Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
وأخذ تأثير المنطق الشكلي في القياس اللغوي في هذه المرحلة يظهر في بعض الأقيسة وبعض الحدود وبعض التعليلات حيث كانت البداية هي استخدام المنطق الأرسطي لتنمية الحصيلة اللغوية باشتقاق الجديد من الألفاظ والصيغ " فقد أحس اللغويون والنحاة بضرورة الأخذ بالقياس الشكلي الصوري المنطقي لتنمية الحصيلة اللغوية حتى تلاحق التطور الاجتماعي وتلبي احتياجاته المتعددة التي يقصر المحفوظ من اللغة عن التعبير عنها" (١) .
وهكذا تم إلحاق صيغ بأخرى في الحكم لمجرد المشابهة بينهما اعتماداً على المنطق الشكلي.
" ومن ثم ليس من شك في أن الأخذ بالقياس الشكلي في هذه المرحلة في مجال "الصيغ" و " الأحكام النحوية "، هو الذي مهد بصورة حاسمة لنمو التأثيرات المنطقية وتراكمها في البحوث النحوية في المرحلة التالية حتى أصبح الركيزة الأساسية " للحكم" النحوي، والمحور الرئيسي " للاستدلال " في كافة المجالات التي تفرع إليها البحث النحوي، بما في ذلك تلك الجوانب التي ظلت - طيلة هذه المرحلة - بمنأى عن التأثر بالقياس، وفي مقدمتها الأحكام النحوية التي تعتمد على " النصوص " المطردة، بعد أن أصبحت هذه الأحكام النحوية - وإن اعتمدت على النصوص - لا تثبت " بالنص " وإنما تثبت " بالعلة " (٢)
وكما تأثر القياس في هذه المرحلة بالمنطق الشكلي تأثرت العلل النحوية أيضاً، حيث تغير هدفها من تسويغ "الموجود بالفعل" من الظواهر اللغوية و" المقنن في الواقع" من القواعد النحوية فأصبح التعليل " محور البحث النحوي "، بعد أن أصبحت العلة ركيزة الحكم في القياس بمفهومه الجديد المستمد من المنطق (٣) .
وهكذا مهدت هذه المرحلة للسيطرة التامة للمنطق الشكلي في المرحلة التالية.
التحول التام للقياس الشكلي:
стр. 2032
.. كانت نشأة العلوم اللغوية بعامة والنحو وأصوله بصفة خاصة نشأة إسلامية عربية خالصة استجابة للظروف التي أدت إلى هذه النشأة، واتبع النحاة منهجاً إسلامياً خالصاً، حتى كانت ترجمة الفكر الإغريقي عامة والمنطق بصفة خاصة في عهد المأمون (ت ١٩٨هـ) ، فتجاور المنهج الإسلامي مع المنهج المنطقي لكن المنهج الإسلامي كان هو الأغلب وتأثيره أقوى في النحو العربي وأصوله، وظل الأمر هكذا حتى كان منتصف القرن الرابع الهجري " فانعكس الوضع، فإن الخصائص المنطقية قد أصبح لها الغلبة على فكر النحاة وآثارهم، وصارت الخصائص الذاتية للمنهج الإسلامي من القلة والضآلة بحيث لم تعد ملموسة في الأصول العامة، وإنما يمكن أن تدرك آثارها في بعض جزئيات هذه الأصول " (١) .
... " لقد كان تجاور النظريتين في الأصول العامة للتفكير النحوي فترة طويلة كافيّا لإحداث قدر من التلاحم بين النظريتين، بحيث لم يستطع النحاة التفرقة بين الخصائص الإسلامية والخصائص المنطقية في الأصول النحوية، وقد ساعد على ذلك - دون شك - الوحدة الشكلية لبعض الأصول النحوية منطقياً وإسلامياً، ففي الأصول الإسلامية قياس وفي المنطق قياس، وفي الأصول الإسلامية تعليل، وفي المنطق تعليل، ... ولكن فات النحاة أن القياس والتعليل والتعريف في المنهج الإسلامي - كلاً - يختلف في خصائصه وشرائطه وغاياته عن نظيره في المنطق الإغريقي " (٢) .
стр. 2033
إذن بدأ هذا التحول من الفكر الإسلامي إلى المنطقي من النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وتظل خصائص هذا التحول " تمتد عبر القرون التالية حتى العصر الحديث، فإن الدراسات النحوية التقليدية المعاصرة تتبع في دقة اتجاهات النحاة في هذه المرحلة، وتلتزم بأصولهم عن وعي حيناً ودون إدراك أحياناً، ودون تمرد على هذه الأصول دائماً " (١) .. وقد بلغ القياس ذروته في هذه المرحلة (٢) على يد أبي علي الفارسي (ت ٣٧٧هـ) ، وتلميذه ابن جني (ت ٣٩٢هـ) فنادوا بذلك الرأي المشهور: " ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب " (٣) ، وقد بلغ من اعتزاز أبي علي بالقياس أن روي عنه أنه قال: " لأن أخطئ في خمسين مسألة مما بابه الرواية أحبّ إليّ من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية " (٤) وهكذا نهض هذان الإمامان بالقياس نهضة لم يحظ بمثلها أحد قبلهما ولا بعدهما حتى اليوم.
أما الفارسي فقد عشق القياس الذي بهره وأخذ على فكره السبل، فصار يمتحن به كل مسألة تعرض له، وعلى رسومه يصدر فتواه ويعتقد آراءه.. فقد سأله ابن جني يوماً: " هل يجوز لنا في الشعر من الضرورة ما جاز للعرب أم لا؟ " فقال: " كما جاز أن نقيس منثورنا على منثورهم، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم، فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا، وما حظرته عليهم حظرته علينا، وإذا كان كذلك فما كان من أحسن ضروراتهم فليكن من أحسن ضروراتنا، وما كان من أقبحها عندهم فليكن من أقبحها عندنا، وما بين ذلك بين ذلك " (٥)
... وقد سار ابن جنى على منهج أستاذه أبى على الفارسي في القياس، ويتضح ذلك من كثرة الآراء التي رواها عنه في كتابه " الخصائص"، كما أن ابن جنى قد خطا بالقياس إلى الأمام خطوات واسعة.
стр. 2034
وممن أيدوا مذهب أبي علي الفارسي في القياس-الزمخشري (ت ٥٣٨هـ) ، فقد كان يرى الاحتجاج بأقوال المولدين، والقياس عليها، مستشهداً في تفسيره ببيت لأبي تمام، لأنه يرى أنه ممن يوثق بقوله، وقد تبعه في هذا العلامة الرضي (ت ٦٨٨هـ) فقد استشهد بشعر لأبي تمام في عدة مواضع من شرحه لكافية ابن الحاجب " (١)
ويرى الشيخ الطنطاوي في كتابه (نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة) أن استشهاد الرضي بأقوال المحدثين مما يؤخذ عليه فيقول، " إنما المؤاخذة عليه في استشهاده بشعر المحدثين، والنحاة لاينظرون إليه في اتخاذه اساساً للقوانين النحوية وقد ذكر منه مقداراً كبيراً سأذكر لك بعضاً منه.." (٢) ثم يذكر بعض الأبيات ومنها استشهاده بقول بشار في باب" الحال ":
... إذا أنكرتني بلدة أونكِرتها ... ... خرجت مع البازي عليّ سواد
وبقول أبي الطيب المتنبى:
... قبلتها ودموعي مزج أدمعها ... وقبلتني على خوف فماً لفم
وبقوله:
بدت قمراً وبانت خُوط بان ... ... وفاحت عنبراً ورنت غزالاً
وفي باب اسم الفاعل بقول ربيعة:
... لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغربن حاتم
تم يعقب بقوله:" ولا ريب أن استشهاده بالمحدثين إحدى الهنات الملاحظة عليه" (٣)
إذا كان هذا موقف الشيخ الطنطاوي وأمثاله، نجد أحد الباحثين يرى أن هؤلاء الذين لايرون الاستشهاد بأقوال المولدين هم غلاة اللغويين وهم المتزمتون أو المحافظون الذين قسموا لنا الظواهر اللغوية أقساماً:
١- المطرد في القياس والسماع.
٢- المطرد في السماع الشاذ في القياس.
٣- المطرد في القياس الشاذ في السماع.
٤- الشاذ قياساً وسماعاً.
стр. 2035
وهؤلاء الذين يقصدهم الدكتور " أنيس " هم الذين تأثروا في أحكامهم التقعيدية والتعليمية معاً بخصائص الحكم الفلسفي، وبصفة خاصة بما يميز هذا الحكم من طرد الأحكام الممتدة عن بعض الظواهر إلى ظواهر أخرى، اكتفاء" بنوع من الاتساق النظري بينها دون الإعتماد على ركائز يقينية، وإنما تشيده التصورات الذهنية وحدها، بصرف النظر عن الوجود الواقعي لها، ومن ثم صح عند ابن جني أن يجعل من بين أقسام الكلام من حيث الاطراد والشذوذ: " ما كان مطرداً في السماع شاذاً في القياس، وما كان مطرداً في القياس شاذاً في السماع " دون أن يحس بتناقض هذا التفاوت في الحكم بين السماع والقياس، إذ لم يعد المسموع والمروي ذا قيمة مؤثرة في الفكر النحوي بعد أن أغنى عنهما الإدراك العقلي للنصوص اللغوية، ومن هنا فإن ما يبدو عجيباً من تناقض الأحكام مع الواقع اللغوي يبدو مبرراً منطقياً مع منهج البحث النحوي في هذه المرحلة (١) .
يتضح لنا إذن أن الصراع كان ناشباً بين المجددين والمحافظين، فينتصر المجددون حين تبرق بارقة من الحرية في القول، كتلك التي كانت على يد المعتزلة، وتخبو جذوتهم حين تشيع روح المحافظة كتلك التي كانت أيام المتوكل الذي نكل بالمعتزلة ومن على شاكلتهم، فقد كان لحرية الرأي في الأمور الفلسفية والاجتماعية صدى في البحوث اللغوية أيضاً (٢) .
стр. 2036
ولكن السمة الغالبة على هذه الفترة كانت الخضوع التام والتبعية الكاملة للمنطق في كافة البحوث النحوية، ويظهر أثر ذلك بإلقاء نظرة فاحصة على النتاج الثقافي اللغوي والنحوي منه بصفة خاصة، وقد رأينا كيف دفع ذلك ابن جنى إلى تقسيم الظواهر اللغوية إلى أربعة أقسام لا وجود لها في الواقع اللغوي، لكن القسمة العقلية المنطقية تقتضي ذلك حتى أننا نجده يذكر لنا النوع الرابع الشاذ قياساً وسماعاً ويذكر له بعض الكلمات القليلة وينسبها إلى بعض البغداديين ولم يسمّ أحداً منهم، ولست أدرى كيف يكون من اللغة ذلك الشاذ في القياس والسماع كليهما، وكيف يعد قسماً من أقسام الظواهر اللغوية؟!
