Полный текст (6 828 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
٢ وبما رواه الإمام أحمد والبخاري والبيهقي عن البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم. ونهانا عن خواتيم الذهب، وآنية الفضة، والحرير، والديباج، والإستبرق، والمياثر الحمر والقسي (١) .
قال ابن حزم: (هذان الخبران نهي عام عنهما جملة، فهما زائدان حكما وشرعا على الأخبار التي فيها النهي عن الشرب فقط أو الأكل فقط، والزيادة في الأصل لا يحل خلافها) (٢) .
ومع القول بحرمة استعمال آنية الذهب أو الفضة في جميع الاستعمالات، ومنها الطهارة؛ فإن جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والمذهب عند الحنابلة يرون صحة الطهارة من آنية الذهب أو الفضة؛ وضوءا كانت أو غسلا أو غيرهما؛ مع الحرمة؛ لأن التحريم لا يرجع
إلى نفس العبادة، ولا إلى شرط من شرائط وجوبها وأدائها، فالإناء ليس شرطا للطهارة، فيعود النهي إلى خارج أشبه ما لو توضأ في أرض مغصوبة، أو صلى وفي يده خاتم ذهب (٣) . ومن أصول الحنفية أن النهي إذا كان لوصف مجاور للمنهي عنه أن النهي يكون لغيره؛ فيكون الوصف المجاور صحيحا (٤) .
قال الدسوقي) فلا يجوز فيه أكل، ولا شرب، ولا طبخ، ولا طهارة، وإن صحت الصلاة) (٥) .
وقال الحنابلة:وتصح الطهارة بها؛ بأن يغترف الماء بالآنية المذكورة. وتصح الطهارة فيها؛ بأن يتخذ إناء كمغطس أو مسبح من ذهب أو فضة، يسع قلتين ويغتسل أو يتوضأ فيه. وتصح الطهارة إليها؛ بأن يجعلها مصبا لفضل طهارته، فيقع فيها المنفصل عن العضو بعد غسله (٦) .
стр. 1577
القول الثاني: وجه عند الحنابلة أنه لا تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة؛ لأنه استعمل المحرم في العبادة، فلم يصح، كالصلاة في الدار المغصوبة. اختاره أبوبكر، والقاضي أبو الحسين، وشيخ الإسلام ابن تيمية. وصححه ابن عقيل. وهو قولٌ لابن حزم (١) .
والراجح عندي قول الجمهور؛ وهو صحة الطهارة منها، وفيها، وبها، وإليها. (ويفارق هذا الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأن أفعال الصلاة من القيام والقعود والركوع والسجود في الدار المغصوبة، محرم؛ لكونه تصرفا في ملك غيره بغير إذنه، وشغلا له، وأفعال الوضوء؛ من الغسل، والمسح، ليس بمحرم، إذ ليس هو استعمالا للإناء، ولا تصرفا فيه، وإنما يقع ذلك بعد رفع الماء من الإناء، وفصله عنه، فأشبه ما لو غرف بآنية الفضة في إناء غيره، ثم توضأ به ولأن المكان شرط للصلاة، إذ لا يمكن وجودها في غير مكان والإناء ليس بشرط) (٢) .
بعض المستثنيات:
استثنى الفقهاء بعض الأشياء من المنع فأجازوا استعمالها. وسأعرض في هذا المطلب لجملة مما استثنوه من الأواني. فقد استثنى الحنفية حلقة المرآة من الفضة. قال أبو حنيفة لا بأس بحلقة المرآة من الفضة إذا كانت المرآة حديدا وقال أبو يوسف: لا خير فيه (٣) . وعند الشافعية والحنابلة يحرم تحليتها (٤) .
ونقل الحصكفي وابن عابدين وقاضي زاده أن صاحب الدرر، من الحنفية يقول: إن المنع من استعمال أواني الذهب والفضة إذا استعملت ابتداء فيما صنعت له بحسب متعارف الناس، وإلا فلا كراهة؛ ففي الادهان أن يأخذ آنية الذهب والفضة ويصب الدهن على الرأس أما إذا أدخل يده فيها وأخذ الدهن ثم صبه على الرأس من اليد فلا يكره لانتفاء الابتداء (٥) .
стр. 1578
وقد أجاب ابن عابدين ﵀ عن هذا القول. فقال (إن ما ذكره في الدرر من إناطة الحرمة بالاستعمال فيما صنعت له عرفا فيه نظر فإنه يقتضي أنه لو شرب أو اغتسل بآنية الدهن أو الطعام انه لا يحرم، مع أن ذلك استعمال بلا شبهة داخل تحت إطلاق المتون والأدلة الواردة في ذلك والذي يظهر لي على وجه لا يرد عليه شيء مما مر أن يقال إن وضع الدهن أو الطعام مثلا في ذلك الإناء المحرم لا يجوز لأنه استعمال له قطعا ثم بعد وضعه إذا ترك فيه بلا انتفاع لزم إضاعة المال فلابد من تناوله منه ضرورة فإذا قصد المتناول نقله من ذلك الإناء إلى محل آخر لا على وجه الاستعمال بل ليستعمله من ذلك المحل الأخر كما إذا نقل الدهن إلى كفه ثم دهن به رأسه أو نقل الطعام إلى الخبز أو إلى إناء آخر واستعمله منه لا يسمى مستعملا آنية الفضة أو الذهب لا شرعا ولا عرفا بخلاف ما إذا تناول منه ابتداء على قصد الادهان أو الأكل فإنه استعمال سواء تناوله بيده أو بملعقة ونحوها فإنه كأخذ الكحل بالميل وسواء استعمله فيما صنع له عرفا أولا) (١) .
وبالنسبة للشافعية حكى إمام الحرمين عن والده أبي محمد في المكحلة الصغيرة وظرف الغالية ترددا في جواز ذلك إذا كان من فضة. وأطلق الغزالي خلافا في استعمال الإناء الصغير كالمكحلة ولم يخصه بالفضة. وكلامه محمول على ما ذكره شيخه وهو التخصيص بالفضة. وحكى إمام الحرمين أن شيخه حكى فيه وجهين. وقال الإمام:والوجه القطع بالتحريم (٢) . وطريقة الخلاص من المعصية أن يصب الطعام أو الماء أو غيرهما في إناء آخر، ويستعمل المصبوب فيه (٣) . حكي أن فرقد السبخي، والحسن البصري، حضرا وليمة بالبصرة، فقدم إليهما طعام في إناء من فضة، فقبض فرقد يده عن الأكل منه، فأخذ الحسن الإناء وأكبه على الخوان وقال: كل الآن إن شئت (٤) .
стр. 1579
القول الثاني: يحرم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب. ويحل استعمالها في الاستعمالات الأخرى. مع الكرهة وهو قول الشافعي في القديم (١) . وقال الشوكاني؛ والشيخ محمد بن صالح العثيمين: يجوز استعمال أواني الذهب والفضة في سائر الاستعمالات بدون كراهة؛ ماعدا الشرب أو الأكل. وأجاز داود بن علي الظاهري الأكل فيها، وقصر الحرمة على الشرب فقط (٢) . وفي الإنصاف (وقيل لا يحرم استعمالها بل يكره) (٣) . قال المرداوي: وهو ضعيف جدا (٤) .
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني بالأدلة التالية:
(النبي (نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشرب، ولو كان المحرم غيرهما لكان النبي (وهو أبلغ الناس، وأبينهم في الكلام، لا يخص شيئا دون شيء. بل إن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز، لأن الناس ينتفعون بهما في غير ذلك. ولو كانت حراما مطلقا لأمر النبي (بتكسيرها، كما كان لا يدع شيئا فيه تصاوير إلا كسره، لأنها إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة) (٥) .
٢ روى البخاري من حديث عثمان بن عبد الله بن وهب قال: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قٌصةٍ فيها شعر من شعر النبي (وكان إذا أصاب الإنسان عينٌ أو شيءٌ بعث إليها مخضَبهُ فاطلعت في الجلجل فرأيت شعراتٍ حمرا) (٦) .
وفي الطبعة اليونينيت من صحيح البخاري (من قصة) . وفيها: وفي رواية أبي زيد (من فضة) (٧) . وفي صحيح البخاري مع شرحه عمدة القاري، وفي الطبعة المنيرية من فضة) (٨) .
الجلجل:الجرس الصغير، وصوته الجلجلة (٩) . وقد تنزع منه الحصاة التي تتحرك فيوضع فيه ما يحتاج إلى صيانته (١٠) .
عثمان بن عبد الله بن موهب هو التميمي مولى آل طلحة. تابعي. (١١) .
إسرائيل:هو ابن يونس بن أبي إسحاق (١٢) .
ثلاث أصابع:إشارة إلى صغر القدح (١٣)
стр. 1580
وقد اختلف في ضبط (قصة) هو بقاف مضمومة ثم صاد مهملة أو بفاء مكسورة ثم ضاد معجمة؟ (١) .
قال ابن حجر) إن كان بالفاء والمعجمة فهو بيان لجنس القدح) [يعني فضة] . وإن كان بالقاف والصاد المهملة فهو من صفة الشعر، على ما في التركيب من قلق العبارة) (٢) .
قال ابن دحية: وقع لأكثر الرواة بالقاف والمهملة، والصحيح عند المحققين بالفاء والمعجمة، وقد بينه وكيع في مصنفه بعد ما رواه عن اسرائيل فقال (كان جلجلا من فضة صيغ صوانا لشعرات كانت عند أم سلمة من شعر النبي () (٣) . (وقد ذكرالحميدي في الجمع بين الصحيحين بلفظ دال على أنه بالفاء والمعجمة، ولفظه ﴿أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر الخ﴾ ولم يذكر قول اسرائيل، فكأنه سقط على رواة البخاري قوله ﴿فجاءت بجلجل﴾ وبه ينتظم الكلام ويعرف منه أن قوله ﴿من فضة﴾ أنه صفة الجلجل، لا صفة القدح الذي أحضره عثمان بن موهب) (٤) . قال القاضي عياض: (والأشبه عندي رواية من قال من فضة...لقوله بعد فاطلعت في الجلجل، ولمفهوم الحديث) (٥) . ورجح القسطلاني، والموصلي، والعيني، أنها من فضة (٦) .
وجه الدلالة:استعمال أم سلمة ﵂ لجلجل من فضة -على رأي من يرجح من العلماء أن اللفظة الواردة في الحديث هي من فضة وليست من قصة- لحفظ شعرات من شعر الرسول (دليل على جواز استعمال أواني الفضة في غير الأكل والشرب، والذهب مثلها.
