Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
وكذا السيوطي (ت٩١١هـ) ، حيث أشار إلى تعريف المقلوب بأنه: "إبدال الذي به اشتهر الحديث سنداً أو متناً"، مع ملاحظة أنه اقتصر في الصور على ما ذكره ابن الصلاح رحم الله الجميع (١) .
وكذا زكريا الأنصاري (ت٩٢٥هـ) ﵀، حيث عرّفه بأنه: "هو تبديل شيء بآخر على الوجه الآتي [في أقسام المقلوب] "اهـ (٢) .
وكذا اللكنوي (ت١٣٠٤هـ) ﵀ (٣) . وكذا محمد محمد أبوشهبة (ت١٤٠٣هـ) ﵀ (٤) . وكذا محمد محمد السماحي (ت١٤٠٤هـ) ﵀ (٥) . وكذا صبحي الصالح (ت١٤٠٧هـ) ﵀ (٦) . وكذا السيد قاسم الإنديجاني ﵀ (٧) . وكذا محمد أديب الصالح حفظه الله (٨) . وكذا نور الدين عتر حفظه الله (٩) . وكذا محمد لطفي الصباغ حفظه الله (١٠) . وكذا محمود الطحان حفظه الله (١١) .
وكاد تعريف محمد عجاج الخطيب حفظه الله، أن يكون من التعاريف الجامعة حيث قال: "هو الحديث الذي انقلب فيه على راوٍ بعض متنه أو اسم راوٍ في سنده أو سند متن مشهور به لآخر"اهـ (١٢) .
ويلاحظ ما يلي:
١ أن تعريفه فيه دور، حيث فسر الحديث المقلوب بالحديث الذي انقلب، ولم يأت في كلامه ما يوضح حقيقة القلب!
٢ أن تعريفه غير جامع لصور المعرّف، إذ لم يذكر صورة القلب بالتقديم والتأخير في الأسماء، ولم تأت عبارته واضحة في صورة القلب ب إبدال ما اشتهر براوٍ فيجعل مكانه راوٍ في طبقته ليصير غريباً مرغوباً فيه.
تعريف طاهر الجزائري (ت١٣٣٨هـ) ﵀:
قال ﵀، معرفاً للمقلوب وقد عدّه في أقسام الحديث الضعيف: "هو ما وقعت المخالفة فيه بالتقديم والتأخير ... والغالب في القلب أن يكون في الإسناد".
ثم قال: "وقال الأكثرون: القلب أعم من ذلك وجعلوا القلب في الإسناد قسمين ... وذكر نحواً من تقسيم ابن الصلاح". ثم قال: "وقد عرّف بعضهم القلب في المتن بقوله: أن يعطي أحد الشيئين ما اشتهر للآخر"اهـ (١٣) .
ويلاحظ ما يلي:
стр. 2452
١ أنه نظر في تعريفه إلى تعريف ابن حجر ﵀ في كتابه نزهة النظر، وقد تقدّم، لكنه جعله عاماً ولم يخصّه بكونه في أسماء الرواة بل جعله شاملاً للسند والمتن.
٢ يمكن أن يتعقب تعريفه بكون القلب أعم من أن يكون بالتقديم والتأخير، وهذا ما أشار إليه في كلامه عندما ذكر تعريف المقلوب عند الأكثرين! ويبدو أن مراد الشيخ ﵀ أن حصر القلب في هذه الصورة أولى، ويكون هذا اصطلاحاً خاصاً به، ولا مشاحة في الاصطلاح!
٣ تقدّم التنبيه على أن ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀ في مجموع كلامه في النزهة لا يفيد حصر المقلوب في التقديم والتأخير في الأسماء، وإنما وقع إيهام في عبارته بسبب الفصل، ويؤكد أنه لم يرد حصر المقلوب في التقديم والتأخير في الأسماء أمور سبق ذكرها، فارجع غير مأمور إلى تعريف ابن حجر والملاحظات تحته!
٤ ويتعقب أيضاً بأنه أدرج المقلوب تحت أقسام الضعيف، هكذا مطلقاً دون تفصيل، والواقع أن المقلوب منه ما يكون صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً.
التعريف المختار:
وبعد: فقد مررنا في هذا الاستعراض بجملة من تعاريف أهل العلم الجامعة المانعة التي يصلح كل واحد منها أن يكون تعريفاً مختاراً، ومن ذلك:
ما نستخلصه من كلام الحافظ ابن حجر ﵀ من أن المقلوب: حقيقته إبدال من يعرف برواية بغيره فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله، أو بتقديم أو تأخير أي في الأسماء ك "مرة بن كعب" و"كعب بن مرّة"؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر. وقد يقع ذلك عمداً إمّا بقصد الإغراب أو لقصد الامتحان وقد يقع وهماً فأقسامه ثلاثة وهي كلها في الإسناد وقد يقع نظيرها في المتن وقد يقع فيهما جميعاً.
ومنه نعلم أن أركان القلب في الحديث هي التالية:
١ صرف وتحويل وتبديل للحديث عن وجهه.
٢ يكون في السند أو المتن، أو فيهما.
٣ يقع عمداً أو سهواً.
стр. 2453
٤ صرف الحديث عن وجهه لا يكون مقلوباً إلا إذا كان فيه إبدال في السند أو المتن أو فيهما على صورة من الصور التالية:
القلب بإبدال الراوي المشهور بالسند بآخر في طبقته. وهذا قلب في الإسناد. ويسميه بعض أهل الحديث كما أشار ابن الجزري ب "المركب" (١) .
القلب بإبدال راوٍ بآخر في السند مطلقاً، ومن أشهر صوره القلب بإبدال الراوي المشهور بالسند بآخر في طبقته. ويسميه بعض أهل الحديث كما أشار ابن الجزري ب "المركب" (٢) .
ومن صوره أن يكون الحديث من رواية الأكابر عن الأصاغر فيقلبه ويرويه على الجادة.
أو أن يكون الحديث من باب المدبج في رواية الأقران فينقلب عليه.
وهذا قلب في الإسناد.
القلب بالتقديم والتأخير ونحو ذلك في اسم الراوي في السند. وهذا قلب في الإسناد. ويسميه ابن حجر ب "المبدل" (٣) فهو عنده "مقلوب مبدل".
القلب بإعطاء أحد المذكورين في الحديث ما اشتهر للآخر. وهذا قلب في المتن. ويسميه ابن الجزري ب "المنقلب". وقال السراج البلقيني (ت٨٠٥هـ) ﵀: "يمكن أن يسمى ذلك بالمعكوس، فينبغي أن يفرد بنوع خاص ولكن لم أر من تعرض له"اهـ (٤) . وتبع القاسميُّ ﵀ ابن الجزري ﵀ في اصطلاحه.
القلب بجعل سند هذا الحديث لمتن الآخر ومتن الآخر لسند هذا الحديث. وهذا قلب في الإسناد عند الأكثرين، وقلب للمتن عند بعضهم، وهو في حقيقته مشترك بينهما (٥) . ويسميه ابن الجزري كما سبق ب "المركب"، وتابعه على ذلك القاسمي.
وهذه الصور مشتملة على أقسام المقلوب؛
فهو ينقسم باعتبار موضعه إلى قسمين:
مقلوب في السند.
مقلوب في المتن.
وينقسم باعتبار تعمده أو عدمه إلى ثلاثة أقسام:
القلب عمداً بقصد الإغراب.
القلب عمداً بقصد الامتحان.
القلب بدون قصد، وهماً وغلطاً.
والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: عموم وخصوص مطلق، فكل مقلوب اصطلاحي مقلوب لغة ولا عكس.
стр. 2454
إذ القلب في اللغة عام في كل صرف لأي شيء عن وجهه، وفي الاصطلاح عند المحدثين خاص بصرف الحديث عن وجهه على هيئة مخصوصة.
المقصد الثاني: فوائد معرفة الحديث المقلوب
بعد أن تعرفنا على حقيقة وماهية الحديث المقلوب عند علماء الحديث، نقف هنا على فوائد معرفة الحديث المقلوب، وهي كثيرة الأفراد أذكر مجملها في النقاط التالية:
١ من فوائد معرفة المقلوب: أن الحديث يُظن فائدة، وليس كذلك، إذ يُكتشف أنه مقلوب.
قال شعبة (ت١٦٠هـ) ﵀: "أفادني ابن أبي ليلى أحاديث فإذا هي مقلوبة" (١) .
٢ من فوائده: كشف تحقق حصول الاتصال من عدمه.
قال ابن أبي حاتم ﵀: "سمعت أبي يقول: إسماعيل بن أبي خالد الفَدَكي لم يدرك البراء. قلت: حدّث يزيد بن هارون عن سيّار عن يحي بن أبي كثير عن إسماعيل بن أبي خالد الفدكي أن البراء بن عازب ﵁ حدّثه في الضحايا؟ قال: هذا وهم، وهو مرسل"اهـ (٢) .
قلت: ومعنى هذا أن الرواية انقلبت على أحدهم فرواه بصيغة السماع بين إسماعيل بن أبي خالد والبراء بن عازب، والحقيقة أنه لا سماع بينهما.
قال أبوزرعة الرازي (ت٢٦٤هـ) ﵀، في "عبد الرحمن بن أبي الموال": "لا بأس به، صدوق". وذكر الذهبي في الميزان (٣) حديثاً يرويه عبد الرحمن بن أبي الموال عن عبيد الله بن موهب عن عمرة عن عائشة. قال أبوزرعة: "هذا خطأ. الصحيح عن ابن موهب عن علي بن الحسين، مرسل".
قلت: وهذا بمعنى أنه أخطأ فقلبه! والملحوظ هنا أن قلبه أوهم اتصال سند الحديث!
ومن هذا القبيل ما تراه في بعض الأسانيد من صيغة السماع بين راويين صرّح أهل العلم بأنه لم يقع بينهما! ولا ينبغي العدول عن تصريح أهل العلم لمجرد وقوع مثل هذا الأمر في الأسانيد، إذ يغلب على الظن عندها أن وقوع ذلك هو من قبيل القلب (٤) .
стр. 2455
قال ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ﵀، في ترجمة: "سالم بن عبد الله الخياط": "يقلب الأخبار ويزيد فيها ما ليس منها ويجعل روايات الحسن عن أبي هريرة سماعاً، ولم يسمع الحسن عن أبي هريرة شيئاً. لا يحل الاحتجاج به" (١) .
٣ ومن فوائد معرفة المقلوب: أن القلب يوهم التفريق بين رجلين لوجود اسمين وهما واحد، يُعرف هذا بمعرفة أن الحاصل من الاسمين إنما هو من باب قلب الأسماء.
