لقلت من الرضا أحسنت زيدي (١)
وإيواء أهل المعاصي رضى بالمعصية، وتعاوناً عليها، والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) .
وعن أبي الطفيل؛ عامر بن واثلة قال: كنت عند علي بن أبي طالب فأتاه رجل فقال: ما كان النبي - (- يسر إليك؟ قال: فغضب وقال: ما كان النبي - (- يسر إليّ شيئاً يكتمه الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، قال: فقال ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: ﴿لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منارالأرض﴾ (٣) .
فمن نصر جانياً وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه فقد رضي بفعله.
فالإيواء فيه الرضا به والصبر عليه.
وإذا رضي أحد بالبدعة، وأقر فاعلها، ولم ينكرها، فقد آواه (٤) ، وخالف بذلك أمر الله - تعالى - وأمر رسوله - (- فهو مأمور بالإنكار، ويستلزم عدم الإيواء، أو الرضا بالمنكر، أو البدعة، وإذا لم ينكر، فإنه يتحمل تبعة تقصيره، ويكون قد رضي بالمعصية.
عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله - (- قال: ﴿ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع﴾ قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ﴿لا، ما صلوا﴾ (٥) .
فقوله: ﴿ولكن من رضي وتابع﴾ دليل على وجوب ترك الإيواء أو الرضا بالمعصية.
وقريب من هذا معاشرة أهل البدع، وأهل الفسق والعصيان، ومنادمتهم، وتقريبهم، وإقصاء أهل الإيمان، وأهل الطاعة، وهذه تسمى مداهنة.
والأولى بالمسلم أن لايداهن أهل العصيان، ويرضى بما هم عليه من الفسوق، ويسكت سكوت راض بما هم فيه من غير إنكار.
стр. 2417
صحيح أن مداراة الناس، وخفض الجناح لهم، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، من أقوى أسباب الألفة، وقبول الحق، وهي مندوبة، كما في النصوص الشرعية الموضحة لذلك، مثل:
١ - قوله - تعالى - في خطاب الرسول - (-: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) .
٢ - وقوله - سبحانه -: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) .
٣ - وقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣) .
فالرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لايظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك أمر مطلوب مستحب.
أمَّا الرضا بوقوع المعصية من العبد، والسكوت على ذلك، وتأييده ولو بغير تصريح، فإن هذا من الرضا بمعصية الله، وهذا مخالف لأمر الله، وأمر رسوله - ((٤) -.
قال رسول الله - (-: ﴿إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، وقال مرة: فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها﴾ (٥) .
وهذه مسألة عظمى؛ لأن الرضا بالمعصية معصية (٦) ، فقد جاء رجل إلى الشعبي فحسن عنده مقتل عثمان ﵁ فقال الشعبي: ﴿شركت في دمه﴾ (٧) .
فجعل الرضا بالقتل قتلاً ﵁.
قال الله - تعالى -: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْءَايَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٨) .
стр. 2418
فهذا دليل على وجوب اجتناب أهل المعاصي إذا ظهر منهم منكر، وهذا عدم الرضا بالمعصية؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، كما دل عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ فكل من جلس في معصية ولم ينكرها يكون مع أهلها في وزرهم، فينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية، أو عملوها، فإن لم يستطع الإنكار، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لايكون من أهل هذه الآية.
يروى أن عمر بن عبد العزيز ﵁ أخذ قوماً يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب (١) ، وقرأ هذه الآية ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ (٢) أي: إن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم.
ولاشك أن هذه المماثلة ليست في جميع الصفات، لكن إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، وقد قال الشاعر:
عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي (٣)
فتجنب أهل الأهواء والبدع واجب لغير الناصح والمعلم لهم، وليس مثلهم في الأهواء والبدع، لقوله - تعالى -: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (٤) .
ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله - (- آية ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضي مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها، ﴿فهذا أصل يجب أن يعتنى به﴾ (٥) .
فالرضا بالمعاصي محرم يعاقب صاحبه عليه، وهو مخالفة لأمر الله - تعالى - وأمر رسوله - (-.
﴿وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقاً، وتسخط من جهة كونها إلى العبد فعلاً، وكسباً، وهذا القول لاينافي الذي قبله﴾ (٦) .
فالأصل واحد، وهو إنَّما قدر - سبحانه - الأشياء لحكمة، فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية، وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة (٧) .
стр. 2419
فالذي عليه أئمة الدين أنه لايجوز الرضا بالكفر والفسوق والعصيان، فعلى المسلم أن لايرضى بذلك؛ لأن الله لايرضاه، كما قال - سبحانه -: ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٢) .
وقال - عزّوجل -: ﴿فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣) .
وقال - سبحانه -: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٤) .
وقال - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (٥) .
وقال - تعالى -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ (٦) .
وقال - سبحانه -: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٧) .
وقال - تعالى -: ﴿فَلَمَّآءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٨) .
فإذا كان الله - سبحانه - لايرضى لهم ما عملوه، بل يسخط ذلك، وهو يسخط عليهم، ويغضب عليهم، فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك، وأن لايسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه.
ومن المعلوم أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، وقد أمرنا الله أن نأمر بالمعروف، ونحبه، ونرضاه، ونحب أهله، ونهى عن المنكر، وأمرنا أن ننهى عنه، ونبغضه، ونسخطه، ونبغض أهله، ونجاهدهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، فكيف نتوهم أنه ليس في المخلوقات ما نبغضه ونكرهه، وقد قال الله - تعالى - لما ذكر من المنهيات: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٩) ، فإذا كان الله يكرهها وهو المقدر لها فكيف لايكرهها ويبغضها العبد المأمور بذلك (١٠) ؟ .
стр. 2420
قال الله - تعالى -: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (١) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (٢) .
وقال - سبحانه -: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (٣) .
فبين أنه يرضى الدين الذي أمر به، فلو كان يرضى كل شيء لما كان له خصيصة.
وفي الصحيحين عن النبي - (- أنه قال: ﴿ ... إن من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته﴾ (٤) ، وقال - (-: ﴿إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله﴾ (٥) ، ولابد في الغيرة من كراهة ما يغار منه وبغضه.
وبهذا التفصيل يتبين الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس.
بعض ما ينافي الرضا بالقضاء
١ - الاعتراض على قضاء الله الشرعي:
والاعتراض قد يكون على قضاء الله الديني الشرعي، وقد يكون على قضاء الله الكوني القدري، وخاصة ما يخالف ما يحب العبد ويهوى.
فمن الأول: ما ورد عن المنافقين الذين قالوا في غنائم حنين: ﴿إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله﴾ ، ونحو ذلك.
فهذا الاعتراض معصية لله ولرسوله - (- يخاف على صاحبه النفاق وإن لم يكن منافقاً، وهو ينافي الرضا بقضاء الله الشرعي الديني (٦) .
وأعظم من ذلك سب النبي - (- وهذا من أعظم الاعتراض على الله وعلى قضائه الشرعي، والتكذيب بالقدر، ومن أظهر الاعتراض على النبي - ((٧) -
стр. 2421
وقريب من ذلك الاعتراض على سنة من سنن الرسول - (-، فهذا الاعتراض مناف للرضا بالقضاء، ومعارض لقول المسلم: ﴿رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً﴾ ، قال الله - تعالى - محذراً من ترك الرضا بحكم الرسول - (-: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) .
وهذا تعريف من الله - تعالى - ذكره للمنافقين، بأن تركهم طاعة الله وطاعة رسوله - (- والرضا بحكمه إنَّما هو للسابق لهم من خذلانه، وغلبة الشقاء عليهم، ولولا ذلك لكانوا ممن أُذن له في الرضا بحكمه والمسارعة إلى طاعته (٢) .
وقال - سبحانه -: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) ، فأقسم بنفسه - سبحانه - على نفى إيمان من لم يجمع ثلاثة أمور هي: تحكيمه فيما شجر بينهم، ثُمَّ أن لايجد في نفسه حرجاً، والتسليم.
وهذا يوجب أنه ليس في أمره ونهيه ما يوجب الحرج عن امتثال ذلك، فإن حكمه لابد فيه من أمر ونهي وإن كان فيه إباحة أيضاً، فلو كان المأمور به والمنهي عنه مضرة للعبد، ومفسدة، وألماً بلا لذة راجحة، لم يكن العبد ملوماً على وجود الحرج فيما هو مضرة له ومفسدة.
فعلى المؤمن أن يحب ما أحب الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويرضى بما قدره الله (٤) ، ويسلم لحكم رسول الله - (-، وكل مقدور قدر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسوله، وإنَّما يكون شراً لمن عمل بمعصية الله ورسوله.
٢ - ترك التوكل ترك لأمر الله في آيات كثيرة:
منها قوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٥) .
стр. 2422
ومن لم يفوض أمره إلى الله، ويعمل الأسباب متوكلاً على الله فليس براض عن الله، أو عن قضاء الله وقدره، وفي الأثر: ﴿من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ... ، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده﴾ (١) .
٣ - السخط:
والسخط ضد الرضا، وفيه شقاوة الساخط، كما في الحديث الذي مرّ ﴿ومن شقاوة العبد تركه الاستخارة، وسخطه بما قسم الله له﴾ .
وقد جعل الله فيه الهم والغم والحزن، وشتات القلب، وكف البال، وسوء الحال، والظن بالله خلاف ما هو أهله، وقلة اليقين، كما في حديث أبي سعيد الخدري السابق، قال: قال رسول الله - (-: ﴿إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ... ﴾ .
وأمَّا الرضا فيفرغ القلب، ويقلل همه وغمه، فيتفرغ لعبادة الله بقلب خفيف من أثقال الدنيا، وهمومها، وغمومها (٢) .
والسخط من سوء الخلق (٣) ؛ لأن الساخط مخاصم لله - تعالى - فيما لم يرض به، من أمره ونهيه، أو قضائه ورزقه، وما يصيبه من نوائب ومصائب.
