← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

لقد أدى تفسير تركيب المادة الوراثية إلى إحراز تقدم علمي ملحوظ في مجال التشخيص المخبري للأمراض الوراثية، وأمكن توفير وسائل وطرق عدَّة ترقى إلى نسبة عالية من الدقة وتشمل خيارات متعددة لا جراء الفحوص والوقاية منها في مراحل مختلفة من العمر، وفيما يلي نذكر بعضاً من هذه الطرق مع بيان فوائد ومساوئ كل طريقة منها: أولا: المسح الوراثي الوقائي (١) : ويتمثل هذا في تشخيص الأمراض الوراثية على نطاق واسع من المجتمع في مراحل مختلفة من العمر باستخلاص عينة دم للتشخيص الوراثي. فوائده: يهدف هذا المسح إلى الحدِّ من اقتران حاملي المورِّثات المعتلة، وبالتالي الحدِّ من الولادات المصابة بالمرض. ثانيا: التشخيص قبل الزواج: والمقصود به معرفة الحاملين لأمراض وراثية في مجموعة عرقية معينة أو في بلد معين حتى يتجنب ظهور الأمراض الوراثية. ويكتشف المرض بواسطة تحليل الدم والرَّحَلاَن الكهربائي، وكلفتها محدودة وإجراؤه قبل الزواج ممكن (٢) . فوائده: تظهر فوائد إجراء الفحص الطبي قبل الزواج إلى تقليل عدد المصابين بكثير من الأمراض الشائعة في المجتمع كالتلاسيميا أو المنجلية إما بعدم تزاوج حاملي الجين أو إجراء الفحوصات عند الرغبة في الإنجاب، وكلفتها محدودة مقدور عليها. عيوبه: (١) إيهام الناس أن إجراء الفحص الطبي سيقيهم من الأمراض الوراثية، وهذا غير صحيح لأن الفحص الطبي الوراثي لا يبحث سوى انتشار مرض واحد أو اثنين في مجتمع معين، لذا فمن المستحيل أن يستطيع أحد القول بأن الفحص الطبي قبل الزواج سيؤدي إلى ذرية سليمة مائة بالمائة. (٢) عدم التحكم في سرية نتائج الفحوصات وبالتالي يحدث أضراراً بأصحابها بعدم قيام شركات التأمين بالتأمين على المصابين في الجينات أو بمضاعفة المبالغ المطلوبة منهم، وفي ذلك ظلم لهؤلاء الأشخاص الذين لم يكن لهم يد في تكوينهم وحملهم لهذه الصفات الوراثية.

стр. 1647

(٣) تأثيرات ذلك الفحص على إحجام الشباب وعزوفهم عن الزواج وخاصة عند ظهور صفة وراثية غير مرغوب فيها في أحد الخاطبين وانتشار ذلك بين الناس مما يحدث مشاكل اجتماعية ونفسية لا تحمد عقباها. والخلاصة أن الفحص الطبي قبل الزواج المتعلق بالأمراض الوراثية سيؤدي إلى مساوئ كثيرة منها التعدِّي على الحرية الشخصية، كما يسبب مشاكل مالية ونفسية، منها التمييز العنصري في مجال التوظيف والزواج وتكليف الإنسان مبالغ كبيرة في شئ ليس مسؤولاً عنه، ولا يد له فيه (١) . ثالثا: التشخيص قبل زرع النطفة بعد الإخصاب خارج الرحم (الفحص قبل الانغراز) : وتتميز هذه الطريقة بأنها تتجنب الإجهاض وهو أمر مرفوض شرعاً. وأما عيوبها: (١) أنها باهظة التكاليف. (٢) أنها تعرض الزوجين للكشف عن العورة المغلظة. (٣) أنها ترهق الأسرة وتعطل أعمالها. (٤) أن هذا الفحص غير متوفر إلا في مراكز محدودة في العالم (٢) . رابعا: التشخيص في أثناء الحمل: (أ) بواسطة الزغبات المشيمية: ويتم إجراؤه في الأسبوع السابع والثامن إما عن طريق المِهْبَل أو عن طريق البطن بالاستعانة بالموجات فوق الصوتية، بفحص خلايا الزغبات المشيمية لأي خلل كروموزومي أو لمعرفة المرض الوراثي المحتمل حدوثه. وميزة هذا الفحص أنه يتم في فترة مبكرة من الحمل وبالتالي يمكن أن يتم الإجهاض لمن يسمح بالإجهاض قبل نفخ الروح في حالة وجود مرض خطير. (ب) إزالة السائل الأمينوسي وفحصه: عند وجود مرض وراثي في الأسرة أو عند وجود خلل كروموزومي في ولادة سابقة أو عندما تكون المرأة الحامل قد تجاوزت الخامسة والثلاثين. ويتم ذلك بسحب السائل بالجنين في الأسبوع الخامس عشر من الحمل. وميزة هذا الفحص: سهولته ويسره وتوفره في معظم دول العالم. وعيوبه: أنه يتم في مرحلة متأخرة من الحمل نسبياً بحيث لا يسمح بالإجهاض بأي حال من الأحوال. (ج) فحص دم الجنين:

стр. 1648

ويتم إجراؤه بأخذ عينة من دم الجنين من الحبل السري وبذلك يتمكن من معرفة العديد من الأمراض الوراثية والاستقلالية. وميزته: أنه يتم بسهولة ويسر ونسبة حدوث المضاعفات فيه قليلة. وعيبه: أنه يتم إجراؤه في الأشهر الأخيرة وبالتالي فلا فائدة منه في إتاحة فرصة الإجهاض لمن كانت تحمل جنيناً مشوهاً. فوائد الإرشاد الجيني: خلاصة لجميع ما تقدم من بيان طرق الإرشاد الجيني، وإيجابيات كل طريقة وسلبياتها، يظهر لنا أن من أهم فوائد الإرشاد الجيني ما يلي: ١ الحد من اقتران حاملي المورِّثات المعتلة، وبالتالي الحد من الولادات المصابة بالمرض الوراثي، وفي ذلك تحقيق لمبدأ الوقاية الصحية المطلوب شرعاً، كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة. ٢ إثراء المعرفة العلمية عن طريق التعرف على المكونات الوراثية وتفسيرات وظائفها في حالات الصحة والمرض، ومعرفة أساسيات الاعتلالات المرضية ونمط حيودها. ٣ الاكتشاف المبكر للمرض، ومن ثم التمكن من منع وقوعه أصلاً، أو المبادرة لعلاجه أو التخفيف منه قبل تفاقمه وانتشاره وذلك بفضل الإرشاد الجيني. ٤ تقليل مساحة المرض داخل المجتمع بنشر الوعي الصحي عن طريق الاستشارة الوراثية والإرشاد الجيني (١) . محاذير الإرشاد الجيني: يمكن تلخيص أهم محاذير الإرشاد الجيني في النقاط التالية: ١ أن كثيراً من مفاهيم الجينوم البشري وحقائقه غير واضحة المعالم، ومازال الغموض يكتنف كثيراً من ماهيتها. ٢ أن نتائج الفحوصات الجينية ليست قطعية في كثير من الحالات، ومعظم الأمراض ناتجة عن تفاعل أمراض تتفاعل فيها البيئة ونمط الحياة مع النمط الوراثي الجيني. ٣ أن الفحوصات المخبرية الجينية لا يمكن أن تحدد وتثبت مدى الإصابة بهذه الأمراض على الرغم من التقدم الحاصل فيها، وإذا حدث المرض لا تدل على قوته من ضعفه.

стр. 1649

٤ أن الكثير من الأمراض الوراثية المعروفة لا تنتج بسبب الوراثة من الوالدين وإنما بسبب عوامل أخرى مثل الطفرات الجينية التي تحدث في البييضة، أو الحيوان المنوي، أو البيضة الملحقة. ٥ أن الفحوصات الجينية يكتنفها بعض المشاكل الأخلاقية والاجتماعية والنفسية والمالية التي يمكن اغتفارها لو كانت المصلحة المتحققة منها أعظم من هذه المشاكل (١) . ٦ – أن الأمراض الوراثية نسبة وجودها لبقية الأمراض تعتبر نسبة نادرة. وفي ضوء هذه السلبيات والإيجابيات الحاصلة في الإرشاد الجيني وما يترتب عليها من المصالح والمفاسد التي تنعكس على حياة الناس في جميع مناحيها الاقتصادية والشخصية والاجتماعية والنفسية من جراء خضوعهم لهذا الإرشاد، فإنه يمكن أن نضع التكييف الفقهي للمسألة بعد دراسة ومراجعة الأصول والقواعد الشرعية المتعلقة بهذه النازلة. التكييف الفقهي ... إن التكييف الفقهي لهذه النازلة العصرية يمكن إنتاجه بعد التأمل في أربعة مداخل رئيسة، وذلك بإدارتها على جانبي السلب والإيجاب: الأول: القواعد الفقهية: وذلك من خلال القواعد التالية: (١) المشقَّة تجلبُ التيسير. ... وهذه قاعدة عظيمة في الشريعة ومعناها: أن أحكام الشريعة كلها مبنية على التيسير ومصالح العباد، فلا يكلف الشارع ابتداء العباد بما يشق عليهم ويوقعهم في الحرج، ثم إن أي حكم شرعي ينشأ من تطبيقه مشقة وحرج على المكلف في نفسه أو ماله فإن الشريعة تخففه بما يقع تحت قدرته من دون عسر أو إحراج (٢) . (٢) درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ... ومعنى القاعدة أنه: إذا اجتمع في أمر من الأمور مفسدة ومصلحة، فإن دفع المفسدة أولى من تحصيل المصلحة لأن المفسدة منهي عنها والمصلحة مأمور بها، وعناية الشريعة بترك المنهيات أشد من عنايتها بفعل المأمورات (٣) . (٣) الأصل براءة الذمة.

