← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية / جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي (ت٧٦٢هـ) / مع حاشيته "بغية الألمعي"/ نشر المكتبة الإسلامية/ الطبعة الثانية ١٣٩٣هـ. النكت على كتاب ابن الصلاح / لابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ) / تحقيق ربيع بن هادي عمير/ مطبوعات الجامعة الإسلامية/ بالمدينة المنورة/ الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ. النكت على مقدمة ابن الصلاح/ لمحمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت٧٩٤هـ) / حققه زين العابدين بن محمد بلا فريج/ أضواء السلف/ الطبعة الأولى ١٤١٩هـ. النهاية في غريب الحديث والأثر / لمجد الدين أبوالسعادات المبارك بن محمد الجزري (ت٦٠٦هـ) / تحقيق طاهر الزاوي ومحمود التناجي/ نشر المكتبة الإسلامية. الهداية في علم الرواية/ لمحمد بن محمد الجزري (٨٣٣هـ) = الغاية هدي الساري مقدمة فتح الباري = فتح الباري. الوسيط في علوم الحديث ومصطلحه/ لمحمد بن محمد أبوشهبة (ت١٤٠٣هـ) / عالم المعرفة/ جدة/ الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ. اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر/ لمحمد المدعو عبد الرؤوف المناوي (ت١٠٣١هـ) / تحقيق المرتضى الزين أحمد/ مكتبة الرشد/ الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ.

стр. 2522

المباحث الغيبية د. عبد الشكور بن محمد أمان العروسي الأستاذ المساعد بقسم العقيدة - كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى ملخص البحث يتعلق هذا البحث بأهم قضايا يتطلع إليها البشر في عصورهم المتعاقبة، لعلهم يحظون بعلم خباياها، ويظهرون على كوامنها وخفاياها. تلك هي القضايا الغيبية بجميع أنواعها وأقسامها. وهذا البحث تناول في مباحثه الأربعة عشر أنواع الغيوب وأقسامها، وبين ما يمكن العلم منها وما لا يمكن، ومقدار ما يمكن علمه والوسائل الشرعية التي يعلم بها. وجاء فيه إيضاح أن تصور القضايا الغيبية بدون تلك الوسائل، وفوق ما تسمح به غير ممكن. ولما كانت أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى على رأس القضايا الغيبية، تم تأليف هذا البحث لبيان المعيار الشرعي في تصور الغيبيات بأنواعها وأقسامها، وذلك تجنباً للانحرافات العقدية التي وقعت فيه عديد من الفرق الإسلامية نتيجة للتصور الخاطئ لقضايا الغيب حيث جعلوا عالم الشهادة أصلاً تقاس عليه كل الغيبيات. فمن أجل ذلك عطل من عطل، وأول من أول، بدعوى التنزيه، وشبه من شبه بدعوى الإثبات لما جاءت به النصوص، وتوقف من توقف ولم يقل إلا بإثبات ألفاظ غير قابلة للتفسير وهو المفوضة. وقد تناول هذا البحث أيضاً أن قياس الغائب على الشاهد فيما اختلفت أجناسه من الخلق قياس غير صحيح، فكيف يستقيم قياس الخالق على خلقه في أسمائه وصفاته؟ فمن علم أنواع الغيب، واستوعب حقائقها، وحظ الإنسان منها، ووسائلها في تصورها، سلم من حيرة المؤولين، وضلال المعطلين وغلو المشبهين. وسار على منهج السلف الصالح في إثبات ما أثبتته نصوص الوحي بلا تمثيل، ونفى ما نفته بلا تعطيل، تصديقاً لقوله تعالى: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير (فهو ليس كمثله شئ، ومع ذلك له صفة السمع والبصر. وهذا ما بني عليه هذا البحث عسى الله تعالى أن يهدي به القلوب، ويظهر به معايير

стр. 2523

الغيوب، ويكشف به الكروب، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل. • • • المقدمة: الحمد لله الملك الكريم، البر الرحيم، رب السماوات والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم، عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم، وصلاته وسلامه المتتابعان على رسوله المبعوث بالدين القويم، والداعي إلى الصراط المستقيم، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. ... وبعد: فإن الله تعالى خلق الإنسان ومنّ عليه بنعم جليلة، وهبات جزيلة، وفضله على كثير من خلقه تفضيلا ولم يخلقه عبثا، ولم يتركه سدى، بل خلقه لعبادته وحده لا شريك له فأرسل بذلك رسله، وأنزل كتبه، وبين فيها لعباده ما لا بد من العلم والإيمان به من الغيب وما لا بد من العمل به مما أوجب عليهم، وما يجب تجنبه مما حرم عليهم، وما أحل لهم من الطيبات من طعام وشراب ونكاح وأقوال وأفعال. فبلَّغت الرسل ما أنزل عليهم إلى أممهم البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فكان كل رسول يتميز بالفصاحة والفطنة والذكاء المفرط، لتقوم الحجة على العباد، ولم يخاطبوا أممهم بما لا يفهمون من الكلام. ولهذا قال ﵎: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ((١) . فبلغوا ما أوحى الله تعالى إليهم البلاغ المبين. فكان مما أرسلوا به القسم العلمي التصديقي الذي لا عمل فيه سوى التصديق، وهو الجانب الاعتقادي من الدين الذي امتحن الله تعالى به قلوب عباده، أتُسلم لله تسليما مؤمنة بالغيب برضا وطمأنينة، فتنشط الجوارح في العمل بالجانب العملي التطبيقي من الدين، أم ترتاب في التصديق بالغيب، فتتكاسل الجوارح وتتقاعس عن العمل. فكلما قوى الإيمان بالغيب، كان العمل بالجوارح قويا، وكلما ضعف الإيمان بالغيب، كان العمل بالجوارح ضعيفا، وإذا انعدم الإيمان بالغيب، أدى ذلك إلى انعدام العمل. فالإيمان الصحيح والعمل الصالح لا ينفصلان وجوداً في قلوب الصادقين وجوارحهم، وذكراً في نصوص

стр. 2524

الشرع. وذلك راجع إلى هذا المعنى. وإن مما يفقد العمل الصالح جماله ورونقه، ضعف ما في القلب من الإيمان الذي بقوته وصلاحه تصلح الأعمال. قال (: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) (١) . فكما أن في الجسد مضغة يتوقف صلاحه على صلاحها، فكذلك يكون للدين لب، إذا صلح صلح الدين كله، وإذا فسد فسد الدين كله، وإن مما يزيل الإيمان من القلوب أو يضعفه النفاق والجهل والبدع. فالنفاق يزيل الإيمان والجهل والبدع يضعفان الإيمان في القلوب والعمل في الجوارح. ولما كان من البدع الشنيعة نفي أسماء الله تعالى وصفاته، أو تأويلها بدعوى التنزيه مما أدى إلى تعطيله عن أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك تشبيه ربنا ﵎ بخلقه من قبل المشبهة بدعوى الإثبات. وكان منشأ ذلك إما غلوا في التنزيه المؤدي إلى التعطيل، أو غلوا في الإثبات الذي يؤدي إلى التمثيل، قمت بدراسة هذا الانحراف وسببه فوجدت أن كثيرا من هؤلاء أتوا من جهة اعتبارهم أن دلالة اللغة على صفات المخلوقات في عالم الشهادة هي الأصل، وأن استعمالها في عالم الغيب، أو غيب الغيوب هو الخروج عن الأصل، فلا بد إذن من قياس الغائب المجهول على الشاهد المعلوم، فرأت المشبهة أن هذا هو الذي ينبغي أن يسار إليه ويقال به، فشبهت الله تعالى بخلقه، وشبهت عالم الغيب بعالم الشهادة سواء بسواء. وأما المعطلة فقد سلكوا مسلك المشبهة أولاً فاستقبحوا ذلك ففروا من التشبيه إلى التعطيل. أي أنهم ما عطلوا إلا بعدما شبهوا. ولما رأوا أن التشبيه لا يليق بالله تعالى عدلوا إلى التعطيل والله المستعان.

