Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
٩ - وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله - (- يقول: ﴿إن من التواضع الرضا بالدون من شرف المجالس﴾ (١) .
١٠ - وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ﴿إن من رأس التواضع أن ترضى بالدون من شرف المجلس، وأن تبدأ بالسلام من لقيت، وأن تكره من المدحة والسمعة والرياء بالبر﴾ (٢) .
١١ - وروي أن عبد العزيز بن أبي رواد (٣) قال: ﴿كان يقال: من رأس التواضع الرضا بالدون من شرف المجالس﴾ (٤) .
١٢ - وجاء في كتب أهل الكتاب، في وصف أمة أحمد - (-: ﴿علماء، حكماء، أبرار، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم اليسير من العمل، يدخلهم الجَنَّة بشهادة أن لا إله إلاَّ الله﴾ (٥) .
والأدلة كثيرة:
منها: أدلة التوكل على الله من الكتاب والسنة؛ لأن الرضا ثمرة التوكل، وهو أعلى درجاته.
ومنها: أدلة الإيمان بالقضاء والقدر، ومراتبه فإن الإيمان الصادق بقضاء الله وقدره يثمر الرضا به.
ومنها: أدلة الشكر، التي منها قوله - تعالى -: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٦) ، فالشكر مقام أعلى من الرضا بالقضاء، فهو متضمن للرضا، والشكر ينتظم الرضا انتظاماً.
ومنها: أدلة الفرح بفضل الله، وبرحمته، مثل قوله - سبحانه -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٧) ؛ لأن الفرح أعلى من الرضا، فالرضا داخل في الفرح.
ومنها: أدلة الزهد، والقناعة، وغيرها.
الرضا وفعل الأسباب
العبدُ دائرٌ بين مأمور بفعله، ومحظور بتركه، فوظيفته، أو عمله، أو ما يجب فعله: فعل المأمور، واجتناب المنهي، وهو بهذا يفعل الأسباب المأمور بها، ويترك المنهي عنها.
стр. 2382
ومن الأسباب التي لابد له من فعلها - أي هو مأمور بها -: ما يحفظ حياته من الطعام، والشراب، واللباس، والمسكن، وكذلك الأسباب الموجبة لبقاء نوع الإنسان من النكاح والتسري، وما يحافظ على عقله، وماله، وغير ذلك من ضرورات الحياة، بل وكل الأمور التي تحافظ على عقله ودينه.
وتعطيل شيء مِمَّا أمر الله به، أو الوقوع فيما نهى الله عنه، يفسد حياته، وآخرته.
ولايكون فعل الأسباب مانعاً من الرضا، بل هي من الرضا بقضاء الله وقدره، ولايتحقق الرضا بالقضاء إلاَّ بفعل الأسباب المأمور بها.
﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (١) .
وقال - سبحانه -: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيْمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) .
стр. 2383
وغيرهما من الآيات الكثيرة، التي تدل على أن فعل الأسباب من الإيمان، والعمل الصالح، بكل أنواعه، وأشكاله، وكيفياته، ومنه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحب في الله، والبغض فيه وله، والجهاد في سبيل الله، وابتغاء الرزق الحلال من غير جشع، أو طمع، يوقع فيما يغضب الله، أو يخالف أمره، وشرعه، والإنفاق في وجوه الخير، وغير ذلك من العبادات: الواجبات والمسنونات والمستحبات.
وكما قيل: ﴿من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه﴾ (١) .
ومن قال، أو ظن، أو فهم، أن الرضا ترك التدبير، أو ترك الأسباب، فقد طعن في الشريعة التي جاء بها محمد - (-، وأن الله - عزّوجل - يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا﴾ (٢) والغنيمة: اكتساب.
وقال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٣) فهذا عمل.
وكان أصحاب رسول الله - (- أحرص ما يكون على العمل، ولما قال النبي - (-: ﴿ما منكم من أحد، وما من نفس منفوسة: إلاَّ كتب مكانها من الجَنَّة والنار، وإلاَّ كتبت شقية، أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، وقرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (٤) ﴾ (٥) .
стр. 2384
فالرضا والتسليم لله، والإيقان بأن قضاء الله وقدره ماض، واتباع سنة الرسول - (- في السعي فيما لابد منه من الأسباب، من مطعم ومشرب، وتحرز من عدو، وإعداد الأسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنة الله - تعالى - المعتادة: هو الحق والصواب، والخير والفلاح للعبد في ذلك، والدعاء وطلب الدواء من فعل الأسباب، التي يستحب عملها، وذلك لاينافي الرضا، أو الاتصاف بالصبر المحمود.
شبهة ورد:
الإلحاح في الدعاء، أو المبالغة فيه: يقدح في الرضا.
والجواب: إذا كان يلح في الدعاء للحصول على أغراضه، وحظوظه العاجلة الفانية الدنيوية، مثل المال والجاه، من غير سكون القلب بما قسم الله، وغير ذلك، فإن ذلك يقدح في الرضا (١) .
وأمَّا إذا ألَحّ على الله في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه، فإن ذلك لايقدح في مقام الرضا أصلاً، بل هو من الرضا بالقضاء الشرعي الديني؛ لأن الله قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) ، وقال - سبحانه -: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣) ، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤) ، وقال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٥) ، والآيات في هذا كثيرة.
стр. 2385
وفي الحديث: ﴿لما كان يوم بدر قال: نظر النبي - (- إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي - (- القبلة، ثُمَّ مد يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثُمَّ قال: ((اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلاتعبد في الأرض أبداً، قال: فما زال يستغيث ربه - عزّوجل - ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر ﵁ فأخذ رداءه، ثُمَّ التزمه من ورائه، ثُمَّ قال: يا نبي الله: كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. وأنزل الله - عزّوجل -: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) ﴾ الحديث (٢) .
وكذلك الحديث السابق: ﴿ ... فاقدر لي الخير كله، ثُمَّ رضني به﴾ ، وعند الترمذي وغيره: ﴿من لايسأل الله يغضب عليه﴾ (٣) ، فإذا كان سؤال الله يرضيه، لم يكن الإلحاح فيه منافياً لرضاه (٤) .
أمَّا سؤال العباد، والغضب للنفس، فإن ذلك يطفيء الرضا، ويذهب بهجته، وتبدل حلاوته مرارة، ويتكدر صفوه (٥)
ومن قال من الصوفية: إن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم.
فالجواب عليه: إن الطلب من الله ليس ممنوعاً، بل هو عبادة من أجل العبادات أمر الله بها كما قال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٦) .
وقال : ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٧) .
стр. 2386
والاشتغال بالذكر والدعاء استغناء بما يقسمه الله للعبد ويقدره له، ويفعله به، وهو أفضل من السؤال، ويعطى الذاكر أفضل مما يعطاه السائل، كما في الحديث: ﴿من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل مِمَّا أعطي السائلين﴾ (١) .
وذلك أن السائلين سألوه، فأعطاهم الفضل الذي سألوه، أمَّا الراضون فرضوا عنه، فأعطاهم رضاه عنهم، وهذا ليس معناه أن نمنع العبد سؤال أسباب الرضى، بل إن أصحابه ملحون في سؤال الله ذلك (٢) .
منزلة الرضا وفضله
بلوغ مقام الرضا لايكون بالتحلي ولا بالتمني، كما ورد في الأثر عن الإيمان: ﴿ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل﴾ (٣) .
وليس بالادعاء والكبرياء، كما في قصة قارون لما وعظه قومه بشأن ماله، فقال لهم: إنَّما أوتيت هذه الكنوز على فضل علم عندي، علمه الله مني، فرضي بذلك عني، وفضلني بهذا المال عليكم، لعلمه بفضلي عليكم، فأنزل الله - تعالى - في ذلك: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْئلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٤) .
