ورجال قعود، ورجل جالس، ورجال جلوس، فكذلك ساجد ورجال سجود، وقيل: بل عنى بالركع السجود: المصلين)) ، ثم أسند عن عطاء (ت١١٤هـ) قوله: ((إذا كان يصلى فهو من الركع السجود)) ، وأسند عن قتادة (ت١١٨هـ) قوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ : أهل الصلاة)) (١) ((وقال الحسن (ت١١٠هـ) : هم جميع المؤمنين)) (٢) وقال الفرّاء (ت٢٠٧هـ) : ((يعني أهل الإسلام)) (٣) وقال: الزَّجَّاج (ت٣١١هـ) (( ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ : سائر من يصلي فيه من المسلمين)) (٤) ، وهذا إختلاف تنوع وعبارة لا تناقض ولا تضاد فمنهم من فسرها بهيئات الصلاة بالنظر إلى الألفاظ المذكورة في الآيتين، وهي القيام والركوع والسجود، وهي أعظم أركان الصلاة (٥) ، ومنهم من فسرها بالصلاة ((لأن القيام والركوع والسجود هيئات المصلي)) (٦) ، ومنهم من حملها على سائر أهل الإسلام أتباع ملة إبراهيم ﵇، لأنه لا يركع ولا يسجد لله إلا المسلمون كما أنه لم تجتمع هذه الأركان الثلاثة: القيام والركوع والسجود في صلاة إلا في صلاة المسلمين (٧) ، ولهذا ذُكر الركوع والسجود مع البيت لأن الصلاة إليه في غالب الأحوال (٨) ، وهو قبلة المسلمين، وقد نص غير واحد من العلماء أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، قال أبو حيان (ت٧٥٤هـ) ((المشاهد من صلاة اليهود والنصارى خلوها من الركوع)) (٩) ، وقال البقاعي (ت٨٨٥هـ) : ((تتبعت التوراة فلم أره ذكر فيها الركوع)) (١٠) ، وقال في موضع آخر: ((سألت عن
стр. 1142
صلاة اليهود فأَخبرت أنه ليس فيها ركوع)) (١) .
والظاهر أن مراد العلماء من قولهم لا ركوع في صلاتهم أي مثل ركوعنا الشرعي المعروف، فقد ذكر الله عن داود ﵇ أنه خر راكعا في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص/٢٤) ، وقال جل شأنه عن مريم البتول: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران/٤٣) ، وسيأتي ذكر أقوال العلماء في هاتين الآيتين في موضعه من هذا البحث فالحاصل أن قوله تعالى: , ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ يدل على أن إبراهيم ﵇ وكذلك الأمم من قبلنا كانوا مأمورين بالصلاة وبما اشتملت عليها من هيئات، لكنها ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات والهيئات (٢) .
وقدم الركوع على السجود، كما تقدم القيام عليها باعتبار الزمان، وأما من حيث الأفضلية فإن السجود هو أفضل هيئات الصلاة على ما نص عليه جمع من الأئمة (٣) ، وجنس الركوع والسجود أفضل من جنس القيام (٤) ، وعن ابن مسعود (ت٣٢هـ) ﵁ موقوفا: ((إن أفضل الصلاة الركوع والسجود)) (٥) .
стр. 1143
وقد اشتمل قول الله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ على جملة من الأسرار البلاغية لخَّصها الإمام اللغوي أبو حيان (ت٧٥٤هـ) في قوله: ((وجُمعا جمع تكسير لمقابلتهما ما قبلهما من جمعي السلامة، فكان ذلك تنويعاً في الفصاحة أيضا، وخالف بين وزني تكسيرهما تنوعيا في الفصاحة أيضا، وكان آخرهما على (فُعول) لا على (فُعَّل) لأجل كونها فاصلة، والفواصل قبلها وبعدها آخرها قبله حرف مد ولين، وعُطفت تينك الصفتان لفرط التباين بينهما بأي تفسير فسرتهما مما سبق، ولم يُعطف السجود على والركع لأن المقصود بهما المصلون، والركع والسجود وإن اختلفت هيئاتهما فيشملها فعل واحد وهو الصلاة، فالمراد بالركع السجود المصلون، فناسب ألا يعطف لئلا يُتوهم أن كل واحد منهما عباده على حيالها وليستا مجتمعتين في عبادة واحدة وليس كذلك)) (١) .