... وقد عقد الدكتور أبو المكارم في كتابه" تقويم الفكر النحوي " فصلاً كاملاً تناول فيه صور التأثير الإغريقي في النحو العربي، ويهمنا هنا ما يتعلق بمادة هذا البحث، وهو التأثير الإغريقي في مجال القياس، فيقول:
" وتتجلي تلك التبعية وهذا الالتزام في امتداد خصائص القياس النحوي في هذه المرحلة عن الخصائص المميزة للقياس المنطقي " (١) .
стр. 2037
.. فشكلية القياس النحوي واضحة في تحليل المقيس، وبصورة خاصة في مجال قياس الظواهر، حيث يلحق النحاة ما يشاءون من الأحكام بما يشاءون منها، ويعتبرون ما يلحقونه به أصلاً وما يلحقونه فرعاً، ولا يتحرجون في هذا المجال من أن يقيسوا ما ثبت من الأحكام على ما اختلف في ثبوته، كما لا يترددون في إلحاق ما يشكون فيه بما يشكون فيه أيضاً، دون أن يستندوا في كل ذلك إلى سند موضوعي أو يعتمدوا على أساس من الملاحظة الدقيقة المستوعبة للظواهر، ومن ثم فإن القياسات النحوية لم تبدأ بما كان ينبغي أن تبدأ منه بتصنيف الظواهر وتحديد علاقاتها لاكتشاف مقوماتها وبلورة خصائصها مما كان يقدم أساساً مقبولاً للتعامل المباشر مع الظواهر من حيث إلحاق بعضها ببعض، ومن ثم امتداد الأحكام من بعضها إلى بعض، وإنما على العكس من ذلك بدأت بنقل الأحكام من ظاهرة إلى أخرى بتطبيق القواعد الشكلية للإلحاق، فقفزت إلى النتائج دون أن تلم بالمؤثرات الموضوعية التي أسلمت إليها.
... وشكلية القياس النحوي جلية أيضاً في المقيس عليه، وبشكل بارز في القياس على القليل وعلى الشاذ.
стр. 2038
.. " وإذا كانت شكلية القياس المنطقي قد أحدثت آثارها في الأقيسة النحوية، فإن ميتافيزيقية القياس المنطقي قد تركت صداها في الأقيسة النحوية أيضاً، وأهم المجالات التي تتضح فيها هذه المتيافيزيقية هي الحكم، ذلك أن الحكم النحوي لا ينبني في تصور النحاة على النصوص التي تحمله، ولا يعتمد على الظواهر التي تؤيده، وإنما يمتد عن الفكرة الذهنية للقياس النحوي المستمدة في جوهرها من الصورة الميتافيزيقية للقياس المنطقي، ومحور هذه الصورة تجريد الحكم من مقوماته المادية التي ينبني عليها، وجعله مرتبطاً ارتباطاً ذهنياً صرفاً عن طريق التلازم العقلي بالقضايا والأشكال ... ومن ثم يصح عندهم نقله من مجاله الموضوعي الذي وردت به النصوص والظواهر معاً إلى مجالات لم ترد لها نصوص ولم تشر إليها ظواهر، بل أمكن عندهم نتيجة لهذا التصور الذهني نقل الحكم إلى حيث تناقضه الظواهر والنصوص جميعاً " (١) .
ثم ينتهي من هذا كله إلى نتيجتين على قدر كبير من الأهمية تَرَكَهُمَا الأخذُ بخصائص القياس المنطقي في القياس النحوي وهما: إهمال النصوص، وتناقض الأحكام.
... ويرى أن ذلك كان وراء كثير من صور التعارض بين الأدلة في التراث النحوي، مما اضطر النحاة إلى ابتكار وسائل جديدة لترجيح الأحكام من ناحية، وتأييدها بالنصوص من ناحية أخرى، فكان أن استعاروا من المنهج الإسلامي ما تحدد في علم أصول الفقه من أساليب لترجيح الأدلة حين تتعارض (٢) .
واستمر الأمر هكذا حتى كانت مبشرات النهضة الحديثة أواخر القرن الماضي.
المفهوم الشكلي للقياس النحوي:
стр. 2039
شهد أواخر القرن الثالث الهجري وبدايات القرن الرابع تحولاً في مفهوم القياس، فلم يعد يعنى باطراد الظواهر واستقراء مادتها والقياس على ما شاع منها واطرد، بل بدأ يأخذ طابعاً شكليا يعتمد على حمل فرع على أصل لعلة جامعة بينهما، سواء أكان هذا الحمل هو حمل المسموع على مسموع، أو مفترض على مسموع أو حكم نحوي على آخر (١) . ولم يكن هذا التحول فجأة، بل إن من النحاة من أنكره ولم يسلم به، وتشبث بما درج عليه الأوائل من فهم له، ولا أدل على ذلك من الفصل الذي عقده ابن الأنباري " في شُبَه تورد على القياس " تمثلت فيما يأتي (٢) :
١- لو جاز حمل الشيء على الشيء بحكم الشبه لما كان حمل أحدهما على الآخر بأولى من صاحبه، فإنه ليس حمل الاسم المبني لشبه الحرف على الحرف في البناء بأولى من حمل الحرف لشبه الاسم على الاسم في الإعراب
٢- إذا كان القياس حمل الشيء بضرب من الشبه، فما من شيء يشبه شيئاً من وجه إلا ويفارقه من وجه آخر فإذا كان وجه المشابهة يوجب الجمع، فوجه المفارقة يوجب المنع.
٣- " لو كان القياس جائزاً لكان ذلك يؤدي إلى اختلاف الأحكام لأن الفرع قد يأخذ شبهاً من أصلين مختلفين فإذا حمل على كل واحد منهما وجد التناقض في الحكم وذلك لا يجوز، فإن (أن) الخفيفة المصدرية تشبه (أنّ) المشددة من وجه، وتشبه (ما) المصدرية من وجه، و (أنّ) المشددة معمله و (ما) المصدرية غير معمله، فلو حملنا (أن) الخفيفة على (أنّ) المشددة في العمل، وعلى (ما) المصدرية في ترك العمل لأدى ذلك إلى أن يكون الحرف الواحد معملا وغير معمل في حال واحدة، وذلك محال " (٣) .
стр. 2040
وهذه الاعتراضات لمنكر القياس قد أجاب عنها ابن الأبناري بما يثبت تأييده للقياس والرد على من أنكره وهى تعبير عن رفض فئة من النحاة للقياس بمفهومه الشكلي، ولقد بلغ هذا المفهوم الشكلي للقياس قمة نضجه واكتماله على يد ابن الأنباري، ثم السيوطي من بعده، فقد تحددت عندهما حدوده، وأنواعه، وأقسامه، واعتمدا في كثير مما جاءا به على ما كتبه ابن جني في الخصائص. فقال: " أعلم أن القياس في وضع اللسان بمعنى التقدير، وهو مصدر قايست الشيء بالشيء مقايسة وقياساً، أي قدرته، ومنه المقياس أي المقدار وهو في عرف العلماء عبارة عن تقدير الفرع بحكم الأصل، وقيل هو حمل فرع على أصل بعلة تقتضي إجراء حكم الأصل على الفرع، وقيل: هو ربط الأصل بالفرع بجامع، وقيل: هو اعتبار الشيء بالشيء بجامع، وهذه الحدود كلها متقاربة" (١) " وهذه المحاولة - بما تسعى إليه من إخفاء صفة الأصالة وبما فعلته من الربط بين المدلولين: اللغوي والاصطلاحي - قد وقعت في خطأين بارزين:
أولهما: أن تلمُّس الصلة بين هذين المعنيين قد أبعد النحاة عن مقتضيات الدقة العلمية، إذ لو كان لفظ القياس قد أخذ هذا المدلول الجديد عليه في البحث النحوي، لعرف به من قديم، ولترك آثاره في التفكير النحوي وفي البحث النحوي معا، وذلك غير صحيح.
والثاني: أن اعتبارهم المعنى اللغوي أساس المعنى الاصطلاحي جعلهم ينصرفون عن تحليل المؤثرات الحقيقية في المعنى الجديد للقياس وتقويم آثارها فيما أصابه من تطور ومن ثم ظلت أسباب هذا التطور ومصادره بعض النقاط الغامضة في البحث النحوي (٢) .
стр. 2041
ولعل ملامح هذا القياس الشكلي تتضح بالوقوف على أركانه التي يقوم عليها وقد حددها ابن الأنباري بأربعة أركان ثم ذكر مثالاً تتحقق الأركان الأربعة فيه، فقال: " ولا بد لكل قياس من أربعة أشياء: أصل وفرع وعلة وحكم وذلك مثل أن تركب قياساً في الدلالة على رفع ما لم يسم فاعله فتقول: اسم أسند الفعل إليه مقدما عليه، فوجب أن يكون مرفوعاً قياساً على الفاعل، فالأصل هو الفاعل والفرع ما لم يسم فاعله، والعلة الجامعة هي الإسناد، والحكم هو الرفع، والأصل في الرفع أن يكون للأصل الذي هو الفاعل، وإنما أجري على الفرع الذي هو ما لم يسم فاعله بالعلة الجامعة التي هي الإسناد. وعلى هذا النحو تركيب كل قياس من أقيسة النحو " (١) . ونعرض الآن لهذه الأركان:
١- المقيس عليه: وهو الأصل الثابت بداهة أو بحكم الثابت ولا خلاف عليه.
٢- المقيس: وهو الفرع أو الشيء المجهول الذي نقيم القياس لنلحقه بالمقيس عليه.
٣- العلة: وهي الشيء الذي أدّى بنا إلى إلحاق المقيس " الفرع " بالمقيس عليه " الأصل " للإشتراك بينهما.
٤- الحكم: وهو النتيجة التي نخرج بها إلى إلحاق المقيس بالمقيس عليه للعلة الجامعة المشتركة بينهما.
وحتى لا يطول الحديث في تفصيل تلك الأركان التي تطرق لها عدد ليس بقليل من الباحثين والمؤلفين، فإننا نتحول إلى التطبيق على القياس الشكلي الذي أدت إليه الحاجة لاستنباط شيء جديد في صورة صيغ أو دلالات أو تراكيب للتعبير بها عن الحياة الجديدة.
