← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

محتويات الجزء الأول أولاً: القسم العربي: أ - دراسات في الشريعة وأصول الدين ١ - معاني الركوع والسجود في القرآن المجيد د. إبراهيم بن سعيد الدوسريّ ... ٣ - ٨٦ ٢ - جزء فيه حديث رسول الله (: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ... )) رواية ودراية د. عبد الرحمن بن محمد شريف ... ٨٧ - ١٣٤ ٣ - البيان والتبيين لضوابط ووسائل تمييز الرواة المهملين د. محمد بن تركي التركي ... ١٣٥ - ١٦١ ٤ - صفة الرضا بين الإثبات والتعطيل، وأثر الإيمان بها في حياة المسلم د. سالم بن محمد القرني ... ١٦٣ - ٢٣٤ ٥ - مواقف الطوائف من توحيد الأسماء والصفات د. محمد بن خليفة التميمي ... ٢٣٥ - ٣٢٥ ٦ - الذكر الجماعيّ بين الإتباع والابتداع د. محمد بن عبد الرحمن الخميس ... ٣٢٧ - ٣٦٤ ٧ - قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الكتاب والسنة د. حمود بن أحمد الرُّحيلي ... ٣٦٥ - ٤١٢ ٨ - حكم الأواني الذهبيّة والفضية وما مُوَّه بهما استعمالاً وبيعاً وشراءً د. صالح بن زابن المرزوقي ... ٤١٣ - ٤٨٨ ٩ - نظرةٌ فقهية للإرشاد الجيني د. ناصر بن عبد الله الميمان ... ٤٨٩ - ٥١٦ ١٠ - العقل عند الأصوليين: عرض ودراسة د. علي بن سعد الضويحي ... ٥١٧ - ٥٧١ ١١ - المجاز عند الأصوليين بين المجيزين والمانعين د. عبد الرحمن بن عبد العزيز السُّديس ... ٥٧٣ - ٦١٠ ب - دراسات في التاريخ والحضارة: ١٢ - العلاقات السياسية بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية في عهد الخليفة هارون الرشيد د. محمد بن ناصر الملحم ... ٦١٣ - ٦٦٧ ١٣ - الوجود الإسلامي في صقلية في عهد النورمان بين التسامح والاضطهاد (٤٤٤ - ٥٩١ هـ / ١٠٥٢ - ١١٩٤ م) د. علي بن محمد الزهراني ... ٦٦٩ - ٧١١ ١٤ - جهود الملك عبد العزيز في عمارة عين عرفة د. عادل بن محمد نور غباشي ... ٧١٣ - ٧٥٢ ج - دراسات في اللغة العربية وآدابها: ١٥ - خلل الأصول في معجم الجمهرة

стр. 2347

د. عبد الرزّاق فرّاج الصاعديّ ... ٧٥٥ - ٨٢٣ ١٦ - الأبنية المختصّة باسمٍ أو صفة في كتاب سيبويه د. عبد الله بن ناصر القرني ... ٨٢٥ - ٩٠٢ ١٧ - القياس الشّكليّ د. سعود غازي أبو تاكي ... ٩٠٣ - ٩٣٩ ١٨ - مفهوم المجاز بين ابن سينا وابن رشد د. محمود درابسة ... ٩٤١ - ٩٥٨ ١٩ - ظاهرة التلطّف في الأساليب العربية د. - محمد بن سعيد الثبيتي ... ٩٥٩ - ٩٨١ ٢٠ - صعوبات تعلّم اللغة العربية لدى تلاميذ الطور الثاني من التعليم الأساسيّ في المناطق الناطقة بالبربرية والمناطق الناطقة بالعربيّة د. علي تعوينات ... ٩٨٣ - ١٠٣٥ ٢١ - المرأة الناقدة في الأدب العربي د. محمد أحمد المجالي ... ١٠٣٧ - ١٠٨٦ د - نصوص تراثية محققة ٢٢ - كتاب الإغفال، لأبي عليّ الفارسي (ت ٣٧٧ هـ) تحقيق د. عبد الله بن عمر الحاج إبراهيم ... ١٠٨٩ - ١١٧٦ هـ - الآراء والقضايا ٢٣ - دفاع عن كتاب الله (القرآن والضرورة الشعرية) أ. د. أحمد مكي الأنصاري ... ١١٧٩ - ١٢٠٠ ثانياً: القسم الإنجليزي: أ - ملخصات الأبحاث العربية باللغة الإنجليزية ... ١٢٠٣ - ١٢٣٥

стр. 2348

محتويات الجزء الثاني ب - دراسات في التاريخ والحضارة: ١٢ - العلاقات السياسية بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية في عهد الخليفة هارون الرشيد د. محمد بن ناصر الملحم ... ٦١٣ - ٦٦٧ ١٣ - الوجود الإسلامي في صقلية في عهد النورمان بين التسامح والاضطهاد (٤٤٤ - ٥٩١ هـ / ١٠٥٢ - ١١٩٤ م) د. علي بن محمد الزهراني ... ٦٦٩ - ٧١١ ١٤ - جهود الملك عبد العزيز في عمارة عين عرفة د. عادل بن محمد نور غباشي ... ٧١٣ – ٧٥٢ ج - دراسات في اللغة العربية وآدابها: ١٥ - خلل الأصول في معجم الجمهرة د. عبد الرزّاق فرّاج الصاعديّ ... ٧٥٥ - ٨٢٣ ١٦ - الأبنية المختصّة باسمٍ أو صفة في كتاب سيبويه د. عبد الله بن ناصر القرني ... ٨٢٥ - ٩٠٢ ١٧ - القياس الشّكليّ د. سعود غازي أبو تاكي ... ٩٠٣ - ٩٣٩ ١٨ - مفهوم المجاز بين ابن سينا وابن رشد د. محمود درابسة ... ٩٤١ - ٩٥٨ ١٩ - ظاهرة التلطّف في الأساليب العربية د. - محمد بن سعيد الثبيتي ... ٩٥٩ - ٩٨١ ٢٠ - صعوبات تعلّم اللغة العربية لدى تلاميذ الطور الثاني من التعليم الأساسيّ في المناطق الناطقة بالبربرية والمناطق الناطقة بالعربيّة د. علي تعوينات ... ٩٨٣ - ١٠٣٥ ٢١ - المرأة الناقدة في الأدب العربي د. محمد أحمد المجالي ... ١٠٣٧ – ١٠٨٦ د - نصوص تراثية محققة ٢٢ - كتاب الإغفال، لأبي عليّ الفارسي (ت ٣٧٧ هـ) تحقيق د. عبد الله بن عمر الحاج إبراهيم ... ١٠٨٩ - ١١٧٦ هـ - الآراء والقضايا ٢٣ - دفاع عن كتاب الله (القرآن والضرورة الشعرية) أ. د. أحمد مكي الأنصاري ... ١١٧٩ - ١٢٠٠ ثانياً: القسم الإنجليزي: أ - ملخصات الأبحاث العربية باللغة الإنجليزية ... ١٢٠٣ - ١٢٣٥

стр. 2349

العدد ٢١ فهرس المحتويات ١- الرضا بالقضاء ٢- الحديث المقلوب تعريفه، وفوائده، وحكمه، والمصنفات فيه ٣- المباحث الغيبية ٤- قول الفلاسفة المنتسبين للإسلام في توحيد الربوبية ٥- حكم نقض الوضوء بأكل لحم الإبل ٦- من مفاهيم ثقافتنا الإسلامية ٧-كتاب الصوائف-المُستخرَج ٨- التنمية والتقارب والاندماج في مجتمع المملكة العربية السعودية قديماً وحديثاً ٩- الترتيب الصرفي في المؤلفات النحوية والصرفية إلى أواخر القرن العاشر الهجري ١٠- الزِّياديُّ النَّحويُّ ١١- التذكير والتأنيث ١٢- الألفاظ المشتركة المعاني في اللغة العربية طبيعتها أهميتها مصادرها ١٣- الكم الزمني لصويت الغنة في الأداء القرآني ١٤- نحو علم لغة خاص بالعلوم الشرعية ١٥- التصغير في اللغة ١٦- مقدمة القصيدة الجاهلية عند حسان بن ثابت ﵁ ١٧- عمرو بن مسعدة الصولي - السيرة، والتراث النثري ١٨- الصورة الفنية لحقول التراجيدي في الشعر الجاهلي ١٩- ظاهرة التكرار في شعر أبي القاسم الشابي ٢٠- مجلة جامعة أمِّ القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها

стр. 2350

الرضا بالقضاء د. سالم بن محمد القرني الأستاذ المشارك بكلية الشريعة وأصول الدين - جامعة الملك خالد ملخص البحث تضمن البحث مقدمة، ثُمَّ تعريفاً للرضا، والقضاء والقدر في اللغة، وفي الاصطلاح، ثُمَّ حقيقة الرضا، وأقوال الناس فيه، وهل هو مقام أم حال؟ ، وأن المقامات قد تحصل بفعل الأسباب ومن غير فعلها، وفي كلا الحالتين فالموجد لها: الله، وأمَّا الحال فشرعية هي: التصرف بما أمر الله ورسوله وترك ما نهيا عنه وغير شرعية، وهي: السخط والاعتراض، وعدم التسليم. ثُمَّ الصلة بين الرضا والتوكل، وأن التوكل والتفويض يكون قبل وقوع القضاء، والرضا بعد وقوعه وهو الثمرة. ثُمَّ الأمر بالرضا بالقضاء والحث عليه، والرضا وفعل الأسباب، وبعض الشبهة ومناقشتها، ومنزلة الرضا وفضله، وأنواع القضاء: الديني، والمراد به، والأمر به، وحكم الرضا به. الكوني، والمراد به، وأقسامه: الأول: الموافق لمحبة العبد، وإرادته، ورضاه، وحكم الرضا به. الثاني: ما جاء على خلاف مراد العبد، ومحبته مِمَّا لايلائمه ولايدخل تحت اختياره، وأنه قسمان: أ - ما للعبد استطاعة، واختياره، وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن، وحكم الرضا به. ب - ما ليس للعبد فيه اختيار، ولا طاقة، ولا حيلة في منازعته، ومدافعته، وحكم الرضا به. ثُمَّ حكم الرضا بالمصائب، وقولي العلماء، وأدلتهم، والراجح. الثالث: وهو الجاري باختيار العبد وقضاء الرب، مِمَّا يكرهه الله ويسخطه ((الرضا بالمعاصي)) وحكم الرضا به. ثُمَّ بعض ما ينافي الرضا؛ كالاعتراض على قضاء الله الشرعي، وترك التوكل على الله، والسخط بما قسم، والحزن على ما فات، والنياحة، وتمني الموت لضر أو بلاء، وعدم الرضا بالمقسوم من الرزق، والجزع والهلع عند المصيبة. ثُمَّ مذهب الصوفية في الرضا بالقضاء، وأسباب ضلالهم ودرجات الرضا عندهم، ومناقشتهم.

стр. 2351

ثُمَّ خاتمة بأهم النتائج، وقائمة بالمراجع والمصادر. • • • المقدمة: حمداً لله على نعمائه، وجوده، وكرمه، ورضاه، ونستعينه، ونطلب الهداية والتوفيق والسداد منه، ونستعيذ برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، وبه منه، ونسأله الرضا بعد القضاء، والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، والقناعة بما قسم لنا، من خير وإبعادنا عن الشر، والإعانة على الصبر على القضاء، والابتداء، والاقتداء بمحمد - (- أمَّا بعد: فالرضا بالقضاء مأمور به في كتاب الله، وفي سنة المصطفى - (- وفعل الأنبياء، والصالحين، والصديقين، والشهداء، ومن اقتفى أثرهم، واهتدى بهداهم، وقد تعبدنا الله به، وهو من كمال تحقيق العبودية لله - تعالى -، وسبب للخلاص من الشرك، وإكمال للتوحيد، وخضوع، وتسليم لأمر الله، ونهيه، ويقين بأن الأمر كله لله، بيده كل شيء، فهو المعطي لمن يشاء، المانع لمن يشاء، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. تحقيقه هداية، يحمل على الإخلاص، فيكون الباعث له في جميع الأعمال: امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، والعلم بأنه ماشاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، يقود صاحبه إلى الرضا بالقليل، والعفاف عما في أيدي الناس، ويبعده عن التملق لغير الله، أو الانشغال بغير عبادة الله، ورضاه، أو إرضاء الناس بسخط الله، ويورث العزم في متانة، ويربط القلب، فيمضي صاحبه حتى يبلغ الغاية (١) . فالمؤمن بالقضاء، الراضي به، صبور متجلد، يتحمل المشاق، ويتضلع بالأعباء، وخاصة في العصور المتأخرة، فكيف بالوقت الذي يكون ﴿القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر﴾ (٢) .

стр. 2352

أمَّا ضعيف الرضا بالقضاء، الذي لايقوى على احتمال المصائب، ولايصبر على أدنى شيء منها، فهذا لضعف إيمانه، ورخاوة نفسه، وانزعاجها العظيم للشيء الحقير، فما أن يصاب بالتافه من الأمر حتى تراه حرج الصدر، فتقض مضجعه، وتؤرق جفنه، وهي - وأكبر منها - لو وقعت لمن هو أقوى منه إيماناً ورضاً بالقضاء لم يلق لها بالاً، ولم تحرك منه نفساً، ولنام ملء جفونه رضيَّ البال، قرير العين. فالذي يجزع لأتفه الأسباب، قد يصل إلى الجنون، أو الوسوسة، أو تعاطي المسكرات، على اختلاف مستوياتها، أو قتل النفس، أو الانتحار. وما أكثر هذه الأمور في المجتمعات التي لاترضى بقضاء الله - تعالى -. فالذي لايرضى بما يصيبه من المصائب: يدب إلى روعه القنوط، ويظن أنها قاصمة الظهر، ونازلة النوازل، ويرمي نفسه في وحل اليأس، وسجن الظلم. أمَّا المؤمن بالقضاء والقدر، الصابر على المصيبة، وعن المعصية، فلاتراه إلاَّ متفائلاً في جميع أحواله، منتظراً الفرج من الله، مؤقناً بأن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسراً، وأن العاقبة للتقوى، وأن قضاء الله نافذ لا محالة، فلايأس، ولا قنوط، ولا كسل، ولا هوان، ولا تهاون، تسمو به الحال، فيصل إلى منزل الرضا، فيرضى عن الله، ويرضى الله عنه. سبب اختيار الموضوع: ولقد كان السلف الصالح - من عهد النبوة وعبر القرون الفاضلة - على هذا الاعتقاد، وهذا المستوى في الرضا بالقضاء، بيد أنه ظهر بعد ذلك خلل في هذا، من قبل غلاة المتصوفة، الذين أهملوا الوحي، وحكموا العاطفة، وتسابقوا في ترك الأسباب، والغلو في ذلك، حتى قال بعضهم: ﴿الرضا: ألا نسأل الله الجَنَّة، ولانستعيذه من النَّار﴾ (١) ، وقال الآخر: أصبحت منفعلاً لما يختاره مني ففعلي كله طاعات (٢)

стр. 2353

ثُمَّ في هذا الزمان فرط كثير من المسلمين في الرضا بحكم الله، شرعاً، وكوناً، وقدراً، فضعف الرضا، واليقين، واتبعت الشهوات والشبهات، وتأثر المسلمون بالطرق الشيطانية، الصارفة عن الرضا بقضاء الله. ولو ضربنا أمثلة عن التقصير، في الرضا بالقضاء الشرعي، أو القضاء الكوني في كل ميدان من ميادين الحياة العملية، والعلمية، التجارية، والسياسية، الدينية، والمالية، الأسرية، والاجتماعية، لطال بنا المقام. ولكن أترك الأمر للقارئ الكريم؛ ليطبق ما ذكرته في هذا البحث المتواضع، على واقع الناس في هذا الزمان، آملاً ألا يغفل جانباً من جوانب الحياة، سائلاً المولى عزّوجل أن يكتب المغفرة للجميع. فلهذا وذاك رأيت أن أكتب في الرضا بالقضاء؛ للحاجة الملحة إلى ذلك، ولأنني لم اطلع على كتابة في الموضوع، مفردة، مرتبة متناولة لكل مسائل الرضا بالقضاء، على هذا الترتيب الذي جعلته في هذا البحث. وقد اشتمل البحث على هذه المقدمة، وعلى تعريف الرضا والقضاء والقدر في اللغة والاصطلاح وبيان حقيقة الرضا بالقضاء، وأقوال الناس فيه، وهل الرضا مقام أم حال؟ ، والصلة بين الرضا والتوكل، والأمر بالرضا والحث عليه، في القرآن والسنة وأقوال السلف، ثُمَّ الرضا بفعل الله، وحكم الرضا به، والقضاء الشرعي وأدلته، وحكم الرضا به، والقضاء الكوني القدري وأدلته، والمراد به، وأقسامه: ١ - الموافق لمحبة العبد، وإرادته، ورضاه، وحكم الرضا به. ٢ - ماجاء على خلاف مراد العبد ومحبته مِمَّا لايلائمه ولايدخل تحت اختياره، وهو قسمان أيضاً: أ) - ما للعبد فيه استطاعة، واختيار، وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن، وحكم الرضا به. ب) - ما ليس للعبد فيه اختيار، ولا طاقة، ولا حيلة في منازعته ومدافعته، وحكم الرضا به. ثُمَّ حكم الرضا بالمصائب، وأقوال العلماء في ذلك، وبيان الراجح منها.