خامساً - سجود أبوي يوسف وإخوته له:
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ . (يوسف/٤) .
وقال الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ . (يوسف/١٠٠) .
السجود المذكور في الآية الأولى رؤيا منام، والمذكور في الآية الأخرى هو وقوعها، وأبواه: يعقوب ﵇ وأم يوسف وقيل بل خالته، وظاهر القرآن أنها أمه (٢) ، والذين خروا له سجدا أبواه، وذلك مصداق رؤيا الشمس والقمر، وإخوته الأحد عشر وذلك مصداق رؤيا الأحد عشر كوكبا.
﴿الْعَرْشِ﴾ : سريره الذي يجلس عليه (٣) .
стр. 1144
وقد اختلف العلماء في المقصود من السجود في قصة يوسف على النحو الذي في قصة سجود الملائكة لآدم، هل كان خضوعا مجردا؟ أو مع إيماء؟ أو كان انحناء كالركوع؟ أو هو السجود المتعارف عليه من وضع الجبة بالأرض (١) ؟
وأسباب هذا الاختلاف أن السجود لغير الله شرك محرم في دين الله في جميع الأزمان، فلذلك صرف لفظ السجود عن ظاهره وهو تعفير الجباه إلى ما دونه من التأويلات، والذي عليه الأكثر أن السجود على وجه التحية والتكرمة كان جائزا كسائر التحايا مما جرت عليه عادة الناس في التوقير والتقدير، لا على وجه العبودية، فكان السجود سائغا في الشرائع السابقة على هذا النحو، ولم يزل مباحا إلى أن جاء الإسلام فجعله مختصاً بالله تعالى وحده حماية لجناب التوحيد ومساواة بين الناس في العبودية والمخلوقية (٢) ففي الحديث: ((لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي (، قال: ((ما هذا يا معاذ؟)) ، قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددتُّ في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله (: ((فلا تفعلوا ...)) (٣) وفي بعض طرقه: ونهى عن السجود للبشر، وأمر بالمصافحة (٤) ، وعن أنس بن مالك (ت٩٣هـ) قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: ((لا)) قال: أفيلتزمه ويقبله، قال: ((لا)) قال: أفيأخذ بيده ويصفحه؟ قال: ((نعم)) (٥) .
وقد أجمع المفسرون أن سجود أبوي يوسف وإخوته على أي هيئة كان فإنما كان تحية لا عبادة (٦) ، والأظهر أنه كان على الوجوه وليس انحناء ولا إيماء لقوله تعالى ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٧) ، قال الجوهري (ت٣٩٣هـ) : ((وخرَّ لله ساجدا يّخِرُّ خُرُورا أي: سقط)) (٨) .
стр. 1145
وقيل الضمير في ﴿لَهُ﴾ لله وهو قول مردود (١) ، ولا يلتئم مع السياق، ولا يتوافق مع الرؤيا (٢) في قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف/٤) .
وقال الزمخشري (ت٥٣٨هـ) : ((وقيل معناه: وخروا لأجل يوسف سجدا لله شكرا وهذا أيضا فيه نَبْوة)) (٣) .
وكل هذه التأويلات الضعيفة لأجل الخروج من أن يكون السجود لغير الله، ومن استبان له تاريخ السجود زالت عنه هذه الإشكالات.
وأما سجود الكواكب والشمس والقمر في رؤيا يوسف ﵇ فالأصل في الكلام حمله على ظاهره وحقيقته، ولا مانع أن يراها ساجدة له،ولهذا عبر عنها بما هو خاص بالعقلاء فلم يقل: رأيتها ساجدة،ولكنه قال ﴿سَاجِدِينَ﴾ : إظهاراً لأثر الملابسة والمقاربة (٤) ، وقد سبق الكلام عن سجود ما لا يعقل في أول البحث.