وفي تفسير الطبري في قوله: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ قال: ﴿لولا رضا الله عني، ومعرفته بفضلي، ما أعطاني هذا﴾ (٥) .
стр. 2387
فليس المال وكثرته وحده هو الذي يبلغ به العبد درجة الرضا، فكم مع قارون؟ وكم ملك قارون؟ وما أغنى عنه شيئاً، وما رضي عن الله، ولا بقضائه، لقد تمنى من تمنى ممن رأى قارون في زينته، وماله، وجبروته، أن يحصلوا على ما حصل عليه، فقالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (١) .
وظنوا أنه بلغ مقام الرضا، ولكن الله أخبر أن المال ليس بدليل على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة - سبحانه -، والحجة البالغة.
ولهذا لما أدرك المتمنون ما حصل لقارون، وأنه بعيد كل البعد عن رضا الله أولاً، والرضا بما أعطاه قالوا: ﴿لَوْلاَ أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) ، فلولا لطف الله بنا، وإحسانه إلينا لخسف بنا كما خسف به (٣) .
والرضا حال من أحوال أهل الجَنَّة، لايفارق صاحبه المتحلي به في الدنيا، مادام مع أمر الله راضياً بقضائه في الدنيا، وفي الآخرة، كما في الآيات والأحاديث السابقة (٤) .
فالرضا بالقضاء من تمام الإيمان بالقضاء والقدر (٥) .
والرضا غاية يسعى لها المؤمن الصادق، كما في حديث الاستخارة السابق: ﴿ ... واقدر لي الخير حيث كان ثُمَّ رضني به﴾ .
ولهذا كان النبي - (- يدعو في صلاته أن يعطيه الله الرضا بعد القضاء، كما في حديث عمار ابن ياسر ﵁ السابق: ﴿وأسألك الرضا بعد القضاء﴾ .
والرضا بالقضاء له منزلة عظيمة عند الله - تعالى -، ولذلك فإن ثوابه عظيم أيضاً، كما في الحديث، الذي أخرجه الترمذي وغيره عن أنس بن مالك ﵁: ﴿وإن الله - تعالى - إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط﴾ (٦) .
стр. 2388
فهو من منازل الشهداء، كما في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ناس إلى النبي - (- فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسونه بالليل، يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء، فيضعونه بالمسجد، ويحتطبون؛ فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة (١) ، وللفقراء، فبعثهم النبي - (- إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم؛ قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حراماً، خال أنس، من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة! فقال رسول الله - (- لأصحابه: ﴿إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا﴾ (٢) .
وهو من سعادة المؤمن في الدنيا والآخرة، كما في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: ﴿من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له﴾ (٣) .
وقيل: إن الله جعل الروح والفرح في الرضا بقضاء الله - تعالى - كما روي عن ابن مسعود ﵁ عن النبي - (- قال: ﴿لاترضين أحداً بسخط الله، ولاتحمدن أحداً على فضل الله، ولاتذمن أحداً على ما لم يرد الله، فإن رزق الله لايسوقه إليك حرص حريص، ولايرده عنك كراهة كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والراحة والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط﴾ (٤) .
و ﴿الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات﴾ (٥) .
ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين، كما في حديث جبريل ﵇ المشهور (٦) .
стр. 2389
وروي أن أبا الدرداء قال: ﴿ذروة الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب﴾ (١) .
ومقام الرضا أعلى من مقام الصبر.
قال ابن القيم ﵀: ﴿فمقامات الإيمان لاتعدم بالتنقل فيها، بل تندرج وينطوي الأدنى في الأعلى، كما يندرج الإيمان في الإحسان، وكما يندرج الصبر في مقامات الرضا، لا أن الصبر يزول، ويندرج الرضا في التفويض، ويندرج الخوف والرجاء في الحب، لا أنهما يزولان﴾ (٢) .
ثُمَّ إن الرضا من المقامات التي توصل الطمأنينة؛ لأنها مقام جامع للإنابة والتوكل والرضا والتسليم، فهي معنى ملتئم من هذه الأمور إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة، وما نقص من هذه الأمور نقص من الطمأنينة (٣) .
وكم يتمنى العبد الحصول على الطمأنينة فالرضا من الأمور التي تسبب في وصول العبد إليها، فهو باب الله الأعظم (٤) .
قال ابن القيم ﵀: ﴿ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين﴾ (٥) .
وقال ابن تيمية ﵀: ﴿وإن ارتقى إلى الرضا رأى أن الرضا جنة الدنيا، ومستراح العابدين وباب الله الأعظم﴾ (٦) .
وقال الفضيل بن عياض: ﴿الرضا عن الله درجة المقربين ليس بينهم وبين الله - تعالى - إلاَّ روح وريحان﴾ (٧) .
ومن الكلام الحسن في فضل الرضا، وبيان منزلته، ما روي عن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: ﴿أمَّا بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلاَّ فالصبر﴾ (٨) .
وما روي عن الفضيل بن عياض ﵀: ﴿الرضا أفضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لايتمنى فوق منزلته﴾ (٩) .
стр. 2390
وسئل أبو سهل محمد بن سليمان (١) عن الشكر والصبر أيهما أفضل، فقال: ﴿هما في محل الاستواء فالشكر مطية السراء، والصبر فريضة الضراء، قال: وقيل: الصبر أسنى الأمرين؛ لأن الشكر استجلاب واستدعاء، والصبر استكفاء وارتضاء، وموضع الرضا يفضل موضع الدعاء ... ﴾ (٢) .
وروي عن مجاهد عن ابن عباس: ﴿أوحى الله إلى موسى ﵇ إنك لم تتقرب إليّ بشيء أحب من الرضا بقضائي﴾ (٣) .
وقال الذهبي ﵀ في كتاب الكبائر: ﴿أجمع سبعون رجلاً من التابعين، وأئمة المسلمين، والسلف، وفقهاء الأمصار، على أن السنة التي توفي عليها رسول الله - (- أولها: الرضا بقضاء الله وقدره، والتسليم لأمره، والصبر تحت حكمه، والأخذ بما أمر الله به، والنهي عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل لله، والإيمان بالقدر، خيره وشره، وترك المراء، والجدال، والخصومات في الدين ... ﴾ (٤) اهـ.
ومِمَّا قيل في فضل الرضا بالقضاء:
وما لي من عبد ولا من وليدة
وإني لفي فضل من الله واسع
بنعمة ربي ما أريد معيشة
سوى قصد حال من معيشة قانع
ومن يجعل الرحمن في قلبه الرضا
يعش في غنى من طيّب العيش واسع
إذا كان ديني ليس فيه غميزة
ولم أشْرِه في بعض تلك المطامع
ولم أبتع الدنيا بدين أبيعه
وبائع دين الله من شر بائع
ولم تشتملني مرديات من الهوى
ولم أتخشع لامرئ ذي بضائع
جموع لشر المال من غير حله
ضنين بقول الحق للزور راتع (٥)
ومن الشعر أيضاً:
ولاتجزعي يا نفس من نازل جرى
بتقدير خلاق إله البرية
فإن الرضا والصبر في كل محنة
لمن أخلاق أصحاب النفوس الرضية (٦)
أنواع القضاء وحكم الرضا به
القضاء ثلاثة أنواع:
١ - القضاء الديني.
٢ - القضاء الكوني.
٣ - القضاء الذي هو وصف الله تعالى.