ومن هؤلاء الذين انقلبت أسماؤهم بالتقديم والتأخير فظُن أنهما اثنان كثير ممن يوردهم الحافظ ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀ في كتابه "الإصابة"، في القسم الرابع من كل حرف، والذي خصصه ﵀ فيمن ذكر في الكتب التي اعتمد عليها في تصنيف كتابه على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك، فمن هؤلاء:
بشر بن رافع السلمي، قلبه بعضهم إلى "رافع بن بشر" السلمي (٢) .
بلال بن الحارث المزني انقلب اسمه إلى "الحارث بن بلال المزني" وهو هو! (٣) .
الحارث بن شريح بن ذؤيب النميري، انقلب اسمه في رواية عند عمر بن شبة إلى "شريح بن الحارث" (٤) .
حصين بن ربيعة بن عامر الأحمسي، قيل فيه: "ربيعة بن حصين" كأنه انقلب اسمه! (٥) .
فتمييز هؤلاء ومعرفتهم إنما كانت بإدراك وقوع القلب في أسمائهم، وهذا من فوائد معرفة المقلوب (
٤ ومن فوائد معرفة المقلوب: أن الحديث الواحد يُعد أحاديث إذا وقع القلب في اسم الصحابي، فيتبين بمعرفة وقوع القلب فيه أنه حديث واحد، وليس حديثين (
قال ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀: "يوجد ذلك في كلام الترمذي فضلاً عمن دونه حيث يقال: وفي الباب عن فلان وفلان، ويكون الواقع أنه حديث واحد اختلف على راويه"اهـ (٦) .
من ذلك ما جاء عند ابن حبان في ترجمة: "سعيد بن أوس أبوزيد الأنصاري، من أهل البصرة" (٧) .
стр. 2456
قال ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ﵀: "يروي عن ابن عون ما ليس من حديثه روى عنه البصريون لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به من الأخبار، ولا الاعتبار إلا بما وافق الثقات في الآثار.
روى عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يا بلال اسفر بالصبح فإنه أعظم للأجر". ثناه الحسين بن إسحاق الأصبهاني بالكرخ، ثنا القاسم بن عيسى الحضرمي ثنا سعيد بن أوس.
وليس هذا من حديث ابن عون ولا ابن سيرين ولا أبي هريرة؛ وإنما هذا المتن من حديث رافع بن خديج فقط. فيما يشبه هذا مما لا يشك عوام اصحابنا أنها مقلوبة أو معمولة"اهـ (١) .
قلت: فهذا الحديث يُظن بسبب القلب أن له رواية عن أبي هريرة، وليس كذلك!
٥ ومن فوائده حصر الخلاف وتقليله فيمن اختلف في اسمه من الرواة، كما تراه في ترجمة أبي هريرة (واختلافهم في اسمه والواقع أنه وقع قلب في بعض الأقوال في اسمه، نبه عليه ابن حجر ﵀ في الإصابة.
٦ ومن فوائده كشف زيف تعدد الطرق لبعض الأحاديث وعند التحقيق ليس للحديث إلا طريق واحد انقلب على بعض الرواة فظُن طريقان (
٧ ومن فوائد معرفة المقلوب: أن متن الحديث يُظن حديثاً آخر وهو حديث واحد انقلب على راويه.
كما في حديث: "كان ﷺ يصلي قبل الجمعة أربعاً"، وهذا الحديث مقلوب، انقلب على الراوي من حديث: "كان يصلي بعد الجمعة أربعاً" (٢) .
٨ ومن فوائده: أنه يبرز صورة من صور تدليس الشيوخ، بأن يتعمد المدلس قلب اسم شيخه مع اسم أبي شيخه (
وفي الرواة: محمد بن سعيد المصلوب. ت.ق.
قال عبد الله بن أحمد بن سوادة: "قلبوا اسمه على مائة اسم وزيادة، قد جمعتها في كتاب"اهـ (٣) .
قال الذهبي (ت٧٤٨هـ) ﵀: "وقد غيّروا اسمه على وجوه ستراً له وتدليساً لضعفه"اهـ (٤) .
٩ ومن فوائد المقلوب: أنه يكتشف به حال الراوي من الضبط.
стр. 2457
قال الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ) ﵀: "إذا سلم الراوي من وضع الحديث وادعاء السماع ممن لم يلقه وجانب الأفعال التي تسقط بها العدالة غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه فحدّث من حفظه لم يصح الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهل العلم بالأثر والعارفون به أنه ممن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه (
ويعتبر اتقانه وضبطه بقلب الأحاديث عليه"اهـ (١) .
وقد ذكر ابن حجر (ت٨٥٢هـ) رحمه الله تعالى أن ممن كان يفعل قلب الأحاديث لقصد الامتحان شعبة (ت١٦٠هـ) ﵀، حيث كان يفعله كثيراً لقصد اختبار حفظ الراوي فإن أطاعه على القلب عرف أنه غير حافظ وإن خالفه عرف أنه ضابط (٢) .
١٠ من فوائد معرفة المقلوب: أن الحديث يروي بزيادة، تُظن مفسرة، وهي مقلوبة، وهم فيها الراوي، يُعرف ذلك بمعرفة أنها مقلوبة.
جاء عن شعبة عن قتادة أنه سمع زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين: أن رسول الله (صلى بأصحابه الظهر، فقال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ فقال رجل: أنا! فقال رسول الله ﷺ قد عرفت أن رجلاً خالجنيها.
قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه؟
فقال: لو كرهه لنهى عنه" (٣) .
قال البيهقي (ت٤٦٣هـ) ﵀: "في سؤال شعبة وجواب قتادة في هذه الرواية الصحيحة تكذيب من قلب هذا الحديث وأتى فيه بما لم يأت به الثقات من أصحاب قتادة"اهـ (٤) .
يشير إلى أن الرواية التي جاءت لهذا الحديث عن قتادة وفيها: "النهي عن القراءة" مقلوبة؛ إذ رواية قتادة لا تفيد النهي، والراوي أدرى بمرويه؛ فمن رواه عن قتادة على النهي فقد انقلب عليه الحديث، وهو ماجاء عن ابن صاعد عن يوسف عن سلمة بن الفضل عن حجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني سورتي فنهى عن القراءة خلف الإمام".
стр. 2458
قال ابن صاعد (ت٣١٨هـ) : قوله: "فنهى عن القراءة خلف الإمام" تفرد بروايته حجاج، وقد رواه عن قتادة: شعبة وابن أبي عروبة ومعمر وإسماعيل ابن مسلم وحجاج وأيوب بن أبي مسكين وهمام وأبان وسعيد بن بشر فلم يقل أحد منهم ما تفرد به حجاج. قال شعبة: سألت قتادة كأنه كرهه؟ قال: لو كرهه لنهى عنه"اهـ (١) .
ومعنى هذا الكلام: أن الرواية التي جاءت للحديث من طريق قتادة وفيها التصريح بالنهي عن القراءة مطلقاً خلف الإمام؛ رواية مقلوبة، انقلبت على الراوي عن قتادة، إذ رواية قتادة ليس فيها النهي عن القراءة خلف الإمام، بل قتادة نفسه الراوي لها صرّح بذلك، فكيف يكون في رواية الحديث عن طريقه التصريح بالنهي مع تصريحه بأنها لم تتضمن النهي عن القراءة؟!
١١ ومن فوائد معرفة المقلوب: أن الراوي قد يقلب سند الحديث فيُظن أنه صحابي وهو تابعي! يكشف ذلك بمعرفة وقوع القلب في السند على الراوي.
في الرواة: أشعث بالمثلثة بن عمير بن جودان. يروي عن أبيه.
وقع في بعض الروايات عمير بن أشعث بن جودان عن أبيه.
فجعل عمير اسم لولده، يروي عن أبيه أشعث، فظُنّ الأب (أشعث) من الصحابة!
والصواب: عن أشعث بن عمير بن جودان عن أبيه. قاله ابن منده وغيره.
وقال أبو نعيم (ت٤٣٠هـ) : "قلبه بعض الرواة"اهـ (٢) .
وفي الرواة: ثابت بن معبد تابعي أرسل حديثا أو وصله فانقلب على بعض رواته، فتُوهِّم أنه صحابي.
ذكره ابن منده وبين جهة الوهم فيه قال: "روى عمرو بن خالد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن رجل من كلب عن ثابت بن معبد أن رجلا سأل النبي ﷺ عن امرأة من قومه أعجبه حسنها الحديث".
هكذا قال: "عمرو"! ورواه علي بن معبد وغيره عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك عن ثابت بن سعيد عن رجل من كلب بهذا.
قال ابن منده (ت٣٩٥هـ) : "هذا هو الصواب قلبه عمرو بن خالد"اهـ.
стр. 2459
وقال البخاري (ت٢٥٦هـ) ﵀: "ثابت بن معبد روى عنه عبد الملك ابن عمير منقطع حديثه في الكوفيين"اهـ (١) . وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: "ثابت ابن معبد، روى عن عمر بن الخطاب روى عنه عبد الملك"اهـ (٢) .
وقال ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ﵀: "ثابت بن معبد يروي عن عمه، روى عنه عبد الملك بن عمير"اهـ (٣) .
وقال ابن مندة (ت٣٩٥هـ) : "تابعي عداده في أهل الكوفة "اهـ (٤) .
المقصد الثالث: حكم الحديث المقلوب ومرتبته
قلب الحديث إمّا أن يقع عمداً بقصد الامتحان أو بقصد الإغراب، وإما أن يقع سهواً.
فإن وقع سهواً بلا تفريط في حق حديث رسول الله ﷺ فالأمر فيه قريب (٥) ، ولا إثم على من وقع منه ذلك والحال هذه، إن شاء الله تعالى. لكن حديثه وضبطه يُخْدَش بذلك بحسب كثرة الخطأ، فإن كان الغالب عليه الخطأ وعدم الحفظ، فكثر القلب في حديثه فهو منكر الحديث، وإن لم يكن غالباً فبحسبه، فتارة يكون صاحبه من شرط الحسن وتارة من شرط الصحيح لكن لا في أعلى درجاته، ما دام أن ذلك لم يكن غالباً ولا كثيراً في مروياته!
قال سفيان الثوري (ت١٦١هـ) ﵀: "ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط. وإن كان الغالب عليه الغلط ترك" (٦) .
قال ابن مهدي (ت١٩٨هـ) ﵀: "الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه. وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه. وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه" (٧) .
قال ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ﵀ في ترجمة إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، بعد أن وصفه بقلب الحديث: "فالاحتياط في أمره الاحتجاج بما وافق الثقات من الأخبار، وترك ما انفرد من الآثار"اهـ (٨) .
وقال أيضاً ﵀: "من ساء حفظه حتى كان يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات ما ليس من حديثه لا يجوز الاحتجاج به"اهـ (٩) .
стр. 2460
وقد ينسب من وقع منه ذلك إلى الكذب بمعنى مخالفة الواقع في مرويِّه لا بمعنى أنه وضاع طالما أنه لم يتعمّد، فتنبه!