سادساً - سجود السحرة من بني إسرائيل:
قال تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (الأعراف/١٢٠)
وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (الشعراء/٤٥،٤٦) .
وقال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (طه/٧٠) .
стр. 1146
المراد بالسجود في هذه القصة السقوط على الوجوه لما عاينه السحرة من عظيم قدرة الله، وصدق نبوة موسى ﵇ والتعبير بالإلقاء في الآيات الثلاث يفيد أنهم خروا لله تعالى متطارحين على الأرض مذعنين لله بالطاعة، وهو صريح في صفة سجودهم (١) ، وتساءل الزمخشري (ت٥٣٨هـ) عن فاعل الإلقاء لو صرح به، فأجاب: ((هو الله بما خولهم من التوفيق أو إيمانهم أو ما عينوا من المعجزة الباهرة، ولك أن لا تقدّر فاعلا، لأن ألقوا بمعنى خروا وسقطوا)) (٢) وتعقّبه أبو حيان (ت٧٥٤هـ) في القول الأخير فقال: ((... أما أنه لا يُقدّر فاعل فقول ذاهب عن الصواب)) (٣) .
وأما من حمل السجود على الخضوع اللغوي دون خرور الوجوه فهو مخالف لظاهر الآيات وليس له قرينة تدل عليه، فلا يُعّول عليه (٤) .
وأغرب من ذلك من جوّز أن يكون السجود دلالة على تغلب موسى على السحرة فسجدوا تعظيما له، وأشد غرابة منه تجويز أن يريدوا به تعظيم فرعون حيث جعلوا السجود مقدمة لقولهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ حذرا من بطشه (٥) ، وينبغي أن ينزه كلام الله تعالى عن مثل هذه الأقوال الأجنبية.
سابعاً- أمر بني اسرائيل بأن يدخلوا القرية سجدا:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ (البقرة/٥٨) .
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (النساء/١٥٤) .
وقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (الأعراف/١٦١) .
стр. 1147
المراد بالقرية عند الجمهور مدينة بيت المقدس، وهي المذكورة في قوله تعالى ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائدة/٢١) ، فمكنهم الله من دخولها بعد خروجهم من التيه بقيادة يوشع بن نون ﵇، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا حطة شكرا لله وتواضعا (١) . و ﴿الْبَابَ﴾ أحد أبواب بيت المقدس (٢) .
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ : الصحيح أنهم أمروا أن يقولوا هذه الكلمة بحروفها لقول الرسول (: ((قيل لبني اسرائيل ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ، فبدلوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا حبة في شعيرة)) (٣) ، ولهذا استنبط العلماء منه: ((أن الأقوال المنصوصة إذا تعبد بلفظها لا يجوز تغييرها)) (٤) ، وتفسير ﴿حِطَّةٌ﴾ : اللهم حط عنا ذنوبنا (٥) أمروا به في سجودهم، أي ادخلوا الباب سجدا قائلين في سجودكم حطة، فقدم وأخر في سورتي البقرة والأعراف في لفظتي ﴿سُجَّدًا﴾ ﴿حِطَّةٌ﴾ ليُحرز المجموع أن المراد بهذا القول أن يكون في حال السجود لا قبله ولا بعده (٦) ، وقد اختلف العلماء في معنى ﴿سُجَّدًا﴾ فمنهم من حمل السجود على المعنى اللغوي وهو الخضوع والتواضع حسب (٧) ، وهذا القول لا ينسجم مع نص الحديث السابق الذي يدل على أنهم خالفوا الهيئة المطلوبة، ودخلوا يزحفون على أستاههم.
ومنهم من حمله على معناه الشرعي، وهو وضع الجباه بالأرض (٨) ، وهو متعذِّر، إلا على ضرب من التكلف (٩) .
