Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
وعلى ما تقدم فإننا نؤكد القول بأنه إن لم تقم دراسة الثقافة الإسلامية بشكل جاد ودقيق فسيكون ذلك سبباً في اهتزاز صورة الأمة في نظر الآخرين، بل سيمتد الأمر إلى أن تتخلى الأمة عمّا يميزها، ويزيل سماتها التي تتميز بها بين الأمم والثقافات الأخرى، فيجعلها تابعة بعد أن كانت قائدة، بل سيصل الأمر بالأمة إن لم تهتم بثقافتها وتتعلمها وتعلمها بالشكل الصحيح والدقيق إلى الاضمحلال ثم الزوال لا سمح الله، وهذه هي الكارثة التي تخشى كل أمة حية أن تحل بها.
إن الثقافة الإسلامية التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا الكتاب وبيان أهميتها ومدى الحاجة إليها في تكوين شخصية المسلم المتميز هي في حقيقتها لا تعني علماً بعينه من العلوم الإسلامية. ولكنها تعني علوم الإسلام كلها في عرض واضح وإيجاز بليغ
ولذلك نقول إن الثقافة الإسلامية قد خلَّفت تراثاً ضخماً في مختلف فروع المعرفة على المسلم أن يكون ملماً بهذه المعارف التي كونتها وخلفتها الحياة الإسلامية على مدى قرون عديدة، والتي دبجت ضمن سلسلة من الكتب التي تتناول هذه المعارف في مجالات الدراسات الإنسانية أو العلمية عرضاً لهذه الثقافة أو إشادة بتأثيرها الحضاري.
خطة البحث:
سيشتمل البحث على خمسة فصول تناولها سيكون على النحو التالي:
الفصل الأول: ... ماهية وأهمية وأهداف الثقافة الإسلامية وسيكون مدخلاً للقارئ لمعرفة الأساسيات في علم الثقافة الإسلامية.
الفصل الثاني: ... نشأة علم الثقافة ومجالاته. وفيه سيتبين لنا متى بدأ التدوين في هذا العلم. وما هو المنهج الذي قام عليه ذلك التدوين والمجالات التي يبحثها، ومكانة هذا العلم بين العلوم والمجالات الشرعية الأخرى.
الفصل الثالث: سمات ومميزات الثقافة الإسلامية وفيه سنحدد صفاتَ تظهر تميز هذه الثقافة عن غيرها من الثقافات الكونية الأخرى.
стр. 2732
الفصل الرابع: أسس ومرتكزات الثقافة الإسلامية ويتبين لنا فيه الأسس التي يقوم عليها علم الثقافة والتي ستكون في مصادرها المتمثلة في مصادر الدين الإسلامي الأساسية وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتراث الإسلامي المجيد، وكذلك يتمثل في غرس الوازع الديني في النفوس. وسيكون أيضاً من تلك الأسس عالمية دعوة الثقافة الإسلامية.
الفصل الخامس: العلاقة بين الثقافة والحضارة والعلم: وسنبين فيه تلك العلاقة الوثيقة بين هذه المسميات الثلاثة من خلال المفهوم الإسلامي للحضارة.
الفصل الأول: ماهية وأهمية وأهداف الثقافة الإسلامية
تمهيد:
لاشك أن عالمنا اليوم يموج بموجات فكرية شتى ويزخر بتيارات ثقافية عديدة ومما لاشك فيه أيضاً أن كل ثقافة لها منهجها الخاص بها وهدفها الذي تسعى لتحقيقه وأتباعها الداعون إليها، الأمر الذي يجعل الإنسان قبل أن يتبع أو ينحى منحى ثقافة معينة تنتابه الحيرة والتردد أمام كثرة الثقافات مختلفة المشارب والنوازع والتي تتميز بالتضارب في مناهجها وتوجهاتها. وتبدأ تتوارد في الذهن أسئلة كثيرة، أي ثقافة من هذه الثقافات صحيح؟ أيها منحرف وغير صالح حتى أتجنبه؟ أيها يروي ظمئي الفكري ويسد حاجتي العلمية؟ ثم أيها أحق بالإتباع وأيها أولى بالابتعاد؟ هل أنا مأمون الجانب إذا ما اخترت واحدة من هذه الثقافات من المزالق والإنحراف عن جادة الطريق فيما يصلح ديني ودنياي؟ إلى غير ذلك من التساؤلات.
وفي هذا البحث الذي بين أيدينا سنعرض لأهم هذه الثقافات المطروحة في الساحة، ألا وهي الثقافة الإسلامية والتي تجمع لمنتهجيها والعامل فيها أطراف علوم الدين الإسلامي، ونظمه والمفاهيم المتعلقة بتلك النظم وتجعل التابع لهذا الدين على وعي وقدرة في مجابهة أعدائه ونحن سنحاول أن نبرز بنزاهة أهمية هذه الثقافة وأنها الثقافة الأصلح والآمن لحياة سعيدة في الدنيا والآخرة.
стр. 2733
ومن خلال ما يأتي من مباحث ومسائل يتبين كل ذلك، وأولها المفهوم الذي سيكون المدخل إلى هذا العلم. ويتضمن تعاريف الثقافة بصفة عامة والثقافة الإسلامية بصفة خاصة من حيث اللغة والإصطلاح.
مفهوم الثقافة
إن في عقولنا جميعاً مفهوماً مشتركاً عن الثقافة يخالطنا في كل لحظة من لحظات التفكير التي يأتي فيها ذكر الثقافة. ولكن قد يستعصي على الحد الجامع المانع كما يقول المناطقه لأننا لا نستطيع أن نُميِّز بسهولة بين ما هو من الثقافة وما ليس منها دون أن نستخدم مقياساً معيناً يكون سابقاً على البحث نصطنعه أو نصنعه (١) .
وإن كلمة ثقافة هي من الكلمات التي دار حول معناها الجدل كثيراً إذ أن هذه الكلمة لم تُعرف بهذا المسمى إلا في العصور المتأخرة سواء في التراث الإسلامي أو التراث الغربي الذي أخذت الكلمة عنه مع اختلاف المدلول بيننا وبينهم، وقبل أن نثبت ما دلت عليه الكلمة في معاجمنا العربية وما تدل عليه في اصطلاح تراثنا الإسلامي، نقف وقفة سريعة على معنى كلمة (ثقافة) في اللاتينية إذ تعني (CULTRE) فالمعنى يختلف عن المفهوم العربي للكلمة إذ هي تشتق من الكلمة (CULTUR)
أو (CULTUS) ومن الأصل (CULTIVARE) وتحمل الكلمة أساساً معنى زراعة (CULTIVATION) وإن اتسع المعنى والمفهوم بعد ليشير إلى معان أخرى كالتدريب
(TRAINING MENTAL) والرضاعة (FOSTERING) والزخرفة
(ADORMENT) والعبادة (WORSHIP) والعقيدة (CULT) وإن كانت كل هذه الاصطلاحات والمعاني سواء ما استخدم فيها بمعنى وصفي أو وظيفي إنما تُعبِّر عن تهذيب شئ ما وتحسينه أو تنميته ويرى أحد الكتاب الغربيين وهو (كهلر)
(KOHLER) أن مفهوم الكلمة الذي يشير إلى زراعة إنما يرجع إلى العصر الوسيط حين كانت توصف عبادة الله بأنها بمثابة زراعة في أرض الله، أو لله تؤدي إنتاجها في الآخرة (٢) .
стр. 2734
ولكن مالك بن نبي المفكر الإسلامي والكاتب المعروف يرى أن مفهوم ثقافة (CULTURE) إنما هو ثمرة من ثمار عصر النهضة ظهر عندما شهدت أوروبا في القرن السادس عشر الميلادي فجر عصر جديد من الإنتاج في القيم وفي الفكر والأدب والفن وأن علينا أن نترجم ظاهرة الثقافة تلك في ضوء العقلية الأوروبية بعامة والفرنسية بخاصة، لأن الأوروبي والفرنسي بالذات في رأيه أن (المثقف) هو إنسان الأرض وأن حضارة أوروبا في جوهرها هي حضارة الزراعة، وأن عمليات الزراعة من إستنبات، وحرث، وري، وبذر، وحصد ذات دور هام في صياغة نفسية الأوروبي ورموز حضارته. مما جعله يطلقها – أي الزراعة – إطلاقاً مجازياً على الفكر حين يتعاظم إنتاجه في فترة ما، ولهذا فإن هذه الإستعارة أُطلقت على واقع إجتماعي فخلقت مفهوماً جديداً هو مفهوم الثقافة (١) .
وإذا كان علماء القرن التاسع عشر يميلون إلى ربط مفهومهم للثقافة بالمسلمات الفلسفية التي راجت في ذلك العصر حيث كانوا غالباً ما يتحدثون عن الثقافة كشيء منفصل عن الأشكال الخارجية التي تنظم هذا المفهوم. فإن علم الإجتماع الحديث يرى أن الثقافة ينبغي النظر إليها كجزء لا ينفصل عن الواقع الإجتماعي الذي يعيشه الناس في ذلك المجتمع في صوره المختلفة.
التعريف اللغوي للثقافة:
стр. 2735
بعد هذا الإستعراض المقتضب لكلمة ثقافة (مجردة) في المفاهيم غير العربية نحاول أن نستشف معنى هذه الكلمة من المعاجم العربية للغة فنجد أنها من باب (ثقف) وقد ورد هذا الفعل في القرآن الكريم في قوله تعالى (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) (١) أي وجدتموهم أو أدركتموهم، وهنا ثقف من باب تعب وثقف تمكن من فهم الشيء أو العثور عليه، وبما أن العثور على الشيء تمكن منه فأصلهما واحد، وفي حديث الهجرة (هو غلام لقن ثقف) أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، وقد جاء في أساس البلاغة للزمخشري، (ثقفناه في مكان كذا أي أدركناه) ، وثقفت العلم والصناعة في أقصر مدة إذا أسرعت أخذه، وثاقفه مثاقفة أي لاعبه بالسلاح (٢) وفي لسان العرب لا يختلف التعريف عن هذا المعنى (يقال ثقف الشيء) وهو سرعة التعلم، وثقفت الشيء حذقته، ويقول صاحب كتاب الرائد ثقف يثقف ثقفاً وثقافة أي صار حاذقاً ماهراً، وثقف يثقف وثقافة وثقوفة الشيء تعلمه سريعاً ووردت أيضاً ثقف يثقفُ ثُقفاً، أدركه أو وصل إليه الشيء وظفر به ومنها قوله تعالى (وإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) (٣) ومنها ثقف الرمح أي قومه وسواه أو هذبه وعلمه (٤) وإلى نفس المعنى تشير دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي (المجلد الثاني) ثقف يثقف ثقافة فطن وحذق، وثقف العلم في أسرع مدة أي أسرع أخذه، ويؤكد صاحب المنجد في اللغة المعاني السابقة ويقول (الثقاف من النساء الفطنة، وثقف الرمح أو الولد، وقومه وسواه فتثقف أي هذبه وعلمه فتهذب وتعلم فهو مثقف وهي مثقفة) (٥) .