٣ ويمكن أن يستدل لهم بما جاء عن ابن عباس أن رسول الله (قد كان أهدى جمل أبي جهل الذي استلب يوم بدر في رأسه بُرَةٌ (٧) من فضة عام الحديبية في هديه. وقال في موضع آخر: ليغيظ بذلك المشركين (٨) . صححه الحاكم ووافقه الذهبي (٩) .
стр. 1581
٤ الأصل الحل فلا تثبت الحرمة إلا بدليل. ولا دليل في المقام بهذه الصفة؛ فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف لاسيما وقد أيد هذا الأصل (١) . حديث ﴿ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا﴾ روه أحمد وأبو داود (٢) من حديث أبي هريرة.
المبحث الثاني: مناقشة الأدلة
وفيه مطلبان
المطلب الأول: مناقشة أدلة أصحاب القول الأول
ناقش أصحاب القول الثاني أدلة أصحاب القول الأول القائلين بحرمة استعمال أواني الذهب والفضة في سائر الاستعمالات بما يأتي:
١ الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول تدل على تحريم الأكل والشرب وأما سائر الاستعمالات فلا. والقياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق؛ فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة، حيث يطاف عليهم بآنية من فضة، وذلك مناط معتبر للشارع، كما ثبت عنه (لما رأى رجلا متختماً بخاتم من ذهب فقال مالي أرى عليك حلية أهل الجنة، وكذلك في الحرير وغيره، وإلا لزم تحريم التحلي بالحلي، والافتراش للحرير؛ لأن ذلك استعمال وقد جوزه البعض من القائلين بتحريم الاستعمال (٣) .
(وقولهم إن النبي (حرمها في الأكل والشرب لأنه أغلب الاستعمال وما غلب به الحكم لكونه أغلب لا يقتضي تخصيصه به كقوله تعالى: ﴿وربائبك اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾ (٤) فتقييد تحريم الربيبة بكونها في الحجر لا يمنع التحريم، بل تحرم، وإن لم تكن في حجره على قول أكثر أهل العلم. صحيح لكن كون الرسول (يعلق الحكم بالأكل والشرب، لأن مظهر الأمة بالترف في الأكل والشرب أبلغ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه علة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشرب، لأنه لاشك أن الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة، ليس كمثل من يستعملها في حاجات تخفى على كثير من الناس) (٥) .
٣ حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال لا تتم مع مخالفة داود والشافعي وبعض أصحابه (٦) .
стр. 1582
٤ وبالنسبة لما استدل به ابن حزم يمكن أن يناقش بأن هاتين الروايتين رويتا بالمعنى، على تقدير حذف مضاف أي لا تشربوا ولا تأكلوا فيها، لأن بقية الروايات بينت المراد.
المطلب الثاني: مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني
١ القول إنما يحرم الشرب دون الأكل والطهارة وغيرهما غلط فاحش؛ ففي حديث حذيفة وأم سلمة من رواية مسلم التصريح بالنهي عن الأكل والشرب، وهذان نصان في تحريم الأكل وإجماع من قبل داود حجة عليه. ولأنه إذا حرم الشرب فالأكل أولى لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف (١) .
(أن النهي عن الشرب تنبيه على الاستعمال في كل شيء كما قال تعالى ﴿لا تأكلوا الربا﴾ (٢) . وجميع أنواع الاستعمال في معنى الأكل بالإجماع، وإنما نبه به لكونه الغالب) (٣) .
٣ قولهم حكاية الإجماع لا تتم مع مخالفة داود والشافعي وبعض أصحابه يجاب عليها أن الإمام الشافعي رجع عن قوله القديم كما بيناه، وأن قوله الجديد موافق لما قاله جماهير العلماء. وأما داود فإجماع من قبله حجة عليه (٤) . وهذا إنما يحتاج إليه على قول من يعتد بقول داود في الإجماع والخلاف، وإلا فالمحققون يقولون لا يعتد به لإخلاله بالقياس وهو أحد شروط المجتهد الذي يعتدبه (٥) . وأما قوله بجواز الأكل في آنية الذهب والفضة فهو مردود بحديث أم سلمة عند مسلم حيث نص على الأكل والشرب ولعله لم يبلغه.
ولما لم أجد مناقشة لبعض أدلة أصحاب القول الثاني؛ لأن الجمهور أصحاب القول الأول متقدمون، فلم يطلعوا على الرأي الأخير وأدلته؛ لذا فإني سوف أفترض لهم مناقشة.
стр. 1583
٤ قولهم لو كان المحرم غيرهما لكان النبي (وهو أبلغ الناس لا يخص شيئا دون شيء، يجاب عليه بأن هذا من بلاغة الرسول (، فقد اكتفى بالتنبيه على أهم أنواع الاستعمال؛ لأن غيرها مقيس عليها، ولو ذكر أنواعا من الاستعمال غيرها مثل لا تتوضأوا، ولا تتطيبوا، ولا تكتحلوا، لكان هذا غير ممكن، وغير محقق للمراد؛ لأن صور الاستعمال لا تنحصر، ولو انحصرت في عصره (فإنها لن تنحصر في العصور الأخرى؛ لأن أساليب الاستعمال تتعدد، وتتنوع من عصر إلى آخر، وبالتالي لا يتحقق المراد من قصد النهي عن عموم الاستعمال، ولأن تعداد أنواع الاستعمال الأخرى كما مثلنا سيتيح للمعارض الحجة بأن النص على النهي عن الوضوء يدل على جواز الاغتسال، والنهي عن التطيب يدل على جواز الادهان من آنية الذهب والفضة، فكان من مقتضى بلاغته (أن ينص على الأكل والشرب، وهذا فيه تنبيه كاف على النهي عن سائر الاستعمالات؛ لأنه ليس الشأن في ألفاظ الشارع أن تستقصي الجزئيات، وإنما آحاد الصور تطبق عليها الأحكام والألفاظ العامة. ولو أُخذ بهذا المبدأ وهو قصر الحكم على ما نص عليه الحديث، وعدم تعديته إلى ما يماثله لعُطلت كثير من الأحكام، فأحاديث الربا نصت على الأصناف الستة. لكن جماهير الفقهاء عللوا الربا، وعدوا الحكم إلى غيرها مما وجدت فيه العلة. وأنتم تقولون بالربا في غير الأصناف الستة. فكيف تعدون ما نص علية في الربا، ولا تعدون ما نص عليه في استعمال آنية الذهب والفضة؟
стр. 1584
وقولهم: لو كانت حراما مطلقا لأمر النبي (بتكسيرها؛ لأنها إذا كانت محرمة في كل الاستعمالات ما كان لبقائها فائدة. يجاب عليه بأنها ليست محرمة في ذاتها، وإنما المحرم هو استعمالها آنية، ولذا فإن لبقائها فائدة، ويمكن الانتفاع بها؛ مثل تحويلها إلى نقود، أو حلي للنساء، أو خاتم فضة للرجال، أو قبيعة سيف، أو استعمالها فيما تدعو له الضرورة؛ كشد الأسنان بالذهب، أو اتخاذ أنف من ذهب، كما أمر به رسول الله (عرفجة بن أسعد. رواه الترمذي وأبو داود والنسائي. وقال الترمذي:هذا حديث حسن غريب (١) . وقال النووي: حديث حسن (٢) .
وقولهم: كون الرسول (يعلق الحكم بالأكل والشرب لأن مظهر الأمة فيهما أبلغ منه في غيرهما، وأن هذه علة تقتضي تخصيص الحكم بهما؛ لأنه لاشك أن الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة ليس كمثل من يستعملها في حاجات تخفى على كثير من الناس. هذا القول غير مسلم؛ فمظهر الإنسان بالترف في استعمال حمام، أو مغطس، أو صنبور من الذهب، أو الفضة أبلغ من استعمال ملعقة أكل من ذهب أو فضة.
وقولهم: لاشك أن الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة ليس كمثل من يستعملها في حاجات تخفى على كثير من الناس مردود؛ لأن الحكم غير منوط بعلم استعمالها أو خفائه، وإنما هو منوط باستعمالها. سواء علم أم خفي. فإن من يشرب في كأس من الفضة في مكان لا يراه الناس لا يمكن أن يقول أحد إنه جائز.
стр. 1585
٥ والاحتجاج بالبراءة الأصلية غير مسلم، فأحاديث الباب شاملة بمفهومها سائر الاستعمالات، والحديثان اللذان رواهما الإمام أحمد وأبو داود وفيهما النهي عن آنية الذهب والفضة، دون ذكر للأكل أو الشرب، فيهما نهي عام فشمل سائر الاستعمالات، فانتفت البراءة الأصلية التي يحتج بها المجيزون. وتأييد الشوكاني لاحتجاجه بحديث ﴿عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا﴾ (١) . لم يظهر لي وجه الدلالة منه. ثم ما هو وجه التفريق بين الذهب والفضة في باب الآنية؟ وقد جاء في حديث حذيفة وأم سلمة النهي عن الشرب في الفضة، ثم إن هذا الحديث جاء في لباس الحلي، وموضوع الاستدلال على الأواني. والذي يظهر لي أن في هذا التأييد تعسفا.
٦ بالنسبة لحديث الجلجل جاء نص الحديث ب ﴿قُصةٍ﴾ وهي رواية الأكثر، وهو من صفة الشعر (٢) . وقد اختلف في ضبطها فقيل ﴿فضة﴾ . وهي صفة للقدح. وما دام وجد الاختلاف لاسيما في موطن الاستدلال فإنه لا يصلح للاحتجاج للقاعدة الأصولية الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. وعلى فرض أن ضبطه فضة فيمكن أن يجاب عليه بأن هذا من باب الاحترام الزائد لشعر النبي (، والحرص الشديد عليه، لأنه شيء ثمين جدا، ولاسيما مع قلة الأواني الزجاجية، والفخارية في ذلك العصر، ولاسيما والجلجل صغير جدا لا يتسع لأكثر من ثلاثة أصابع.