стр. 1148
ومنهم من حمله على الركوع، وهو تفسير ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵄ (١) ، وتفسير الصحابي مقدم على غيره (٢) ، ثم إن تفسير ﴿سُجَّدًا﴾ ب ركعا هو الأظهر، وإنما عبر بالسجود ولم يعبر بالركوع، لأن السجود أدخل في الخضوع وأبلغ من الركوع، فلو عبر بالركوع لتوهم أن المراد الهيئة فقط دون الخشوع والخضوع لله، ولهذا عبر بعض العلماء في تفسيره ب ((ركعا خضعا)) (٣) ، والقول بأنه المقصود في الآية الركوع هو بمعنى الانحناء، ولهذا قال الطبري (ت٣١٠هـ) : ((وأصل السجود: الانحناء لمن سجد له معظما بذلك، فكل منحن لشيء تعظيما فهو ساجد... فذلك تأويل ابن عباس قوله: ﴿سُجَّدًا﴾ : ركعا لأن الراكع منحن)) (٤) ، وقال الزمخشري (ت٥٣٨هـ) معبراً عن هذا القول: ((السجود أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين ليكون دخولهم بخشوع وإخبات)) (٥) . أما عدّ الانحناء دون خضوع قولا مستقلا فليس بشئ (٦) .
ثامنا- ذكر ركوع نبي الله داود ﵇:
قال الله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص/٢٤) .
ابتلي داود ﵇ في حادثة، فأرسل الله إليه ملكين فاختصما إليه في نازلة قد وقع هو في نحوها، ومن ثَمَّ شعر وعلم أنه هو المراد (٧) ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ، أي رجع إلى رضى ربه بالتوبة (٨) .
ومعنى ﴿رَاكِعًا﴾ في هذه الآية: السجود على الوجه، هذا هو قول جمهور المفسرين، حتى قال ابن العربي: ولا خلاف بين العلماء أن الركوع هاهنا هو السجود لأنه أخوه)) (٩) ، والصواب أن الخلاف موجود كما سيأتي، وإن كان المعنى الراجح أنه هو السجود، ووجوه الترجيح مايلي:
стр. 1149
حديث الرسول (: ((أن النبي (سجد في ص، وقال: ((سجدها داود توبة ونسجدها شكرا)) (١) ، قال ابن تيمية (ت٧٢٨هـ) : ((لا ريب أنه سجد كما ثبت بالسنة وإجماع المسلمين أنه سجد لله)) (٢) ، واعتبر البقاعي (ت٨٨٥هـ) هذا الحديث تفسير لهذه الآية، فقال: ((... ولأن النبي (فسره بالسجود)) (٣) وذكر هذا الحديث، والصواب أن هذا ليس تفسيرا صريحا لهذه الآية، وإنما تضمن صفة سجود توبة داود، ولو كان تفسيرا للآية حقا لتعين المصير إليه في تفسيرها.
عن مجاهد (ت١٠٤هـ) قال: ((قلت لابن عباس أنسجد في ص؟ فقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حتى أتى ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ فقال: ((نبيكم (ممن أمر أن يقتدى بهم)) (٤) ، يشير ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵄ إلى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ قال ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) : ((قال ابن عباس: أي ساجدا)) (٥) ، ولم أقف على تفسير ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵄ لهذه الآية مسندا فيما اطلعت عليه.
وهذا الموضع من سورة ص من مواضع سجود التلاوة عند أكثر العلماء (٦) .
اقتران لفظ الركوع في الآية ب ﴿خرّ﴾ ، والخرور هو السقوط والهوي إلى الأرض (٧) ، فدل ذلك على أن المراد هو السجود على الوجه، ((وعبر بالركوع عن السجود ليُفهم أنه كان عن قيام)) (٨) ، ولهذا كان سجود التلاوة قائما أفضل منه قاعدا ((إذ هو أكمل وأعظم خشوعا، لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة لله من القيام)) (٩) .
стр. 1150
فكل هذه الدلائل تؤكد أن معنى ﴿رَاكِعًا﴾ في الآية: ساجدا، وقيل: معناه على ظاهره بمعنى الانحناء (١) ، وحاول بعضهم أن يجمع بين القولين بأن يكون ركع أولا ثم سجد بعد ذلك فيكون ﴿خَرَّ﴾ بمعنى سجد (٢) ، أو أن الله سبحانه ذكر أول فعله وهو خروره راكعا، وإن كان الغرض منها الانتهاء به إلى السجود (٣) ، وقيل بل معنى ﴿رَاكِعًا﴾ : ((مصليا)) على اعتبار أن الركوع يراد به الصلاة (٤) ، والأَولى ما قدمته. والله أعلم.