стр. 2525

وكلا الفريقين أصبحا بعد ذلك في اتجاهين متعارضين بعد أن أخذوا جزءاً من الحق وهو الإثبات عند الممثلة وأضاف إليه باطل التمثيل، والتنزيه عند المعطلة بعد أن أخذوا جزء من الحق وهو التنزيه، فتجاوزوا حد التنزيه حتى نفوا ما أثبته الله تعالى لنفسه أو نفاه عنه رسوله مما لا يليق به تعالى. ولو أن كلا من الفريقين لم يتطرفا فيما ذهبا إليه لكان ما تفرق بينهما من الحق قد اجتمع. فهدى الله تعالى أهل الحق لما اختلف فيه الفريقان فجمعوا ما تفرق من الحق، فصح لهم ما لم يصح لغيرهم. وهذا ما قصدت إيضاحه في هذه المباحث، وقد بذلت جهدي مستعينا بالله تعالى في إبراز جوانب متفرقة من أمور الغيب بأنواعها وأقسامها، وحظ الإنسان من العلم بها، ووسائله التي يستعين بها على علم ما غاب عنه وخفي عليه مما يقر شرع الله تعالى استخدامها، أو التصديق بنتائجها والعمل بها. والله تعالى أسأل أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم. ورحم الله تعالى من نظر في هذا البحث بعين النصح والتهذيب والتصويب، فأوقفني على ما ظهر فيه من العيب والتقصير، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله المصطفى، ونبيه المجتبى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته البررة الصادقين، ومن سار على نهجه واقتفى أثره، واتبع هديه إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. • • • المبحث الأول: مكانة الإيمان بالغيب في الإسلام إن للإسلام جانبين رئيسين لا يغني أحدهما عن الآخر، ولا يكون المرء مسلماً إلا بهما، وهما: الجانب العلمي التصديقي:

стр. 2526

وهو جميع القضايا الاعتقادية التي يجب التصديق بها تصديقاً جازماً وتمثل هذا الجانب أركان الإيمان الستة، ويضاف إليه اعتقاد جازم بوجوب ما أوجب الله من الأعمال كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها من أركان الإسلام، لأن الإيمان بوجوبها جانب علمي وتصديقي، وواجب شرعي، وكذلك يضاف إلى هذا اعتقاد حرمة ما حرم الله تعالى على عباده مما لا خلاف في حرمته كشرب الخمر والزنا، وقول الزور، وشهادة الزور، وغير ذلك مما علم من الدين بالضرورة حرمته. الجانب العملي التطبيقي: وهي الأقوال والأفعال المأمور بأدائها في شرع الله تعالى، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والذكر والدعاء وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وإغاثة الملهوف وغير ذلك مما يطول ذكره من شرائع الإسلام التي تتعلق بالجانب العملي التطبيقي منه. فإذا صح اعتقاد العبد وصدق إيمانه بالجانب الأول، وهو العلمي التصديقي، أثمر ذلك العمل الصادق في الجانب الثاني الذي هو العملي التطبيقي. فمن زعم أنه يكتفي بالجانب الأول دون الثاني فهو كافر كذاب، ومن زعم أنه يكفيه الجانب الثاني فهو منافق لأنه أبطن الكفر وأعلن الإسلام أي الاستسلام العلني. إن أعظم الجانبين وأهمهما وأولهما: هو الأول، فإن الاعتقاد مقدم على القول والعمل، وهذا الجانب برمته هو الإيمان بالغيب.

стр. 2527

فمعنى هذا أن الإيمان بالغيب له المكانة الفضلى والمرتبة العليا في الإسلام، وأن الله تعالى لا يقبل من أحد ديناً إلا به، ولا يكون عمل ما زاكياً صالحاً إلا إذا كان مبنياً على الإيمان بالغيب. ولهذا أثنى الله على عباده المؤمنين بالغيب في آيات كثيرة من كتابه الكريم فمن ذلك قوله تعالى في وصف المتقين الذين جعل لهم الهداية في كتابه الكريم: (فيه هدى للمتقين (الذين يؤمنون بالغيب (١) (وقوله : (الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (٢) (وقوله تعالى (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير ((٣) وقوله سبحانه: (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرةٍ وأجرٍ كريم (٤) (وقوله (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلبٍ منيب ((٥) وقوله جل شأنه: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرةٌ وأجرٌ كبير ((٦) وهذه الآيات وغيرها تدل على مكانة الإيمان بالغيب، وخشية الله تعالى بالغيب، لأن من آمن بالغيب إيماناً صادقاً راسخاً نشطت جوارحه في الأعمال وحسنت أعماله وأقواله، وأحواله كلها فيعيش راضياً مرضياً، يتقلب في طاعة ربه، شاكراً على السراء، صابراً على الضراء خاشعاً لله ظاهراً وباطناً، موقناً بوعده، خائفاً وجلاً من وعيده متمكناً من المرابطة بين الخوف والرجاء. فمن لم يؤمن بالغيب فلا نصيب له من الطمأنينة في الدنيا، والفلاح والظفر في الآخرة. بل يعيش قلقاً حائراً ساخطاً غير راض بقضاء الله تعالى وقدره. وهو في الآخرة من الخاسرين.

стр. 2528

.. والإيمان بالغيب معناه أن يؤمن المرء بما غاب عن حسه، أي إن الغيب هو الأمر الذي يجب الإيمان به مما غاب عن الحس ومما أخبرت بوجوده نصوص الوحي. وقال بعض أهل العلم (١) : معنى الإيمان بالغيب هو أن يؤمن المرء وهو غائب بما أمر أن يؤمن به. أي إن الغيب في القول الأول وصف للأمور الغائبة عن الحس، وفي القول الثاني وصف للمؤمنين أي يؤمنون وهم غائبون. فكلا القولين لا تنافر بينهما، بل هما متلازمان، لأن المؤمن بما غاب عن الحس قد آمن به وهو غائب عنه، ومن آمن وهو غائب فقد آمن بما غاب عنه فليتأمل. المأمورات والمنهيات مبناها على الاعتقاد: إن أركان الإسلام الخمسة وغيرها من شرائع الإسلام بأوامرها ونواهيها مبنية على الاعتقاد بأن الله تعالى أوجب الواجب منها وحرم المحرمات التي أوجب تركها وتجنبها، وتصديق الشرع في ذلك (٢) . فأول أركان الإسلام: الشهادتان، فمجرد قولهما باللسان دون التصديق بالقلب لا يدخل قائلها الإسلام أي أن التصديق بالجنان هو الذي يترتب عليه النطق باللسان. فمن لم يصدق بقلبه لم يكن مؤمناً عند ربه. وثاني أركان الإسلام: إقام الصلاة، فإقامتها لا تتأتى إلا بعد التصديق بأن الله تعالى فرضها علينا ومن لم يعتقد بأن الله تعالى فرضها فهو عند الله تعالى ليس بمؤمن ولو تظاهر بإقامتها. وثالثها: إيتاء الزكاة، فإن من لا يعتقد بشرعيتها ووجوبها، ليس بمؤمن عند الله تعالى، وعمله مردود عليه مهما بلغ حجمه. ورابعها: صيام رمضان، فالمؤمن الصادق هو الذي يصوم رمضان معتقداً بأن الله فرضه على عباده فإذا لم يصدق بوجوبه وفرضيته على عباد الله لم يكن من المؤمنين عند الله تعالى. وخامسها: حج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، فمن حج وهو لا يصدق بأن الله تعالى فرضه على من استطاع إليه سبيلاً فهو غير مؤمن عند الله تعالى.

стр. 2529

وكذلك ما حرم الله على عباده من الأمور، لابد من اعتقاد أن الله حرمها على عباده، ومن لا يؤمن أن الله تعالى حرم الفواحش، وقتل النفس بغير حق، وشهادة الزور، وقول الزور، وشرب الخمور، لم يكن مؤمناً عند الله تعالى، سواءً ارتكب تلك المحرمات أم تركها. والمراد باعتقاد الوجوب، هو الوجوب العام على العباد، لأن بعض الفرائض تسقط فرضيتها عن البعض لأمور طارئة، كسقوط فرضية الصلاة عن النساء في حالة الحيض أو النفاس، وسقوط فرضية الصيام عن المسافر حتى يقيم، فإذا أقام قضى. وعدم وجوب الزكاة على من لا يملك نصاباً، وعدم وجوب الحج على من لم يستطع إليه سبيلاً. والمراد إذن إنكار الوجوب العام على العباد. وبهذا يتبين أن دائرة الإيمان تشمل دائرة الأعمال بالجوارح كما تشمل اعتقاد وجوب ترك ما حرم الله فعله من المحرمات. المبحث الثاني: أثر الإيمان بالغيب للإيمان بالغيب آثار جلية في نفوس المؤمنين وسلوكهم، وآثار في معاملاتهم، وعلاقاتهم بربهم، وعلاقاتهم ببعضهم، وعلاقاتهم بغيرهم، ونظرتهم إلى الكون من حولهم، ونظرتهم إلى ما يأتي في أقدار الله تعالى من خير أو شر، أو حلو أو مر. أثر الإيمان بالغيب في تعلق العبد بربه: المؤمن بالغيب يكون صادقا مع الله تعالى في السر والعلانية، يطيع أوامر ربه، وأوامر رسوله (مستسلما راضياً يرجو ثواب الله تعالى، ويحرص على ما فيه رضوانه. فتكون طاعة الله تعالى وذكره وعبادته بما شرع، راحة نفسه، وقرة عينه، ومنية قلبه، ومنتهى رغبته. ولصدقه في إيمانه بالغيب يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه.