كما تراه في وصف البيهقي لمن قلب حديثاً وليس في السند من يوصف بأنه وضاع، فقال، بعد أن ذكر رواية صحيحة تبين القلب وتكشف وقوع الخطأ في رواية كان يتكلم عنها، قال: "في هذه الرواية الصحيحة تكذيب من قلب هذا الحديث وأتى فيه بما لم يأت به الثقات من أصحاب قتادة"اهـ (١) .
الشاهد أنه قال: "تكذيب من قلب"؛ قلت: وليس في السند الذي ذكره هناك مَنْ يوصف بأنه يضع الحديث، فأطلق التكذيب ومراده الخطأ، ووجه ذلك أن الكذب يطلق في الأصح على عدم مطابقة الواقع مطلقاً، سواء بعمد أو بغير عمد (٢) ، وهذه لغة أهل الحجاز كما نبه على ذلك أهل العلم (٣) .
وإن وقع القلب عمداً بقصد الامتحان فقد استنكره حرَمي بن عمارة (ت٢٠١هـ) ﵀ ووجه ذلك والله اعلم لما يترتب عليه من تغليط من يمتحنه فقد يستمر على روايته لظنه أنه صواب وقد يسمعه من لا خبرة له فيرويه ظناً منه أنه صواب (٤) .
قال حماد بن زيد: "سألت سلمة بن علقمة عن شيء فرفع ثم نظر إليّ فقال: إن سرّك أن يكذب صاحبك فلقنه، ثم رجع".
وفي رواية: "لقنت سلمة بن علقمة حديثاً فحدثنيه ثم رجع عنه، وقال: إذا سرّك أن تكذب أخاك فلقنه" (٥) .
عن مطر الوراق قال: قال أبو الأسود: "إذا سرّك أن تكذب صاحبك فلقنه" (٦) .
عن بهز بن أسد العمي (مات بعد المائتين وقيل قبلها) وسأله حرمي بن عمارة (ت٢٠١هـ) عن أبان بن أبي عياش؟ فذكر له عن شعبة (ت١٦٠هـ) ﵀ أنه قال: كتبت حديث أنس عن الحسن، وحديث الحسن عن أنس، فدفعتها إلى أبان بن أبي عياش فقرأها عليّ! فقال حرمي: بئس ما صنع، وهذا يحل؟ (٧) .
وممن كان يكره القلب على الشيوخ: عبد الله بن إدريس (ت١٩٢هـ) ﵀، ويحي بن سعيد القطان (ت١٩٨هـ) ﵀.
стр. 2461
قال خلف بن سالم: حدثني يحي بن سعيد، قال: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان وبها من يطلب الحديث: مليح بن وكيع، وحفص بن غياث، وعبد الله ابن إدريس، ويوسف بن خالد السمتي، فقلنا: نأتي ابن عجلان.
فقال يوسف بن خالد: نقلب على هذا الشيخ حديثه، ننظر تفهمه. قال: فقلبوا فجعلوا ماكان عن سعيد عن أبيه، وما كان عن ابيه عن سعيد، ثم جئنا إليه، لكن ابن إدريس تورّع وجلس بالباب وقال: لا استحل، وجلست معه ... القصة (١) .
وجمهور أهل الحديث على جواز القلب لامتحان ضبط الراوي؛ فإن أطاعه على القلب وقبل التلقين به عرف أنه غير حافظ، وإن خالفه عرف أنه ضابط، وهذه المصلحة أكثر من المفسدة فيه، وشرطه أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة.
قال الحافظ العراقي (ت٨٠٤ هـ) ﵀ في حديثه عن قلب الحديث: "وقد يُفعل اختباراً لحفظ المحدِث وهذا يفعله أهل الحديث كثيراً، وفي جوازه نظر، إلا أنه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر حديثاً وإنما يُقصد اختبار حفظ المحدث بذلك أو اختباره هل يقبل التلقين أوْ لا"اهـ (٢) .
وقال ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀: "وشرطه أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة"اهـ (٣) .
وممن نقل عنه أنه فعل ذلك:
شعبة بن الحجاج (ت١٦٠هـ) ﵀، وتقدّم النص في ذلك في قصة حرمي!
عن بهز بن أسد العمي (مات بعد المائتين وقيل قبلها) وسأله حرمي بن عمارة (ت٢٠١هـ) عن أبان بن أبي عياش؟ فذكر له عن شعبة (ت١٦٠هـ) ﵀ أنه قال: كتبت حديث أنس عن الحسن، وحديث الحسن عن أنس، فدفعتها إلى أبان بن أبي عياش فقرأها عليّ! ... (٤) .
وممن فعل ذلك: حماد بن سلمة (ت١٦٧هـ) ﵀.
عن حماد بن سلمة (ت١٦٧هـ) ﵀، قال: "قلبت أحاديث على ثابت فلم تنقلب، وقلبت على أبان بن أبي عياش فانقلبت" (٥) .
стр. 2462
وعنه قال: "كنت أقلب على ثابت البناني حديثه، وكانوا يقولون: القصاص لا يحفظون وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا إنما حدثناه أنس! وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدّثك أنس؟ فيقول: لا إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى"اهـ (١) .
وممن فعل ذلك يحي بن معين (ت٢٣٣هـ) ﵀.
قال أحمد بن منصور الرمادي: "كنا عند أبي نعيم نسمع مع أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) ويحي بن معين (ت٢٣٣هـ) قال: فجاءنا يوماً يحي ومعه ورقة قد كتبت فيها أحاديث من أحاديث أبي نعيم (يعني: الفضل بن دكين) وأدخل خلالها ما ليس من حديثه، وقال: أعطه بحضرتنا حتى يقرأ. وكان أبونعيم إذا قعد في تيك الأيام للتحديث كان أحمد على يمينه ويحي على يساره فلمّا خفّ المجلس ناولته الورقة، فنظر فيها كلها ثم تأملني ونظر إليها ثم قال وأشار إلى أحمد: أمّا هذا فآدب من أن يفعل مثل هذا، وأمّا أنت فلا تفعلن وليس هذا إلا من عمل هذا، ثم رفس يحي رفسة رماه إلى أسفل السرير، قل: علي تعمل، فقام إليه يحي وقبله، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، مثلك من يحدث إنما أردت أن أجربك"اهـ (٢) .
وممن فعل ذلك: الحارث بن سريح النقال الفقيه (٣) .
قال مجاهد بن موسى المخزومي: "دخلنا على عبد الرحمن بن مهدي (ت١٩٨هـ) في بيته فدفع إليه حارث النقال رقعة فيها حديث مقلوب، فجعل يحدثه حتى كاد أن يفرغ ثم فطن، فنقده فرمى به، وقال: كاذب والله كاذب والله".
وفي رواية أن ابن مهدي (ت١٩٨هـ) قال بعد أن رمى بالحديث الذي أدخل في الصحيفة: "كادت والله تمضي كادت والله تمضي" (٤) .
أمّا إن وقع القلب عمداً، بقصد الإغراب فهذا من أقسام الموضوع (٥) . وهو حرام (٦) .
وفاعله على هذه الصفة من الوضاعين (٧) . وحديثه مردود (٨) .
وبعض صوره ووجوهه أغلظ تحريماً من الأخرى، وصوره هي التالية:
стр. 2463
الصورة الأولى: أن يقلب اسم الراوي بالتقديم والتأخير، أو نحوه، وتعمّد هذا القلب من صور تدليس الشيوخ، إذا كان بغرض الستر على الشيخ الضعيف أو المتروك فهو حرام.
واثم تدليس الكذاب الوضاع أكثر إثماً من تدليس الضعيف.
قال ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) ﵀: "من دلّس كذاباً فالإثم لازم له؛ لأنه آثر أن يؤخذ في الشريعة بقول باطل"اهـ (١) .
قال العلائي (ت٧٦١هـ) ﵀: "وأمّا تدليس الشيوخ فهو يختلف باختلاف الأغراض؛
فمنهم من يدلس شيخه لكونه ضعيفاً أو متروكاً حتى لا يعرف ضعفه إذا صرّح باسمه.
ومنهم من يفعل ذلك لكونه كثير الرواية عنه كي لا يتكرر ذكره كثيراً.
أو لكونه متأخر الوفاة قد شاركه فيه جماعة فيدلسه للإغراب.
أو لكونه أصغر منه أو لشيء بينهما كما وقع للبخاري مع الذهلي.
وكلها سوى النوع الأوّل أمره خفيف.
وقد تسمّح بذلك جماعة من الأئمة، وأكثر منه الحافظ الخطيب في كتبه، وليس فيه إلا تضييع للمروي عنه وتوعيره لطريق معرفته على من يروم ذلك (٢) .
وأمّا النوع الأوّل فهو مذموم جداً لما فيه من تغطية حال الضعيف والتلبيس على من يتنكب الاحتجاج به"اهـ (٣) .
الصورة الثانية: أن يركب سند الحديث مع متن حديث آخر، ويجعل متنه مع سند آخر، أو أن يدخل حديثاً في نسخة تروى بسند واحد، ولها وجوه:
أن يركب إسناداً صحيحاً على متن صحيح.
أن يركب إسناداً صحيحاً على متن ضعيف.
أن يركب إسناداً ضعيفاً على متن صحيح.
أن يركب إسناداً ضعيفاً على متن ضعيف.
أن يختلق إسناداً على وصف الصحة يركبه على متن صحيح.
أن يختلق إسناداً على وصف الصحة يركبه على متن ضعيف.
أن يختلق إسناداً على وصف الضعف يركبه على متن صحيح.
أن يختلق إسناداً على وصف الضعف يركبه على متن ضعيف.
فالوجوه الأربعة الأخيرة من الوضع الظاهر للحديث.
стр. 2464
أمّا الوجوه الأولى فهي مع كونها حرام لاتجوز، إلا أن بعضها أخف إثماً من بعض، إذ الوجوه التي لا تختلف فيها مرتبة الحديث أخف إثماً من الوجوه التي تختلف فيها مرتبة الحديث!
الصورة الثالثة: أن يقلب لفظ الحديث وله وجوه:
أن يُعطي ما اشتهر لأحد المذكورين في الحديث ما جاء للآخر.
أن يكون الحديث مفيداً لحكم فيصرفه ويحوله عن وجهه.
والوجه الثاني هنا أعظم جرماً من الأول.
الصورة الرابعة: أن يبدل راوٍ في السند اشتهر الحديث بروايته، براوٍ آخر في طبقته، وله وجوه:
أن يُبدل راوٍ ثقة بآخر ثقة.
أن يُبدل راوٍ ثقة بضعيف.
أن يُبدل راوٍ ضعيف بثقة.
أن يُبدل راوٍ ضعيف بضعيف.
أن يُبدل راوٍ ثقة بآخر يختلقه.