وبهذا المفهوم اللغوي لكلمة ثقافة. لا يبعد المعنى المتداول على الألسنة في المجتمع العربي حين يشير الناس عادة إلى معنى (الثقافة) على أنه الفهم والحذق أو الخبرة بالشيء وفهمه وإدراك معانيه.
تعريف مختار:
стр. 2736
.. ونختم هذه التعاريف بتعريف مختار هو (الثقافة في اللغة هي الفهم وسرعة التعلم وضبط المعرفة المكتسبة في مهارة وحذق وفطنة.
تعريف الثقافة في الاصطلاح:
... قبل أن نحدد مفهوماً إصطلاحياً للثقافة الإسلامية أرى أن نثبت هنا بعض التعاريف الإصطلاحية للثقافة عند غير المسلمين فنجد أن أحد الكُتاب الغربيين يحدد ذلك المفهوم وهو (هنري لاوست) بقوله (إن الثقافة هي مجموعة الأفكار والعادات الموروثة التي يتكون فيها مبدأ خلقي لأمة ما، ويؤمن أصحابها بصحتها وتنشأ منها عقلية خاصة بتلك الأمة تمتاز عن سواها) (١) .
ويُعرف (آرنست باركر) الثقافة بأنها (ذخيرة مشتركة لأمة من الأمم تجمعت لها وانتقلت من جيل إلى جيل خلال تاريخ طويل، وتغلب عليها بوجه عام عقيدة دينية هي جزء من تلك الذخيرة المشتركة والأفكار والمشاعر واللغة) (٢) وفي اصطلاح مجموعة من الباحثين: أن الثقافة هي (مجموعة المعارف والجوانب الروحية الأصيلة من حياة الأمة ممثلة في تعاليمها الدينية وتقاليدها وأدبها وفنها وفلسفتها وأنظمة تفكيرها في الحياة والسلوك) (٣) .
هذه بعض من تعاريف كثيرة ومختلفة في جانبها الإصطلاحي لكن نريد أن نستعرض بعض التعاريف التي عُرِّفت بها الثقافة الإسلامية إصطلاحاً ثم نحاول أن نختار أحدها على إعتبار أنه جامع مانع.
يقول أحد الكتاب المسلمين عندما حاول أن يعرف الثقافة الإسلامية: (إن ما نعنيه بالثقافة الإسلامية هي تلك المعارف والسبل التي تصوغ الفرد والمجتمع (لاسيما الشباب) صياغة إسلامية تسمح لهم بصياغة الواقع الذي يعيشونه وفق الرؤية الإسلامية للحياة على أنها ليست مجرد مجموعة المعلومات النظرية بل هي في إطار أنها إسلامية – تعني – تحويل الواقع العقلي والوجداني بطريقة تتمكن من أن يكون العقل والوجدان قادرين على تكييف الواقع الخارجي تكييفاً إسلامياً) (٤) .
стр. 2737
ويرى البعض أنه لا ينبغي أن نجاري الغرب في تعريفاتهم للثقافة وأن علينا أن نُعرفها تعريفاً إسلامياً مستقلاً لا نكون فيه تابعين ولا مقلدين ولا آخذين من تعريفاتهم إذ يقول في تعريفها (في رأينا أن مفهوم الثقافة يجب أن ينال تحديداً بصبغة إسلامية بحتة – وهذا المفهوم الذي يعطي الثقافة الإسلامية تلك الصبغة الخاصة بها والمميزة لها وهو أن نعرفها بأنها (الحكمة) وذلك كما ورد في القرآن الكريم عن مفهوم الحكمة، فإن الحكمة كما فسرها به علماء الإسلام والسلف تشمل معاني كثيرة منها العلم والعمل وإتباع السنة، فالسنة تفسير وتطبيق للقرآن، والمعرفة بالقرآن، والتفقه في الدين ومعرفة الحلال والحرام وما يترتب على ذلك كله من خشية الله فإنه من المعلوم أن هذه المعاني جميعاً تلتقي في النهاية على معنى واحد وهو العلم بالإسلام والعمل به يقول ابن عباس في تفسير قوله تعالى (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) (١) .
يعني بالحكمة المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله) (٢) .
ويقول الإمام مالك ﵀ (وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في الدين) (٣) .
التعريف المختار للثقافة الإسلامية:
يقول أحد المتخصصين في علم الثقافة الإسلامية وبعد استعراض منه أيضاً من التعاريف المختلفة (أرى أن الثقافة مصطلحاً يعني العلم الذي يبحث كليات الدين في مختلف شئون الحياة فإذا وصفت بدين معين إختصت بكليات ذلك الدين وعليه (والكلام له) فالثقافة الإسلامية هي (علم كليات الإسلام في نظم الحياة كلها بترابطها) (٤) .
ولأن هذا التعريف أعتبره جامعاً مانعاً ويتبين كونه جامعاً مانعاً من خلال فدلكة هذا التعريف وهذا ما اختاره وأميل إليه.
فقولنا: (علم) يخرج به المفهوم العام للثقافة الذي يعني النشاط الأدبي والفني.
стр. 2738
وقولنا (كليات الإسلام) : يعني أصوله ومقوماته في جميع نظمه فيخرج به فروع الإسلام في نظمه المتعددة لأن هذا من شأن العلوم المتخصصة كالعقيدة في النظام العقدي والعبادات، والمعاملات في الفقه، وهكذا بقية النظم الأخرى.
وقولنا (في نظم الحياة) : شمول واستقصاء لسائر نظم الحياة البشرية وهذه النظم هي العقيدة، العبادة، الدعوة والحسبة، الأخلاق، الاجتماع، السياسة، الاقتصاد، العلم والمعرفة.
وقولنا (كلها) : تخرج به العلوم الشرعية المتخصصة بنظام واحد أو بعض تلك النظم، حيث تدرس أصول هذا النظام وفروعه كعلم الفقه مثلاً، أما علم الثقافة فيبحث في نظم الإسلام كلها جميعاً دون تعمق في فروعه كماسبق.
وقولنا (بترابطها) : تخرج به البحوث الإسلامية الموسوعية التي تجمع العلوم الإسلامية في مؤلف واحد لكن في إستقلالها التخصصي وإنفصالها، أما علم الثقافة فيبحث إرتباط هذه النظم ببعضها وأثر كل منها على غيره.
وفي نهاية هذا المفهوم للثقافة بصفة عامة والثقافة الإسلامية بصفة خاصة أحب أن أشير إلى أن الفصول القادمة ستبين معنى الثقافة الإسلامية بشكل أكبر وأوضح وستزيد القارئ معرفة بأهمية هذا العلم وحاجة المسلم إليه.
أهمية الثقافة:
الثقافة هي عنوان الأمة بين الأمم الأخرى، فإذا ما أردت أن تُقيِّم أمة من الأمم فعن طريق ثقافتها، فالعلاقة وثيقة بين الأمة وثقافتها لدرجة أن بعض المفكرين والكتاب لا يجد وسيلة لتعريف الأمة أو الجماعة إلا من خلال ثقافتها فكلما كانت خصائص الثقافة قوية ومتميزة كلما انعكس ذلك على شخصية وسمعة الأمة وتقدمها، وثقافتنا الإسلامية بما سنعرفه في فصل قادم عن خصائصها متميزة، كيف لا وهي ذات المصدر الرباني ، ثقافة منهجها الدين الخاتم (إن الدين عند الله الإسلام) (١) ، (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (٢) .
стр. 2739
ولقد أدركت الدول المعاصرة أن ثقافتها هي هويتها وأهم عناصر شخصيتها. لذا حرصت على حماية ثقافاتها بكل الوسائل التي توفر لها الأمن الثقافي من كل غزو فكري معادٍ حيث شاع في نظام الدول المعاصرة ما يعرف بالأمن الثقافي كل ذلك من أجل حماية الثقافة من كل ما يصادمها إذ لم يعد الغزو كما كان في الماضي عسكرياً أقصى ما يحقق إحداث تدميرٍ مادي محدودٍ بينما الغزو الفكري يضرب الأمة في الصميم (أي في شخصيتها وهويتها) . فماذا يبقى إذا ذهبت شخصية الأمة؟ بقدر ما تخترق ثقافة ما ثقافة أخرى وتصيبها في ثوابتها الثقافية بقدر ما تكون الأخيرة تابعة لها. وهذا بداية الانهزام ثم الانهيار كلياً وهنا تكون الكارثة ومن ثم ضياع الأمة لتحل محلها أمة أخرى من خلال ثقافة جديدة مغايرة ويمكن أن تبرز أهمية الثقافة من خلال رصد دورها في حياة الفرد وضرورتها للمجتمع وأهميتها للتربية وهذا بالنسبة للثقافة أي ثقافة. فكيف بالثقافة الإسلامية التي تعلم الفرد المسلم كيف يقوم بمهمته التي خلق من أجلها وتبصره كيف يعبد ربه على علم ونور وبصيرة. لاشك أن الأثر والأهمية أكبر.
أهمية الثقافة للفرد:
стр. 2740
ينمو الفرد بيولوجياً سواءً عاش داخل مجتمع إنساني أو معزولاً عنه. لكن شخصية الفرد وتميزه وتكامل تلك الشخصية الإنسانية لا تتم ولا تنمو إلا في إطار إجتماعي إنساني، لذا يحق لنا أن نقول أنه لا شخصية للفرد بدون مجتمع ولا مجتمع بدون ثقافة، فالثقافة إذن هي الوسط الذي تنمو فيه شخصية الفرد، بمعنى أنها الوسيلة التي تُشكل أفكار الفرد، ومعتقداته، وخبراته، ودوافعه، وطرق تعبيره وإنفعالاته، كما أن الثقافة هي التي تحدد له المعايير والقيم التي يسترشد بها في سلوكه، وتفرض عليه العادات والتقاليد التي يتمسك بها، ومن هنا يؤكد علماء الإجتماع أن طابع الشخصية له علاقة وثيقة بنمط الثقافة الذي تعيش فيه هذه الشخصية، ومن هنا أمكن أن نقول إن شخصية الفرد صورة للثقافة التي نشأ فيها.