وهذه المخاصمة هي أصل منهج إبليس مع ربه، فقد كان منهجه: عدم الرضا بأقضيته وأحكامه الدينية والكونية القدرية، فلو رضي لم يمسخ من الحقيقة الملكية إلى الحقيقة الشيطانية الإبليسية (٤) .
والسخط يفتح باب الشك في الله، وقضائه وقدره، وحكمته وعلمه، فقل أن يسلم الساخط من شك يداخل قلبه، ويتغلغل فيه، وإن كان لايشعر به، لكن لو فتش نفسه غاية التفتيش، واختبرها، لوجد إيمانه معلولاً، وتصديقه مدخولاً ورضاه منقوضاً، فإن الرضا واليقين صاحبان لايكادان يفترقان، كما أن السخط والشك قرينان؛ أحدهما قرين الآخر (٥) .
وهذا ما دل عليه الحديث السابق إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل.
وكذلك حديث ﴿من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله﴾ (٦) .
стр. 2423
فالرضا بالقضاء من أسباب السعادة، والسخط على القضاء من أسباب الشقاوة.
والسخط يوجب اضطراب قلب العبد وريبته وانزعاجه وعدم قراره، كما أنه يوجب تلون العبد وعدم ثباته مع الله، فإنه لايرضى إلاَّ بما يلائم طبعه ونفسه، والمقادير تجري دائماً بما يلائمه، وبما لايلائمه، وكلما جرى عليه منها ما لايلائمه أسخطه، فلاتتحقق عبوديته لله - تعالى -.
فإذا ابتلى الله عبده في رزقه، أو غير ذلك من أمور حياته، فإنَّما ذلك امتحان له أيرضى أم يسخط، يدل على ذلك آيات منها: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ (١) .
لأن الإكرام والإهانة لايدوران على المال وسعة الرزق، ونحو ذلك، فقد يوسع على الكافر لا لإكرامه، ويقتر على المؤمن لا لإهانته، لكن لحكمة هو يعلمها - سبحانه -، وقد يكون إكراماً له ومنعاً من شر الغنى كما تقدم.
٤ - الحزن على مافات:
قال الله - تعالى -: ﴿لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآءَاتَاكُمْ﴾ (٢) ، فهذه دعوة للعباد إلى ترك الحزن على الدنيا، بل نهى الله عنه، وإن تعلق بالدين، كقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ (٣) ؛ لأنه لايجلب منفعة، ولايدفع مضرة، فلا فائدة فيه (٤) .
أمَّا الحزن على موت قريب، أو فوات عبادة، أو نحو ذلك مِمَّا ليس فيه طمع أو سخط أو اعتراض على المقدر، فهو رحمة من الله، وهو حزن القلب، وحزن القلب لايؤاخذ به العبد إذا لم يصحبه اعتراض على قدر الله - تعالى -، فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - حزنوا، ولم يكن ذلك دليلاً على عدم يقينهم بالله، ورضاهم بقضائه.
стр. 2424
والنبي - (- لما كان ابنه إبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا النبي - (- تذرفان، فقال له عبد الرحمن ابن عوف وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف إنها رحمة الله، ثُمَّ أتبعها بأخرى، فقال: ﴿إن العين تدمع والقلب يحزن ولانقول إلاَّ ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنونون﴾ (١) .
ولما اشتكى سعد بن عبادة ﵁ فأتاه النبي - (- يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهم -، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله، فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي - (-، فلما رأى القوم بكاء النبي - (- بكوا، فقال - (-: ﴿ألا تسمعون إن الله لايعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ... ﴾ (٢) .
وأمَّا ما نهى عنه من الحزن في مثل قول الله - تعالى -: ﴿ ... وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٣) ، وقوله سبحانه: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٤) وغيرهما من الآيات إنَّما هو نهي عن الحزن مقرون بما يوجب زواله، ثُمَّ إنه لم يوجد هذا الحزن المنهي عنه، بل النهي لئلا يوجد هذا النوع من الحزن الذي رُبَّمَا يكون معصية، أو ينهى عن الافراط فيه، أو قد يكون تسلية أو أمراً باكتساب قوة تدفعه عنه؛ ليثاب على ذلك (٥) .
فالحزن الذي لايخرج الإنسان من كونه صابراً راضياً، أي كان قلبه مطمئناً فإنه لايؤاخذ عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ﴿ولهذا لم يؤمر بالحزن المنافي للرضا قط، مع أنه لا فائدة فيه، بل قد يكون فيه مضرة، لكنه عفي عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله﴾ (٦) .
٥ - النياحة:
стр. 2425
ومِمَّا يضاد الرضا وينافيه النوح من النساء، أو الرجال، وهو عادة يكون من النساء عند القبور، وعند نزول المصائب، وهذا من الجزع والاعتراض على القضاء، لما يصحبه من صك الوجه، أو لطم الخد، أو الدعاء بالويل والثبور، أو سب الدهر عند المصيبة، أو رفع الصوت بالبكاء والويل، اعتراضاً على القضاء والقدر، عند موت محبوب، أو قريب، أو فوات أمر دنيوي، وغير ذلك مِمَّا نهى عنه النبي - (- في مثل قوله: ﴿ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية﴾ (١) .
وما في الصحيح أن أبا موسى الأشعري ﵁ وجع وجعاً شديداً، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: ﴿أنا برئ ممن برئ منه رسول الله - (- فإن رسول الله - (- برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة﴾ (٢) .
والنياحة ضلال عظيم، تتضمن فعل ما نهى الله عنه، وترك ما أمر به، ففيها ترك الصبر، وفيها الجزع، وقول الهجر، ودعاء غير الله، وترك إخلاص الدين لله (٣) .
والنائحة تعاقب على النياحة، كما في الحديث الصحيح عن أبي مالك الأشعري أن النبي - (- قال: ﴿أربع في أمتي من أمر الجاهليَّة لايتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب﴾ (٤) .
والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة.
ولذلك فإن الميت المناح عليه، إذا رضي بذلك وهو في حياته، أو أوصى به، أو دعا إليه، ولم ينه عنه، فإن له نصيبه من عذاب النياحة، لما ورد في الحديث: ﴿إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه﴾ (٥) .
بل قد عد أهل العلم: صناعة الطعام من أهل الميت، ودعوة الناس إليه من النياحة.
стр. 2426
والاجتماع لهذا في حد ذاته من النياحة (١) .
فالنياحة وما يحفها ويقترن بها من المخالفات الشرعية تنافي الرضا بالقضاء، وهي أيضاً من التسخط الذي هو ضد الرضا.
ومِمَّا يحدث الشيطان لفئة من الناس - وهم الرافضة - بدعتي الحزن والنوح يوم عاشوراء، من اللطم، والصراخ، والبكاء، والعطش، وإنشاد المراثي، وما يفضي إليه ذلك من سب السلف الصالح، ولعنهم ... إلخ.
وهذا من الجزع والنياحة للمصائب القديمة، وهو من أعظم ما حرم الله ورسوله، ويخالف الرضا بالقضاء، وينافيه (٢)
أمَّا البكاء على الميت حين وفاته، على وجه الرحمة، فقد أخبرنا النبي - (- أنها ﴿رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنَّما يرحم الله من عباده الرحماء﴾ (٣) .
٦ - مِمَّا ينافي الرضا بالقضاء: تمني الموت لضر نزل أو مصيبة:
ففي الحديث: ﴿لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي﴾ متفق عليه (٤) .
فالحديث دليل على النهي عن تمني الموت، للوقوع في بلاء، أو محنة، أو خشية ذلك من عدو، أو مرض، أو فاقة، أو نحوها من المصائب التي تصيب الإنسان في حياته، لما في ذلك من الجزع، وعدم الصبر على المقدر، وعدم الرضا بالقضاء.
وهذا بخلاف تمني الشهادة في سبيل الله، فإن هذا حسن مطلوب؛ لأنه ذروة الإيمان، يدل على الصبر والثبات والرضا بما يصيبه في ذلك مِمَّا يقدره الله عليه.
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - (- قال: ((والذي نفسي بيده، وددت أني أقاتل في سبيل فأقتل، ثُمَّ أحيا، ثُمَّ أقتل، ثُمَّ أحيا، ثُمَّ أقتل)) (٥) .
стр. 2427
وكذلك طلب الموت على الإسلام عند الاحتضار، كما في قول الله - تعالى - عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (١) ، وقول النبي - (- عند موته: ((اللهم في الرفيق الأعلى)) (٢) ثلاثاً، وحتى في غير الاحتضار، فيطلب أن يموت على الإسلام عند انتهاء أجله، أو خوفاً من فتنة في الدين عامة، كما في إخبار الله عن السحرة، لما أرادهم فرعون عن دينهم، وتهددهم بالقتل، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) .
وقال عن مريم ﵍ لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة؛ لأنها لم تكن ذات زوج ... ، وجاءها المخاض - أي الطلق - إلى جذع النخلة: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ (٤) .
فكل هذا جائز، ليس فيه جزع أو اعتراض على المقدر، فلاينافي الرضا بالقضاء (٥) .
٧ - عدم الرضا بالمقسوم من الرزق:
ما قدره الله للعبد من الرزق سيصله؛ وإن كان لابد من الاكتساب، وفعل الأسباب.
ومن الكسب ما يكون واجباً، وهذا عند احتياج العبد إلى النفقة على نفسه، أو عياله، أو قضاء دينه، وهو قادر على الكسب، ولايشغله ذلك عن ما هو أفضل عند الله، وهذا من الرضا بالقضاء الشرعي، وهو واجب عند العلماء، وتركه فيه معصية لله - تعالى -.
ومنه ما هو مستحب، وهو ما اكتسبه العبد، لنفع نفسه، والإنفاق في وجوه الخير (٦) ، كما في الحديث: ((على كل مسلم صدقة)) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((فيعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدق)) قالوا: فإن لم يستطع؟ أو لم يفعل؟ قال: ((فيعين ذا الحاجة الملهوف)) ، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: ((فليأمر بالخير)) أو قال: ((بالمعروف)) ، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: ((فليمسك عن الشر؛ فإنه له صدقة)) (٧) .