стр. 2530

والمؤمن بالغيب موقن بأنه (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيبٌ عتيد ((١) وبأن حركاته وسكناته، وما يدور بخلده وما توسوس به نفسه، أو يختلج في صدره، خاضع لمراقبة الله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ((٢) . (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ((٣) ، (وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون ((٤) ، (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ((٥) ، (فلا يحزنك قولهم إنَّا نعلم ما يسرون وما يعلنون ((٦) ، (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله بكل شيء عليم ((٧) . (وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ((٨) . (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً ((٩) وهو سبحانه يعلم خبايا النفوس وخفاياها: (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ((١٠) (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ((١١) ، ولا يدرك حقيقة علمه المحيط الشامل لكل شيء زماناً ومكاناً إلا من آمن بالغيب إيماناً صادقاً جازماً، ولهذا كانت قرة عين رسول الله (، أي أن راحة نفسه، وسكينة قلبه، وطمأنينته، في ذكر ربه الكريم. وهو يستيقن أنه أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد. والمؤمن بالغيب يكون الله تعالى، ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإذا أحب أحب لله، وإذا أبغض أبغض من أجل لله، وإذا أعطى أعطى لله، وإذا منع منع من أجل الله، وهو في سرائه شكور، وفي ضرائه صبور. والمؤمن بالغيب يعلم علم يقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويعلم أن الحذر لا ينجي من القدر، وأن الله تعالى قدر كل شيء في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنه تعالى يضع الموازين القسط ليوم القيامة، وأنه لا يظلم أحدا من خلقه ولا يبخسه من حقه، ولا تزر وازرةُ وزر أخرى، وأنه أحكم الحاكمين،

стр. 2531

وأسرع الحاسبين، وأرحم الراحمين، وأنه من أجل هذا يعبد ربه طامعاً في رحمته ومغفرته ورضوانه، خائفاً من غضبه وعقابه وأليم عذابه، فيكون في حياته متوازناً، لا الرجاء في رحمة الله يطغى عليه حتى يأمن من مكره، ولا الخوف من عقابه يوقعه في اليأس من رحمته، ولكنه يدعوه خوفاً وطمعاً ويعبده رغباً ورهباً عملاً بقوله تعالى: (وادعوه خوفاً وطمعاً ((١) وقوله في وصف عباده الأخيار: (ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ((٢) . أثر الإيمان بالغيب في سلوك المؤمن: إن أثر الإيمان بالغيب في سلوك المؤمن أثر عظيم. فالمؤمن بالغيب يصدق بوعد الله ووعيده. وتصديقه بوعد الله يجعله في شوق إلى لقاء الله تعالى، وما وعد به أهل طاعته من النعيم المقيم والرضا الدائم، فكأنه يرى ما أعد الله للمؤمنين من نعيم الجنان والحور العين رأي العين فيبادر إلى طاعة ربه، ويسارع في الخيرات، وتصديقه بوعيد الله يجعله يخاف من غضبه وسطوته وعقابه، وأليم عذابه فكأنه يرى نار جهنم وأغلالها وما فيها من شدائد وأهوال ونكال. فيبتعد عما حرم الله تعالى ورسوله (، ويعيش في توازن تام بين الخوف والرجاء والرغبة والرهبة من غير أن يطغى جانب على جانب، لا خوفه يطغى على رجائه رحمة ربه الواسعة، ولا رجاؤه يتغلب عليه حتى لا يخشى من عذاب الله وعقابه. فبذلك يكون خيراً لنفسه وخيراً لأهله، وخيراً لأمته، وخيراً للخلق أجمعين. أمثلة من أثر الإيمان بالغيب إن الأمثلة على أثر الإيمان بالغيب من واقع هذه الأمة كثيرة جداً تزيد عن العد والحد، فعلى سبيل التقريب لا التحديد والتعديد إليك أمثلة خاصة لأفراد هذه الأمة تليها أمثلة عامة توضح لمن تدبرها ما وصل إليه سلف هذه الأمة من كمال الإيمان، وترقيهم إلى أعلى درجات اليقين: ١- أنس بن النضر بن ضمضم يوم أحد ﵁:

стр. 2532

روى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قصة عمه أنس بن النضر فقال: "غاب عمي عن قتال بدر فقال: يا رسول الله؛ غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد (١) ؛ هذه الجنة ورب أنس أجد ريحها دون أحد، قال سعد بن معاذ: فما استطعت ما صنع، فقاتل. قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ما بين ضربةٍ بسيف، أو طعنةٍ برمح، أو رميةٍ بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون، فما عرفته أخته الربيع بنت النضر إلا ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ((٢) الآية " (٣) . هكذا صدق هذا المؤمن ما عاهد الله عليه أمام رسول الله (حيث قال: "ليرين الله ما أصنع"، فصنع ما وعد به وعاهد عليه ربه، وما ذاك إلا أثراً عظيماً من آثار الإيمان بالغيب، بل إنه ﵁ قد وجد ريح الجنة دون أحد. وهذا قمةٌ في التصديق بوعد الله تعالى بالغيب حتى إنه من شدة تصديقه غمرت ريح الجنة وأريجها حاسة شمه حيث حلف على ذلك قائلاً: "هذه الجنة ورب أنس أجد ريحها دون أحد". قال تعالى: (جنات عدنٍ التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتياً ((٤) وهذا التصديق القوي بوعده تعالى بالغيب كان من آثاره الوعد الصادق، ثم الوفاء بالوعد بالصدق عند اللقاء. ٢ – عمير بن الحمام في يوم بدر ﵁:

стр. 2533

لقد حرض رسول الله (المؤمنين على القتال يوم بدر، فذكر ما للمؤمنين المجاهدين عند ربهم من أجرٍ عظيمٍ فقال: " والذي نفس محمدٍ بيده، لا يقاتلهم اليوم رجلٌ فيقتلهم صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخٍ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم وهو يقول: ركضاً إلى الله بغير زاد إلاّ التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد إن التقى من أعظم السداد وخير ما قاد إلى الرشاد وكل حيٍ فإلى نفاد ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل (١) . وروى الإمام مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله (قال يوم بدر: " ... قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض " قال: عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله : جنةٌ عرضها السماوات والأرض؟ قال: " نعم " قال: بخٍ بخ " فقال رسول الله (: " ما يحملك على قولك: بخٍ بخ "؟ قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: " فانك من أهلها ". فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن. ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياةٌ طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل " (٢) . وقد وردت في صحيح البخاري روايةٌ أخرى عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رجلٌ للنبي (يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: " في الجنة ". فألقى تمراتٍ في يده، ثم قاتل حتى قتل (٣) .

стр. 2534

إن القصتين متشابهتان في دلالتهما على صدق الإيمان بالغيب وظهور ثمراته على سلوك المؤمنين في هذه الحياة حتى إن هذا الصحابي ليرى استمراره على الحياة حتى ينتهي من أكل ما في يده من التمرات تأخراً طويلاً عن الوصول إلى جنة الله التي وعد المتقون. فبادر وسارع حتى يدخلها فجاد بنفسه تصديقاً بوعد الله على لسان رسوله (. وهل بعد هذا الجود من جود؟ والجود بالنفس أقصى غاية الجود. لقد أدرك عظم ما وعد الله به المؤمنين الصادقين، فهانت لديه الدنيا، فجاد لله الكريم بنفسه راضياً متوثباً إلى نعيم لا ينفد، وعطاءٍ لا يزول ولا يحول، فرضي الله عنه وأرضاه. وما ذلك إلا آثار الإيمان الصادق بالغيب، حتى لكأنه يرى الجنة وسعتها وما فيها من النعيم الخالد رأي العين فاشتاق وانساق إلى لقائها فحقق الله له ما أراد. ٣ – الخنساء (تماضر بنت عمرو بن الشريد ﵂ يوم القادسية: هي امرأة اشتهرت في الجاهلية بالبكاء والرثاء والجزع والعويل على قتل أخويها صخر ومعاوية. فكانت لا تكف عن البكاء والرثاء حتى أصبح لا ينافسها أحد من الرجال والنساء في شعر الرثاء. والعبرة هنا ليس في كثرة شعرها في الرثاء ولا في جودته. ولكن العبرة في جزعها وحزنها الشديد وعدم كفها عن البكاء عشرات من السنين، ولم يتوقف بكاؤها ورثاؤها ولم ينقطع، إلا بسيف الإيمان الصادق الذي بتر الله به كل حبلٍ يمت إلى الجاهلية بصلة " كما بين ذلك رسول الله (حين قال لعمرو (١) بن العاص: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله " (٢) فانقلب قلب الخنساء طاهراً نظيفاً يملؤه نور الإيمان بحيث لم يترك أي فراغ في قلبها لأثر من آثار الجاهلية ونزعة من نزعاتها.