أن يُبدل راوٍ ضعيف بآخر يختلقه.
وهنا تتفاوت درجة الاثم وغلظته بحسب أثر هذا الإبدال في درجة الحديث!
الصورة الخامسة: أن يقع القلب في السماع، أو أن يسرق السماعات ويدّعي سماع مالم يسمعه من الكتب والأجزاء.
فهذا كذب، ولكنه ليس كالكذب في حديث الرسول ﷺ .
قال الذهبي (ت٧٤٨هـ) ﵀ في كلامه عن المقلوب: "فمن فعل ذلك خطأ فقريب!
ومن تعمّد ذلك وركب متناً على إسناد ليس له فهو سارق الحديث، وهو الذي يقال في حقه: فلان يسرق الحديث. ومن ذلك أن يسرق حديثاً ما سمعه فيدعي سماعه من رجل.
وإن سرق فأتى بإسناد ضعيف لمتن لم يثبت سنده فهو أخف جرماً ممن سرق حديثاً لم يصح متنه وركب له إسناداً صحيحاً؛ فإن هذا نوع من الوضع والافتراء، فإن كان ذلك في متون الحلال والحرام؛ فهو أعظم اثماً، وقد تبوأ بيتاً في جهنم!
وأمّا سرقة السماع وادعاء ما لم يسمع من الكتب والأجزاء فهذا كذب مجرّد ليس من الكذب على الرسول ﷺ ، بل من الكذب على الشيوخ ولن يُفلح من تعاناه وقلّ من ستر الله عليه منهم. فمنهم من يفتضح في حياته. ومنهم من يفتضح بعد وفاته. فنسأل الله الستر والعفو"اهـ (١) .
стр. 2465
وهذا (أعني: التعمد في القلب) يُفسر وصف بعض الرواة بالقلب أو بالسرقة مع وصفهم بالوضع، فكأنه دليل على أنهم كانوا يتعمدون قلب الأسانيد، فحديثهم موضوع مقلوب.
أمّا حكم رواية الحديث المقلوب:
فالظاهر أن ما كان من القلب يأخذ حكم الوضع، فحكم روايته حكم رواية الحديث الموضوع، وما لا يأخذ حكم الوضع فحكم روايته حكم رواية الحديث الضعيف.
قال الترمذي (ت٢٧٩هـ) ﵀: "قَالَ سَأَلْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ" قُلْتُ لَهُ: مَنْ رَوَى حَدِيثًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ إِسْنَادَهُ خَطَأٌ أَيُخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ إِذَا رَوَى النَّاسُ حَدِيثًا مُرْسَلًا فَأَسْنَدَهُ بَعْضُهُمْ أَوْ قَلَبَ إِسْنَادَهُ يَكُونُ قَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؟
فَقَالَ: لَا إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا رَوَى الرَّجُلُ حَدِيثًا وَلَا يُعْرَفُ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَصْلٌ فَحَدَّثَ بِهِ فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ"اهـ (١) .
قال ابن الصلاح (ت٦٤٣هـ) ﵀ عن الحديث الموضوع أنه: ""لاتحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كن إلا مقروناً ببيان وضعه بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب"اهـ (٢) .
أمّا مرتبة الحديث المقلوب:
فقد علمت مما سبق أن الحديث المقلوب إمّا أن يقع وهماً أو عمداً بقصد الإغراب أو بقصد الامتحان.
ووقوعه بقصد الامتحان خارج البحث هنا، إذ في مثل هذه الحالة لا تطلب مرتبة الحديث المقلوب!
стр. 2466
ويبقى وقوع القلب وهماً أو عمداً بقصد الإغراب، فما هي مرتبة الحديث في هذه الحال؟
الجواب: سبق أن القلب عمداً بقصد الإغراب من أقسام الموضوع، وهذه جملة سبق الكثير من تفاصيلها قريباً في أوّل هذا المطلب، فلا يحسن التكرار.
ويبقى ما هي مرتبة الحديث المقلوب وهماً من الراوي؟
والجواب: الحديث المقلوب عموماً لا يخرج عن كونه معلولاً أو شاذاً (١) .
ولكن هل كل شذوذ أو علة تخرج الحديث عن حيز القبول؟
أو بعبارة أخرى: هل كل علة أو شذوذ تقدح في ثبوت الحديث؟
الجواب: قد حرر أهل العلم أن وصف العلة والشذوذ المشترط انتفاؤه عن الصحيح والحسن إنما هو العلة القادحة والشذوذ القادح.
ومعنى هذا الكلام: أنه قد يجتمع وصف الصحة والحسن مع العلة والشذوذ بشرط أن لا تكون العلة قادحة، ولا يكون الشذوذ قادحاً! (٢) .
وعليه؛ فقد يجتمع وصف القلب والاضطراب مع الصحة أو الحسن، بشرط أن لايكون القلب والاضطراب قادحاً (٣) .
نعم إذا كان القلب قادحاً فالحديث ضعيف.
المقصد الرابع: كيف يُعْرَف القلب.
الأصل في معرفة وقوع القلب في الحديث وكشفه هو جمع طرقه والنظر فيها، ومقابلتها بأحاديث الثقات.
قال ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ﵀، سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي يقول: "جاء يحي بن معين (ت٢٣٣هـ) إلى عفان ليسمع منه كتب حمّاد ابن سلمة، فقال له: ما سمعتها من أحد؟ قال: نعم حدثني سبعة عشر نفساً عن حماد بن سلمة! فقال: والله لا حدّثتك! فقال: إنما هو وَهْم، وانحذر إلى البصرة واسمع من التبوذكي. فقال: شأنك!
فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل فقال له موسى: لم تسْمع هذه الكتب عن أحد؟
قال: سمعتها على الوجه من سلعة عشر نفساً وأنت الثامن عشر!
فقال: وما تصنع بهذا؟
стр. 2467
فقال: إن حمّاد بن سلمة كان يخطيء فأردت أن أميِّز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حمّاد، فأميِّز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطيء عليه" (١) .
وقال يحي بن معين (ت٢٣٣هـ) ﵀: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه" (٢) .
ولا يتوقف الحال على هذا؛ بل هم يعتبرون حديثه بأحاديث الثقات.
عن عبد الرحمن بن مهدي (ت١٩٨هـ) ﵀ قال: "كنا عند شعبة (ت١٦٠هـ) فسئل: يا أبا بسطام حديث من يترك؟ قال: من يكذب في الحديث، ومن يكثر الغلط، ومن يخطيء في حديث مجتمع عليه فيقيم على غلط فلا يرجع، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. وليس يكفيه في الرجوع أن يمسك عن رواية ذلك الحديث في المستقبل حسب، بل يجب عليه أن يظهر للناس أنه كان قد أخطأ فيه وقد رجع عنه" (٣) .
وقال أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) ﵀: "توهمت أن بقية لا يحدِّث بالمناكير عن المشاهير فعلمت من أين أتي" (٤) .
قال الحاكم (ت٤٠٥هـ) ﵀: "إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث"اهـ (٥) .
قال ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀: "إنما يظهر أمر [المقلوب] بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ومعرفة من يوافق ممن يخالف فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ، فكل مقلوب لا يخرج عن كونه معللاً أو شاذاً"اهـ (٦) .
وكان من طرقهم في كشف القلب: أنهم يحفظون أحياناً النسخ الموضوعة وأحاديث المتهمين، وأحاديث غير الحافظين حتى إذا جاء أحد فقلبها فضحوا أمره، وصاحوا به!
стр. 2468
قال ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ﵀: "سمعت أحمد بن إسحاق السني الدينوري يقول: رأى أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) ﵁ يحي بن معين (ت٢٣٣هـ) في زاوية بصنعاء وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، فإذا اطّلع عليه إنسان كتمه، فقال أحمد بن حنبل ﵀ له: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلم أنها موضوعة فلو قال لك القائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟
قال: رحمك الله يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق (ت٢١١هـ) عن معمر عن أبان عن أنس وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسان، فيجعل بدل أبان ثابتاً ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبت إنما هي أبان لا ثابت" (١) .
وقد كان عليّ بن المديني (ت٢٣٤هـ) ﵀ يتعمد حفظ أحاديث بعض المتهمين حتى لا يأتي أحدهم ويقلبه.
قال أبوغسان (ت٢١٩هـ) : جاءني عليّ بن المديني فكتب عني عن عبد السلام بن حرب، أحاديث إسحاق بن أبي فروة فقلت: أي شيء تصنع بها؟ قال: أعرفها لا يقلب! (٢) .
قال يحي بن حسان: جاء قوم ومعهم جزء فقالوا: سمعناه من ابن لهيعة! فنظرت فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة، فجئت إلى ابن لهيعة فقلت: ما هذا الذي حدثت به ليس فيه من حديثك ولا سمعتها قط؟! فقال: ما اصنع؟ يجيئوني بكتاب ويقولون: هذا من حديثك فأحدثهم به! " (٣) .
فإن قيل: إذا كان الراوي ثقة فلم لا يجوز أن يكون للحديث إسنادان عند شيخه حدّث بأحدهما مراراً وبالآخر مراراً؟
قلنا: هذا التجويز لا ننكره، ولكن مبنى هذا العلم على غلبة الظن، وللحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يقول في ذلك منهم على النقاد المطلعين منهم، ولهذا كان كثير منهم يرجعون عن الغلط إذا نبهوا عليه (٤) .
стр. 2469
قال ابن حجر ﵀: "كذا خطّأ يحي القطان (ت١٩٨هـ) شعبة (ت١٦٠هـ) حيث حدّثوه بحديث: "لايجد عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر"، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. وقال: حدثنا به سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن ابن مسعود وهذا هو الصواب.
ولا يتأتى ليحي أن يحكم على شعبة بالخطأ إلا بعد أن يتيقن الصواب في غير روايته، فأين هذا ممن يستروح فيقول مثلا: يحتمل أن يكون عند أبي إسحاق على الوجهين فحدّث به كل مرّة على أحدهما.
وهذا الاحتمال بعيد عن التحقيق إلا أن جاءت رواية عن الحارث يجمعهما ومدار الأمر عند أئمة هذا الفن على ما يقوى في الظن، أمّا الاحتمال المرجوح فلا تعويل عندهم عليه"اهـ (١) .
ومما جاء في تخطئة بعض الحفاظ في أحاديث ورجوعهم عن الخطأ:
عن العلاء بن حسين قال: حدثنا سفيان بن عيينة (ت١٩٨هـ) حديثاً في القرآن فقال له عبد الله بن زيد: ليس هو كما حدثت يا أبا محمد قال: وما علمك يا قصير؟ قال: فسكت عنه هنية، ثم قام إلى سفيان فقال يا أبا محمد أنت معلمنا وسيدنا فإن كنت أوهمت فلا تؤاخذني. قال: فسكت سفيان هنية ثم قال: يا أبا عبد الرحمن قال: لبيك وسعديك! قال: الحديث كما حدثت أنت، وأنا أوهمت" (٢) .