стр. 2391
وهذا النوع الثالث الذي هو وصف الله سبحانه ونفس فعله كعلمه وكتابه وتقديره ومشيئته وإرادته، فالرضا به من تمام الرضا بالله رباً وإلهاً ومالكاً ومدبراً (١) .
ولا سبيل إلى إدراك كيفية الربوبية - الصفات - بالعقول.
فلابد في ذلك من الرضا والتسليم، والإيمان والتصديق، من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢) ، وكما قال الإمام مالك بن أنس - رحمه الله تعالى - وشيخه ربيعة، ومن قبلهما، ومن بعدهما من السلف الصالح ﵏: ﴿الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة﴾ (٣) .
فالعباد لايدركون، ولايعرفون كيفية صفاته .
ومن صفاته أيضاً: الرضا، والرضا صفة الرب على ما يليق به، كما يدل عليها قوله - تعالى -: ﴿﵃﴾ (٤) ، وغيرها من الآيات، والأحاديث التي أثبت فيها لنفسه هذه الصفة، وأثبتها له رسوله (، وقد أفردت هذه الصفة ﴿صفة الرضا﴾ في بحث مستقل سميته: ﴿صفة الرضا بين الإثبات والتعطيل، وأثر الإيمان بها في حياة المسلم﴾ .
فالقضاء الذي هو الحكم، أو القدر، أو المقضي، هو إمَّا ديني، أو كوني، كما سبق، وسيكون الحديث هنا عن هذين النوعين:
أولاً: القضاء الديني:
وهو الشرعي، أو ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
فما شرعه الله لعباده، وأمرهم به، ونهاهم عنه في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله محمد - (- هو ما قضاه الله، وأمر به شرعاً، وكذلك ما نهى عنه، في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله - (-.
وما أمر به - سبحانه - أو قضاه هو المذكور في حديث شعب الإيمان ﴿فأفضلها قول: لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان﴾ (٥) .
стр. 2392
قال الله - تعالى -: ﴿وَمَآءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) ، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٢) .
وهذا القضاء هو المذكور في قول الله - تعالى -: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَي اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (٣) .
قال ابن تيمية ﵀ عن هذه الآية: ﴿وذكر الرسول هنا يبين أن الإيتاء هو الإيتاء الديني الشرعي لا الكوني القدري﴾ (٤) .
وفي الحديث الصحيح السابق عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله - (- يقول: ﴿ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً﴾ .
وفي صحيح مسلم - أيضاً - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله - (- أنه قال: ﴿من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه﴾ .
ومدار رحى الإسلام على هذين الحديثين الذي معناهما: أن يرضى العبد بعبادة ربه وحده، وأن يسخط عبادة غيره، والعبادة هي الحب مع الذل.
فكل من ذل الإنسان له - غير الله -، وأطاعه، مع حبه له، وحبه لأمره فقد عبده، وهذا شرك أكبر، لايطهره إلاَّ الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً.
وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في الحديثين هي أركان التوحيد: ألا يتخذ سواه رباً، ولا إلهاً، ولا غيره حكماً.
قال الله - تعالى -: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ (٥) .
وقال - سبحانه -: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ (٦) يعني معبوداً، وناصراً، ومعيناً، وملجأ، وهو ما يتضمن الحب والطاعة.
стр. 2393
وقال - عزّوجل -: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) .
ولو تأملت الآيات الثلاث لرأيتها نفس الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً.
فحقيقة الرضا بالله رباً ... أن يترك ويسخط عبادة ما دون الله من الآلهة الباطلة، ويعبد الله وحده حباً، وخوفاً، ورجاء، وتعظيماً، وإجلالاً.
فجميع أقوال اللسان وأعماله، وأقوال القلب وأعماله، تنبني على توحيد الله - عزّوجل - وعبادته، وسخط عبادة ما سواه.
فهو المحبوب وأمره المحبوب، وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان، كما قال رسول الله - (-: ﴿ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مِمَّا سواهما، وأن يحب المرء لايحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار﴾ (٢) .
لكن كثير من الناس يرضي بالله رباً، ولايبغي رباً سواه، لكنه لايرضى به وحده ولياً وناصراً، بل يوالي من دونه أولياء طناً منه أنهم يقربونه إلى الله، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك، وهذا عين الشرك، بل التوحيد: أن لايتخذ من دونه أولياء، والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء.
وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله، وعباده المؤمنين فيه، فإن هذا من تمام الإيمان ومن تمام موالاته.
فموالاة أوليائه لون واتخاذ الولي من دونه لون، ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه؛ لأن هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه.
وكثير من الناس يبتغي غيره حكماً، يتحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه.
وفي المنهيات وتركها الخير كل الخير للمؤمن، فإذا نهى عن شيء، ولو رأى أنه بحاجته، أو يحبه، أو غير ذلك، فإنه إن تركه تنفيذاً لنهى الله عنه، أو نهي رسوله، عوضه الله خيراً، كما في الحديث: ﴿إنك لن تدع شيئاً اتقاء لله إلاَّ أعطاك الله خيراً منه﴾ (٣) .
стр. 2394
وقال سفيان ﵀: ﴿إنه بلغني أنه ليس أحد يدع من الدنيا شيئاً لله إلاَّ عوضه الله خيراً من ذلك﴾ (١) .
فعلى المؤمن أن يرضى بطاعة الله عن معصيته، وأن يترك المعصية لله - تعالى - يكتب له الأجر، ويرضى الله عنه، فيكون له الرضى.
وقد روي عن أبي سليمان الداراني المتصوف: ﴿إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض﴾ (٢) .
قال ابن تيمية ﵀ معلقاً على هذا القول: ﴿وذلك أن العبد إنَّما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، ... ، فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق﴾ (٣) .
وهذا معناه الطمأنينة إلى أحكام الله، وأوامره، والانتهاء عما نهى الله عنه.
وقد ذم الله تارك الرضا بما أمر به، وفاعل ما نهى عنه في نصوص كثيرة منها:
قوله - تعالى -: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (٤) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (٥) .
وقوله - عزّوجل -: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٦) .
ومن الناس من يبعد عن الأمر الشرعي، ويسترسل حتى ينسلخ من الإسلام بالكلية، ويبقى واقفاً مع هواه والقدر.
ومن هؤلاء من يموت كافراً، ومنهم من يتوب فيتوب الله عليه، ومنهم من يموت فاسقاً، ومنهم من يتوب فيتوب الله عليه.
وهؤلاء ينظرون إلى الحقيقة القدرية، معرضين عن الأمر الشرعي.
стр. 2395
ولابد لهم مع ذلك من اتباع أمر ونهي غير الأمر الشرعي، إمَّا من أنفسهم، وإمَّا من غير الله ورسوله، إذ الاسترسال مع القدر مطلقاً ممتنع لذاته؛ لأن العبد مفطور على محبة أشياء، وبغض أشياء، وإن من يتولى عن الرضا بما جاء به محمد - (- فإن العقوبة ووقوع المصائب على المتولي غير بعيدة في عاجل الدنيا، فترك الرضا بأمر الله، وأمر رسوله، سبب وقوع المصائب، والعقوبات العاجلة والآجلة، كما قال الله في شأن اليهود: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (١) .
قال ابن جرير في تأويل هذه الآية: ﴿فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضا بحكمك، وقد قضيت بالحق إلاَّ من أجل أن الله يريد أن يتعجل عقوبتهم في عاجل الدنيا، ببعض ما قد سلف من ذنوبهم﴾ (٢) .
حكم الرضا بالقضاء الشرعي الديني:
الرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب من لوازم الإسلام (٣) ، بل إنه أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان.