أهمية الثقافة للمجتمع:
يقول أحد الكتاب المسلمين في شأن هذه الأهمية للثقافة بالنسبة للمجتمع (إن هناك من يعتقد أن ثقافة المجتمع تتكون من مجموع ثقافات أفراده، وآخرون يعتقدون أن الفرد ليس إلا وحدة من تلك الوحدات العديدة التي تشكل فيها ثقافة المجتمع، وأياً كان الأمر فإن إمتلاك أفراد المجتمع لثقافة مشتركة أمر حيوي لشعور أعضاء هذا المجتمع بالوحدة وتسهيل سبل المعيشة والعمل المشترك، فالثقافة تحقق للمجتمع مجموعة من الوظائف الحيوية التي تُمكنه من تحقيق أهدافه المنشودة وثقافة المجتمع ترادف الشخصية القومية التي تحدد السمات العامة للأنماط السلوكية) (١) .
(وبهذا تختلف الشعوب عن بعضها وهذا الإختلاف يعزى في أساسه إلى إختلاف العقيدة والتقاليد والقيم والإتجاهات الفكرية ومجموعة المعاني والرموز التي تسود ثقافة المجتمع، فالشخصية القومية هي التي تستمد مقوماتها من خلال تربية المجتمع لأبنائه تربية يتشرب بها الصغار من الكبار الأنماط الثقافية المختلفة.
стр. 2741
والثقافة تهيئ للأفراد وسائل التفاعل داخل الجماعة وهذا التفاعل بدوره يحقق مزيداً من الوحدة والتماسك بين أفراد المجتمع ويمنعهم من الوقوع في أي نوع من أنواع الصراعات المختلفة) (١) .
ولا يمكن في غمرة تأكيدنا على أن الأمة تحرص على ثقافتها وتحميها من أي إختراق من الثقافات الأخرى، لا يمكن بحال أن يعني ذلك بأن نقول إن الثقافة لا يمكن أن تتصل بالثقافات الأخرى وتتفاعل معها، فإن ذلك في الحقيقة يصادم تنمية هذه الثقافة ويمنع إيصال رسالتها إلى الأمم الأخرى، فإذا نمّت هذه الثقافة ذاتها من الداخل وحافظت على ميزاتها وخصوصياتها فلا يمنع أن تتصل بعد ذلك وتتواصل مع أي ثقافة أخرى يمكن أن تفيد منها، سواءً على مستوى الأفراد أو الجماعة.
أهمية الثقافة للتربية:
التربية لا تتم إلا على أساس من ثقافة معينة محددة المعالم، والعلاقة بين الثقافة والتربية هي علاقة تأثير وتأثر، إذ تتأثر التربية بالنمط الثقافي الذي يسود المجتمع فهو الذي يحدد أهداف التربية ويرسم سياستها ويُشكل أساليبها وممارستها (والتربية بدورها تمكن الثقافة من الإستمرار والتطور، فالتربية ليست عملية ثقافية لأنها تشتق مادتها وتنسج أهدافها من واقع حياة المجتمع بثقافته، كما أن الثقافة لا تستمر إلا باكتساب الأفراد لأنماطها ومعانيها وهذه وتلك لا تتم إلا من خلال عمليات تربوية) (٢) .
وإذا كانت الثقافة مكتسبة فإنها لا تعتمد على التربية في إكتسابها، فعن طريق التربية يتم دمج الناشئين في ثقافة المجتمع وإذا كانت الثقافة تبقى وتُستمد عن طريق عن طريق ما يتوارثه وينقله الأفراد من جيل إلى جيل، فإن التربية وحدها هي وسيلة النقل الثقافي في كل زمان ومكان، ومن هنا إكتسبت التربية تلك الأهمية بالنسبة للثقافة.
فائدة علم الثقافة الإسلامية:
إن علم الثقافة الإسلامية له فوائد عديدة ولعل من أبرزها:
стр. 2742
١. عرض نظم الإسلام الكثيرة بترابطها ليأخذ طالب العلم دين الله بشموليته التي جاء بها الرسول ﷺ في الكتاب والسنة، وتلقاها صحابته رضوان الله عليهم ثم نقلوها لمن بعدهم.
٢. تأصيل المفاهيم المتعلقة بالإسلام وبيان معانيها الصحيحة ورد المفاهيم الخاطئة التي راجت في عصور التخلف أو أدخلت على المسلمين من أديان ومذاهب أخرى.
٣. نقض، ودحض، وتفنيد المفتريات التي حيكت ضد الإسلام من مختلف التيارات المحاربة له قديماً وحديثاً.
٤. بيان نجاح مبادئ الإسلام في تحقيق سعادة الحال والمآل مقارنة بالإخفاق الذي يحيق بالمذاهب البشرية الأخرى من خلال نقد مبادئها ومناهجها المصادمة لمراد الله من خلقه.
٥. يعمل هذا العلم من خلال ما ورد في الفقرة (٣) أعلاه، على جعل المهتم بهذا العلم على إطلاع دائم بثقافات عصره.
٦. بعلم الثقافة يمكن المحافظة على الربط بين كليات الإسلام في نظمه وشرائعه.
أهداف الثقافة الإسلامية:
إن للثقافة الإسلامية أهدافاً نبيلة وعظيمة وكثيرة تصب جميعها في إتجاه الرفع من مستوى المسلم الفكري فيما يتعلق بفهمه لدينه، ومن ثم تطبيقه تطبيقاً صحيحاً يضمن به القبول عند الله ، ولعل من أبرز هذه الأهداف للثقافة الإسلامية ما يلي:
١. تكوين الشخصية الإسلامية المتميزة على مستوى الفرد والأمة، وإعطاء الهوية الإسلامية المتميزة والمستقلة الأصيلة لكل مسلم بحيث لا تختلط عليه المفاهيم والطروحات التي قد تصادفه في حياته بمختلف وجوهها، وتحصنه من أي غزو فكري قد يوجه له بقصد زعزعة عقيدته في نفسه.
стр. 2743
٢. تؤهل المسلم لأن يكون قادراً وفعالاً في عرض عقيدته على غير المسلمين فيحقق بذلك غاية نبيلة وهدفاً سامياً ألا وهو الدعوة إلى الله الذي هو مطلوب من كل مسلم بحسبه (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) (١) ، (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (٢) .
٣. إيجاد الوعي العلمي الصحيح بحقيقة الإسلام وشموله لكافة متطلبات الحياة وأن هذا الدين هو منهج حياة يتلمسه المسلم في كل شأن من شئونه وفي كل خطوة يخطوها في حياته وسيره إلى الله .
٤. المساهمة في إيجاد المسلم القوي الصالح الذي يَعمُر هذا الكون وفق ما شرع الله تعالى.
٥. تنمية شعور الولاء للأمة الإسلامية، والإلحاح على أهميتها ومكانتها ورسالتها العظيمة في الحياة، وأن كل فرد فيها يسعى من ناحيته لتحقيق هذه الرسالة وبدون هذه الثقافة الإسلامية لا تتضح هذه الرؤية في ذهن المسلم.
٦. تصحيح الأفكار الخاطئة التي أثارها وأشاعها أعداء الإسلام في شأن المقولة التي تقول إن سبب إنحطاط وتأخر المسلمين مرجعه إلى تمسكهم بدينهم، وإثبات أن العكس هو الصحيح في أن سبب تأخر المسلمين إنما هو بسبب نكوصهم عن تعاليم هذا الدين، وتفريطهم في الإلتزام بهديه وتوجيهاته الخاصة والعامة والتي تحث على العلم والأخذ بأسباب التقدم.
٧. تحصين المسلم ضد المبادئ والعقائد الهدامة المنتشرة فيما حوله من المجتمعات التي لا تؤمن بالله رباً ولا بالإسلام ديناً ولا بمحمد ﷺ رسولاً.
٨. إيجاد الأرضية العلمية القادرة على تربية النشء وتوجيههم نحو التمسك بدينهم بطريقة تضمن إستقامتهم وسيرهم بعيداً عن الإنحرافات والضلالات.
الفصل الثاني: نشأة علم الثقافة الإسلامية ومجالاته
البدايات:
стр. 2744
إن نشوء علم الثقافة الإسلامية لم يكن بدعاً ولم يكن حديثاً وإنما قام على منهج الكتاب والسنة في عرض رسالة الإسلام في جوانبها المختلفة، من إيمانية وعبادية وخلقية وإجتماعية وبدأ هذا العلم يأخذ طابع التخصص حيثما ظهرت الحاجة إلى ذلك، فإنه وعندما إتسعت العلوم الشرعية وتفرعت إلى تخصصات مختلفة حيث إقتضى الأمر ذلك التخصص في علوم الشريعة ليُتمكن من كل علم على حدة، أصولاً وفروعاً، ولكن ومع نشوء هذا التخصص فإن ذلك لم يصرف كبار العلماء عن التأليف في شمولية الإسلام، في العصور الأولى للتأليف، لكن وبعد أن جاءت العصور التي طغى فيها ذلك التخصص حتى أصبح العالم في كل علم من العلوم يستغرق في دراسته دقائق وتفصيلات ذلك العلم منصرفاً عن العلوم الأخرى ظهرت الحاجة إلى وجود ذلك التأليف الشمولي وتأصيله. فقد وجد أن أئمة العلم في الزمن الماضي كانوا حتى مع تخصص أحدهم في بعض فنون العلم يؤسسون علمهم على علم سابق بأصول الإسلام في نظم الحياة جميعها في ترابطها الشامل (١) .
وفي العصر الحاضر حينما سهل الإتصال بين الناس وتيسرت وسائل المعرفة جهد أصحاب المذاهب الباطلة في نشر مبادئهم فيما يسمى (بالأيدولوجيا) أي الأصول العامة في الوجود والكون والإنسان ونظم الحياة المختلفة، فأصبح من السهل على الإنسان أن يأخذ تصوراً متكاملاً عن مذهب ما من تلك المذاهب من خلال كتاب واحد يجمع أصوله في كل النظم (٢) .
فاتجه بعض علماء المسلمين غَيرةً على دين الله ودعوة إليه وتقديماً للبديل الصحيح المتمثل في الأخذ بالإسلام والإغتناء به عن تلك المذاهب إلى الدراسة الشمولية للإسلام (٣) . في نظمه المترابطة وكليته تحت إسم الثقافة الإسلامية فخرجت لنا عشرات الكتب في هذا الجانب الهام وهذا العلم هذا الكتاب أحدها.