стр. 1650

.. ومعناها: أن الأمر المتيقن هو أن الإنسان خلق خالياً من المسؤوليات والالتزامات، أو حقوق الآخرين فلا تشغل ذمته بأي حق أو التزام إلا بدليل أو بينة. ... قال العز ابن عبد السلام (ت ٦٦٠هـ) : "الأصل براءة ذمته من الحقوق وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات وبراءته من الانتساب إلى شخص معين، ومن الأقوال كلها والأفعال بأسرها" (١) . ... وعلى هذا يحكم بيقين انتفاء الأحكام وبراءة الذمة من التكاليف الشرعية، قبل مجيء الشرع وبعد مجيئه أيضاً عند عدم الدليل الشرعي، إذ يلجأ إليه المجتهد عند عدم وجود الأدلة. (٤) الدفع أولى من الرفع. ... ومعناها: أنه إذا أمكن رفع الضرر قبل وقوعه، فهذا أولى وأسهل من رفعه بعد الوقوع (٢) . (٥) يختار أهون الشرين وأضعف الضررين ... الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ... إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما (٣) . ... هذه القواعد الثلاث ذات معنى واحد تقريباً مفاده: أن الأمر إذا دار بين ضررين أحدهما أشد من الآخر فيتحمل الضرر الأخف ولا يرتكب الأشد. ... ويمكن أن يعبر عنه بأسلوب آخر وهو: أن من ابتلي ببليتين وهما متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفتا يختار أهونهما، لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة. (٦) يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام. ... ... إذا اجتمع في أمر من الأمور ضرران أحدهما عام والآخر خاص، فإنه يجوز ارتكاب الضرر الخاص، بل يحمل عليه الإنسان في بعض الصور وذلك لدفع الضرر العام على الناس لأن الضرر الخاص أهون من الضرر العام (٤) . الثاني: الاعتبار الشرعي للمصلحة المرسلة: ... إن المصالح والمفاسد التي تعتبر مقياساً للأمر والنهي في الشرع الإسلامي هي التي تتفق أو تتنافى مع مقاصد الشريعة. ... أول مقاصد الشريعة صيانة الأركان الخمسة الضرورية للحياة البشرية وهي:

стр. 1651

١ الدين ... ٢ والنفس ... ٣ والعقل ... ٤ والنسل ... ٥ والمال ... وقد قسم الفقهاء ﵏ الأمور التي تعد من المصالح بالنظر الشرعي، بحسب دلائل نصوص الشريعة وأحكامها إلى ثلاثة أقسام: الأول: الضروريات: وهي الأمور التي تتوقف عليها صيانة الأركان الخمسة من أعمال وتصرفات وتدابير وأشياء وما إليها. الثاني: الحاجيات: وهي الأعمال والتصرفات التي لا تتوقف عليها صيانة تلك الأركان الخمسة، ولكنها تتطلبها الحاجة لأجل التوسعة ورفع الحرج. الثالث: التكميليات أو الكماليات أو التحسينات: وهي التي لا تتحرج الحياة بتركها ولكن مراعاتها من مكارم الأخلاق، أو من محاسن العادات، فهي من قبيل استكمال ما يليق والتنزه عما لا يليق. ... وعلى هذا فالأحكام التي شرعت لصيانة الأركان الضرورية هي أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة، وتليها الأحكام المشروعة لضمان الحاجيات، ثم الأحكام المشروعة للتحسين والتكميل. ... ولا يراعى حكم تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بما هو ضروري أو حاجي ولا يراعى حكم حاجي إذا كانت مراعاته تخل بالضروري، لأن الفرع لا يراعى إذا كان في مراعاته والمحافظة عليه تفريط في الأصل. ... هذه هي الأسس التي يعتبرها الشرع الإسلامي في وزن المصالح المرسلة أنواعاً ودرجات، وهي ترسم مقاصد الشريعة كما تدل عليه دلائل نصوصها في شتى الموضوعات والقضايا والأحكام. فكل ما يؤيد هذه المقاصد الشرعية ويساعد على تحقيقها فهو مصلحة مطلوبة طلباً قوياً أو ضعيفاً بحسب موقعها من تلك الأقسام الكلية الثلاثة، وكل ما ينافيها فهو مفسدة ممنوعة منعاً شديداً أو ضعيفاً بحسب نوع المقصد الشرعي الذي تخل به.

стр. 1652

.. ومن المسلم أن كل أمر من الأمور فيه جهة نفع وجهة ضرر متعادلتان أو متفاوتتان. فإذا كانت جهة النفع في الشيء هي الغالبة فهو مصلحة، وإن اشتمل على ضرر مغلوب، وإن كانت جهة الضرر هي الغالبة فهو مفسدة، وإن اشتمل على نفع مغلوب، ولذا كان الفعل ذو الوجهين منسوباً إلى الجهة الراجحة فيه من مصلحة أو مفسدة. ... وعلى هذا فكل شئ أو فعل إنما يكون مشروعاً أو ممنوعاً بحسب رجحان نفعه أو رجحان ضرره، وتقدير ذلك إلى نظر المجتهد. ... ومن المقرر في هذه الحال أن الجهة المرجوحة المغلوبة من نفع أو ضرر غير مقصودة للشارع في أوامره ونواهيه، بل هي متغاضى عنها في سبيل الجهة الراجحة. ... ومن المقرر أيضاً أن المصالح التي يعتبرها الشرع ويرعاها لا عبرة بكونها موافقة لأهواء المكلفين وشهواتهم أو مخالفة، وإنما هي ما يقيم شأن الدنيا على أن تكون جسراً للآخرة فتبني حياة صالحة فاضلة متعاونة على الخير والبر (١) . ... وقد أوضح الإمام الشاطبي هذا المعنى وقال: "وهذا النظر كله أساسه كون المصالح مشروعة لإقامة هذه الدنيا لا لنيل الشهوات ولا لإجابة داعي الهوى" (٢) . الثالث: اعتبار المقاصد الشرعية في الأحكام: ... لكل حكم من الأحكام الدينية مقصد يهدف إلى تحقيقه في حياة الناس، وبتحققه في الواقع تتحقق للإنسان منفعة، أو تدرأ عنه مفسدة، راجعة إلى الأصول الخمسة التي تقدم ذكرها قبل قليل. ... والرابطة بين الحكم وبين مقصده هي: رابطة تلازم على مستوى التجريد.

стр. 1653

.. إلا أن مقاصد الأحكام وإن كانت لازمة لها في ذاتها لزوماً منطقياً مجرداً، فإن وقوع الأحكام على عين الأفعال في الواقع لا يلازمه بالضرورة المطردة حصول المقاصد منها، لأن أفعال الإنسان العينية في واقعها الزمني قد تحف بها ملابسات وأعراض تحول دون تحقيقها للمقاصد من الأحكام التي أجريت عليها فتطبق حينئذ الأحكام على مجريات الأحداث وتتخلف المقاصد التي من أجلها وضعت. ... ولذلك فإن اعتبار المقاصد في الأحكام لا يكفي فيه الاجتهاد النظري، الذي يهدف إلى الكشف عن مقاصد الأحكام في منطقيتها التجريدية، بل لابد من مرحلة اجتهادية ثانية عند صياغة الأحكام، وهي المرحلة التي يتم فيها اعتبار المقاصد في الأحكام، من حيث حصولها في الواقع، عندما تطبق تلك الأحكام على مشخصات الأحداث، فيكون رجحان الظن بحصولها أو تخلفها، ميزاناً في صياغة الأحكام، اعتماداً لما يرجح الظن بتحقيقه مقصده في الواقع من الأحكام، وعدولاً عما يرجح الظن أنه لا يحقق مقصده لأعراض تلم بالواقعة المراد إجراء الأحكام عليها (١) . الرابع: اعتبار مآلات الأحكام: ... إن من أهم الأسس التي يجب اعتبارها عند التصدي لاستحداث حكم في نازلة عصرية اعتبار مآلات هذا الحكم في الواقع، فإن بعض الأحكام قد لا تكون مؤدية إلى الغايات التي وضعت لها. ... فلا يكفي اعتبار المطابقة بين الحكم وبين الفعل من حيث جنسه، بل لابد من النظر في الواقع وتقويم الفعل بناء على الخصائص الظرفية له، فقد يفضي ذلك الاعتبار إلى العدول عن الحكم الأصلي إلى حكم غيره تقتضيه خصوصيات الواقع وهذا ينبني على علم دقيق بأسباب التفاعل بين مجريات الأحداث في الواقع الذي يراد علاجه، بحيث يعرف بتلك الأسباب ما ينتج عن تطبيق حكم من آثار صالحة أو ضارة، وعلى هذا الأساس يقع إقرار ذلك الحكم أو العدول عنه إلى غيره بحيث ما يغلب على الظن أن تتحقق به المصلحة تدرأ به المفسدة.

стр. 1654

.. ويمكن التمثيل لهذا المدخل من باب الإيضاح بمسألة الملكية الفردية، فمثلاً: الحكم بإطلاق الإباحة في الملكية الفردية من شأنه أن يكون دافعاً إلى غزارة الإنتاج الذي يزدهر به الجانب الاقتصادي في حياة الأمة، ولكن في الظرف الذي تصير فيه الحاجات الضرورية للكافة غير مكفولة، بسبب قحط أو حرب أو غيرها، فإن هذا الحكم بإطلاق الإباحة في الملكية الفردية قد يفضي إلى ضرر اجتماعي كبير بتفاقم الحاجات الضرورية، وما يؤدي إليه ذلك من اضطراب اجتماعي، قد يكون مدمراً لوحدة الأمة، ففي هذا الظرف يعدل عن الحكم بإطلاق الإباحة في الملكية الفردية إلى الحكم بتقييدها بما يدرأ المفسدة الاجتماعية. ... يقول الشاطبي في شرح مراعاة مآلات الأفعال: "إن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظرة إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو لمصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإن أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة، أو تزيد عليها فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للاجتهاد صعب المورد" (١) . صياغة الحكم الفقهي: ... بناء على ما تقدم من تصور طبي لهذه النازلة، وبعد استجلاء لطرق الإرشاد الجيني ووسائله الطبية، وتأسيساً على ما ذكرناه من المداخل الشرعية اللازمة لمعالجة هذه النازلة من خلال القواعد الفقهية والاعتبار الشرعي للمصلحة المرسلة، وباعتبار المقاصد الشرعية في الأحكام، واعتبار مآلات الأحكام أيضاً.

стр. 1655

.. فإنه يمكننا الخروج بالأحكام الفقهية التالية: ... لايمكن القول بإعطاء حكم مطلق للإرشاد الجيني، لأن طرقه متعددة ووسائل هذه الطرق مختلفة، وتستجد كلما تقدم الطب، فلابد أن تعطى كل طريقة من طرق الإرشاد الجيني حكماً مستقلاً بها وبوسائلها. أحكم المسح الوراثي الوقائي: ... بما أن هذه الطريقة تهدف إلى تقليل الأمراض الوراثية وتساعد الأطباء على وضع البرامج الوقائية لحماية الإنسان وابتكار الأدوية، كما تساعد في دفع الضرر قبل وقوعه. ... فإن المصلحة المرسلة ومقاصد الشريعة وقواعد الشرع المطهر تجيز هذا النوع بشرط أن تكون الوسائل المستعملة مباحة آمنة لا تضر بالإنسان، ويجب الإجبار على هذه الطريقة إذا انتشر الوباء في بلد معين، أو إذا أمر به الإمام بدافع المصلحة وبصرف النظر عن الضرر الخاص الواقع على الأفراد تحقيقاً لمصلحة دفع الضرر العام، مع وجوب المحافظة على نتائج هذا المسح حماية لأسرار الإنسان الخاصة، وحفاظاً على سمعته التي أمر الشرع بالمحافظة عليها والذب عنها. ... ولا تسعف الأدلة الشرعية بالقول بوجوب هذا المسح على الجميع، فإن المفاسد المترتبة على القول بوجوبه أعظم من المصالح المرجوة منه. ب حكم الإرشاد الجيني قبل الزواج: ... استناداً للفوائد المترتبة على هذه الوسيلة، وبناء على ما فيها من دفع للضرر قبل وقوعه، ولتحقيقها للمقاصد الشرعية في الأحكام من صيانة النفس والنسل، فإن عمل هذا الفحص جائز، مع اشتراط الوسيلة المباحة الآمنة، ويجب في الحالات التالية: ... ١ إذا انتشر الوباء في مجتمع معين أو مجموعة عرقية معينة. ... ٢ إذا ألزم به ولي الأمر فإن طاعته واجبة في هذا المعروف لأنه تصرف منوط بالمصلحة، ويتحمل الضرر الحاصل فيه لأنه من قبيل تحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام.