قال ابن عمار (ت٢٤٢هـ) : رددت على المعافى بن عمران حرفاً في الحديث فسكت فلما كان من الغد جلس في مجلسه من قبل أن يحدث وقال: إن الحديث كما قال الغلام، قال: وكنت حينئذ غلاماً أمرد ما في لحيتي طاقة (٣) .
عن يحي بن معين (ت٢٣٣هـ) ﵀، قال: "حضرت مجلس نعيم بن حماد فجعل يقرأ كتاباً من تصنيفه قال فقرأ منه ساعة ثم قال: ثنا ابن المبارك (ت١٨١هـ) عن ابن عون، فذكر أحاديث فقلت له: ليس هذا عن ابن المبارك، فغضب، وقال: ترد عليّ!
قلت: نعم أريد بذلك زينك فأبى أن يرجع!
стр. 2470
فقلت: والله ما سمعت أنت هذه الأحاديث من ابن المبارك من ابن عون فغضب هو وكل من كان عنده وقام فدخل البيت فأخرج صحائف فجعل يقول: نعم يا أبا زكريا غلطت، وكانت هذه صحائف يعني مجموعة فغلطت فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون وإنما رواها لي عن ابن عون غير ابن المبارك، قال: فرجع عنها" (١) .
قال البخاري (ت٢٥٦هـ) ﵀: خرجت من الكتاب ولي عشر سنين فجعلت اختلف إلى الداخلي يعني فقال يوماً وهو يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم فقلت له: يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يروه عن إبراهيم فانتهرني فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك.
فدخل ونظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف قلت يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم فقال: صدقت وأخذ القلم مني فاحكم كتابه. وكان للبخاري يومئذ إحدى عشرة سنة" (٢) .
المقصد الخامس: أمثلة للحديث المقلوب متناً
سبق عند تعداد فوائد معرفة الحديث المقلوب أمثلة للقلب في الأسماء، وسيأتي أثناء ذكر الأئمة الذين استعملوا الوصف بالقلب في عباراتهم ذكر جملة من الأحاديث التي انقلبت أسانيدها، وقد أفردت دراسة خاصة مستقلة في الأحاديث التي وقع القلب في متونها، أكتفي هنا منها بإيراد هذه الأمثلة، سائلاً الله تعالى التوفيق والهدى والرشاد والسداد!
الحديث الأول
قال مسلم ﵀: "حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 2471
"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ. وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ. وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ. وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ. وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ".
وقال مسلم: "حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ: وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ" (١) .
قلت: وقع في سياق الحديث عند مسلم قلب، إذ قال: "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ".
قال القاضي عياض (ت٥٤٤هـ) ﵀: "والمعروف الصحيح: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، وكذا وقع في الموطإ (٢) والبخاري (٣) وهو وجه الكلام؛ لأن النفقة المعهود فيها باليمين"اهـ (٤) .
وقال ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀، في شرحه لهذا الحديث: "وقع في صحيح مسلم مقلوبا: "حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" وهو نوع من أنواع علوم الحديث أغفله ابن الصلاح وإن كان أفرد نوع المقلوب (٥) لكنه قصره على ما يقع في الإسناد (٦) ، ونبه عليه شيخنا في محاسن الاصطلاح (٧) ...
وقال شيخنا [يعني: البُلقيني] : ينبغي أن يسمى هذا النوع المعكوس (٨) . انتهى.
стр. 2472
والأولى تسميته مقلوبا؛ فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن كما قالوه في المدرج سواء، وقد سماه بعض من تقدم (١) : (مقلوبا) ."اهـ (٢) .
وقد اختلف في ممن وقع الوهم في هذه الرواية التي جاءت في صحيح مسلم:
قال عياض (ت٥٤٤هـ) ﵀: "يشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، بدليل إدخاله بعده حديث مالك، وقال: "بمثل حديث عبيد الله"، وتحرّى الخلاف فيه في قوله: "رجل معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود" فلو كان مارواه خلافاً لرواية مالك لنبه عليه، كما نبّه على هذا"اهـ (٣) .
قلت: كذا قال ﵀، لكن نبه الحافظ ابن حجر إلى ورود ما يدل على أن الوهم فيه من شيخ مسلم أو من شيخ شيخه.
قال ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀: "وليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه بل هو من شيخه أو من شيخ شيخه: يحيى القطان؛ فإن مسلما أخرجه عن زهير بن حرب وابن نمير كلاهما عن يحيى وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير، وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده عن زهير، وأخرجه الجوزقي في مستخرجه عن أبي حامد بن الشرقي عن عبد الرحمن ابن بشر بن الحكم عن يحيى القطان كذلك، وعقبه بأن قال: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: يحيى القطان عندنا واهم في هذا، إنما هو "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (٤) .
قلت (ابن حجر) : والجزم بكون يحيى هو الواهم فيه نظر؛ لأن الإمام أحمد قد رواه عنه على الصواب، وكذلك أخرحه البخاري هنا عن محمد بن بشار وفي الزكاة عن مسدد، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق يعقوب الدورقي وحفص بن عمرو كلهم عن يحيى، [يعني: رووه على الصواب عنه] .
وكأن أبا حامد لما رأى عبد الرحمن قد تابع زهيرا ترجح عنده أن الوهم من يحيى، وهو محتمل بأن يكون منه لما حدث به هذين خاصة، مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه.
стр. 2473
وقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة، وليس بجيد لأن المخرج متحد ولم يختلف فيه على عبيد الله بن عمر (١) شيخ يحيى فيه ولا على شيخه خبيب ولا على مالك رفيق عبيد الله بن عمر فيه.
وأما استدلال عياض على أن الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية مالك مثل عبيد الله فقد عكسه غيره فواخذ مسلما بقوله مثل عبيد الله لكونهما ليستا متساويتين، والذي يظهر أن مسلما لا يقصر لفظ المثل على المساوي في جميع اللفظ والترتيب، بل هو في المعظم إذا تساويا في المعنى، والمعنى المقصود من هذا الموضع إنما هو إخفاء الصدقة والله أعلم"اهـ (٢) .
قلت: وهناك احتمال ثالث أرجح عندي من الاحتمالين السابقين: أن الوهم من عبيد الله بن عمر؛ فقد قال أبونعيم: "حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا مسدد ثنا حمّاد بن زيد (٣) . ح وحدثنا محمد بن نصر ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ثنا محمد بن بكير ثنا عباد ابن عباد. وحدثنا عبد الله بن محمد ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أحمد بن علي حدثنا أبوخيثمة زهير بن حرب ثنا يحي بن سعيد. كلهم عن عبيد الله أخبرني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزوجل، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما ينفق شماله ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه" (٤) .
قلت: وهذا السياق صريح في أن الوهم من عبيد الله إذ اتفق يحي بن سعيد وعباد بن عباد وحماد بن زيد في روايته عنه على الوهم!
стр. 2474
وما وقع في صحيح البخاري وغيره (١) من رواية يحي عن عبيد الله بن عمر على الصواب بدون قلب، يحتمل أن عبيد الله رواه مرّة على الصواب ومرّة على الخطأ (٢) ، ويؤكد سلامة يحي بن سعيد من تعصيب الوهم به، والله اعلم!
الحديث الثاني
قال الطبراني (ت٣٦٠هـ) ﵀: "حدثنا إبراهيم قال: أخبرنا علي بن عثمان اللاحقي، قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن أيوب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
وحماد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة: قال قال رسول الله ﷺ : "ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم" (٣) .
وهذا حديث مقلوب! (٤)
قال الهيثمي (ت٨٠٧هـ) ﵀: "هو في الصحيح بعكس هذا"اهـ (٥) .
قلت: رواية الشيخين عكس هذا الذي عند الطبراني، وسياقها:
قال البخاري (ت٢٥٦هـ) ﵀: "حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:"دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٦) .
الحديث الثالث
قال الطحاوي (ت٣٢١هـ) ﵀: "حدثنا أحمد بن أبي داود قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج قال: حدثنا وهيب، عن إسماعيل بن أمية ويحي بن سعيد وعبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحي بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر، قال: رقيت فوق بيت حفصة، فإذا أنا بالنبي ﷺ جالس على مقعدته، مستقبل القبلة مستدبر الشام".
стр. 2475
وقال أيضاً: "حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: حدثنا يحي ابن أيوب قال: حدثني محمد بن عجلان، عن محمد يحي، عن واسع بن حبان، عن ابن عمر، أنه قال: يتحدّث الناس عن رسول الله ﷺ في الغائط بحديث، وقد اطلعت يوماً ورسول الله ﷺ على ظهر بيت، يقضي حاجته، محجوباً عليه بلبن، فرأيته مستقبل القبلة" (١) .
قال ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ﵀: "أخبرنا الحسنُ بنُ سُفيان، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ الحجاج السَّامي، قال: حدثنا وهيبٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاري، وإسماعيل بن أمية، وعبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عمه: واسع بن حَبَّان، عن ابن عمر، قال: رقِيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ، فَإِذا أَنَا بالنَّبيِّ ﷺ ، جَالِساً عَلَى مَقْعَدَتِهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ مُسْتَدْبِرَ الشَّامِ" (٢) .
قوله: "فرأيته مستقبل القبلة"، وفي الرواية الأخرى:"مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ مُسْتَدْبِرَ الشَّامِ" مقلوب!
والصواب ما جاء عند البخاري ومسلم:
قال البخاري (ت٢٥٦هـ) ﵀: "حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ".
стр. 2476
وقال أيضاً: "حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: "لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (١) .
وقال مسلم (ت٢٦١هـ) ﵀: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ نَاسٌ إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ!
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ".
وقال أيضاً: "حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ" (٢) .
стр. 2477
نص على وقوع القلب في الحديث ابن حجر (ت٨٥٢هـ) ﵀ (١) والسخاوي (ت٩٠٢هـ) ﵀ (٢) ، واللكنوي (ت١٣٠٤هـ) ﵀ (٣) .
قال السخاوي ﵀ عن هذا الحديث: "فرواه ابن حبان كما في نسخة صحيحة معتمدة قديمة جداً من طريق وهيب عن بن عبيد الله بن عمر وغيره عن محمد بن يحي، بلفظ: "مستقبل القبلة مستدبر الشام"، ورواه عن الحسن بن سفيان عن إبراهيم بن الحجاج عن وهيب، وهو مقلوب!
وقد رواه الإسماعيلي في مستخرجه عن أبي يعلى عن إبراهيم فقال: "مستدبر القبلة مستقبل الشام" كالجادة فانحصر في الحسن بن سفيان أو ابن حبان"اهـ (٤) .