стр. 2354

٣ - القسم الثالث من الكوني: وهو الجاري باختيار العبد، وقضاء الرب، مِمَّا يكرهه الله، ويسخطه، وينهى عنه ﴿المعاصي﴾ ، وحكم الرضا به. وتفصيل تلك المسائل باختصار غير مخل - إن شاء الله -. ثُمَّ ذكر بعض ما ينافي الرضا بالقضاء، على وجه الاختصار، مثل: ١ - الاعتراض على قضاء الله الشرعي الديني. ٢ - ترك التوكل على الله. ٣ - السخط بما قسم الله. ٤ - الحزن على ما فات. ٥ - النياحة. ٦ - تمني الموت لضر نزل أو بلاء. ٧ - عدم الرضا بالمقسوم من الرزق. ٨ - الجزع والهلع. ثُمَّ مناقشة الصوفية في انحرافهم في الرضا بالقضاء، على وجه الاختصار غير المخل - بإذن الله تعالى -. هذا وقد آثرت الإيجاز، مع الحرص على الوفاء بالموضوع، ليسهل على القارئ والمطلع الإفادة، وأسأل الله أن يسدد أعمالنا، ويغفر زلاتنا وتقصيرنا، وأن ينفع بهذا البحث، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. الرضا في اللغة الرضا: مصدر، مقصور: ضد السخط، والسخط: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به (١) ، وفي حديث الدعاء: ﴿اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء﴾ (٢) ، وقد رضي يرضى رضا ورُضا ورِضواناً ورُضواناً - الأخيرة عن سيبويه (٣) - فهو راض من قوم رُضاة (٤) . ورضيت عنك، وعليك، رضى، ومثله: رضيت الشيء، وارتضيته، فهو مرضي، ومرضو أيضاً، على الأصل، مقصور: مصدر محض، والاسم الرضا ممدود (٥) عن الأخفش (٦) . قال القحيف العقيلي (٧) : إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها ولاتنبو سيوف بني قشير ... ولاتمضي الأسنة في صفاها (٨) عدّاه بعلى؛ لأنه إذا رضيت عنه أحبته، وأقبلت عليه، فلذلك استعمل على بمعنى عن (٩) . وقال ابن جني (١٠) : وكان أبو علي (١١) يستحسن قول الكسائي (١٢) في هذا، لأنه لما كانت رضيت ضد سخطت عدى رضيت بعلى، حملاً للشيء على نقيضه، كما يحمل على نظيره.

стр. 2355

قال: وسلك سيبويه هذه الطريق في المصادر كثيراً، فقال: قالوا كذا، كما قالوا كذا، وأحدهما ضد الآخر (١) ، وقوله - جلّ وعلا -: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) تأويله: أن الله - تعالى - رضي عنهم أفعالهم، ورضوا عنه ما جازاهم به. وأرضاه: أعطاه ما يرضى به (٣) . وترضَّاه: طلب رضاه؛ قال: إذا العجوز غضبت فطلق ... ولاترضَّاها ولاتَملق (٤) أثبت الألف من ترضاها في موضع الجزم تشبيهاً بالياء في قوله: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بِمَا لاقت لبون بني زياد (٥) والرضي: المرضي، وارتضاه: رآه أهلاً، والرجل الرضا (٦) أي العدل. وقالوا: رضيت عنه رضا، وإن كان من الواوي: لمكان الكسر وحقه: رضو. قال أبو منصور (٧) : إذا جعلت الرضا بمعنى المراضاة فهو ممدود، وإذا جعلته مصدر رضي يرضى فهو مقصور. قال سيبويه: وقالوا: عيشة راضية، على النسب أي: ذات رضا. ومن الألفاظ التي بمعنى الرضا: ١ - الركون: كما في قول الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَي الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (٨) ، أي لاترضوا أعمالهم (٩) . ٢ - العُتبى بالضم: بمعنى الرضا (١٠) ، ومنه قوله - (- في الدعاء: ﴿لك العتبى حتى ترضى﴾ (١١) ، واستعتب: طلب أن يرضى عنه، كما تقول: استرضيته فأرضاني المعتب: المرضي، ومنه الحديث: ﴿لايتمنين أحدكم الموت إمَّا محسناً فلعله يزداد، وإمَّا مسيئاً فلعله يستعتب﴾ (١٢) أي: يرجع عن الإساءة ويطلب الرضا ومنه في الحديث: ﴿ولا بعد الموت من مستعتب﴾ (١٣) أي ليس بعد الموت من استرضاء، لأن الأعمال بطلت، وانقضى زمانها، وما بعد الموت دار جزاء، لا دار عمل (١٤) . ٣ - الدّقع: - محركة - الرضا بالدون من العيشة، وسوء احتمال الفقر (١٥) .

стр. 2356

٤ - القانع: كما في قول الله - تعالى -: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١) ، وهو من القنوع: الرضا باليسير من العطاء، وقد قنع يقنع قنوعاً وقناعة بالكسر: إذا رضي، وقنع بالفتح يقنع قنوعاً، إذا سأله، ومنه ما ورد في الحديث: ﴿القناعة كنز لايفنى﴾ (٢) لأن الإنفاق منها لاينقطع، كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي (٣) . والقناعة: الرضا بالقسم، وبابه سلم، وهو قنع وقنوع، وأقنعه الشيء: أي أرضاه، وقال بعض أهل العلم: إن القنوع أيضاً قد يكون بمعنى الرضا، والقانع بمعنى الراضي ... ، ويجوز أن يكون السائل سمي قانعاً لأنه يرضى بما يعطى قلّ أو كثر، ويقبله، ولايرده، فيكون معنى الكلمتين راجعاً إلى الرضا (٤) . ٦ - القنى: بمعنى الرضا، ومنه قول الله - تعالى -: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ (٥) ، وقني الرجل - بالكسر - قنى، بوزن رضا، أي صار غنياً، وراضياً، والقنى - كإلى -: الرضا؛ قناه الله، وأقناه: أرضاه، وأقناه أيضاً: رضَّاه، ويقال: أعطاه الله وأقناه: أي أعطاه ما يسكن إليه (٦) . ٧ - ويأتي الحمد بمعنى الرضا، فيقال: بلوته فحمدته، أي: رضيته، ويقال: أحمد إليكم كذا: أي أرضاه لكم (٧) . والرضا نقيض الغضب (٨) ، والغضبة ضد الرضا (٩) . والرضا والغبطة: ضد الندامة والحسرة (١٠) . والرضا والوفاء: ملزوم أحدهما بالآخر (١١) . والتسليم: بذل الرضا بالحكم (١٢) . القضاء في اللغة: القضاء - ممدود - مصدر معرف، أصله: قَضَايٌ، لأنه من قضيت، إلاَّ أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت (١٣) ، فعله: قضى يقضي، ومصدره: قضاء وقضية، والفاعل: قاضٍ، والقاضي: القاطع للأمور المحكم لها (١٤) . واستقضي فلان: أي جُعل قاضياً. والقضايا: جمع قضية وهي الأحكام. والقضاء يأتي بعدة معان، منها:

стр. 2357

١ - الفصل في الحكم، يقال: قضى يقضي قضاءً إذا حكم وفصل، قال - تعالى -: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) أي: لفصل وحكم بينهم (٢) . ٢ - ويأتي بمعنى الإتقان، والفراغ منه: فيكون على هذا بمعنى الخلق، قال الله - تعالى -: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٣) أي: ففرغ من خلقهن (٤) . ٣ - بمعنى أداء الشيء وتمامه، قال الله - تعالى -: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ (٥) أديتم وفرغتم (٦) ، ويدخل في المعنى السابق. ٤ - ويأتي بمعنى: إمضاء القدر، كما في قوله - سبحانه -: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ (٧) أي: أمضينا قضاءنا على سليمان بالموت (٨) . ٥ - التمام: كما في قول الله - تعالى -: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ (٩) فمعنى ((لقضي الأمر)) : لتم إهلاكهم (١٠) . ٦ - الإكمال والوفاء: ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ (١١) أي: فلما وفى، وأكمل صاحبه الأجل (١٢) . ٧ - الحتم: ومنه قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّي عِندَهُ﴾ (١٣) ، فالمعنى حتم بذلك. ٨ - الصنع والعمل: يدل على ذلك قول الله - تعالى -: ﴿فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾ (١٤) أي: اصنع وافعل واعمل ما أنت صانع أو فاعل أو عامل (١٥) ، وتقول: قضى الشيء قضاء صنعه وقدره. وهذا هو القضاء الكوني القدري. ٩ - الإعلام: ومنه قول الله - عزّوجل -: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (١٦) أي: أعلمناهم إعلاماً مقطوعاً به (١٧) . ١٠ - إنهاء العمر أو الحياة: من ذلك ما ورد في قصة موسى ﵇ من قول الله - تعالى -: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (١٨) أي: قتله وأنهى حياته بالوكز (١٩)