стр. 1656

.. والقول بوجوبه مطلقاً بعيد لأن فيه إيجاب حق لم يأت الشرع به ولم يدل عليه، وفيه حرج على المكلفين نفسياً ومالياً ويترتب على القول بوجوبه مطلقاً مفاسد ربما أدت إلى إحجام الشباب عن الزواج، وحيث أن هذا الفحص لا يبحث سوى مرض واحد أو اثنين ونتائجه ليست متحققة في الواقع بشكل كامل، وربما تخطئ وتصيب، وقد يحدث المرض الوراثي بعوامل أخرى تقدمت الإشارة إليها في التصور الطبي. ... وإذا قلنا بالوجوب المطلق فإن هذا الحكم ستكون مآلاته على خلاف ما قصد منه، فإنه بالنظر في الواقع إذا وزن القول بالوجوب المطلق بميزان المصالح والمفاسد يظهر لنا كثيراً من المفاسد التي ستنشأ عن تطبيق هذا الحكم، الأمر الذي يخالف مقصود الأصل الذي يسعى إليه المجتهد. ج حكم التشخيص قبل زرع النطفة: ... هي إحدى طرق التلقيح الاصطناعي الخارجي (الإخصاب المعملي) حيث يتم الإخصاب في وسط معملي يؤخذ فيه الماءان من زوج وزوجته فتوضع في أنبوب اختبار طبي حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته إلى أن تنمو مرحلة (النوتة) ثم تفحص وراثياً، فإن كانت معيبة تركت وإن كانت سليمة أعيدت إلى الرحم. ... وهذه الطريقة هي في الواقع أسلوب من أساليب طفل الأنابيب، وقد سبق أن أجاب الفقهاء ﵏ بجوازه للضرورة، حيث أن هذه الطريقة محفوفة بالمخاطر منها: الاحتمال الكبير بحدوث الخطأ في اختلاط النطف. ومنها: خطر طلب الانتقاء في المواليد. ... وعليه نرى عدم جواز هذه الطريقة من الإرشاد الجيني في الأحوال العادية حفاظاً على مقاصد الشريعة في صيانة النسل والنسب، ولأنها لا تجوز إلا للضرورة، ولا نرى الفحوص الوراثية من الضرورات على الأقل في هذا الوقت بناء على ما تقدم من تصور طبي لفوائدها ومحاذيرها ومصداقية نتائجها، ثم إنه قد يسلم الإنسان من المرض الوراثي بسبب الوراثة ولا يسلم منه لعوامل أخرى تقدم ذكرها، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.

стр. 1657

د حكم الفحص في أثناء الحمل: ... لهذه الطريقة وسائل طبية متنوعة، ويمكن إجراؤها في مراحل مختلفة من الحمل، في أوله، ووسطه، وآخره، والذي وقفت عليه من الوسائل ثلاث وهي: ... ١ بواسطة الزغبات المشيمية. ... ٢ بواسطة إزالة السائل الأمينوسي وفحصه. ... ٣ بواسطة فحص دم الجنين. ... ولا يختلف الحكم في هذه الوسائل بحكم أن مؤداها واحد في نظري، فأرى جوازها بناء على ما تحققه من محافظة على مقاصد الشريعة بصيانة النسل، ولما فيها من دفع الضرر قبل وقوعه، وللمصلحة المترتبة. ... أما إجبار المرأة الحامل على هذا الفحص فيمكن القول بجواز الإجبار في جميع الحالات إذا وجدت قرائن ظنية، أو أمارات تفيد احتمال وجود المرض الوراثي (مثل حمل المرأة إذا تعدت سن ٣٥ للفحص عن متلازمة داون) ، وكان ذلك بقول أهل الطب والخبرة الثقات، فإذا ظهر صحة ذلك وتحقق وجود المرض قبل مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية أن الجنين مريضاً مرضاً خطيراً غير قابل للعلاج وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلاماً عليه وعلى أهله فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين. ... وإذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه دفعا لأعظم الضررين (١) . • • • خاتمة البحث:

стр. 1658

.. وهكذا فبالموازنة الشرعية السابقة بين المصالح والمفاسد الناتجة من إجراء الفحوصات الجينية ظهر لي عدم جواز إلزام المكلفين مالياً ونفسياً واجتماعياً بهذه الفحوصات التي لازالت في حيز التجربة الظنية، ويترتب عليها من المشاكل الاجتماعية والمالية والنفسية أعظم مما يمكن توقع حصوله من الفائدة، ولو أردنا السعي وراء المكتشفات والتوقعات الطبية من غير تَرَوٍّ وتبصرٍ لأدخلنا الناس في حرج عظيم، وفتحنا عليهم مجالاً كبيراً لإهدار الوقت والمال والعقل، فأرى الاكتفاء بجواز الاستفادة من هذه الفحوصات ضمن الحدود المتقدمة في هذا البحث إلى أن يظهر أمر جديد في هذه النازلة فيحدث له حكم بحدوثها. ... هذا وإن هذه النازلة الفقهية لا تزال بحاجة إلى المزيد من الدراسات والبحوث ومتابعة المعطيات الطبية المستجدة في مجال طرق الإرشاد ووسائله حتى نصل للحكم الشرعي الصحيح المتفق مع الأدلة الشرعية، وأرجو أن أكون وفقت في تقديم ما يخدم هذا الاتجاه في الندوة. ... على أن ما قدمته من رأي لا يعد نتيجة نهائية أو حكماً فصلاً، بل هو قول قابل للنقاش والأخذ والرد والرجوع عنه إن وجد الأقوى منه، والمبني على الدليل الشرعي. ... وختاماً.. ما أصبت فيه فمن الله هو المان وحده، وما أخطأت فيه فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء. ... والله أعلم وأحكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحواشي والتعليقات (١) ... المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، الطبعة العاشرة، (دمشق: مطبعة طربين، عام ١٣٨٧) . ٢/٩٢٤. (٢) ... انظر: فقه التدين فهماً وتنزيلاً، د. عبد المجيد النجار، الطبعة الأولى، كتاب الأمة، (قطر: مطابع مؤسسة الخليج للنشر والطباعة، محرم ١٤١٠) ، ٢/٨٣-٨٩ بتصرف.

стр. 1659

(٣) ... قد استقيت معظم التصور الطبي من بحث نظرة فاحصة للفحوصات الطبية الجينية (الفحص قبل الزواج والاستشارات الوراثية) للدكتور محمد علي البار، وبحث (الكائنات وهندسة المورثات) للدكتور صالح عبد العزيز كريم. فأغنت الإشارة هنا عن تكرار الإحالة. (٤) ... انظر: بحث (الوراثة والهندسة الوراثية والجينيوم البشري والعلاج الجيني رؤية إسلامية) ، أ. د/ محمد رأفت عثمان ص ٢-٣. (٥) ... انظر: بحث (الاستنساخ والإنجاب بين تجريب العلماء وتشريع السماء) د. كارم السيد غنيم، ص ٢١. (٦) ... انظر: بحث (الكائنات وهندسة المورثات) ، د. صالح عبد العزيز كريم ص ٤. (٧) ... انظر: بحث (الجينيوم البشري) د. عمر الألفي، ص ٢-٣. (٨) ... انظر: بحث (الاسترشاد الوراثي وأهمية التوعية الوقائية ومحاذيره الطبية والأخلاقية) أ. د. محسن بن علي فارس الحازمي، ص ١. (٩) ... جملة هذه الطرق استفدتها من بحث (نظرة فاحصة للفحوصات الطبية الجينية) د. محمد البار، ص ٩ – ١٧ وبحث (الاسترشاد الوراثي) أ. د. محسن علي فارس الحازمي ص ٧ – ١٣. (١٠) ... انظر: الطب الإسلامي (٣) الوقاية في الإسلام، (المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، السلسلة الثقافية، دولة الكويت) ، ١/١١٦-١٢٦ بتصرف. (١١) ... انظر: بحث (نظرة فاحصة للفحوصات الطبية الجينية) ، د. محمد البار ص ١٠-١١ بتصرف. (١٢) ... انظر: المصدر السابق ص ١٩-٢٠. (١٣) ... انظر: المصدر السابق. (١٤) ... انظر: بحث (الاسترشاد الوراثي: أهمية التوعية الوقائية ومحاذيره الطبية والأخلاقية) ، د. الحازمي ص ١٨. (١٥) ... انظر: بحث (نظرة فاحصة للفحوصات الطبية الجينية) ، د. محمد علي البار ص ١٩-٢٠ بتصرف. (١٦) انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، ضوابطه وتطبيقاته، د. صالح بن عبد الله بن حميد، (الطبعة الأولى، جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي عام ١٤٠٣هـ) ص٤٨٤٩.

стр. 1660

(١٧) انظر: الأشباه والنظائر في الفروع، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) وبهامشه كتاب المواهب السنية للعلامة الفاضل المحقق عبد الله بن سليمان الجوهري الشافعي. شرح الفوائد البهية نظم القواعد الفقهية للعلامة المحقق السيد أبي بكر الأهدل اليمني الشافعي، الطبعة (بدون) ، (مصر: المكتبة التجارية، مطبعة مصطفى محمد، التاريخ (بدون)) ص٧٩. وشرح المجلة، سليم رستم باز اللبناني، الطبعة الثالثة (بيروت: دار الكتب العلمية) ، مجلد ١ مادة ٣٠. والمدخل الفقهي العام، فقرة ٥٩٤. شرح الكوكب المنير المسمَّى بمختصر التحرير، الشيخ ابن النجار (ت ٩٧٢هـ) تحقيق د. محمَّد الزحيلي، ود. نزيه حمَّاد، الطبعة الأولى، (المملكة العربية السعودية، جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، عام ١٤٠٨هـ/١٩٨٧م) ج٤، ص: ٤٤٧/٤٤٨. الموافقات في أصول الشريعة، إبراهيم موسى بن محمد الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ، تعليق الشيخ: عبد الله دراز، (بيروت: دار المعرفة، عام (بدون) ، ج٢، ص: ٢٢٠. (١٨) ... قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (ت ٦٦٠ هـ) ، الطبعة الثانية راجعه: طه عبد الرؤوف سعد، (بيروت: دار الجيل، عام ١٤٠٠) . (١٩) ... انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٢٣.