قلت: كذا قال ﵀! والواقع أنه بالنظر إلى الطريقين الذين عند الطحاوي لا يتعين أن القلب من ابن حبان أو شيخه الحسن بن سفيان، بل الذي يظهر لي والله أعلم أنه من يحي بن سعيد الأنصاري أو محمد بن يحي ابن حبان والله اعلم.
المقصد السادس: الأئمة الذين استعملوا في عباراتهم الوصف بالقلب!
جاء استعمال وصف القلب في عبارات أئمة الجرح والتعديل في أحيان كثيرة بذكر اسم (القلب) ، وفي أحيان بذكر اسم (الإحالة) وفي أحيان (دخل حديث في حديث) وفي أحيان أخرى باسم (السرقة) ، وأحياناً باسم (التدليس) مع ما يوضح أنه قلب، وأحياناً بذكر معناه وهيئته.
وأسوق أسماء الأئمة الذين وقفت لهم على عبارات في ذلك، دون استيعاب لجميع عباراتهم، فقط أورد بعضها للدلالة على أنهم استعملوا الوصف بالقلب، فمن هؤلاء:
١ شعبة بن الحجاج (ت١٦٠هـ) ﵀.
ذكر الخطيب في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وأدب السامع" (٥) بسنده عن بهز بن أسد العمي (مات بعد المائتين وقيل قبلها) وسأله حَرَمِيّ بن عمارة
(ت ٢٠١هـ) عن أبان بن أبي عياش؟ فذكر له عن شعبة ﵀ أنه قال: "كتبت حديث أنس عن الحسن وحديث الحسن عن أنس، فدفعتها إلى أبان بن أبي عياش، فقرأها عليّ". فقال حَرَمِيّ: بئس ما صنع وهذا يحل؟! ".
стр. 2478
قال شعبة ﵀: "أفادني ابن أبي ليلى أحاديث فإذا هي مقلوبة" (١) .
٢ حماد بن سلمة (ت١٦٧هـ) ﵀.
عن حمّاد بن سلمة: "قلبت أحاديث على ثابت البناني فلم تنقلب، وقلبت على أبان بن أبي عياش فانقلبت" (٢) .
وقال: "كنت أسمع أن القصاص لا يحفظون الحديث، قال: فكنت أقلب الأحاديث على ثابت أجعل أنس لابن أبي ليلى وأجعل ابن أبي ليلى لأنس أشوش بينهما فيجريهما على السواء" (٣) .
٣ حماد بن زيد (ت١٧٩هـ) ﵀.
قال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد: "ثنا علي بن زيد وكان يقلب الأحاديث. كان يحدثنا اليوم بالحديث ثم يحدثنا غداً فكأنه ليس ذلك" (٤) .
٤ صدقة أظنه ابن خالد (ت١٨٤هـ) ﵀.
قال صدقة: "دفن يوسف بن أسباط كتبه فكان بعد تنقلب عليه فلا يجيء به كما ينبغي فاضطرب في حديثه روى عنه أبو الأحوص" (٥) .
٥ يحي بن سعيد القطان (ت١٩٨هـ) ﵀
قال خلف بن سالم: حدثني يحي بن سعيد، قال: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان وبها من يطلب الحديث: مليح بن وكيع، وحفص بن غياث، وعبد الله ابن إدريس، ويوسف بن خالد السمتي، فقلنا: نأتي ابن عجلان.
فقال يوسف بن خالد: نقلب على هذا الشيخ حديثه، ننظر تفهمه. قال: فقلبوا فجعلوا ماكان عن سعيد عن أبيه، وما كان عن ابيه عن سعيد، ثم جئنا إليه، لكن ابن إدريس تورّع وجلس بالباب وقال ك لا استحل، وجلست معه.
ودخل حفص، ويوسف بن خالد، ومليح، فسألوه، فمرّ فيها، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ فقال: أعد العرض فعرض عليه، فقال: ما سألتموني عن أبي فقد حدثني سعيد به، وما سألتموني عن سعيد فقد حدثني به أبي، ثم أقبل على يوسف بن خالد، فقال: إن كنت أردت شيني وعيبي فسلبك الله الاسلام، وأقبل على حفص، فقال: ابتلاك الله في دينك ودنياك، وأقبل على مليح، فقال: لا نفعك الله بعلمك!
قال يحي: فمات مليح ولم ينتفع به، وابتلي حفص في بدنه بالفالج، وبالقضاء في دينه، ولم يمت يوسف حتى اتهم بالزندقة" (٦) .
стр. 2479
٦ عبد الرحمن بن مهدي (ت١٩٨هـ) ﵀.
قال ابن مهدي ﵀ عن فرج بن فضالة: "حدّث عن أهل الحجاز بأحاديث منكرة مقلوبة" (١) .
٧ محمد بن إدريس الشافعي (ت٢٠٤هـ) ﵀:
لم يأت عنه صراحة اسم (القلب) في المتن، ولكن جاءت صورته، والعلماء مثلوا بها في المقلوب متناً، وهو ما جاء في كلام للبيهقي بعد روايته من طريق عبد الله يعني ابنَ عُمَرَ العُمَرِيَّ عن نافع عن ابنِ عُمَرَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ قَسَمَ يومَ خَيْبَرَ للفارسِ سهمينِ، وللراجلِ سهماً". قال البيهقي (ت٤٥٨هـ) ﵀: "عبدُ الله العُمَرِيُّ كثيرُ الوَهَمِ. وقد رُوِيَ ذلكَ من وَجْهٍ آخَرَ عن القَعْنَبِيِّ عن عبدِ الله العُمَرِيِّ بالشكِ في الفارسِ أَو الفَرَسِ. قالَ الشَّافِعيُّ في القديمِ: كَأَنَّهُ سمعَ نافعاً يقولُ: للفرسِ سهمينِ وللرجلِ سهماً، فقالَ: للفارسِ سهمينِ وللراجلِ سهماً. وليسَ يَشُكُّ أحدٌ مِنْ أهل العلم في تَقْدِمَةِ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ على أخيه في الحِفْظِ"اهـ (٢) .
قلت: والشافعي يشير بهذا إلى أن عبد الله العمري قد وهم فقلب الحديث فقلب لفظ (الفرس) إلى (الفارس) ، وجعل ما للفرس له، فصار الأمر: أن للفارس هو وفرسه: سهمين، وللراجل سهماً واحداً فقط، فقلب الحديث الذي كان: للراجل سهماً، وللفرس سهمين، فيصير للفرس وصاحبه ثلاثة أسهم!
٨ أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي (ت٢٢٧هـ) ﵀.
قال أبو الوليد الطيالسي ﵀، في الربيع بن صبيح السعدي: "كان الربيع لا يدلس، وكان المبارك أكثر تدليساً منه" (٣) .
قلت: مراده - والله اعلم - أن الربيع كان يقلب أسماء الرواة وأسانيد الأحاديث فيًظن تدليساً، وما هو بتدليس، وكان المبارك يتحقق فيه وصف التدليس أكثر من الربيع.
стр. 2480
ويدل على نفي وصف التدليس عن الربيع قول عثمان بن سعيد الدارمي (ت٢٨٠هـ) : "المبارك [بن فضالة] عندي فوق [الربيع بن صبيح] فيما سمع من الحسن، إلا أنه ربما دلّس" (١) .
قلت: مفهوم هذا أن الربيع بن صبيح لا يدلس! ويؤكده ثبوت وصف الربيع بأن أحاديثه مقلوبة، كما قال عفان بن مسلم (ت٢٦١هـ) ﵀: "أحاديثه كلها مقلوبة" (٢) .
٩ يحي بن معين (ت٢٣٣هـ) ﵀.
قصته مع أبي نعيم الفضل بن دكين مشهورة!
قال ابن معين ﵀ في الحسين بن فرج الخياط: "كذاب يسرق الحديث" (٣) .
وقال ﵀: "أحاديث زيد بن الحباب عن سفيان الثوري مقلوبة" (٤) .
قال ابن معين ﵀، في سليمان بن داود ابن الشاذكوني: "ابن الشاذكوني ليس بثقة، ولا مأمون، إذا بلغه حديث عن انسان قلبه عن غيره، لا ينبغي يكتب عنه الحديث ولا كرامة" (٥) .
١٠ ابن نمير (ت٢٣٤هـ) ﵀
قال ابن نمير ﵀ في محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي أبوهشام الرِّفاعي: "كان أبوهشام يسرق الحديث" (٦) .
١١ أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) ﵀.
قال عبد الله عن أبيه أحمد بن حنبل ﵏، في حبيب بن أبي حبيب: "ليس بثقة. قال: قدم علينا رجل (أحسبه قال: من خراسان) كتب عنه كتاباً عن ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن سالم والقاسم، فإذا هي أحاديث ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، عن قاسم، وسالم. قال أبي: (أحالها) على ابن أخي ابن شهاب. قال أبي: كان يكذب، ولم يكن أبي يوثقه ولا يرضاه، وأثنى عليه شراً وسوء اً" (٧) .
استعمل الإمام أحمد هنا (الإحالة) بمعنى القلب!
وقال ﵀: "كان شعبة يقلب أسامي الرجال" (٨) .
وقال ﵀ في عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمري، من أهل المدينة (٩) : "ليس بشيء. وقد سمعت منه ومزقته وكان يقلب حديث نافع عن ابن عمر يجعله عن عبد الله بن دينار". وقال مرّة: "أحاديثه مناكير".
стр. 2481
١٢ محمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ) ﵀.
قال البخاري ﵀، في عيسى بن عبد الرحمن بن فروة أبوعباد الزرقي.: "عيسى بن عبد الرحمن عن الزهري. روى عنه عمرو بن قيس منكر الحديث. وابن لهيعة عن عيسى بن عبد الرحمن عن الزهري مقلوب" (١) .
وقال ﵀، في فرج بن فضالة بن النعمان بن نعيم التنوخي أبوفضالة الحمصي: "كان عبد الرحمن لا يحدث عن فرج بن فضالة ويقول: حدّث عن يحي ابن سعيد أحاديث منكرة مقلوبة" (٢) .
وقال في "زهير بن محمد": "أنا أتقي هذا الشيخ كأنه حديث موضوع وليس هذا عندي زهير بن محمد، وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ. ينبغي أن يكون قلب اسمه أهل الشام. يروون عن زهير بن محمد هذا مناكير"اهـ (٣) .
١٣ عفان بن مسلم (ت٢٦١هـ) .
قال عفان بن مسلم ﵀، في الربيع بن صبيح: "أحاديثه كلها مقلوبة" (٤) .
١٤ أبوالحسن أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي العجلي (ت٢٦١هـ) ﵀.
قال: "ما خلق الله أحداً كان أعرف بالحديث من ابن معين (ت٢٣٣هـ) لقد كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وقلبت فيقول هذا كذا وهذا كذا فيكون كما قال" (٥) .