فيجب على العبد أن يكون راضياً به بلا حرج، ولا منازعة، ولا معارضة، ولا اعتراض، يدل على ذلك قول الله : ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤) .
فقد جاء القسم في هذه الآية مؤكداً أنهم لايؤمنون حتى يحكموا رسول الله في كل شيء، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه - (- وحتى يسلموا لحكمه تسليماً ما بعده منازعة، ولا معارضة، ولا اعتراض، وهذا حقيقة الرضى بحكمه - ((٥) -.
стр. 2396
قال ابن القيم ﵀: ﴿فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان﴾ (١) .
فعلى الناس أن يرضوا بما أمر الله به، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به، كما في الآية الكريمة (٢) ، وكما في الحديث: ﴿وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب﴾ (٣) انقلبت النفوس الأمارة بالسوء إلى نفوس لوامة على المعاصي، ثُمَّ إلى نفوس راضية، وادعة، تتلقى أحكام ربها بصدور واسعة منشرحة، وهذا هو الرضا بالقضاء الديني المحبوب لله - عزّوجل - ولرسوله - (-.
стр. 2397
ولما نزلت على رسول الله - (- ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله - (- فأتوا رسول الله - (- ثُمَّ بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولانطيقها، قال رسول الله - (-: ﴿أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا، وعصينا، بل قولوا: سمعنا، وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ ، قالوا: سمعنا، وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢) ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله - تعالى - فأنزل الله - عزّوجل - ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣) قال: نعم﴾ (٤) .
стр. 2398
قال ابن القيم ﵀ في حكم الرضا بالقضاء الشرعي، أو الديني: ﴿ ... حكم شرعي ديني، فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم، وترك المنازعة، بل بالانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة، فلايعارض بذوق، ولا وجد، ولا سياسة، ولا قياس، ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلاً البتة، وإنَّما هو الانقياد المحض، والتسليم، والإذعان، والقبول، فإذا تلقى بهذا التسليم، والمسالمة، إقراراً، وتصديقاً بقي هناك انقياد آخر، وتسليم آخر، له إرادة وتنفيذاً وعملاً، فلاتكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وهذا حقيقة القلب السليم، الذي سلم من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه، كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج خلاقه تحت الأمر، واضمحل خوضه في معرفته بالحق، فاطمأن إلى الله، معرفة به، ومحبة له، وعلماً بأمر، وإرادة لمرضاته، فهذا حق الحكم الديني﴾ (١) .
﴿ولم ينازع العلماء أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب، محبب، لايجوز كراهة ذلك وسخطه، وأن محبة ذلك واجبة، بحيث يبغض ما أبغضه الله، ويسخط ما سخطه الله من المحظور، ويحب ما أحبه، ويرضى ما رضيه لله من المأمور﴾ ، كما قال الله - تعالى -: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَي اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (٢) .
ثانياً: القضاء الكوني القدري:
стр. 2399
والمراد به ما لايتعلق بالأمر والنهي، فهو القدر، أو المراد كوناً وقدراً، فما شاء الله قدراً من غير اشتراط محبته إياه، أو الرضا به، يدخل في الكوني، فيدخل فيه الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، والمحبوب والمكروه، فكل ما يقع بمشيئته الشاملة لجميع الحوادث يدخل في الكوني القدري، وهذا ما يعبر عنه المسلمون بقولهم: ﴿ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن﴾ (١) .
ومن ذلك قول ابن تيمية ﵀:
فما شاء مولانا الإله فإنه ... يكون، وما لا لايكون بحيلة (٢)
فما يكون بفعل الله قدراً، أو من فعل المخلوق بخلق الله وإرادته الكونية القدرية، فهو كوني قدري.
ولابد فيه من تحقق مراد الله - تعالى -، فما أراد الله كوناً وقع، فلا راد لهذا القضاء أبداً، قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٣) ، فما يكون من غنى أو فقر، أو راحة أو تعب، أو عافية أو سقم، أو حياة أو موت، أو إيمان أو كفر، فهو بقضاء الله وقدره الكوني.
وعلمُ ذلك قبل وقوعه وبعد وقوعه عند الله - تعالى - ومكتوب في اللوح المحفوظ، ومقدر: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ﴾ (٤) .
стр. 2400
فإذا وقع المقدر المعلوم، فهو بمشيئة الله وقدره، وإرادته: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ (١) ، ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) يخلق ما يخلقه بغير سبب معلوم لنا، أو بسبب معلوم لنا، فهو القادر - سبحانه - على أن يقول للشيء كن فيكون ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٣) .
والقضاء الكوني القدري على ثلاثة أقسام:
الأول: قسم موافق لمحبة العبد وإرادته، ورضاه، من صحة، وغنى، وعافية، ولذة.
فهذا أمر لازم بمقتضى الطبيعة، لأنه ملائم للعبد، محبوب له، فليس في الرضا به عبودية، لكن العبودية فيه مقابلته بالشكر، والاعتراف بالمنة، ووضع النعمة في المواضع التي يحب الله - تعالى - أن توضع فيها، وأن لايعصي العبد بها المنعم (٤) -.
فيجب الرضا بذلك، ويجب شكرها؛ لأن الرضا بالنعم من تمام شكرها وبركتها، كما قال الله - تعالى -: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٥) .
الثاني: ماجاء على خلاف مراد العبد ومحبته، مِمَّا لايلائمه، ولايدخل تحت اختياره.
وذلك مثل المرض، والفقر، وأذى الخلق، والحر والبرد، والآلام، ونحو ذلك من المصائب التي تصيب العبد المؤمن.
فالمؤمن من أكثر الناس بلاء، ولكنه أعظمهم قدراً، والمصائب ابتلاء، واختبار للعبد، أيرضى أم يسخط، ويبتلى المؤمن على قدر إيمانه.
وقد ورد في الحديث الصحيح: ﴿من يرد الله به خيراً يصب منه﴾ (٦) .
فمن يثبت مع المصائب، ويصبر، ويحتسب، ويرضى بقضاء الله - تعالى - وقدره، يبلغ المنى، وتكفر خطاياه، كما في الصحيح: ﴿ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلاَّ رفعه الله بها درجة، وحط بها عنه خطيئة﴾ (٧) .
وفي الحديث أيضاً: ﴿ما ضرب من مؤمن عرق إلاَّ حط الله عنه به خطيئة، وكتب له به حسنة، ورفع له به درجة﴾ (٨)
стр. 2401
وفي صحيح مسلم: ﴿ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلاَّ حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها﴾ (١)
وفي جامع الترمذي كما سبق: ﴿إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط﴾ .
وورد عن عمرو بن قيس في تفسير قول الله - تعالى -: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيْلٌ﴾ (٢) قال: ﴿الرضا بالمصيبة والتسليم﴾ (٣)
والرضا هو بحسب معرفة العبد بعدل الله، وحكمته، ورحمته، وحسن اختياره، فكلما كان بذلك أعرف كان به أرضى.
فقضاء الله - سبحانه - في عبده دائر بين العدل والمصلحة، والحكمة والرحمة، لايخرج عن ذلك البتة، كما قال رسول الهدى - (- في الدعاء المشهور عن ابن مسعود: ﴿اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، ما قالها أحد قط إلاَّ أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرجاً﴾ قالوا: أفلا نتعلمهن يا رسول الله؟ قال: ﴿بلى ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن﴾ (٤) .