تاسعاً - سجود الصديقة مريم وركوعها:
قال الله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران/٤٣) .
((القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع)) (٥) ، ((وقيل لطول القيام في الصلاة قنوت)) (٦) ، وهو المقصود في هذه الآية عند الجمهور (٧) ، وذلك مناسب لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ (٨) ، وقال سعيد بن جبير (ت٩٥هـ) : ((أخلصي لربك)) (٩) وبه تأوّل ابن جرير (ت٣١٠هـ) هذه الآية، فقال: ((فتأويل الآية إذا: يا مريم أخلصي عبادة ربك لوجهه خالصا)) (١٠) ، وهو مناسب للآية قبلها: ﴿وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) ﴾ ، فإخلاص العبادة لله شكرا واعترافا يتسق مع ما خصها الله به من كراماته.
واختلف العلماء في المراد من السجود والركوع في هذه الآية، فمنهم من أجراهما على هيئات الصلاة المعهودة، ومنهم من حملهما أو أحدهما على الصلاة مطلقا، ومنهم من اعتد بأصل المعنى اللغوي _ وهو الخشوع _ فيهما أو في أحدهما (١١) .
стр. 1151
وقد تقرر أن الأصل حمل الألفاظ على حقائقها الشرعية إلا أن تصرفها قرينة أو دلالة إلى أحد معانيها الأخرى، وعليه فإن معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي﴾ على ظاهره في معناه الشرعي (١) ، وخُص بالذكر وقدم على الركوع لشرفه وفضله على سائر هيئات الصلاة (٢) ، أما الركوع فقد خلت منه صلاة اليهود والنصارى (٣) ، فلهذا جاز حمله هنا على مطلق الصلاة أي صلي مع المصلين وقد تضمن ذلك الأمر بصلاتها مع جماعة، وتلك خِصِّيصة لها من بين نساء بني اسرائيل (٤) ، والذين من قبلنا كانت لهم صلاة لكنها ليست مماثلة لصلاتنا في أوقاتها وهيئاتها (٥) ، فلا يلزم أن يكون في صلاة من قبلنا ركوع مثل ركوعنا، وكذلك ما ذكر من السجود لا يلزم أن يكون على الصورة التي عليها شرعنا تماما، وإنما هو مطلق السجود (٦) .
ومن العلماء من اعتد بالأصل اللغوي في هذه الآية، وهو الخشوع، أي اخشعي لله مع من خشع له من خلقه شكرا له على ما أكرمك به من الاصطفاء (٧) ، وذلك يتضمن معنى آخر للآية بالإضافة إلى الصلاة، لأن قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي﴾ قد أفاد معنى الصلاة إذ هو جزء منها.
ولما كان موضوع الآية في مقام الشكر على ما أنعم الله به على مريم من مزيد المواهب والعطايا (٨) ((قال قوم: تأويلها اسجدي: أي صلي ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ : أي اشكري لله جل ثناؤه مع الشاكرين)) (٩) ، نقل هذا التأويل اللغوي الحاذق ابن فارس
(ت٣٩٥هـ) مستشهدا به على أنه يقال: ((للساجد شكراً: راكع)) (١٠) .
عاشراً - سجود مؤمني أهل الكتاب:
قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران/١١٣) .
стр. 1152
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء/١٠٧_١٠٩) .
المراد ب ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وأهل الكتاب من أسلم من اليهود والنصارى (١) .
﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ : أي ((مستقيمة عادلة)) (٢) .
والمتلوا في الآيتين: القرآن الكريم (٣) ، وهو المراد بالوعد في قوله تعالى ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (٤) .
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ : أي ساعاته (٥) .
الأذقان: ((أسافل الوجوه، حيث يجتمع اللحيان، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض، لا سيما عند سجوده)) (٦) .
وقد خص الله بالتنويه من آمن من أهل الكتاب في هذه الآيات وفي غيرها لما لهم من سابق إيمان، وتصديق بما جاء به الرسول (ومتابعة له، ولذلك وعدهم الله بأن يؤتيهم أجرهم مرتين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (القصص/٥١-٥٤) .