стр. 2535

وبعد أن أرضعتها الجاهلية وغذتها بلبانها العكر، فطمها الإسلام وفرغ قلبها من شوائب الجاهلية وطهره من دنسها ورجسها، وملأه بنور الإيمان، فانتقلت من ظلمات الجهل والكفر والهوان، إلى ضياء القرآن، وطاعة الرحمن. ففي يوم القادسية أرسلت أربعةً من أبنائها الشجعان للجهاد والاستبسال في سبيل الله والفوز بالشهادة، ووصتهم ليلة القادسية قائلةً: " يابَنيَّ إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجلٍ واحد كما إنكم بنو امرأةٍ واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غبرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خيرٌ من الدار الفانية يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (" (١) . فإن أصبحتم غداً إن شاء لله سالمين؛ فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين فإذا رأيتم الحرب قد شمرت (٢) عن ساقها واضطرمت لظى (٣) على سياقها وحللت (٤) ناراً على أوراقها (٥) فتيمموا وطيسها (٦) ، وجالدوا رئيسها، عند احتدام خميسها (٧) ، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة. فخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قولها. فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم (٨) . فقاتل أبناؤها فقتلوا رحمهم الله تعالى. فبلغها ذلك فما زادت على أن قالت: " الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " (٩) .

стр. 2536

هكذا يتجلى أثر صدق الإيمان بالغيب في قصة هذه المرأة المؤمنة التي تجسدت الجاهلية الجهلاء في بكائها ونياحها دهراً طويلاً حتى كف بصرها قبل إسلامها. لقد كانت كذلك حينما كانت شابة جلدة تقوى على التجلد والصبر، ولكنها بعد الإيمان بالغيب أصبحت خلقاً جديداً، فتحولت تحولاً عجيباً، فإذا بها لا ترى إلا الآخرة وما وعد الله فيها لأهل طاعته فاختارت الباقية لنفسها ولبنيها على الفانية، لا الرغبة في استشهادهم ضعفت ووهنت، ولا الصبر الجميل بعد استشهادهم خانها وفارقها. وما هذا كله إلا أثرٌ من إيمانها بالغيب كأحسن ما يكون الإيمان. فالمرأة في أصل خلقتها ضعيفة الصبر كثيرة الجزع بما جعل الله فيها من الرحمة والحنان والعطف. فإذا أصيبت بمصيبة الموت في أهل بيتها كان جزعها أشد من جزع الرجال، وصبرها أقل من صبرهم. وهذا ما كانت عليه الخنساء في الجاهلية ولم ينافسها في ذلك أحد من النساء أما بعد الإيمان فهي قد ضربت مثلاً أعلى للصبر على ما جرى لبنيها الأربعة من الاستشهاد في سبيل الله تعالى بل إنها وطنت نفسها وأعدتها لهذا المقام، قبل نزول الحمام. وكان هذا أثراً عظيماً من آثار الإيمان بالغيب. ومن أثر هذا الإيمان القوي على بنيها، أن استبسلوا في الجهاد راغبين فيما عند الله راضين بنصيحة أمهم منفذين لأوامرها. فكل واحدٍ منهم، ينشد أبياتاً من الشعر قبل أن يقتحم صفوف الأعداء مشيداً بنصيحة تلك الأم الصالحة، مبدياً رغبته الشديدة فيما عند الله تعالى من الأجر الجزيل والثواب الجليل. فرضي الله عنها وأرضاها ورضي عن أبنائها الشهداء، وسلام عليهم في المؤمنين المخلصين الخالدين. ٤ – مثال من أمثلة التأثر الجماعي بالإيمان بالغيب وأثر ذلك:

стр. 2537

هذا المثال ينتظم مجموعة قد ارتقت درجات الإيمان واليقين وتمكن التصديق بوعد الله ووعيده من قلوبهم أيما تمكن. بين لنا ذلك رسول الله (حيث قال: " إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً. قال: يقول: فماذا يسألونني؟ قال يقولون: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبةً. قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: كيف ولو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منه فراراً وأشد لها مخافة. قال: فيقول: اشهدوا أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم " (١) .

стр. 2538

هؤلاء هم عباد الرحمن الذين آمنوا بالغيب، آمنوا بربهم وهم لم يروه ذلك الإيمان الذي جعلهم يسارعون في طلب رضوانه، والفرار إليه من سخطه، وغضبه، آمنوا بالجنة وما فيها من النعيم الدائم، فشمروا عن ساق الجد في طلبها طول أعمارهم وهم لم يروها. آمنوا بأن النار حق فجدوا بطلب السلامة والنجاة منها. هؤلاء الصالحون الذين عبدوا ربهم كأنهم يرونه وهم لم يروه، فكيف تكون عبادتهم لو رأوه؟ وقد طلبوا منه الجنة وهم في غاية الشوق إليها من غير أن يروها، فكيف لو رأوها؟ وقد استعاذوا بربهم من النار خائفين وجلين وهم لم يروها، فكيف يكون خوفهم وفرارهم منها لو رأوها؟ ولكن مراتب المؤمنين بالغيب لا تساويها مراتب من يرى الغيب ويشاهده. ... هؤلاء هم الفائزون بما طلبوا، طلبوا رضوان الله تعالى، فرضي عنهم، طلبوا جنته، فاستجاب لهم، استعاذوا به من النار فنجاهم. وأشهد على مغفرته لهم ملائكته بياناً لفضلهم وإظهاراً لمكانتهم وقدرهم: " اشهدوا أني قد غفرت لهم ". وبركة هذا الإيمان الراسخ المثمر للعمل الصالح، شملت الجلساء الذين لم يغشوا مجلس الذكر رغبة فيه وإنما جاءوا لبعض شؤونهم. لأن الجليس الصالح له على من يجالسه أثر عظيم. ومن ذلك هذا الأثر الطيب المبارك: "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" والجليس الصلح شبهه النبي (بحامل المسك الذي ينالك نفعه في كل حال، إما بشراء المسك منه، أو بأن يمنحك شيئاً منه، أو بأن تجد منه ريحاً طيبة. وهو في كل حالٍ تنال منه الخير والنفع. وأعظم الخير وأفضلهم بركة ما يوصل إلى غفران الله ورضوانه. أثر الإيمان بالغيب في نفس المؤمن: إن للإيمان بالغيب أثراً عظيماً في سلوك المؤمن كما سبقت أمثلته آنفاً. وأثراً عظيماً في نفس المؤمن كما سيأتي بيان ذلك في الأمور الآتية: أثره في غرس الطمأنينة في النفس:

стр. 2539

الإيمان بالغيب يورث الطمأنينة في نفس المؤمن لأنه يحبب إلى النفس ذكر الله تعالى على كل الأحيان كما قال الله تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ((١) . أي أن الإيمان الصادق هو الذي يثمر الاطمئنان إلى ذكر الله تعالى، لأن التلذذ بذكر الله تعالى لا يكون إلا ثمرة منه ثمار الإيمان بالغيب وأثراً من آثاره. صاحب هذا الإيمان يوطن نفسه على أن كل شيءٍ في هذا الكون بقضاء الله وقدره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه كما قال صلوات الله وسلامه عليه لابن عباس ﵄: " ... فلو أن الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه. وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا " (٢) . أثره في الصبر على البلاء والخروج من العسر إلى اليسر: إن الذي يؤمن بالغيب يعلم علم اليقين أن الصبر على بلاء الله تعالى من مقتضيات إيمانه ومتطلباته، وأن الله تعالى يحب الصابرين، وهو معهم بعونه وتوفيقه، وتفريج كرباتهم، وتيسير ما صعب من أمورهم، مصداقاً لقول النبي (: " وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ". ولقوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا (إن مع العسر يسرا ((٣) ولقوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ((٤) ، وقوله: (وبشر الصابرين (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ((٥) . وقوله جل ذكره

стр. 2540

: (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ((١) ، وقال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ((٢) وقال: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ((٣) . هكذا يثق المؤمن بمعية الله وهو متمسك بدينه عامل بشرعه مصدق بوعده وكلماته ونصره وتأييده، فترتاح نفسه، ويهدأ باله، ويطمئن قلبه، ويسكن فؤاده، وتنشط أعضاؤه وجوارحه في طاعة ربه، ويلهج لسانه بذكره، فلا تؤثر فيه المحن، ولا تربكه الفتن، ولا تزعجه حوادث الزمان، ولا تكدر صفو حياته غوائل الحدثان. لأنه على هدى من ربه، إذ يعلم أنه ملك لله تعالى يتصرف فيه كيف يشاء، فما عليه إلا أن يرضى بحكمه ويسلم لأمره، ويؤمن بقضائه وقدره، وذلك هو أثر الإيمان. أثره في المعاملة: إن أثر الإيمان بالغيب يظهر جلياً في معاملة المؤمن للناس، قريبهم وبعيدهم، صديقهم وعدوهم مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم. فالمؤمن الصادق في إيمانه، يعامل الناس، وليس له من وراء ذلك إلا ابتغاء مرضاة الله تعالى. فيكون براً بوالديه واصلاً لرحمه، موقراً للكبير راحماً للصغير معيناً للمحتاجين مطعماً للفقراء والمساكين آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، مشفقاً على العباد، معيناً على النوائب والمصائب. سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، إذا كال أو وزن وفى، وإذا وعد وفى، وإذا قال صدق، وإن شهد أو حكم عدل، وإن خاصم أنصف، وهو في هذا كله يهدي بالحق وبه يعدل، وبشرع الله القويم يصول ويجول، وفي روضات القرآن الندية يسرح ويرتع، ومن رحيق أزهاره العطرة يرشف، ومن بحاره الزاخرة يغرف، وفي ساحاته الرحبة الطاهرة يعكف.