стр. 2428
ومنه ما هو مذموم، وهو ما اكتسب لغير الحاجة، أو الإنفاق في وجوه الخير، أو أشغل عن ذكر الله - تعالى - وعبادته.
يدل على ذلك مثل قول الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١) ، وقول النبي - (-: ((تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض)) (٢) وغيره (٣) .
وقد تعوذ منه النبي - (- في قوله: ﴿ ... اللهم إني أعوذ بك من علم لاينفع، ومن قلب لايخشع، ومن نفس لاتشبع، ومن دعوة لايستجاب لها ... ﴾ (٤) .
فالحرص والطمع والشرك وتعلق النفس بالآمال البعيدة (٥) : ترك للرضا ينافي الرضا بالقضاء، ويورث صاحبه في الدنيا حسد الأغنياء، والطمع في أموالهم، والتذلل بما يدنس العرض، ويثلم الدين.
أمَّا ما اكتسب من طريق محرم؛ كالربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وبغير حق، ونحو ذلك، فصاحبه لاتحمد عاقبته في الآخرة، فلصاحبه العذاب المهين يوم القيامة (٦) .
٨ - الجزع والهلع:
المصيبة تورث نوعاً من الجزع، يقتضي لوم من كان سببها، فإذا تبين العبد أن هذه المصيبة وسببها مقدوراً، مكتوباً، فعليه الصبر على قدر الله، ويسلم لأمر الله؛ فإن هذا من جملة ما أمره الله به؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٧) .
стр. 2429
قال ابن مسعود: ﴿هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم﴾ (١) ، والجزع ضعف النفس، وخوف القلب، يمده شدة الطمع والحرص، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر، وصاحبه معاقب به، فيحرمه الراحة التي يرتاحها العابدون الراضون، ويخرب القلب، ويحرم رضوان الله في الآخرة، ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢) والهلع أفحش الجزع (٣) ، وفي الحديث: ﴿شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع﴾ (٤) .
فالهلع له معان منها: الحرص، والشح، والضجر، والبخل، والشره، والإمساك، والذي لايشبع، وضيق القلب، والعجلة، وهذه المعاني كلها تنافي الرضا بالقضاء.
والجزع ضد الصبر الآيل إلى الرضا، فلا خير في العجز ولا في الجزع، كما نجده في حال كثير من الناس، حتى بعض المتدينين إذا ظلموا أو رأوا منكراً فلاينتصرون ولايصبرون بل يعجزون ويجزعون.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - (- أنه قال: ﴿المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولاتعجز، وإن غلبك أمر فلاتقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وماشاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان﴾ (٥) .
﴿فلايعجز المؤمن عن مأمور، ويجزع من قضاء مقدور﴾ (٦) .
فمن أراد بلوغ مقام الرضا فليحبس نفسه عن الجزع، والهلع، والتشكي، والتسخط باللسان عن الشكوى، وبالجوارح عما لاينبغي فعله، وهذا هو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية.
وليس هذا معناه أن يقسو قلبه ويمنعه من الانفعال والتأثر بالنوازل، فمن لم يتأثر بها لغلظة قلبه وقساوته لا لصبره واحتماله فليس من الراضين بالقضاء والقدر (٧) .
مذهب الصوفية في الرضا بالقضاء
وممن ضل في هذا الباب أكثر أصحاب الطرق الصوفية، وكان سبب ضلالهم في الرضا بالقضاء أمور، أشهرها باختصار:
стр. 2430
١ - أنهم رأوا أن الراضي بأمر لايطلب غيره، ثُمَّ إنهم رأوا أقصى المطالب وأعظمها الجَنَّة، وأدناها وأكرهها النَّار، فقالوا ينبغي ألا يطلب شيئاً غير ما هو فيه.
٢ - أنهم ظنوا أن الرضا بكل قضاء يحبه الله ويرضاه، من خير أو شر، إيمان أو كفر، معصية أو طاعة، وهذا ضلال بُيِّنَ خطأه وخطره في هذا البحث بما يكفي إن شاء الله.
٣ - أنهم لايفرقون بين الدعاء الذي أمروا به إيجاباً، أو استحباباً، وهو من أسباب الرضا بالله، وعن الله، والذي نهوا عنه، أو لم يؤمروا به، ولم ينهوا عنه؛ لأن الدعاء ثلاثة أنواع:
نوع مأمور به إيجاباً، أو استحباباً، كما في قوله - سبحانه -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) .
ونوع منهي عنه، وهو الاعتداء في الدعاء، مثل أن يسأل العبد ما هو من خصائص الرب، أو الأنبياء، مثل أن يسأل الله أن يجعله بكل شيء عليماً، أو يرفع عنه كل حجاب حتى يطلع على الغيب ونحو ذلك.
ويتبعه دعاء ﴿اللهم اغفر لي إن شئت﴾ (٢) ونحوه.
ونوع منه ما هو مباح، كطلب المباحات التي لا معصية فيها.
والرضا عند الصوفية ثلاث درجات:
الأولى: رضى العامة، وهو الرضا بالله رباً، وتسخط عبادة ما سواه.
قالوا: وهذا قطب رحى الإسلام، وهو يطهر من الشرك الأكبر (٣) .
ومنه رضاهم - أي العوام - بما قسمه الله، وأعطاهم (٤) .
الدرجة الثانية: الرضا عن الله، وهو الرضا عنه في كل ما قضى وقدر.
ويقولون: إن هذا من أوائل مسالك أهل الخصوص (٥) .
وقد ظن بعضهم أن هذا من توابع المحبة لله (٦) .
ويقولون: إن هذه الدرجة لاتصح إلاَّ بثلاثة شرائط:
١ - استواء الحالات عند العبد.
٢ - وسقوط الخصومة مع الخلق.
٣ - والخلاص من المسألة والإلحاح (٧) .
ويدخل في ذلك الرضا بالمعاصي، والكفر، والفسوق (٨) .
стр. 2431
وهم بذلك لم يفرقوا بين القضاء الشرعي والكوني، ولا بين الإرادة والمحبة والرضا، ولا بين المأمور والمحظور، ولا بين أولياء الله وأعدائه.
ويسمون هذه الدرجة رضى الخواص (١) .
﴿الدرجة الثالثة: الرضا برضى الله، فلايرضى العبد لنفسه سخطاً، ولا رضى، فيبعثه على ترك التحكم، وحسم الاختيار، وإسقاط التمييز، ولو أدخل النَّار﴾ (٢) .
وهذه الدرجة هي التي عبر عنها الداراني فيما روي عنه في تعريف الرضا ﴿الرضا أن لايسأل الله الجَنَّة ولايستعيذ به من النار﴾ (٣) .
وقال بعضهم: ﴿لقد أوتيت من الرضا نصيباً لو ألقاني في النَّار لكنت بذلك راضياً﴾ (٤) .
وقال الآخر:
وليس لي في سواك حظ ... ... فكيما شئت فاختبرني (٥)
ويسمون هذه الدرجة: رضى خواص الخواص به بدلاً من كل ما سواه (٦) .
وإليك بعض الردود عليهم باختصار:
١ - أن الدرجة الأولى أعلى شأناً وأرفع قدراً، فإنها مختصة بعباد الله الصالحين، الذين يرضون بربوبية الله، ولايعبدون إلاَّ إياه، ويرضون بذلك، وبأسمائه وصفاته وأفعاله، كما في الحديث: ﴿ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً﴾ .
ومن أقوال بعض الصوفية الحسنة في هذا: ﴿من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه﴾ (٧) ، فالتزام ما جعل الله رضاه فيه من امتثال أمره واجتناب نهيه - ويتناول المباح من غير تعد إلى المحظور - هذا هو الرضا بالله رباً، كما سبق، وهذه هي درجة الصديقين.
أمَّا الثانية فهي مشتركة بين المؤمنين وغيرهم؛ لأنها الرضا بالقضاء، والرضا بالقضاء يصح من المؤمن وغيره؛ لأن غايته التسليم لقضاء الله وقدره، وقد يحصل من الكافر لا لله، ولكن مجرد رضى بالقضاء، وتسليماً بالقدر، ﴿فأين هذا من الرضى به رباً، وإلهاً، ومعبوداً؟﴾ (٨) .
стр. 2432
٢ - الرضا بالله رباً فرض، بل من آكد الفروض بالاتفاق، فمن لم يرض بالله رباً، لم يحصل له إسلام، ولا عمل، ولا حال.
وأمَّا الرضا بقضائه (المصائب) فهو مستحب، كما سبق عند أكثر العلماء، فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والندب، فالفرض وهو الرضى بالله رباً ... فعله الأولى والآكد، ومقدم على فعل المستحب، وهو الرضا بالقضاء، كما في الحديث الإلهي السابق: ﴿يقول الله - عزّوجل -: ما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه﴾ .
٣ - أن الرضا بالله رباً هو الإيمان بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله - ربوبيته العامة والخاصة - وأنه الخالق المدبر، الآمر الناهي، الملك القدوس، المعطي المانع، الوكيل الولي، الحكم والحاكم، والناصر والمعين، والكافي، والحسيب والرقيب، والمبتلي والمعافي، والقابض والباسط، فهو المتصف بجميع صفات الربوبية.
أمَّا الرضا بالقضاء، أو الرضا عنه: فهو رضى العبد بفعل الله، وبما يعطيه عبده، ولهذا كان الترغيب فيه فيما يخص الثواب والجزاء، كما في قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ (١) ، فهي ترضى بما يحصل لها من كرامة وثواب عملها الصالح.
وكذلك قوله : ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَالِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٢) .