منهج علم الثقافة الإسلامية:
إن من أبرز القواعد المنهجية لهذا العلم ما يلي:
стр. 2745
١. الكلية: فالثقافة تبحث في الاسلام – في نظمه المتعددة – بصفته كلا مترابطاً، ووحدة متكاملة وتؤكد التداخل بين نظمه من أجل أن
يعطي هذا العلم آخذه تصوراً متكاملاً عن الإسلام متقياً الصورة المجزأة للإسلام.
٢. المقارنة: وهي من دعائم منهج هذا العلم لأن هذا العصر عصر صراع فكري بين المذاهب، ولأن تلك المذاهب غزت بلاد المسلمين وزاحمت المسلمين في حياتهم فكانت المقارنة خاصة بالثقافة الغربية بفرعيها الديموقراطي والإشتراكي من قواعد علم الثقافة في الإسلام، ولا ينحصر منهج المقارنة بتيارات الفكر الغابرة، وشبه الزنادقة القدماء بل يركز على تيارات هذا العصر وقضاياه وإن لم يغفل ما سبق.
٣. التأصيل: مع أن علم الثقافة علم مقارنة إلا أن منهج هذه المقارنة تابع لمنهج التأصيل. والتأصيل في هذا المقام هو بحث النظم في الإسلام من خلال الكتاب والسنة، وفهم السلف، وإجتهاد أئمة العلم المسلمين دون تأثر في ذلك بأصول المبادئ الأخرى، أو ما كتبه أعداء الإسلام من شبه في مسائل تلك النظم.
٤. النقد: يتجاوز هذا العلم المقارنة المُبينة لفضل الإسلام على المذاهب الأخرى إلى النقد العلمي لها، سواء تمثلت في مذاهب ونظريات لها مناهجها في الوجود والكون والإنسان كالإشتراكية والتطورية، أو تمثلت في تيارات تحارب الإسلام ونظمه كالإستشراق والتنصير.
فيم يبحث علم الثقافة الإسلامية؟
إن علم الثقافة الإسلامية يبحث في العديد من نظم الدين الإسلامي ومفاهيمها ومناهجها وآراء خصوم الإسلام تجاه هذه النظم وكذا بعض النظريات المصادمة لهذه النظم ومن أبرز ما يبحث فيه ما يلي:
١. نظم الدين الإسلامي كلها بترابطها:
ومن أبرز هذه النظم:
أ. نظام العقيدة: الألوهية، الوجود، والإنسان – أصلاً ومصيراً وحكمة وجوده والكون أصلاً وحكمة ونهاية والحياة دنيا وأخرى.
стр. 2746
ب. نظام العبادة: مفهومها، ومقامها في الدين، ومجالاتها، وآثارها وشروطها، وشعائرها الكبرى.
ج. نظام الدعوة والحسبة: حكم الدعوة، ومنهجها، وأهدافها وحركاتها التجديدية.
د. النظام العلمي: مقام العلم، وحِكمِه، ومصادره، ومناهجه، وأقسامه، وكليات الدين في التعليم والتربية.
هـ. النظام الخلقي: الشعور الخُلُقي، ومعيار القيم، ومصدر الإلزام الخُلُقي، وأصول الأخلاق الإسلامية.
و. النظام العائلي: الزوجية، والطفولة، والآباء، والأبناء، والأرحام.
ز. النظام الإقتصادي: العمل، والملكية، والتضامن والتكافل الإجتماعي والمادي، ومنها الزكاة.
ح. النظام السياسي: الحكم، والسلطة، والإدارة، وحقوق الإنسان، وحقوق الحاكم والمحكوم وواجبات كل منهما.
هذه النظم يبحثها علم الثقافة من حيث مصادرها، وأسسها، وخصائصها، وأهدافها، وآثارها ووسائلها الكبرى، أما تفضيلات كل نظام ودقائقه فمن شأن المتخصصين في هذه النظم.
٢. المفاهيم المتعلقة بنظم الإسلام ومنهجه:
تأصيلاً على أساس الكتاب والسنة، وفهم السلف، ودفعاً للمفاهيم الخاطئة التي انحرفت عن ذلك الأصل.
ومن أمثلة تلك المفاهيم الحرية، والتسامح الديني، والتوكل، والعبادة الإسلامية، والسلفية، والعلم، والتجديد في مجال الدين والموضوعية، والبطولة ...
٣. القوى المعادية للإسلام وأهله:
يبحث هذا العلم شبههاً حول الإسلام ومناهجها في محاربته ودوافع تلك الحرب وآثارها من أجل رد الشبه ومواجهة تلك الحرب وكشف حقائق تلك القوى وضررها على الإسلام وأهله وسبل وقايتهم منها.
ومن هذه القوى الإستشراق، والتنصير، والماسونية، والصهيونية.
٤. المذاهب والنظريات الحديثة:
стр. 2747
لبيان ما يتفق منها مع الإسلام، أو يختلف، ونقد مبادئها الفاسدة وبيان إخفاقها في الواقع البشري مقابل نجاح مبادئ الإسلام في تحقيق السعادة. ومن تلك المذاهب الرأسمالية والإشتراكية وبعض الأديان القائمة.
ومن النظريات:
التطورية، والعلمانية، والوجودية، والفرويدية، والوضعية، والنظريات الإجتماعية الضالة.
وهذه الموضوعات الأربعة مرتبطة فيما بينها، ووجه الإرتباط أن تلك القوى والمذاهب التي تسعى إلى زحزحة الإسلام ومنهجه عن حياة التابعين له ووقف مده عن من لم تصلهم دعوته، هو بما تثيره من شبه حوله أو بما تقدمه من نظم بديلة. ومن هنا كان مقتضى بحث أصول الإسلام في نظم الحياة البشرية هو بيان بطلان تلك النظم المقابلة خاصة أن الإختلاف في تلك الأصول بين الإسلام وبينها عظيم جداً وإليك توضيحاً لبعض من تلك الأصول:
الإيمان بعالم الغيب أساس الإسلام (وهو منكر الإعتبار في الثقافة المادية) بما فيه وجود الله والقضاء والقدر..
الدنيا مرحلة إلى الآخرة ومن ثم فالعمل يقوم على هذا الأساس في الإسلام أما في تلك الثقافة المادية فالحياة المعتبرة هي هذه الحياة الدنيا ولا إعتبار لسواها.
الوحي مصدر المعرفة اليقينية في الإسلام ولا إعتبار له في تلك الثقافة بصفته مصدراً للمعرفة..
الإسلام يقوم على حقائق ثابتة في العقيدة والأخلاق وفي تلك الثقافات المادية جميع الأشياء متطورة حتى العقيدة والأخلاق.
المُشرع في الإسلام هو الله وحق التشريع في تلك الثقافات للبشر.
الربا حرام في الإسلام، وهو الأساس الذي يقوم عليه الإقتصاد في تلك الثقافات.
التضامن الأخوي أساس المجتمع في الإسلام، وفي غيره تقوم العلاقات على القومية، والعرقية، والتفرقة العنصرية والمصلحة الآنية أحياناً.
أمثلة لمجال البحث في علم الثقافة الإسلامية:
стр. 2748
لا ريب أنه بتحدد معنى الثقافة وموضوعاتها يتحدد إطار التأليف في هذا العلم ومجال البحث فيه سواء في رسائل الماجستير أو الدكتوراه أو بحوث المرحلة الجامعية أو غيرها.
وقد يقول متسائل: بما أن الثقافة علم كليات فهل كل بحث فيها لابد له من الشمولية؟
والجواب: أن ذلك ليس لازماً فقد يتناول البحث قضية من قضايا أحد النظم الإسلامية، لكنها قضية أصولية في هذا النظام، ولها صلة بجوانب الإسلام الأخرى، وإذا كان قد سبق ذكر أمثلة لهذا النوع من البحوث عند الكلام عن المجال الذي يبحث فيه علم الثقافة فإني هنا سأذكر أمثلة مفسرة. فمثلاً:
١. موضوع (مصادر المعرفة) من أصول نظام العلم والمعرفة في الإسلام: الذي يتناول العقيدة حينما يبحث في (الوحي) بصفته مصدراً للمعرفة ويتناول أصول الفقه لدى بحثه مهمة العقل في المعرفة وخاصة في ميدان التشريع.
وموضوع (منهج الإسلام في بناء الجماعة ورعايتها) من أصول النظام الإجتماعي ولكن متعلقاته كثيرة في العقيدة، والأخلاق وبعض الجوانب الفقهية.
وموضوع (قضية الحضارة في ضوء الإسلام) يتناول في بنية الحضارة العقيدة والعلم والتشريع بصفتها أسساً لها، كما أنه يُقوِّم الحضارة القائمة على هذه الجوانب.
٢. كليات النظم الإسلامية: سواء كان ذلك لنظام واحد أو أكثر وفي هذا المجال تدخل موضوعات مصادر النظام وأسسه وخصائصه وأهدافه وآثاره وتطبيقاته ومسائله الكلية.
فمثلاً – من كليات النظام الخلقي فطرية الشعور الخلقي لدى الإنسان ومعيار القيم ومصدر الإلزام في الأخلاق والمذاهب الوضعية في هذا الشأن.
ومن كليات نظم العلم والمعرفة (مقام العلم، وعلاقته بالعمل ونظرية المعرفة بمباحثها، ومناهج العلوم، وأقسام العلوم وضوابط المعرفة وفلسفة العلوم..) .
стр. 2749
٣. القضايا الفكرية في المجتمع المعاصر: مثل (الحرية، الإختلاط، العنصرية، القومية، الحوار بين الأديان، التطور والثبات، والتجديد في الدين، التراث، الموضوعية والشك) .
وتخصص الثقافة لا يتناول من القضايا المثارة إلا الفكرية العامة، أما التخصصية الجزئية فهي لتخصصات أخرى كما سبق ذكره من قبل.
فقضية الولاء والبراء – مثلاً – من موضوعات تخصص العقيدة وقضية الإجتهاد في إستنباط الأحكام، البحث في وجوبه أو جوازه، أو منعه مثار الآن وهو من تخصص أصول الفقه.
وقضية النسب في أطفال الأنابيب قضية فقهية ... الخ.
٤. الثقافات البشرية:
أ. مذاهبها الفكرية ونظرياتها (أصولها ووسائلها ومناهجها، وموقف الإسلام منها) .
والمتخصص في الثقافة يدرس مذهبية تلك المذاهب أما مرتكزها العقدي (كالقول بأن المادة هي الموجود الأزلي الأوحد) لدى الماركسية فمن شأن المتخصص في العقيدة وليس الثقافة.