стр. 2541

فهو إن أعطى لا يمن على أحد من الخلق لأنه يؤمن إيماناً يمنعه من المن والأذى يهتدي في هذا بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوانٍ عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيءٍ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ((١) . وهو كذلك إن أعطى يخفي عطاياه خشية الرياء، ويهتدي في هذا بقول رسول الله (في أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: " ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". يتحرى في صدقته السرية ليقينه بأن الله تعالى يرى ما يخفيه، ويتقبله ويضاعفه له. وإن أطعم أطعم ابتغاء رضوان الله تعالى مهتدياً بقوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءاً ولا شكوراً (إنَّا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً ((٢) . إنه إن أطعم لا يرجو من وراء ذلك شكراً من أحد، وإنما يرجو ثواب الله تعالى ويخاف من سوء الحساب في ذلك اليوم الشديد هوله الذي تعبس فيه الوجوه، وتتقطب فيه الجباه. وإذا باع لا يطفف ولا يخسر، يهتدي في ذلك بقول الله تعالى: (ويلٌ للمطففين (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليومٍ عظيم (يوم يقوم الناس لرب العالمين ((٣) . إنه لا يفعل ما يفعله المخسرون الخاسرون من التطفيف في الوزن والكيل، إذ إنهم حينما يكتالون يأخذون حقهم وافياً، أما إن اكتال الناس أوزنوا عندهم، فهم يبخسون حقوقهم ويخسرونهم. وهذه حال من لا يؤمن أن الله سيبعثه في ذلك اليوم العظيم الذي يقوم فيه الناس لربهم ليجزوا ويحاسبوا على أعمالهم.

стр. 2542

وهو في قوله وفعله يعدل بين الناس قريبهم وبعيدهم غنيهم وفقيرهم عدوهم وصديقهم، لأنه يؤمن ويعمل بقول الله تعالى: (ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ((١) . وقوله ﵎: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بها ولا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً ((٢) . هذا هو المبدأ الذي عمل به الرعيل الأول من سلف هذه الأمة، وهم صحابة رسول الله (الذين عادوا قرابتهم في الله تعالى، وجاهدوهم في سبيل الله. وأسوتهم في ذلك خليل الله ورسوله إبراهيم ﵇ والذين معه. وقد قال الله تعالى فيهم: (قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ((٣) . فرباط الدين هو الذي تشد به العلائق بين الناس في دين الله، إذ الإيمان رحم بين أهله فإذا خرج أولو الأرحام عن دائرة الإيمان فلاعتبار لعلاقة النسب وحدها. ولأن الله تعالى يقول: (ونفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون ((٤) ويقول: (ولا يسأل حميمٌ حميماً ((٥) ويقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ((٦) .

стр. 2543

وحينما كان أولو القربى لرسول الله (وصحابته رضوان الله تعالى عليهم خارجين عن دائرة الإيمان، معادين لأهل الإيمان، كان من العدل أن يعلنوا معاداتهم، ويتبرأوا من موالاتهم فجرت الخصومة والحروب بينهم. وفيهم يقول الله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم ((١) . وفي هذا إشارة إلى ما وقع يوم بدر من المبارزة بين المؤمنين من المهاجرين، وبين أقاربهم المشركين من أهل مكة. ولكن الذين غمر الإيمان قلوبهم لم يبالوا برابطة القرابة والقومية التي خلت من الإيمان بدين الله، واتباع رسول الله (. فالمؤمن يحب الله تعالى ورسوله ودينه، والكافر يبغض الله تعالى ورسوله ودينه، والمؤمن يحب ما يحبه الله ويرضى، ويبغض ما يبغضه الله. ولذلك لا يوجد مؤمن صادق في إيمانه يحب أعداء الله ويواليهم. قال الله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه ((٢) . وهو إن غضب لا يستبد به الغضب، بل يكظم غيظه، عملاً بقول الله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ((٣) . وإذا انتصر عفا وتجاوز (والعافين عن الناس (. ومع أن الانتصار على أهل الظلم مشروع ما لم تترتب عليه مفسدة أعظم، فإن العفو عن الظالم عند المقدرة من عزم الأمور: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذابٌ أليم (ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور ((٤) .

стр. 2544

وهو إن أحب يحب لله تعالى وفيه، لأن الحب في الله تعالى من مقتضيات الإيمان الراسخ وثمراته كما قال صلوات الله وسلامه عليه: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " (١) . فمن وجد حلاوة الإيمان يكون حبه لأخيه المسلم في الله تعالى لا لغرض من أغراض الدنيا ولا لمصلحةٍ من مصالحها الفانية، لا يحبه لنسبه إن بطأ به عمله ولكنه يحبه لدينه وخلقه وأمانته، إن كان ذا دينٍ وخلق وأمانة لأنه يؤمن بأن الله تعالى سيقول يوم القيامة: " أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي" (٢) . كما بين ذلك رسول الله (. إنه يحب أخاه المسلم لأن ذلك من متطلبات الإيمان الصحيح. ولقد بين رسول الله عليه صلاة ربي وسلامه بقوله: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (٣) .

стр. 2545

إن أكمل المؤمنين إيماناً، أكثرهم تحابباً في الله تعالى، وتعاضداً، وتعاوناً وتناصحاً وتواسياً. وكلما ضعف الإيمان ضعفت هذه العلائق، بين المسلمين. ولهذا قال الناصح الأمين (: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١) . إنه مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام الذي لو قام به كل مسلم ومسلمة لما وجدت المحاكم خصومات تقضي فيها بين المسلمين، فالذي يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، لا يظلمه، ولا يحقره ولا يؤذيه، ولا يشهد عليه زوراً، ولا يخونه في عرضه وماله ولا يصل إليه منه ما يكدر صفو حياته من قولٍ أو فعل. فمتى قام كل فرد من أفراد المسلمين من ذكورٍ وإناثٍ بالعمل بهذا المبدأ العظيم؛ أصبح المجتمع المسلم مجتمعاً طاهراً، من مظالم الحقد والأضغان والخصومات، تتجلى فيه الخيرية التي ذكرها الله تعالى في وصف هذه الأمة في قوله: (كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ((٢) . والذين تحابوا في الله تعالى يظلهم الله في ظل عرشه يوم الدين، يقول رسول الله (: " يقول الله : المتحابون بجلالي في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي" (٣) . وروى عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله (قال سمعت رسول الله (يقول عن ربه ﵎: " حقت محبتي على المتحابين فيَّ، وحقت محبتي على المتناصحين فيَّ، وحقت محبتي على المتزاورين فيَّ وحقت محبتي على المتباذلين فيّ وهم على منابر من نور، يغبطهم النبيون والصديقون بمكانهم " (٤) . وصاحب الإيمان الصادق يؤدي الأمانة إلى من ائتمنه، ولا يخون من خانه، لقوله (: " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " (٥) . ولأن الله يقول: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ((٦) ولقد عد النبي (تضييع الأمانة من أشراط الساعة حينما سأله رجلٌ عن الساعة: قال له: " فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة " (٧) .

стр. 2546

إن مفهوم الأمانة في الإسلام لا يقتصر على المعاملات المالية والودائع المستودعة، ولكنه شامل لجوانب حياة الإنسان المسلم كلها. فالدين أولى الأمانات وأجلها. وهو المعني بقول الله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ((١) . وحفظ أمانة الدين التصديق بأخباره ووعده ووعيده، والعمل بأوامره، والانتهاء عن مناهيه، والدعوة إليه، والموالاة فيه، والمعاداة من أجله. فمن فعل ذلك فقد قام بأداء الأمانة ولذلك قال (: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك " (٢) أي احفظ دين الله تعالى الذي هو أمانة الله عندك، يحفظك الله تعالى كما حفظت دينه. ثم حقوق العباد بعضهم على بعض من الأمانات التي تجب لبعضهم على بعض فالأبناء أمانة على الوالدين، ومن أداء أمانة الأبناء على الوالدين اختيار الأسماء الحسنة والتربية الحسنة وتعليمهم مبادئ الإسلام، وإبعاد كل ما يسيء إليهم في صحتهم الجسدية، والعقلية، والدينية، والخلقية. وكذلك من أداء الأمانة القيام ببر الوالدين الواجب للأباء على الأبناء، وخدمتهما والإحسان إليهما وطاعتهما بالمعروف، والدعاء لهما والاستغفار لهما، والترحم عليهما، وصلة أرحامهما. وإكرام أصدقائهما. ومن أداء الأمانة حفظ الحقوق الزوجية بين الزوجين، بحسن المعاشرة والتناصح والتعاون بينهما، وعلى الزوج أداء حقوق الزوجة التي أوجبها الله تعالى لها عليه من النفقة والكسوة والسكن والعلاج. وعلى الزوجة حفظ حقوق زوجها في غيبته وحضوره وحسن التبعل وحفظ أسرار الزوج وممتلكاته، والنصح له وطاعته في المعروف.