فقوله - (-: ﴿عدل فيّ قضاؤك﴾ يتناول كل قضاء يقضيه الله على عبده، من عقوبة، أو ألم، وسبب ذلك فهو - سبحانه - الذي لايقضي للمؤمن قضاء إلاَّ كان خيراً له، ﴿وليس ذلك إلاَّ للمؤمن﴾ ، كما في الحديث: ﴿عجبت للمؤمن، لايقضي الله له شيئاً إلاَّ كان خيراً له﴾ (٥) .
وعن صهيب قال: قال رسول الله - (-: ﴿عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلاَّ للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له﴾ (٦) .
стр. 2402
فيدخل في ذلك الذنب بشرطه، وهو ما يترتب عليه من الآثار المحبوبة لله، من التوبة، والانكسار، والندم، والخضوع، والذل، والبكاء، وغير ذلك.
وأجر المصائب إنَّما هو على الصبر والرضا بالقضاء، لا على المصيبة: الصبر والرضا عظم التكفير والأجر، أمَّا المصيبة فقد تكون تارة كفارة لذنب يوازيها، أو دفعاً لمصيبة أعظم منها (١) ، كما في الآحاديث الآنفة الذكر، وغيرها.
وعلى هذا فالمصائب رحمة، ونعمة في حق عموم الخلق، إلاَّ أن يدخل صاحبها بسببها في معاص أعظم مِمَّا كان قبل ذلك، فتكون شراً عليه من جهة ما أصابه في دينه، فهذا تكون العافية من المصائب خير له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة المصيبة، كما أن من أوجبت له المصيبة صبراً وطاعة كانت في حقه نعمة دينية، فهي بعينها فعل الرب - عزّوجل -، رحمة للخلق، والله - سبحانه - محمود عليها (٢) .
أمَّا الجزع من القضاء، أو النياحة (٣) ، أو الحلق (٤) ، أو الشق (٥) ، أو الصلق (٦) ، فإن هذا يشعر بعدم الرضا بالقضاء، ومناف له، وترك للصبر على المصائب (٧) ، كما سيأتي - إن شاء الله -.
ويجوز التألم من الأمراض، والأوجاع، والإخبار بما يجده الإنسان من ذلك، كالإخبار بما يجده من الجوع والفقر، من غير ضجر، أو جزع، أو سخط من ذلك كله، بل للتسلية والتصبر (٨) ، قال الله - تعالى - في حال موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (٩) أي: تعباً (١٠) .
стр. 2403
وقد خرج النبي - (- ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر، وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً، فقال لها رسول الله - (-: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله - (- وصاحبيه، ثُمَّ قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية فقال له: رسول الله - (-: إياك والحلوب، فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله - (- لأبي بكر وعمر: ﴿والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثُمَّ لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم﴾ (١) .
وقال الله عنه يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
وقال الله - تعالى - عن أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ... ﴾ (٣) .
فالتألم والشكوى إلى الله، لاينافيان الرضا بالقضاء، فهما زيادة عبادة لله - تعالى -، إذا لم يصاحبهما تسخط على المقدور، ثُمَّ إن الألم لايقدر أحد على رفعه إلاَّ الله، والنفوس مجبولة على وجدان ذلك، فلايستطاع تغييرها عما جبلت عليه (٤) .
وفي صحيح البخاري (٥) أن عائشة قالت: وا رأساه ... فقال النبي - (-: ((بل أنا وا رأساه)) .
стр. 2404
قال ابن القيم ﵀: ﴿وقد أشكل على بعض الناس اجتماع الرضا مع التألم، وظن أنهما متباينان، وليس كما ظنه، فالمريض الشارب للدواء الكريه متألم به، راض به، والصائم في شهر رمضان في شدة الحر متألم بصومه، راض به ... فالتألم كما لاينافي الصبر لاينافي الرضا به. وهذا الخلاف بينهم إنَّما هو في الرضا بقضائه الكوني، وأمَّا الرضا به رباً، وإلهاً، والرضا بأمره الديني؛ فمتفق على فرضيته، بل لايصير العبد مسلماً إلاَّ بهذا الرضا، أن يرضى بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً﴾ (١) .
فإخبار المريض بشدة مرضه، وقوة ألمه جائز، إذا لم يقترن بذلك شيء مِمَّا يمنع، أو يكره، من التبرم، وعدم الرضا، وهذا أثناء المرض.
فعن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه ﵄ قال: دخلت على أبي بكر ﵁ في مرضه الذي توفي فيه، فسلمت عليه وسألته؛ كيف أصحبت؟ فاستوى جالساً، فقلت أصبحت بحمد الله بارئاً؟ قال: أمَّا إني على ما ترى وجع﴾ (٢) .
وقال عروة: دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء - يعني بنت أبي بكر وهي أمهما - وأسماء وجعة، فقال لها عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وجعة (٣) .
وإذا كان ذلك أثناء المرض فمن باب أولى جواز الإخبار بذلك بعد البرء (٤) .
شبهة وجوابها:
بعض الناس يظن أن من شرط الرضى ألا يحس بالألم والمكاره، وطعنوا فيه وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة، وإنَّما هو الصبر، وإلاَّ فكيف يجتمع الرضى والكراهة؟ وهما ضدان.
والجواب من وجوه:
١ - أنه لاتناقض بينهما، فوجود التألم، وكراهة النفس له لاينافي الرضى، كرضى المريض بشرب الدواء الكريه، ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها.
стр. 2405
٢ - أن طريق الرضى طريق مختصرة، قريبة جداً، موصلة إلى غاية، ولكن فيها مشقة، ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة، ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها، وإنَّما عقبتها همة عالية، ونفس زكية، وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من الله.
ويسهل ذلك إذا وطن نفسه على الرضا بما قدره الله عليه، ولايتكلف من الأسباب ما لا طاقة به له (١) .
وهذا القسم من الكوني أيضاً على نوعين:
النوع الأول: ما للعبد فيه استطاعة واختيار وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن:
ومثاله الجوع، والعطش، أو البرد ونحو ذلك، فإن العبد يترك الانقياد له، ومسالمته، ويدفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس ونحوه.
فإذا وقع حريق - مثلاً - في دار، أو متجر، أو مركب، فهذا بقدر الله - تعالى - والعبد لايستسلم له، ويسالمه، ويتلقاه بالإذعان، بل عليه أن ينازعه، ويدافعه بالماء والتراب، وغير ذلك مِمَّا يطفيء الحريق، وما خرج في ذلك عن قدر الله.
بل يجب أن يفعل الأسباب في عدم حصول ذلك أصلاً، كما في الحديث: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فحدث بشأنهم النبي - (-، قال: ﴿إن هذه النَّار إنَّما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم﴾ (٢) .
ومن ذلك تغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السرج عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب (٣) .
стр. 2406
وهكذا إذا أصاب المؤمن مرض، فهذا بقدر الله - تعالى - وقضائه الكوني، فإن له أن يدافعه، وينازعه بقدر الله أيضاً، فيستعمل الأدوية الدافعة للمرض، فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر، كما في قصة عمر بن الخطاب ﵁، وقوله عندما عوتب على فراره من الطاعون، وعدم دخوله أرض الشام بمن معه من الصحابة، والتابعين ﵃ جميعاً - فقالوا له: ﴿أفراراً من قدر الله؟﴾ ، فقال عمر ﵁: ﴿نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما: خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف - وكان متغيباً في بعض حاجته - فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله (يقول: ((إذا سمعتم به بأرض فلاتقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلاتخرجوا فراراً منه﴾ قال: ﴿فحمد الله عمر، ثُمَّ انصرف﴾ (١) .