стр. 2358

١١ - الأمر (١) : من ذلك قول الله - تعالى - في الوصية والأمر بعبادته - سبحانه -: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٢) أي: أمر وأوصى، أمراً محتوماً ووصية مقطوعاً بها (٣) . وهذا هو القضاء الشرعي الديني. وأكثر المعاني السابقة تعود إلى الفراغ، وإتمام الشيء وانقطاعه، وهناك اشتقاقات أخرى غير هذه، ذكرها أهل اللغة، يُرجع إليها في مظانها، في مادة ﴿قضى﴾ والله الموفق. القدر في اللغة: القدر: بفتح القاف والدال: اسم يطلق على الحكم والقضاء، أو القضاء الموفق (٤) . ومن ذلك حديث الاستخارة، وفيه: ﴿فاقدره لي ويسره لي﴾ (٥) . وقال الله - تعالى -: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٦) أي: إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه (٧) . وقال : ﴿فَالْتَقَي الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (٨) أي: على أمر قد قدره الله، وقضاه أي: قضاه في اللوح المحفوظ (٩) . وقال - سبحانه -: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (١٠) أي: قضى إليه فيها؛ إنها لمن الباقين ثُمَّ هي مهلكة بعد (١١) . وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١٢) وهي الليلة التي تقدر فيها الأرزاق، وتقضى (١٣) . ويأتي بمعنى: التضيق (١٤) ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ (١٥) أي: ويقتر على من يشاء منهم في رزقه وعيشه، فيضيقه عليه؛ لأنه لايصلحه إلاَّ الإقتار (١٦) ، وقوله - تعالى -: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ (١٧) . ويأتي: بمعنى الخلق: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (١٨) أي: والذي قدر خلقه فهدى (١٩) .

стр. 2359

والقَدَر: بفتح القاف والدال أيضاً: الطاقة والوسع (١) ، كما يدل على ذلك قول الله - عزّوجل -: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٢) وقَدّر الشيء - بالتشديد -: قضاه، ويجوز التخفيف. والقَدْر: بفتح القاف وإسكان الدال: الوسع والطاقة، أيضاً، وبمعنى المقدار، فقدر كل شيء مقداره أي: مقياسه، يقال: قدره به قدراً إذا قاسه، والقدر من الرحال والسروج: الوسط (٣) . وقدرت الشيء أقدره من التقدير، ومنه قوله - (- في الحديث: ﴿فإن غم عليكم فاقدروا له﴾ (٤) أي: قدروا له عدد الشهر ثلاثين يوماً، وقيل: قدروا له منازل القمر، فإنه يدلكم على أن الشهر تسعة وعشرون يوماً أم ثلاثون يوماً (٥) . والقَدْر، والتقدير: تبيين كمية الشيء، يقال: قَدَرته وقدّرْته وقدره بالتشديد، أعطاه القدرة، يقال: قدَّرَني الله على كذا وقواني عليه. فتقدير الله الأشياء على وجهين: أحدهما: إعطاء القدرة. والثاني: بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة. فأحدهما بالحكم منه - سبحانه -، أن يكون كذا أولا يكون كذا (٦) ، كما في قول الله - تعالى -: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٧) . والمراد أن الله علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثُمَّ أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، فهو قضاؤه. القضاء والقدر في الاصطلاح: مِمَّا سبق في تعريف القضاء والقدر في اللغة، وما تدل عليه النصوص الشرعية، يتبين لنا أن القضاء والقدر في الاصطلاح، أو في الشرع: تقدير الله الأشياء في الأزل وقضاؤها وكتابتها في اللوح المحفوظ، وعلمه - سبحانه - بوقوعها في أوقات معلومة عنده، على صفات مخصوصة بمشيئته، وقدرته، وخلقه وأمره، والأمر باليقين والعمل لذلك.

стр. 2360

قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١) . وقال - سبحانه -: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (٢) . وقال - عزّوجل -: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٣) . وقد عرفه الإمام أحمد بقوله: ﴿القدر: قدرة الله﴾ (٤) . وعرف بتعريفات أخرى، كلها تدل على علم الله بكل ما أراد إيجاده، أو إفناؤه، من العوالم، والخلائق، والأحداث، والأشياء، وتقدير ذلك، وكتابته في اللوح المحفوظ، كما هو: كميته، وصفته، وكيفيته، وزمانه، وأسبابه، ومقدماته، ونتائجه، بحيث لايتأخر شيء من ذلك عن وقته، ولايتقدم، ولايتبدل (٥) . ومعنى قولهم: ﴿القدر سر الله في خلقه﴾ : أن الله قد أخفى علمه عن خلقه، فلايطلع عليه أحد لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فهو - سبحانه - أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وهدى وأضل، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ (٦) . وقد روي عن ابن عمر مرفوعاً: ((لاتكلموا بشيء من القدر فإنه سر الله فلاتفشوا سر الله)) (٧) . وسئل علي ﵁ عن القدر، فقال: ﴿سر الله فلا تكشفه﴾ (٨) . ﴿والقضاء والقدر: أمران متلازمان لاينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس؛ وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء؛ وهو القضاء﴾ (٩) . فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء، ونقضه، فالمقضي مقدر، والمقدر مقضي، ولا دليل على التفريق بينهما (١٠) ، إلاَّ أن الذي أراه أنهما إذا اجتمعا فإن لكل لفظ من لفظيهما زيادة بيان عن الآخر من وجه، كما هو الحال في ألفاظ اللغة العربيَّة ومترادفاتها، ومن ذلك ألفاظ القرآن الكريم ثُمَّ إن لذكر اللفظ مع الآخر في موضع أو سياق له دلالته، والله أعلم. وقد جاء في تعريف الرضا بالقضاء أقوال كثيرة، منها:

стр. 2361

قيل: ﴿الرضا: ارتفاع الجزع في أي حكم كان﴾ (١) . وقيل: ﴿سكون القلب تحت مجاري الأحكام﴾ (٢) . وقال بعضهم الرضا: ﴿ترك الخلاف على الله فيما يجريه على العبد﴾ (٣) . وقال آخر الرضا: ﴿سرور القلب بمر القضاء﴾ (٤) . وقال ابن مسعود ﵁: ﴿الرضا: أن لاترضي الناس بسخط الله، ولاتحمد أحداً على رزق الله ولاتلم أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لايسوقه حرص حريص، ولايرده كراهية كاره، والله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط﴾ (٥) . وقيل: الرضا: ألاّ يتمنى خلاف حاله (٦) . وقيل: الرضا: ترك الاختيار (٧) . وقيل: الرضا: استقبال الأحكام بالفرح (٨) . وقال بعضهم الرضا: نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد؛ فإنه اختار له الأفضل (٩) . وسئل أحدهم عن الرضا، فقال: ﴿من لم يندم على ما فات من الدنيا، ولم يتأسف عليها﴾ (١٠) . وقال الآخر: ﴿معنى الرضا: فيه ثلاثة أقوال: ترك الاختيار، وسرور القلب بمر القضاء، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم لها عليها﴾ (١١) . ولما سئل أحدهم عن الرضا، قال: ﴿الرضا بالحق، والرضا عن الحق، والرضا له﴾ . فقال: الرضا به: مدبراً ومختاراً، والرضا عنه: قاسماً ومعطياً، والرضا له: إلهاً ورباً﴾ (١٢) . وقال شقيق البلخي (١٣) : ﴿وتفسير الرضا على ثلاث (١٤) خصال: أولها: أمن من الفقر، والثاني: حب القلة والثالث: خوف الضمان، وتفسير الضمان: ألا يخاف إذا وقع في يده شيء من أمر الدنيا؛ أن يقيم حجته بين يدي الله، في أخذه، وإعطائه، على أي الوجوه كان﴾ (١٥) . وقال الراغب الأصفهاني (١٦) : ﴿ورضا العبد عن الله: أن لايكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد: هو أن يراه مؤتمراً لأمره، ومنتهياً عن نهيه﴾ (١٧) .