٤ - أن الرضا بالله رباً متضمن للرضا بالقضاء والقدر، ومستلزم له؛ لأنه إذا رضي بالله رباً: رضي بأمره ونهيه، ويستلزم ذلك أن يرضى بما يقسمه له ويقدره عليه، ويعطيه إياه، ويمنعه عنه، فمن لم يرض بذلك كله لم يرض بالله رباً من جميع الوجوه.
إذاً فالرضى بالله رباً يستلزم الرضا بالقضاء ويتضمنه بلا شك (٣) .
стр. 2433
٥ - أن الرضا بالله رباً أصل، والرضا بالقضاء أو الرضا عنه كما يقولون فرع، أو ثمرة للرضا بالله رباً، ولعل مِمَّا يدل على هذا ما صح عن رسول الله - (- أنه قال: ﴿ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً﴾ ، فإنه علق ذوق طعم الإيمان بالرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد - (- رسولاً، التي هي أصول الإسلام التي لايقوم إلاَّ بها وعليها، ولم يعلق ذلك على الرضا بالقضاء أو ما يسمونه الرضى عنه.
فالرضا بالقضاء والقدر تابع لهذا الرضا، فمن رضي بالله رباً، رضيه الله له عبداً، ومن رضي بما أعطاه الله، أو منعه، وما أصابه من بلاء وعافية دون أن يرضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، لم يحقق الإسلام والإيمان ولايحصل له رضى الله - سبحانه - يوم القيامة، كما يدل على ذلك قول النبي - (-: ﴿من قال كل يوم: رضيتُ بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، إلاَّ كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة﴾ (١) .
٦ - أن الرضا بالله رباً ... يتضمن أنواع التوحيد، ومن ذلك عبادته وحده والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخوفه ورجاؤه ومحبته، والصبر على طاعته وعن معصيته، وعلى قضائه وقدره، والشكر على نعمه ظاهرة وباطنة، وهذه هي حقيقة شهادة ألا إله إلاَّ الله، وطاعة رسوله محمد - (- فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلاَّ بما شرع، وهذا هو حقيقة شهادة أن محمداً رسول الله، وهو الرضا بمحمد رسولاً، والتزام عبودية الله، وطاعته، وطاعة رسوله - (- هو الرضا بالإسلام ديناً، فهذا هو الدين كله، ومنه الرضا بالقضاء الذي يلزم كل مسلم، ويستحب منه، أو يجب عليه؛ كما سبق.
٧ - طلب الجَنَّة والاستعاذة من النَّار طريق أنبياء الله ورسله، وجميع أوليائه المقربين وأصحاب اليمين.
стр. 2434
وقد سأل النبي - (- رجلاً: ما تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد ثُمَّ أقول: اللهم إني أسألك الجَنَّة، وأعوذ بك من النَّار، أما والله ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال النبي - (-: ﴿حولها ندندن﴾ (١) .
وحديث: ﴿إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثُمَّ صلوا عليَّ ... ثُمَّ سلوا الله الوسيلة، فإنها منزلة في الجَنَّة، لاتنبغي إلاَّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو ... ﴾ (٢) ، فلا مطلوب أعلى من الجَنَّة، ولها يعمل العاملون، ويدعو الداعون، ويرضى الراضون، ويشكر الشاكرون.
٨ - قد علم بالاضطرار من دين الإسلام؛ أن طلب الجَنَّة من الله، والاستعاذة به من النَّار هو أعظم الأدعية المشروعة لجميع المرسلين، والنبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وأن ذلك لايخرج عن كونه واجباً أو مستحباً.
وأولياء الله لايخرجون عن هذا الطريق (٣) .
٩ - أن ما قاله هؤلاء أصحاب الدرجة الثالثة: متناقض في نفسه، فاسد في صريح المعقول.
وذلك أن الرضا عن الله محبته ومحبة أمره، وذلك بامتثال الأمر واجتناب النهي، ومن ذلك السؤال والطلب، ومن لايسأل الله الجَنَّة، ويستعيذه من النَّار ليس محباً لله، ولا عاملاً بأوامره، إذن فليس راضياً عن الله على ما ادعاه ولا بالله، فكيف يكون راضياً عن الله، غير عامل بما يرضى الله، ويكون سبباً في رضا العبد (٤) .
وأمَّا ما يشاركون فيه القدرية أو الجهمية وغيرهم فالجواب عنه فيما مضى، والله الموفق.
• • •
الخاتمة:
هذا ما تيسرت كتابته وبحثه في هذا الموضوع المهم في حياة المسلمين جميعاً.
وإن من أهم النتائج التي توصلت إليها فيه ما يأتي:
أن الرضا بالقضاء من أعمال القلوب.
стр. 2435
أن الرضا بالقضاء هو اليقين القلبي المؤثر في السلوك، الداعي إلى عدم الركون إلى الظلم وأهله، والدافع إلى استرضاء الرب - سبحانه - بالأعمال الصالحة، واحتمال الفقر، والدون من المعيشة، والقناعة باليسير، وسكون القلب إلى فعل الله، وحمده على ما قضاه.
أن الرضا بالقضاء من تمام الإيمان بالقضاء والقدر، وأنه غاية شريفة، ومنزلة عظيمة عند الله، وثوابه عظيم، فهو من منازل الشهداء، وأنه من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات.
أن حقيقة الرضا بالقضاء هي: لزوم ما قضاه الله وقدره، وذلك بعد فعل الأسباب المأمور بها، فلايتحقق الرضا إلاَّ بذلك.
أن الرضا بالقضاء يكون بعد وقوع المقضي والمقدر، وما قبله هو التوكل بفعل الأسباب المأمور بها، فالرضا ثمرة التوكل، وأعلى درجاته.
أن الرضا بالقضاء حال شرعية، حقيقتها التصرف بما أمر الله به، وترك ما نهى عنه بعد وقوع المقدور، وهذه من خصائص العابدين وكرامات الصالحين من عباد الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعاً، وكذلك لما يقدره من المصائب، فإنه يفعل عندها ما أمر به من الصبر وغيره طوعاً، فهو مسلم لله طوعاً، خاضع له طوعاً، والسجود مقصوده الخضوع ... )) (١) .
أن القضاء المأمور بالرضا به قسمان: ديني شرعي يجب الرضا به، وكوني قدري يستحب الرضا به، ما لم يكن معصية لله - تعالى -، فإن المعصية لايرضى بها إلاَّ من جهة أنها مصيبة، أمَّا من جهة أنها عمل يغضب الله - تعالى - فلايرضى بها من هذا الوجه، أي من وجه أنها معصية، فترضى المصائب لا المعاصي والمعايب.
стр. 2436
مِمَّا يجب الابتعاد عنه؛ لأنه ينافي الرضا بالقضاء: الاعتراض على قضاء الله الديني الشرعي، وترك التوكل على الله، والسخط من المقدور، والحزن على ما فات، والنياحة، وتمني الموت لضر نزل أو مصيبة، وعدم الرضا بالمقسوم من الرزق، والجزع من المصائب، والهلع، والشح، والضجر، ونحو ذلك.
تبين ضلال بعض الصوفية في باب الرضا بالقضاء؛ حيث زعموا أن الرضا ثلاث درجات: رضى العامة؛ الذي يصفونه بأنه الرضا بالرب، وتسخط عبادة ما سواه، والرضا عن الله في كل ما قضى وقدر، وأن هذا من مسالك الخاصة، وما علموا أن ذلك يدخل فيه الرضا بالمعاصي، والكفر، والفسوق.
والرضا الباعث على ترك الأسباب، وإسقاط التمييز حتى لايسأل الراضي - في زعمهم - الجَنَّة ولايستعيذه من النَّار.
وقد كانت مناقشتهم في هذا البحث في ضوء نصوص كتاب الله وسنة رسوله - (-.
وإني لأرى أن تكون الأبحاث في كل فن مبنية على النصوص الشرعية وبعيدة عما يعن ويخطر من المجادلات العقليَّة الظنية، فإن الطريق الأول: الاستضاءة بوحي الله من الكتاب والسنة هو الأسلم والأحكم وفي نفس الوقت هو الذي يوصل إلى الحقائق العقليَّة الصحيحة السليمة إن وجدت.
وأمَّا الطريق الثاني: المبني على البراهين والحجج والجدل العقلي فحسب، بعيداً عن نور النصوص الشرعية أو لوي أعناقها وصرفها عن معانيها الحقيقية فإنه لايوصل إلى حقيقة ولايفيد الإنسان في حياته ولا في دنياه، ولايؤهله إلى العلم الصحيح النافع.
لذا فإنني عمدت إلى هذا الأسلوب في هذا البحث راجياً الله تعالى أن ينفع به من كتبه وقرأه.
غير مدّع العصمة أو الكمال فإنه لايكمل في هذا الميدان أحد، فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلاَّ محمد - (- وإخوانه الأنبياء، فإن لهم العصمة من الله فيما بلغوه للناس، ولم يُحفظ مِمَّا بلغوه الناس إلاَّ ما جاء به محمد - (-:
стр. 2437
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فيجب على كل باحث مسلم أن يبني دراساته وبحوثه على هذا الذكر الذي حفظه الله للعالمين، ليستقي النور والهداية والسداد والعلم والفهم منه، فما من علم من علوم الدنيا والآخرة إلاَّ قد أعطاه الله ما يستحق في هذا الذكر علم ذلك من علمه وجهله من جهله، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
. (٢)
стр. 2438
* * *
стр. 2439
الحديث المقلوب
تعريفه، وفوائده، وحكمه، والمصنفات فيه
د. محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأستاذ المشارك بقسم الكتاب والسنة - كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
ملخص البحث
الحديث المقلوب من أنواع علوم الحديث!
وقد قام الباحث بدراسة موضوعية تعريفية، ناهجاً سبيل التحليل والعرض لبيان هذا النوع وإلقاء الضوء عليه، فبدأ بتعريف الحديث المقلوب مستعرضاً كلام أئمة المصطلح، واقفاً عند عباراتهم لاستبيان مرادهم ﵏ في التعريف، وقدّم في نهاية ذلك التعريف المختار
ثم ثنّى ببيان فوائد معرفة الحديث المقلوب.