١٥ أبوزرعة الرازي (ت٢٦٤هـ) رحه الله.
قال أبوزرعة الرازي ﵀، في أسباط بن نصر الهمداني أبو يوسف ويقال أبو نصر الكوفي: "أمّا حديثه فيعرف وينكر وأمّا في نفسه فلابأس به. حدثنا محمد بن إدريس قال: سمعت أبا نعيم وقال له رجل: سمعت من أسباط بن نصر؟ قال: كان أسباط بن نصر يقلب الحديث. حدثنا محمد قال: سمعت أبا جعفر الجمال يذكر عن أبي نعيم، قال: ذكر له أسباط بن نصر، فقال: هالك هو" (٦) .
قال ابن أبي حاتم (ت٣٢٧هـ) ﵀: "سألته (يعني: أبازرعة) : عن حديث أبي الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة قال: قال رسول الله ﷺ : "اشربوا في الظروف ولا تسكروا".
стр. 2482
قال أبوزرعة: فوهم أبوالأحوص فقال عن سماك عن القاسم عن أبيه عن أبي بردة قلب من الإسناد موضعاً وصحّف في موضع. أمّا القلب فقوله: عن أبي بردة أراد عن ابن بريدة ثم احتاج أن يقول ابن بريدة عن أبيه، فقلب (في المطبوع: فقلت) الإسناد بأسره، وأفحش في الخطأ!
وأفحش من ذلك وأشنع تصحيفه في متنه: "اشربوا في الظروق ولا تسكروا" وقد روي هذا الحديث عن ابن بريدة عن أبيه. أبوسنان ضرار بن مرة وزبيد اليامي عن محارب بن دثار. وسماك بن حرب والمغيرة بن سبيع، وعلقمة بن مرثد والزبير بن عدي وعطاء الخرساني وسلمة بن كهيل كلهم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في السقاء فاشربوا في الأسقية ولا تشربوا مسكراً" وفي حديث بعضهم قال: "واجتنبوا كل مسكر" ولم يقل أحد منهم: "ولاتسكروا" وقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء المسمين (في المطبوع: وهو لا المشمس) على ما ذكرنا من خلافه"اهـ (١) .
ورأيته يصف حديثاً بأنه مرسل مقلوب (٢) .
١٦ فضلك الرازي أبوبكر الفضل بن العباس (ت٢٧٠هـ) ﵀.
قال أبوأحمد العسال: سمعت فضلك الرازي يقول: دخلت على محمد بن حميد وهو يركب الأسانيد على المتون" (٣) .
١٧ محمد بن عوف (ت٢٧٢هـ) ﵀
قال محمد بن عوف، في عبد الوهاب بن الضحاك: قيل له: إنه كان يأخذ فوائد أبي اليمان فيحدث بها عن إسماعيل بن عياش، وحدّث بأحاديث كثيرة موضوعة. قال: فخرجت إليه فقلت: ألا تخاف الله! فضمن لي أن لا يحدِّث بها بعد ذلك (٤) .
١٨ أبوداود (ت٢٧٥هـ) صاحب السنن ﵀.
روى أبوعبيد الآجري عن أبي داود أنه قال: الحسن بن مدرك كذاب كان يأخذ أحاديث فهد بن عوف قيقلبها على يحي بن حمّاد" (٥) .
стр. 2483
وفي الرواة مصعب بن سلام (١) ، قال الآجري: "سألت أباداود عن مصعب بن سلام؟ فقال: ضعفوه بأحاديث انقلبت عليه أحاديث ابن شبرمة".
١٩ أبوحاتم محمد بن إدريس بن المنذر الرازي (ت٢٧٧هـ) ﵀.
قال ابن أبي حاتم ﵀: "سألت أبي (يعني: أباحاتم) وأبازرعة عن حديث رواه يحي بن يمان عن الثوري عن منصور عن خالد بن سعد عن أبي مسعود: أن النبي ﷺ طاف بالبيت فاستسقى فأتي بنبيذ فشمه فقطب وجهه فقيل: أحرام هو يارسول الله؟ قال: لا".
فقلت لهما: ما علة هذا الحديث؟ وهل هو صحيح؟
فقالا: أخطأ ابن يمان في إسناد هذا الحديث وروى هذا الحديث عن الثوري عن الكلبي عن أبي صالح عن المطلب بن أبي وداعة عن النبي ﷺ !
قال أبي: والذي عندي أن يحي بن يمان دخل حديث له في حديث:
رواه الثوري عن منصور عن خالد بن سعد مولى أبي مسعود: "أنه كان يشرب نبيذ الجر".
وعن الكلبي عن أبي صالح عن المطلب عن النبي ﷺ : إنه كان يطوف بالبيت ... الحديث؛ فسقط عنه إسناد الكلبي فجعل اسناد منصور عن خالد عن أبي مسعود لمتن حديث الكلبي.
وقال أبوزرعة: وهم فيه يحي بن يمان إنما هو الثوري عن الكلبي عن أبي صالح عن المطلب عن النبي ﷺ "اهـ (٢) .
٢٠ عبد الرحمن بن خراش (ت٢٨٣هـ) ، ﵀.
قال عبدان: قلت لعبد الرحمن بن خراش (ت٢٨٣هـ) : هذه الأحاديث التي يحدث بها غلام خليل من أين له؟ قال: سرقها من عبد الله بن شبيب وسرقها عبد الله بن شبيب من النضر بن سلمة شاذان ووضعها شاذان" (٣) .
٢١ البرذعي أبوعثمان سعيد بن عمرو (ت٢٩٢هـ) ﵀.
стр. 2484
قال البرذعي: "سمعت أبازرعة يقول: هشام بن سعد واهي الحديث. أتقنت ذلك عن أبي زرعة، وهشام عند غير أبي زرعة أجل من هذا الوزن، فتفكرت فيما قال أبوزرعة؛ فوجدت في حديثه وهماً كبيراً، من ذلك: أنه حدّث عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: في قصة المواقع في رمضان، وقد روى أصحاب الزهري قاطبة، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن وليس من حديث أبي سلمة، وقد حدّث به وكيع، عن هشام، عن الزهري، عن أبي هريرة، كأنه أراد الستر على هشام في قوله عن أبي سلمة" (١) . قلت: فقلب هشام الحديث فجعله عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة! وهذا من البرذعي ذكر للقلب عن طريق ذكر صورته!
٢٢ صالح بن محمد الأسديُّ الحافظ، صالح جزرة (ت٢٩٣هـ) ﵀.
قال صالح جزرة، في محمد بن حميد: "كنا نتهم ابن حميد في كل شيء، ما رأيت أجرأ على الله منه. كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض".
وقال: "كان كل ما بلغه من حديث سُفيان يُحيله على مِهْران، وما بلغه من حديث منصور يُحيله على عَمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عَنْبَسة، ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حُميد كنا نتهمه فيه. وقال في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد وما رأيت أحداً أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بَعْضٍ. وقال في موضع آخر: ما رأيتُ أحداً (أحذق) ، بالكَذِب من رَجُلَين: سُلَيْمان الشَّاذكونيّ، ومحمد بن حُميد الرازي، كان يُحْفَظ حديثه كله، وكان حديثه كل يوم يَزِيد" (٢) .
٢٣ أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ) ﵀.
قال النسائي ﵀، في النعمان بن راشد الرقي: "ضعيف كثير الغلط".
وقال مرّة: "أحاديثه مقلوبة".
وقال مرّة: "ضعيف" (٣) .
٢٤ عبدان الأهوازي، عبد الله بن أحمد بن موسى (ت٣٠٦هـ) ﵀.
стр. 2485
قال ابن عدي (ت٣٦٥هـ) ﵀: "سمعت عبدان يقول: قلت لعبد الرحمن بن خراش: هذه الأحاديث التي يحدث بها غلام خليل من أين له؟ فقال: سرقه من عبد الله بن شبيب وسرقه ابن شبيب من النضر بن سلمة شاذان ووضعها شاذان" (١) .
٢٥ ابن خزيمة (ت٣١١هـ) ﵀
ذكر صورة القلب في المتن، وقال: "قلب ابن نمير المتن على مارواه أبومعاوية. وتابع شعبة في معنى المتن! وشعبة وابن نمير أولى بمتن الخبر من أبي معاوية، وتابعهما أيضا سيار أبوالحكم عن أبي وائل عن عبد الله قال: خصلتان أحداهما سمعتها من رسول الله ﷺ والأخرى أنا أقولها. قال رسول الله ﷺ : من مات وهو يجعل لله نداً دخل النار، وأنا أقول: من مات وهو لا يجعل لله نداً دخل الجنة"اهـ (٢) .
٢٦ أبوحاتم محمد بن حبان البستي (ت٣٥٤هـ) ﵀.
وكلامه في ذلك كثير جداً، لا تكاد تمر صفحات من كتابه المجروحين إلا وتجد له وصفاُ بالقلب أو السرقة! وهو أكثر أئمة الجرح والتعديل وصفاً بالقلب! فمن ذلك:
قوله في ترجمة أبان بن أبي عياش: "سمع عن أنس بن مالك أحاديث وجالس الحسن فكان يسمع كلامه ويحفظه فإذا حدث ربما جعل كلام الحسن الذي سمعه من قوله عن أنس عن النبي (وهو لا يعلم. ولعله روى عن أنس أكثر من ألف وخمسمائة حديث ما لكبير شيء منها أصل يرجع إليه"اهـ (٣) .
وقوله في إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم أبي إسحاق البغدادي: "كان يقلب الأخبار ويسرق الحديث، فعمد إلى حديث تفرد به رجل واحد لم يره فجاء به عن شيخ آخر" ثم قال: "فالاحتياط في أمره الاحتجاج بما وافق الثقات من الأخبار وترك ما انفرد به من الآثار"اهـ (٤) .
وقوله في إبراهيم بن إسحاق الواسطي: "شيخ يروي عن ثور بن يزيد ما لا يتابع عليه، وعن غيره من الثقات المقلوبات، على قلة روايته. لا يجوز الاحتجاج به"اهـ (٥) .
٢٧ ابن عدي (ت٣٦٥هـ) ﵀.
стр. 2486
وكلامه ﵀ في وصف الرواة بالقلب والسرقة كثير، وقد لهج في كتابه الكامل باستعمال وصف سرقة الحديث، فهو أكثر الأئمة استعمالاً لهذا الوصف في الرواة المتكلم فيهم! فمن ذلك:
قوله في إبراهيم بن بكر الشيباني، الأعور: "كان ببغداد يسرق الحديث. ... ثم قال: وإبراهيم بن بكر هذا هو الشيباني يسرق هذا الحديث من الهذيل ولا أعلم له كبير رواية وأحاديثه إذا روى إما أن تكون منكرة بإسناده أو مسروقاً ممن تقدمه"اهـ (١) .