التطبيق على القياس الشكلي:
ونتطرق للتطبيق على القياس الشكلي من خلال المسائل التالية:
١- قياس النصب على الجر:
стр. 2042
فإنه من المسلم به في اللغة العربية أن المثنى يرفع بالألف، نحو: حضر الزيدان، وينصب ويجر بالياء، نحو: أكرمت الطالبين، ونظرت إلى الرجلين. وجمع المذكر السالم يرفع بالواو، نحو صام المسلمون، وينصب ويجر بالياء كالمثنى نحو: هنأت المسلمين بقدوم العيد، وسررت من المسلمين. فالمثنى وجمع المذكر السالم ينصبان ويجران بالياء إلا أن النصب فيهما محمول على الجر، أما في المثنى، فلا يمكن أن يكون النصب بالألف، لئلا يقع في الكلام لبس فإذا دخل عامل الجر على المثنى، قلبت الألف ياء لأجل المناسبة، وبقيت الفتحة قبلها إشعاراً بكونها ألفاً في الأصل. فكان حمل النصب على الجر، ذلك أن المنصوب والمجرور متآخيان في أشياء: منها أن كلاً منهما فضلة، يجيئان بعد تمام الكلام، ومنها اتفاق ضميرهما في الغيبة والخطاب، كقولك: كتابك وكتابه، ومنها اتفاقهما في المعنى واتفاقهما في المخرج، فالفتح من أقصى الحلق، والكسر من وسط الفم. لهذه المناسبة والمشابهة بين المنصوب والمجرور حمل النصب على الجر في المثنى " لأن الجر أخف من الرفع، فلما أرادوا الحمل على أحدهما كان الحمل على الأخف أولى من الحمل على الأثقل، وهو الرفع (١)) . وكذلك حمل النصب على الجر في جمع المذكر، لأنه لو قلبت الواو ألفاً في النصب، لأدى ذلك إلى الالتباس بالمثنى المرفوع،" فكان الحمل على الجر بالياء أولى من غيره، لأن دلالة الياء على الجر أشبه من دلالتها على النصب، لأن الياء من جنس الكسرة، والكسرة تدل في الأصل على الجر فكذلك ما أشبهها (٤٦) ".
هذا وقد جاء نصب جمع المؤنث بالكسرة حملاً على جره بها، كما حمل النصب على الجر في جمع المذكر إجراء للفرع على وتيرة الأصل.
هكذا رأينا أن النصب بالياء في المثنى وجمع المذكر جاء محمولاً على الجر بها كما أن النصب بالكسرة في جمع المؤنث جاء محمولاً على الجربها أيضاً، وكل ذلك من قبيل حمل الفرع على الأصل.
стр. 2043
٢- قياس الجمع على المفرد إعلالاً وتصحيحاً
... من مواضع قلب الواو ياء " وقوعها عينا لجمع صحيح اللام، وقبلها كسرة وهي في المفرد معلة. وذلك نحو: دار وديار، وقيمة وقيم، وديمة وديم (١) ". الأصل دور وقوم ودوم، فقد أعلت الواو في الجمع قياساً على إعلالها في المفرد، فإذا صحت عين المفرد صحت عين جمعه قياساً عليه، فصحت عين "طوال " لصحتها في عين مفرده طويل. وصحت عين الجمع في نحو أسواط وأحواض لعدم كسر ما قبلها، وصحت عين الجمع في ثورة وزوجة قياساً على صحتها في المفرد ثور وزوج" هكذا: أعلت عين الجمع حين أعلت عين مفرده، وصحت حين صحت عين مفرده، فقد حمل الجمع على المفرد إعلالا وتصحيحا حمل فرع على أصل، لأن الجمع فرع على الإفراد، وقد تساويا في علة الإعلال، كما تساويا في علة الصحة (٢) ".
٣- قياس الحذف للنصب على الحذف للجزم:
كل فعل مضارع اتصل به ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، نحو: يضربان وتضربان ويضربون وتضربون وتضربين، فإنه يرفع بثبوت النون وينصب ويجزم بحذفها.
" بيد أن الحذف في حالة النصب مقيس على الحذف في حالة الجزم، لأن الحذف للجزم أصل (٣) " وإنما كان أصلاً لمناسبة الحذف للسكون الذي هو الأصل الأصيل في الجزم، لذلك كان حمل النصب على الجزم في الحذف من قبيل حمل الفرع على الأصل.
٤- قياس الصفة المشبهة على اسم الفاعل:
يجوز في الصفة المشبهة أن تعمل الرفع والنصب والجر، فالرفع على الفاعلية والنصب على التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة، وعلى التمييز إن كان نكرة، والجر على الإضافة، وذلك في نحو: قولك: هذا الحسن الوجه.
" فالوجه يجوز رفعه على الفاعلية، ونصبه على التشبيه بالمفعول به، وجره بإضافته إلى الحسن (٤) ".
стр. 2044
ولكن سيبويه أجاز للجر وجهاً آخر، " وهو أن يكون جره بالحمل على جر الرجل في قولهم: هذا الضارب الرجل (١)) "، كما أجازوا - أيضاً - النصب في قولهم: هذا الحسن الوجه، حملا له منهم على " هذا الضارب الرجل ". فقد حمل النحاة - حينئذ - نصب الوجه في الصفة المشبهة، على وجه النصب في اسم الفاعل بيد أن سيبويه حمل وجه الجر في الصفة المشبهة على وجه الجر في اسم الفاعل. " وهذا من قبيل حمل الفرع على الأصل، لأن الصفة المشبهة فرع على اسم الفاعل في العمل، لذلك قصرت عنه فلم تعمل في متقدم ولا في غير سببي (٢) ".
٥- قياس الفعل المعتل على الصحيح:
الفعل الماضي مبني اتفاقا، وبناؤه على الفتح نحو: أكل وشرب، ما لم يتصل به واو الجماعة فيضم نحو: أكلوا وشربوا، أو ضمير رفع متحرك فيسكن نحو: أكلت وأكلنا، وشربت وشربنا.
والمضارع معرب، ما لم تتصل به نون التوكيد أو نون النسوة. فمثال نون التوكيد المباشرة: تقرأنّ؟ ، فالفعل معها مبنى على الفتح.
ومثال نون النسوة، قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن﴾ (٣) ، والفتيات يلعبن، فالفعل معها مبني على السكون. أما الفعل الأمر فقد أختلف في بنائه: فذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر معرب مجزوم بلام الأمر المقدرة، وأصلة: لتضرب فحذفت اللام تخفيفا، فصار: تضرب، ثم حذف حرف المضارعة قصداً للفرق بين هذا وبين المضارع غير المجزوم عند الوقف عليه، فاحتيج بعد حذف حرف المضارعة إلى همزة الوصل توصلا للنطق بالساكن، فصار: اضرب واستدلوا على أنه معرب مجزوم بلام مقدرة، أنك تقول في المعتل: اغز، ارم، اخش، فتحذف الواو والياء والألف كما تقول: لم يغز، لم يرم، لم يخش، بحذف حرف العلة، فدل ذلك على أنه مجزوم بلام مقدرة.
стр. 2045
" أما البصريون فقد ذهبوا إلى أن فعل الأمر مبني على السكون في نحو: اضرب لأنه صحيح الآخر، ومبنى على حذف حرف العلة في نحو: اغز، اخش، ارم، لأنه معتل الآخر. فقد حذفت الواو والألف والياء من هذه الأفعال للبناء لا للإعراب. وتم هذا الحذف قياساً للفعل المعتل على الصحيح، وذلك أنه لما استوى الفعل المجزوم وفعل الأمر الصحيح في قولك: لم يخرج، واخرج في سكون الآخر، وإن كان أحدهما مجزوما والآخر مبنياً، سوي بينهما في الفعل المعتل بحذف حرف العلة.
" وإنما وجب حذفها في الجزم، لأن هذه الأحرف التي هي الواو والألف والياء جرت مجرى الحركات لشبهها بها فكما أن الحركات تحذف للجزم، فكذلك هذه الأحرف، فلما وجب حذف هذه الأحرف في المعتل للجزم، فكذلك يجب حذفها من المعتل للبناء، فحذفت فيهما حملا للمعتل على الصحيح، لأن الصحيح هو الأصل، والمعتل فرع عليه، فحذفت حملا للفرع على الأصل (١) . والخلاصة أن المضارع والأمر المعتلين حملا - في حذف حرف العلة - على المضارع والأمر الصحيحين حمل فرع على أصل، للتشابه بين حروف العلة والحركات في أن كلا منهما يحذف عند وجود المقتضى.
وقد ساق ابن جني رأيا لطيفا فذكر أنه إذا كان المراعى هو جانب الحركات والحروف، بغض النظر عن الصحة والاعتلال، كان من قبيل حمل الأصل على الفرع، لأن الحركات زوائد والحروف أصول (٢) .
٦- قياس الجر على النصب:
... الكسرة هي العلامة الأصلية للجر، والفتحة هي العلامة الأصلية للنصب، تقول: مررت بزيد، وأكرمت زيداً. ولكن مالا ينصرف من الأسماء جر بالفتحة نيابة عن الكسرة، فجر مالا ينصرف - حينئذ - بالفتحة مقيس على نصبه أى أن الجر فيما لا ينصرف - والجر خاص بالأسماء أصيل فيها - حمل على النصب المشترك بين الأسماء والأفعال (٣) .
стр. 2046
فالفتحة علامة فرعية للجر، والكسر علامة أصلية، وقد جر بالفتح ما حقه أن يجر بالعلامة الأصلية. لهذا كان حمل الجر على النصب فيما لا ينصرف من باب حمل الأصل على الفرع " وعلة الحمل هنا، هو أن المجرور والمنصوب فضلتان في الكلام فلما لم يكن من الحمل بد، حمل أحدهما على الآخر، كما في المثنى والمجموع، ولما كانت الفتحة إلى الكسرة أقرب من الضمة إليها، حمل على الأقرب منه، وهو الفتحة، حمل أصل على فرع، بخلاف حمل النصب على الجر في التثنية والجمع لأنه حمل فرع على أصل. وقد سمى النحاة حمل الجر على النصب فيما لا ينصرف وحمل النصب على الجر في التثنية والجمع سموه بالتقارض. وذكر ابن جني أن النحاة شبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل، لأنهم " لما شبهوا الفعل المضارع بالاسم فأعربوه تمموا على المعنى بينهما بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فاعملوه (١) ".
" وكما حمل النصب على الجر في التثنية والجمع الذي على حد التثنية، كذلك حمل الجر على النصب فيما لا ينصرف، لأن " العرب إذا شبهت شيئاً بشيء فحملته على حكمه عادت أيضاً فحملت الآخر على حكم صاحبه، تثبيتاً لهما، وتتميماً لمعنى الشبه بينهما (٢) "، وذلك يدلك على قوة تداخل هذه اللغة واتصال أجزائها وترابطها.