стр. 2547

ولا يتأتى ذلك على الوجه الصحيح إلا لمن وجد حلاوة الإيمان، وصدق في اعتقاده وقوله وعمله. وكلما تعمق المؤمن في الإيمان الصحيح، ظهرت على جوارحه الأعمال المصدقة لإيمانه، المترجمة لما في قلبه من الصدق والإخلاص حيث تصدر منه الأعمال بسهولةٍ ويسر وسلاسة بلا تكلفٍ أو تنطع. أو تكاسل أو رياء. كل هذا من آثار الإيمان بالغيب وثماره على الأفراد الذين يكونون لبنات صالحة لبناء صرح المجتمع المسلم المتضامن المتعاون المتآخي الذي يخلو من الأحقاد والضغائن والتباغض والتدابر والتنافر والتقاطع، مجتمع الإيمان والأمن والأمان. والله تعالى أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا الإيمان الصادق الصحيح الذي تظهر آثاره، وتينع ثماره، إنه سميعٌ مجيب. المبحث الثالث: العالم وأقسامه العالم هو كل ما سوى الله ، سمي كذلك لأنه علم على وحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وصفاته ويجمع العالم على: عالمون ويعامل معاملة جمع المذكر السالم في إعرابه. ولهذا تضاف كلمة: رب وإله إذ يقال لله ﵎: رب العالمين، وإله العالمين. فمن ذلك قول الله في فاتحة الكتاب: (الحمد لله رب العالمين (وقد وردت هذه الكلمة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم في نحو أربعين موضعاً. وهذا يدل على أن العالم علويه وسفليه مخلوق لله تعالى، وأنه تعالى خالقهم وربهم ومليكهم ومدبر أمورهم، ومصلح شؤونهم وأن العالم تحت سلطانه وقهره وملكوته وجبروته وكل ما سواه يدل على ذلك بحاله ومقاله وخصاله وفعاله. والعالم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول / عالم الغيب: وهو كل ما خلقه الله تعالى ولم يظهر عليه أحداً من خلقه إلا من أذن له من رسله. ولا تتعلق غيبته بأمر خارج منه، وإنما الغيبية صفةٌ ملازمةٌ له. القسم الثاني / عالم الشهادة:

стр. 2548

وهو كل ما خلقه الله مهيأ للمشاهدة والظهور عليه إما بالوسائل الخلقية، وإما بالوسائل الصناعية المستحدثة. وهذا القسم غيبه نسبي والغيبية في غيبه ليست صفة من صفاته الملازمة له، وإنما هي حالةٌ طارئة عليه أو على من خفي عليه لأمرٍ خاص به. أما القسم الأول فيسمى بالغيب المطلق لأنه مطلق عن القيد إذ لم يعتبر غيباً نسبياً وإنما هو غيب من جميع الوجوه حيث خلقه الله تعالى غيباً مكنوناً لا يعلمه إلا هو . وفي ذلك يقول الله ربنا الكريم ﵎: (قل لا يعلم من في السماوات الأرض الغيب إلا الله ((١) أي إن أحداً من خلقه لا يعلم الغيب المطلق. وقال تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ((٢) فذكر في هذه الآية أنه يطلع من ارتضاهم من الرسل على غيبه، فالإظهار على الغيب لا يعني علم الغيب. فإذا كان المراد بالغيب هو الغيب المطلق يكون التعبير عن ذلك بالإظهار أو الاطلاع لا بالعلم، لأن العلم بالغيب المطلق من صفات ربنا الخاصة به ﵎. وفي هذا وردت نصوص كثيرة دلت دلالة جلية على أن علم الغيب خاص بالله تعالى فمن ذلك قوله تعالى: (وعند مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ((٣) وقوله: (عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ((٤) وقوله: (إن الله عالم غيب السماوات والأرض ((٥) وقوله: (قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب ((٦) .

стр. 2549

فتبين من هذا أن علم الغيب خاص بربنا ﵎. وأما الاطلاع والظهور على الغيب فمعناهما واحد فهو العلم الجزئي بالشيء الذي أذن الله تعالى لرسله أن يعلموا به. والعلم الجزئي بالشيء ليس كالعلم الكلي الشامل المحيط بالشيء. ولعل السر في هاتين الكلمتين في حق العباد، الإشارة إلى هذا المعنى فالعلم لله تعالى، والاطلاع والظهور على بعض هذه الغيبيات لمن اصطفاهم الله تعالى من رسله عليهم الصلاة والسلام. ومما يجدر التنبيه عليه هنا، أن في كتاب الله تعالى نصوصا دلت على أن الله تعالى أعلم بعض عباده من الرسل والأتباع فكانوا على علم بتلك الغيوب التي أوحى الله تعالى بها إلى رسوله (وذلك كقوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ((١) وقوله: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ((٢) ويفيد هذا انهم علموا بأنباء الغيب بعد أن أوحى الله تعالى بها إلى نبيه (. فإن قيل أو ليس قد سبق أن عباده المصطفين يظهرون على بعض الغيب ولا يعلمون به لأن العلم هو الإحاطة والشمول وذلك ليس إلا لربنا ؟ فالجواب أن الآيات المفيدة بأن الرسول (وأتباعه علموا بأنباء الغيب بعد وحي الله تعالى إليه جاءت في الغيب النسبي وليس في الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله . وأيضا إن الله تعالى أخبرهم بما قد جرى ووقع في زمن قد مضى وانقضى لم يكن رسول الله (وقومه في ذلك الزمان أو المكان، ولو كانوا ثمّ لعلموا به كما علم من كان بذلك الزمان والمكان ولذلك قال الله تعالى بعد ذلك:

стр. 2550

(وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه... ((١) . وقال في قصة يوسف واخوته بعد أن قصها على نبيه (: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ((٢) . وقال عقب قصة موسى (: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ((٣) . وهذان المعنيان يفهمان من سياق الآيات القرآنية في الفرق بين الإطلاع والظهور، وبين العلم بأخبار الغيب، فالعلم بأخبار الغيب المتعلقة بعالم الشهادة له مصادر شتى كما سيأتي بيانه في موضعه. غير أن الوحي أهم المصادر وأصدقها وأجلها وأدقها. وأما الغيب المطلق فليس للإطلاع عليه مصدر آخر غير الوحي الرباني. وكأن المطلع عليه يطلع عليه من نافذة الوحي كما يطلع المرء من نافذة منزله أو كوة فيه على ما في الخارج، فإنه لا يحيط به من جميع الجوانب. وهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الاطلاع والظهور على الغيب معناهما مشاهدة الغيب نفسه، وإن كان بلا إحاطة. وأما أخبار الغيب التي يوحى بها فهي لا تعني أن من أوحى بها إليه شاهد الغيب واطلع عليه ولكنه أخبر به. فمثال الاطلاع على الغيب مشاهدات الرسول (ليلة الإسراء والمعراج، ورؤيته للمسجد الأقصى بعد ذلك وهو بمكة حينما سألته قريش عن صفاته حتى وصف لهم وصفا دقيقا حيث جلاه الله تعالى له (٤) . ومثال العلم بأخبار الغيب عن طريق الوحي، ما جاء من قصص الأنبياء وأممهم في القرآن. المبحث الرابع: أنواع الغيب وأقسامه الغيب من حيث إطلاق لفظ الغيب عليه ثلاثة أنواع: النوع الأول: غيب الغيوب:

стр. 2551

وهو الغيب الخاص بذات الله وأسماءه وصفاته. وهذا النوع هو قمة الغيب وأعظمه وأبعده عن علم الخلق. ولم يكن هذا النوع قسيم غيب العالم بقسميه المطلق والنسبي، لأن الله تعالى ليس من العالم، بل هو رب العالمين ﵎. إن ذات ربنا وصفاته غيب استأثر الله تعالى بعلمه، ولا يعلم كيف هو إلا هو، ولا يعلم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى غيره تعالى. فعباده تعالى لا يعلمون من ذلك إلا ما علمهم عن طريق الوحي إلى رسله وأنبيائه. وما علمهم الله تعالى من ذلك قليل من كثير استأثر الله تعالى به في علم الغيب. وإلى ذلك أشار النبي (في قوله: " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك... " (١) . ولهذا لا يجوز تجاوز ما جاء في نصوص الوحي في أسماء الله تعالى وصفاته، لأنها قمة الغيب وذروته التي لا يحيد عنها إلا هالك، ومن حاد عنها وأرخى الزمام لعقله القاصر وقال في صفات الله تعالى برأيه نفيا وإثباتا فقد ضل ضلالا مبينا. وهذا النوع هو الذي كان باعثا لتأليف هذه المباحث لعلي أبين حدود العقل البشري وموقفه من هذه الحمى الذي اقتحمه طائفة من البشر بلا هدى ولا كتاب منير، فزاغوا عن الحق وأزاغوا. النوع الثاني: غيب العالم، وهو قسمان: القسم الأول: الغيب المطلق (٢) : وهو المتعلق بعالم الغيب. وعالم الغيب هو المخلوق على وضع لا يصل الإنسان إلى العلم به بحواسه التي يتوصل بها إلى العلم بعالم الشهادة، أو هو كل ما خلقه الله تعالى غير قابل لوصول الحواس إليه، وذلك كالملائكة والجن والشياطين فمتى أذن الله تعالى لمن شاء من عباده بذلك حصل ما أذن له به، في وقت أذن به، بقدر ما أذن به على هيئة أذن بها.

стр. 2552

فمن ذلك رؤية الرسول (لجبريل ﵇ على هيئته الملكية في النزلة الأولى من جبل حراء، وفي نزلته الأخرى عند سدرة المنتهى ليلة المعراج (١) . ومن ذلك رؤيته أرواح الأنبياء في تلك الليلة في السماوات. فقد رأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحي وعيسى في السماء الثانية، ورأى يوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، ورأى إبراهيم في السماء السابعة (٢) . والأرواح من عالم الغيب الذي أطلع الله تعالى رسوله (عليه تلك الليلة، وأما أجسادهم عليهم الصلاة والسلام فهي مدفونة في الأرض، سوى ما كان من أمر عيسى (فإنه حي بجسده في السماء. حيث رفعه الله تعالى إليه حيا كما قال الله تعالى: (بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ((٣) .

стр. 2553

ومن الغيب المطلق النبوة والرسالة، ونزول الكتب على الرسل، والقضاء والقدر، واليوم الآخر. أي إن أركان الإيمان الستة كلها داخلة دخولا أوليا في الغيب المطلق، سوى الركن الأول وهو الإيمان بالله تعالى، فإنه غيب الغيوب كما سبق بيانه، ولهذا قال الله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ((١) . والإيمان لا يكون إلا بالغيب سواء كان الغيب من النوع الأول أو من النوع الثاني بأقسامه. فالأمور الحسية لا يطلب من الإنسان أن يؤمن بها، لأنه يحس بها ويشاهدها فلا يسعه إنكارها. ثم إن الله تعالى اختبر عباده حيث أمرهم بالإيمان بالغيب الذي لا يعلمون به إلا عن طريق إخبار الله تعالى بها لا عن طريق المشاهدة. ولهذا لا ينفع الإيمان حينما ينكشف الغطاء عند حلول الأجل، وبلوغ الروح الحلقوم، وعند طلوع الشمس من مغربها، وعند نزول العذاب الذي توعد الله به أقوام الرسل، لأنه لا يسع أحدا شاهد ذلك إلا التصديق بالمحسوس وذلك ليس من الإيمان في شيء. ولهذا لم يقبل الله تعالى من فرعون إيمانه لنزول الموت به، ومشاهدته حقائق ما كفر به من قبل، قال الله : (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين (آالآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ((٢) ، وقال رسول الله (: "إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (٣) . فإذا قيل إن من أركان الإيمان ما ليس بغيب كالرسل والكتب إذ هم من عالم الشهادة. فكيف تعلق بهم الإيمان مع القول إن الإيمان لا يتعلق بالمحسوسات؟

стр. 2554

قيل إن ذلك راجع أيضا إلى هذه القاعدة التي لا يخرج عنها ركن من أركان الإيمان، وذلك بأن الإيمان بالرسل ليس متعلقا بوجودهم في زمن من الأزمان، وذلك أمر معلوم بداهة، ولكن الذي يتعلق به الإيمان إرسال الله تعالى لهم وذلك هو الغيب الذي أمرنا بالإيمان به، أما الوجود التاريخي للرسل فهو أمر لم يكن الكفار ينكرونه، إذ هم يشاهدون الرسل في أزمانهم، وينصب كفرهم على رسالتهم ونبوتهم ولذلك قالوا لرسلهم: (إن أنتم إلا بشر مثلنا ((١) ، أي لا تتميزون علينا بالرسالة التي تدعون أنكم تحملونها ولهذا قال قوم صالح (بعضهم لبعض: (أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ((٢) . وقال الكافرون لرسول الله (كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ((٣) وما قالوا هذا إلا نفيا وإنكارا للأمر الغيبي الذي هو النبوة والرسالة.

стр. 2555

وكذلك الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، متعلق الإيمان لم يكن بوجودها بين الناس، فإن وجودها في أيدي الناس، أمر حسي لا ينكره أحد، ولكن الذي أمرنا بالإيمان به كونها منزلة على الرسل من عند الله تعالى، والذين كفروا بها لم يكفروا بوجودها، ولكنهم كفروا بنزولها من عند الله. ولذلك قالوا لرسلهم كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ((١) ، وقال الله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ((٢) . وقالوا في القرآن الكريم: (إن هذا إلا قول البشر ((٣) .وهذا يدل على أن كفرهم كان متعلقا بنزول الوحي به لا بوجود الكتاب العيني، فإن المشار إليه بقولهم: (إن هذا (هو القرآن المعروف لديهم بوجوده بينهم، ولم ينكروا إلا كونه من عند الله تعالى. ويلحق بهذا القسم مكنونات الصدور من مقاصد ونوايا. فإن ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى. ولهذا وصف الله تعالى نفسه الكريمة بقوله: (يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ((٤) ،: (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ((٥) ،: (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ((٦) . فمن زعم أنه يعلم خواطر النفوس وكوامنها وأسرارها، فقد تجاوز حدوده واعتدى على حق الله تعالى. وأما ما قد يلمع لبعض من أخلصوا لربهم وصدقوا في اتباعهم من لمع تتعلق ببعض الخواطر فليس من العلم بالغيب، وإنما هو فراسة كما سيأتي ذكر ذلك في مبحث خاص إن شاء الله تعالى. القسم الثاني: الغيب النسبي أو الإضافي:

стр. 2556

الغيب النسبي أو الإضافي هو ما كان من عالم الشهادة، وكان غيبا بالنسبة والإضافة إلى بعض الخلق دون بعض، وذلك باختلاف الزمان والمكان وما يستخدم في الوصول إليه أي أن غيبيته لم تكن صفة لازمة له إنما هي صفة نسبية أو إضافية، مثال ذلك من الزمن الماضي ما جرى بين الرسل وأممهم من الوقائع والأحداث غيب بالنسبة والإضافة إلينا نحن الذين نعيش في زمان غير زمانهم وهي نفسها مشاهدة بالنسبة والإضافة لأهل زمانهم ومكانهم ولم تكن غيبا. وهي غيب أيضا لمن يعيش في مكان آخر في ذلك الزمان. وهذا القسم تحته ثلاثة أقسام بحسب الزمان: الأول: غيب الزمن الماضي. الثاني: غيب الزمن الحاضر. الثالث: غيب الزمن المستقبل. أما غيب الزمان الماضي: فهو ما يتعلق من الحوادث بغيب الأزمنة الماضية. وسبب غيبيتها وقوعها في زمن قد مضى قبل زمن قوم بلغهم الخبر عن ذلك الماضي لم يكونوا فيه. وأما غيب الزمان الحاضر: فهو ما كان من عالم الشهادة واقعاً في الزمن الذي أنت فيه، وسيأتي بيان سبب غيبيته في المبحث العاشر إن شاء الله تعالى. وأما غيب الزمان المستقبل: فهو ما سيحدث من الحوادث بعد اللحظة التي تعتبر الزمن الحاضر. وهو شبيه في غيبيته بالغيب المطلق لتوغله في الغيبية. فالإنسان لا يعلم شيئا مما سيحدث في المستقبل لقول الله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ((١) . وهذه الحوادث المذكورة في الآية الكريمة حوادث مستقبلة لا يعلمها إلا الله تعالى.