وثلث ببيان حكم الحديث المقلوب، ومرتبته! وفصّل في ذلك بحسب صوره وأحواله.
ثم بيّن الطريق التي يُعْرف بها القلب في الحديث.
ثم أورد أمثلة للحديث المقلوب متناً.
وذكر بعد ذلك الأئمة الذين استعملوا في عباراتهم الوصف بالقلب!
وأخيراً ذكر المصنفات في الحديث المقلوب!
وجاءت بعد ذلك الخاتمة والتي تتضمن أهم نتائج البحث.
ومن هنا جاء عنوان البحث:
"الحديث المقلوب تعريفه وفوائده وحكمه والمصنفات فيه"
وقد تحرّى الباحث في بحثه أن يمدّه بما تجمّع لديه من نصوص للأئمة منثورة في ثنايا كتب التخريج والجرح والتعديل والشروح، فلم يقتصر البحث في مادته على ما جاء في كتب المصطلح!
والباحث يرجو أن يسد ببحثه هذا فراغاً في المكتبة الحديثية حيث لا توجد حسب علمه دراسة مفردة لهذا النوع الحديثي مع أهميته!
• • •
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أمّا بعد: فهذا كتاب قصدت فيه بيان الحديث المقلوب وما يتعلق به، وقد أسميته:
الحديث المقلوب
تعريفه وفوائده وحكمه والمصنفات فيه
وقسمته على تمهيد وخمسة مقاصد وخاتمة، وتفصيل ذلك هو التالي:
стр. 2440
أمّا التمهيد: ففي دائرة الحديث المقلوب!
أمّا المقصد الأول: ففي تعريف الحديث المقلوب
أمّا المقصد الثاني: في فوائد معرفته.
المقصد الثالث: حكم الحديث المقلوب!
المقصد الرابع: كيف يعرف القلب في الحديث؟
المقصد الخامس: أمثلة للحديث المقلوب متناً.
المقصد السادس: الأئمة الذين استعملوا في عباراتهم الوصف بالقلب!
المقصد السابع: المصنفات في الحديث المقلوب!
أمّا الخاتمة: ففي أهم النتائج التي انتهت إليها الدراسة.
أسأل الله تبارك تعالى أن يتقبله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقني فيه القبول في الدنيا والآخرة، وأن يتقبل جميع عملي خالصاً لوجهه الكريم، وداعياً إلى سنة نبيه الرؤوف الرحيم (.
تمهيد: دائرة الحديث المقلوب
لم يقتصر دور قلب الحديث عند حدِّ استعماله وسيلة من وسائل الكشف عن حال الراوي في الضبط، ومعرفة مدى حفظه لمرويه؛ بل تعدّى ذلك إلى كونه وصفاً يوصف به الراوي لبيان نوع وهمه وخطئه، فهو بصفة عامة من الجرح المفسر غير المجمل، كما أصبح بالاستقراء علامة على نكارة حديث الراوي بدرجات متفاوتة قد تخف إلى درجة لا تخرج الراوي عن حيز القبول، وقد تزيد إلى درجة تخرج الراوي إلى حيز الرد، بل أحياناً إلى درجة الضعيف جداً الذي لا يقبل حديثه التقوي والانجبار بتعدد الطرق.
وسيأتي ذكر الأئمة الذين كانوا يستعملون الوصف بالقلب في كلامهم عن الرجال أو في بيان حال الأحاديث، ومنها ما جاء عن شعبة (ت١٦٠هـ) وحماد ابن سلمة (ت١٦٧هـ) ، وابن معين (ت٢٣٣هـ) ﵏.
بل يُعْرف قدر حفظ الراوي بأنه لم يُقْلب عليه إسناد!
قال عمرو بن محمد الناقد (ت٢٣٢هـ) : "ما كان في أصحابنا أعلم بالإسناد من يحي بن معين ما قدر أحد يقلب عليه إسناد قط" (١) .
وتتسع دائرة المقلوب فتتداخل مع أنواع حديثية عديدة يأتي فيها صورة الحديث المقلوب.
стр. 2441
ولمّا ذكر ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ﵀ أنواع جرح الضعفاء، ذكر النوع العاشر وقال: "ومنهم من كان يقلب الأخبار ويسوّي الأسانيد كخبر مشهور عن صالح يجعله عن نافع وآخر لمالك يجعله عن عبيد الله بن عمر ونحو هذا.
كإسماعيل بن عبيد الله التيمي وموسى بن محمد البلقاوي وعمر بن راشد الساحلي، وذويهم وقد رأينا في عصرنا جماعة مثلهم يُسرون الأحاديث"اهـ (١) .
وقال الحاكم (ت٤٠٥هـ) ﵀، لمّا ذكر أنواع الجرح والمجروحين على عشرة طبقات: "الطبقة الثانية من المجروحين: قوم عمدوا إلى أحاديث مشهورة عن رسول الله ﷺ بأسانيد معروفة ووضعوا إليها غير تلك الأسانيد فركبوها عليها ليستغرب بتلك الأسانيد منهم: إبراهيم بن اليسع وهو ابن أخي حية يُحدِّث عن جعفر بن محمد الصادق وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا على حديث ذلك، وكذلك حمّاد بن عمرو النصيبي وبهلول بن عبيد وأصرم بن حوشب، وغيرهم"اهـ (٢) .
وفي الصفحات القادمة سنتبين الحديث المقلوب وأقسامه وما يتعلق به!
المقصد الأول: تعريف الحديث المقلوب
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الحديث المقلوب لغة
المطلب الثاني: تعريف المقلوب اصطلاحاً.
وإليك البيان:
المطلب الأول: تعريف الحديث المقلوب لغة
المقلوب لغة:
المقلوب اسم مفعول من (قلب) .
ومادة "ق. ل.ب" لها في اللغة أصلان صحيحان:
أحدهما يدل على خالص شيء وشريفة.
والآخر يدل على رد شيء من جهة إلى جهة.
والأصل الثاني هو المراد هنا. ومنه:
القليب: البئر قبل أن تطوى، وإنما سمِّيت قليباً لأنها كالشيء يقلب من جهة إلى جهة، وكانت أرضاً فلمّا حفرت صار ترابها كأنه قلب فإذا طويت فهي الطَّوى ولفظ القليب مذكر. والحوّل القلب: الذي يقلب الأمور ويحتال لها (٣) .
المطلب الثاني: تعريف المقلوب اصطلاحاً.
المقلوب اصطلاحاً:
المقصود هنا تعريف المقلوب في اصطلاح علماء الحديث، دون غيرهم (٤) .
стр. 2442
وسأستعرض هنا تعاريف أهل العلم للحديث المقلوب، مسجلاً عقب كل تعريف أورده ما لدي من ملاحظات عامة، خاتماً ذلك ببيان التعريف المختار.
تعريف ابن الصلاح (ت٦٤٣هـ) ﵀:
قال عليه من الله الرحمة والرضوان: "هو نحو حديث مشهور عن سالم جُعِل عن نافع ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه، و [هو] كذلك [جعل] متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر"اهـ (١) .
وتلاحظ الأمور التالية:
١ تابع ابن الصلاح على تعريفه الذين اختصروا كتابه أو نظموه، ومن هؤلاء:
النووي (ت٦٧٦هـ) ﵀ (٢) .
وابن جماعة (ت٧٣٣هـ) ﵀ (٣) .
والطيبي (ت٧٤٣هـ) ﵀ (٤) .
وابن كثير (ت٧٧٤هـ) ﵀ (٥) .
والعراقي (ت٨٠٦هـ) ﵀ (٦) .
٢ جرى ابن الصلاح في تعريفه على التعريف بالمثال (٧) ، وهو تعريف بالرسم الناقص. وفائدة هذه الملاحظة بيان أنه لا يتوجه عليه ﵀ نقد في تعريفه من جهة أنه لم يكن جامعاً مانعاً؛ لأنه لم يقصد أصلاً التعريف بالحد التام أو الرسم التام.
٣ اقتصر ابن الصلاح ﵀ في تعريفه بالمثال على قسمين أو صورتين من المقلوب في السند، دون ذكر المقلوب في المتن. كما أنه أطلق الكلام فهو شامل لحال العمد والوهم!
وقد ذكر ذلك ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀ أثناء تنبيهه على وقوع القلب في متن حديث أخرجه مسلم في صحيحه، قال: "وقع في صحيح مسلم مقلوبا: "حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" (٨) وهو نوع من أنواع علوم الحديث أغفله ابن الصلاح وإن كان أفرد نوع المقلوب (٩) لكنه قصره على ما يقع في الإسناد، ونبه عليه شيخنا في محاسن الاصطلاح (١٠) ... وقال شيخنا: ينبغي أن يسمى هذا النوع المعكوس (١١) . انتهى.
والأولى تسميته مقلوبا؛ فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن كما قالوه في المدرج سواء، وقد سماه بعض من تقدم: (مقلوبا) ."اهـ (١٢) .
стр. 2443
٤ وبناء على هذا فإن ابن الصلاح رحمه ومن تابعه وجماعة من أهل العلم، لم يأت في تعريفهم إلا القلب في الإسناد! وعلل أهل العلم سبب ذلك أنه قصداً للغالب والأكثر من صور القلب وهو القلب في السند.
قال السخاوي (ت٩٠٢هـ) ﵀: "وقسّموا (أي: أهل الحديث) المقلوب السندي خاصة، لكونه الأكثر كاقتصارهم في الموضوع على المتني لكونه الأهم"اهـ (١) .
قال عطية الأجهوري (ت١١٩٤هـ) ﵀: "وهذا التعريف يخص القلب في السند واقتصر عليه في التعريف لكثرته في السند وقلته في المتن"اهـ (٢) .