٧- قياس التثنية على الجمع:
стр. 2047
من قبيل حمل الأصل على الفرع قياسهم تثنية الممدود على جمعه في قلب همزته واواً إذا كانت للتأنيث فقالوا في تثنية صحراء وحمراء: صحراوان وحمراوان قياساً على قلبها واواً في الجمع حيث قالوا: حمراوات وصحراوات. وإنما قلبت همزة الممدود واواً في الجمع لأن بقاءها دون قلب يؤدى إلى اجتماع شبه ثلاث ألفات لوقوعها بين ألفين لأن الهمزة من مخرج الألف، وخصت بالقلب واوا، لأن الياء قريبة من الألف، فلو قلبت ياء لأدى إلى اجتماع شبه ثلاث ألفات كذلك، لهذا اختير قلبها واواً لبعد شبهها بالألف وإنما كان حمل المثنى على الجمع من قبيل حمل الأصل على الفرع، لأن المثنى أقرب إلى الواحد وأبعد عن الجمع، فقربه من الواحد جعله أصلاً كما أن بعد الجمع عن الواحد جعله فرعاً (١) .
٨- قياس بعض الآحاد على المثنى والمجموع
للإعراب علامات أصلية، وعلامات فرعية. فالآحاد تعرب بعلامات أصلية وهي الحركات، نحو: هذا عالم فاضل ورأيت عالماً فاضلاً، واستمعت إلى عالم فاضل. والتثنية والجمع يعربان بالحروف - وهي علامات فرعية - نحو: جاء الزيدان، وأكرمت الزيدين، ومررت بالزيدين. وأيضاً صام المسلمون، واحترمت المسلمين، وسررت من تآزر المسلمين، ولكن بعض الآحاد جاء معرباً بالحروف نحو: هذا أخوك، واحترم أباك، وجلست مع حميك قياساً للمفرد على التثنية والجمع. وهو حمل للأصل على الفرع (٢) لأن ما حقه أن يعرب بالحركات، جاء معرباً بالحروف.وهذا على المشهور في إعراب الأسماء الستة وهو أسهل المذاهب وأبعدها عن التكلف بخلاف ما ذهب إليه سيبويه والفارسي وجمهور البصريين من أنها معربة بحركات مقدرة على الحروف (٣) "، فإن فيه تكلف وبُعد.
٩- قياس الظاهر على المضمر في استواء النصب والجر
стр. 2048
" النصب والجر يستويان في المظهر المثنى والمجموع نحو: كافأت الطالبين، وسررت من الطالبين، وشجعت الصائمين، وسررت من الصائمين. كما تساويا في المضمر نحو: رأيتكما ومررت بكما، ورأيتكم ومررت بكم. فقد جاء المنصوب بلفظ المجرور، لأن المضمر مبني، فهو خال من الإعراب، فلا يظهر أثر فيه، بخلاف المظهر لأنه معرب، لذلك قاسوه على المضمر في التثنية نصباً وجراً، مع أنه أصل، لهذا كان حمل المظهر على المضمر في التثنية حمل أصل على فرع، من حيث أن المظهر معرب، والإعراب أصل في الأسماء. والمضمر مبني، والبناء فرع على الإعراب، فالمراعى حينئذ هو أمر الإعراب والبناء، وليس شيئاً آخر.
١٠- قياس المصدر على الفعل
من أنواع ما حمل فيه الأصل على الفرع، قياس المصدر على فعله. وهذا القياس قد يكون في العمل، كما يكون في الإعلال أو التصحيح، وهذا هو البيان:
أولاً: القياس في العمل: ذهب البصريون إلى أن المصدر أصل المشتقات لكونه بسيطا لأنه يدل على الحدث فقط والفعل مشتق منه وفرع عليه، لأن الفعل يدل على الحدث والزمن، وكل فرع يتضمن الأصل وزيادة عليه، فثبتت فرعية الفعل وأصلية المصدر لأنه دل على بعض ما يدل عليه الفعل. وذهب الكوفيون إلى أن الفعل أصل، والمصدر مشتق من الفعل وفرع عليه لأن المصدر يجيء بعده في التصريف، نحو: ضرب ضرباً وقام قياما (١) . ومما يدل على أصالة الفعل أن المصدر يصح لصحة الفعل ويعتل لاعتلاله وأن الفعل يعمل في المصدر، فوجب أن يكون فرعا له، لأن رتبة العامل قبل رتبة المعمول. وأن المصدر يذكر تأكيداً للفعل، ولا شك أن رتبة المؤكَّد قبل رتبة المؤكّد، فدل ذلك على أن الفعل أصل، والمصدر فرع.
стр. 2049
والصحيح مذهب البصريين، لأن من شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة، والفعل والوصف بالنسبة إلى المصدر كذلك. إذ المصدر يدل على مجرد الحدث، والفعل يدل على المصدر والزمان، والوصف يدل على المصدر والفاعل وبناء على ذلك يكون عمل المصدر عمل فعله من قبيل حمل الأصل "المصدر" على فرعه "الفعل". فإن كان فعله المشتق منه لازماً فهو لازم، وإن كان متعديا فهو متعد إلى ما يتعدى إليه بنفسه أو بحرف الجر. وقد عمل المصدر عمل فعله وحمل عليه في ذلك بسبب قوة مشابهته للفعل، لأنه أصل للفعل وفيه حروفه، وهو يعمل عمل فعله على ضروبه الثلاثة، مضافا كان أو مجردا أو مقترنا بأل (١)) ".
ولا يخفى أن عمل المصدر عمل فعله "عند الكوفيين" يكون من قبيل حمل الفرع على الأصل، لأن المصدر عندهم مشتق من الفعل وفرع عليه.
ثانياً: قياس المصدر على الفعل في الصحة والاعتلال: يقاس المصدر على الفعل في الصحة. وفي الاعتلال، فقد صحت عين المصدر في الحول والعور والغيد والجوار قياساً على الفعل: حول، وعور، وغيد، وجاور. كما أعلت عينه في نحو: صيام وقيام، والأصل: صّوام وقوام، قياساً على إعلالها في الفعل في: صام وقام، والأصل: صوم وقوم.
وعلى ذلك فقد صحت عين المصدر حين صحت عين فعله، واعتلت حين اعتلت عين فعله، فقد قيس المصدر على فعله صحة واعتلالا.
بيد أنه لا يخفى أن هذا القياس من قبيل حمل الأصل على الفرع عند البصريين، خلافا للكوفيين الذين يرون أنه من قبيل حمل الفرع على الأصل بناء على أن الفعل أصل المشتقات والمصدر فرع عليه.
стр. 2050
ومنه عدم إضافة اسم الفاعل إلى فاعله قياساً على عدم إضافته إلى فاعله المضمر حيث إن الأصل في اسم الفاعل عدم إضافته إلى فاعله مضمراً كان أو مظهراً إلا إذا كان غير متعد، وقصد ثبوت معناه، فإنه يعامل معاملة الصفة المشبهة، وتسوغ إضافته إلى مرفوعة، نحو: زيد قائم الأب، برفع الأب ونصبه وجره على حد قولهم: زيد حسن الوجه، أى أنه يعامل معاملة الصفة المشبهة في رفع السببي ونصبه وجره بالإضافة. ولما كان الأصل في اسم الفاعل منع إضافته إلى فاعله مطلقا، مضمراً أو مظهراً، على رأى الجمهور، فإن عدم إضافته إلى المظهر مقيس على المنع في المضمر لأن المضمر أقوى حكما في باب الإضافة من المظهر، لذلك قيس المظهر عليه وإن كان هو الأصل لقوته ووفور صورته (١) .
كان هذا من قبيل حمل الأصل على الفرع بناء على أن المراعى هنا هو أمر الإعراب والبناء، فالمضمرات مبنية، والبناء فرع الإعراب في الأسماء. فحين يقاس المظهر على المضمر يكون من باب حمل الأصل على الفرع، ومنه أيضاً إضافة المصدر إلى الفاعل الظاهر قياساً على جواز إضافته إليه مضمراً، حيث إن إضافة المصدر إلى الفاعل الظاهر قد جازت قياساً على جواز إضافته إلى فاعله المضمر، من قبل أن " المضمر أقوى حكما في باب الإضافة من المظهر لأن المظهر بلطفه، وقوة اتصاله، مشابه للتنوين بلطفه وقوة اتصاله". ولذلك لا يجتمعان في نحو: ضاربانك وقاتلونه، أي لا يجتمع التنوين والإضافة، ولكنك تثبت التنوين مع المظهر لقوته فتقول: ضاربان زيداً. وكانت إضافة المصدر إلى فاعله المظهر مقيسة على إضافته إلى فاعله المضمر. وإن كان المظهر هو الأصل، لأن المراعى هنا أمر الإعراب والبناء وليس الأصالة والفرعية.
стр. 2051
لذلك كان جواز قياس إضافة المصدر إلى فاعله الظاهر، على أضافته إلى فاعله المضمر، من قبيل حمل الأصل على الفرع. إلا إذا روعي أصالة المضمر في مشابهته التنوين، وفرعية المظهر عليه في ذلك، فإنه يكون من قبيل حمل الفرع على الأصل (١) .
١١- قياس الحرف على نظيره
... من أنواع القياس الشكلي، قياس الحرف على نظيره، وهذا مثل نون (عنتر) ، فإن الدليل يقضى بكونها أصلاً لأنها مقابلة للعين في (جعفر) الذي هو على وزن فعلل، وهذا الوزن موجود في أمثلتهم (٢)) " أما إذا لم يقم الدليل فأنت في هذه الحالة محتاج إلى النظير، وهذا كالواو والياء من كلمة (عِزوِيت) فإنه لما لم يقم دليل على أنهما أصلان لجأت إلى التعليل بالنظير، وحملته على (فِعْلِيت) لوجود النظير وهو: عِفْرِيت ونِفْرِيت، لأن الحمل على ماله نظير أولى من الحمل على غيره.
ومنعت أن يكون على (فعويل) لعدم النظير، لأن (فعويلاً) بناء لم يجئ في الأمثلة الأصيلة، ولا في المزيد فيها فلا يجوز أن تجعله (فعويلاً) لأنه يترتب عليه كون الواو أصلاً في ذوات الأربعة غير مكررة، وهي لا تكون أصلاً في ذوات الأربعة إلا مع التكرار كالوصوصة والوجوجة والوحوحة. فإذا لم يجز أن يكون على الوزنين الأخيرين (فعويل فعليل) ثبت أنه على وزن (فعليت) فالواو حينئذ لام الكلمة مثل عفريت، والتاء هي الحرف الزائد.