стр. 2557

فأولها: متى قيام الساعة، فعلم ذلك عند الله تعالى كما دلت على ذلك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة. فمنها قول الله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ((١) ، ومنها قوله: (يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ((٢) . وقال رسول الله (لجبريل (حينما سأله عن الساعة: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " (٣) .أي إن الرسول (لا يعلم ميعادها كما لا يعلم سائله جبريل (متى هي. وثاني تلك الحوادث التي تضمنتها الآية، موعد نزول الغيث، فعلمه كذلك عند الله تعالى، فكما أنه تعالى هو الذي ينزل الغيث فهو الذي يعلم موعد نزوله. وثالثها علم ما في الأرحام، ولا يعلم ما في الأرحام غير الله ، وهو الذي يعلم وحده ما حوته الأرحام علما جليا محيطا عميقا، وعلم ما في الأرحام ليس مقتصرا على معرفة نوع الجنين من ذكر وأنثى، وإنما هو أوسع من ذلك وأعمق بكثير. فمعرفة نوع الجنين في مراحل حياته المتأخرة بعد تكامل أعضائه مما أمكن العلم به في هذا العصر باستخدام الآلات الحديثة، وما دام الأمر كذلك فإن المراد بعلم ما في الأرحام الذي يختص به الله ليس هذا الجانب قطعا، وإنما يشمل علمه علم ما في الأرحام منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها النطفة في الرحم، أذكر أم أنثى، أسقط أو مولود، أشقي أم سعيد، أعالم أم جاهل، أخامل أم عامل، أرئيس أم مرؤس، أغني أم فقير، أعزيز أم ذليل، أعقيم أم يولد له، ويعلم علما دقيقا ماذا سيكون لهذه النطفة من الذراري وما تتصف به من صفات عدها في علمه وأحصاها ﵎ إلى آخر مولود من الخلائق وهو علام الغيوب سبحانه وتقدست أسماؤه وصفاته.

стр. 2558

ورابع تلك الأشياء التي دلت الآية الكريمة على اختصاص الرب بعلمها ما تكسبه النفوس في المستقبل بعد اللحظة التي هي فيها، وما سيكون من أمرها وماذا سيحدث منها أو سيحدث لها، كل ذلك علمه عند ربنا ﵎ ولهذا أمر الله تعالى رسوله (أن يقول لقومه: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ((١) . ولو كان أحدنا يعلم من أين يأتيه ما يخاف ويحذر لتجنبه، وما أصابه مكروه ولو كان يعلم من أين يأتي ما ترغب فيه النفس من الخير لتعرض له وما فاته شيء من المطلوب والمرغوب. ولكن الله تعالى استأثر بعلم ذلك وحده. وخامسها: علمه تعالى وحده أين تموت كل نفس، ومتى تموت وبم تموت، وعلى أية حال تموت، ولا يعلم أحد من خلقه، أين تموت نفسه ومتى، كما لا يعلم آجال غيره من النفوس. أما رب النفوس وخالقها ومحييها ومميتها وباعثها فهو الذي له علم ذلك كله: (إن الله عليم خبير (. فإن قيل إذا كان الخلق لا يعلمون ما يستقبل من الحوادث، فكيف استطاع الفلكيون معرفة تواريخ الكسوف وساعاته، واستطاع مراقبوا أحوال الطقس عن طريق المراصد الجوية الإخبار بأخباره قبل حدوثه. قيل أن ذلك من التجارب البشرية المتكررة التي مكنت العلماء الذين يقومون بالرصد المتواصل من توقع تلك الحوادث على سبيل التوقع والظن لا على سبيل العلم واليقين فكما يستنتج أحدنا تقابل قطارين في نقطة معينة إذا كان انطلاقها في وقت واحد وسرعة واحدة سائرا كلا منهما في الاتجاه المواجه للأخر. فكذلك توقع الفلكيين مرور القمر بين الأرض والشمس في موضع معين في ساعة معينة لا يدل على علم الغيب، وإنما هو توقع مبني على التجارب والملاحظات المتواصلة، والاختبارات المتكررة. وهذا مما لا يجزم بحدوثه ووقوعه، والعلم بالشيء هو الجزم بما هو عليه، أو بما سيقع لا محالة، فليتأمل. المبحث الخامس: حظ الإنسان من علم الغيب

стр. 2559

سعى الإنسان منذ نشأته إلى الوقوف على ما يجهله في هذه الحياة بالوسائل التي خلقها الله فيه، تدفعه غرائزه التي زوده بها. فوصل بالوسائل التي لديه إلى تحقيق الكثير مما يتوق إلى معرفته مما يمكن الوصول إليه من خبايا عالم الشهادة، غير أنه لم يكتف بذلك ولم يقتنع بما حققه من الإنجازات في ذلك، بل حاول في مختلف العصور الاطلاع على ما لم يتمكن من الوصول إليه بالوسائل التي ركّبت في بدنه، وزوده الله بها لتكون عوناً له في هذه الحياة، فاستعان بالجن والشياطين حتى نشأت بين الناس فئة ادعت أنها تعلم الغيب، وهي فئة الكهان والعرافين وقارئي الفناجين والمشعوذين الذين استغلوا التطلع الإنساني إلى المجاهيل، فأضلوه بما زعموا من معرفة الغيب من عالم الشهادة، بل تجاوزوا ذلك إلى عالم الغيب، فأخذوا يشيعون بين مصدقيهم أن لهم علاقة بالملائكة والجن، وأن لهم صلة بالنجوم والشمس والقمر والكواكب، فأقاموا لهذه الأجرام السماوية معابد وهياكل عبدوها من خلالها زاعمين أن لها أرواحاً وعقولاً وتصرفاً في الكون، وأنها ترضى وتغضب وتعطي وتمنع، وتفرق وتجمع، وتحيي وتميت، وتخفض وترفع، غير أن الله الذي خلق هذا الكون لحكمة أرادها، والذي يتنزه عن كل نقص، ما ترك الإنسان سدى، حتى يتخبط في جهالاته وضلالاته تستهويه الشياطين في الأرض حيران لا يهتدي سبيلاً، ولا يجد هادياً ولا دليلاً، فأرسل إليه رسله تترى في كل عصر وجيل، وأنزل عليهم الكتب، فهداهم من الظلمات إلى النور، فأطاع من أطاع وعصى من عصى، واستمر الصراع بين الحق والباطل استمرار الإنسان في هذه الحياة.

стр. 2560

ولقد أعلم الله الإنسان عن طريق رسله ما خلق من أجله، وما ينبغي عليه أن يؤمن به، وما يجب أن يعمله أو لا ينبغي أن يعتقده أو يعمله، غير أن الشيطان وجنوده من الجن والإنس ما فتئوا يزينون له الباطل من الاعتقاد والقول والعمل مع قيام الحجة، ووضوح المحجة، فاستمر الإنسان الذي لم يستجب لرسل الله تعالى، أو استجاب ولكنه لم يلتزم بمنهج الرسل وأتباعهم التزاماً صحيحاً، في التطلع إلى عالم الغيب، حتى وجد بين الناس من أطلق لعقله الزمام متجاوزاً بتفكيره القاصر الطموح ما وراء الطبيعة، حتى تجاوز ذلك إلى الكلام في ذات الله وأسمائه وصفاته، معرضاً عن نصوص الوحي المنزل أو مؤولاً لها، يصرفها عن دلالاتها اللغوية والشرعية، إلى ما تهواه نفسه، ويملي عليه هواها زاعماً أن عقله هو المعيار الصحيح الذي به توزن الغيبيات وزناً دقيقاً، فكان منهم من أنكر صفات الله تعالى الواردة في نصوص الوحي، فعطل رب العالمين عن صفاته الثابتة له كالمعتزلة، ومنهم من نفى أسماءه وصفاته غير مبال بنصوص الوحي كالجهمية، ومنهم من أقر ببعض صفاته على ما يلائم عقله، وأول ما لم يوافق عقله كالأشاعرة والماتريدية، فهدى الله الذين تمسكوا بنصوص الوحي وما دلت عليه من الحق من سلف هذه الأمة وخلفها، حيث لم يجعلوا العقل فوق نصوص الوحي يحكم عليها بأوهامه، ويتحكم فيها بظنونه، ولم يلغوا وظيفته، فتوسطوا في ذلك مدركين أن دور العقل هو الفهم عن الله ورسوله، والتصديق بكل ما جاء في نصوص الوحي على مراد الله تعالى كما بلغ رسوله الصادق الأمين، وأن الغيب يجب التصديق به على ما وردت به النصوص من غير أن يكون للعقل دخل في تصوره، فالله ما كلف الإنسان بما لا يطيق، وإن العقل الذي ركب فيه أداةٌ خاصةٌ لاستخدامها في عالم الشهادة من أمور دنياه، وأما عالم الغيب فكفاه الله مئونته بأن بين له ما يجب أن يصدق به منه، وما ذلك إلا لعلمه تعالى أن طاقة عقل الإنسان في هذه الحياة الدنيا
следующие страницы →