стр. 1661

(٢٠) ... انظر: المحصول في علم الأصول، لفخر الدين الرَّازي (ت٦٠٦هـ) دراسة وتحقيق د. طه جابر فيَّاض العلواني، الطبعة الأولى، (الرياض: جامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية، عام ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م) ، ج٢ ف٣ ص١٤٦،٢٤٢. جمع الجوامع، لتاج الدين السبكي (ت ٧٧١هـ) مطبوع مع حاشية البناني على شرح شمس الدين المحلي الطبعة الثانية، (مصر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، عام ١٣٥٦هـ/١٩٣٧م) ج٢ ص٣٥٦. الأشباه والنظائر، ابن نجيم الحنفي (ت٩٧٠هـ) وبهامشه نزهة النواظر على الأشباه والنظائر، ابن عابدين (ت١٢٥٢هـ) ، تحقيق وتقديم: محمد مطيع الحافظ، الطبعة الأولى، (دمشق: دار الفكر، عام ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م) ص ٩٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٧٨. (٢١) ... انظر: المحصول ٢/٣/١٤٦. جمع الجوامع ٢/٣٥٦. الأشباه والنظائر لابن نجيم ٩٥. الأشباه والنظائر للسيوطي ص٨٤. شرح المجلة: ج ١ مادة ٢٦، المدخل الفقهي العام فقرة ٥٩٣. (٢٢) ... انظر: المحصول ٢/٣/٢٢٠،٢٢٤. المستصفى في علم أصول الفقه، لأبي حامد الغزالي (٥٠٥هـ) ، الطبعة الأولى (مصر: المطبعة الأميرية ببولاق عام ١٣٢٢هـ) ١/١٨٤. مختصر ابن الحاجب (ت ٦٤٦هـ) ومعه شرح العضد عليه وحاشيتا التفتازاني والشريف الجرجاني على الشرح المذكور، الطبعة (بدون) (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية سنة ١٣٩٣هـ/١٩٧٣م) ج٢ ص٢٨٩. شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول لشهاب الدين القرافي (ت ٦٨٤هـ) تحقيق عبد الرؤوف سعد، الطبعة الأولى (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية سنة ١٣٩٣هـ/١٩٧٣م) ص٤٤٦. وقواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام ١/٥. نهاية السول شرح منهاج الأصول، لجمال الدين الأسنوي (ت٧٧٢هـ) الطبعة الأولى (القاهرة: مطبعة محمد علي صبيح، التاريخ بدون) ٣/١٦٤. تيسير التحرير شرح كتاب التحرير، لابن بادشاه (ت٩٨٧) الطبعة الأولى (القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٥٠) ٤/١٧١.

стр. 1662

(٢٣) ... الموافقات في أصول الشريعة، ٤/١٢٧-١٢٨. (٢٤) ... انظر: فقه التدين فهماً وتنزيلاً ٢/٩٥-٩٦. والبحث في تحقيق مقاصد الشريعة ينظر: المحصول ٢/٣/١٣٣. الموافقات للشاطبي ٢/٣. نهاية السول ٣/١٥٢. (٢٥) الموافقات ٤/١٢٧-١٢٨. (٢٦) ... انظر: قرارات المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، الدورة الثانية عشرة، عام ١٤١٠، ص ٣٢٨. المصادر والمراجع الاسترشاد الوراثي: أهمية التوعية الوقائية ومحاذيره الطبية والأخلاقية، أ. د. محسن بن علي فارس الحازمي. بحث مقدم لندوة “ الوراثة والهندسة الوراثية والجينيوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية ” ١٣-١٥ أكتوبر ١٩٩٨ م. الاستصلاح والمصالح المرسلة في الشريعة، مصطفى الزرقاء، الطبعة الأولى، دمشق: دار القلم، عام ١٤٠٨هـ. الأشباه والنظائر، زين الدين بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت٩٧٠هـ) ، وبحاشيته: نزهة النواظر على الأشباه والنظائر، للعلامة خاتمة المحققين محمد أمين بن عمر المعروف بابن عابدين (ت ١٢٥٢ هـ) تحقيق وتقديم: محمد مطيع الحافظ، الطبعة الأولى، دمشق: دار الفكر، عام ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣ م. الأشباه والنظائر في الفروع، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) وبهامشه كتاب المواهب السنية للعلامة الفاضل المحقق عبد الله بن سليمان الجوهري الشافعي، شرح الفوائد البهية نظم القواعد الفقهية للعلامة المحقق السيد أبي بكر الأهدل اليمني الشافعي، الطبعة (بدون) ، مصر: المكتبة التجارية، مطبعة مصطفى محمد، التاريخ (بدون) . بحث الاستنساخ والإنجاب بين تجريب العلماء وتشريع السماء، د. كارم السيد غنيم. تيسير التحرير، شرح كتاب التحرير، محمد أمين المعروف بأمير بادشاه الحنفي (ت٩٨٧هـ) ٤ج، الطبعة الأولى، القاهرة: مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٥٠هـ.

стр. 1663

جمع الجوامع، تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت ٧٧١هـ) ، مطبوع مع حاشية البناني على شرح المحلى عليه، ٢ج، الطبعة الثانية، مصر: مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٥٦هـ/١٩٣٧م. الجينوم البشري، د. عمر الألفي. بحث مقدم لندوة “ الوراثة والهندسة الوراثية والجينيوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية ” ١٣-١٥ أكتوبر ١٩٩٨ م. رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، ضوابطه وتطبيقاته، د. صالح بن عبد الله بن حميد، الطبعة ألأولى، جامعة أم القرى: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي عام ١٤٠٣هـ. شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت٦٨٤هـ) تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، الطبعة الأولى (القاهرة: طبعة مكتبة الكليات الأزهرية ودار الفكر سنة ١٣٩٣هـ/١٩٧٣م. شرح الكوكب المنير، المسمى بمختصر التحرير في أصول الفقه، محمد بن أحمد بن عبد العزيز علي الفتوحي الحنبلي، المعروف بابن النجار (ت٩٧٢هـ) تحقيق: د. محمد الزحيلي، ود. نزيه حمَّاد، ٤ج، الطبعة الأولى، مكة: جامعة أم القرى ١٤٠٨هـ/١٩٨٧م. شرح المجلة، سليم رستم باز (ت١٣٣٨هـ) ٢ ج، الطبعة الثالثة، بيروت: دار الكتب لعلمية، عام ١٣٠٥ هـ. الطب الإسلامي (٣) ، الوقاية في الإسلام، الجزء الأول، المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، السلسلة الثقافية، دولة الكويت. فقه التدين فهماً وتنزيلاً، ٢ ج، د. عبد المجيد النجار، الطبعة الأولى، قطر: مطابع مؤسسة الخليج للنشر والطباعة، محرم ١٤١٠ هـ، كتاب الأمة. قرارات المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، الدورة الثانية عشرة، عام ١٤١٠هـ. قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (ت٦٦٠هـ) ، الطبعة الثانية، راجعه: طه عبد الرؤوف سعد، بيروت: دار الجيل، عام ١٤٠٠هـ.

стр. 1664

الكائنات وهندسة المورِّثات، د. صالح عبد العزيز كريم. بحث مقدم لندوة “ الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية ” ١٣-١٥ أكتوبر ١٩٩٨م. المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقاء، الطبعة العاشرة، دمشق: مطبعة طربين، عام ١٣٨٧هـ. المحصول في علم الأصول، فخر الدين الرَّازي (ت٦٠٦هـ) تحقيق د. طه جابر فيَّاض العلواني، ٦ج، الطبعة الأولى، الرياض: جامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية، عام ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م. مختصر ابن الحاجب، مختصر المنتهى، جمال الدين عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (ت٦٤٦هـ) ، ومعه شرح العضد عليه وحاشيتا التفتازاني والشريف الجرجاني على الشرح المذكور، ٢ج، الطبعة (بدون) القاهرة: طبعة مكتبة الكليات الأزهرية سنة ١٣٩٣هـ/١٩٧٣م. المستصفى في علم أصول الفقه، ٢ج، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (٥٠٥هـ) ، الطبعة الأولى، بولاق: المطبعة الأميرية عام ١٣٢٢هـ. الموافقات في أصول الشريعة، إبراهيم موسى بن محمد الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ، تعليق: الشيخ عبد الله دراز، ٤ ج، بيروت: دار المعرفة، عام (بدون) . نظرة فاحصة للفحوصات الطبية الجينية (الفحص قبل الزواج والاستشارة الوراثية) ، د. محمد علي البار، بحث مقدم لندوة “ الوراثة والهندسة الوراثية والجينيوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية ” ١٣-١٥ أكتوبر ١٩٩٨ م. نظرة فقهية في الأمراض التي يجب أن يكون الاختبار الوراثي فيها إجباريا كما ترى بعض الهيئات الطبية، أ. د. محمد رأفت عثمان، بحث مقدم لندوة “ الوراثة والهندسة الوراثية والجينيوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية ” ١٣-١٥ أكتوبر ١٩٩٨م.