وامتدحهم الله بالسجود في آيتي آل عمران والإسراء فما معناه؟ وما كيفيته في تينك الآيتين؟.
أما قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران/ ١١٣) : فللسجود في هذه الآية معنيان وجيهان:
стр. 1153
المعنى الأول: وهو يُصّلون، فالسجود اسم للصلاة، وإنما عبر عن الصلاة بالسجود لأنه أدخل في كمال الخضوع والخشوع والتضرع (١) ، ولأن التلاوة لا تكون في السجود (٢) ، فهي على هذا جملة في موضع حال، أي يتلون آيات الله متلبسين بالصلاة (٣) .
المعنى الثاني: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها، فالسجود هو السجود المعروف في الصلاة)) (٤) ، وهذا هو الظاهر من لفظ السجود (٥) ، لأن الأصل في إطلاق الألفاظ الحقيقة الشرعية.
والمراد بالصلاة – في أولى أقوال العلماء في هذه الآية – صلاة العشاء (٦) لقول ابن مسعود (ت٣٢هـ) ﵁ ((أخَّر رسول الله (صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، قال: ((أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم)) ، قال: وأُنزل هؤلاء الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٧) .
وأما قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ فحمله الحسن (ت١١٠هـ) على ظاهره وهو السجود على اللِّحى، وهذا القول لا يستقيم إلا إن كان المقصود بالذين أوتوا العلم السابقين ممن لم يدركوا الإسلام والقرآن وإنما عرفوه من خلال كتبهم، وكان كذلك سجودهم (٨) .
стр. 1154
والأصح ما ذهب إليه ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵁، وتابعه عليه جماهير المفسرين، وهو السجود على الوجوه وذلك أن الآية اشتملت على الخرور والسجود، والآية التالية – وهو قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ – اشتملت على الخرور والبكاء، فأفادت الآية الأولى أن أول ما يَلقى الأرض من الذي يَخر قبل أن يصوِّب جبهتَه ذقنُه، ففيها تصوير لحال سجودهم، وفيها أن الخرور عبادة مقصودة يحبها الله، وقد يكون خرور بدون سجود، كما هو الحال في الآية التالية، فقد يبكي الخاشع مع خرور دون أن يصل إلى حدّ السجود، وهذه عبادة مقصودة أيضا، غير أن مجموع الآيتين أفاد الخرور للأذقان، والسجود على الوجوه والبكاء مع الخشوع، كما في قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١) (مريم/٥٨) ، وآية الإسراء من مواضع سجود التلاوة المتفق عليها (٢) .
وقيل: إن المقصود بالسجود في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ هو مجرد الخضوع والخشوع وهو قول ساقط لا يعوّل عليه (٣) .
وفيما ذكره الله من سجود مؤمِني أهل الكتاب معان بلاغية، منها:
الجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ تدل على الاستمرار، والضمير في ﴿وَهُمْ﴾ يدل على التوكيد، واختيار صيغة المضارع للدلالة على التجدد، وعطفت بالواو في ﴿وَهُمْ﴾ على ما قبلها من التلاوة لتشعر بأن تلك التلاوة كانت في صلاة (٤)
التعبير باللام بدل ((على)) في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ، وهذه اللام تعرف بلام الاختصاص، وهي تدل على تمام السجود وتمكّن الوجوه من الأرض من قوة الرغبة في السجود لما فيه من استحضار الخضوع لله سبحانه (٥) .
стр. 1155
جاء التعبير عن الخرور الأول بالاسم وعن الثاني بالفعل في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ ، وذلك لأن الفعل مشعر بالتجدد، والبكاء ناشئ عن التفكر، فهم دائما في فكرة وتذكر وخشوع، ولما كانت حالة السجود ليست تتجدد في كل وقت عبر فيها بالاسم (١) .