الترجيح
стр. 1586
بعد عرض أدلة الفريقن، ومناقشتها فالراجح عندي رأي جماهير الفقهاء وهو حرمة استعمال آنية الذهب والفضة في سائر الاستعمالات. وقولي هنا قاصر على آنية الذهب والفضة، واستعمال الآلات المصنوعة منهما. كالقلم، ومقابض الأبواب، وصنابير الماء، ونحو ذلك. أما المطلي بهما فسيأتي بيان حكمه في مبحث قريب إن شاء الله. وأما اللباس من حلي وغيره فلا يشمله هذا الرأي، لأن فيه تفصيلا؛ فمنه ما يحل وما يحرم. وترجيحي لهذا القول بناء على قوة دليله فالنهي عن الأكل والشرب تنبيه على النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة في كل شيء، وهذا من بلاغة الرسول (فقد اكتفى بالتنبيه على أهم أنواع الاستعمال؛ لأن غيرها مقيس عليها، ولو ذكر أنواعا من الاستعمال غيرها لكان هذا غير محقق لإحصاء أنواع الاستعمال؛ لأن صور الاستعمال لا تنحصر، ولو انحصرت في عصره (فإنها لن تنحصر في العصور الأخرى؛ لأن أساليب الاستعمال تتعدد، وتتنوع من عصر إلى آخر. ومثله نص الرسول (في أحاديث الربا على الأصناف الستة، وقد عدْا جماهير الفقهاء ومنهم أصحاب القول الثاني حكمه إلى غيرها. فكما لم يقصروا الربا على الأصناف الستة كان عليهم ألا يقصروا حرمة استعمال أواني الذهب والفضة على الأكل والشرب. وأما أن النبي (لم يأمر بتكسيرها فلأنها ليست محرمة في ذاتها، وإنما المحرم هو استعمالها آنية، ولذا فإن في بقائها فائدة، ويمكن الانتفاع بها مثل تحويلها إلى نقود، أو حلي للنساء، وغيره من الاستعمالات المباحة.
الفصل الثالث: علة تحريم استعمال أواني الذهب والفضة
تعريف العلة:
العلة في اللغة مأخوذة من عل. وتأتي لمعانٍ، أشهرها ثلاثة:
الأول: تكرار الشيء، أو تكريره، ومنه العلل، وهي الشربة الثانية (١) ، وسميت العلة بذلك؛ (لأن المجتهد يعاود النظر في استخراجها مرة بعد مرة) (٢) .
стр. 1587
الثاني: الضعف في الشيء، ومنه العلة للمريض، وسميت العلة بذلك؛ لأنها غيرت حال المحل أخذا من علة المريض؛ لأنها اقتضت تغيير حاله (١) .
الثالث: السبب، تقول:هذا الشيء علة لهذا الشيء، أي سبب له، وسميت العلة بذلك، لأنها السبب في الحكم (٢) .
وفي الاصطلاح: ما يحصل من ترتيب الحكم على وفقه ما يصلح أن يكون مقصودا للشارع من جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها (٣) .
اختلف الفقهاء في علة تحريم الشرب، والأكل، في آنية الذهب والفضة على أقوال هي:
١ العلة في ذلك الخيلاء وكسر قلوب الفقراء؛ قال بهذا جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة (٤) .
٢ وقال القرافي من المالكية: (وعلته السرف أو الخيلاء على الفقراء، أو الأمران معا) (٥) .
٣ أضاف الحنابلة تضييق النقدين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لأن ذلك مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له، والله لا يحب المسرفين، ومظنة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما، ومظنة الفخر، وكسر قلوب الفقراء والله لا يحب كل مختال فخور) (٦) . وقال البهوتي: (لأن في ذلك سرفا وخيلاء، وكسر قلوب الفقراء وتضييق النقدين) (٧) .
٤ قال الشوكاني: (العلة هي التشبه بأهل الجنة؛ حيث يطاف عليهم بآنية من فضة. وذلك مناط معتبر للشارع، كما ثبت عنه لمارأى رجلا متختما بخاتم من ذهب فقال مالي أرى عليك حلية أهل الجنة، أخرجه الثلاثة من حديث بريدة وكذلك في الحرير وغيره، وإلا لزم تحريم التحلي بالحلي، والافتراش للحرير؛ لأن ذلك استعمال، وقد جوزه البعض من القائلين بتحريم الاستعمال) (٨) .
٥ قال ابن رشد العلة هي: التشبه بالأعاجم (٩) .
٦ وقال الشافعي: (إنما نهي عنه للسرف، والخيلاء، والتشبه بالأعاجم) (١٠) . والتشبه بالأعاجم يعني بهم الفرس من المجوس وغيرهم (١١) .
٧ قيل العلة عين الذهب والفضة (١٢) .
مناقشة هذه الآراء
стр. 1588
مناقشة التعليل الأول: يمكن مناقشة القول بأن علة التحريم الخيلاء وكسر قلوب الفقراء بأن الخيلاء حرام في ذاتها وفي جميع الأحوال، سواء اقترنت باستعمال آنية ذهب أو فضة، أولم تقترن بها، حتى الفقير المتكبر لا ينظر الله إليه، ولا يزكيه وله عذاب أليم، وإن لم يستعمل آنية الذهب أو الفضة قال (:ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة أشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلابيمينه رواه الطبراني في الثلاثة إلا أنه قال في الصغير والأوسط ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. (١) فذكره. قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (٢) . (وعلة الحظر التي يبنى عليها القياس يجب أن تكون مشتملة على المحظور على سبيل المساواة طردا وعكسا. والخيلاء لا تصلح أن تكون علة حظر استعمال الذهب لاطردا ولاعكسا؛ لأن الشرب بآنية الذهب والفضة محظورة بإجماع الفقهاء وإن لم يقصد بها الخيلاء. والزينة بالأحجار الكريمة مباحة باتفاق الجمهور ما لم يقصد بها الخيلاء) (٣) . أما كسر قلوب الفقراء فيرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة ولم يمنعها إلا من شذ (٤) كما أن الفقراء يصدع قلوبهم ما هو أعظم من استعمال أواني الذهب والفضة وذلك عندما يشم الفقير رائحة الطعام الزكية من مطابخ الأغنياء وهو يتضور جوعا لفقدانه كسيرة خبز تسد رمقه، وكذلك عندما ينظر ملابس الموسرين الفاخرة وهو يلبس الأسمال البالية التي لا تقيه حر القيظ، ولا زمهرير الشتاء (٥) ، وحينما ينظر إلى من يركبون السيارات الفخمة الأنيقة المكيفة، وهو لا يجد ما يمكنه من ركوب سيارات الأجرة العامة، فهذا البائس وأمثاله من البؤساء المساكين لا يلتفتون إلى استعمال غيرهم لأواني الذهب أو الفضة، ولا يحسون في ذلك الاستعمال متعة فقدوها، بل لا يخطر لهم على بال، بل هم في شغل شاغل
стр. 1589
عن ذلك لانصراف قلوبهم إلى ما هو أهم وأعظم من الحاجات الضرورية، وإذا كان لذيذ الأطعمة، وجميل الألبسة، والتمتع بالسيارات الفارهة، والمساكن الجميلة، والبساتين الغناء، التي يمتلكها ويتنعم بها الأغنياء، غير محظور شرعا، ولا يقول بحرمته أحد من العلماء، قال تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (١) ، وإذا كان هذا أشد انكسارا لقلوب الفقراء من استعمال أواني الذهب أو الفضة فلا يعقل أن تكون علة التحريم كسر قلوب الفقراء، على أن هذا التعليل يقتضي مساواة بني البشر في موارد الرزق، وهذا لم ترد به شريعة من الشرائع السماوية؛ لمصادمته نواميس الاجتماع البشري.
نعم إن هذا الخاطر قد يجول في نفوس الطبقة الوسطى، الذين هم ما بين المترفين والمتوسطين، وهؤلاء في نظر الشرع ليسوا فقراء؛ لأنهم غير معوزين (٢) .
ويجاب على المعللين بالسرف بإباحة التحلي بالذهب والفضة للنساء؛ فلو كانت العلة السرف لحرم لبسهما عليهن لأن مقدار ما يلبسنه منهما أضعاف ما يمكن أن تصنع منه ملعقة أكل أو كأس شراب؛ ويرد عليهم أيضا بجواز استعمال الأواني المصنوعة من الجواهر النفيسة؛ لأنها أغلى ثمنا، فهي أقرب إلى الإسراف من أواني الذهب أو الفضة.
стр. 1590
مناقشة التعليل بالتشبه بأهل الجنة: وما ذهب إليه الشوكاني من أن العلة هي التشبه بأهل الجنة حيث يطاف عليهم بآنية من فضة بعيد؛ لأنه قد ثبت أن لأهل الجنة كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وليس كل ما تشتهيه الأنفس محرما على المؤمنين في الدنيا، لأنه مباح لهم في الآخرة. إلا ما حرمه الشرع كالخمر، وهل يتبادر إلى عقل مسلم أن علة تحريمها لأنها مباحة في الجنة؟ كلا. فإن علة تحريمها هو الإسكار، ولو كانت علة تحريم الخمر التشبه بأهل الجنة لحرم علينا في الدنيا العسل؛ لأنه مما أعده الله لأهل الجنة. وقد استدل الشوكاني ﵀ على إباحة استعمال آنية الفضة عنده فيما عدا الأكل والشرب بحديث (ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا) (١) . حديث حسن. إذ كيف يسوغ اللعب أو التحلي بالفضة فيما لو كانت العلة التشبه بأهل الجنة؛ لأنهم كما يطاف عليهم بآنية من فضة يحلون أيضا أساور من فضة (٢) . ويرد عليه في احتجاجه بالحديث على فرض صحة الاحتجاج به من وجهين.
أولها: ما وجه التفريق بين الذهب والفضة؟ مع أن حديث أم سلمة الذي جاء الوعيد بالنار هو في الشرب في آنية الفضة.
ثانيها: أن هذا الكلام في الأواني، والحديث في لباس الحلي.
والقائلون بأن العلة هي التشبه بالأعاجم. يرد عليهم بثبوت الوعيد لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك (٣) .
الترجيح
стр. 1591
بعد عرض العلل التي علل بها الفقهاء حرمة استعمال أواني الذهب والفضة، ومناقشتها، والوصول إلى نقض التعليل بالخيلاء، والتشبه بأهل الجنة، والتشبه بالأعاجم، يترجح لي والله أعلم أن علة تحريم استعمال أواني الذهب والفضة وكذلك تحريم تحلي الرجال بالذهب والفضة ماعدا خاتم الفضة هو تضييق النقدين،والإسراف؛ مما يؤدي إلى التوسع والإغراق في التنعم، وهو تنعم لا ينتج عنه قصد صحيح؛ فلو أبيح للناس أن يشربوا في أكوابه، وفناجينه، ويأكلوا في صحافه وجفانه، وطشوته، وغير ذلك من أواني الشرب، والأكل، أو يستعملوا هذين المعدنين النفيسين في الأكل والشرب وغيرهمامن الاستعمالات؛ لكثرت صياغته، فكان هذا إسرافا؛ يؤدي بالضرورة إلى قلة الأثمان. وقلة الأثمان له أضرار اقتصادية كبيرة؛ إذ يترتب عليه حدوث الانكماش الاقتصادي؛ مما يؤثر على دورة الحركة الاقتصادية العامة، وتعطل تبادل المنافع، ووقوع ارتباك في الأسواق التجارية.