ب. تياراتها المعادية للإسلام (أصول تلك التيارات، وأهدافها ووسائلها ومناهجها في حرب الإسلام، ومجالات طعونها، وآثار عدائها، والشبه المثارة من قبلها، وتطورها، ونقدها إسلامياً) .
علم الثقافة الإسلامية بين العلوم الشرعية الأخرى:
أبرز العلوم الشرعية _ سوى علم الثقافة:
١. علوم القرآن وأبرزها علم التفسير المختص بالبحث عن مراد الله في آياته حسب الطاقة.
٢. علوم الحديث التي تبحث في الأحاديث النبوية من حيث المتن والسند صحة وضعفاً.
٣. علم العقيدة أو التوحيد الذي يبحث في قضايا الألهيات والنبوات السمعيات.
٤. علم الفقه وهو معرفة أحكام الشريعة بأدلتها التفصيلية في الجانب العملي من حياة الإنسان.
٥. علم أصول الفقه وهو العلم الذي يبحث عن أدلة الفقه الإجمالية، ومنهج الإجتهاد، وأحوال المجتهد.
٦. علم السلوك وهو علم يبحث في أعمال القلوب وآفات النفوس.
стр. 2750
هذه هي العلوم الشرعية التي يمثل كل منها تخصصاً مستقلاً محدد المعالم ولكنها رغم ذلك ذات تلازم لأن الشريعة التي قامت لخدمتها لا تتجزأ، وعليه فلابد للمتخصص في أي علم منها أن يركن تخصصه على معرفةٍ كلية بهذه العلوم، ولكن هذه المعرفة الكلية للمتخصص في أي واحد منها لا تغني عن الحاجة إلى متخصص بالدراسة الكلية إستقلالاً (١) ، لأن المتخصص الجزئي سيعود إلى تخصصه تدريساً وقراءة وتأليفاً ومعالجة، بحيث يستغرق فكرة هذا التخصص ومن ثم يغفل عن رعاية الجانب الكلي وعن الإرتباط الحيوي بين كليات النظم الشرعية، والواقع ماضياً وحاضراً يدل على ذلك..
وقد يقال إن هذا جار على عدم إمكانية وجود العالم المتمكن من كليات العلوم الشرعية وتفصيلاتها جميعاً وفي هذا شئ من المصادرة.
وهنا أقول إن الحق – كما أرى – هو ما سبق تقريره، إنه وإن كان هذا ممكناً بل متحققاً للصحابة والأئمة السابقين من بعدهم إلا انه أصبح صعباً بعد توسع العلوم وكثرة تفريعاتها وتشعب مناهجها، وإن تَحقق شئ من ذلك فلقلة من فحول العلماء معدودين كابن تيمية، وابن القيم وأمثالهما من ذوي الملكات الشمولية والموسوعية (٢) . وقد يُقِّيض الله من أبناء الأمة الإسلامية من يملك مثل قدرات هذين الإمامين الجليلين.
من ذلك تتبين ضرورة وجود متخصص يبحث الكليات في نظم الإسلام وترابطها، وما إلى ذلك من متعلقات.
ويكون مثاله كالفيلسوف بين علماء الطبيعة، إذ لكل علم مجاله الخاص منهجاً، وموضوعاً، فالرياضيات مجالها الكم، والطبيعيات مجالها الحركة والتغير وعلم النفس مجاله الظواهر النفسية والسلوك ... الخ.
والفيلسوف هو الذي يدرس موضوعات هذه العلوم في نظرة جامعة، ويعمل على الجمع بين عمومياتها، لينتج فلسفة موحدة ولهذا سماه (أوجست كونت) (ضابط الإتصال بين مختلف العلوم) (٣) .
стр. 2751
إذا يتبيَّن هذا فإن موقع علم الثقافة بين العلوم الشرعية المشار إليها يتجلى من خلال ما يلي:
١. أنه علم متميز بين هذه العلوم، ليس واحداً منها وليس جمعاً لها.
٢. أنه لا يغني وجودها الجزئي المتخصص عنه، كما أنه رغم شموليته لا يغني عنها في تخصصاتها الدقيقة.
٣. أن مقامه بين العلوم الشرعية عظيم، لجلالة موضوعه، وهو علم الكليات التي هي الأصل للجزئيات.
٤. له صلة بكل علم منها، وهذا جار في كل علم من علوم الشريعة، لا يمكن الفصل بينهما تماماً.
فعلما التفسير والحديث مستندة في أخذ موضوعاتهما من المصدرين الشريفين كالعلوم الأخرى، أما العلوم الأخرى فإنها تبحث في الجزئيات التي تبحث في كلياتها، كما أن كلاً منها يبحث في كلياته المتعلقة بتخصص ذلك الكل.
وبهذه المقتطفات نكون وقفنا على جانب مهم مما يتعلق بنشأة هذا العلم والمجالات التي يمكن أن يغطيها من العلوم الإسلامية وسنقف على ما يزيد فهمنا لهذا العلم ويبين لنا أهميته ألا وهو الخصائص والسمات التي يتميز بها علم الثقافة الإسلامية.
الفصل الثالث: سمات ومميزات الثقافة الإسلامية
إذا ما أريد لبيان الشيء زيادة على تعريفه فإن الوقوف على سماته ومميزاته وخصائصه، وتزيد الأمر وضوحاً، وبين أيدينا هنا عدد من الخصائص التي تثبت تَميز الثقافة الإسلامية على غيرها من الثقافات في كل زمان ومكان، كيف لا وهي
стр. 2752
(ثقافة عابدة تفرد الله بالعبودية ومن ثم بالحاكمية، فهي ثقافة حرة لأنها تحرر الإنسان من العبودية لغير الله وهي ثقافة عادلة) (١) وعدلها مأخوذ ومنبثق من كونها ربانية في أساس مادتها وسيأتي في تعداد سماتها وخصائصها أنها إنسانية، وعالمية، فهي ليست قومية ولا محلية ولا إقليمية، ومن ثم فهي تكره الإحتكار والإستغلال والظلم في كل زمان ومكان ومن أي شخص كان في كافة السلوك الإنساني حتى ولو كان هذا السلوك صادراً من الأنبياء، والآيات التي تثبت ذلك في القرآن كثيرة ومنها قوله تعالى لنبيه داوود (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ...) (٢) وهي ثقافة متعادلة فيها التوازن والوسطية في كل شئ لأن الإسلام كما تشير النصوص وسط في كل أحواله.
ومن خلال ما يأتي من الخصائص والسمات ندرك ذلك التميز وتلك الصفات الفريدة للثقافة الإسلامية والخصائص هي:
стр. 2753
١. ثقافة ربانية: وتبرز هذه الخاصية والسمة من خلال ظاهرة الوحي الذي حدد الإطار العام للثقافة الإسلامية، وجعل منها ثقافة إنتماء إلى عقيدة التوحيد، فالمسلم في عقيدته تلك يعتقد أن الله هو الذي خلق هذا الكون وسخر ما في هذا الوجود لمصلحة الإنسان، وهذا التصور من المسلم يجعله ينظر للحياة بمنظار يختلف فيه عن الآخرين فهو يعلم أنه مستخلف عن الله في هذه الأرض وأن هذه الحياة ليست غاية وأن الغاية الأساسية هي الوصول إلى سعادة الآخرة وأن ذلك لا يتأتى إلا بسلوك الطريق الذي يرضي الحق ، ويتلمس مكان تلك المرضاة في كل شان من شئون حياته، وهكذا ينظر الإنسان في هذا الكون فيرى فيه قدرة الباري سبحانه وعظمته وسلطانه فيسير في هذه الحياة على وفق السنن التي بثها الله فيه لا يخرج عنها، بل يكون المسلم وهو في أوج قوته وسلطته مؤمناً بربه خاضعاً له لا يداخله الغرور الذي داخل غيره عندما تَمكن من بعض أسباب الحياة كما عند الأوروبيين وغيرهم الذين غرهم تمكنهم من بعض تلك الأسباب.
ومع كون المصدرية لهذه الثقافة ربانية تحدد الإطار الذي يسير فيه الإنسان في الحياة، فإنها في الوقت نفسه لا تلغي حركة الإنسان وتفكيره وإختياراته، من خلال دور العقل البشري في التفسير والتجديد.
стр. 2754
٢. فيها التوازن: إن ما نعنيه بالتوازن كسمة من سمات الثقافة الإسلامية هو التوازن بين ما يدركه الإنسان فيسلم به، وبين ما يتلقاه عن الوحي فيبحث عن علله وبراهينه وغاياته التي تزيد في إيمانه وتقوي عقيدة الغيب في نفسه، وفيها التوازن بين مجال المشيئة الألهية المطلقة ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة، ومن هذا التوازن أيضاً ببين عبودية الإنسان المطلقة لله وبين مقام الإنسان المكرم في هذا الكون (وفيها التوازن بين مصادر المعرفة وبين التلقي عن الوحي والنص، والتلقي من الكون والحياة، وفيها توازن بين حاجات الإنسان الروحية والمادية والإجتماعية) (١) .
من هنا فإن الثقافة الإسلامية القائمة على هذا التوازن بين كل هذه الجوانب دون أن يطغى جانب على آخر قد استطاعت أن تستجيب لطبيعة الإنسان ونزعاته الفطرية والغرائزية، ولو لم يكن ذلك لاختل التوازن الذي أراده القرآن، وهذا التوازن مرجعه إلى وسطية هذا الدين في كل أمر إذ لا تفريط ولا إفراط.
٣. ثقافة إنسانية: يقول تعالى (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً
ونذيراً) (٢) إن الثقافة الإسلامية ليست عنصرية ولا ثقافة أمة متميزة بإنتماء نسبي أو عرقي أو لغوي وإنما هي ثقافة إنتماء إلى عقيدة رسم الوحي الإلهي معالمها وحدد أطرها ودعائمها، لا تفرق الثقافة الإسلامية التي مصدرها القرآن والسنة بين شعب وشعب في اللون أو اللغة أو الإنتماء العرقي، فالثقافة الإسلامية تخاطب الجنس البشري دون إستثناء يقول الحق ﵎
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (٣) . فميزان التفاضل هو التقوى، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.
стр. 2755
ولو كانت الثقافة الإسلامية ذات إنتماء عرقي أو رباط نسبي لما أسهمت الأمم الأخرى التي دخلت في الإسلام في بناء صرحها، ولما شعرت بالإعتزاز بها، ولما جعلت منها ثقافتها الوطنية فالثقافة الإسلامية ثقافة تجمع ولا تفرق تدعو للترابط وتنبذ الفرقة والتناحر والسبب في ذلك كما قدمنا هو الإنتماء إلى عقيدة واحدة، من مقاصدها قوله ﷺ (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) (١) فهي تدعوه إلى الوحدة.