стр. 2362

والرضا عمل قلبي، ليس بقول اللسان، ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإرادات. ولهذا يُمكن أن يكون تعريف الرضا تبعاً لمعناه في اللغة، وما سبق من هذه الأقوال جميعاً، وما يوافق نصوص كتاب الله، وسنة رسوله - (- هو: التسليم بالقضاء، والقناعة بما قسم، قل أو كثر، والسكون إلى الله، وحمده على ما قضاه، وترك الندم أو الحسرة أو الحزن على ما فات من رزق، وعدم التسخط، أو الاعتراض على ما وقع من قضاء الله الكوني، وحب أمر الله، والعمل به، وترك معاصيه، واجتنابها، والبشر والإكرام، والغنى عما في أيدي الناس، واليقين بأن الله المعطي، المانع وحده لا شريك له. أو نقول: الإيمان بالقضاء والقدر هو: التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره، واليقين بأنه - سبحانه - الفَعَّالُ لما يريد، لايكون شيء إلاَّ بإرادته، ولايخرج عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولايصدر إلاَّ عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر، ولايتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ، وأنه خالق أفعال العباد، من الطاعات، والمعاصي، ومع ذلك فقد أمر العباد، ونهاهم، وجعلهم مختارين لأفعالهم، غير مجبورين عليها، بل هي واقعة بحسب قدرتهم، وإرادتهم. يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١) . ثُمَّ الرضا بعد وقوع كل ذلك، وتحققه بما يجري عليه من هذا القضاء والقدر، وعدم الجزع، أو الاعتراض على ما قضي، والتسليم للأمر والنهي، وما وقع من خير أو شر، وأن لله حكمة في ذلك، لايعلمها إلاَّ هو، قد تكون خيراً للعبد، وهو يظن أنها ليست كذلك، فيحسن الظن بالله - تعالى -، ويقنع بما يحصل له من رزق، وغيره، ولاتتوق نفسه إلى غير ما قضي، وقدر له، مع فعل الأسباب المأمور بها. حقيقة الرضا

стр. 2363

والرضا - وإن كان من أعمال القلوب - فله حقيقة تترجمه إلى واقع ملموس، ومشاهد، ويتفاوت الناس عند الله - تعالى - في هذه الأعمال، فما هي حقيقة الرضا؟ . لقد تحدث الكثير عن حقيقة الرضا، وأمسك البعض وظن أن حقيقة الرضا لاتعرف، ولاتعلم (١) ، وبالغ آخرون، فجعلوا الرضا من جملة الأحوال التي ليست بمكتسبة بل هو موهبة محضة (٢) ، وبعضهم جعله الانطراح والتسليم لما يجريه الله دون العمل، حتى يقول: ﴿الرضا أن لاتسأل الله الجَنَّة ولاتستعيذ به من النَّار﴾ (٣) . وإليك أقوال الناس عن حقيقة الرضا: قيل: حقيقة الرضا من رضي الله في كل شيء فقد بلغ حد الرضا (٤) . وقيل: عدم الحرص على الازدياد، فهذا غنى النفس، الذي هو الناشيء عن الرضا بقضاء الله - تعالى - والتسليم لأمره؛ وأنَّ ما عنده خير وأبقى، فيعرض صاحبه عن الحرص والطلب، كما قال القائل: غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقراً (٥) وقال سفيان الثوري: ﴿لايكون غنياً أبداً حتى يرضى بما قسم الله له؛ فذلك الغنى﴾ (٦) . وقال ابن مسعود ﵁: ﴿ما أبالي إذا رجعت إلى أهلي على أي حال أراهم، أبسراء أم بضراء، وما أصبحت على حال فتمنيت أني على سواها﴾ (٧) . وقيل للفضيل بن عياض: من الراضي عن الله؟ قال: الذي لايحب أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها (٨) . وقيل عن الرضا: من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض (٩) .

стр. 2364

وقيل: اشتكى عمران بن حصين ﵁ فدخل عليه جار له، فاستبطأه في العيادة، فقال له: يا أبا نجيد، إن بعض ما يمنعني من عيادتك ما أرى بكم من الجهد. قال: فلاتفعل، فإن أحبه إليّ أحبه إلى الله، فلاتبتئس لي بما ترى، أرأيت إذا كان ما ترى مجازاة بذنوب قد مضت، وأنا أرجو عفو الله على ما بقي، فإنه قال: ﴿وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (١) (٢) . وقيل: إن سفيان الثوري قال عند رابعة (٣) : ﴿اللهم ارض عني﴾ فقالت له: أما تستحي أن تطلب رضا من لست عنه براض (٤) ؟ . قال سهل (٥) : إذا اتصل الرضا بالرضوان اتصلت الطمأنينة، فطوبى لهم وحسن مآب. يريد قوله - جلّ وعزّ -: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٦) . فمعناه: أن الرضا في الدنيا تحت مجاري الأحكام، يورث الرضوان في الآخرة بما جرت به الأقلام. قال الله - تعالى -: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧) (٨) . وقيل: ﴿الرضا عن الله ينتظم الصبر انتظاماً﴾ (٩) . وقيل: ﴿ثلاثة من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرضا، والصبر عند البلاء، والشكر عند الرضا﴾ (١٠) . وقيل لسفيان بن عيينة: ما حد الزهد؟ قال: ﴿أن تكون شاكراً في الرضا، صابراً في البلاء﴾ (١١) . وقال نفطويه (١٢) : ﴿كان يقال: العاقل من كرم صبره عند البلاء، ولم يظهر منه ترفع عند الرضا﴾ (١٣) . وسئل بعضهم عن أصول الدين، فقال: ﴿اثنان: صدق الافتقار إلى الله - عزّوجل – وحسن الاقتداء برسول الله - (- وفرعه أربعة: الوفاء بالعهود، وحفظ الحدود، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود﴾ (١٤) . وقال الساجي (١٥) : ((قال لي رجل لو جُعلت لي دعوة مستجابة ما سألت الفردوس، ولكن أسأله الرضى: هو تعجيل الفردوس.

стр. 2365

الرضى: إنَّما هو في الدنيا، يقول: ﴿﵃، ورضوا عنه، وأعد لهم هناك في الآخرة، والرضى: ملك يفضي إلى ملك، وهم أوجه الخلق عندهم، ولم تكن لهم أعمال تقدمت شكرهم عليها، ولا شغفا لهم عنده، ولكنه كان ابتداء منه، وقد فرغ الله مِمَّا أرادوا، أسعد بالعلم من قد عرف، وإنَّما العقوبات على قدر الملمات، إذا لم يكن شيء جاءت عقوبات ذلك بقدره﴾ (١) . وقال أحدهم: ﴿وثلاثة من أعلام الرضا: ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء، وهيجان الحب في حشو البلاء﴾ (٢) . وقيل: ﴿الرضى سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضى به﴾ (٣) . قال ابن القيم ﵀ بعد ذكر هذا القول: ﴿قلت: وهذا رضى بما منه، وأمَّا الرضا به: فأعلى من هذا، وأفضل، ففرق بين من هو راض بمحبوبه، وبين من هو راض بما يناله من محبوبه، من حظوظ نفسه، والله أعلم﴾ (٤) . وقال أيضاً ﵀: ﴿ومنها - أي من حكمته - أنه - سبحانه - يذيق ألم الحجاب عنه، والبعد، وزوال ذلك الأنس، والقرب، ليمتحن بده، فإن أقام على الرضا بهذه الحال، ولم يجد نفسه تطالبه حالها الأول مع الله، بل اطمأنت، وسكنت إلى غيره، علم أنه لايصلح، فوضعه في مرتبته التي تليق به ... ﴾ (٥) . وقال ابن تيمية ﵀: ﴿والرضا وإن كان من أعمال القلوب فكماله الحمد، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا، وذلك يتضمن الرضا بقضائه﴾ (٦) . وقال: ﴿والله يستحق الرضا لذاته﴾ (٧) . وقد رأى بعضهم أن حقيقة الرضا هي: الزهد، كما روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: ﴿الزهد: الرضا عن الله﴾ (٨) . وقد رأى بعض العلماء أن الرضا هو: غنى النفس.