ومن جهة أخرى فإن النقود الذهبية والفضية نقود سلعية؛ لها قيمة مادية في ذاتها، فإذا قلت، أو ندرت، بسبب استعمال معدنهما في الأواني أو لتحلي الرجال بها فإنها ترتفع قيمتها، مما يترتب عليه ارتفاع قيم الأسعار، ومنها أسعار المواد الغذائية، والملابس. وهذا فيه من الضرر الشديد على الأمة ما لا يخفى؛ مما يظهر أن من لطف الله بعباده شرع تحريم استعمال هذين المعدنين في الأواني ونحوها؛ لئلا يترتب عليه ما بينا من الأضرار. يؤيده نهي الشريعة عن كسر الدراهم الصحيحة؛ لأن الكسر يذهب شيئا من قيمة الدرهم بالنسبة إلى بقائه.
يعضد ما ذهبنا إليه النهي عن التفاضل عند تبادل الجنس الواحد منهما؛ لأنه ربا.
стр. 1592
قال الغزالي: (وكل من اتخذ من الدراهم والدنانير آنية من ذهب أو فضة فقد كفر النعمة وكان أسوأ حالا ممن كنز؛ لأن مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد في الحياكة والمكس والأعمال التي يقوم بها أخساء الناس، والحبس أهون منه. وذلك أن الخزف والحديد والرصاص والنحاس تنوب مناب الذهب والفضة في حفظ المائعات عن أن تبدد، وإنما الأواني لحفظ المائعات. ولا يكفي الخزف والحديد في المقصود الذي أريد به النقود) (١) .
فإن قيل إن ما تستغرقه أواني الذهب والفضة في هذا العصر، وكذلك التحلي بهما من المقادير الذهبية والفضية لم يعد اليوم مؤثراً على النقود؛ لكثرة الذهب والفضة؛ فلم تعد العلة مؤثرة.
وإن قيل إن الذهب والفضة قد اختفى التعامل بهما في عصرنا الحاضر كنقد بل إن بعض الدول في العصر الحاضر تمنع التعامل بهما كنقد، وقد حلت محلهما الأوراق النقدية، فأصبحت هي النقد الوحيد الذي يتعامل به الناس اليوم؛ وبناء عليه فهي النقود وحدها، أما الذهب والفضة فليسا وسيطا للتبادل، فتخلفت عنهما صفة النقدية، وإذا تخلفت العلة زال تأثيرها وإذا زال تأثيرها، زال حكم المعلول وهو حرمة استعمال أواني الذهب والفضة.
стр. 1593
فالجواب على هذا هو أن دعوى اختفاء التعامل بهما غير مسلم؛ لأنه وإن لم يكن التداول بعينهما، لكنهما الداعمان للعملة الورقية، ومن أهم أسباب اعتبار قوة اقتصاد أي دولة من الدول حجم احتياطها من هذين المعدنين النفيسين. ومن جهة ثانية فإن حكم استعمال أواني الذهب والفضة منصوص علي حرمته من الرسول (، والعلة ليست منصوصة، وإنما هي مستنبطة، وهي علة احتمالية، وليست يقينية، ولذا لا يمكن أن يتغير حكم الأصل المنصوص عليه، لتخلف علة مستنبطة؛ ولا يمكن إلغاء العلة المذكورة؛ لأن من شروط العلة ألا تعود على حكم الأصل بالإبطال، والواقع كذلك. ولذا فإن التعامل بالنقود الورقية، أو ظهور عملات أخرى في الوقت الحاضر، أو في العصور القادمة لا يلغي صفة النقدية عن الذهب والفضة، ولا يصرف عنهما علة الربا وهي الثمنية. وعلى فرض تخلف علة تضييق النقدين، فإن علة السرف باقية. فيبقى الحكم بالعلة الأخرى (١) .
الفصل الرابع: اتخاذ أواني الذهب والفضة
الاتِّخاذ ُ: افتعالٌ من الأخذ، يقال:ائتخذوا في الحرب إذا أخذ بعضهم بعضا، ثم لينوا الهمزة وأدغموها فقالوا اتخذوا، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه فَعِلَ يَفْعَلُ، قالوا تخذ يتخذ (٢) . وهو في القرآن الكريم على ثلاثة عشر وجها (٣) .
والاتخاذ يشمل الاقتناء وهو:مصدر اقتنى الشيء يقتنيه، إذا اتخذه لنفسه، لا للبيع أو للتجارة. أي المال المدخر. جاء في المصباح وغيره (قنوت الشيء أقنوه قنوا من باب قتل، وقنوة:بالكسر:جمعته، واقتنيته:اتخذته لنفسي قنية. لا للتجارة) (٤) . قال تعالى: (وأنه هو أغنى وأقنى) (٥) . أي أعطى ما فيه الغنى وما فيه القنية، أي المال المدخر. وجمع القِنْيَةِ قِنْياتٌ، وقنيت، واقتنيته. ومنه. قنيت حيائي عفة وتكرما (٦) .
стр. 1594
والمال المقتنى يستغل إذا كان من شأنه ذلك؛ مثل أن يستغل في الدر، أو النسل، أو الركوب. قنا العنز قَنْوا (١) . وأما اقتناء أواني الذهب والفضة فالمراد به من غيراستعمال (٢) .
لا خلاف بين العلماء على جواز اقتناء الذهب والفضة إذا كانت على غير صورة الأواني. أما الأواني فقد اختلف الفقهاء في حكم اتخاذها من الذهب والفضة، من غير استعمالها، على قولين.
القول الأول:يجوز اتخاذ آنية الذهب والفضة، وهو مذهب الحنفية، وقول عند المالكية والشافعية، ورواية عند الحنابلة (٣) . واحتجوا لما ذهبوا إليه بأن الشرع ورد بتحريم الاستعمال دون الاتخاذ، فيبقى الاتخاذ على مقتضى الأصل في الإباحة؛ ولأن التحريم لم يكن لذات الآنية، بل للاستعمال (٤) . وقال القاضي أبو الوليد الباجي من المالكية لو لم يجز اتخاذها لوجب فسخ بيعها، وقد أجازها -أي الإمام مالك- في غير مسألة من المدونة. قال أبو بكر بن سابق هذا غير صحيح؛ لأن ملكها يجوز إجماعا، بخلاف اتخاذها. قال:وإنما يتصور فائدة الخلاف بأنا لا نجيز الاستئجار علي عملها، ولا نوجب الضمان على من أفسدها إذا لم يتلف من عينها شيئا، والمخالف يجيز الاستئجار ويوجب الضمان (٥) .
القول الثاني:يحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة؛ لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال، في المعتمد من مذهب المالكية، وإن لامرأة، والأصح من مذهب الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (٦) ؛ لأن سد الذرائع واجب عند المالكية والحنابلة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يحرم اتخاذها في أشهر الروايتين، فلا يجوز صنعتها، ولا استصياغها ولا اقتناؤها، ولا التجارة فيها، لأنه متخذ على هيئة محرمة الاستعمال، فكان كالطنبور (٧) وآلات اللهو، ولأن اتخاذها يدعو إلى استعمالها غالبا فحرم كاقتناء الخمر والخلوة بالأجنبية) (٨) .
стр. 1595
قال الصاوي من المالكية: (والحاصل أن اقتناءه إن كان بقصد الاستعمال فهو حرام باتفاق، وإن كان لقصد العاقبة، أو التجمل به، أو لا لقصد شيء، ففي كل قولان [عند المالكية] ، والمعتمد المنع (١) .
الترجيح
الراجح عندي هو جواز اقتناء أواني الذهب والفضة؛ إذا كان الاقتناء لغرض ادخارها لعاقبة الدهر، أو لتحويلها لما يجوز استعماله؛ كحلي للنساء؛ أو لا لشيء؛ يدل على ذلك ما ذكره أبو الأشعث من حديث عبادة بن الصامت، قال غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة فكان فيما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله (ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة. . إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى (٢) . فالأثر دال على جواز بيع أواني الذهب والفضة؛ لأن عبادة لم ينكر البيع، وإنما أنكر التفاضل، وعدم التقابض. ولما كان استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب محرما بالأحاديث الصحيحة التي سبق إيرادها؛ فإنه حينئذ لابد من حمل جواز شراء آنية الفضة المذكورة في الحديث على اقتنائها، أو استعمالها في مباح؛ وبهذا نكون قد وفقنا بين أحاديث النهي عن الأكل والشرب فيها، وبين الحديث الدال على جواز بيعها.
ولأن النهي عن استعمالها، فيبقى اقتناؤها على البراءة الأصلية. ولأن تحريمها لا لذاتها، وإنما لاستعمالها. وقياسها على آلات اللهو والطنبور لا يصح في نظري؛ لأن هذه لا فائدة فيها، أما أواني الذهب والفضة فإن لها قيمة مادية في ذاتها بصرف النظر عن كونهما آنية، ولأنه يمكن تحويلهما والاستفادة منهما في غير الاستعمال المحرم.
الفصل الخامس: استعمال وشراء المموه بالذهب أو الفضة
المبحث الأول: استعمال وشراء الآنية المموهة بالذهب أو الفضة
стр. 1596
المموه: اسم مفعول، من موه الشىء. (ومنه التمويه:وهو التلبيس، ومنه قيل للمخادع مموه، وقد موه فلان باطله إذا زينه وأراه في زينة الحق) (١) .
والتمويه:هو طلاء الإناء المصنوع من نحاس أو حديد أو نحوهما بماء الذهب أو الفضة (٢) . مثل أن تطلى الأباريق، أو فناجيل الشاي، أو نحو ذلك من الأواني.
والتمويه، والطلاء بمعنى واحد عند الحنفية والمالكية والشافعية (٣) .
وفرق الحنابلة بينهما؛ فالتمويه أن يذاب الذهب أو الفضة ويلقى فيه الإناء، من نحاس وغيره، فيكتسب منه لونه.
والطلاء:أن يجعل الذهب أو الفضة كالورق، ويطلى به الحديد ونحوه (٤) .
ويعبر كثير من السلف عن المطلي، والمموه، بالمفضض. فجميعها بمعنى واحد.
اختلف الفقهاء في حكم استعمال الآنية المموهة على قولين:
القول الأول: قال الحنفية، والراجح من مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية، وقول عند الحنابلة؛ إنه يجوز استعمال الآنية المموهة بذهب أو فضة؛ سواء في الأكل أو الشرب أو غير ذلك (٥) . فالراجح من مذهب المالكية جواز المموه، والمكفت (٦) . والمنع في المغشى، والمضبب، وذي الحلقة (٧) . ورجح الدردير الجواز في المغشى (٨) . قال الحطاب: (كلام ابن عبد السلام ميل إلى ترجيح المنع في المغشى، وأما المموه فالأظهر فيه الإباحة والمنع بعيد) (٩) . وأجاز الشرب من الإناء المفضض من الصحابة أنس ابن مالك وعمران بن حصين ومن غيرهم سعيد بن جبير وطاوس والقاسم ابن محمد وأبو جعفر وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن علي بن الحسين، والحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وحماد ابن أبي سليمان والحسن البصري وأبي العالية (١٠) .