٤. فيها الوحدة: إن عقيدة التوحيد التي هي الدعامة الأولى للثقافة الإسلامية تتلخص في أن الله واحد لا معبود بحق سواه، وأنه خالق الكون وواهب الحياة، وعليهما نشأة ووحدة الخلق أي الوحدة التي تجمع بين المادة والروح ووحدة العلم والإيمان ووحدة الإنسانية لا تفرقها الألوان ولا الأجناس والأقاليم (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) (٢) ويقول الحق أيضاً (يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) (٣) .
(ومن هنا كانت تعاليم الإسلام التي هي مادة الثقافة الإسلامية تدعو إلى توفير المبادئ الإنسانية في مجالات العلاقات على الصعيد الفردي والإجتماعي والدولي وتحذر من مغبة العنصرية البغيضة) (٤) حتى تكون الأهداف الإنسانية التي من أبرزها تحقيق العبودية لله تعالى، هي الغاية التي يتطلع إليها الإنسان ويسعى نحوها (ولعل أهم معاناة يعانيها الإنسان خارج دائرة الإسلام هي شعوره بالتمزق، وبأنه ليس شخصية واحدة تتجه نحو هدف واحد، فهو يرى أنه أشتات كل منها يرتبط بهدف لا علاقة له بالأهداف الأخرى، وبأنه أنفس عديدة لا نفس واحدة، وبأنه بعيد عن مصيره لا متوحد معه) (٥) .
стр. 2756
وهذه الوحدة تنطلق وتتعانق مع خصيصة أخرى للثقافة الإسلامية ألا وهي الشمول.
٥. الشمول: إن النصوص الإسلامية عامة مطلقة في كل شأن من شئون الحياة (ويتمثل ذلك في التصور الشامل الذي يبدأ مع الحقيقة الألهية التي يصدر عنها الوجود كله، وتتناول الحياة وطبيعتها والوجود ومكانة الإنسان فيه، وما يربط بين الله والكون والإنسان من وشائج) (١) .
فالثقافة الإسلامية تأخذ من الإسلام شموله وسعته، لذلك فهي تعرض الحياة متصلة متناسقة محكومة كلها بقانون واحد كبير، في حين أن بعض الثقافات الأخرى تعرضها مقطعة الأوصال فتفقدها معناها الشامل ومغزاها العميق، وذلك لأن بعض أعلام الفكر والثقافة من غير المسلمين قد إختلفت النسب في نفوسهم فلا يرون الحياة إلا من خلال جزئية واحدة من بين جزئياتها إما من خلال الجنس أو من خلال الصراع الطبقي أو من خلال التفسير المادي للتاريخ أو غير ذلك.
ومن هنا حصل الخلل وعدم الإيجابية لتلك الثقافات غير الثقافة الإسلامية التي تميزت نظرتها بالشمول لكل مناحي الحياة، وهذا من أسباب إيجابيتها.
٦. الإيجابية: المتتبع للنصوص التي جاءت تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر في القرآن والسنة يدرك تماماً هذه الإيجابية التي كانت ولازالت للثقافة
الإسلامية، فالنصوص الشرعية الإسلامية ليست قاصرة على درء المفاسد، بمعنى أنها ليست رد فعل لما يقدمه الناس فحسب، بل هي تملك زمام المبادرة أيضاً، يقول الرسول ﷺ (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (٢) .
стр. 2757
ومن هذه الإيجابية أيضاً أنها لا تكلف الإنسان في شأن الأمر أو النهي أكثر من طاقته (فاتقوا الله ما استطعتم) (١) (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (٢) وهي في الوقت نفسه تحذره من التواكل فهي تحثه على العمل وتدفعه إليه وتشجعه (فبناء المجتمع المسلم والإهتمام بقضايا المسلمين هي مسئولية الجميع والمسلم العامل بهذه الثقافة الإسلامية لا يهدأ له بال حتى يرى راية الإسلام خفاقة عزيزة) (٣) وأنه لا يشعر بالراحة والطمأنينة حتى يرى شريعة الله تطبق بين خلقه في أرضه، وهذا الشعور من المسلم هو غاية الإيجابية لما يخدم مصالح الإنسانية جمعاء، لأن البشر إذا طبقوا ما تدعو إليه هذه الثقافة سعدوا في الدنيا والآخرة.
٧. الثبات والتطور: الثبات والتطور سمة بارزة في الثقافة والشريعة الإسلامية فالأصول والمبادئ ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، ولكن ما يدخله التطور هو التطبيق لهذه الأصول والقواعد الإسلامية، فالإيمان، والتقوى، والبر، والمعروف، والإخاء، والمساواة، والعدالة، والحرية، والحب ن والإحسان وغيرها من القيم الإسلامية، قيم لا يدخلها التغيير كما قلت، ولكن العمل بها وأساليب تطبيقها هي التي يمكن أن يدخلها التطور حتى تكون صالحة لكل زمان ومكان.
وبهذا الاستعراض المختصر لبعض وليس لكل خصائص وسمات الثقافة الإسلامية نكون قد عرفنا عُلُو كعب هذه الثقافة بين سائر الثقافات الأخرى، وأن لا مقارنة، ولكن إثباتها هنا هو فقط لزيادة توضيح مفهوم الثقافة الإسلامية التي أصولها ربانية ومصدرها الوحي (القرآن والسنة) .
стр. 2758
وخاتمة القول بأن الثقافة الإسلامية التي تعتمد على هذين المصدرين هي بذلك تعتبر ثقافة عالمية إنسانية، لا تحدها الحدود الجغرافية والخرائط الإنسانية أو تخوم الأرض، وإنما حدودها هي حدود فكرتها، فالإنسان المسلم والجماعة المسلمة يجب أن تمارس حياتها وأن توجه حركتها ونشاطها وفقاً لمنهج الله في كل زمان ومكان (١) ، هذا المنهج الذي لا يخرج بحال عن ما جاء في القرآن والسنة وهما المصدران الأساسيان للثقافة الإسلامية.
الفصل الرابع: أسس ومرتكزات الثقافة الإسلامية
وقفنا في الفصل السابق على ما يميز الثقافة الإسلامية عن غيرها من الثقافات من خلال السمات والخصائص، وفي هذا الفصل سنقف على ما يقوي ذلك التميز ألا وهو أصالة الثقافة الإسلامية من خلال الإطلاع على مصادرها والآفاق والأبعاد التي تقوم عليها، فإن أصالة الثقافة الإسلامية طبيعة لا اصطناعية، وذاتية لا مكتسبة، وموافقة لا مخالفة لفطرة الإنسان، كل ذلك لأن منبعها الإسلام ولعل ما كتبه أحد الكتاب (٢) المسلمين عن هذه الأسس في مؤلفه عن نظم الإسلام وثقافته مصدر مناسب لإقتباس مادة هذا الفصل فبالوقوف على تلك الأسس الثلاثة تتضح لنا أصالة الثقافة الإسلامية فالأساس الأول من مصادر الثقافة الإسلامية الكتاب والسنة والتراث، والأساس الثاني هو غرس الوازع الذاتي في النفوس وهو هدف سام للثقافة الإسلامية، والأساس الثالث يتمثل في عالمية الدعوة والتي تبرز لنا أهمية الثقافة الإسلامية وأنها المفتاح الذي يقود الإنسان إلى سعادة الدارين (الحال والمآل) .
الأساس الأول: هو مصادر الثقافة الإسلامية: والتي تتمثل في:
... أ. ... القرآن الكريم:
стр. 2759
تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة لأنها مستمدة من النبع السماوي الإلهي الصافي ألا وهو القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي هيأ أصول الثقافة البشرية وأمر أفرادها أن يغترفوا من أنهار العلم وينابيع المعرفة، ويتجلى هذا في إشادة القرآن بالعقل، ودعوة الناس إلى أعماله تفكيراً فيما خلق الله من شئ وتأملاً فيما أبدع الله من خلق، كما يتجلى أيضاً في إشادة القرآن بوسيلة العلم وأداته متمثلين في القراءة والكتابة بالقلم.. ثم يتجلى حث القرآن على العلم، كذلك في تقديره وتكريمه لطائفة العلماء قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، والله بما تعملون خبير) (١) .
هذا وقد أشار القرآن الكريم إلى حقائق تتعلق بعدد من فروع العلم وجزئيات المعرفة، إشارة تدل على إهتمام القرآن الكريم بكافة العلوم النظرية والتجريبية والمعارف الفكرية والعملية.. وإذا كان إهتمام القرآن بالعلوم النظرية أمراً لا يحتاج إلى تبيين فالأمر على العكس من ذلك فيما يتعلق باهتمام القرآن بالعلوم التجريبية العملية ومن ثم وجب علينا أن نلفت الأنظار إلى ما اشتمل عليه القرآن الكريم من إشارات إلى حقائق تتعلق بعدد من فروع العلم التجريبي.
ففي قوله تعالى: (وأنبتنا فيها من كل شئ موزون) (٢) . وقوله تعالى:
(إنا كل شئ خلقناه بقدر) (٣) يشير القرآن إلى حقيقة تتعلق بعلم الكيمياء وهو ذلك الذي يقرر أن العناصر الداخلية في تركيب الأجسام من نسب معينة وموازين مقدرة.
стр. 2760
وفي قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) (١) . يشير القرآن إلى حقيقة تتعلق بعلم الأحياء أو ما يعرف بالتاريخ الطبيعي.. وذلك الذي يقرر إشتمال الحيوانات على الأجهزة العضوية الموجودة في الإنسان من مثل الجهاز العصبي والجهاز التنفسي، وفي قوله تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياءاً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) (٢) فالقرآن يشير هنا إلى علم الميقات الذي هو فرع من علم الفلك، والذي تدور عليه مصالح الناس ومواقيتهم، وفي قوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يجب المسرفين) (٣) .
يشير القرآن إلى مبدأ هام من مبادئ علم الصحة الغذائي. وفي قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (٤) يشير القرآن إلى ما يسمى بالطب الوقائي. وفي قوله تعالى (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً) (٥) يشير إلى مبدأ هام من مبادئ الطب النفسي.