قال اللكنوي (ت١٣٠٤هـ) ﵀: "و [مقلوب السند] أكثر وقوعاً بالنسبة إلى [مقلوب المتن] ولذا سكت عن ذكر [مقلوب المتن] كثير من المصنفين في هذا الفن، كما أنهم اقتصروا في بحث الموضوع على المختلق متناً لكثرة وقوعه مع أنه قد يكون الحديث صحيحاً والسند موضوعاً"اهـ (٣) .
والحق الذي لا مرية فيه أن كلام أئمة الجرح والتعديل المتعلق بالمقلوب أكثره وجلّه متعلق بالقلب في السند، بل لا استحضر الآن كلاماً صريحاً لأحد من المتقدِّمين في القلب في المتن (٤) ويؤيد هذا الواقع: الصور المندرجة تحت القلب في السند فإنها صورتان وصورة واحدة للمتن، وصورة مشتركة بينهما، وعدّها الأكثر من صور قلب السند.
٥ ذكر ابن الصلاح في تعريفه مثالين للمقلوب، أحدهما: أن يجعل سند الحديث لمتن الآخر، وسند الآخر لمتن هذا، وهذه الصورة للقلب عدّها جمهور المصنفين في مصطلح الحديث من قبيل القلب في السند، وعدّها بعضهم من قبيل قلب المتن (٥) .
وقد ذكر ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀ مثالاً للقلب في المتن ينطبق على هذه الصورة حيث قال: "وأمّا في المتن فكمن يعمد إلى نسخة مشهورة بإسناد واحد فيزيد فيها متناً أو متوناً ليست فيها كنسخة معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁، وقد زاد فيها.
стр. 2444
وكنسخة مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ زاد فيها جماعة عدة أحاديث ليست فيها، منها القوي والسقيم وقد ذكر جلّها الدارقطني في غرائب مالك"اهـ (١) .
فإذا اعتبرنا أن القسم الثاني من المقلوب الذي ذكره ابن الصلاح وهو جعل متن هذا الإسناد لإسناد آخر ... الخ" من المقلوب متناً فإنه يكون ﵀ قد أشار في تعريفه إلى القلب في السند وفي المتن. وينحصر القصور في تعريفه في جهة واحدة وهي كونه لم يشمل جميع أنواع المعرّف في كل صوره أو أفراده؛ مكتفياً بالإشارة إلى محله فالقلب إمّا أن يكون في السند وإمّا أن يكون في المتن، واكتفى بالتمثيل بمثال واحد لكل منهما. وفائدة هذا: التنبيه أنه لا يتوجه نقد ابن الصلاح بأنه لم يشر إلى القلب في المتن.
٦ اقتصر بعض العلماء الذين جاؤوا بعد ابن الصلاح على نحو تعريف ابن الصلاح مقتصرين على تعريف المقلوب بحسب الغالب والأكثر؛ من هؤلاء:
ابن دقيق العيد (أبي الفتح القشيري) (ت٧٠٢هـ) ﵀، حيث اقتصر على تعريف القلب في السند، مقتصراً على صورة واحدة منه وهي إبدال راوٍ في السند بآخر في طبقته (٢) .
الذهبي (ت٧٤٨هـ) ﵀،، حيث اقتصر على تعريف القلب سنداً، فذكر صورتين منه؛ القلب بتركيب إسناد حديث إلى متن آخر بعده، أو أن ينقلب عليه اسم راوٍ مثل: "مرّة بن كعب" ب "كعب بن مرّة"، و "سعد بن سنان" ب "سنان بن سعد" (٣) .
ابن الملقن (ت٨٠٤هـ) ﵀، حيث عرّف القلب مقتصراً على القلب في السند، فقال عن القلب إنه: "إسناد الحديث إلى غير راويه"اهـ (٤) .
الشريف الجرجاني (ت٨١٦هـ) ﵀، فعرَّفه بتعريف ابن الصلاح باختصار (٥) .
وكذا صنع محمد بن محمد بن علي الفارسي (ت٨٧٣هـ) ﵀ (٦) .
ومحي الدين الكافيجي (ت٨٧٩هـ) ﵀ (٧) .
وجمال الدين يوسف ابن عبد الهادي (ت٩٠٩هـ) ﵀ (٨) .
تعريف الزركشي (ت٧٩٤هـ) ﵀:
стр. 2445
قال ﵀: "جعل إسناد لمتن آخر وتغيير إسناد بإسناد"اهـ (١) .
ويلاحظ مايلي:
١ أن الزركشي ﵀ اعتبر تعريفه هذا مبيناً لحقيقة المقلوب، وقاله بعد أن تعقّب ابن الصلاح في تعريفه بقوله: "لم يتعرّض للقلب في المتن" (٢) .
وقد قدّمت لك ضمن الملاحظات تحت تعريف ابن الصلاح أنه يمكن اعتبار ابن الصلاح قد تعرّض للتعريف بالمقلوب في المتن، على الطريقة التي جرى عليها بعضهم، حيث ذكر المثال الثاني في تعريفه: "و [هو] كذلك [جعل] متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر"، وهذه الصورة يمكن أن تعتبر من المقلوب في المتن بالنظر إلى المتن؛ وعليه فلا تعقب على ابن الصلاح هنا!
٢ بل لا بد من اعتبار ذلك في تعريف الزركشي حتى يصح كلامه في أن التعريف الذي ذكره (يعني: الزركشي) يبين حقيقة المقلوب!
وعندها يأتي سؤال: إذا كان هذا هو المراد، فما وجه تعقبه على ابن الصلاح بأنه لم يتعرّض للقلب في المتن؟
الجواب: إن تعريف ابن الصلاح بذكر المثال الثاني جاء بطريقة قد توهم أن محل التعريف عنده هو فقط قوله: "هو نحو حديث مشهور عن سالم جُعِل عن نافع ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه" لأن ذكره للجزء الثاني في التعريف جاء في سياق ذكره لقصة البخاري (ت٢٥٦هـ) مع أهل بغداد لمّا قلبوا له الأحاديث فميزها!
فكأن والله اعلم الحافظ الزركشي ﵀ اعتبر الجزء الأول من كلام ابن الصلاح هو فقط التعريف فأورد عليه إيراده ذاك!
٣ إذا تقرر ما ذكرته؛ فلا تعقب على ابن الصلاح أصلاً من هذه الجهة، ويبقى أن يتعقب الزركشي في تعريفه بما سبق من تعقيب على ابن الصلاح من أن التعريف لم يشمل جميع صور القلب.
تعريف ابن الجزري (ت٨٣٣هـ) ﵀:
قال ﵀:
والخبر المقلوب أن يكون عن
وقيل فاعل هذا يسرق
قلت: وعندي أنه الذي وضع
للحافظ البخاري في بغداد
منقلب وأصله كما يجب
كمثل للفارس سهمين للفرس
إن ابن مكتوم ليل يُسْمَع
стр. 2446
سالم يأتي نافع ليرغبن
ثم مركب على ذا أطلقوا
إسناد ذا لغيره كما وقع
والمزِّ أيضاً بابن عبد الهادي
يسبق لفظ الراو فيه ينقلب
للنار ينشيء الله خلقاً انعكس
وقبل جمعة يُصَلِّي أربع (١)
وتلاحظ الأمور التالية:
١ أن ابن الجزري ﵀ أطلق المقلوب على صورة واحدة، منصوره، وهي: "حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه".
٢ سمّى الصورة الثانية من صور المقلوب عند ابن الصلاح وهي: "جعل متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر"، سمّاها
ب "المركب"، وقال: هي أولى بهذه التسمية من الصورة الأولى التي سمّاها بعض المحدثين بذلك.
وهذا اصطلاح من ابن الجزري ولا مشاحة فيه.
٣ ذكر صورة القلب في المتن التي هي: "أن يكون الحديث على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغيّر معناه وربما انعكس" (٢) ، وسمّاها ب "المنقلب". وأشار ﵀ أن في قلب المتن عكس للمتن.
وقد قال السراج البلقيني (ت٨٠٥هـ) ﵀: "يمكن أن يسمى ذلك بالمعكوس، فينبغي أن يفرد بنوع خاص ولكن لم أر من تعرض له"اهـ (٣) .
وابن الجزري ﵀ في ذكره لهذه الصورة قد تميّز عمن قبله، بل إنه ﵀ ذكر أمثلة لهذا القسم توضحه وتبينه، فجزاه الله خيراً.
٤ يستدرك عليه ﵀ أنه لم يذكر صورة القلب في الأسماء، وهو: "أن ينقلب عليه اسم راوٍ مثل: "مرّة بن كعب" ب "كعب بن مرّة"، و "سعد بن سنان" ب "سنان بن سعد".
٥ جرى القاسمي (ت١٣٣٢هـ) ﵀ على نحو اصطلاح ابن الجزري ﵀، حيث قال القاسمي ﵀، تحت الأنواع التي تختص بالضعيف: "المقلوب وهو ما بدل فيه راوٍ بآخر في طبقته أو أخذ إسناد متنه فركب على متن آخر ويقال له المركب" (٤) . وعدّ في الأنواع التي تشترك في الصحيح والحسن والضعيف: "المنقلب: الذي ينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه"اهـ (٥) .
стр. 2447
قلت: ويلاحظ أن القاسمي لم يرد في كلامه ذكر لصور من صور القلب وهي: إبدال اسم الراوي مع اسم أبيه. كما أنه صرّح بأن الصورتين اللتين ذكرهما من نوع الضعيف. وهو يعني بذلك والله اعلم أنهما من نوع الضعيف من جهة السند، أمّا المتن فقد يكون صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً أو حتى موضوعاً؛ ولذلك تراه ﵀ لمّا ذكر القلب المتعلق بالمتن وسمّاه ب "المنقلب" أدرجه تحت الأنواع التي تشترك في الصحيح والحسن والضعيف.