ومن ذلك أيضاً - أرنب وأفكل فإنه لمّا لم يقم الدليل على أصالة الهمزة أو زيادتها لجأت إلى الحكم بزيادة الهمزة فيهما لوجود النظير بكثرة زيادتها فيما علم اشتقاقه كقولهم: أفضل، أشرف، أمجد، أحمد. " وهكذا فإن هذا النوع من الحمول لا يلجأ إليه إلا عند فقد الدليل، كما أن تحقيق النظير بعد قيام الدليل نوع من الإيناس فقط (٣)) "
١٢- قياس اللفظ على نظيره
стр. 2052
قياس النظير على النظير جعله السيوطي من القياس المساوي (١) ، كما إنه ارتأى أن يحمل النظير على النظير في اللفظ، أو في المعنى، أو فيهما، فمن أمثلة الأول بناء حذام على الكسر تشبيها له بدراك وتَرَاكِ ونَزَالِ، وبناء حاشا الاسمية لشبهها في اللفظ بحاشا الحرفية (٢)) . ومن أمثلة الثاني إهمال أن المصدرية مع المضارع حملا على ما المصدرية وقد أشار إلى ذلك ابن مالك بقوله:
... وبعضهم أهمل أن حملا على ... ما أختها حيث استحقت عملا
ونحو: غير قائم الزيدان، قياساً على ما قام الزيدان، لأنه في معناه. ومنه قياس اسم التفضيل على فعل التعجب في رفع الظاهر بشروط (٣) ، وذلك لشبهه بأفعل التعجب وزناً وأصلاً وإفادة للمبالغة. وكذلك قياس الكوفيين "أفعل" في التعجب على "اسم التفضيل" فأجازوا تصغيره لأنه اسم عندهم، وقد أشبه اسم التفضيل في الوزن والأصالة والدلالة على المبالغة.
وفيه فروع كثيرة نذكر منها:
(أ) كلمة مروان: يحتمل أن يكون وزنها فعلانا، أو مفعالا، أو فعوالا. فالأخيران مثالان لم يجيئا، والأول له نظير فيحمل عليه، لأن الحمل على ماله نظير أولى، فوزن " مروان" حينئذ - فعلان (٤) .
(ب) ألف كلا: هذه الألف ليست زائدة، لئلا يبقى الاسم الظاهر على حرفين، وليس ذلك في كلامهم أصلاً. فحمل الألف على الأصالة، حمل على ماله نظير وهو عصاً ورحاً. بخلاف القول بأنها زائدة للتثنية لأنه حمل على ما ليس له نظير (٥) .
(ج) كلتا: ذهب سيبويه إلى أن التاء فيها بدل من لام الكلمة، كما أبدلت منها في بنت وأخت، وألفها للتأنيث، ووزنها (فعلى) كذكرى" (٦) .
والتاء فيها ليست متخصصة للتأنيث، بل فيها رائحة منه، وإنما لم تتمخض التاء فيها للتأنيث لعدم فتح ماقبلها، ولأنها لم تقلب في الوقف هاء. وذهب الجرمى إلى أن التاء في (كلتا) للتأنيث، والألف فيها لام الكلمة، كالألف في كلا ووزنها على (فعتل) .
стр. 2053
والحق ماذهب إليه سيبويه لأنه حمل على النظير، وهو (ذكرى) ووزنهما معاً (فعلى) . وما ذهب إليه الجرمى ليس له نظير، لأنه ليس في الأسماء (فعتل) كما أنه لم يعهد أن تكون تاء التأنيث حشواً في كلمة واحدة.
(د) الأسماء الستة: هي عند البصريين معربة من مكان واحد، والواو والألف والياء هي حروف الإعراب، وعند الكوفيين معربة من مكانين، فالضمة والواو علامة للرفع والفتحة والألف علامة للنصب والكسرة والياء علامة للجر (١) . وما ذهب إليه البصريون هو الصحيح، لأنه له نظير في كلام العرب، فإن كل معرب في كلامهم له إعراب واحد، فلا حاجة إلى جمع الإعرابين في كلمة واحدة لأن أحدهما يقوم مقام الآخر.
أما ما ذهب إليه الكوفيون من الجمع بين علامتي إعراب فهو فاسد، لأن ذلك لا نظير له في كلامهم، والمصير إلى ماله نظير أولى من المصير إلى ما ليس له نظير (٢) .
(هـ) التثنية والجمع: ذهب البصريون إلى أن الألف والواو والياء في التثنية والجمع حروف إعراب، نابت عن الضمة والفتحة والكسرة. وذهب أبو عمر الجرمي إلى أن انقلابها هو الإعراب، وهذا الرأي فاسد لأنه يؤدى إلى أن الإعراب بغير حركة ولا حرف، وهذا لا نظير له في كلامهم.
(و) صفة اسم (لا) المبني: يجوز فتح صفة اسم (لا) المبني في نحو: لا رجل ظريف في الدار، وفي هذه الحالة تكون فتحة الصفة فتحة بناء، لأن الموصوف والصفة جعلا كالشيء الواحد، فهما بمنزلة العدد المركب نحو: خمسة عشر. ثم دخلت "لا" عليها بعد التركيب، ولا يجوز أن تكون دخلت عليهما وهما معربان فبنيا معها، لأنه يؤدي إلى جعل ثلاثة أشياء كشيء واحد، وذلك لا نظير له (٣)) .
стр. 2054
(ز) حمل فعل التعجب على اسم التفضيل: إذا كان فعل التعجب معتل العين نحو: ما أطول زيدا، وأطول به، وجب تصحيح عينه في الصيغتين قياساً على اسم التفضيل، لأنه نظيره في الوزن والدلالة على المزية. حيث قالوا: هذا المثال أبين من غيره وأقوم منه، بصحة عينه وعدم إعلالها. فقد رأيت أن عين فعلا التعجب صحت حملا على صحتها في عين اسم التفضيل الذي صحت عينه لكونه اسما أشبه المضارع في الوزن والزيادة وما كان كذلك لا يعل.
(ح) صرف الجمع الذي له نظير في الآحاد: مما يمنع من الصرف الجمع الذي على صيغة منتهى الجموع، نحو: مساجد ودراهم ومصابيح لأن الجمع متى كان بهذه الصفة كان فيه فرعية اللفظ بخروجه عن صيغ الآحاد العربية، وفرعية المعنى بالدلالة على الجمعية، فاستحق المنع من الصرف بسبب هاتين العلتين الفرعيتين، أي أن المانع من صرف ما جاء على مفاعل، أو مفاعيل هو عدم النظير في الآحاد. أما الجمع الذي له نظير في الآحاد فيصرف نحو: أفعل وأفعال وأفعلة، فأفعل مثل: أفرس وأكلب نظيره في فتح أوله وضم ثالثه ما جاء على مثال تفعل مثل (تتفل وتنضب) (١) .
أما " أفعال " فمثل: أفراس وأجمال، ونظيره في فتح أوله وزيادة ألف رابعة تفعال نحو: تجوال وتطواف، وفعلال نحو: صلصال وخزعال، وفاعال نحو: ساباط وخاتام (٢) . وأما افعله فنظيره في فتح أوله وكسر ثالثه وزيادة هاء التأنيث في آخره، تفعلة نحو: تذكرة وتبصرة.
فقد رأيت أن الجمع الذي له نظير في الآحاد، يوازية في الهيئة وعدد الحروف يكون مصروفا، لهذا صرف ما جاء من المجموع على وزن أفعل وأفعال وأفعلة لوجود النظير. ومنع صرف ما ليس له نظير في الآحاد مثل ما جاء على صيغة منتهى الجموع.
١٣- قياس بعض الأفعال على بعض:
(أ) قياس رضيَ على سخط (٣) : الأصل في الفعل (رضي) أن يتعدى ب (عن) تقول: رضي الله عن أبى بكر كما أن الفعل (سخط) يتعدى ب" على " تقول:
стр. 2055
سخطت على الجهل. وقد يحمل الفعل رضي على سخط فيتعدى ب"على" حملا للشيء على نقيضه، لأن الرضى ضد السخط.
وقد استحسن الفارسي قول الكسائي في قول الشاعر:
... إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
لما كان " رضيت " ضد " سخطت " عدى رضيت بعلى حملا للشىء على نقيضه، كما يجعل على نظيره، لأن التصرف في الأفعال أولى من التصرف في الحروف.
(ب) قياس شكر على كفر في التعدية بالباء: يتعدى الفعل " شكر " بنفسه وباللام وبالياء، بيد أن التعدي بالباء جاء حملا على ضده "كفر " الذي يتعدى بنفسه وبالباء فيقال: كفر نعمة الله، وكفر بها (١) .
فقد حمل الفعل " شكر " على الفعل "كفر" في التعدي بالباء، حمل نقيض على نقيضه، والشيء يجري مجرى نقيضه كما يجري مجرى نظيره، لأن الذهن ينتبه لهما معاً بذكر أحدهما.
(ج) حمل بعض على كل: كلمة "كل" لفظها مفرد مذكر، ومعناها بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى نكرة وجب مراعاة معناها (٢) . لذلك جاء الضمير مفرداً مذكراً في قوله تعالى: ﴿وكلُّ شيءٍ فعلُوه في الزُّبُر﴾ (٣) ومفرداً مؤنثاً في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ﴾ (٤) ومجموعاً مذكراً في قوله تعالى: ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (٥) .
أما إذا أضيفت إلى معرفة فإنه لا يلزم مراعاة المعنى، بل يجوز مراعاة لفظ "كل" في الإفراد والتذكير، فتقول: كلهم ذاهب، ومراعاة المعنى فتقول: كلهم ذاهبون. هذا وقد حمل النحاة " بعضاً " على "كل " في عدم التثنية والجمع لأنه نقيض وحكم النقيض أن يجري على نقيضه، لذلك منع تثنية بعض وجمعها. قال النحاس:" لا يثنى بعض ولا يجمع حملا على كل لأنه نقيض، وحكم النقيض أن يجري على نقيضه" (٦) .
• • •
نتائج البحث
بعد أن قدم الباحث تصوراً موجزاً للقياس في النحو العربي، بعامة والقياس الشكلي بخاصة يأتي لسرد أهم النتائج التي توصل إليها وهي:
стр. 2056
١- يعتبر القياس الشكلي تطوراً للتشبيه وما التشبيه إلا أولى مراحل القياس.
٢- تحول مفهوم القياس في أواخر القرن الثالث الهجري، وبدايات القرن الرابع الهجري، فلم يعد يعنى باطراد الظواهر واستقراء مادتها والقياس على ما شاع منها واطُّرد - وهو القياس الاستقرائي - بل بدأ يأخذ طابعاً شكلياً يعتمد على حمل فرع على أصل لعلة جامعة بينهما - وهو القياس الشكلي.