والمتتبع يجد الإشارات القرآنية الكثيرة التي تشير إلى حقائق (٦) كثير من العلوم والمعارف وهي إشارات توجب علينا أن نقرر بإزائها أن القرآن الكريم مع إشتماله عليها فهو كتاب عقيدة، وليس كتاب فن من الفنون أو علم من العلوم المتعارف على أسمائها بين الناس، من مثل علم الكيمياء، أو الطبيعة، أو الأحياء أو غير ذلك، إن القرآن كتاب عقيدة وحسب.. كتاب عقيدة لا يطلب منه أن يطابق مسائل ونظريات العلم التي تخرج عبره أجيال البشر المتتابعة، كما لا يطلب من المؤمنين به أن يستخرجوا منه تفصيلات تلك العلوم، كما تعرض عليهم في معامل التجربة والدراسة لأن هذه التفصيلات تتوقف على محاولات الإنسان وجهوده، كما تتوقف على حاجاته وأحوال زمانه (٧) .
إن القرآن كتاب عقيدة يهدف في كل ما اشتمل عليه من إشارات إلى أمرين اثنين:
стр. 2761
أحدهما: ربط مختلف العلوم والمعارف والفنون بالإيمان والعقيدة.
والآخر: حث الإنسان على التفكير السليم والنظر الصحيح إلى ما يزخر به عالم النفس وآفاق الكون من الآيات من غير أن يتضمن القرآن الكريم حكماً من الأحكام يشل حركة العقل من تفكيره، أو أن يحول بينه وبين الإستزادة من العلوم ما استطاع حيثما استطاع.
وبعد فالقرآن كلمات الله وهي كلمات لا تنفذ معانيها ولا تنتهي مدلولاتها ولا تنقضي عجائبها ومن ثم تكون الثقافة النابعة منه ثقافة تتسم بالأصالة والرسوخ والثبات وهي الثقافة الحق، والثقافة الخالدة.
... ب. السنة النبوية الشريفة:
لم تكن السنة النبوية الشريفة بأقل أثراً من القرآن الكريم في الدعوة إلى العلم والمعرفة وسائر ألوان الثقافة، لأن صاحب السنة ﷺ هو المترجم لمعاني القرآن إلى عمل تطبيقي وسلوك واقعي، وليس أدل على ذلك من هذا الحشد الهائل الضخم من الأحاديث النبوية الشريفة التي جمعها الحفظة والمحققون للسنة الشريفة في كتب الأحاديث العامرة بالروايات الصحيحة، والدالة فيما تدل عليه على عظم إهتمام السنة بالعلم والمعرفة وذلك من مثل ترغيب النبي ﷺ في طلب العلم والإرتحال إليه ومن مثل الإشادة بفضل العلم والعلماء والمتعلمين ومن مثل الترغيب في مجالسة العلماء وإكرامهم وتوقيرهم وإليك قبساً من هذه الأمثلة التي ترشد إلى موقف السنة من الثقافة القائمة على العلم والتعلم.
стр. 2762
لقد دعا رسول الله ﷺ المسلمين بصريح القول إلى التحلي بفضيلة العلم لما له من آثار طيبة ونتائج حسنة فقال ﷺ : (تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذكراته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة.. لأن العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظلم.. ويبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة.. التفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، به تُوصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام) (١) .
وفي حديث ثان يبين الرسول ﷺ مكانة طالب العلم وجزائه، وفضل العلم ومنزلته فيقول: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة
الأنبياء. إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) (٢) .
وفي حديث ثالث يقرر الرسول صلة الله عليه وسلم في مثل يضربه أن موضوع دعوته المبعوث بها يتكون من شقين: أحدهما يتمثل في الهداية والتقوى، والآخر يتمثل في العلم والمعرفة.. هذان الشقان انقسم الناس حولهما إلى ثلاث طوائف:
١. طائفة إستجابت قلوبها وتفاعلت عقولها مع ما استجابت له فأنتجت في مجال العلم والإرشاد وهذه هي طائفة أولي الأمر من المشرعين والمفكرين والباحثين المسلمين.
٢. طائفة إستجابت قلوبها لكنها لم تتفاعل بعقولها مع ما استجابت له فلم تنتج في مجال العلم والإرشاد وكانت بذلك بمثابة الأوعية الحافظة لشقيَّ دعوة الرسول ﷺ ، وأصحاب هذه الطائفة هم عوام المسلمين من المقلدين.
стр. 2763
٣. طائفة لم تستجب لما جاء به ﷺ وبالتالي فلم تتفاعل معه وهؤلاء هم الذين وضعوا الأكنَّة على قلوبهم والذين أعرضوا عن التفكير الحق بعقولهم فكانوا بذلك من الخاسرين.
يقول ﷺ في حديثه الشريف: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءاً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) (١) .
ونكتفي بهذا القدر من القبسات النبوية لنؤكد علاقة السنة بالعلم وهي علاقة يقول فيها المرحوم الأستاذ البهي الخولي: (السنة هي المرجع الثاني – بعد القرآن الكريم – لعلوم الدنيا والدين، وهي نفحات نفس قدسية وهي خلاصة كاملة لتجارب أعظم عقل فهم القرآن وسنن الإجتماع، وعلل النفوس، ومشكلات الحياة وضروب الأصلاح.. فإذا أسمعك متحدث: قال ﷺ فأرهف أذنك واستجمع مواهبك ومشاعرك، لأنك ستسمع أصدق قول، وأنفع قول، وأطهر قول نطق به بشر. وهذه الصفات غنم تتضاءل إلى جانبه الدنيا وما فيها، غنم عقلي وروحي وإجتماعي وعملي يجد فيه كل باحث ري ظمئه إلى ما يشتهي من خير المنافع) (٢) .
... ج. ... التراث الإسلامي المجيد:
стр. 2764
ليس عجباً أن تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة، لأنها مستمدة من التراث الإسلامي ذي الإتجاهات العلمية المتشبعة والفروع العديدة من المعارف المختلفة فتراثنا الإسلامي تراث مجيد نهضت به الأمة الإسلامية على مدى أربعة عشر قرناً وكانت في طليعة العالم إن لم تكن أرقى أمم الأرض طراً، كما قامت بهذا التراث الإسلامي نهضة المجتمعات الأوروبية حين انتقل هذا التراث إليها عن طريق بلاد الأندلس، وعن طريق الحروب الصليبية، وعلى يد عدد من اليهود الأسبان، وكثير من عرب صقلية وأفريقية.
ولقد بلغت عظمة التراث الإسلامي وقوته أن كان بالأندلس وحدها – زمن قوة المسلمين – أكثر من سبعين مكتبة عامة كما بلغ تعداد ما في مكتبة الأمراء في الأندلس فقط ٦٠٠ ألف مجلد وهذا في زمن لم تكن فيه المطابع التي نعرفها اليوم وإنما كان ما كتب بخط اليد كله، الأمر الذي يدل على أن الثقافة في ظلال دعوة الإسلام لم تكن مقصورة على الطبقات العليا، وإنما هي أمر مشاع بين الناس كافة (١) .
إن تراثنا الإسلامي تراث تليد حقاً، لأنه يجمع مع الرقي الكمي والكيفي فضل السبق على الحضارة المادية المعاصرة في شتى أوجه المعرفة ومختلف فروع العلوم.
ففي فرع البصريات المتعلق بعلم الطبيعة أو الفيزياء: نجد أن الحسن بن الهيثم هو أول من وضع علم البصريات منذ حوالي ألف سنة وكان لهذا العلم الأثر العظيم في الحياة المعاصرة، إذ انه يبحث في سقوط الأشعة والضوء على الأجسام الثقيلة وبهذا العلم اتصلت نظريات الضوء وانفتح الباب أمام مخترعات كثيرة واستحق ابن الهيثم به أعظم التقدير من علماء أوروبا فقد قال عنه (فباردو) : (إن الهيثم هو العربي الذي تعلم منه رجالنا) (٢) .
стр. 2765
وفي علم الكيمياء: نجد أن جابر بن حيان أسس هذا العلم وهو الإمام في هذا المضمار الذي اتكأت أوروبا بعد نهضتها على كشوفه وابتكاراته فترجمت عن - حاجة - كتابه المسمى بالاستتمام، ونقلته إلى اللغة اللاتينية سنة ١٦٨٢م لتتعلم منه ما لم تكن تعلم وقال (برتيلو) عن جابر: إن له في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق ويتبين بذلك أن جابر ابتكر الكيمياء كما ابتكر أرسطو المنطق (١) .
وفي علم الرياضيات نجد أن محمد بن موسى الخوارزمي هو واضع علم الجبر بأمر المأمون العباسي في القرن التاسع الميلادي، وعنه أخذت أوروبا ولا زالت تسميه باسمه العربي الجبر. وأولاد موسى وهم: محمد وأحمد والحسن هم الذين وضعوا المعادلات الرياضية وعلى هدى تلك البداية العربية للرياضيات كانت تلك المخترعات الهائلة كالصواريخ والأقمار الصناعية والراديو وسواها كثير (٢) .
وفي فن الطب: نجد ابن سينا (٣) ، والكندي، وأبو بكر الرازي، والكتاني كان لهم باع طويل وأثر عميق في هذا الفن بل إن أول مدرسة طبية أنشئت في قارة أوروبا على نظام محكم هي التي أنشأها العرب في أسبانيا.
ثم ناهيك بعد ذلك بما للمسلمين من يد طولى في مجال بقية المعارف التجريبية من مثل فن الهندسة، وفن الفلك، وفي مجال بقية العلوم النظرية والمسماة بالعلوم الإنسانية من مثل علوم الشريعة.. تفسير، وحديث، فقه، وتوحيد، وعلوم اللغة.. نحو وصرف وبلاغة وأدب، ثم من مثل علم الفلسفة والمنطق وغير ذلك من ألوان المعرفة والعلوم.
وبَعدُ أفلا يحق لنا أن نقرر في شأن هذا التراث الإسلامي أنه تراث ضخم وفخم؟ وإن من الجدير بهذا التراث أن تخرج منه الثقافة المتسمة بالأصالة والعمق والثبات وأن يكون هذا التراث زاداً لنا على طريق نهضة الأمة الإسلامية مرة أخرى.
الأساس الثاني: غرس الوازع الديني في النفوس:
стр. 2766
تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة والرسوخ والثبات لأنها من أبرز الثقافات التي تغرس الوازع الذاتي في النفس البشرية، ومن ثم يصبح الإنسان في كنف هذه الثقافة كائناً ذا ضمير حي وإحساس مرهف.. يراقب نفسه بنفسه ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره، يقبل على الطاعات والفضائل إقبال من يتزود بخير الزاد ويبتعد عن المعاصي والرذائل ابتعاد من يريد النجاة من الهلاك.