تعريف ابن الوزير اليماني (ت٨٤٠هـ) ﵀:
قال ﵀: "هو قسمان: أحدهما: أن يكون الحديث مشهوراً براوٍ فيجعل مكانه راوٍ آخر في طبقته ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه كحديث مشهور بسالم يجعل مكانه نافع ونحو ذلك ... القسم الثاني: أن يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر، ومتن هذا فيجعل بإسناد آخر. القسم الثالث (١) : ما انقلب على راويه ولم يقصد قلبه. نوع آخر من المقلوب: وهو ما انقلب متنه على بعض الرواة"اهـ (٢) .
ويلاحظ عليه الأمور التالية:
١ أن تعريفه جاء شاملاً للقلب في السند والمتن، مفرداً القلب في المتن بصورة خاصة غير مشتركة.
٢ أن جميع هذه الصور عنده في المقلوب، ولم يصطلح لها أسماء خاصة.
٣ يستدرك عليه ﵀ أنه لم يذكر صورة القلب في الأسماء، وهو: "أن ينقلب عليه اسم راوٍ مثل: "مرّة بن كعب" ب "كعب بن مرّة"، و "سعد بن سنان" ب "سنان بن سعد".
تعريف ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀:
стр. 2448
قال ﵀: "حقيقته إبدال من يعرف برواية بغيره فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله وقد يقع ذلك عمداً إمّا بقصد الإغراب أو لقصد الامتحان وقد يقع وهماً فأقسامه ثلاثة وهي كلها في الإسناد وقد يقع نظيرها في المتن وقد يقع فيهما جميعاً"اهـ (١) . وقال أيضاً: "إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير أي في الأسماء ك "مرة بن كعب" و"كعب بن مرّة"؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر فهذا هو المقلوب، وقد يقع القلب في المتن أيضاً" (٢) . ثم قال: "وقد يقع الإبدل عمداً لمن يريد اختبار حفظه امتحاناً من فاعله كما وقع للبخاري والعقيلي وغيرهما. وشرطه أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة، فلو وقع الإبدال عمداً لا لمصلحة بل للإغراب مثلاً فهو من أقسام الموضوع ولو وقع غلطاً فهو من المقلوب أو المعلل"اهـ (٣) .
ويلاحظ ما يلي:
١ أن تعريف ابن حجر ﵀ هذا لم يأت في محل واحد بل جاء مفرقاً في أكثر من موضع وفي أكثر من كتاب؛ فالمقطع الأول جاء في كتابه النكت على كتاب ابن الصلاح، والمقطع الثاني جاء في كتابه "نزهة النظر"، في موضعين منه.
٢ أنه اصطلح على تسمية ما وقعت فيه "المخالفة بتقديم أو تأخير في الأسماء ك "مرة بن كعب" و"كعب بن مرّة"، ب "المبدل" مع تسميته له ب "المقلوب" (٤) فهو مقلوب مبدل.
٣ اصطلح على أن ما وقع فيه الإبدال (يعني: إبدال من يعرف برواية بغيره فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله) عمداً لا لمصلحة بل للإغراب مثلاً فهو من أقسام الموضوع، وهو بذلك لا يمنع تسميته بالمقلوب بل يقيده بأنه مقلوب موضوع، أمّا لو وقع غلطاً فهو من المقلوب أو المعلل، فحصر القلب في الوهم فهو الذي يطلق عليه أنه "مقلوب" دون أي قيد.
٤ أن تعريف ابن حجر ﵀ بالنظر إلى مجموعه جاء شاملاً لجميع صور المقلوب، وستأتي إن شاء الله تعالى في آخر هذا الاستعراض لتعريف المقلوب عند علماء المصطلح.
стр. 2449
٥ في كلام ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀ في نزهة النظر ما قد يوهم أن شرط المقلوب المبدل أن يقع وهماً وغلطاً (١) ، وسبب هذا والله اعلم عبارة ابن حجر ﵀ نفسه حيث قال:"وقد يقع الإبدل عمداً لمن يريد اختبار حفظه امتحاناً من فاعله كما وقع للبخاري والعقيلي وغيرهما. وشرطه أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة، فلو وقع الإبدال عمداً لا لمصلحة بل للإغراب مثلاً فهو من أقسام الموضوع ولو وقع غلطاً فهو من المقلوب أو المعلل"اهـ (٢) .
ويزول هذا الإيهام إن شاء الله تعالى إذا تنبهت إلى أن مراد الحافظ ابن حجر والله اعلم أن وقوع الإبدال عمداً يدخل في الموضوع لا أنه لا يسمى مقلوب، بل يكون مقلوباً موضوعاً، فلا يطلق عليه اسم القلب فقط؛ ويدل على هذا الأمور التالية:
أنه نص أن الإبدال يقع عمداً ووهماً، ويسمى في جميع حالته قلباً وذلك في قوله ﵀: "حقيقته (يعني: المقلوب) إبدال من يعرف برواية بغيره فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله وقد يقع ذلك عمداً إمّا بقصد الإغراب أو لقصد الامتحان وقد يقع وهماً فأقسامه ثلاثة وهي كلها في الإسناد وقد يقع نظيرها في المتن وقد يقع فيهما جميعاً"اهـ (٣) .
أنه نص على أن إبدال اسم الراوي بالتقديم والتأخير من المقلوب حيث قال: "إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير أي في الأسماء ك "مرة بن كعب" و"كعب بن مرّة"؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر فهذا هو المقلوب، وقد يقع القلب في المتن أيضاً".
стр. 2450
فتحصل من النصين أن الإبدال في الحديث سنداً أو متناً بجميع صوره عنده من المقلوب، وجميعه عنده يقع عمداً أو سهواً، وعليه؛ فإن مراده باصطلاح "المبدل": أن المقلوب في حالة حصوله عمداً سواء كان في اسم الراوي بالتقديم أو التأخير أو بإبدال راوٍ مكان راوٍ أو إبدال السند جميعه وهو ما مثل له في كلامه في "النزهة" بقوله: "كما وقع للبخاري والعقيلي"، فالإبدال في جميع هذه الصور إذا وقع عمداً فهو من أقسام الموضوع، ولا يزول عنه اسم المقلوب، فيكون مقلوباً موضوعاً.
يساعد هذا قوله في معرض ذكر أصناف الوضاعين: "الصنف الثالث: من حمله لشره ومحبة الظهور على الوضع ممن رق دينه من المحدثين فيجعل بعضهم للحديث الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً كمن يدّعي سماع من لم يسمع وهذا داخل في قسم المقلوب"اهـ (١) .
فهنا أدخل هذا في المقلوب، وهناك أدخل الإبدال في حال العمد في الموضوع، فليس مراده إذا أنه لا يسمى مقلوباً إنما مراده أنه يسمى مقلوباً مع قيد الوضع، لأن راويه تعمد ذلك! فاسم "المقلوب" مطلقاً دون قيد شرطه: وقوع القلب وهماً لا عمداً.
وهذا هو ما أشار إليه السيوطي (ت٩١١هـ) ﵀ في قوله:
القلب في المتن وفي الإسناد قر
واحد نظيره ليغربا
لآخر وعكسه إغراباً أو
وهو يسمى عندهم بالسرقة
إمّا بإبدال الذي به اشتهر
أو جعل إسناد حديث اجتبى
ممتحناً كأهل بغداد حكوا
وقد يكون القلب سهواً أطلقه (٢)
فقوله: "وقد يكون القلب سهواً أطلقه" يشير إلى المعنى الذي ذكرته لك. وهذا في الحقيقة يتفق مع ما تقرر في علم المصطلح عن الحديث الموضوع من أنه "لاتحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقروناً ببيان وضعه بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب" (٣) .
٦ وفي فلك تعريف ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀ يدور تعريف تلميذه السخاوي (ت٩٠٢هـ) ﵀ (٤) .
стр. 2451
وكذا السيوطي (ت٩١١هـ) ، حيث أشار إلى تعريف المقلوب بأنه: "إبدال الذي به اشتهر الحديث سنداً أو متناً"، مع ملاحظة أنه اقتصر في الصور على ما ذكره ابن الصلاح رحم الله الجميع (١) .
وكذا زكريا الأنصاري (ت٩٢٥هـ) ﵀، حيث عرّفه بأنه: "هو تبديل شيء بآخر على الوجه الآتي [في أقسام المقلوب] "اهـ (٢) .
وكذا اللكنوي (ت١٣٠٤هـ) ﵀ (٣) . وكذا محمد محمد أبوشهبة (ت١٤٠٣هـ) ﵀ (٤) . وكذا محمد محمد السماحي (ت١٤٠٤هـ) ﵀ (٥) . وكذا صبحي الصالح (ت١٤٠٧هـ) ﵀ (٦) . وكذا السيد قاسم الإنديجاني ﵀ (٧) . وكذا محمد أديب الصالح حفظه الله (٨) . وكذا نور الدين عتر حفظه الله (٩) . وكذا محمد لطفي الصباغ حفظه الله (١٠) . وكذا محمود الطحان حفظه الله (١١) .
وكاد تعريف محمد عجاج الخطيب حفظه الله، أن يكون من التعاريف الجامعة حيث قال: "هو الحديث الذي انقلب فيه على راوٍ بعض متنه أو اسم راوٍ في سنده أو سند متن مشهور به لآخر"اهـ (١٢) .
ويلاحظ ما يلي:
١ أن تعريفه فيه دور، حيث فسر الحديث المقلوب بالحديث الذي انقلب، ولم يأت في كلامه ما يوضح حقيقة القلب!
٢ أن تعريفه غير جامع لصور المعرّف، إذ لم يذكر صورة القلب بالتقديم والتأخير في الأسماء، ولم تأت عبارته واضحة في صورة القلب ب إبدال ما اشتهر براوٍ فيجعل مكانه راوٍ في طبقته ليصير غريباً مرغوباً فيه.
تعريف طاهر الجزائري (ت١٣٣٨هـ) ﵀:
قال ﵀، معرفاً للمقلوب وقد عدّه في أقسام الحديث الضعيف: "هو ما وقعت المخالفة فيه بالتقديم والتأخير ... والغالب في القلب أن يكون في الإسناد".