حادي عشر - سجود الرسول (وأمّته وركوعهم:
وقع الركوع والسجود فيما يتعلق بسيدنا محمد ﵊ وأمته في القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضعا ما بين مكي ومدني وأمر ومدح وتشريع، ويمكن رصد معاني تلك الآيات ووجوهها من خلال تصنيفها على أربع مجموعات، وهي على النحو التالي:
أ - ما خوطب به الرسول (في ذلك.
ب- ما جاء في سجود أمته.
ج- الركوع مفرداً.
د- الركوع والسجود معاً.
وسألقي الضوء على كل وحدة على حدة للوصول إلى أصح الأقوال في كل آية من خلال ماصح من أسباب النزول والآثار والاعتبار بالسباق واللحاق، وكذلك النظائر وسائر القرائن والدلائل.
أ- ما خوطب به الرسول (في ذلك:
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ﴾ . (الحجر/٩٧- ٩٨) .
وقال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ . (الشعراء/٢١٧-٢١٩) .
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) ﴾ . (ق/٣٩-٤٠) .
стр. 1156
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ . (الإنسان/٢٤-٢٦) .
وقال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ . (العلق/١٩) .
إن الناظر في هاته الآيات يلحظ أنها تضمنت تسلية الرسول (لما يلاقيه من مضايقة من قومه، وكان ذلك في العهد المكي ولهذا كانت جميعها مكية إلا سورة الإنسان فمختلف فيها (١) ، والأظهر أنها مكية، كما يبدو من أساليبها ومعانيها (٢) ، على أنه من العلماء من قال بمدينتها إلا قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلخ (٣) .
ولقد كان رسول الله (إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (٤) ، قال ابن الأثير (ت٦٠٦هـ) في ((حزبه)) : ((أي إذا نزل به مهم أو أصابه غمّ)) (٥) ، فهذا منه ﵊ أخذٌ بهذه الآيات (٦) ، لما يجده في الصلاة من أُنس بمناجاة ربه، وإنما عبر بالسجود عن الصلاة لأنه حالة القرب من الله فيها السجود، وهي أكرم حالات الصلاة عند الله وأقمنها بنيل رحمته ولذة مناجاته (٧) .
فالمقصود من الأمر بالسجود في هذه الآيات بالجملة هو الصلاة، وليس السجود المجرّد من الصلاة، وتفصيل ذلك في كل آية كما يلي:
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر/٩٧-٩٨) :
قال جمهور العلماء: وكن من المصلين (٨) ، وعزاه ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) إلى ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵄ (٩) ، قال الطبري (ت٣١٠هـ) : ((وهذا نحو الخبر الذي رُوي عن رسول الله (: أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)) (١٠) .
стр. 1157
وقيل: معنى الآية وكن من المتواضعين، ونسب ذلك إلى ابن عباس ﵄ أيضا (١) ، وذلك مبني على قوله تعالى قبله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر/٨٨) ، غير أن الألصق بالسياق قول الجمهور، وجمع بينهما البغوي (ت٥١٦هـ) في تفسيره: ((من المصلين المتواضعين)) (٢) .
وخطَّأ ابن العربي (ت٥٤١هـ) من ظن أن المراد في الآية السجود نفسه (٣) ، ولم أقف على نص - فيما اطلعت عليه - ذكر أن المراد من الآية السجود نفسه.
قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء/٢١٧-٢١٩) .
стр. 1158
جمعت هذه الآيات بين صلاة النبي (وحده وصلاته في الجماعة، والمعنى: ((يراك وحدك ويراك في الجماعة، وهذا قول الأكثرين)) (١) ، ((وهذا يجمع معنى العناية بالمسلمين تبعا للعناية برسولهم، فهذا من بركته (، وقد جمعها هذا التركيب العجيب الإيجاز)) (٢) ، فمعنى ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ : ((أي في أهل الصلاة، أي صلاتك مع المصلين)) (٣) وقال بعضهم: معنى قوله تعالى ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ : أي تقلبك في صلاتك حين قيامك وحين ركوعك وسجودك، فالمقصود بالساجدين هو الرسول ((٤) ، فهو من إطلاق الجمع وإرادة به المفرد، والمعنيان متقاربان، وكلاهما مروي عن ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵄ (٥) ، إلا أن الأشمل هو القول الأول، ولذلك اختاره ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) فقال ﵀: ((وأولى الأقوال في ذلك بتأويله قول من قال: تأويله: ويرى ﴿تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ في صلاتهم معك، حين تقوم معهم وتركع وتسجد، لأن ذلك هو الظاهر من معناه)) (٦) فالمقصود بالسجود في الآية الصلاة، غير أنه اختُلف في المراد بالساجدين بالتحديد، فمنهم من قال: هو الرسول (، ومنه من قال: عنى به أهل الصلاة من المؤمنين، وثمة أقوال أخرى في بيان المراد منهم، فقيل: جميع المؤمنين، وقيل جميع الناس، وقيل الأنبياء، وكلها أقوال أجنبية عن ألفاظ الآية المتضمنة بعض هيئات الصلاة (٧) .