стр. 1665

العَقْلُ عند الأصوليين عَرْضُُ ودراسة د. علي بن سعد الضويحي أستاذ أصول الفقه المشارك - بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالأحساء فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ملخص البحث - يتكون البحث من: مقدمة، وأحد عشر مبحثاً، وخاتمة. - أهم مستخلصات البحث ما يلي: ١ - العقل في اللغة يطلق على معان متعددة من أهمها: الحِجْر، الجَمْع، الْحَبْس، التَثبت في الأمور، التميُّز، الفَهْم، المَسْك، الملْجَأ. ٢ - أرجح تعريفات العقل في الاصطلاح أنه: نور في الصدر به يبصر القلب عند النظر في الحجج. ٣ - أرجح الأقوال في محل العقل أنه القلب لدلالة ظواهر الآيات القرآنية الكريمة على ذلك، ومع كونه في القلب فإن نوره يفيض إلى الدماغ. ٤ - للخلاف في محل العقل ثمرة عملية تظهر في بعض المسائل الفقهية. ٥ - الراجح من قولي الأصوليين تفاوت العقول لدى الناس لدلالة الشرع على ذلك، ولما يُشاهَد من اختلافهم في المدارك. ٦ - المعتزلة يُقرِّون بإدراك العقل لحُسْن الأشياء وقبحها، ويرتبون على ذلك الثواب والعقاب. ٧ - الأشاعرة ينكرون استقلال العقل بإدراك حُسْن الأشياء وقبحها. ٨ - الظاهرية يثبتون حجج العقول رغم إنكارهم القياس. ٩ - الشيعة قد وافقوا المعتزلة في ترتيب الثواب والعقاب على مدركات العقل. ١٠ - العقل عند علماء السلف يحسِّن ويقبِّح، والثواب والعقاب عندهم شرعيان لا عقليان. المقدمة: الحمد لله الذي كرَّم الإنسان بالعقل، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والعدل، وعلى آله وأصحابه أهل العلم والفضل، أما بعد: ... فإنّ للعقل في الإسلام رتبةً سنيَّة ومكانة عليَّة، مَن تتبَّع نصوص الكتاب والسنّة وجد – ولله الحمد والمنَّة – برهان ذلك لائحاً ودليله واضحاً، فقد تجلَّى تكريم الإسلام لعقل الإنسان في صور عديدة، منها على سبيل التمثيل والبيان ما يلي:

стр. 1666

أن النبي ﷺ جعل العقل مناط التكليف، كما أشار إلى ذلك بقوله: (رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ الحنث (١) وعن المجنون حتى يفيق) (٢) . أن الحق ﵎ جعله وسيلة التدبر والتفكر لما في هذا الكون من بديع الخلق وإتقان الصُّنْع، وليس أدلَّ على ذلك من قوله سبحانه: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) . (٣) وقوله سبحانه: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت) (٤) . كما جعل الحق ﵎ العقل وسيلة التدبر لكتابه الكريم، فقال سبحانه: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) (٥) . وقال سبحانه: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (٦) . وكثيراً ما يختم الحق ﵎ آيات ذِكْره الحكيم بقوله: (أفلا تعقلون) (٧) . ليبين سبحانه لعباده أنهم لو وظفوا عقولهم التوظيف الصحيح بالتفكر في حالهم ومآلهم لأرشدتهم عقولهم بتوفيق الله ﵎ إلى معرفة الحق وسلوك الطريق المستقيم. ٥- ولحماية العقل من الانحسار والجمود فقد نعى القرآن الكريم على أولئك المقَلّدين بلا هُدى تعطيل عقولهم تقديساً لما جرت عليه عادات الآباء والعشائر والأقوام، ومن ذلك قوله سبحانه: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) (٨) . وقوله سبحانه: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون) (٩) .

стр. 1667

ولعظم مكانة العقل في الإسلام فقد رأيت أن أكتب بحثاً في " العقل عند الأصوليين " أستعرض فيه مواقفهم من بيان حقيقته حسب الاصطلاح المتعارف عليه عندهم، ثم موقفهم من تحديد مكانه، وهل هو على وتيرة واحدة أو أنه يختلف من إنسان لآخر نظراً لقوة إدراكه وضعفه؟ ثم موقفهم من كونه محلاً للاعتبار، وسِمَات ذلك عندهم، ثم هل القياس وحجة العقل متفقان أو مختلفان؟ وختام ذلك كله ببيان خلاصةٍ لدراسة مواقف الأصوليين من العقل. أسباب اختيار الموضوع: أهمية العقل، وعظم مكانته في الشريعة الإسلامية. كون العقل مناط التكليف، وإذا كان التكليف المتوقّف على العقل محل اهتمام الأصوليين، فكذلك العقل الذي هو مُتَعَلَّق التكليف يجب أن يكون محل الاهتمام. الوقوف على أهم سمات العقل عند كل فريق من الأصوليين لدراستها والحكم عليها في ضوء البحث العلمي المتجرد. الدراسات السابقة في الموضوع: ... لم أجد في كتب أصول الفقه القديمة ما يشفي العليل، أو يروي الغليل من دراسات حول هذا الموضوع الذي هو في غاية من الأهمية، وكل ما رأيته في هذه الكتب إنما هو محصور في تعريف " العقل "، والخلاف في محله، وفي تفاوت الناس فيه، وكذلك ذكرهم له على أنه شَرْط من شروط التكليف، وشَرْط لقبول رواية الراوي. وأما الدراسات الحديثة للعقل فقد اطلعتُ منها على الكتب الآتية: كتاب (بنية العقل العربي) لسعادة الدكتور محمد عابد الجابري، وهو كتاب يقع في (٥٩٩) صفحة من القطع الكبير، نشره مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، وقد طُبع أربع طبعات آخرها عام ١٩٩٢م.

стр. 1668

وتحدث مؤلفه – وفقه الله تعالى – في القسم الأول منه عن البيان، ومما ذكره تحت هذا القسم: نظام الخطاب ونظام العقل، والعقل والوجود ومشكلة الكليات. ثم تحدث في القسم الثاني عن العرفان، وعن الحقيقة بين التأويل والشطح، وعن المماثلة، وعن النبوة والولاية. ثم تحدث في القسم الثالث عن البرهان وتطرق فيه إلى المعقولات والألفاظ، والواجب والممكن، والنفس والمعاد. ثم تحدث في القسم الرابع عن تفكك النظم ومشروع إعادة التأسيس، وختمه بخاتمة عامة تحت عنوان: " من أجل عصر تدوين جديد ". وأصل هذا الكتاب أنه امتداد لدراسة سابقة أعدها المؤلف نفسه في كتاب أسماه: " تكوين العقل العربي "، وقد نشرته دار الطليعة ببيروت عام ١٩٨٤م، والحديث في هذا الكتاب يدور حول مكَوّنات العقل العربي وهي النظم المعرفية الثلاثة المسماة بالبيان والعرفان والبرهان. وقد جعل المؤلف هذه الدراسة اللاحقة بمثابة التحليل لتلك النظم المعرفية الثلاثة وفَحْص آلياتها ومفاهيمها ورؤاها وعلاقة بعضها ببعض مما يشكل البنية الداخلية للعقل العربي كما جاء ذلك في مقدمة كتابه. كتاب (العقل عند الأصوليين) لسعادة الدكتور عبد العظيم محمود الديب، وهو كتاب من القطع الصغير يقع في (٧٨) صفحة، من منشورات دار الوفاء بالمنصورة الطبعة الأولى عام ١٤١٥هـ، وقد تحدث فيه مؤلفه – وفقه الله تعالى – عن الأصوليين والأدلة، وذكر أن الذين عّدوا العقل دليلاً مستقلاً بين الأدلة هم الغزالي، وابن قدامة، والشريف التلمساني رحمهم الله تعالى، ثم تحدث عن العقل عند المعتزلة وبيَّن حقيقة رأيهم في ذلك، كما تحدث عن الشيعة وقضية العقل، ثم ختم كتابه بذكر مجال العقل وأنه آلة النظر ووسيلة التدبر في الأدلة لاستنباط الأحكام منها.مع ملاحظة أنه لم يتطرق في بداية حديثه إلى تعريف العقل في اللغة والاصطلاح.

стр. 1669

كتاب (العقل عند الشيعة الإمامية) لسعادة الدكتور رشدي محمد عليان، وهو كتاب مطبوع بمطبعة دار السلام في بغداد عام ١٣٩٣هـ الطبعة الأولى، والكتاب من القطع الكبير ويقع في (٤٨٦) صفحة، وأصله رسالة دكتوراه نوقشت بتاريخ ٢٩/٨/١٩٧١م في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر. وقد تطرق المؤلف في هذا الكتاب إلى تعريف العقل في اللغة وعند العلماء والحكماء، وإلى تقسيمات العقل ومدركاته، كما تطرق إلى مكانة العقل في الكتاب والسنة، وبيان مقامه عند المعتزلة والأشاعرة والشيعة، كما تطرق إلى مسألة الحُسن والقُبح، ومسألة الإجزاء بفعل المأمور به، ومسألة ما لا يتم الواجب إلا به، ومسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ ومسألة اجتماع الأمر والنهي ومسألة اقتضاء النهي الفساد. ومن خلال هذا العرض لتلك الدراسات يتبّين بجلاء أن الدراسة الأولى بعيدة الصلة عن موضوع البحث، إذ أن تلك الدراسة قد عُنيت بنقد العقل العربي عن طريق النظرة التحليلية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، فهي دراسة نقدية من منظور ثقافي وليست دراسة تقعيدية من منظور أصولي. وأما الدراستان الثانية والثالثة فلهما صلة بموضوع البحث من جهة بيان موقف المعتزلة والأشاعرة والشيعة من العقل إلا أنه يلاحظ على تلك الدراستين خلوهما من الأمور الآتية: الاعتناء بتفصيل أهم سمات العقل عند كل فرقة من الفرق الأصولية، مع دراسة تلك السمات لبيان ما لها وما عليها. بيان اختلاف الأصوليين في محل العقل. بيان اختلاف الأصوليين في تفاوت العقول. بيان موقف أهل الظاهر من العقل. بيان موقف علماء السلف من العقل. بيان الفارق بين القياس وحجة العقل. وبناء على ما تقدم فإن هذا البحث قد جاء مكملاً لسلسلة تلك الدراستين بإضافة هذه الأمور، لتكون هذه الدراسات بمجموعها محققة للفائدة الكبرى التي يتطلع القارىء إليها وتشتد رغبته فيها. خطة البحث:

стр. 1670

بَحْثُ هذا الموضوع مكون من: مقدمة، وأحد عشر مبحثاً، وخاتمة. المقدمة، وتشتمل على: سبب اختيار الموضوع. الدراسات السابقة في الموضوع. خطة البحث. منهج البحث. المباحث، وهي ما يلي: المبحث الأول: (حقيقة العقل في اللغة والاصطلاح) ، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: (حقيقة العقل في اللغة) . المطلب الثاني: (حقيقة العقل في الاصطلاح) . المطلب الثالث: (المناسبة بين الحقيقتين اللغوية والاصطلاحية للعقل) . المبحث الثاني: (محل العقل) وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: (أقوال الأصوليين في ذلك) . المطلب الثاني: (الأدلة والمناقشات) . المطلب الثالث: (الترجيح وبيان سببه) . المطلب الرابع: (ثمرة الخلاف في المسألة) . المبحث الثالث: (تفاوت العقل) ، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: (أقوال الأصوليين في ذلك) . المطلب الثاني: (الأدلة والمناقشات) . المطلب الثالث: (الترجيح وبيان سببه) . المطلب الرابع: (ثمرة الخلاف في المسألة) . المبحث الرابع: (سبب الخلاف في تحكيم العقل) . المبحث الخامس: (العقل عند المعتزلة) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: (استعراض موقفهم من العقل) . المطلب الثاني: (دراسة ذلك الموقف) . المبحث السادس: (العقل عند الأشاعرة) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: (استعراض موقفهم من العقل) . المطلب الثاني: (دراسة ذلك الموقف) . المبحث السابع: (العقل عند الظاهرية) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: (استعراض موقفهم من العقل) . المطلب الثاني: (دراسة ذلك الموقف) . المبحث الثامن: (العقل عند الشيعة) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: (استعراض موقفهم من العقل) . المطلب الثاني: (دراسة ذلك الموقف) . المبحث التاسع: (العقل عند السلف الصالح) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: (استعراض موقفهم من العقل) . المطلب الثاني: (دراسة ذلك الموقف) .