ثم قال: "وقال الأكثرون: القلب أعم من ذلك وجعلوا القلب في الإسناد قسمين ... وذكر نحواً من تقسيم ابن الصلاح". ثم قال: "وقد عرّف بعضهم القلب في المتن بقوله: أن يعطي أحد الشيئين ما اشتهر للآخر"اهـ (١٣) .
ويلاحظ ما يلي:
стр. 2452
١ أنه نظر في تعريفه إلى تعريف ابن حجر ﵀ في كتابه نزهة النظر، وقد تقدّم، لكنه جعله عاماً ولم يخصّه بكونه في أسماء الرواة بل جعله شاملاً للسند والمتن.
٢ يمكن أن يتعقب تعريفه بكون القلب أعم من أن يكون بالتقديم والتأخير، وهذا ما أشار إليه في كلامه عندما ذكر تعريف المقلوب عند الأكثرين! ويبدو أن مراد الشيخ ﵀ أن حصر القلب في هذه الصورة أولى، ويكون هذا اصطلاحاً خاصاً به، ولا مشاحة في الاصطلاح!
٣ تقدّم التنبيه على أن ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀ في مجموع كلامه في النزهة لا يفيد حصر المقلوب في التقديم والتأخير في الأسماء، وإنما وقع إيهام في عبارته بسبب الفصل، ويؤكد أنه لم يرد حصر المقلوب في التقديم والتأخير في الأسماء أمور سبق ذكرها، فارجع غير مأمور إلى تعريف ابن حجر والملاحظات تحته!
٤ ويتعقب أيضاً بأنه أدرج المقلوب تحت أقسام الضعيف، هكذا مطلقاً دون تفصيل، والواقع أن المقلوب منه ما يكون صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً.
التعريف المختار:
وبعد: فقد مررنا في هذا الاستعراض بجملة من تعاريف أهل العلم الجامعة المانعة التي يصلح كل واحد منها أن يكون تعريفاً مختاراً، ومن ذلك:
ما نستخلصه من كلام الحافظ ابن حجر ﵀ من أن المقلوب: حقيقته إبدال من يعرف برواية بغيره فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله، أو بتقديم أو تأخير أي في الأسماء ك "مرة بن كعب" و"كعب بن مرّة"؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر. وقد يقع ذلك عمداً إمّا بقصد الإغراب أو لقصد الامتحان وقد يقع وهماً فأقسامه ثلاثة وهي كلها في الإسناد وقد يقع نظيرها في المتن وقد يقع فيهما جميعاً.
ومنه نعلم أن أركان القلب في الحديث هي التالية:
١ صرف وتحويل وتبديل للحديث عن وجهه.
٢ يكون في السند أو المتن، أو فيهما.
٣ يقع عمداً أو سهواً.
стр. 2453
٤ صرف الحديث عن وجهه لا يكون مقلوباً إلا إذا كان فيه إبدال في السند أو المتن أو فيهما على صورة من الصور التالية:
القلب بإبدال الراوي المشهور بالسند بآخر في طبقته. وهذا قلب في الإسناد. ويسميه بعض أهل الحديث كما أشار ابن الجزري ب "المركب" (١) .
القلب بإبدال راوٍ بآخر في السند مطلقاً، ومن أشهر صوره القلب بإبدال الراوي المشهور بالسند بآخر في طبقته. ويسميه بعض أهل الحديث كما أشار ابن الجزري ب "المركب" (٢) .
ومن صوره أن يكون الحديث من رواية الأكابر عن الأصاغر فيقلبه ويرويه على الجادة.
أو أن يكون الحديث من باب المدبج في رواية الأقران فينقلب عليه.
وهذا قلب في الإسناد.
القلب بالتقديم والتأخير ونحو ذلك في اسم الراوي في السند. وهذا قلب في الإسناد. ويسميه ابن حجر ب "المبدل" (٣) فهو عنده "مقلوب مبدل".
القلب بإعطاء أحد المذكورين في الحديث ما اشتهر للآخر. وهذا قلب في المتن. ويسميه ابن الجزري ب "المنقلب". وقال السراج البلقيني (ت٨٠٥هـ) ﵀: "يمكن أن يسمى ذلك بالمعكوس، فينبغي أن يفرد بنوع خاص ولكن لم أر من تعرض له"اهـ (٤) . وتبع القاسميُّ ﵀ ابن الجزري ﵀ في اصطلاحه.
القلب بجعل سند هذا الحديث لمتن الآخر ومتن الآخر لسند هذا الحديث. وهذا قلب في الإسناد عند الأكثرين، وقلب للمتن عند بعضهم، وهو في حقيقته مشترك بينهما (٥) . ويسميه ابن الجزري كما سبق ب "المركب"، وتابعه على ذلك القاسمي.
وهذه الصور مشتملة على أقسام المقلوب؛
فهو ينقسم باعتبار موضعه إلى قسمين:
مقلوب في السند.
مقلوب في المتن.
وينقسم باعتبار تعمده أو عدمه إلى ثلاثة أقسام:
القلب عمداً بقصد الإغراب.
القلب عمداً بقصد الامتحان.
القلب بدون قصد، وهماً وغلطاً.
والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: عموم وخصوص مطلق، فكل مقلوب اصطلاحي مقلوب لغة ولا عكس.
стр. 2454
إذ القلب في اللغة عام في كل صرف لأي شيء عن وجهه، وفي الاصطلاح عند المحدثين خاص بصرف الحديث عن وجهه على هيئة مخصوصة.
المقصد الثاني: فوائد معرفة الحديث المقلوب
بعد أن تعرفنا على حقيقة وماهية الحديث المقلوب عند علماء الحديث، نقف هنا على فوائد معرفة الحديث المقلوب، وهي كثيرة الأفراد أذكر مجملها في النقاط التالية:
١ من فوائد معرفة المقلوب: أن الحديث يُظن فائدة، وليس كذلك، إذ يُكتشف أنه مقلوب.
قال شعبة (ت١٦٠هـ) ﵀: "أفادني ابن أبي ليلى أحاديث فإذا هي مقلوبة" (١) .
٢ من فوائده: كشف تحقق حصول الاتصال من عدمه.
قال ابن أبي حاتم ﵀: "سمعت أبي يقول: إسماعيل بن أبي خالد الفَدَكي لم يدرك البراء. قلت: حدّث يزيد بن هارون عن سيّار عن يحي بن أبي كثير عن إسماعيل بن أبي خالد الفدكي أن البراء بن عازب ﵁ حدّثه في الضحايا؟ قال: هذا وهم، وهو مرسل"اهـ (٢) .
قلت: ومعنى هذا أن الرواية انقلبت على أحدهم فرواه بصيغة السماع بين إسماعيل بن أبي خالد والبراء بن عازب، والحقيقة أنه لا سماع بينهما.
قال أبوزرعة الرازي (ت٢٦٤هـ) ﵀، في "عبد الرحمن بن أبي الموال": "لا بأس به، صدوق". وذكر الذهبي في الميزان (٣) حديثاً يرويه عبد الرحمن بن أبي الموال عن عبيد الله بن موهب عن عمرة عن عائشة. قال أبوزرعة: "هذا خطأ. الصحيح عن ابن موهب عن علي بن الحسين، مرسل".
قلت: وهذا بمعنى أنه أخطأ فقلبه! والملحوظ هنا أن قلبه أوهم اتصال سند الحديث!
ومن هذا القبيل ما تراه في بعض الأسانيد من صيغة السماع بين راويين صرّح أهل العلم بأنه لم يقع بينهما! ولا ينبغي العدول عن تصريح أهل العلم لمجرد وقوع مثل هذا الأمر في الأسانيد، إذ يغلب على الظن عندها أن وقوع ذلك هو من قبيل القلب (٤) .
стр. 2455
قال ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ﵀، في ترجمة: "سالم بن عبد الله الخياط": "يقلب الأخبار ويزيد فيها ما ليس منها ويجعل روايات الحسن عن أبي هريرة سماعاً، ولم يسمع الحسن عن أبي هريرة شيئاً. لا يحل الاحتجاج به" (١) .
٣ ومن فوائد معرفة المقلوب: أن القلب يوهم التفريق بين رجلين لوجود اسمين وهما واحد، يُعرف هذا بمعرفة أن الحاصل من الاسمين إنما هو من باب قلب الأسماء.
ومن هؤلاء الذين انقلبت أسماؤهم بالتقديم والتأخير فظُن أنهما اثنان كثير ممن يوردهم الحافظ ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀ في كتابه "الإصابة"، في القسم الرابع من كل حرف، والذي خصصه ﵀ فيمن ذكر في الكتب التي اعتمد عليها في تصنيف كتابه على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك، فمن هؤلاء:
بشر بن رافع السلمي، قلبه بعضهم إلى "رافع بن بشر" السلمي (٢) .
بلال بن الحارث المزني انقلب اسمه إلى "الحارث بن بلال المزني" وهو هو! (٣) .
الحارث بن شريح بن ذؤيب النميري، انقلب اسمه في رواية عند عمر بن شبة إلى "شريح بن الحارث" (٤) .
حصين بن ربيعة بن عامر الأحمسي، قيل فيه: "ربيعة بن حصين" كأنه انقلب اسمه! (٥) .
فتمييز هؤلاء ومعرفتهم إنما كانت بإدراك وقوع القلب في أسمائهم، وهذا من فوائد معرفة المقلوب (
٤ ومن فوائد معرفة المقلوب: أن الحديث الواحد يُعد أحاديث إذا وقع القلب في اسم الصحابي، فيتبين بمعرفة وقوع القلب فيه أنه حديث واحد، وليس حديثين (
قال ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀: "يوجد ذلك في كلام الترمذي فضلاً عمن دونه حيث يقال: وفي الباب عن فلان وفلان، ويكون الواقع أنه حديث واحد اختلف على راويه"اهـ (٦) .
من ذلك ما جاء عند ابن حبان في ترجمة: "سعيد بن أوس أبوزيد الأنصاري، من أهل البصرة" (٧) .