وتفسير مجاهد (ت١٠٤هـ) لهذه الآية نحو قول الجمهور، حيث قال ﵀:
стр. 1159
((يعني في المصلين، وكان يقال: يرى مَن خلفه في الصلاة)) (١) ، ويشهد لهذا ما جاء في الصحيحين أن الرسول (قال: ((أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري)) (٢) ، فمعنى التقلب عند مجاهد ﵀ إبصار الساجدين، وليس هو هيئات الصلاة من قيام وركوع وسجود، ولهذا اعتبره ابن عطية (ت٥٤١هـ) معنى أجنبيا هنا (٣) تبعا للطبري (ت٣١٠هـ) حيث قال: ((وكذلك أيضا في قول من قال: معناه تتقلب في إبصار الساجدين، وإن كان له وجه فليس ذلك الظاهر من معانيه)) (٤) .
وهذه الآية شبيهة بآية الحجر - التي سبق الكلام عنها آنفا - في مقصدها ومعناها، حيث إن كلا منهما سُبقت ببيان موقف الكافرين من دعوة الرسول (، كما تضمنت كل منهما توجيه الله تعالى لرسوله ﵊ بملازمة الصلاة، وفي الجمع في كل منهما في لفظ ﴿السَّاجِدِينَ﴾ إشارة إلى صلاة الجماعة (٥) ، ولا سيما أن هذا التوجيه في السورتين سُبق بخفض الجناح للمؤمنين الذين بهم قوام صلاة الجماعة.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (ق/٣٩-٤٠) :
﴿أَدْبَارَ﴾ جمع دبُر، أي في أعقابه، وفي قراءة سبعية أخرى بكسر الهمزة مصدر أدبر يدبر إدبارا، والتقدير: وقت إدبار السجود (٦) .
стр. 1160
أجمع أهل التأويل على أن التسبيح في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ﴾ معناه: صلّ (١) ، وقد سبق أن هذه السورة مكية، قال ابن كثير (ت٧٧٤هـ) : ((وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتان: قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر وقيام الليل كان واجبا على النبي (وعلى أمته حولا ثم نسخ في حق الأمة وجوبُه، ثم بعد ذلك نسخ الله ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات)) (٢) ، وفي الصحيحين: أن النبي (نظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون (٣) في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٤) .
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ : أي فصلّ له، ويجوز أن يكون ذلك صلاة الليل في أي وقت صلى، ومن العلماء من خصها بصلاة المغرب والعشاء، ومنهم من قصرها على العشاء (٥) ، والأولى العموم، وهو قول مجاهد (ت١٠٤هـ) ، واختيار ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) ، لأنه لم يَحدّ وقتا من الليل دون الوقت (٦) ، وهو المناسب لوقت نزول السورة.
أما التسبيح أدبار السجود، فمن العلماء من أجرى التسبيح فيه على الصلاة، ومنهم من أبقاه على ظاهر معناه من أذكار التسبيح (٧) ، وبذلك يتضح معنى السجود في هذه الآية، وتنتظم أقوال العلماء فيها في أربعة أقوال، وهي:
القول الأول: مارواه البخاري (ت٢٥٦هـ) في صحيحه عن ابن عباس (ت٦٨هـ) ﵄ أنه قال: ((أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها يعني قوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ )) (٨) .
следующие страницы →