стр. 1597
لكن قيده الحنفية وبعض الشافعية بما إذا لم يتجمع منه شيء إذا عرض على النار؛ لقلة المموه فكأنه معدوم (١) . وأما ما يمكن تخليصه واجتماع شيء منه فعند أبي حنيفة ورواية عند محمد جواز استعماله. ويكره عند أبي يوسف ومحمد في الأشهر عنه (٢) . فالاختلاف بين علماء الحنفية فيما يخلص منه شيء بالعرض على النار، أما المموه الذي لا يخلص منه شيء فلا بأس به عندهم بالإجماع. جاء في بدائع الصنائع (وأما الأواني المموهة بماء الذهب والفضة الذي لا يخلص منه شيء فلا بأس بالانتفاع بها في الأكل والشرب وغير ذلك بالإجماع...لأن التمويه ليس بشيء ألا يرى أنه لا يخلص) (٣) . يعني أنه إذا صهر بعرضه على النار لا يتجمع منه شيء.
وعند الشافعية وجهان:الأصح لا يحرم (٤) . قال النووي: (لو اتخذ إناء من نحاس وموهه بذهب أو فضة قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط والرافعي وغيرهم إن كان يتجمع منه شيء بالنار حرم استعماله وإلا فوجهان بناء على المعنيين، والأصح لا يحرم قاله في الوسيط والوجيز) (٥) .
وذكر المرداوي القول الثاني عند الحنابلة وهو الذي عرضناه في القول الأول من هذا البحث بعد أن ذكر حكم المصمت. فقال: وقيل:لا (٦) . أي ليس حكمها كالمصمت.
وقيل: إن بقي لون الذهب أو الفضة (٧) . يعني إن بقي لونهما إذا عرض أي منهما على النار فهو حرام، وإن لم يبق فهو حلال.
وقيل واجتمع منه شيء إذا حُكَّ حرم. وإلا فلا (٨) . يعني إذا عرض على النار وحك فإن اجتمع منه جسم له قيمة حرم، وإن كان يتفتت ولا يجتمع، أو أنه إذا اجتمع ليس له قيمة ذات بال فلا يحرم.
القول الثاني: المذهب عند الحنابلة. والقول الثاني عند المالكية أنه يحرم استعمال الأواني المموهة بالذهب أو الفضة (٩) . وقد كره الشرب في الإناء المفضض من الصحابة ابن عمر وعائشة (١٠) .
стр. 1598
فعلى المذهب عند الحنابلة يحرم المطلي، والمطعم (١) ، والمكفت، والمنقوش، بذهب أو فضة كالمموه. إلا أن يستحيل لونه، ولم يحصل منه شيء بعرضه على النار (٢) .
قال المرداوي حكم المموه والمطعم ونحوه بأحدهما:كالمُصْمَتُ على الصحيح من المذهب (٣) .
الأدلة
أدلة الفريق الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١ أن المموه ليس إناء ذهب ولا فضة، وقال بعضهم نظرا لباطنه والطلي تبع (٤) ، وقالوا: لأنه لا يتجمع منه شيء إذا صهر على النار (٥) . وقالوا ورد النهي عن الشرب في إناء الذهب والفضة، وصدقه على المفضض والمضبب ممنوع (٦) .
ويمكن أن يستدل لهم بما جاء في مصنف ابن أبي شيبة وهو:
٢ حدثنا أبو بكر قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عمران أبي العوام القطان عن قتادة أن عمران بن حصين وأنس بن مالك كانا يشربان في الإناء المفضض (٧) (٨) . وهو عندي حديث حسن؛ لأن رواته كلهم ثقات (٩) ، إلا عمران أبي العوام فإنه صدوق يهم (١٠) . وقد تعضد بحديث أنس الوارد في البخاري وغيره، وسيأتي قريبا في مناقشة الأدلة.
٣ على فرض أن المجيزين أو بعضهم استدل بما أخرجه الطبراني من حديث أم عطية: (أن النبي صلى الله (نهى عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح، ثم رخص في تفضيض الأقداح) (١١) . هذا الحديث في سنده من لم يعرف (١٢) .
٤ أن هذا القدر من الذهب أو الفضة الذي على الإناء تابع له والعبرة للمتبوع دون التابع كالثوب المعلم والجبة المكفوفة والجبة بالحرير (١٣) .
٥ وُاستدل بزوال علة التحريم؛ وهي الفخر والخيلاء (١٤) .
أدلة الفريق الثاني:
١ استدل الحنابلة على حرمة استعمال واتخاذ المموه ونحوه بما روى ابن عمر أن رسول الله (قال (من شرب من إناء ذهب أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم) (١٥) . الشاهد، أو فيه شيء من ذلك.
стр. 1599
٢ ويمكن أن يستدل لهم بماروى ابن أبي شيبة والبيهقي بسنديهما عن ابن عمر أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة (١) . صححه النووي (٢) . وقال ابن حجر أخرجه البيهقي بسند على شرط الصحيح (٣) .
٣ روى ابن أبي شيبة بسنده عن أم عمرو بنت عمر قالت: كانت عائشة تنهانا أن نتحلى الذهب أو نضبب الآنية أو نحلقها بالفضة، فما برحنا حتى رخصت لنا وأذنت لنا أن نتحلى الذهب، وما أذنت لنا ولا رخصت لنا أن نحلق الآنية أو نضببها بالفضة (٤) .
قال النووي:أثر عائشة حسن، رواه الطبراني والبيهقي بمعناه (٥) .
٤ لأن العلة التي لأجلها حرم وهي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وتضييق النقدين موجودة في المموه، ونحوه (٦) .
حكم شراء وبيع الأواني المموهة بالذهب أو الفضة:
بناء على قول الشافعية بجواز بيع آنية الذهب والفضلة، فإنه من باب أولى القول بجواز بيع وشراء المموه عندهم. وبناء على جواز استعمال الآنية المموهة عند الحنفية والمالكية، وعلى قول في مذهب الحنابلة فإنه يجوز بيع وشراء الآنية المموهة عندهم أيضاً (٧) .
ولا يجوز شراء الآنية المموهة بالذهب والفضة على مذهب الحنابلة وعلى القول الثاني عند المالكية (٨) .
المبحث الثاني: المناقشة والترجيح
стр. 1600
بعض الأشياء التي تصنع من الحديد، أو النحاس؛ أو الزجاج، كمقابض الأبواب، والأجزاء الثابتة من الثريات الكهربائية، والكاسات، تدهن بنسبة قليلة جدا من الذهب أو الفضة، لتعطيها منظرا جميلا، ولتحميها من الصدأ، ونحوه. ولقلة الذهب أو الفضة فيها، فإن الطلاء لا يثبت بنفسه، ولا يتحمل الاستعمال، كما لا يتحمل عوامل التعرية، فيضاف إليه نسبة من المعادن الأخرى لتقويته، كما تدهنه المصانع التي تصنع هذه الأواني بدهان يعمل على تثبيت الذهب أو الفضة على الإناء المطلي. وما يُرى من لون ذهبي أو فضي في البلاط، أو الرخام، أو القيشاني فليس فيه شيء من الذهب أو الفضة لأن التمويه بهما في الأشياء المذكورة لا يمكن بقاؤه، لأنه لا يتحمل الاستعمال الذي ينتفع به من هذه الأشياء.
وبعد عرض أقوال العلماء وأدلتهم وتعليلاتهم في المموه، ونحوه فالراجح عندي جواز استعمال الأواني المموهة بالذهب أو الفضة وبيعها وشرائها؛ وهو رأي جمهور العلماء كما سبق بيانه ومع أنه مباح فيما أرى إلا أن التنزه عن استعماله في الأكل والشرب أولى، لاسيما إذا كان التمويه قد غطى جميعه، أو معظمه. وكذلك يترجح عندي جواز المطلي منهما والمكفت، والمطعم، والمنقوش، والمغشى؛ لأن المموه ونحوه ليس إناء ذهب ولا فضة؛ ولأن نصوص النهي جاءت بالمنع من استعمال أواني الذهب والفضة، وهذه ليست آنية ذهب ولا فضة، ولزوال علة التحريم على ما رجحناه، وهي تضييق النقدين، والإسراف؛ بناء على ما سنبينه قريبا إن شاء الله أما الأثر الذي رواه الطبراني عن أم عطية فقد قال عنه ابن حجر: في سنده من لا يعرف (١) . وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن معاوية إلا عمر بن يحي ولا سمعناه إلا عن هذا الشيخ (٢) . ولذا لا يصلح حجة للمجيزين.
стр. 1601
وأما أدلة المانعين: فالحديث الذي رواه الدارقطني وغيره، وضمنه (أوفيه شيء من ذلك) واستدل به بعض الحنابلة حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، وممن صرح بضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية، بل قال عنه الذهبي: إنه حديث منكر. كما سبق بيانه (١) . وقال ابن القطان هذا لحديث لا يصح، وقال ابن حجر هذا حديث معلول بجهالة إبراهيم ابن مطيع وولده. وقال الشوكاني: (يحي بن محمد الجاري راوي تلك الزيادة قال البخاري يتكلمون فيه وقال ابن عدي هذا حديث منكر كذا في الميزان وفي الكاشف ليس بالقوي) (٢) .
يؤيد ما رجحناه من قول العلماء بضعفه معارضته للحديث الصحيح الثابت في الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك ((أن قدح النبي (انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة قال عاصم رأيت القدح وشربت فيه) (٣) . لأن حديث ابن عمر جاء فيه (أو فيه شيء من ذلك) وقدح رسول الله (فيه شيء من ذلك؛ وهو ضبة الفضة. ولايعقل أن ينهى الرسول (عن شيء ويفعله.