стр. 2366

وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس﴾ (١) ، وغنى النفس إنَّما ينشأ عن الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، علماً بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو معرض عن الحرص، والطلب. فالمتصف بغنى النفس يكون قانعاً بما رزقه الله، لايحرص على الازدياد لغير حاجة، ولايلح في الطلب، ولايلحف في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واحد أبداً (٢) . وهذا ما عناه النبي - (- عندما استعاذ من فتنة الغنى، وفتنة الفقر؛ لأنهما حالتان تخشى الفتنة فيهما، بالتسخط، وقلة الصبر، والوقوع في حرام، أو شبهة للحاجة، ويخاف من الأشر، والبطر، والبخل بحقوق المال، أو إنفاقه في إسراف، وفي باطل، أو في مفاخر ... قال الخطابي: ﴿إنَّما استعاذ - (- من الفقر الذي هو فقر النفس، لا قلة المال﴾ (٣) . وقال القاضي عياض: ﴿وقد تكون استعاذته من فقر المال، والمراد الفتنة في عدم احتماله، وقلة الرضا به ... ﴾ (٤) . وبعضهم يرى أن حقيقة الرضا: القناعة، أو أن القناعة أول الرضا (٥) . وروي عن أبي سليمان الداراني قوله: ﴿إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض﴾ (٦) . وعلى هذا إنَّما يمنع العبد من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، فإذا لم يحصل سخط، فإذا سلا عن شهوات نفسه، رضي بما قسم الله له من الرزق (٧) . وقال أعرابي في الرضى، والقناعة (٨) ، وذم السؤال: علام سؤال الناس والرزق واسع وأنت صحيح لم تخنك الأصابع وللعيش أوكار وفي الأرض مذهب عريض وباب الرزق في الأرض واسع فكن طالباً للرزق من رازق الغنى وخل سؤال الناس فالله صانع (٩) وقال مسلم بن الوليد (١٠) : أقول لمأفون البديهة طائر مع الحرص لم يغنم ولم يتمول سل الناس إني سائل الله وحده وصائن عرضي عن فلان وعن فل (١١) وقال بعض العلماء نظماً: تقنع بِمَا يكفيك واستعمل الرضا

стр. 2367

فإنك لاتدري أتصبح أم تمسي (١) قال أبو ذؤيب الهذلي (٢) : والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع (٣) وقال لبيد (٤) : فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ومنهم شقي بالمعيشة قانع (٥) قلتُ: ويُمكن أن تكون حقيقة الرضا، هي: لزوم ما جعل الله رضاه فيه، من الأحكام الشرعية، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لاسيما إذا قام بواجبها، ومستحبها، وعمل ما أبيح له من غير تعد إلى المحظور، مع اليقين والصبر، وعدم طلب فضول الشهوات، والقناعة بما يقضيه الله له في عيشه، وما يحتاج إليه في حياته، وعدم حسد الخلق، أو مخاصمتهم، أو تمني ما في أيديهم، أو سخط ما آتاه الله، وإن كانت نفسه تكرهه طبعاً، وتظنه ليس خيراً، والتسليم بذلك، مع فعل الأسباب المأمور بها، وكراهة المعاصي، والابتعاد عنها، كما تدل عليه النصوص الكثيرة، منها قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولائِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٦) . وما في الصحيح عن أبي هريرة، عن النبي - (- قال: ﴿إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مِمَّا افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته﴾ (٧) . وستتضح حقيقة الرضا بالحديث عن أنواع الرضا بالقضاء وأنواع القضاء - إن شاء الله تعالى -. الرضا مقام أم حال؟

стр. 2368

واختلف أهل التصوف في حقيقة الرضا هل هو مقام مكتسب، أم حال موهبي؟ إلى ثلاث فرق أو طرق هي: ١ - طائفة - أو فرقة - قالت: الرضى مقام مكتسب، هو نهاية التوكل، يُمكن أن يتوصل إليه العبد باكتسابه، وهؤلاء متصوفة خراسان، في القرن الثامن، ومن تبعهم عليه (١) . واحتجت هذه الطائفة بأن الله مدح أهله، وأثنى عليهم، وندبهم إليه، فدل ذلك على أنه مقدور لهم (٢) . ٢ - طائفة - أو فرقة - قالت: الرضا حال من جملة الأحوال، وليس كسبياً للعبد، بل هو نازلة تحل بالقلب، كسائر الأحوال، أي أنه موهبة محضة (٣) . ٣ - وطائفة ثالثة؛ منهم القشيري - صاحب الرسالة القشيرية وغيره - قالوا: بداية الرضا مكتسبة للعبد، وهي من جملة المقامات، ونهايته من جملة الأحوال، وليست مكتسبة، فأوله مقام ونهايته حال (٤) . واعتبروا هذا جمعاً - أو حكماً - يُمكن الجمع به بين مذهب الطائفتين السابقتين. قال ابن القيم ﵀: ﴿فمما اختلفوا فيه: الرضا، هل هو حال أم مقام، فيه خلاف بين الخراسانيين والعراقيين، وحكم بينهم بعض الشيوخ فقال: إن حصلت بكسب فهو مقام، وإلاَّ فهو حال. والصحيح في هذا: أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها، فتكون لوامع، وبوارق، ولوائح عند أول ظهورها وبدُوّها، كما يلمع البارق، ويلوح عن بعد، فإذا نازَلَتْه، وباشرها فهي أحوال، فإذا تمكنت منه، وثبتت له من غير انتقال، فهي مقامات، وهي لوامع، ولوائح في أولها، وأحوال في أوسطها، ومقامات في نهاياتها﴾ (٥) . فهو يرى ﵀ أن الرضى كسبي باعتبار سببه، موهبي باعتبار حقيقته، فقال: ﴿فيمكن أن يقال بالكسب لأسبابه، فإذا تمكن في أسبابه، وغرس شجرته: اجتنى منها ثمرة الرضى، فإن الرضى آخر التوكل﴾ (٦) .

стр. 2369

قلتُ: والفرق بين المقامات، والأحوال عند الصوفية: أن المقامات عندهم من المكاسب، أمَّا الأحوال فهي مجرد المواهب. والصحيح: أن المقامات قد تحصل بفعل الأسباب من العبد، وقد تحصل من غير فعل العبد، وفي كلا الحالتين فالموجد لها هو الله ، فمقام الرضا بالقضاء: مقام عظيم، وأصل من أصول الإيمان، ومن قواعد الدين، التي يطلب بها حظوظ الدنيا، وأمور الدين، وهي في أمور الدين أعظم، كالتوكل، والإنابة، والاستعانة، وغيرها (١) . وقد يحصل على الرضا بسبب، وقد لايحصل عليه، فالسبب والمسبب من الله - تعالى -، ولذلك طلب الرسول - (-: الرضا بالقضاء: ﴿وأسألك الرضا بعد القضاء﴾ . أمَّا الحال فهي التي يكون عليها العبد عند القضاء وهي قسمان: ١ - حال شرعية: وهي التصرف بما أمر الله ورسوله، وترك ما نهى الله عنه، ورسوله، فهذه الأحوال مواهب من الله، وكرامات للصالحين من هذه الأمة. ٢ - حال غير شرعية: وهي السخط، والاعتراض، وعدم التسليم، وهي حال فاسدة لايتمثل صاحبها ما أمر الله به ورسوله، ولايتصرف بها في ذلك. فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولايدل إعطاؤهم، أو إمهالهم، على محبة الله لهم. الصلة بين الرضا والتوكل التوكل من مقامات المؤمنين لا انفكاك للمؤمن منه. والرضا أعلى درجات التوكل، بل هو باب الله الأعظم، كما قيل، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين ونعيمهم، وحياة المخبتين، وقرة عيون المشتاقين﴾ (٢) . فالرضا ثمرة التوكل، والتوكل نصف الإيمان، وهما من أعلى مقامات الإحسان التي هي أعلى المندوبات (٣) . وقد قيل: إن حقيقة التوكل: الرضا؛ لأنه لما كان ثمرته، وموجبه، استدل له عليه استدلالاً بالأثر على المؤثر، وبالمعلول على العلة، لا أن التوكل هو الرضا، أو الرضا التوكل (٤) .

стр. 2370

وقد سئل أبو بكر الواسطي عن ماهية التوكل، قال: ﴿الصبر على طوارق المحن، ثُمَّ التفويض، ثُمَّ التسليم، ثُمَّ الرضا، ثُمَّ الثقة﴾ (١) . قال الله - تعالى -: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (٢) . قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿فتضمنت هذه الآية الكريمة أدباً عظيماً، وسراً شريفاً، حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله، والتوكل على الله وحده، وهو قوله: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ، وكذلك الرغبة إلى الله وحده، في التوفيق لطاعة الرسول - (- وامتثال أوامره، وترك زواجره، وتصديق أخباره، والاقتضاء بآثاره﴾ (٣) . فعلى هذا لابد من فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، في التوكل والرضا، ومن قال فيهما بترك الأسباب، والركون إلى مسبب الأسباب، فقد طعن في سنة الرسول - (- كما سيأتي - إن شاء الله - في فصل الرضا، وفعل الأسباب. وقال ابن تيمية ﵀: ﴿والرضا والتوكل يكتنفان المقدور، فالتوكل قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه﴾ (٤) . فما يكون قبل القضاء إنَّما هو عزم على الرضا، وهو التوكل لا حقيقة الرضا، فهو بعد القضاء، فالعبد لابد أن يتوكل على الله، ويعزم على الرضا، فيما لو وقع ما لايحب، أو ما لايرى فيه فائدته في الظاهر، وإذا وقع المقدر، رضي به، على ما سيأتي في حكم الرضا بالقضاء - إن شاء الله -.