إن الوازع الذاتي إذا تحقق داخل الإنسان صار الفرد رقيباً على نفسه يفعل الخير لذات الخير بمحض اختياره وإرادته، ويجتنب الشر لذاته دون خشية من قانون أو خوف من الوقوع تحت طائلته، وما الوازع الذاتي هذا إلا ثمرة من الثمار النابعة من الدعوة الإسلامية. وإنه لوازع تعجز اللوائح الوضعية والقوانين أن تصل إلى بعض نتائجه إذ اللوائح والقوانين المجردة تعتمد على الوازع الخارجي ومن ثم فهي عاجزة عن إلزام الإنسان بالتحلي بالفضيلة والتخلي عن الرذيلة نتيجة لعجز هذه القوانين عن الملازمة الدائمة للإنسان في مختلف الأوقات ليلاً أو نهاراً سراً أو علانية.
هذا هو شأن القوانين بمفردها، أما من شأنها حين تنبع من عقيدة صحيحة وحين تحاط بإطار دين الفطرة.. دين الإسلام.. فهو شأن يختلف تماماً عن سابقه لما يتحقق حينئذ من وازع ذاتي به يكون صلاح الفرد والمجتمع ولنضرب المثال ليتضح المقال.
فلو نظرنا في أم الكبائر.. (رذيلة الخمر) مقارنين بين مكافحتها بسلاح العقيدة وبين محاربتها بالقوانين المجردة. فسنعرف حينئذٍ الفرق.
لقد كان العرب في جاهليتهم مولعين بالخمر، شغوفين بشربها، متسابقين إلى مجالسها فلما جاء الإسلام تدرج في معالجة هذا الداء الخبيث المستحكم وكانت المرحلة الأولى في العلاج أن وضع الإسلام السكر (المخمَّر) في مقابل الرزق الحسن فكأن المخمَّر شئ غير حسن قال تعالى (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً) (١) .
стр. 2767
وكانت المرحلة الثانية أن حرك الإسلام وجدان الإنسان بنص يثير فيه آثام الخمر ويلفت به العقل إلى أن ترك الخمر أولى فإثمها أكبر من نفعها. قال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) (١)
وكانت المرحلة الثالثة أن ضيق الإسلام أوقات شرب الخمر حين حرم على المسلم أن يقرب الصلوات الخمس وهو سكران قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) (٢) .
ثم كانت المرحلة الرابعة والأخيرة وقد تهيأت النفوس لها تهيؤاً كاملاً فلم يكن إلا النهي حتى تتبعه الطاعة الفورية، والإذعان، فحينما نزلت آية التحريم بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) (٣) . لم يحتج الأمر إلى أكثر من مناد يمر في نوادي المدينة وسككها ليعلن (ألا يا قوم إن الخمر قد حرمت) .. فمن كان في يده كأس حطمها ومن كانت عنده أواني الخمر وجرارها كسرها، وإنتهى الأمر كأن لم يكن سكر ولا خمر.
وهكذا أقلع المسلمون عن عادتهم الجاهلية وابتعدوا عن الداء الخبيث وتطهروا بمجرد سماعهم حكم القرآن الكريم الذي ربَّى في نفوسهم الوازع الذاتي الممتثل للأوامر والفضائل، والمجتنب للنواهي والرذائل.
هذا ونستطيع أن نلمس دقة العلاج الإسلامي لمشكلة الخمر حين ننظر في محاولات الغرب والشرق لعلاج المشكلة المذكورة.. حيث أعدت هناك الخطط والدراسات، وأصدرت القوانين المجردة عن إطار العقيدة كما أصدرت التشريعات واعتمدت الميزانيات والنفقات.. كل ذلك من أجل القضاء على الخمر فماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت فشلاً ذريعاً وخيبة مريرة.
стр. 2768
ففي أمريكا أرقى مجتمعات الغرب ثارت مشكلة الخمر في الرأي العام الأمريكي عام ١٩١٨م وبدأ المسئولون يدقون أجراس الخطر بل الأخطار الناجمة عن انتشار عادة الإدمان بين الأفراد والجماعات، وفي سنة ١٩١٩م دخلت المشكلة في الدستور الأمريكي، وفي نفس السنة أيد هذا التعديل بأمر حظر، أطلق عليه التاريخ (قانون فولستد) وقد أعدت لتنفيذ هذا التحريم داخل الأراضي الأمريكية كافة وسائل الرقابة الخارجية وهي:
... ١. الأسطول أجمعه لمراقبة الشواطئ.
... ٢. الطيران لمراقبة الجو.
... ٣. المراقبة العلمية.
فماذا كانت النتيجة؟ فشل كامل لأمر الحظر، وسقوط ما قرره التعديل الدستوري الحادي والعشرون الذي صدق عليه الكونجرس عام ١٩٣٣م.
نقول: هذا هو علاج القانون في الغرب وتلك آثاره ونتائجه.
أما عن علاج الشرق لمشكلة الخمر وبيان نتائجه فأكتفى في هذا الصدد بذكر هذه الواقعة الدالة على إخفاق الشرق الشيوعي في القضاء على هذه المشكلة، كما أخفق الغرب الرأسمالي من قبل.. يقص باحث مسيحي في كتاب له حواراً حدث بينه وبين واحد من الماركسيين في دولة بولونيا: فكتب يقول:
(قال لي الرفيق ونحن على المائدة: ألك في كأس آخر من الفودكا (١) ؟ وأردف ذلك بقوله: إن الفودكا داء لسنا ندري كيف نتخلص منه. فالعمال ينفقون نصف أجورهم في شربها ويدمنون عليها بل يلاحظ في الغالب كثرة المتغيبين عن مصانعهم في أيام الإثنين بالذات، إذ يكون هؤلاء المتغيبون لا يزالون متأثرين بما تناولوا يوم الأحد من شراب الفودكا، وأردف بذلك بقوله: لقد نجحنا في تغيير نظام الحكم ونظام المعيشة ونظام الإقتصاد، ولكننا لم ننجح في تغيير عقلية الناس.
وابتسمت له ولكنني أقول في دخيلة نفسي أليس ذلك إعترافاً من الرفيق بأن الماركسية إذا كانت قد فرضت سلطانها على كل مظاهر الحياة، فإنها لم تتغلغل في النفوس والقلوب) (٢) .
стр. 2769
وفي ختام هذه المقارنة لنا أن نقرر ما يلي: إن جوهر الفرق بين نجاح الإسلام وإخفاق ما عداه في القضاء على داء الخمر هو راجع لما تتمتع به عقيدة الإسلام وحدها من غرس الوازع الذاتي في النفوس ومن ثم فهي لا تحتاج إلى جهاد معنوي أو مادي في منع شئ محرم أو نهي عن إقتراف إثم، وهذا بخلاف القوانين المعتمدة على الوازع الخارجي الأمر الذي يتبين للباحث في ضوئه لماذا تتصف الثقافة الإسلامية وحدها بالأصالة والرسوخ والعمق.
الأساس الثالث: عالمية دعوة الثقافة الإسلامية:
تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة والرسوخ لأنها نابعة من الدين الإسلامي صاحب الدعوة العالمية.. إن الدعوة الإسلامية هي كلمة السماء الخاتمة، نبيها هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وكتابها هو المُصدَّق والمتمم لما قبله من الكتب السماوية، والمهيمن عليها في الوقت نفسه وهذا أهم ما يتفرد به الدين الإسلامي من بين سائر الأديان.
إن أكبر الأديان السماوية السابقة في الوجود على الدين الخاتم هما الدينان اللذين جاء بهما موسى وعيسى تتسم شريعة كل منهما بالخصوص لا بالعموم وبالتوقيت لا بالتأييد، وبالقومية لا بالعالمية.
فاليهودية في بداية عهدها عصر النبي موسى ﵇ دين خاص أرسل به الكليم إلى فرعون الطاغية وملئه المستكبرين لدعوته إلى عبادة الله رب العالمين وحده وترك العظمة التي كان يدعيها ذلك الطاغية وتقبلها حاشيته المستكبرة المُغررة.
أيضاً أرسل موسى ﵇ إلى بني إسرائيل ليُخلص أجسامهم من ذل العبودية للحاكم الطاغية فتنعم بذل العبودية لله تعالى وحده كما يُخلص ويحرر وجدانهم من الوثنية الشائعة آنذاك، ليغرس في نفوسهم عقيدة التوحيد الخالص لله تعالى.
واليهودية في بداية عهدها أيضاً هي صاحبة التوراة الصحيحة والتي كان العمل بأحكامها مختصاً ببني إسرائيل وحدهم لأن التوراة لم تنزل على نبيهم ﵊ إلا بعد غرق فرعون وملئه (١) .
стр. 2770
هذا هو شأن الدين اليهودي في بداية عهده أما شأنه بعد ذلك فهو دين يعلن على سمع الزمان وبصره قوميته وإقليميته، وذلك أمر نتبينه من إقرار التوراة وإصرارها بعد ما اعتراها التبديل والتحريف على إقليمية الألوهية لله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
ونود أن نشير في هذا المقام إلى أنه من المتعذر أن نستشهد بما يرشد إلى هذه الإقليمية، لأن عبارات (إله إبراهيم، وإله إسحق، وإله إسرائيل، وإله العبرانيين) تشيع بكثرة كثيرة في جميع أسفار التوراة وهذا ما جعل بعض الباحثين يقول: (إن تعاليم الربانيين كانت قد أقامت على الوعد الذي تلقاه إبراهيم، وعلى ميزة الإختيار التي كانت ليعقوب عقيدة دينية قومية، فالله قد أصبح في تلك العقيدة – وعلى وجه التقريب – ألوهية قومية) (١) .
وإذا تجاوزنا اليهودية للمسيحية وجدنا أن هذه الثانية لا تختلف عن الأولى في كونها ديانة خاصة إذ أن عيسى ﵇ قد أرسل إلى بني إسرائيل وحسب وأن بعثته ﵇ بعثة خاصة ممهدة للبعثة العامة لخاتم الأنبياء قال تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) (٢) .
والمسيحية الحاضرة تذهب إلى بعض ما تقرره هنا فإنجيل (متى) ينص على أن رسالة المسيح خاصة لبني إسرائيل يقول الإنجيل على لسان عيسى ﵇: (لم أرسل إلا لخراف بني إسرائيل الضالة) (٣) كما تذهب المسيحية الحاضرة إلى كل ما قررناه من قبل في الديانة اليهودية تلك التي تقول بإقليمية الألوهية، وليس أدل على هذا من لفظ (الرب) فكثيراً ما يأتي في الأناجيل هكذا أي محلى بالألف واللام ثم إذا أضيف فهم لا يضاف إلا إلى إسرائيل أو إلى أحد من ذريته فقط.
следующие страницы →