стр. 1671

المبحث العاشر: (الفارق بين القياس وحجة العقل) . المبحث الحادي العاشر: (خلاصة الدراسة لمواقف الأصوليين من العقل) . الخاتمة: وستشتمل على أهم نتائج البحث. منهج البحث: سيتم معالجة الخطة – بمشيئة الله تعالى – حسب المنهج العلمي الآتي: إيجاد المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لما يراد تحديده من ألفاظ. نقل آراء الأصوليين من واقع كتبهم مباشرة من غير وساطة. التنبيه إلى ما ينبغي التنبيه عليه من عدم الدقة في نسبة الأقوال إلى أصحابها. استعراض الأقوال في مسائل الخلاف، مع ذكر الأدلة والمناقشات الواردة عليها. إيضاح وجه الاستدلال من الأدلة النقلية. بيان القول الراجح، وذكر سبب ترجيحه. الاعتناء بذكر ثمرة الخلاف في المسائل الخلافية. ترجمة الأعلام غير المشهورين. شَرْحُ الألفاظ الغامضة إن وجدت. عَزْو الآيات القرآنية إلى مواضعها من السور في كتاب الله تعالى. تخريج الأحاديث النبوية من كتب الحديث المعتمدة، مع بيان درجتها إن لم تكن من رواية البخاري ومسلم. وضع فهرس لمراجع البحث مرتباً حسب الحروف الهجائية. والله تعالى أسأل أن يمدني بعونه وتوفيقه لإنهاء هذا البحث على الوجه الذي يرضيه، وأن يجعله علماً نافعاً وعملاً صالحاً، وهو حسبي ونعم الوكيل. المبحث الأول: حقيقة العقل في اللغة والاصطلاح والكلام في هذا المبحث ينحصر في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حقيقة العقل في اللغة العقل في اللغة يطلق على معانٍ متعددة، سأكتفي منها بما يناسب هذا المقام: ١- الِحْجرُ والنُّهَى: ضِدُّ الحُمْق (١) . ٢- الجَمْعُ، يقال: (رَجُلُُ عاَِقلُُ) ، أي: جامع لأمره ورأيه، مأخوذ من: (عَقَلْتَ الْبَعِيْرَ) إذا: جَمَعْتَ قوائمه (٢) . ٣-الْحَبْسُ، مأخوذ من قولهم: (قد اعْتُقلَ لسانُهُ) إذا حُبِسَ ومُنِعَ الكلامَ (٣) .

стр. 1672

٤- التَّثَبُّتُ في الأمور، يقال: (إنسان عاقل) أي: مُتَثَبِّتُُ في أموره (١) . ٥- التَّمَيُّزُ: وهو الذي يتميز به الإنسان من سائر الحيوان (٢) . ٦- الفَهْمُ، يقال: (عَقَلَ الّشْيء يَعْقِلهُ عَقْلاً) إذا فهمه (٣) . ٧- المَسْكُ، يقال: (عَقَلَ الدَّواءُ بطْنَهُ يَعْقُلهُ عَقْلاً) : أمسكه، وقيل: أمسكه بعد استطلاقه (٤) . ٨- الْمَلْجَأُ، يقال: (فُلان مَعْقِلُُ لقومه) أي: هو مَلْجَأ لهم (٥) . وهذه المعاني كلها مجتمعةً تدل على أن (العَقْل) في مفهوم العرب هو العاصم الذي يعصم الإنسان – بعد توفيق الله ﵎ وهدايته – من الطيش والحمق والتسرُّع في الأمور دون روِيَّةٍ وأناة، وذلك بما يضفيه عليه ذلك العقل من الوعي والإدراك الأمر الذي يقيه مخاطر الزلل والخطل. المطلب الثاني: حقيقة العقل في الاصطلاح ... صرَّح بعض الأصوليين بأنه من الصعوبة بمكان بيان حقيقة (العقل) من الناحية الاصطلاحية، كما ذكر ذلك إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى حين قال: (فإن قيل: فما العقل عندكم؟ قلنا: ليس الكلام فيه بالهيَن) (٦) .

стр. 1673

ولعلَّ مَرْجع هذه الصعوبة اختلاف اصطلاحات العلماء في تحديد معناه، نظراً لكونه اسماً مشتركاً يُطلق على عدد من المعاني، وهذا ما ترجمه الغزالي رحمه الله تعالى بقوله: (وكذلك إذا قيل: "ماحَدُّ العقل؟ " فلا تطمع في أن تحدَّهُ بحدٍ واحد، فإنه هَوَس، لأن اسم العقل مشترك يطلق على عدة معانٍ، إذ يطلق على بعض العلوم الضرورية، ويطلق على الغريزة التي يتهيّأ بها الإنسان لدَرْك العلوم النظرية، ويطلق على العلوم المستفادة من التجربة حتى إنَّ مَنْ لم تحنّكه التجارب بهذا الاعتبار لا يُسمَّى عاقلاً، ويطلق على مَنْ له وقار وهيبة وسكينة في جلوسه وكلامه، وهو عبارة عن الهدوء فيقال: " فلان عاقل " أي فيه هدوء، وقد يطلق على مَنْ جَمَعَ العمل إلى العلم حتى إنَّ المفسد وإن كان في غايةٍ من الكياسة يمنع عن تسميته عاقلاً...، فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود (١) . ورغم هذه الصعوبة البالغة فقد اقتحم الأصوليون عُبابها وولجوا أبوابها فذكروا حدوداّ تبيَن حقيقة (العقل) من الناحية الاصطلاحية، ومن هذه الحدود ما يلي: عرَّفه السرخسي الحنفي رحمه الله تعالى بقوله: (العقل نورّ في الصدر به يُبصر القلب عند النظر في الحجج) . ثم أوضح ذلك بقوله: (بمنزلة السراج فإنه نور تبصر العين به عند النظر فترى ما يدُرك بالحواس، لا أنَّ السراج يوجب رؤية ذلك، ولكنه يدل على معرفة ما هو غائب عن الحواس من غير أن يكون موجباً لذلك، بل القلب يدرك بالعقل ذلك بتوفيق الله تعالى، وهو في الحاصل عبارة عن الاختيار الذي يبتني عليه المرء ما يأتي به وما يذر مما لا ينتهي إلى إدراكه سائر الحواس) (٢) .

стр. 1674

وعرفه القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي رحمه الله تعالى بقوله: (العقل من العلوم، إذ لا يتّصف بالعقل خالٍ عن العلوم كلها، وليس من العلوم النظرية، فإنَّ النظر لا يقع ابتداؤه إلا مسبوقاً بالعقل، فانحصر في العلوم الضرورية وليس كلها، فإنه قد يخلو عن العلوم بالمحسوسات مَن اختلَّت عليه حواسُّه، وإن كان على كمالٍ من عقله) (١) . وعلى هذا فالعقل عند القاضي الباقلاني رحمه الله تعالى هو: (بعض العلوم الضرورية كجواز الجائزات واستحالة المستحيلات) (٢) . أو هو: (عِلْمُُ بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات) (٣) . ٣- وعرفه الغزالي الشافعي رحمه الله تعالى بقوله: (والوجه أن يقال: هو صِفَةُُ يتهيأ للمتصف بها دَرْكُ العلوم والنظر في المعقولات) (٤) . ٤- وعرفه القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله تعالى بقوله: (والعقل ضَرْبُُ من العلوم الضرورية) (٥) . وإذا أنعمنا النظر في هذه التعريفات رأينا أن القاضي أبا بكر الباقلاني حصر العقل في بعض العلوم الضرورية في حين أن الغزالي سلك مسلك التعميم، حيث جعل المتصف بالعقل مُهَيّأ لدرْك العلوم لا بعضها، ولعلَّ ذلك هو ما دفع الغزالي إلى أن يًزيَفّ تعريف الباقلاني، حيث قال بعد إيراده له: (وهو مُزيَّف، فإنّ الذاهل عن الجواز والاستحالة عاقل) (٦) . وقد سبقه إلى هذا التزييف إمام الحرمين الجويني الذي لم يرتض تعريف الباقلاني وإنما أومأ إلى بطلانه، فقد قال بعد حكايته له في برهانه: (والذي ذكره ﵀ فيه نظر، فإنه بنى كلامه على أنّ العقل من العلوم الضرورية، لأنه لا يتصف بالعقل عارٍ من العلوم كلها، وهذا يَردُ عليه أنه لا يمتنع كون العقل مشروطاً بعلوم وإن لم يكن منها، وهذا سبيل كل شَرطْ ومشروط. فإن قيل: ما الذي يبطل ما ذكره القاضي ﵀ في معنى العقل؟ قلنا: نرى العاقل يذهل عن الفكر في الجواز والاستحالة وهو عاقل) (٧) .

стр. 1675

وأما القاضي أبو يعلى فقد وافق القاضي أبا بكر الباقلاني على حَصْر العقل في بعض العلوم الضرورية، ومَنَعَ جواز أن يكون المراد بالعقل جميع تلك العلوم فقال: (ولا يجوز أن يكون هو جميع العلوم الضرورية، ولا العلوم التي تقع عقيب الإدراكات الخمسة، لأن هذا يؤدي إلى أنّ الأخرس والأطرش والأكمه ليسوا بعقلاء، لأنهم لا يعلمون المشاهدات والمسموعات والمدركات التي تُعلم باضطرار ولا باستدلال، ولا يجوز أيضاً أن يكون العلم بُحسن حسن وقُبح قبيح، ووجوب واجب وتحريم محرَّم من جُمْلة العلوم التي هي عَقْل، لأنّ هذه الأحكام كلها معلومة من جهة السمع دون قضية العقل فوجب أنْ يكون بعض العلوم الضرورية) (١) . وحيث إن قضية الحَصْر والشمول محل نزاع فإن تعريف (العقل) بواحد منهما تعريف لا يَسْلَمُ مِنْ نقدٍ واعتراض ولذلك فإني أرى أنَّ تعريف السرخسي رحمه الله تعالى هو التعريف الراجح للعقل، فالعقل نور إلهي يقذفه الحق ﵎ في القلب ليتمكن به من المعرفة والإدراك. وهذا يعني أنَّ العقل ليس مكتسباً من العبد، بل هو هِبة إلهية ومنحة ربانية أنعم الله ﵎ بها على هذا الإنسان تمييزاً له عن سائر الحيوان. المطلب الثالث: المناسبة بين الحقيقتين اللغوية والاصطلاحية للعقل بين الحقيقتين اللغوية والاصطلاحية للعقل مناسبة كبيرة وارتباط وثيق، فإنَّ (العقل) الذي هو عبارة عن نور إلهي قذفه الله ﵎ في قلب الإنسان تكريماً له على سائر أنواع الحيوان، هذا العقل الذي هو بهذه الصفة يتناسب غاية التناسب مع كل معنى لغوي فسَّره به أهل اللسان العربي فهو متناسب مع المعنى الأول (الحِجْرُ والنُّهى) الذي يضاد (الحُمْق) فإنَّ لذلك النور أثره العميق في النفس البشرية يهذَب سلوكها، ويقوَّم أخلاقها، ويلهمها رُشْدها، فلا تتصرَّف بحمق ورعونة، بل تتعامل مع الأشياء حولها بإدراكٍ واعٍ وحكمة مُتَّزنة.