стр. 1602
ويجاب على هذه الآثار بأنها أقوال للصحابة، وقول الصحابي يكون حجة عند الجمهور إذا لم يعارضه قول صحابي آخر (١) ؛ فعدم إذن عائشة ﵂ في تحليق الآنية وتضبيبها، وكراهة ابن عمر (الشرب من الإناء المفضض، عارضهما شرب عمران ابن حصين، وأنس ابن مالك (ما من الإناء المفضض، علما أن امتناع ابن عمر محمول على زيادة تورعه كما هو معروف عنه. وعدم إذن عائشة محمول على الحلقة ونحوها. كما جاء في الأثر، وكما قاله سعيد ابن أبي عروبة (٢) . فأطلقه أنس وعمران ابن حصين، وحظره ابن عمر وعائشة. وليس قول واحد منهم في ذلك أولى من قول الآخر إلا بدليل يدل عليه، وسنذكر في قدح رسول الله في هذا الباب ما يدل على أن الأولى من ذينك القولين ما قاله أنس ابن مالك وعمران ابن حصين. وقد وجدنا رسول الله (قد نهى عن لباس الحرير، وأخرج من ذلك أعلام الحرير التي في الثياب من عين الحرير من الكتان ومن القطن. فكان مثل ذلك نهيه عن الشرب في آنية الفضة يخرج منه الشرب في آنية الزجاج، أو الخشب ونحوهما المموهة بقليل من الذهب أو الفضة فقد روى ابن أبي ليلى عن حذيفة قال: (رسول الله (نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة وعن لبس الحرير والديباج وقال دعوه لهم في الدنيا وهو لكم في الآخرة) (٣) .
стр. 1603
قال الطحاوي (ففي هذا نهى رسول الله (عن الشرب في آنية الذهب والفضة وليس الشرب في الآنية من الخشب التي قد خالطها الذهب والفضة من هذا في شيء. وقد كان مذهب عبد الله ابن عمر في القليل من الحرير يخالطه الثوب من غير الحرير كراهة لبس ذلك الثوب كما يكره لبسه لو كان حريرا كله، وقد خالفه في ذلك غيره من أصحاب رسول الله (وأباحوا من ذلك ما حظره، فمما قد روي عنه (ما جاء بسنده عن أبي عمر مولى أسماء قال:رأيت ابن عمر اشترى جبة فيها خيط أحمر فردها، فأتيت أسماء فذكرت ذلك لها، فقالت: بؤسا لابن عمر يا جارية ناوليني جبة رسول الله (فأخرجت إلينا جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرج بالديباج) (١) .
وفي صحيح مسلم من رواية أبي عمر قال: (فرجعت إلى أسماء فقالت: هذه جبة رسول الله (فأخرجت إليّ جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج فقالت كانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها وكان النبي (يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) (٢) .
قال أبو جعفر: (أفلا ترى أن ابن عمر قد كره الجبة التي ليست من الحرير للخيط الذي كان فيها من الحرير، فكذلك كان مذهبه في الإناء من غير الفضة إذا كان فيه شيء من فضة يكرهه كما يكرهه لو كان كله فضة، وقد خالفته أسماء في ذلك، وحاجته فيه بجبة رسول الله (التي ليست من ديباج [ولكنها] مكفوفة الجيب والكمين والفرج بالديباج. ولم تكن رضوان الله عليها تحاجه بذلك إلا وقد وقفت على استعمال رسول الله (إياها بعد نهيه عن استعمال مثلها لو كانت كلها حريرا وقد خالفه في ذلك أيضا عبد الله ابن عباس) (٣) .
وما جاء في أثر عائشة ﵂ أنها لم ترخص في تضبيب الإناء معارض للحديث الثابت في صحيح البخاري وغيره عن أنس بن مالك ﵁ (أن قدح النبي (انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة قال عاصم رأيت القدح وشربت فيه) (٤) .
стр. 1604
وفي رواية للبخاري عن عاصم الأحول قال (رأيت قدح النبي (عند أنس بن مالك وكان قد انصدع (١) فسلسله (٢) بفضة. قال: هو قدح جيد عريض من نضار (٣) . قال قال أنس: لقد سقيت رسول الله (في هذا القدح أكثر من كذا وكذا) (٤) .
قال وقال: ابن سيرين (إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال له أبو طلحة:لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله (. فتركه) (٥) .
ظاهر الحديث أن الذي وصله هو أنس، ويحتمل أن يكون النبي (، وهو ظاهر رواية أبي حمزة المذكورة بلفظ (أن قدح النبي (انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة) (٦) .
وما رواه البيهقي عن قتادة أن أنسا كره الشرب في المفضض (٧) . فلعله من أوهام أبي العوام، التي وصف بها فيما قيل عنه:إنه صدوق يهم (٨) . فرواه في الحديث الأول على الوجه الصحيح، وحكمنا عليه بالحسن لموافقته لقول وفعل أنس في قدح رسول الله (الثابت في الصحيحين وغيرهما؛ لأنه لا يمكن أن يروي حديثين بإسناد واحد يخالف أحدهما الآخر وحكمنا على الرواية التي أوردها البيهقي بالضعف لمخالفتها لقول أنس، وفعله، وإرادته؛ فقد قال: لقد سقيت رسول الله (في هذا لقدح أكثر من كذا وكذا.
وأما فعله فهو:أن قدح رسول الله (انصدع فسلسله بفضة. والظاهر أن الذي سلسله أنس كما رجحه ابن حجر. وأما إرادته:فهو أنه كان للقدح المذكور حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة. فقال له أبو طلحة لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله ((٩) . فهمه بتغيير الحلقة إلى الذهب أو الفضة دليل على أنه يجيز الشرب في المفضض. وأن عدوله عما هم به لا لأنه يراه غير جائز؛ ولكن تفضيلاً لبقاء القدح على الهيئة التي كان عليها شرب الرسول (منه. كما أن أبا طلحة ﵁ لم يقل له إنه يكره، أو لا يجوز ذلك؛ ولكنه تفضيل منه لبقاء ما كان على ما كان.
стр. 1605
ومما يؤيد ترجيحنا لرواية تجويز أنس على رواية منعه (أن رواية الجواز جاءت صريحة بشربه في الإناء المفضض ومقرونة بشرب صحابي آخر وهو عمران بن حصين، ورواية المنع ليس فيها قول ولا فعل من أنس وإنما جاءت بصفة من الراوي أن أنس يكره الشرب في الإناء المفضض، ومختصة به دون أن تقرر معه غيره.
وأولى من ذلك كله في ترجيح الرواية الأولى على الثانية أن الأولى موافقة لفعل رسول الله (ولا يمكن أن يكره أنس الشرب في المفضض، ورسول الله قد شرب في القدح المضبب بالفضة.
فإن قيل إن تضبيب القدح غير تفضيضه. قلنا: قد جاء في تعريف المفضض ما يشمل المضبب (١) .
وقولهم تضييق النقدين. وهي العلة التي رجحها الباحث، يجاب عنها بأنها غير متحققة في المموه، لأن المموه ليس إناء ذهب ولا فضة، كما قاله كثير من العلماء منهم أبي عبيد وابن المنذر (٢) . ولأن التمويه بالذهب أو الفضة مقداره قليل جدا، بالنسبة فيما لو كان الإناء مصنوعا منهما؛ فيتحقق فيه قول جمهور العلماء بجوازه إذا لم يتجمع منه شيء وقد ثبتت
стр. 1606
بالتحليل العلمي المخبري الذي سأعرضه قريبا. فإذا ثبت قلة الذهب والفضة المموه بهما لم يتحقق اتحاد العلة مع إناء الذهب والفضة وهي تضييق النقدين، والإسراف كما رجحناه. ولأني قمت بتحليل نسب عنصري الذهب والفضة في عينات من بعض الأواني المستخدمة للطعام، والشراب؛ ذات اللون الذهبي، والفضي، المستعملة في معظم المنازل، إن لم يكن في جميعها، في هذا العصر، والتي يظن الناس حتى بعض من يبيعها أنه ليس فيها شيء من الذهب أو الفضة؛ وذلك بسبب رخصها. ويقولون ليس من المعقول أن يكون فيها ذهب أو فضة وهي بهذا السعر، فوجدتها تشتمل على نسبة ضئيلة من المعدنين أو أحدهما، حيث ثبت من تحليل جدار فنجان شاي زجاجي مذهب وجود نسبة من الذهب، ونسبة من الفضة أقل منه، مع أنها غير مرئية. وقد تم إجراء التحليل المذكور لثلاث عينات، في مركز التقنية البيئية التابع للكلية الامبريل بجامعة لندن، ببريطانيا. وقد تم في هذا البحث دراسة كمية لتركيز عنصري الذهب والفضة في بعض الآنية المستخدمة للطعام والشراب. وكانت الطريقة المستخدمة لإيجاد تراكيز العناصر هي طريقة التحليل باستخدام التشعيع بالنيوترونات (١) آليا. أما العينات المستخدمة في الدراسة فقد تم تحضيرها على شكل قطع صغيرة مساحتها حوالي سنتيمترا مربعا، ثم يتم تحضير عينات من مادة عيارية مرجعية (٢) ، لها نفس الخواص الفيزيائية للعينة المراد دراستها. وتعتمد طريقة التحليل على قصف (٣) جميع العينات بالنيوترونات الحرارية في قلب مفاعل نووي حراري، ويؤدي ذلك إلى تنشيط العينة إشعاعيا (٤) ، مما يؤدي إلى انبعاث أشعة جاما (٥) من العينة. ويدرس طيف (٦) أشعة جاما للعينة، ويقارن بالطيف الصادر من المادة العيارية المرجعية، ومن ثم يتم تحديد تركيز كل من عنصري الذهب والفضة في العينات التي تمت دراستها. بوحدة الميليجرام. علماً أن الكيلو جرام ألف جرام (١٠٠٠) ،
стр. 1607
والجرام ألف ميليجرام (١٠٠٠) ملجم.
والعينات التي تم تحليلها هي:
١ فنجان شاي صغير من الزجاج مذهب، والتذهيب في بعضه، دون البعض الآخر.
٢ إبريق الشاي وارد شركة السيف بجدة، وتذهيبه عادي؛ أي أنه ليس لميعا.
٣ ملعقة شاي مفضضة (١) .
وكانت نتائج التحليل كالتالي:
رقم العينة تركيزالفضة نسبة الخطأ تركيز الذهب نسبة الخطأ
ملجم/كجم ملجم/كجم ملجم/كجم ملجم/كجم
١ ٥٢ ٧ ٢٨٦ ٨
٢ ١٣٦ ٥
٣ ٢٥٤٠٠ ١٤٠٠
وطريقة حساب كمية الذهب أو الفضة في الإناء تتم كالتالي:
حيث إن الوحدة المستخدمة في وزن العينات هي الجرام، والتركيز الذي تم في المعمل بالمليجرام في الكيلو جرام لذا سنقوم بتحويل الجرامات (وزن العينات) إلى كيلو جرامات وذلك بالقسمة على ١٠٠٠ ثم نطبق القاعدة التالية في حساب مقدار الذهب أو الفضة بالجرام.
مقدار الذهب أو الفضة = وزن العينة (بالكيلوجرام) ×التركيز (تركيز الذهب أو الفضة بناء على نتيجة التحليل بوحدة الميللي جرام لكل كيلو جرام من العينة) .