قال ابن القيم ﵀: ﴿ومن لم يستبصر من هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى، فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه، وأسباب معاشه، ومصالحه الدنيوية، ولاينازع أقداره في حق مولاه، وأوامره ودينه، وهل هذا إلاَّ خروج عن العبودية، ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه﴾ (٢) .
стр. 2407
وعلى هذا، فإنه لابد أن يرضى بهذا المقضي، ولايجزع، ولايعترض على قدر الله وقضائه، وإن كره، أو تألم، أو أبغض المقدر، أو طلب تغييره إلى ما هو أحسن، مع علمه بأنه قد يكون ما أصابه من ذلك خير مِمَّا هو يحب أن يصيبه، مِمَّا ظاهره الخير، فهو غير مأمور بمدافعة القضاء الكوني ﴿وَعَسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) .
النوع الثاني: ما ليس للعبد فيه اختيار، ولا طاقة، ولا حيلة في منازعته ومدافعته.
وهذا ما أشار إليه حديث عبادة ﵁ السابق: ﴿واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾ الحديث.
فهذا لاتنفع فيه المنازعة، ولا المدافعة، فهذا يقابل بالرضا، والاستسلام، وترك المخاصمة والسخط، والعلم والإيمان بأن الأمر والحكم والقضاء لله من قبل ومن بعد، وأنه - سبحانه - له حكمة في ذلك هو يعلمها - سبحانه -، وهو عدل في قضائه، والقدر المقضي ينزل مواقعه، ويحل محله لا راد له، وذلك أوجب للرب - سبحانه - عدله، وحكمته، وعزته، وملكه، وموجب أسمائه وصفاته، فله عليه أكمل الحمد، وأتمه، والرضا، والتسليم (٢) .
وهذا ما دل عليه قوله - تعالى -: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) أي: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه (٤) .
وقال - سبحانه -: ﴿مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (٥) .
وقوله - تعالى -: ﴿وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٦) .
стр. 2408
وقوله - عزّوجل -: ﴿وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةُ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ (١) .
قال ابن القيم ﵀ بعد ذكر هذه الآيات في هذا المقام: ﴿فمن نزل هذه الآيات على هذا الحكم علماً، ومعرفة، وقام بموجبها إرادة، وعزماً، وتوبة، واستغفاراً، فقد أدى عبودية الله في هذا الحكم، وهذا قدر زائد على مجرد التسليم والمسالمة ... ﴾ (٢) .
حكم الرضا بالمصائب
تنازع العلماء، والمشائخ من أصحاب الإمام أحمد، وغيرهم في الرضا بالقضاء في المصائب، هل هو واجب، أم مستحب، على قولين:
القول الأول: أنه واجب، وعلى هذا فهو من أعمال المقتصدين، ومعنى ذلك أنه فرض وعبادة كالصبر وغيره.
القول الثاني: أنه مستحب، وعلى هذا فهو من أعمال المقربين، أي أن الرضا به قربة لله - تعالى - يتقربها العبد لربه (٣) .
وهذا بيان أدلة كل قول ومناقشتها وبيان القول الراجح:
القول بالوجوب: هو قول في مذهب الإمام أحمد (٤) ﵀ وممن ذهب إلى ذلك الإمام القرطبي المفسر ﵀ قال: ﴿فالواجب على كل امرئ الرضا بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب﴾ (٥) .
وقال ابن حجر ﵀: ﴿في قصة موسى والخضر من الفوائد: أن الله يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء، مِمَّا ينفع، أو يضر، فلا مدخل للعقل في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب على الخلق الرضا والتسليم، فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر، فلايتوجه على حكمه﴾ (٦) .
ومعنى ذلك أنه يجب الرضا بالقضاء في المصائب والأوامر معاً.
أدلة أصحاب هذا القول:
стр. 2409
١ - قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: ﴿ومن أوجبه قال: السخط حرام، ولا خلاص عنه إلاَّ بالرضا، وما لا خلاص عن الحرام إلاَّ به فهو واجب﴾ (١) .
قلتُ: فجعلوه من باب: ما لايتم الواجب إلاَّ به فهو واجب.
٢ - قالوا: إن ذلك من تمام الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً (٢) .
٣ - أنه إذا لم يكن راضياً بقضاء الله وقدره فهو ساخط، إذ لا واسطة بين الرضا والسخط، وسخط العبد على قضاء الله - تعالى - مناف لرضاه به (٣) .
٤ - أن عدم الرضا بالقضاء والقدر يستلزم سوء الظن بالله، ومنازعة في اختياره لعبده، وأن الرب - سبحانه - يختار شيئاً ويرضاه، فلايختاره العبد ولايرضاه، وهذا مناف للعبودية (٤) .
٥ - ما روي في الأثر: ﴿من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلواي فليتخذ رباً سواي﴾ (٥) .
ويجاب عن هذه الأدلة بما يلي:
١ - أن الرضا بكل ما يخلقه الله ويقضيه ليس عليه دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله - (- ولا قال به أحد من السلف، أمَّا الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، فهو واجب، دل على وجوبه الكتاب والسنة (٦) .
٢ - أن الرضا يشرع بما يرضى الله به، والله قد أخبر أنه ﴿لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٧) و ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (٨) ، وقال - تعالى -: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٩) .
وهذا أمر موجود من أقوال العباد، وقد أخبر الله أنه لايرضاه، فإذا لم يرضه كيف يأمر العبد بأن يرضاه، بل الواجب أن العبد يسخط ما يسخطه الله، ويبغض ما يبغضه، ويرضى بما يرضاه الله.
قال الله - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١٠) ، فذم من اتبع مساخطه وكره مراضيه، ولم يذم من كره مساخطه.
стр. 2410
٣ - أمَّا قوله: ﴿إنه لايتخلص من السخط على ربه إلاَّ بالرضى عنه، إذ لا واسطة بين الرضا والسخط﴾ .
فكلام مدخول؛ لأن السخط بالمقضي لايستلزم السخط على من قضاه، كما أن كراهة المقضي وبغضه، والنفرة عنه، لاتستلزم تعلق ذلك بالذي قضاه وقدره، فالمقضي قد يسخطه وهو راض عمن قضاه وقدره، بل قد يجتمع تسخطه والرضا بنفس القضاء (١) ، فالسخط شيء، والشكاية شيء آخر.
٤ - قولهم: ﴿إنه يستلزم سوء ظن العبد بربه، ومنازعته له في اختياره﴾ .
فليس كذلك، بل هو حسن الظن بربه في الحالتين، فإنه إنَّما يسخط المقدور وينازعه بمقدور آخر، كما ينازع القدر الذي يكرهه ربه بالقدر الذي يحبه ويرضاه، فينازع قدر الله بقدر الله بالله لله، كما يستعيذ برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، ويستعيذ به منه.
فأمَّا ﴿كونه يختار لنفسه خلاف ما يختاره الرب﴾ فهذا موضع تفصيل لايسحب عليه ذيل النفي والإثبات، فاختيار الرب - تعالى - لعبده نوعان:
أحدهما: اختيار ديني شرعي، فالواجب على العبد أن لايختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده، قال - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) ، فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه وتسليمه، ورضاه بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً.
النوع الثاني: اختيار كوني قدري، لايسخطه الرب، كالمصائب التي يبتلي الله بها عبده، فهذه لايضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه، ويرفعها ويكشفها، وليس في ذلك منازعة للربوبية، وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر، وكما تقدم عن عمر وأبي عبيدة ﵄.
فهذا يكون تارة واجباً، وتارة يكون مستحباً، وتارة يكون مباحاً مستوي الطرفين، وتارة يكون مكروهاً، وتارة يكون حراماً.