стр. 1676

ومتناسب مع المعنى الثاني وهو (الجَمْعُ) إذ القادر على استجماع كل التصورات المطلوبة للحكم على الأشياء واتخاذ القرار المناسب لها إنما هو العاقل الأريب الذي وَعى فأدرك ونظر فقدَّر. ومتناسب مع المعنى الثالث وهو (الحَبْسُ) فإنَّ العقل يحبس صاحبه على محاسن الأعمال ومكارم الصفات ويحبسه عن الانسياق خَلْف الشهوات التي لو أطلق الإنسان فيها لنفسه العنان لأصبح سابحاً في بحور الرذيلة لانفلاته من قيود الفضيلة. ومتناسب مع المعنى الرابع وهو (التثبُّت في الأمور) فهذا هو شأن العقلاء الذين وهبهم الله ﵎ العقل الراجح والفكر الثاقب الذي يَزِنون به الأمور وزناً دقيقاً دون اضطراب في الموقف، أو رعونة في التصرف. ومتناسب مع المعنى الخامس وهو (التميُّز) إذ مَصْدرُهُ العقل المستنير بالنور الإلهي، وغير العاقل لا يملك مقوَّمات التمييز الصحيح، بل يخبط خَبْط عشواء، ولربما ضرَّ نفسه وأفسدها مِنْ حيثُ يريد نَفْعَها وإصلاحها. ومتناسب مع المعنى السادس وهو (الَفهْمُ) إذ أنَّ ذلك النور كاشف لحقائق الأمور، فتبدو ناصعةً جليَّةً لا غبش يكدَّرها ولا غموض يعتورها، وهذا هو رُكْنُ الفهم وعماده. ومتناسب مع المعنى السابع وهو (المَسْكُ) فإنَّ العقل يمسك بصاحبه حتى لا يندفع إلى مالا ينبغي له، ولا يسترسل فيما لا يليق به، وهذا هو الفارق بين العاقل وغيره. ومتناسب مع المعنى الثامن وهو (الْمَلْجَأ) فإنَّ العقل ملجأ حصين لصاحبه يصونه من كل ما يشينه من أعمال ويحميه من كل ما يسوؤه من تصرُّفات إذا تغلَّب الإنسان على هوى نفسه بالاحتكام إليه والاستجابة لداعيه.

стр. 1677

ومن خلال هذا التناسب تتضح لنا أهمية العقل الكبرى في حياة الإنسان، وأنه نعمة عظيمة من نعم الله ﵎ على عباده جديرة بالحفظ والرعاية حتى يسير ذلك العقل في مساره الصحيح الذي رسمه له المولى الكريم دون حَيْدَةٍ عن الجادَّة أو انحراف عن الصراط المستقيم. المبحث الثاني: محل العقل وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أقوال الأصوليين في ذلك اختلف الأصوليون في المحل الذي يستقر فيه العقل على ثلاثة أقوال: القول الأول: محل العقل هو القلب. ... ... وإلى هذا القول ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (١) . القول الثاني: محل العقل هو الرأس. وهذا القول منسوب إلى الحنفية، ونسبه الباجي إلى الإمام أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد (٢)) . وفي تعميم نِسْبَة هذا القول إلى الحنفية رحمهم الله تعالى نَظَر، وذلك أنَّ مِن الحنفية مَنْ صَرَّح بأن العقل نور في القلب ومنهم فخر الإسلام البزدوي رحمه الله تعالى حيث قال: (أما العقل فنور يضيء به طريق يُبْتَدَأ به من حيثُ يَنْتَهي إليه دَرْكُ الحواس، فيبتدىء المطلوب للقلب فُيدْركه القلب يتأمّله بتوفيق الله تعالى) (٣) . وكذلك السرخسي رحمه الله تعالى حيث عرف العقل بأنه " نور في الصدر" (٤) . والصدر يحوي القلب لا الرأس. وعليه فالقائل بذلك بعضهم وليس جميعهم. القول الثالث: محل العقل هو القلب، وله اتصال بالدماغ. وهذا القول منسوب إلى أبي الحسن التميمي (٥) وغيره من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى (٦) . المطلب الثاني: الأدلة، والمناقشات أولاً: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن العقل في القلب بالأدلة الآتية: الدليل الأول: قول الحق ﵎: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) (٧) .

стр. 1678

وجه الاستدلال: أطلق الحق ﵎ القلب هنا وأراد به العقل، فدل على أن القلب محله، لأن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له، أو كان بسبب منه. الدليل الثاني: قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) (١) . وجه الاستدلال: أنه تعالى جعل العقل في القلب، ولو لم يكن القلب محلاً له لما جعله كذلك. الدليل الثالث: قوله سبحانه: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (٢) . وجه الاستدلال: أن الله تعالى بيَّن أن العقول في الصدور، والمعنى: يتغطى على العقول التي في الصدور. الدليل الرابع: قوله : (لهم قلوب لا يفقهون بها) (٣) . وجه الاستدلال: أن الفقه هو العلم والفهم والمعرفة، وآلة إدراك هذه الأشياء هي العقل. الدليل الخامس: ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (الرحمة في الكبد، والقلب ملك ومسكن العقل القلب) ((٤)) . وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ صرح بأن العقل في القلب، وهو نص في الموضوع. الدليل السادس: ما روي عن عدد من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أنهم صرحوا بأن العقل في القلب، ومنهم: عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وأبي هريرة، وكعب بن مالك، وغيرهم. وأقوالهم شاهدة على ذلك، كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال يوم صفين: (إن العقل في القلب) ((٥)) . الدليل السابع: قالوا: إن العقل ضَرْب من العلوم الضرورية، والعلوم محلها القلب. أما الدليل على كون العقل ضرباً من العلوم الضرورية فهو أن العلم يشتمل على ضروري ومكتسب، ومعلوم أن الإنسان لو لم يكتسب العلم ولم يفكر في الدلائل فإنه يسمى عاقلاً، فإذا خرج منه العلم المكتسب لم يبق إلا أنه علم ضروري.

стр. 1679

وأما الدليل على أن العلوم محلها القلب فهو قول الحق ﵎: (لهم قلوب لا يفقهون بها) ((١)) . والفقه هو العلم والفهم والمعرفة، ولو لم تكن القلوب محلاً للعلوم لما أضاف الحق ﵎ الفقه إليها. وإذا ثبت أن القلب محل للعلوم كان محلاً للعقل الذي هو بعض تلك العلوم (٢) . ثانياً: أدلة القول الثاني: ... واستدل القائلون بأن العقل في الرأس بدليلين: الدليل الأول: ... أن العقلاء يضيفون العقل إلى الرأس، فيقولون: هذا ثقيل الرأس، وهذا في دماغه عقل. وعكس ذلك يقولون: هذا فارغ الدماغ، وهذا ليس في رأسه عقل. ولو لم يكن العقل في الرأس لما صح منهم ذلك. الدليل الثاني: ... أن الإنسان إذا ضُرب على رأسه زال عقله، ولو ضُرب على جميع بدنه لم يَزُلْ عقله. فدل هذا على أن العقل في الرأس ((٣)) . ثالثاً: أدلة القول الثالث: استدلوا على أن محل العقل هو القلب بالأدلة نفسها التي استدل بها أصحاب القول الأول. واستدلوا على اتصال العقل بالدماغ فقالوا: إن العقل وإن كان محله في القلب إلا أن نوره يعلو إلى الدماغ فيفيض منه إلى الحواس ما جرى في العقل ((٤)) . رابعاً: (المناقشات) : ناقش الفريقان الأول والثالث وهم القائلون بأن العقل في القلب الفريق الثاني القائلين بأن العقل في الرأس في دليليهما بما يلي: أولاً: ناقشوهم في دليلهم الأول من وجهين: الوجه الأول: أن قول العقلاء: " هذا ثقيل الرأس " و " هذا في دماغه عقل " لا يلزم منه أن العقل في الرأس، وإنما قولهم هذا يعني أن العقل نور في القلب يفيض إلى الرأس وإلى سائر الحواس. فإضافتهم العقل إلى الرأس إنما هي من هذه الحيثية. الوجه الثاني: أن منْ قال من العقلاء: " هذا فارغ الرأس "، و " هذا ليس في رأسه عقل " فمرادهم من ذلك أن جفاف الدماغ يؤثر في العقل وإن كان في غير محله، كما يؤثر في البصر وإن لم يكن في محله.

стр. 1680

ثانيا: وناقشوهم في دليلهم الثاني: بأن إزالة العقل بالضرب على الرأس لا يدل على أن العقل في الرأس، بدليل أن الإنسان إذا عصرت أنثياه زال عقله، ولا قائل بأن العقل مستقر هنالك ((١)) . وقد يُناقَشُ الفريقان الأول والثالث فيما استدلوا به على أن العقل في القلب، بما يلي: أولاً: أن الآيات القرآنية الكريمة لا دلالة فيها على أن العقل في القلب، وإنما مقتضى الآية الأولى أن صاحب القلب السليم من الشبهة والشهوة هو الذي ينتفع بالمواعظ والزواجر. وكذلك هو مقتضى الآيتين الثانية والرابعة. وأما الآية الثالثة فهي صريحة الدلالة على أن القلب في الصدر، وهذا مما لا خلاف فيه وإنما الخلاف في محل العقل. ثانياً: أن الحديث والأثر المستدل بهما على أن العقل في القلب لا تنهض بهما حجة، لكون بعض أئمة الحديث ذكرهما في جملة الموضوعات. ثالثاً: أن القول بأن العلوم محلها القلب غير مسلَّم، ولو سُلَم فلا يدل على أن محل العقل هو القلب. المطلب الثالث: الترجيح، وبيان سببه من خلال استعراض الأقوال الثلاثة السابقة، والموازنة بين أدلة كل قول يترجح لدي أن العقل في القلب ويفيض نوره إلى الدماغ، وذلك لسببين: السبب الأول: ... أن استقرار العقل في القلب أو في الرأس أمْر خفي لا يمكن الاطلاع عليه، وما كان كذلك فالحكم فيه موقوف على الشارع، والذي دلت عليه النصوص القرآنية الكريمة في ظاهرها أن العقل في القلب، فيكون القول بمقتضى ذلك الظاهر أولى وأسلم. السبب الثاني: ... أن الذين نسبوا العقل إلى الرأس إنما نسبوه من قبيل أن العقل نور في القلب يفيض إلى الرأس، وكونه كذلك لا يدل على أن الرأس محل له، بل إن الرأس يتأثر بنور العقل وإن لم يكن مستقراً فيه.