وقوله في إبراهيم بن عبد السلام المخزومي المكي: "ليس بمعروف. حدّث بالمناكير. وعندي أنه يسرق الحديث" (٢) .
وقوله في أحمد بن الحسن بن أبان: "حدّث عن أبي عاصم بأحاديث مناكير عن ابن عون وعن الصوري وشعبة، ويسرق الحديث، ضعيف"اهـ (٣) .
٢٨ أبوأحمد الحاكم (ت٣٧٨هـ) ﵀.
قال أبو أحمد الحاكم (ت٣٧٨هـ) ﵀ في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "عامة أحاديثه مقلوبة" (٤) .
٢٩ علي بن عمر الدارقطني (ت٣٨٥هـ) ﵀.
قال الدارقطني ﵀، في عبد الوهاب بن الضحاك: "له مقلوبات وبواطيل" (٥) .
قال الدارقطني ﵀، في عبيد الله بن تمام: "بصري. عن التيمي وداود ابن أبي هند ويونس أحاديث مقلوبة" (٦) .
وفي علل الدارقطني:
"٧٣٥ وسئل عن حديث شقيق عن عبد الله عن النبي ﷺ الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا عالم أو متعلم وذكر الله"؟
فقال: يرويه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. واختلف عنه؛ فرواه أبو المطرف مغيرة بن مطرف عن بن ثوبان عن عبدة ابن أبي لبابة عن شقيق عن عبد الله!
وهذا إسناد مقلوب؛ وإنما رواه ابن ثوبان عن عطاء بن بن قرة عن عبد الله ابن ضمرة عن أبي هريرة وهو الصحيح"اهـ (٧) .
وفيها أيضاً: "١٠٦١ وسئل: عن حديث خالد بن سعيد عن أبي مسعود: "أن النبي ﷺ عطش فاستسقى بنبيذ من السقاية فشمه فقطب فدعا بماء فصبه عليه وشربه"؟
стр. 2487
فقال: يرويه يحيى بن يمان عن الثوري عن منصور عن خالد بن سعيد عن أبي مسعود.
ويقال: إن يحيى وهم فيه وإنما روى الثوري يعني هذا عن الكلبي عن أبي صالح عن المطلب بن أبي وداعة عن النبي ﷺ !
والكلبي متروك الحديث. ولا يحفظ هذا من حديث منصور إلا من رواية يحيى بن يمان عن الثوري. وقد تابعه عبد العزيز بن أبان وهو متروك عن الثوري.
وتابعهما أيضا اليسع بن إسماعيل وهو ضعيف عن زيد بن الحباب عن الثوري.
وإنما حديث الكلبي الذي عند الناس والثوري عن منصور عن خالد ابن سعد عن أبي مسعود: "إنه كان يمسح على الجوربين"؛ فيقال: إن يحيى بن يمان انقلب عليه هذا الحديث ودخل عليه في حديث الكلبي عن أبي صالح عن المطلب والله أعلم!
حدثنا محمد بن سليمان بن علي وأحمد ابن محمد بن بحر العطار بالبصرة قالا: ثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب قال: ثنا يحيى بن يمان عن سفيان عن منصور عن خالد بن سعد عن أبي مسعود: "إن النبي ﷺ عطش وهو يطوف فاستسقى فأتى بنبيذ من السقاية فشمه ... " الحديث"اهـ (١) .
٣٠ أبوسليمان الخطابي (ت٣٨٨هـ) ﵀
قال الخطابي ﵀: "ولا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في أن هذا الخبر لم يصح مسنداً عن النبي ﷺ إلا من رواية عمر بن الخطاب رضي الله، وقد غلط بعض الرواة فرواه من طريق أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ .
стр. 2488
حدثنا إبراهيم بن فراس قال حدثناه موسى بن هارون، قال حدثنا نوح بن حبيب قال: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد قال: حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنية ولكل امريء مانوى". فذكر نحواً من حديث عمر ﵁، وهذا عند أهل المعرفة بالحديث: مقلوب، وإنما هو إسناد حديث آخر ألصق به هذا المتن! ويقال: إن الغلط إنما جاء فيه من قبل نوح بن حبيب البذشي"اهـ (١) .
٣١ أبوعبد الله الحاكم (ت٤٠٥هـ) ﵀.
قال الحاكم (ت٤٠٥هـ) ﵀، في سعيد بن داود الزنبري: "يروي عن مالك أحاديث مقلوبة وصحيفة أبي الزناد أيسر من غيرها، فإن أحاديث أبي الزناد محفوظة، وإن لم يكن لمالك في بعضها أصل. وقد روى خارج النسخة عن مالك أحاديث موضوعة" (٢) .
وقال ايضاً ﵀: "يزيد بن أبي زياد كان يذكر بالحفظ فلما كبر ساء حفظه فكان يقلب الأسانيد ويزيد في المتون ولا يميز" (٣) .
٣٢ أبونعيم الأصبهاني (ت٤٣٠هـ) ﵀.
قال أبونعيم ﵀، عن علي بن سعيد بن شهريار: "روى عن يزيد بن هارون (ت٢٠٦هـ) والأنصاري حديثين مقلوبين" (٤) .
٣٣ أحمد بن الحسين البيهقي (ت٤٥٨هـ) ﵀.
قال البيهقي ﵀ في أحد الراوة: "كان يقلب الأسانيد ويسرق الحديث حتى كثر ذلك في روايته وسقط عن حد الاحتجاج". وقال مرّة: "ضعيف" (٥) .
стр. 2489
وقال مرّة: "أخبرناه أبو سعدٍ المَالِيْنِيُّ أنبأ أبو أحمدَ بنُ عَدِيَ الحافظُ أنبأ الحسنُ بنُ سفيانَ ثنا أبو مَعْمَرٍ ثنا ابنُ يَمَانٍ ح وأنبأ أبو بكرِ بنُ الحارثِ الأَصْبِهَانِيُّ أنبأ عليُّ بنُ عُمَرَ الحافظُ ثنا أبو علي محمد بنُ سليمانَ وأحمد ابنُ محمدِ بنِ بحرٍ العَطَّارُ جميعاً بالبَصْرَةِ قالا ثنا إسحقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ ابنِ الشهيدِ ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ عن سفيانَ عن منصورٍ عن خالد بن سعدٍ عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قالَ: عَطِشَ رسولُ الله ﷺ حولَ الكعبةِ، فَاسْتَسْقَى فَأُتِيَ بنبيذٍ من السقايةِ، فَشَمَّهُ فَقَطَّبَ، فقالَ: "عَلَيَّ بِذَنُوبٍ مِنْ زَمْزَمَ"، فَصَبَّهُ عليهِ، ثم شَرِبَ، فقالَ رجلٌ: حَرَامٌ هو يا رسولَ الله، قالَ: "لا". لفظُ حديثِ الشَّهِيدِيِّ.
وحديثُ أبي مَعْمَرٍ مختصرٌ: سُئِلَ النبيُّ ﷺ وهو في الطوافِ: أَحَلاَلٌ هو أَمْ حَرَامٌ، قالَ: "حَلالٌ" يعني النبيذَ.
قالَ عليُّ بنُ عُمَرَ (هو الدارقطني) : هَذَا حديثٌ معروفٌ بيحيى بنِ يَمَانٍ، ويقالُ: إِنَّهُ انْقَلَبَ عليهِ الإسنادُ واخْتَلَطَ بحديثِ الكَلْبِيِّ عن أبي صالحٍ، والكَلْبِيُّ متروكٌ، وأبو صالحٍ ضعيفٌ. ثم قال: "أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ أنبأ أبو الحسن المحموديُّ ثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ ثنا أبو موسى قالَ: ذَكَرْتُ لعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيَ حديثَ سفيانَ عن منصورٍ في النبيذِ قالَ: لا تُحَدِّثْ بِهَذَا.
قال الشيخ: وقد سَرَقَهُ عبدُ العزيزِ بنُ أَبَانَ فرواهُ عن سفيانَ، وسَرَقَهُ اليَسَعُ بنُ إسمعيلَ فرواهُ عن زيدِ بنِ الحُبَابِ عن سفيانَ، وعبدُ العزيزِ بنُ أَبَانَ متروكٌ، واليَسَعُ بنُ إسمعيلَ ضعيفُ الحديثِ"اهـ (١) .
стр. 2490
وقال أيضاً: “سمعتُ أَبَا عبدِ الله الحافظَ يقولُ: سمعتُ أَبَا عبدِ الله محمدَ ابنَ يعقوبَ الحافظَ غيرَ مرةٍ يقولُ: كانَ أبو بكرٍ الجَارُودِيُّ إِذَا مَرَّ بقبرِ جَدِّهِ في مقبرةِ الحسينِ بنِ معاذٍ يقولُ: يا أَبةِ، لو لَمْ تُحَدِّثْ بِحَدِيثِ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ لَزُرْتُكَ.
قال الشيخ: وقد سَرَقَهُ عنهُ جماعةٌ من الضعفاءِ، فَرَوَوْهُ عن بَهْزِ بنِ حكيمٍ، ولم يَصِحَّ فيهِ شىءٌ"اهـ (١) .
٣٤ أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ) ﵀.
قال الخطيب البغدادي ﵀، في ترجمة سعيد بن داود الزنبري: "سكن بغداد وحدّث بها عن مالك، وفي أحاديثه نكرة، ويقال: قلبت عليه صحيفة ورقاء عن أبي الزناد فرواها عن مالك" (٢) .
هذا ما تيسر لي الوقوف عليه من أسماء الأئمة الذين استعملوا في عبارات وألفاظ الجرح والتعديل اسم القلب أو السرقة، أو ما يدل عليهما، وبعد الخطيب يأتي الإمام الجامع لأطراف أنواع علوم الحديث أعني ابن الصلاح ﵀ ثم الأئمة من بعده وقد أفردوا المقلوب في كتبهم بنوع خاص من أنواع علوم الحديث، وقد نقلت عباراتهم في التعريف بهذا النوع في المقصد الأول.
ولعل من أهم الملاحظات العامة التي أسجلها هنا الأمور التالية:
١ في جميع عبارات هؤلاء الأئمة الذين وقفت على كلامهم لم أجد بوضوح الإشارة إلى القلب في المتن، إلا ما رأيته في عبارة ابن خزيمة (ت٣١١هـ) ﵀، والبيهقي (ت٤٥٨هـ) ﵀!
نعم جاءت صورة القلب في المتن في عبارة الإمام الشافعي، لكن ليس فيها تصريح باسم القلب!
وهذا يبين لك سبباً من الأسباب التي دعت الحافظ ابن الصلاح أن يقتصر في تعريف المقلوب بالمثال على صورتين فقط وهما ما تكرر في عبارات هؤلاء الأئمة الأعلام!
следующие страницы →