٣- لابد من التفرقة بين " القياس اللغوي" أو " قياس الأنماط" الذي يقوم به المتكلم، " وبين القياس النحوي أو" قياس الأحكام " الذي يقوم به الباحث.
٤- " القياس اللغوي " لابد منه لمسايرة التقدم الحضاري، وهو يختلف عن " القياس النحوي " الذي يتم فيه إلحاق حكم شيء بآخر لعلة جامعة بينهما.
٥- في " القياس النحوي " يجب ألا تتم عملية إلحاق الظواهر لمجرد المشابهة الشكلية بل تقوم على استقراء الظواهر في نصوصها اللغوية، ثم تتم عملية الإلحاق عند وجود علة الأصل في الفرع.
٦- نشأت فكرة القياس نشأة إسلامية عربية خالصة، ثم تأثرت بعد ذلك بالأفكار الفلسفية والمنطقية.
٧- أنه يجب إدراج النتاج الثقافي للعلماء ذوي السليقة السليمة في عصرنا الحاضر وما قبله من عصور، أمثال: أبي تمام والمتنبي والمعري وشوقي والمنفلوطي.. وأمثالهم، يجب إدراجها تحت " المقيس عليه " الذي يصح لنا أن نحاكيه.
٨- للقياس الشكلي أهمية كبرى أثبتها الواقع اللغوي باعتباره معياراً من معايير القبول والرفض والحكم على الظاهرة بالصواب أو الخطأ.
٩- للقياس الشكلي أهمية كبرى لأن المتكلم لن يسمع كل ما يقوله العرب وإنما يسمع أمثلة ويقيس على شاكلتها. وهذا سوف يؤدي إلى توسيع اللغة والنحو، ويجعل اللغة وسيلة للنطق بآلاف الكلم. دون أن تقرع السمع أو يحتاج إلى التثبت من صحة عربيتها.
стр. 2057
١٠- القياس الشكلي هو بمثابة شهادة ضمان للغة العربية، وهو الدرع الواقي لقواعدها من اللحن والتحريف والزيغ بل أغلق الباب أمام عبث العابثين ولغو اللاغين.
١١- يعتبر القياس الشكلي بالغ الأهمية لمسايرة التطورات والحاجة الملحة إلى ألفاظ جديدة كتسمية بعض المخترعات، وإلحاق الصيغ بغيرها في العمل والدلالة وحمل بعضها على بعض في الحكم النحوي.
الحواشي والتعليقات
(١) لمع الأدلة - تحقيق سعيد الأفغاني ٩٣
(٢) طبقات الشعراء، المقدمة
(٣) من أسرار اللغة، أنيس، ٩
(٤) اللغة بين المعياريّه والوصفيّة ٣١ وما بعدها.
(٥) الخصائص ١/٣٥٧، ٢/٢٥
(٦) الاقتراح ٧١
(٧) انظر: الاقتراح ٧٠، ولمع الأدلة ٩٣، وفي أصول النحو ٦٨ و ٦٩
(٨) الأصول، ص ١٦٨-١٦٩ ولمع الأدلة ص ١٠٥ وما بعدها.
(٩) الشاهد وأصول النحو ٢٣٠ وأخبار النحويين البصريين ٣٢-٣٣
(١٠) لمع الأدلة في أصول النحو ٩٩
(١١) السابق نفس الصفحة
(١٢) أنظر من أسرار اللغة ٢٨-٢٩
(١٣) الخصائص ٢/٨٨ وأنظر الشاهد وأصول النحو ٢٣١
(١٤) السابق، الصفحة نفسها وأنظر في أصول النحو ٨٦
(١٥) الشاهد وأصول النحو ٤٣٠، وانظر دراسات في اللغة العربية وتاريخها ٢٥
(١٦) تقويم الفكر النحوي ٥٣
(١٧) السابق ٥٧ - ٦١ (بتصرف)
(١٨) السابق ٧٨
(١٩) السابق ٨٣
(٢٠) السابق، نفس الصفحة.
(٢١) السابق، نفس الصفحة.
(٢٢) السابق ٨٥
(٢٣) انظر: السابق ٩٠ وما بعدها.
(٢٤) السابق ١٠٥
(٢٥) السابق ١٠٢
(٢٦) السابق ٩٣
(٢٧) انظر في ذلك: من أسرار اللغة، ص ١٣، وفي أصول النحو، ص ٧٦ وما بعدها.
(٢٨) الخصائص ١/٣٥٧ و ٢/٢٥
(٢٩) الخصائص ٢/ ٨٨
(٣٠) الخصائص ١/٣٢٩.
(٣١) من أسرار اللغة ١٤
(٣٢) نشأة النحو ١٤٩ - ١٥١.
(٣٣) السابق ١٥١
(٣٤) من أسرار اللغة ١٥
(٣٥) تقويم الفكر النحوي ١١٤ - ١١٥
(٣٦) السابق ١٠٧
(٣٧) السابق ١١٦ - ١١٧
(٣٨) السابق ١١٧
(٣٩) أصول التفكير النحوي ١٣
(٤٠) لمع الأدلة ١٠٠
(٤١) لمع الأدلة ص ٤٩ - ٥٠
стр. 2058
(٤٢) الخصائص ص ١/٣٠١
(٤٣) أصول التفكير النحوي ٧٦
(٤٤) لمع الأدلة ٩٣
(٤٥) الحمل في لغة العرب ٢٨١
(٤٦) السابق: ٢٨١
(٤٧) الاقتراح ١٠١
(٤٨) الحمل في لغة العرب ٢٨٣
(٤٩) حاشية الصبان على شرح الاشموني للألفية ٩٥.
(٥٠) الخصائص: ١/٢٠٨
(٥١) الكتاب ١/١٩٥
(٥٢) الحمل في لغة العرب ٢٨٢
(٥٣) سورة البقرة: ٢٣٣
(٥٤) الإنصاف في مسائل الخلاف ٣١١
(٥٥) انظر الخصائص ١/٣١٠
(٥٦) انظر الخصائص ١/٣٠٦، والأشباه والنظائر ١/١٩٥
(٥٧) الخصائص ١/٣٠٠-٣١٢ (باب من غلبة الفروع على الأصول)
(٥٨) السابق: ١/٣٠٨
(٥٩) الأشباه والنظائر ١/١٩٦
(٦٠) انظر الخصائص ١/٣٠٩
(٦١) الخصائص: ٢/٢٥٥
(٦٢) الإنصاف: المسألة ٢٨
(٦٣) الأشباه والنظائر ١/١٩٧
(٦٤) الخصائص ٢/٣٥٥
(٦٥) الخصائص ٢/ ٣٥٥
(٦٦) الاقتراح ١٠٥ والخصائص ١/١٩٧.
(٦٧) الحمل في لغة العرب ٣٤٩
(٦٨) الاقتراح ١٠٥
(٦٩) هذه الشروط هي: أن يسبقه نفى، وأن يكون مرفوعة أجنبياً مفضلاً على نفسه
(٧٠) الأشباه والنظائر ١/١٧٥
(٧١) الأشباه والنظائر ٢/٨٣
(٧٢) الكتاب ٣/٣٦٤
(٧٣) نفسه ٣/٣٦٤ وأنظر الأشباه والنظائر ٢/٨٣
(٧٤) الإنصاف المسألة (٢)
(٧٥) الإنصاف مسألة رقم (٢) ١/٢١
(٧٦) الأشباه والنظائر ١/١٧٦
(٧٧) التتفل: ولد الثعلب، والتنضب: شجر يتخذ سهاماً.
(٧٨) الخاتام: لغة في الخاتم.
(٧٩) الخصائص ٢/٣١١
(٨٠) أنظر الأشباه والنظائر ٢/١٢٣
(٨١) أنظر الأشباه والنظائر ٢/١٢٠
(٨٢) سورة القمر ٥٢
(٨٣) سورة آل عمران ١٨٥
(٨٤) سورة الروم ٣٢
(٨٥) الأشباه والنظائر ١/١٩١
المصادر والمراجع
١- أخبار النحويين البصريين، السيرافي، تحقيق محمد إبراهيم البنا، دار الاعتصام، الطبعة الأولى ١٩٨٥م.
٢- الأشباه والنظائر في النحو، السيوطي، راجعه فايز ترحيني، دارالكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٩٨٤م.
стр. 2059
٣- الأصول في النحو، أبو بكر بن السراج (ت ٣١٦هـ) ، تحقيق عبد الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية ١٩٨٨م.
٤- الأصول، دراسة بستمولوجيا الفكر اللغوي عند العرب، د. تمام حسان، الهيئة المصرية العامة ١٩٨٢م.
٥- أصول التفكير النحوي، د. علي أبو المكارم، منشورات الجامعة الليبية - كلية التربية.
٦- أصول النحو العربي، محمد عيد، عالم الكتب ط: ١٤١٠م.
٧- أصول النحو القياسية دراسة ونقد، غريب عبد المجيد نافع، دكتوراه، كلية اللغة العربية - جامعة الأزهر ١٩٧٠م.
٨- أمالي ابن الشجري، هبة الله بن علي بن حمزة الحسنى العلوي (ت ٥٤٢هـ) تحقيق محمود محمد الطناحي، مكتبة الخانجي بالقاهرة.
٩- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، لأبى البركات الأنباري (ت ٦١٦هـ) ، المكتبة العصرية – صيدا – بيروت.
١٠- إنباه الرواة على أنباه النحاة، القفطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة دار الكتب المصرية - القاهرة ١٩٧٢م.
١١- بين أصول النحو وأصول الفقه، محمود أحمد نحلة، دار العلوم العربية للطباعة والنشر - بيروت - لبنان ١٩٨٧م.
١٢- تقويم الفكر النحوي - أبو المكارم، بيروت، دار الثقافة.
١٣- حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، دار إحياء الكتب العربية.
١٤- الحمل في لغة العرب، دردير أبو السعود، الطبعة الأولى ١٩٨٥م. وهو موجود في دار الكتب المصرية تحت رقم ١٦٧١٩هـ.
١٥- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
تحقيق وشرح عبد السلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
١٦- الخصائص، ابن جني، تحقيق محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٦م.
١٧- الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه، خديجة الحديثي، مطبوعات جامعة الكويت ١٩٧٤م.
١٨- شرح جمل الزجاجي، ابن عصفور، تحقيق صاحب أبو جناح، دار الكتب - جامعة الموصل بالعراق.
стр. 2060
١٩- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
٢٠- طبقات النحويين واللغويين، الزبيدي (ت ٣٧٩هـ) ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم مكتبة الخانجي - القاهرة، ط ١٩٥٤م.