стр. 2411
وأمَّا القدر الذي لايحبه ولايرضاه - مثل قدر المعائب والذنوب - فالعبد مأمور بسخطها، ومنهي عن الرضا بها، وهذا هو التفصيل الواجب في الرضا بالقضاء (١) .
٥ - أن الأثر المستدل به من الآثار الإسرائيلية، فلاتقوم الحجة به؛ لأنه لايعرف ثبوته عن الله، وليس يصح عن النبي - ((٢) -.
القول بالاستحباب: قال أصحابه: الرضا بالمصائب مستحب، وليس بواجب، وهذا قول أكثر العلماء (٣) ، وهو قول في مذهب الإمام أحمد (٤) .
أدلة أصحاب هذا القول:
١ - قالوا: الإيجاب يستلزم دليلاً شرعياً على الوجوب ولا دليل على ذلك (٥) .
٢ - أن الرضا من القرب التي يتقرب بها، وليس من الفرائض، أو الواجبات، كما قال الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀: ﴿الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن﴾ (٦) .
٣ - قالوا: لم يجئ الأمر بالرضا في القرآن الكريم، ولا في السنة المطهرة، مثل الصبر، فالصبر أمر الله به في مواضع كثيرة من كتابه - سبحانه -، وأمَّا الرضا فلم يأمر به في آية واحدة (٧) .
٤ - أن القول بوجوبه يلزم منه الرضا بما حرم الله، مثل الرضا بمصيبة الكفر والفسوق وغيرهما (٨) من القضاء الكوني القدري.
٥ - أنه قد روي عن ابن عباس يرفعه: ﴿إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً﴾ (٩) .
وهذا فيه الحث على الرضا لا الأمر به (١٠) .
٦ - أن المأمور به هو الرضا المشروع الديني، ولم يأمرنا بالرضا بالمقدور الكوني (١١) .
٧ - قالوا: أجمع العلماء على أنه مستحب، مؤكداً استحبابه (١٢) ، قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ﴿وأكثر العلماء على أن الرضا بذلك مستحب وليس بواجب﴾ (١٣) .
والصحيح أن المصائب هي قضاء الله ومنسوبة إليه على وجهين:
стр. 2412
الأول: كونها فعل الله القائم بذاته - تعالى -، فهذا يجب الرضا به، والتصديق والتسليم له، ومن ذلك عدل الله، وحكمته، وقدرته، وعلمه - سبحانه - وخلقه، فالرضا بالمصائب من هذا الوجه واجب لاشك في ذلك.
الثاني: المقضي المنفصل عن الله، المفعول له، فهذا قسمان: مصائب ومعائب، فالمعايب لاشك أنه يحرم الرضا بها، كما سيأتي.
وأمَّا ما يصيب الإنسان فقسمان - أيضاً -: ما كان من صحة وغنى ولذة وغيرها من النعم، وهذا القسم يجب الرضا به، وأنه فضل وإحسان من الله يحمد عليه ويشكر.
وأمَّا ما يصيب العبد المؤمن من فقر، ومرض، وجوع، وأذى، وحر وبرد، وغير ذلك مِمَّا يكرهه ويبغضه العبد، فيستحب الرضا به، ولو عمل الأسباب لتغييره إلى ما هو أحسن.
والأدلة على استحباب ذلك كثيرة هي ما ذكره أصحاب القول الثاني وغيرها كثير:
منها: أن الله أثنى على أهل الرضا بقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١) فأثنى عليهم ولم يوجب ذلك عليهم (٢) ، قال ابن القيم ﵀: ﴿وأمَّا الرضا فإنَّما جاء في القرآن مدح أهله، والثناء عليهم لا الأمر به﴾ (٣) .
стр. 2413
ومن ذلك: ما ورد في القرآن الكريم من مدح الراضين بما يفعله الله بعبده من المصائب، كقوله - تعالى -: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَي الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلا ةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولائِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولائِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) والبأساء: الفقر، والضراء: المرض، وحين البأس: حين القتال (٢) .
وقوله - تعالى -: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٣) .
قال ابن تيمية ﵀: ﴿البأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، والزلزال في القلوب﴾ (٤) .
الرضا بالمعاصي
القسم الثالث: وهو الجاري باختيار العبد، وقضاء الرب، مِمَّا يكرهه الله ويسخطه، وينهى عنه، وهو ما يسمى: الرضا بالمعصية:
стр. 2414
لقد فتح إبليس لكثير من الناس باب الأهواء، فلايتوبون، ولايستغفرون، ولايرون إلاَّ أنهم على الحق، وهو يرضى بذلك منهم دائماً (١) ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ (٢) أي: هيأنا لهم شياطين، أو سلّطنا عليهم قرناء، يزينون لهم المعاصي، وهم من الجن ومن الإنس أيضاً، فآثروا المعاصي على أمر الله، وركنوا إلى أعمالهم في الدنيا، ونسوا الآخرة، فوجب عليهم العذاب، فكانوا من الخاسرين لأعمالهم في الدنيا، وأنفسهم وأهليهم في الآخرة (٣) ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٤) .
بل إن الشيطان يحب أن يرى العبد يفعل ما يرضيه، ويفرحه، كما ورد في معنى حديث: ﴿إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب﴾ (٥) ، فالشيطان يحب التثاؤب ويرضى به، لأنها حالة تتغير فيها صورته فيضحك منه (٦) ، ﴿والتثاؤب من الشيطان﴾ (٧) .
والمعاصي والمنكرات أمور مضرة للعاصي ولغيره، ومع ذلك يبقى بعض الناس معها ومع طبعه وذوقه، وينسلخ عن دين الله، ورُبَّما دخل في الشرك الأكبر كالقول بوحدة الوجود، أو الاتحاد والحلول المطلق، أو يقول بالحلول والاتحاد في بعض المخلوقات، كالمسيح ﵇ في زعم النصارى أو علي ﵁ في زعم الإسماعيلية النصيرية - أو غيرهما - كالدروز عبدة الحاكم بأمر الله -، أو المشايخ، أو بعضهم، أو الملوك، أو المردان - عياذاً بالله -.
стр. 2415
فيقول بحلول الإله في الصور الجميلة، ويعبدها، ومنهم من يتدين فقط بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب والمردان، وغير ذلك، ويزعم أن هذا من الجمال الذي يحبه الله، فهو يحبه فيلبس المحبة الطبيعية له المحرمة بالمحبة الدينية الشرعية، ويجعل ما حرمه الله - تعالى - مِمَّا يقرب إليه، كما قال الله عنهم، وعن أمثالهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَآءَابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) .
وبعض الناس يبرر ما هو عليه من معاصٍ بادعاء أن الإيمان في القلب، ويستدل بما ثبت في الصحيح: ﴿إن الله لاينظر إلى صوركم وأموالكم؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم﴾ (٢) .
وما أكثر من يتعبد الله بما حرمه الله عليه، ويعتقد أنه طاعة وقربة، وحاله في ذلك شرٌّ من حال مَنْ يعتقد ذلك معصية وإثْماً، ويبغض مع ذلك مخالفه في هذه المحرمات والبدع المنكرة، بل ويشتد غضبه عليه كما قيل:
نظروا بعين عداوة لو أنها ... عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا (٣)
وقيل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا (٤)
وهذا استقباح للحق، ورضى بالباطل، والبدعة، والمعصية.
وفيه شبه بالنصارى الضالين، الذين يتعبدون بما لايصدقه عقل عاقل، وينكرون على أهل الحق ما نص عليه المشرع، وتجوزه العقول (٥) .