مثال:
وزن فنجان الشاي بالجرام = ٩٦جراماً
وزن فنجان الشاي بالكيلو جرام=٩٦÷١٠٠٠= ٩٦ ٠,٠ كجم
إذا مقدار الذهب الموجود في هذه العينة بالمليجرام= ٩٦ ٠,٠×٢٨٦= ٥ , ٢٧ ملجم (٢) .
والجدول التالي يوضح مقدار الذهب والفضة في العينات بالمليجرام.
رقم العينة واسمها وزنها بالجرام مقدار الذهب بالميليجرام مقدار الفضة بالميليجرام
١ فنجان شاي ٩٦ ٥, ٢٧ ٥
٢ إبريق شاي ٥و٥٧١ ٧و٧٧
٣ ملعقة شاي مفضضة ٧و٣١ ١٨و٨٠٥
وبهذا يتضح أن مقدار الذهب في فنجان الشاي (العينة رقم١) ٥, ٢٧ مليجرام، وأن نسبة الذهب في الفنجان المذكور بالنسبة لوزنه هي ٠٢٨٦,% أي أقل من ٠,٠٣% أي ثلاثة من مائة في المائة. وهو ما يعادل ثلاثة أجزاء من عشرة آلاف جزء.
وطريقة حساب النسبة في العينة المذكورة كالتالي:
стр. 1608
تم تحويل وزن العينة بالجرامات إلى ملي جرام؛ وذلك بضربها في ١٠٠٠ ثم قسمة مقدار الذهب بالملي جرام في العينة على وزن العينة بالمليجرام ثم الضرب في ١٠٠ لتحويلها إلى نسبة مئوية.
فإذا كان ثمن جرام الذهب ٤٠ ريالا فإن ثمن الذهب الذي في العينة المذكورة= ١٠و١ ريالا واحدا وعشر هللات تقريبا.
ولمعرفة نسبة الفضة في العينة رقم ١نتبع الخطوات السابقة في إيجاد نسبة الذهب
٥÷ ٩٦٠٠٠= ٠,٠٠٠٠٥= ٠٠٠٥ ٠,٠ = ٠٠٠٠٥,×١٠٠=٠٠٥, % وهذا المقدار يعني أن نسبة الفضة هي خمسة أجزاء من مائة ألف جزء.
ويلاحظ أن هذه النسبة ضئيلة جدا بحيث يمكن إهمالها.
ومقدار الذهب في إبريق الشاي (العينةرقم٢) ٧و٧٧ أي أقل من جرام واحد. ويزيد قليلاً عن جرام إلا ربع.
وثمن الذهب في العينة المذكورة = ١١و٣ ثلاثة ريالات وأحد عشرة هللة تقريبا.
ونسبة الفضة في الملعقة المفضضة (العينة رقم ٣) المذكور حوالي ٥٤ , ٢ %من الجرام، ومع أنها أعلى نسبة والفارق بينها وبين غيرها من العينات كبير إلا أن مقدار الفضة في هذه العينة لا يبلغ جراما واحدا بل هو٨١ ,٠ جم، مع أن وزن العينة المذكورة ٧و٣١ جراما.
• • •
الخاتمة:
وفيها أهم نتائج البحث:
١ توصل الباحث إلى أنه يحرم استعمال أواني الذهب أو الفضة في الأكل والشرب بالإجماع. ورد على منكري هذا الإجماع. كما رجح قول جمهور الفقهاء وهو حرمة استعمال أواني الذهب والفضة على الرجال والنساء في سائر الاستعمالات الأخرى.
٢ رجح الباحث عدم جواز تضبيب الآنية المعدة للأكل أو الشرب بالذهب. ورجح جواز تضبيب السيف، وجميع أنواع السلاح التي يناسب تضبيبها. أما التضبيب بالفضة فيترجح جوازه للحاجة؛ والمراد بالحاجة أن يكون هناك داع لتضبيبه. وأن مباشرة الفضة ليست مكروهة ولا محرمة.
٣ إذا شرب بكفه وفي أصبعه خاتم فضة لم يكره. وكذا إذا كان في فمه ذهب أو فضة.
стр. 1609
٤ رجح الباحث رأي الجمهور وهو حرمة بيع وشراء أواني الذهب أو الفضة إذا كان الشراء لغرض استعمالها في الأكل أو الشرب. وكذلك يحرم الاستئجار على صياغة أواني الذهب أو الفضة؛ إذا كان بقصد الاستعمال.
٥ لا خلاف بين العلماء في جواز اقتناء الذهب والفضة إذا كان على غير صورة الأواني.
٦ رجح الباحث جواز اتخاذ أواني الذهب والفضة؛ إذا كان الاتخاذ لا لقصد الاستعمال؛ سواء كان لغرض ادخارها لعاقبة الدهر، أو لتحويلها إلى ما يجوز لبسه أو استعماله، أولا لشيء.
٧ يجوز الاستئجار على صياغتها، ويقع الضمان على من كسرها، أو أتلف صنعتها عند من يجيز استعمالها في غير الأكل والشرب، أو يجيز اتخاذها.
٨ يحرم كل ذلك على من يحرم استعمالها، أو اتخاذها، ولا يجب الضمان على من أتلف الصنعة، وفي رواية عن الإمام أحمد يضمن الصنعة أيضا. ويجب ضمان من أتلف العين عند الجميع. سواء من قال بالجواز أو الحرمة.
٩ اشتمل البحث على ذكر العلل التي علل بها العلماء حكم استعمال أواني الذهب والفضة، ورجح الباحث التعليل بتضييق النقدين، والإسراف. وناقش العلل الأخرى، وبين وجه ردها.
١٠ اشتمل البحث على ذكر جملة من الأواني التي استثناها الفقهاء من حكم التحريم.
١١ قال الحنفية، والراجح من مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية، وقول عند الحنابلة يجوز استعمال الآنية المموهة بذهب أو فضة في الأكل أو الشرب أو غيرهما. وقيده الحنفية والشافعية بما إذا لم يتجمع منه شيء إذا عرض على النار.
والمذهب عند الحنابلة والقول الثاني عند المالكية أنه يحرم استعمال الأواني المموهة.
١٢ رجح الباحث جواز بيع وشراء المموه بالذهب والفضة. وهو مذهب الحنفية والشافعية والمالكية وقول عند الحنابلة.
стр. 1610
١٣- اشتمل البحث على أدلة الفريقين، وتمت مناقشتها، وقد خلص الباحث إلى أن الراجح جواز استعمال الأواني المموهة بالذهب أو الفضة، وقد أجاب على أدلة المانعين، وبين أن التعليل بتضييق النقدين، والإسراف لا يتحققان في المموه؛ لقلته. ومع أنه مباح فيما أرى إلا أن التنزه عن استعماله في الأكل والشرب أولى، لاسيما إذا كان التمويه قد غطى جميعه، أو معظمه.
١٤ أيد الباحث ما توصل إليه بإجراء تحليل لعينات من الأواني عن طريق المفاعل النووي، في مركز التقنية البيئية التابع لكلية الأمبريل بجامعة لندن، ببريطانيا.
١٥ أظهر التحليل أن مقدار الذهب والفضة ضئيل جدا. فوزن إحدى العينات ٥و٥٧١ جراما. ومقدار الذهب فيها ٧و٧٧ مليجرام. أي أنه لم يبلغ جراماً واحدا.
١٦ المقادير التي أظهرها التحليل، وما يقاربها زيادة أونقصا هي الغالب في الأواني المموهة في هذا العصر.
تم الانتهاء منه بحمد الله وتوفيقه بيد كاتبه صالح بن زابن المرزوقي البقمي في العوالي بمكة المكرمة يوم الجمعة المبارك ١٦/محرم /١٤٢١هـ الموافق ٢١/ابريل/٢٠٠٠ م. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وأزكى الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الحواشي والتعليقات
لسان العرب؛ تاج العروس، المصباح المنير. مادة: عمل.
الشرح الممتع ١/٦٠، المصباح المنير، معجم لغة الفقهاء. مادة:عمل.
الكوكب الدري المنير في أحكام الذهب والفضة والحرير ص ٤٠؛ لمحمد سعيد الباني.
لسان العرب؛ جواهر اللغة؛ تاج العروس؛ مادة:أنى.
المعجم الوسيط ١/٧٠.
الفلز: عنصر كيماوي يتميز بالبريق المعدني، والقابلية لتوصيل الحرارة، والكهرباء. المعجم الوسيط.
العدد الذري: عبارة عن عدد البروتونات داخل النواة. وهذه البروتونات جسيمات موجبة الشحنة.
الوزن الذري: عبارة عن مجموع عدد البروتونات زائد عدد النيوترونات.
стр. 1611
الكثافة: عبارة عن كتلة واحدة الحجوم من العنصر. والمراد بوحدة الحجوم هي مثل: السنتيمتر المكعب.
معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أبو إياس البصري ثقة عالم، ولد يوم الجمل، وتوفي سنة ١١٣تهذيب التهذيب ١٠/٢١٦.
رد المحتار٥/٢١٧و٢٢٤؛ الدرالمختار مع رد المحتار٥/٢١٧؛ تبيين الحقائق ٦/١١؛ قال الزيلعي: (كره، المراد به: التحريم) . الفتاوى الهندية ٥/٣٣٤؛ الشرح الصغير١/٦٠؛ عقد الجواهر الثمينة
١ / ٣٢؛ المجموع١/٣١٠؛ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية٢١/٨٣؛ شرح العمدة١/١١٤؛ كشاف القناع١/٥١ شرح منتهى الإرادات١/٢٥. نيل الأوطار١/٦٧. مصنف ابن أبي شيبة ٥/٥١٩؛ فتح الباري ١/٩٤. سيأتي في الأدلة ومناقشتها مزيد بسط لهذه الآراء.
المجموع١/٣١٠. وانظر: المهذب ١/١١؛ الحاوي١/٨٣.
المجموع١/٣١١.
بدائع الصنائع ٥/١٣٢؛ اللباب؛ للميداني٤/١٥٨؛ العناية والهداية مع تكملة شرح فتح القدير١٠/٥و٦.
الهداية ١٠/٦.
الأم ١/٦٥ مسألة ٢٣١ تحقيق الدكتور أحمد حسّون.
المصدر السابق ١/٨٢.
الدهقان:بكسر الدال وضمها، رئيس القرية، وزعيم فلاحي القرية. وهو معرب. النهاية في غريب الحديث. مادة: دهق.
صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٧٧٠؛ واللفظ له، صحيح البخاري بشرح فتح الباري٩/٥٥٤. المصنف٥/٥١٧لابن أبي شيبة.
* ... الصحاف: جمع صحفة، كقصعة وقصاع، والصحفة دون القصعة؛ قال الكسائي: القصعة ما تسع ما يشبع عشرة والصحفة ما يشبع خمسة. جواهر اللغة مادة قصع. وانظر: المجموع ١/٣٠٨.
صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ٩/٥٥٤؛ صحيح مسلم بشرح النووي٤/٧٧٢.
صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٧٦٩؛ المصنف ٥/٥١٧؛ لابن أبي شيبة.
стр. 1612
صحيح البخاري بشرحه١٠/٩٦؛ صحيح مسلم بشرحه٤/٧٦٣ و٧٦٤. واللفظ له؛ الموطأ٢/٧٠٥؛ سنن ابن ماجه٢/١١٣٠؛ يجرجر: يردد من جرجر الفحل إذا ردد صوته في حنجرته. والجرجرة: هي صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف. قال النووي: (يجرجر بكسر الجيم الثانية بلا خلاف، ونارا بالنصب على المشهور الذي جزم به المحققون وروي بالرفع على أن النار فاعلة، والصحيح الأول وهو الذي اختاره الزجاج والخطابي والأكثرون، ولم يذكر الأزهري وآخرون غيره) المجموع ١/٣٠٧.
شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٧٦٣.
النساء الآية ١٠.
شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٧٦٤؛ المجموع١/٣١١؛ التمهيد١٦/١٠٤و١٠٥و١٠٨.
فتح الباري١٠/٩٤؛ نيل الأوطار١/٦٧.
محمد سعيد بن عبد الرحمن بن محمد الباني الدمشقي تولى منصب الإفتاء في بعض أقضية دمشق ثم مفتشا للجيش العربي ثم أنشئت هيئة دينية اختير أمينا عاما لها، توفي سنة١٣٥١ هـ. الأعلام؛ للزركلي٦/١٤٣.
الكوكب الدري ص١١١. بتصرف.
شرح النووي على صحيح مسلم٤/٧٦٤؛ المجموع ١/٣١١؛ التمهيد١٦/١٠٤و١٠٥و١٠٨؛ المغني١/١٠١و١٠٢؛ مجموع فتاوى شيخ الإسلام٢١/٨٤؛ الإفصاح١/٦٣؛ المبدع١/٦٦؛ مغني المحتاج١/٢٩؛ نهاية المحتاج ٢/٨٩ حاشية الدسوقي ١/٦٤،
المغني ١/١٠٤؛ مجموع فتاوى شيخ الإسلام٢١/٨٢؛ كشاف القناع١/ ٥٢؛ شرح منتهى الإرادات١/٢٥.
١/٦٥.
المهذب١/١١، وانظر: المجموع١/٣١١.
شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٧٦٥
المصدر السابق؛ نيل الأوطار١/٦٧.
فتح الباري١٠/٩٤؛ نيل الأوطار؛
كشف الأسرار ٣/٢٤٥؛ العدة٤/١١١٨و١١١٩؛ التمهيد٣/٢٦١؛ البرهان١/٧٢١؛ الإحكام للآمدي المعتمد٢/٤٨٧
* ... أوردنا الكلام على حكم استثنا إناء الذهب والفضة هنا؛ لأنه يستعمل في الأكل والشرب؛ والمستثنتيات الأخري أتبعناها الكلام على استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب؛ لأنها كذلك.
المصباح المنير، تاج العروس، مادة: ضب.
стр. 1613
الصحاح، مادة:ضبب. المطلع ص٩.
المجموع ١/٣١٧؛ مغني المحتاج١/٣٠.
رد المحتار ٥/٢١٩؛ وانظر:الدر المختار معه؛ الهداية ١٠/٧؛ بدائع الصنائع ٥/١٣٢، المجموع ١/٣١٩و٣٢٠؛ مغني المحتاج ١/٣٠؛ الحاوي١/٨٧؛ شرح العمدة ١/١١٦؛ الإنصاف ١/٨١؛ شرح المنتهى١/٢٥؛ الشرح الممتع١/٦٤، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١/ ٥٩؛ الشرح الصغير ١/٦٢.
المجموع ١/٣١٩و٣٢٠؛ مغني المحتاج ١/٣٠؛ الحاوي١/٨٧؛ شرح العمدة ١/١١٦؛ الإنصاف ١/٨١؛ شرح المنتهى١/٢٥؛ الشرح الممتع١/٦٤.
المجموع١/٣٢١.
المصدر السابق.
مجموع الفتاوى ٢١/٨١، شرح العمدة ١/١١٦و١١٧؛ وانظر: المغني١/١٠٥، كشاف القناع١/٥٢و٥٣؛ شرح المنتهى١/٢٧؛ المجموع١/٣٢٠؛ نهاية المحتاج١٠٦.
شرح المنتهى١/٢٧؛ الكشاف١/٥٢و٥٣.
عقد الجواهر الثمينة١/٣٣، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١/ ٥٩؛ الشرح الصغير ١/٦٢.
عقد الجواهر الثمينة ١/٣٣. وانظر: مواهب الجليل ١/١٢٩؛ التاج والأكليل ١/١٢٩.
التاج والأكليل ١/١٢٩، عقد الجواهر الثمينة١/٣٣.
الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١/ ٥٩؛ الشرح الصغير ١/٦٢.
المهذب١/١٢؛ المجموع١/٣١٧؛ الحاوي ١/٨٧؛ فتح العزيز١/٣٠٤؛ المغني١/١٠٥؛ الإنصاف١/٨٣ الفروع ١/٩٨؛ شرح العمدة١/١١٧.
رد المحتار ٥/٢١٩؛ وانظر:الدر المختار معه؛ الهداية ١٠/٧؛ بدائع الصنائع ٥/١٣٢.
المصادر السابقة، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١/ ٥٩؛ الشرح الصغير ١/٦٢، المجموع ١/٣١٧ فتح العزيز ١/٣٠٤، تصحيح الفروع١/٩٧؛ الإنصاف ١/٨٣ وانظر: المغني ١/١٠٤.
رد المحتار ٥/٢١٩؛ وانظر:الدر المختار معه؛ الهداية ١٠/٧؛ بدائع الصنائع ٥/١٣٢.
стр. 1614
الثًّفَرُ: للسباع ولذوات المخالب، كالحياء للناقة. وقال ابن فارس:الثفر الحياء من السّبعةِ وغيرها. والثفر:بالتحريك السير الذي في مؤخر السرج. (وهو المراد هنا) وأثفر الدابة:عمل لها ثفرا أو شدها به. وفي الحديث الشريف أمر (المستحاضة أن تستثفر. لسان العرب؛ المحكم؛ تاج العروس؛ معجم مقاييس اللغة. مادة: ثفر.
بدائع الصنائع ٥/١٣٢؛ اللباب٤/١٥٨.
المجموع ١/٣١٧؛ فتح العزيز ١/٣٠٤.
فتح العزيز ١/٣٠٤.
المجموع١/٣٢٠؛ نهاية المحتاج١/١٠٦، الإنصاف١/٨٣.
المجموع ١/٣٢١، شرح العمدة١/١١٦، الإنصاف١/٨١.
الإنصاف١/٨.
المنتقى ٧/٣٣٦.
صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ٦/٢١٢ رقم الحديث ٣١٠٩. سيأتي مزيد بسط لحديث أنس في المبحث الثاني من الفصل الخامس.
وهو رأي المالكية، انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٥.
الهداية١٠/٧؛ تكملة فتح القدير١٠/٨؛ رد المحتار٥/٢١٨؛ الفتاوى الهندية٥/٢٣٤.
المجموع ١/٣١٨؛ مغني المحتاج ١/٣٠، شرح منتهى الإرادات١/٢٦، كشاف ١/٥٣.
سنن الترمذي بشرح ابن العربي٧/١٨٤؛ التلخيص الحبير١/٥٢.
المجموع ١/٣٢١.
الفتاوى الهندية ٥/٣٣٥.
صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٨٠٤.
رد المحتار٥/٢٣٠؛ المدونة ٣/٤١٦؛ وانظر:المنتقى؛ للباجي ٤/٢٦٨ و٢٦٩؛ و١/١٢٨؛ مواهب الجليل ٤/٣٣٠؛ العمدة ١/١١٥؛ كشاف القناع٣/١٥٢و١٥٤؛ شرح منتهى الإرادات ٢/١٤٠و١٤٢.
المدونة ٣/٤١٦.
стр. 1615
ترتيب المدارك ١/١٤٥، حاشية الصاوي مع الشرح الصغير١/٤٣٠. جاء فيها عند قول الدردير: [وحرم على المتخلف ابتداء صلاة] (أي وحملت الكراهة في المدونة وابن الحاجب على التحريم) . وانظر: الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي ص ١٦٠و١٦١ لعبد العزيز بن صالح الخليفي، الموسوعة الفقهية٣٤/٢٢٢. ومما نقل عن الإمام مالك في هذا الشأن ما جاء في ترتيب المدارك: (لم يكن من أمر الناس ولا من مضى ولا من سلفنا الذين يقتدى بهم ويعول الإسلام عليهم أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول أنا أكره كذا وأحب كذا. وأما حلال وحرام فهذا الافتراء على الله، أما سمعت قول الله تعالى (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالا، قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) يونس، آية:٥٩. لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرماه) .
كشاف القناع ٣/١٥٢و١٥٤؛ شرح المنتهى ٢/١٤٠و١٤٢، الخواتيم لابن رجب ص١٢٣.
الأم ٣/٧٤؛ المجموع ١/٣٠٧؛ ٣١١؛ روضة الطالبين ١/٤٦.
المجموع ١/٢١٥؛ روضة الطالبين ١/٤٦.
المائدة من الآية ٢.
إعلام الموقعين عن رب العالمين٣/١٧٥.
صحيح مسلم ٤/٩٧.
الخواتيم ص ١٢٣.
رد المحتار٥/٢٣٠، الدر المختار٥/٢٣٠؛ الفتاوى الهندية٥/٣٣٥؛ عقد الجواهر الثمينة١/٣٢، مواهب الجليل١/١٢٨؛ حاشية الدسوقي١/٥٩؛ حاشية الصاوي مع الشرح الصغير١/٦١؛ روضة الطالبين٥/٢٣و٢٤؛ المجموع١/٣١٣؛ مغني المحتاج١/٢٩؛ المغي٥/٤٢٨؛ الكشاف٥/١٠٧و١٠٨؛ أحكام الخواتيم؛ لابن رجب ص ١٣٨الموسوعة الفقهية ١/١٢٤.
المكحلة: بضم الميم، إناء الكحل، وهي من النوادر التي جاءت بالضم، وقياسها الكسر لأنها آلة. المصباح المنير، مادة كحل.
المدهنة: بضم الميم، ما يجعل فيه الدهن. اللسان: مادة: دهن.
следующие страницы →