٢١- الفهرست، ابن النديم، مطبعة الاستقامة، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة ١٩٧٨م.
٢٢- في أدلة النحو، عفاف حسنين، المكتبة الأكاديمية، الطبعة الأولى ١٩٩٦م وهو موجود بمكتبة القاهرة الكبرى برقم ١ و ٤١٥.
٢٣- في أصول النحو، سعيد الأفغاني، مطبعة الجامعة السورية، الطبعة الثانية ١٩٥١م.
٢٤- القاموس المحيط، الفيروزابادي، مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية ١٩٥٢م.
٢٥- الاقتراح في علم أصول النحو، السيوطي، تحقيق أحمد محمد قاسم، مطبعة السعادة ١٩٧٦م.
٢٦- القياس في النحو من الخليل إلى ابن جنى، دكتوراه بكلية الآداب جامعة القاهرة، إشراف خليل نامي ١٩٧٥ إعداد صابر بكر أبو السعود.
٢٧- الكتاب، سيبويه، (ت ١٨٠هـ) ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي - القاهرة.
٢٨- لسان العرب، ابن منظور (ت ٧١١هـ) ، دار بيروت للطباعة - بيروت ١٩٥٥م.
٢٩- لمع الأدلة، ابن الأنباري - تحقيق: سعيد الأفعاني - سوريا مطبعة الجامعة السورية.
٣٠- مجلة الحصاد في اللغة والأدب - جامعة الكويت، العدد الأول السنة الأولى ١٤٠١هـ.
٣١- المدارس النحوية، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة ط٦.
٣٢- مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، مهدي المخزومي، دار المعرفة - بغداد ١٩٥٥م.
٣٣- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الأنصاري، تحقيق مازن المبارك وآخرون،دار الفكر - بيروت ط٣ ١٩٧٢م.
٣٤- المقتضب، المبرد (ت ٢٨٥هـ) ، تحقيق محمد عبد الخالق، عالم الكتب - بيروت.
٣٥- من أسرار اللغة إبراهيم أنيس، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية ط /١٩٧٥م.
стр. 2061
٣٦- نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، الأنباري (ت ٥٧٧هـ) ، تحقيق إبراهيم السامرائي، مكتبة الأندلس - بغداد ط٢ ١٩٧٠م.
٣٧- النحو العربي والدرس الحديث، بحث في المنهج، عبده الراجحي، دار النهضة العربية - بيروت ١٩٧٩م.
٣٨- اللغة بين المعيارية والوصفية، تمام حسان، القاهرة - مكتبة الانجلو المصرية ١٩٥٨م.
٣٩- نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، الشيخ الطنطاوي، القاهرة. دار المنار سنه ١٤١٢هـ.
٤٠- همع الهوامع السيوطي صححه السيد/ محمد بدرالدين الافغاني. مكتبة الكليات الأزهرية ط ١٣٢٧هـ.
стр. 2062
مفهوم المجاز بين ابن سينا وابن رشد
د. محمود درابسة
الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية - جامعة اليرموك
اربد - الأردن
ملخص البحث
هذا البحث مفهوم يتناول المجاز ووظيفته عند فيلسوفين مسلمين هما ابن سينا (ت ٤٢٨هـ) وابن رشد (ت ٥٩٥هـ) بوصفهما أكثر نضجاً وعمقاً وفهماً في دراسة الفكر النقدي اليوناني من غيرهما من الفلاسفة المسلمين.
وقد تكون البحث من تمهيد، تناول فيه الدارس مفهوم المجاز وأنواعه بين الفكر النقدي اليوناني ممثلاً بأرسطو والفكر النقدي والبلاغي العربي القديم عموماً.
كما تناول البحث مفهوم المجاز ووظيفته عند ابن سينا ثم عند ابن رشد، إضافة إلى الخاتمة التي أبرزت دور الناقدين في فهم المجاز وشرح وظيفته، فضلاً عن وجوه الاتفاق والاختلاف بينهما حول دور المجاز في العمل الإبداعي.
• • •
أولاً- تمهيد: المجاز بين الموروث البلاغي العربي واليوناني.
لقد جسدت العلاقة بين لغة الشعر ولغة النثر موضوع اهتمام الدارسين قديماً وحديثاً سواء عند العرب في موروثهم النقدي والبلاغي واللغوي أو عند اليونان من خلال كتابي فن الشعر والخطابة لأرسطو، فضلاً عن دور هذين المصدرين وأثرهما عند الفلاسفة المسلمين من أمثال الفارابي ت (٣٣٩هـ) وابن سينا (ت ٤٢٨هـ) وابن (ت٥٩٥هـ) .
وقد شكل المجاز في الدراسات البلاغية والنقدية حداً فاصلاً بين اللغة الشعرية وبين لغة النثر العادي المعتمد على الوصف اللغوي، والتعبير المباشر عن الحقيقة. حيث لا يعد المجاز ركناً أساسياً في بناء النثر العادي. فالمجاز يعني لغة التجاوز والعدول عن الأصل والمألوف عند العرب، وهو مصدر العمل الإبداعي سواء أكان شعراً أم نثراً.
стр. 2063
ولما كانت اللغة الشعرية انحرافاً وتجاوزاً للمألوف في التعبير اللغوي، فقد شكل المجاز الطاقة المولدة لشعرية النص. فالمجاز هو الانحراف والخروج على المألوف في اللغة، بحيث يأخذ المجاز دوراً حاسماً في إغناء الدلالة الأسلوبية في النص الإبداعي، مما يجعل هذه الدلالات الأسلوبية في لغة النص وتراكيبه قابلة للتأويل، والتفسير، وتعدد المعنى والاحتمالات، وهذا ما يمنح النص الإبداعي خصوصيته الفنية، وخلوده المتواصل عبر الزمن.
وقد تعددت ضروب المجاز عند البلاغيين والنقاد العرب القدماء، إذ شملت معظم الضروب البلاغية التي تشكل جوهر النص الإبداعي وأساسه، كما تشكل الطاقة المولدة لشعرية النص وإبداعه.
ومن هنا فقد وصفه سيبويه (ت ١٨٠هـ) في كتابه "الكتاب" بقوله: "استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لا تساعهم في الكلام، والإيجاز والاختصار" (١) .
فالتعبير عن الأساليب المجازية عند سيبويه يعني الاتساع، ويعني هذا الخروج على المألوف في التعبير اللغوي والتجاوز لقواعد النحو الصارمة في الوصف اللغوي، والتعبير عن الأشياء. وهذا الاتساع والتجاوز للمألوف هو المبالغة بمفهومها الفني، تلك المبالغة التي ارتبطت بالكذب من حيث دلالته الفنية لا الأخلاقية، وقد وصف سيبويه المجاز بالمستقيم الكذب، وعبر عن هذا الفهم بالأمثلة التالية التي تشرح مفهوم المجاز عنده، ذلك المفهوم الذي يعني الاتساع والخروج على المألوف، حيث يقول موضحاً هذا الفهم: حملت الجبل، وشربت ماء البحر (٢) .
стр. 2064
ولهذا، فقد تعددت ضروب المجاز وتسمياته، حيث شكلت هذه الضروب المختلفة للمجاز دلالات أسلوبية تجعل من النص مجالاً للجدل والحوار والتأويل، حيث تتعدد معانيه وإيحاءاته، وتتعدد إمكانية التأويل والاحتمال لدى دارسيه. فقد عد ابن منظور المصري (ت ٧١١هـ) في معجم لسان العرب الحذف في التركيب اللغوي للنص الإبداعي مجالاً هاماً من مجالات المجاز، حيث يترك هذا الحذف للقارئ متعة ولذة عارمة. يقول ابن منظور بهذا الخصوص محدداً معنى الحذف: "الحذف ضرب من الاتساع" (٣) .
ولعل البلاغيين والنقاد العرب القدماء قد توسعوا في مجالات المجاز في تجسيد الطاقة المولدة لشعرية العمل الإبداعي، وأنه يمنح النص الإبداعي خصوصيته الفنية، كما يشكل حداً فاصلاً بين لغة الشعر وبين لغة النثر العادي. الذي يعتمد إلى حد بسيط على النواحي البلاغية.
ومن هنا فقد أحصى ابن قتيبة (ت٢٧٦هـ) ضروب المجاز عند العرب بحيث شملت كل ضروب البيان والبديع والمعاني في البلاغة العربية تقريباً. يقول: ضروب المجاز عند العرب هي: "الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، ومخاطبة الجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم وبلفظ العموم لمعنى الخصوص" (٤) .
كما أضاف ابن أبي الإصبع المصري (ت ٦٥٤هـ) في كتابه تحرير التحبير ضروباً أخرى تؤكد أهمية المجاز عند البلاغيين والنقاد العرب، ودوره في تشكيل النص الإبداعي وبنائه، حيث يقول: "والمجاز جنس يشتمل على أنواع كثيرة. كالاستعارة والمبالغة والإشارة، والإرداف، والتمثيل، والتشبيه. وغير ذلك مما عدل فيه عن الحقيقة الموضوعة للمعنى المراد" (٥) .
стр. 2065
وأما في الموروث النقدي والبلاغي اليوناني، فقد أسهب أرسطو في شرح مفهوم المجاز ودلالته وضروبه المختلفة لما لهذا اللون البلاغي من دور هام في تحديد الفرق بين اللغة العادية المعبرة عن الحقيقة وعن الوصف اللغوي المباشر وبين اللغة الإبداعية التي يشكل المجاز بضروبه المتعددة جوهرها وأساسها، فضلاً عن أن المجاز يشكل كذلك الطاقة المتجددة للغة الإبداعية في النصوص الأدبية.
ولهذا فقد بين أرسطو أن المجاز ضرب من ضروب الإبداع والموهبة. يقول: "فمن المهم استخدام كل ضرب من ضروب التعبير التي تحدثنا عنها: من أسماء مضاعفة مثلاً أو كلمات غريبة، وأهم من هذا كله البراعة في المجازات لأنها ليست مما نتلقاه عن الغير، بل هي آية المواهب الطبيعية، لأن الإجادة في المجازات معناها الإجادة في إدراك الأشباه" (٦) .
كما وضح أرسطو الفرق بين اللغة العادية واللغة الإبداعية، حيث بين أن اللغة العادية هي التي تعبر عن المسميات، والوصف المباشر للأشياء، بينما اللغة الإبداعية هي المعبرة عن دلالة الأسماء. يقول: "الأسماء على نوعين: اسم بسيط (وأعني بالبسيط ما ليس بمركب من أجزاء دالة، مثل أرض واسم مضاعف، والأخير مركب إما من جزء دال وجزء غير دال، ولا نقصد أنه في الاسم نفسه هو دال أو غير دال أو من أجزاء دالة" (٧) .