стр. 2371

ولهذا كان النبي - (- يقول في الصلاة ما روي عن الصحابي الجليل: عمار بن ياسر ﵁ قال: كان النبي - (- يقول في الصلاة: ﴿اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر، والغنى، وأسألك نعيماً لاينفد، وأسألك قرة عين لاتنقطع، اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين﴾ (١) . قال بعضهم في معنى قول النبي - (-: ﴿أسألك الرضا بعد القضاء﴾ قال: ﴿لأن الرضى قبل القضاء عزم على الرضا، والرضى بعد القضاء هو الرضا﴾ (٢) . وقال أبو سعيد الخراز (٣) : ﴿الرضا قبل القضاء تفويض، والرضا بعد القضاء تسليم﴾ (٤) . وقيل: ﴿ثلاثة من أعلام الرضا: ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء، وهيجان الحب في حشو البلاء﴾ (٥) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ﴿ولهذا كان طائفة من المشائخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء، فإذا وقع انفسخت عزائمهم، كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره﴾ (٦) . واستشهد بعدة آيات منها قول الله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (٧) وقال - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (٨) .

стр. 2372

وهذه الآية نزلت في أناس من المؤمنين، تمنوا معرفة أحب الأعمال، وأفضلها، ليعملوا بها، فلما أخبر الله نبيه بذلك قصروا في ذلك فعوتبوا (١) . فالحاصل أن التوكل والتفويض يكون قبل وقوع المقدور، والرضا بعده، وهو الثمرة. قال رسول الله - (- في دعاء الاستخارة: ﴿اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر - ثُمَّ تسميه بعينه - خيراً لي في عاجل أمري وآجله، قال: أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، ويسره لي ثُمَّ بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري، وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثُمَّ رضني به﴾ (٢) . فهذه حاجته التي سألها متوكلاً عليه - سبحانه -، ولم يبق عليه إلاَّ الرضى بما يقضيه له، فقال: ﴿اقدر لي الخير حيث كان، ثُمَّ رضني به﴾ (٣) . فالرضا إنَّما يأتي بعد الاستعانة، والتوكل على الله؛ لأن اليقين بالقضاء الذي لم يقع ليس برضا، وإنَّما يكون بعد وقوع المقضي، أمَّا قبل وقوعه فاستعانة وتوكل فقط، فمن بلغ الرضا فلاشك أنه استعان بالله وتوكل عليه، ومن استعان بالله وتوكل عليه فقد بلغ الرضا. الأمر بالرضا بالقضاء والحث عليه حث الإسلام على الرضا بالقضاء والقدر، وأمر به في نصوص كثيرة، منها: ١ - قول الله - تعالى -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسى أَن تَكْرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) .

стр. 2373

فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر الله، وإن شق على النفوس، وعلى الرضا بقضائه، وإن كرهته النفوس، فهو - سبحانه - كما هو العليم في اختياره من يختاره من خلقه، وإضلاله من يضله منهم: العليم الحكيم بما في أمره، وشرعه من العواقب الحميدة، والغايات العظيمة. فبين - سبحانه - أن ما أمرهم به يعلم ما فيه من المصلحة، والمنفعة لهم، التي اقتضت أن يختاره، ويأمرهم به، وهم قد يكرهونه، إمَّا لعدم العلم، وإمَّا لنفور الطبع، فهذا علمه بما في عواقب أمره مِمَّا لايعلمونه (١) . ٢ - وقوله - عزّوجل -: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآءَاتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَيُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٢) . فما أصاب العبد من مصيبة في الأرض، من قحط، وجدب، وذهاب زرع، وغير ذلك، أو في الأنفس من الأمراض، والأوجاع، حتى خدش العود، ونكبة القدم، إلاَّ مقدر مقضي في اللوح المحفوظ، من قبل أن يخلقها الله، فلايحزن العبد على ما فاته، أو يفرح فرح مختال متكبر، ولكن لابد له من الرضا بما يصيبه من القضاء، إن خيراً، وإن غير ذلك (٣) . ٣ - ومنها قوله - سبحانه -: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) .

стр. 2374

أي: لم يصب أحداً من الخلق مصيبة إلاَّ بإذن الله، أي بقضائه، وتقديره، ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله، وقدره، يوفق الله قلبه بالاحتساب، والتسليم لأمره، والرضا بقضائه، وعوضه الله عما فاته من الدنيا: هدى في قلبه، ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيراً منه. وروي عن ابن عباس: ﴿يعني يهدي قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه﴾ (١) . وفي آخر هذه الآية الكريمة، الأمر بالتوكل، وأعلى درجات التوكل الرضا بالقضاء. ٤ - ومنها ما في القرآن الكريم أنه - سبحانه - المعطي والذي يجعل المعطَى راضياً بما أعطاه، قال - سبحانه -: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ (٢) أي: أعطى فأرضى (٣) . ومن السنة والأثر: ١ - قوله - (-: ﴿ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً﴾ (٤) . وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله - (- أنه قال: ﴿من قال حين يسمع المؤذن أشهد ألا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه﴾ (٥) . ٢ - ومنها: حديث الاستخارة السابق: ﴿اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر - ثُمَّ تسميه بعينه - خيراً لي في عاجل أمري وآجله، قال: أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، ويسره لي ثُمَّ بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري، وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثُمَّ رضني به﴾ (٦) .

стр. 2375

ففي هذا الحديث: بيان لحاجة العبد إلى فعل ما ينفعه في معاشه، ومعاده، وعلم ما فيه مصلحته، وتيسير الله له ما قدره له من الخير، فهو القادر على كل شيء، والعبد عاجز إن لم ييسر الله له ما فيه مصلحته، ولذلك أرشده النبي - (- إلى طلب فضله - سبحانه - وتيسيره، ثُمَّ إذا اختاره له بعلمه، وأعانه عليه بقدرته، ويسره له من فضله، فهو يحتاج إلى البقاء عليه، وثبوت هذا الفضل، ونموه، ثُمَّ إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه، فإنه قد يهيء له ما يكرهه فيظل ساخطاً والخيرة فيه. ٣ - ومنها: ما أخرج مسلم عن أنس أن رسول الله - (- قال: (ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم)) ، ثُمَّ دفعه إلى أم سيف، امرأة قين يقال له: أبو سيف، فانطلق يأتيه واتبعته. فانتهينا إلى أبي سيف، وهو ينفخ بكيره قد امتلأ البيت دخاناً، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله - (- فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول الله - (- فأمسك، فدعا النبي - (- بالصبي فضمه إليه، وقال: ماشاء الله أن يقول. قال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله - (- فدمعت عينا رسول الله - (- فقال: ﴿تدمع العين، ويحزن القلب، ولانقول إلاَّ مايرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون﴾ (١) . ٤ - ومنها: ما ورد عن ابن عباس ﵁ قال: كنت خلف النبي - (- يوماً فقال: ((يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف﴾ (٢) .

стр. 2376

وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - (- لابن عباس (١) : ﴿يا غلام، أو يا غليم، احفظ عني كلمات، لعل الله أن ينفعك بهن: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فلو جهد الخلائق لم يعطوك شيئاً لم يقدره الله - عزّوجل - لك ما استطاعوا، أو يمنعوك شيئاً قدره الله لك، ما استطاعوا ذلك، اعمل باليقين مع الرضا، واعلم أن مع العسر يسراً، واعلم أن مع العسر يسراً﴾ . وفي معنى هذا الحديث ما روي عن الوليد بن عبادة، قال: دخلت على أبي، وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني، واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه، قال: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله ﵎ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله - (- يقول: إن أول ما خلق الله القلم، ثُمَّ قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة، يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النَّار﴾ (٢) .

стр. 2377

٥ - ومنها: ما ورد في قصة إسماعيل وأمه وأبيه وزوجتيه: عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثُمَّ جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم، في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً (١) فيه تمر، وسقاء، فيه ماء، ثُمَّ قفى (٢) إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مراراً، وجعل لايلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا، قال: نعم. قالت: إذن لايضيعنا. وفي الرواية الأخرى: قالت: رضيت بالله. ثُمَّ رجعت فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية، حيث لايرونه، استقبل بوجه البيت، ثُمَّ دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ (٣) ، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال: يتلبط (٤) . فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثُمَّ استقبلت الوادي، تنظر هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثُمَّ سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثُمَّ أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات.