قال سفيان الثوري ﵀: ﴿إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لايتاب منها، والمعصية يتاب منها﴾ (٦) .
وقد تتمكن المعصية من القلب فيرضى بها صاحبها، بل ويغلو في ذلك، وذلك على حساب دينه، وصحته، وعقله، فيصير مثله مثل من قال في جاريته:
أرى ماء وبي عطش شديد
ولكن لا سبيل إلى الورود
أما يكفيك أنك تملكيني
وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي
стр. 2416
لقلت من الرضا أحسنت زيدي (١)
وإيواء أهل المعاصي رضى بالمعصية، وتعاوناً عليها، والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) .
وعن أبي الطفيل؛ عامر بن واثلة قال: كنت عند علي بن أبي طالب فأتاه رجل فقال: ما كان النبي - (- يسر إليك؟ قال: فغضب وقال: ما كان النبي - (- يسر إليّ شيئاً يكتمه الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، قال: فقال ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: ﴿لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منارالأرض﴾ (٣) .
فمن نصر جانياً وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه فقد رضي بفعله.
فالإيواء فيه الرضا به والصبر عليه.
وإذا رضي أحد بالبدعة، وأقر فاعلها، ولم ينكرها، فقد آواه (٤) ، وخالف بذلك أمر الله - تعالى - وأمر رسوله - (- فهو مأمور بالإنكار، ويستلزم عدم الإيواء، أو الرضا بالمنكر، أو البدعة، وإذا لم ينكر، فإنه يتحمل تبعة تقصيره، ويكون قد رضي بالمعصية.
عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله - (- قال: ﴿ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع﴾ قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ﴿لا، ما صلوا﴾ (٥) .
فقوله: ﴿ولكن من رضي وتابع﴾ دليل على وجوب ترك الإيواء أو الرضا بالمعصية.
وقريب من هذا معاشرة أهل البدع، وأهل الفسق والعصيان، ومنادمتهم، وتقريبهم، وإقصاء أهل الإيمان، وأهل الطاعة، وهذه تسمى مداهنة.
والأولى بالمسلم أن لايداهن أهل العصيان، ويرضى بما هم عليه من الفسوق، ويسكت سكوت راض بما هم فيه من غير إنكار.
стр. 2417
صحيح أن مداراة الناس، وخفض الجناح لهم، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، من أقوى أسباب الألفة، وقبول الحق، وهي مندوبة، كما في النصوص الشرعية الموضحة لذلك، مثل:
١ - قوله - تعالى - في خطاب الرسول - (-: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) .
٢ - وقوله - سبحانه -: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) .
٣ - وقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣) .
فالرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لايظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك أمر مطلوب مستحب.
أمَّا الرضا بوقوع المعصية من العبد، والسكوت على ذلك، وتأييده ولو بغير تصريح، فإن هذا من الرضا بمعصية الله، وهذا مخالف لأمر الله، وأمر رسوله - ((٤) -.
قال رسول الله - (-: ﴿إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، وقال مرة: فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها﴾ (٥) .
وهذه مسألة عظمى؛ لأن الرضا بالمعصية معصية (٦) ، فقد جاء رجل إلى الشعبي فحسن عنده مقتل عثمان ﵁ فقال الشعبي: ﴿شركت في دمه﴾ (٧) .
فجعل الرضا بالقتل قتلاً ﵁.
قال الله - تعالى -: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْءَايَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٨) .
стр. 2418
فهذا دليل على وجوب اجتناب أهل المعاصي إذا ظهر منهم منكر، وهذا عدم الرضا بالمعصية؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، كما دل عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ فكل من جلس في معصية ولم ينكرها يكون مع أهلها في وزرهم، فينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية، أو عملوها، فإن لم يستطع الإنكار، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لايكون من أهل هذه الآية.
يروى أن عمر بن عبد العزيز ﵁ أخذ قوماً يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب (١) ، وقرأ هذه الآية ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ (٢) أي: إن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم.
ولاشك أن هذه المماثلة ليست في جميع الصفات، لكن إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، وقد قال الشاعر:
عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي (٣)
فتجنب أهل الأهواء والبدع واجب لغير الناصح والمعلم لهم، وليس مثلهم في الأهواء والبدع، لقوله - تعالى -: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (٤) .
ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله - (- آية ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضي مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها، ﴿فهذا أصل يجب أن يعتنى به﴾ (٥) .
فالرضا بالمعاصي محرم يعاقب صاحبه عليه، وهو مخالفة لأمر الله - تعالى - وأمر رسوله - (-.
﴿وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقاً، وتسخط من جهة كونها إلى العبد فعلاً، وكسباً، وهذا القول لاينافي الذي قبله﴾ (٦) .
فالأصل واحد، وهو إنَّما قدر - سبحانه - الأشياء لحكمة، فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية، وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة (٧) .
стр. 2419
فالذي عليه أئمة الدين أنه لايجوز الرضا بالكفر والفسوق والعصيان، فعلى المسلم أن لايرضى بذلك؛ لأن الله لايرضاه، كما قال - سبحانه -: ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٢) .
وقال - عزّوجل -: ﴿فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣) .
وقال - سبحانه -: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٤) .
وقال - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (٥) .
وقال - تعالى -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ (٦) .
وقال - سبحانه -: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٧) .
وقال - تعالى -: ﴿فَلَمَّآءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٨) .
فإذا كان الله - سبحانه - لايرضى لهم ما عملوه، بل يسخط ذلك، وهو يسخط عليهم، ويغضب عليهم، فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك، وأن لايسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه.
ومن المعلوم أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، وقد أمرنا الله أن نأمر بالمعروف، ونحبه، ونرضاه، ونحب أهله، ونهى عن المنكر، وأمرنا أن ننهى عنه، ونبغضه، ونسخطه، ونبغض أهله، ونجاهدهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، فكيف نتوهم أنه ليس في المخلوقات ما نبغضه ونكرهه، وقد قال الله - تعالى - لما ذكر من المنهيات: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٩) ، فإذا كان الله يكرهها وهو المقدر لها فكيف لايكرهها ويبغضها العبد المأمور بذلك (١٠) ؟ .
стр. 2420
قال الله - تعالى -: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (١) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (٢) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (٣) .
فبين أنه يرضى الدين الذي أمر به، فلو كان يرضى كل شيء لما كان له خصيصة.
وفي الصحيحين عن النبي - (- أنه قال: ﴿ ... إن من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته﴾ (٤) ، وقال - (-: ﴿إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله﴾ (٥) ، ولابد في الغيرة من كراهة ما يغار منه وبغضه.
وبهذا التفصيل يتبين الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس.
بعض ما ينافي الرضا بالقضاء
١ - الاعتراض على قضاء الله الشرعي:
والاعتراض قد يكون على قضاء الله الديني الشرعي، وقد يكون على قضاء الله الكوني القدري، وخاصة ما يخالف ما يحب العبد ويهوى.
فمن الأول: ما ورد عن المنافقين الذين قالوا في غنائم حنين: ﴿إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله﴾ ، ونحو ذلك.
فهذا الاعتراض معصية لله ولرسوله - (- يخاف على صاحبه النفاق وإن لم يكن منافقاً، وهو ينافي الرضا بقضاء الله الشرعي الديني (٦) .
وأعظم من ذلك سب النبي - (- وهذا من أعظم الاعتراض على الله وعلى قضائه الشرعي، والتكذيب بالقدر، ومن أظهر الاعتراض على النبي - ((٧) -
следующие страницы →