ومن هنا، فإن المجاز يتمحور حول اللغة الإبداعية ذات الدلالات المتعددة التي تدخل ضمن التأويل والتفسير، وتعدد الاحتمالات، وهذا ما وصفه ارسطو بالنقل أي تغير الدلالة حسب التركيب والاستخدام في اللغة الإبداعية، ذلك النقل الذي يعتمد على الاستعارة وضروب المجاز المختلفة. يقول: "والمجاز نقل اسم يدل على شيء إلى شيء آخر: والنقل يتم إما من جنس إلى نوع، أو من نوع إلى جنس، أو من نوع إلى نوع، أو بحسب التمثيل" (٨) .
стр. 2066
فالمجاز بهذا التحديد عند أرسطو يعني كل ما يتجاوز التعبير الحقيقي البسيط إلى التعبير المنطلق من تعدد الدلالات أو احتمالات التأويل والتفسير، وهذا يتحقق في الاستعارة، وضروب البلاغة المختلفة، ومن ثمة فإن المجاز يتعلق بأسلوب الكاتب أو الشاعر من حيث قدرته على الابتكار والإبداع (٩) .
كما وضح أرسطو ضروب المجاز المختلفة التي تتعلق بأسلوب الكتابة الإبداعية مثل الألغاز التي هي مجازات تحتاج إلى التأويل والكشف والتفسير، حيث ترتبط هذه الألغاز بالمعنى. فالمجاز يتشكل من هذه الألغاز التي تثير دهشة المتلقي في التأمل والتأويل، وإدراك العلاقات بين أجزاء الكلام في النص. يقول: "فيمكن أن نستخرج من الألغاز المتقنة مجازات موافقة، لأن المجازات إن هي إلا ألغاز مقنعة، وبهذا نعرف مقدار نجاح نقل المعنى. فقد ينبغي أن يكون المجاز منتزعاُ من الأمور الجميلة" (١٠) .
وتناول أرسطو كذلك المثال وجعله ضرباً من ضروب المجاز، حيث يعني به الصورة الفنية، وهي نوع من التغيير أي التوسع والخروج على المألوف في التركيب اللغوي. يقول: "ثم إن المثال (image الصورة) أيضاً تغيير (metaphore المجاز) لكنهما يختلفان قليلاً. فيقول القائل في أخيلوس إنه وثب وثبة أسد هو تغيير، فمن أجل أنهما جميعاً كانا شديدين/سمى أخيلوس بالتغيير والاختلاف أسداً" (١١) .
كما يبين أرسطو أن روعة العبارة الأدبية تكمن فيما تحتويه من استعارة، وتقابل، وطباق، فهذه الضروب البلاغية تشكل المجاز البلاغي. يقول: "وكلما تضمنت العبارة معاني، ازدادت روعة: مثل أن تكون الألفاظ مجازية، وكانت الاستعارة مقبولة، وثم تقابل أو طباق وثم فعل" (١٢) .
стр. 2067
وقد قرن أرسطو المحاكاة بالمجاز، لأنها ضرب من الرسم والصورة والابتكار، كما تقوم على أساس التبديلات اللغوية، وهذه التبديلات تجسد تعدد المعاني والدلالات، والاحتمالات المختلفة للتركيب اللغوي، ولعل هذا ما يميز بشكل جوهري اللغة العادية عن اللغة الأدبية. يقول: لما كان الشاعر محاكياً شأنه شأن الرسام، وكل فنان يصنع الصور فينبغي عليه بالضرورة أن يتخذ دائماً إحدى طرق المحاكاة الثلاث: فهو يصور الأشياء إما كما كانت أو كما هي في الواقع، أو كما يصفها الناس وتبدو عليه أو كما يجب أن تكون. وهو إنما يصورها بالقول، ويشمل: الكلمة الغريبة والمجاز، وكثيراً من التبديلات اللغوية التي أجزناها للشعراء (١٣) .
كما ربط أرسطو المجاز بالأسلوب مبيناً دور المجاز في خلق التعبيرات الرشيقة ذات الدلالات المتعددة التي تحدث تمويهاً مثيراً للدهشة والتساؤل والاستغراب لدى المتلقي، بحيث يشعر معها بلذة الكشف، ومتعة المواجهة لتمويهات المبدع من خلال لغته المبنية على المجاز بكل ضروبه وأساليبه. يقول: "ومعظم التعبيرات الرشيقة تنشأ عن التغيير (المجاز) وعن نوع من التمويه يدركه السامع فيما بعد، ويزداد إدراكاً كلما ازداد علماً، وكلما كان الموضوع مغايراً لما كان يتوقعه، وكأن النفس تقول: هذا حق! وأنا التي أخطأت. واللطيف الرشيق من الأمثال ما يوحي بمعنى أكثر مما يتضمنه اللفظ" (١٤) .
стр. 2068
ولعل وظيفة المجاز هنا عند ارسطو مرتبطة بالتخييل بأبعاده المنطقية والنفسية والجمالية التي تمثل جوهر فكرة المجاز، وكذلك بالأسلوب الإبداعي لدى الكاتب أو الشاعر، وذلك لما لهذه الوظيفة من أهمية في ربط عناصر الإبداع الثلاثة: المبدع والنص والمتلقي معاً. حيث حرص أرسطو على ضرورة إحداث المتعة واللذة لدى المتلقي نتيجة مواجهته لأسلوب النص ولغته ذات الدلالات المتعددة، تلك الدلالات التي تقوم على المجاز والتورية والخروج على المألوف في الكتابة. يقول: "التعبيرات الجديدة تدعو إلى الرضا. وتبلغ هذه الغاية إذا كان الفكر خارجاً على المألوف، غير متفق مع الآراء الجارية ... والتورية تؤدي إلى الأثر نفسه، أعني إلى إثارة الدهشة. وهذه الحيلة تجدها في الشعر حينما لا يجيء حسبما يتوقعه السامع، ومثاله: سار، والأقدام تكسوها الشقوق. فإن السامع كان يتوقع من الشاعر أن يقول: الحذاء لكن لابد أن يتضح المعنى لدى سماع الجملة. أما التورية فقيمتها ناشئة من كونها تدل على ما يبدو في الظاهر منها، بل على معنى الكلمة في صورتها المغيرة" (١٥) .
стр. 2069
فاللغة المجازية هي التي تضفي الروعة والجمال على الكتابة الإبداعية سواء أكانت كتابة شعرية أم نثرية. ولعل المجاز هو جوهر العملية الإبداعية وأساسها، حيث يتشكل المجاز في العمل الإبداعي من خلال الصورة والاستعارة والتشبيه والمبالغة والأمثال، فهذه الصيغ المختلفة تشكل الطاقة المولدة في العمل الإبداعي، وتجعل من أسلوب المبدع أكثر إمتاعاً للمتلقي. يقول أرسطو: "وكلما تضمنت العبارة معاني، ازدادت روعة: مثل أن تكون الألفاظ مجازية، وكانت الاستعارة مقبولة، وثم تقابل أو طباق أو فعل. أما الصور فكما قلنا من قبل إنها تغييرات (مجازات) موموقة جداً. وتتألف من حدين، مثل الاستعارة التمثيلية، فمثلاً حينما نقول: الدرع كأس الإله آراس (المريخ) والقوس قيثارة بغير أوتار. وفي هذا نستخدم تغييراً ليس بسيطاً، أما إذا قلنا: القوس قيثارة، أو: الدرع كأس، فهنا تغيير بسيط. ومن نوع هذه الصور تشبيه عازف الناي بقرد، وتشبيه ضعيف النظر بمصباح مبتل الذبالة، إذ في كليهما انقباض للملامح. والصورة تجمل إذا تضمنت تغييراً ... والصور كما قلنا مجازات (تغييرات) . والأمثال هي الأخرى تغييرات ... وصيغ المبالغة الأشد إمتاعاً هي الأخرى تغييرات (مجازات) " (١٦) .
ومن هنا، يلاحظ الدارس أن الموروث النقدي والبلاغي العربي وكذلك اليوناني ممثلاً بأرسطو في كتابيه فن الشعر والخطابة قد بين الحد الفاصل بين لغة النثر العادي وبين لغة الإبداع المتمثلة بلغة الشعر والنثر. تلك اللغة الإبداعية التي تقوم أساساً على المجاز، الذي يشكل خروجاً على المألوف، وتجاوزاً للدلالات المحددة في الوصف اللغوي، لتصبح هذه الدلالات المتعددة للتراكيب اللغوية في العمل الإبداعي أكثر إمتاعاً ودهشة للمتلقي، وبهذا أصبح المجاز عنصراً جوهرياً في بنية اللغة الإبداعية، وفي ربط المبدع والنص والمتلقي معاً. فالمجاز هو الذي يجعل العمل الإبداعي عملاً إبداعياً مدهشاً وممتعاً ومقلقاً للمتلقي.
стр. 2070
ثانياً- المجاز عند ابن سينا.
لقد حاول الفلاسفة المسلمون الوقوف على الخصائص والعلامات التي تميز اللغة العادية عن لغة الإبداع والشعر والكتابة الفنية. وقد توصل الفلاسفة –ومن بينهم ابن سينا- إلى اعتبار التغيير أي الانحراف عن المألوف، وتجاوز ما هو مصطلح عليه، جوهر الإبداع، والفارق الأساسي بين اللغة العادية ولغة الإبداع (١٧) .
ولهذا فقد تعددت دلالات مصطلح التغيير عند ابن سينا لتشمل كل عناصر البلاغة التي تشكل جوهر العمل الإبداعي وأساسه. فقد أصبح التغيير بمفهومه الواسع يعني المجاز بأوسع معانيه ودلالاته، فالمجاز هو تجاوز المألوف، وانتهاك حرمة اللغة، وخروج على القواعد التي تكبل التراكيب وتحد من دلالاتها وإيحاءاتها. حيث أصبح المجاز عند ابن سينا يعني الاستعارة والتشبيه وهما جوهر اللغة الإبداعية الذي تتميز فيها عن اللغة العادية ذات التراكيب الواضحة المحددة الدلالة والمعنى (١٨) . يقول ابن سينا: "أما الكلام في الشعر وأنواع الشعر وخاصة كل واحد منها ووجه إجادة قرض الأمثال والخرافات الشعرية، وهي الأقاويل المخيلة، وإبانة أجزاء كل نوع بكميته وكيفيته- فسنقول فيه إن كل مثل وخرافة، فإما أن يكون على سبيل تشبيه بآخر، وإما على سبيل أخذ الشيء الاستعارة أو المجاز، وإما على سبيل التركيب منهما" (١٩) .
следующие страницы →