стр. 2378

قال ابن عباس: قال النبي - (-: ﴿فذلك سعي الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه - تريد نفسها - ثُمَّ تسمعت فسمعت أيضاً فقالت، قد أسمعت إن كان عندك غواث (١) ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه (٢) ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف﴾ . قال ابن عباس: قال النبي - (-: ﴿يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لولم تغرف من الماء - لكانت زمزم عيناً معيناً. قال: فشربت، وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لاتخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لايضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم (٣) ، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء (٤) ، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً (٥) ، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء؛ لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جرياً أو جريين (٦) ، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ ، فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم﴾ . قال ابن عباس: قال النبي - (-: ﴿فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربيَّة منهم، وأنفسهم، وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل، يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثُمَّ سألها عن عيشهم، وهيئتهم، فقالت: نحن بشرّ، نحن في ضيق، وشدة، فشكت إليه (٧) ﴾

стр. 2379

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يغير عتبة (١) بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس (٢) شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم. جاءنا شيخ، كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء، قالت: نعم؛ أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك. قال ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ماشاء الله. ثُمَّ أتاهم بعد، فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم وسألها عن عيشهم، وهيئتهم، فقالت: نحن بخير، وسعة، وأثنت على الله (٣) ، فقال: ما طعامكم، قالت: اللحم، قال: فما شرابكم، قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي- (-: ولم يكن لهم يومئذٍ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لايخلو عليهما أحد بغير مكة إلاَّ لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك، فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد، قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ ، قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك، ثُمَّ لبث عنهم ماشاء الله.

стр. 2380

ثُمَّ جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثُمَّ قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة (١) مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) قال: فجعلا يبنيان، حتى يدروا حول البيت، وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ (٣) . ٦ - قال أبو الدرداء ﵁: ﴿إذا قضى الله قضاء أحب أن يرضى بقضائه﴾ (٤) . ٧ - وعن أبي العلاء مطرف بن عبد الله المشهور بابن الشخير ﵁، يرفعه إلى النبي - (- قال: ﴿إذا أراد الله بعبده خيراً أرضاه بما قسم له، وبارك له فيه، وإذا لم يرد به خيراً لم يُرضه بما قسم له، ولم يبارك له فيه﴾ (٥) . ٨ - وقال الشعبي: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر، يرفعه إلى رسول الله - (- يقول: ﴿إن موسى ﵇ سأل ربه، فقال: أي رب، أي أهل الجَنَّة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجَنَّة، فيقال له: ادخل. فيقول: كيف أدخل وقد نزلوا منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ قال: فيقال له: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ ، فيقول: نعم، أي رب، قد رضيت، فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثاله، فيقول: رضيت أي رب، فيقال: فإنه لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك﴾ (٦) .

стр. 2381

٩ - وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله - (- يقول: ﴿إن من التواضع الرضا بالدون من شرف المجالس﴾ (١) . ١٠ - وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ﴿إن من رأس التواضع أن ترضى بالدون من شرف المجلس، وأن تبدأ بالسلام من لقيت، وأن تكره من المدحة والسمعة والرياء بالبر﴾ (٢) . ١١ - وروي أن عبد العزيز بن أبي رواد (٣) قال: ﴿كان يقال: من رأس التواضع الرضا بالدون من شرف المجالس﴾ (٤) . ١٢ - وجاء في كتب أهل الكتاب، في وصف أمة أحمد - (-: ﴿علماء، حكماء، أبرار، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم اليسير من العمل، يدخلهم الجَنَّة بشهادة أن لا إله إلاَّ الله﴾ (٥) . والأدلة كثيرة: منها: أدلة التوكل على الله من الكتاب والسنة؛ لأن الرضا ثمرة التوكل، وهو أعلى درجاته. ومنها: أدلة الإيمان بالقضاء والقدر، ومراتبه فإن الإيمان الصادق بقضاء الله وقدره يثمر الرضا به. ومنها: أدلة الشكر، التي منها قوله - تعالى -: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٦) ، فالشكر مقام أعلى من الرضا بالقضاء، فهو متضمن للرضا، والشكر ينتظم الرضا انتظاماً. ومنها: أدلة الفرح بفضل الله، وبرحمته، مثل قوله - سبحانه -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٧) ؛ لأن الفرح أعلى من الرضا، فالرضا داخل في الفرح. ومنها: أدلة الزهد، والقناعة، وغيرها. الرضا وفعل الأسباب العبدُ دائرٌ بين مأمور بفعله، ومحظور بتركه، فوظيفته، أو عمله، أو ما يجب فعله: فعل المأمور، واجتناب المنهي، وهو بهذا يفعل الأسباب المأمور بها، ويترك المنهي عنها.

стр. 2382

ومن الأسباب التي لابد له من فعلها - أي هو مأمور بها -: ما يحفظ حياته من الطعام، والشراب، واللباس، والمسكن، وكذلك الأسباب الموجبة لبقاء نوع الإنسان من النكاح والتسري، وما يحافظ على عقله، وماله، وغير ذلك من ضرورات الحياة، بل وكل الأمور التي تحافظ على عقله ودينه. وتعطيل شيء مِمَّا أمر الله به، أو الوقوع فيما نهى الله عنه، يفسد حياته، وآخرته. ولايكون فعل الأسباب مانعاً من الرضا، بل هي من الرضا بقضاء الله وقدره، ولايتحقق الرضا بالقضاء إلاَّ بفعل الأسباب المأمور بها. ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (١) . وقال - سبحانه -: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيْمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) .

стр. 2383

وغيرهما من الآيات الكثيرة، التي تدل على أن فعل الأسباب من الإيمان، والعمل الصالح، بكل أنواعه، وأشكاله، وكيفياته، ومنه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحب في الله، والبغض فيه وله، والجهاد في سبيل الله، وابتغاء الرزق الحلال من غير جشع، أو طمع، يوقع فيما يغضب الله، أو يخالف أمره، وشرعه، والإنفاق في وجوه الخير، وغير ذلك من العبادات: الواجبات والمسنونات والمستحبات. وكما قيل: ﴿من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه﴾ (١) . ومن قال، أو ظن، أو فهم، أن الرضا ترك التدبير، أو ترك الأسباب، فقد طعن في الشريعة التي جاء بها محمد - (-، وأن الله - عزّوجل - يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا﴾ (٢) والغنيمة: اكتساب. وقال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٣) فهذا عمل. وكان أصحاب رسول الله - (- أحرص ما يكون على العمل، ولما قال النبي - (-: ﴿ما منكم من أحد، وما من نفس منفوسة: إلاَّ كتب مكانها من الجَنَّة والنار، وإلاَّ كتبت شقية، أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، وقرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (٤) ﴾ (٥) .

стр. 2384

فالرضا والتسليم لله، والإيقان بأن قضاء الله وقدره ماض، واتباع سنة الرسول - (- في السعي فيما لابد منه من الأسباب، من مطعم ومشرب، وتحرز من عدو، وإعداد الأسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنة الله - تعالى - المعتادة: هو الحق والصواب، والخير والفلاح للعبد في ذلك، والدعاء وطلب الدواء من فعل الأسباب، التي يستحب عملها، وذلك لاينافي الرضا، أو الاتصاف بالصبر المحمود. شبهة ورد: الإلحاح في الدعاء، أو المبالغة فيه: يقدح في الرضا. والجواب: إذا كان يلح في الدعاء للحصول على أغراضه، وحظوظه العاجلة الفانية الدنيوية، مثل المال والجاه، من غير سكون القلب بما قسم الله، وغير ذلك، فإن ذلك يقدح في الرضا (١) . وأمَّا إذا ألَحّ على الله في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه، فإن ذلك لايقدح في مقام الرضا أصلاً، بل هو من الرضا بالقضاء الشرعي الديني؛ لأن الله قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) ، وقال - سبحانه -: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣) ، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤) ، وقال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٥) ، والآيات في هذا كثيرة.

стр. 2385

وفي الحديث: ﴿لما كان يوم بدر قال: نظر النبي - (- إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي - (- القبلة، ثُمَّ مد يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثُمَّ قال: ((اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلاتعبد في الأرض أبداً، قال: فما زال يستغيث ربه - عزّوجل - ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر ﵁ فأخذ رداءه، ثُمَّ التزمه من ورائه، ثُمَّ قال: يا نبي الله: كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. وأنزل الله - عزّوجل -: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) ﴾ الحديث (٢) . وكذلك الحديث السابق: ﴿ ... فاقدر لي الخير كله، ثُمَّ رضني به﴾ ، وعند الترمذي وغيره: ﴿من لايسأل الله يغضب عليه﴾ (٣) ، فإذا كان سؤال الله يرضيه، لم يكن الإلحاح فيه منافياً لرضاه (٤) . أمَّا سؤال العباد، والغضب للنفس، فإن ذلك يطفيء الرضا، ويذهب بهجته، وتبدل حلاوته مرارة، ويتكدر صفوه (٥) ومن قال من الصوفية: إن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم. فالجواب عليه: إن الطلب من الله ليس ممنوعاً، بل هو عبادة من أجل العبادات أمر الله بها كما قال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٦) . وقال : ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٧) .
следующие страницы →