стр. 1681

.. وعلى هذا فالخُطْب في هذه المسالة هين، فإن من نسب العقل إلى القلب نظر إلى المقر، ومن نسبه إلى الرأس نظر إلى الأثر، إذ أن اتقاد الذهن أثر لذلك النور المستقر في القلب، وهذا المعنى هو ما ترجمه الشوكاني رحمه الله تعالى بقوله: (ومعنى: " فتكون لهم قلوب يعقلون بها " أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه، وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل، كما أن الآذان محل السمع، وقيل: إن العقل محله الدماغ، ولا مانع من ذلك، فإن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجاً عنه) ((١)) . المطلب الرابع: ثمرة الخلاف في المسألة أفصح الزركشي رحمه تعالى عن ثمرة الخلاف في هذه المسألة فقال: (ومما يتفرع على الخلاف في أن محله ماذا؟ مالو أُوضح (٢) رجل فذهب عقله.فعند الشافعي ومالك يلزمه دية وأرش الموضحة، لأنه أتلف عليه منفعةً ليست في عضو الشجة تبعاً لها، وقال أبو حنيفة: إنما عليه دية العقل فقط، لأنه إنما شجَّ رأسه، وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج، ودخل أرش الشجة في الدية) (٣) . ... قال النووي الشافعي رحمه الله تعالى: (يُنْظَرُفي الجناية التي ذهب بها العقل، فإنْ لم يكن لها أرش بأنْ ضرب رأسه أو لطمه فذهب عقله وجبت دية العقل، وإن كان لها أرش مُقدَّر كالموضحة واليد والرجل، أو غير مقدر كالجراحة الموجبة للحكومة فقولان: القديم أنه يدخل الأقل في الأكثر، فإن كانت دية العقل أكثر بأن أوضحه فزال عقله دخل أرش الموضحة وإن كان أرش الجناية أكثر بأن قطع يديه ورجليه أو يديه مع بعض الذراع فزال عقله دخل فيه دية العقل، والجديد: الأظهر لا تداخل، بل يجب دية العقل وأرش الجناية) (٤) .

стр. 1682

وقال المرغيناني (١) الحنفي رحمه الله تعالى: (ومَنْ شجَّ رجلاً فذهب عقله أو شعر رأسه دخل أرش الموضحة في الدية، لأن بفوات العقل تبطل منفعة جميع الأعضاء) (٢) . المبحث الثالث: تفاوت العقل وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أقوال الأصوليين في ذلك اختلف الأصوليون في تفاوت العقول من شخص لآخر على قولين: القول الأول: ... العقل يتفاوت من شخص لآخر. وممن ذهب إلى هذا القول من الأصوليين: القاضي أبو يعلى (٣) ، وأبو الخطاب (٤) ، والفتوحي (٥) ، والبزدوي (٦) ، ومحمد بن نظام الدين الأنصاري (٧) (٨) . القول الثاني: العقل لا يتفاوت، بل هو شيء واحد في جميع الناس لا يزيد ولا ينقص. وإلى هذا القول ذهب الأشاعرة والمعتزلة وابن عقيل الحنبلي (٩) . المطلب الثاني: الأدلة والمناقشات أولاً: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن العقل متفاوت بالأدلة الآتية: الدليل الأول: ... ما رواه أبو سعيد الخدري رضى الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ في أَضْحىَ أو فِطْرٍ إلى المُصّلَى فمرَّ على النساء فقال: (يا معشر النساء تصدَّقْن فإني أُريتكنَّ أكثر أهل النار) ، فقلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عَقل ودين أَذْهَبَ للب الرجل الحازم من إحداكن) ، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عَقْلها، أليس إذا حاضت لم تُصَلَّ ولم تَصُم؟) قلن: بلى قال: (فذلك من نقصان دينها) (١٠) . ... وجه الاستدلال: أن هذا الحديث يدل على نقصان عقل النساء عن عقول الرجال مع وصفْهِنَّ بالعقل، ولو كان العقل شيئاً واحداً لا يتفاوت لما استقام ذلك. الدليل الثاني:

стр. 1683

.. قالوا: إن الإجماع منعقد على أن العقل متفاوت، وذلك لأن كل الناس يقولون: عَقْلُ فلان قليل، وعقل فلان أكثر من عقل فلان، وفلان غير عاقل. الدليل الثالث: ... قالوا: إن العقل منحة إلهية تفضلَّ الله ﵎ بها على عباده، وفَضْلُ الله تعالى يتفاوت بحسب قابلية المحل واستعداده، فيزيد عند بعض الناس، وينقص عند البعض الآخر. ... ولو كان العقل على حالة واحدة لما كان كذلك (١) . ثانياً: أدلة القول الثاني: ... استدل القائلون بأن العقل لا يتفاوت بدليلين: الدليل الأول: ... أن العقل من العلوم الضرورية، وتلك لا تختلف في حق عاقل، بل العقلاء في ذلك متساوون. الدليل الثاني: ... أنه لو كان أحد الناس أكمل عقلاً من الآخر لم يحصل لغير الكامل الغرض، وهو تأملَّ الأشياء ومعرفتها لأجل النقصان الذي حصل فيه (٢) . ثالثاً: المناقشات: أ - نوقش القائلون بعدم تفاوت العقول فيما استدلوا به على ذلك بما يلي: أولاً: نوقشوا في دليلهم الأول: بأن تلك العلوم الضرورية لم يختلف ما يُدرك بها من النظر والشم والذوق، فلهذا لم تختلف هي في أنفسها، وليس كذلك العقل لأنه يختلف ما يُدرك به وهو التمييز والفكر، فيقلُّ في حق بعضهم ويكثر في حق البعض الآخر، ولذلك اختلف وتفاوت. ثانياً: ونوقشوا في دليلهم الثاني: بأنه إنما لم يحصل له الغرض الكامل لأنا نجد أنّ مَنْ لم يكمل عقله لا تكمل أحواله ولا يبلغ جميع أغراضه، ومَنْ كمل عقله بلغ أكثر أغراضه وأكمل أكثر أحواله (٣) . ب- ونوقش القائلون بتفاوت العقول فيما استدلوا به على ذلك بما يلي: أولاً: نوقشوا في دليلهم الأول من وجهين: الوجه الأول: أن العقول لا يجوز أن تتفاوت بأصل الفطرة، وإنما تتفاوت بالعوارض وهذا لا يُعْتَدُّ به، وإذا كان غير معتد به فالرجال والنساء في العقل سواء.

стр. 1684

الوجه الثاني: أن الرجال والنساء سواء في التكليف، فلا بُدَّ من الاستواء فيما هو مناط له وهو العقل (١) . ثانياً: ونوقشوا في دليلهم الثاني والثالث من وجهين أيضاً: الوجه الأول: أن العقل بَعْضُُ من العلوم فلا يقبل الزيادة والنقصان، لأن العلم الكسبي لا يقبل الزيادة، فيكون الضروري أولى بعدم قبولها. الوجه الثاني: ما ورد من نحو قولهم: " عقل فلان أكثر من عقل فلان " إنما هو من باب قولهم: " فلان أعلم من فلان " بمعنى أن معلوماته أكثر، فيكون المراد بزيادة العقل كثرة التجارب، والتجارب قد تجوَّز فيها قوم فقالوا: هي عقل ثانٍ، وقالوا في المشورة: عقل غيرك مُنْضَمُُّ إلى عقلك، وهذا كله مجاز، والحقيقة لا تقبل التزايد (٢) . المطلب الثالث: الترجيح، وبيان سببه يترجح لديّ مما سبق عرضه ومناقشته أن العقل متفاوت، فهو يختلف قلةً وكثرةً من إنسان لآخر، وذلك لسببين: السبب الأول: ... أن الله ﵎ أمرنا برد كل شيء متُنَاَزعٍ فيه إليه سبحانه وإلى رسوله ﷺ فقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) (٣) . وقال: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) (٤) . ... وقد رددنا هذه المسألة المتنازع فيها إلى الرسول ﷺ فوجدنا أنه ﵊ أخبرنا في الحديث المتفق عليه السابق ذِكْرُه (٥) بأن النساء ناقصات عقل، وفي هذا الإخبار دلالة صريحة على نقصان عقول النساء عن عقول الرجال، ولو كانت العقول متساوية لما أخبرنا بذلك ﵊. السبب الثاني: ... أننا نجد في الواقع المحسوس الملموس اختلاف الناس في الإدراك العقلي، فبعضهم أكثر إدراكاً من بعض، وهذا يدل دلالة واضحة على تفاوت العقول بين الناس، إذ لو كانت متساوية لما وُجد ذلك الاختلاف.

стр. 1685

المطلب الرابع: ثمرة الخلاف في المسألة حقَّق الغزالي رحمه الله تعالى في هذا المقام الأمر الذي لا تتفاوت فيه العقول بين الناس بعد أن بيَّن أن العقل يطلق بالاشتراك على أربعة معانٍ أولها: الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم، وهو الذي استعدَّ به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية، وثانيها: العلوم الضرورية كالعلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وثالثها: العلوم المستفادة من التجارب بمجاري الأحوال، ورابعها: معرفة عواقب الأمور التي تفضي إلى قَمْع الشهوة وقَهْرها (١) . فقال: (قد اختلف الناس في تفاوت العقل، ولا معنى للاشتغال بنقل كلام مَنْ قَلَّ تحصيله، بل الأولى والأهم المبادرة إلى التصريح بالحق، والحق الصريح فيه أن يقال: إن التفاوت يتطرق إلى الأقسام الأربعة سوى القسم الثاني وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، فإنَّ مَنْ عَرَفَ أنّ الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضاً استحالة كون الجسم في مكانين، وكون الشيء الواحد قديماً حادثاً، وكذا سائر النظائر، وكل ما يدركه إدراكاً محقَّقاً من غير شك، وأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرق إليها) (٢) . وهذا التحقيق الذي ذهب إليه الغزالي رحمه الله تعالى يجعل عدم التفاوت محصوراً فيما يتعلق بالعلوم الضرورية فقط، ومعنى ذلك أن (العقل الغريزي) وهو الذي ميَّز الله ﵎ به الإنسان عن البهائم قابل للتفاوت فيختلف فيه الناس بعضهم عن بعض بحسب اختلاف مداركهم ومعارفهم. إلا أن الزركشي رحمه الله تعالى قد خالف في تحقيقه تحقيق الغزالي، فذهب إلى أن (العقل الغريزي) ليس قابلاً للتفاوت حين قال: (والتحقيق: أنه إن أُريد الغريزي فلا يتفاوت، أو التجريبي فلا شك في تفاوته) (٣) .
следующие страницы →