← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة والرسوخ والثبات لأنها من أبرز الثقافات التي تغرس الوازع الذاتي في النفس البشرية، ومن ثم يصبح الإنسان في كنف هذه الثقافة كائناً ذا ضمير حي وإحساس مرهف.. يراقب نفسه بنفسه ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره، يقبل على الطاعات والفضائل إقبال من يتزود بخير الزاد ويبتعد عن المعاصي والرذائل ابتعاد من يريد النجاة من الهلاك. إن الوازع الذاتي إذا تحقق داخل الإنسان صار الفرد رقيباً على نفسه يفعل الخير لذات الخير بمحض اختياره وإرادته، ويجتنب الشر لذاته دون خشية من قانون أو خوف من الوقوع تحت طائلته، وما الوازع الذاتي هذا إلا ثمرة من الثمار النابعة من الدعوة الإسلامية. وإنه لوازع تعجز اللوائح الوضعية والقوانين أن تصل إلى بعض نتائجه إذ اللوائح والقوانين المجردة تعتمد على الوازع الخارجي ومن ثم فهي عاجزة عن إلزام الإنسان بالتحلي بالفضيلة والتخلي عن الرذيلة نتيجة لعجز هذه القوانين عن الملازمة الدائمة للإنسان في مختلف الأوقات ليلاً أو نهاراً سراً أو علانية. هذا هو شأن القوانين بمفردها، أما من شأنها حين تنبع من عقيدة صحيحة وحين تحاط بإطار دين الفطرة.. دين الإسلام.. فهو شأن يختلف تماماً عن سابقه لما يتحقق حينئذ من وازع ذاتي به يكون صلاح الفرد والمجتمع ولنضرب المثال ليتضح المقال. فلو نظرنا في أم الكبائر.. (رذيلة الخمر) مقارنين بين مكافحتها بسلاح العقيدة وبين محاربتها بالقوانين المجردة. فسنعرف حينئذٍ الفرق. لقد كان العرب في جاهليتهم مولعين بالخمر، شغوفين بشربها، متسابقين إلى مجالسها فلما جاء الإسلام تدرج في معالجة هذا الداء الخبيث المستحكم وكانت المرحلة الأولى في العلاج أن وضع الإسلام السكر (المخمَّر) في مقابل الرزق الحسن فكأن المخمَّر شئ غير حسن قال تعالى (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً) (١) .

стр. 2767

وكانت المرحلة الثانية أن حرك الإسلام وجدان الإنسان بنص يثير فيه آثام الخمر ويلفت به العقل إلى أن ترك الخمر أولى فإثمها أكبر من نفعها. قال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) (١) وكانت المرحلة الثالثة أن ضيق الإسلام أوقات شرب الخمر حين حرم على المسلم أن يقرب الصلوات الخمس وهو سكران قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) (٢) . ثم كانت المرحلة الرابعة والأخيرة وقد تهيأت النفوس لها تهيؤاً كاملاً فلم يكن إلا النهي حتى تتبعه الطاعة الفورية، والإذعان، فحينما نزلت آية التحريم بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) (٣) . لم يحتج الأمر إلى أكثر من مناد يمر في نوادي المدينة وسككها ليعلن (ألا يا قوم إن الخمر قد حرمت) .. فمن كان في يده كأس حطمها ومن كانت عنده أواني الخمر وجرارها كسرها، وإنتهى الأمر كأن لم يكن سكر ولا خمر. وهكذا أقلع المسلمون عن عادتهم الجاهلية وابتعدوا عن الداء الخبيث وتطهروا بمجرد سماعهم حكم القرآن الكريم الذي ربَّى في نفوسهم الوازع الذاتي الممتثل للأوامر والفضائل، والمجتنب للنواهي والرذائل. هذا ونستطيع أن نلمس دقة العلاج الإسلامي لمشكلة الخمر حين ننظر في محاولات الغرب والشرق لعلاج المشكلة المذكورة.. حيث أعدت هناك الخطط والدراسات، وأصدرت القوانين المجردة عن إطار العقيدة كما أصدرت التشريعات واعتمدت الميزانيات والنفقات.. كل ذلك من أجل القضاء على الخمر فماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت فشلاً ذريعاً وخيبة مريرة.

стр. 2768

ففي أمريكا أرقى مجتمعات الغرب ثارت مشكلة الخمر في الرأي العام الأمريكي عام ١٩١٨م وبدأ المسئولون يدقون أجراس الخطر بل الأخطار الناجمة عن انتشار عادة الإدمان بين الأفراد والجماعات، وفي سنة ١٩١٩م دخلت المشكلة في الدستور الأمريكي، وفي نفس السنة أيد هذا التعديل بأمر حظر، أطلق عليه التاريخ (قانون فولستد) وقد أعدت لتنفيذ هذا التحريم داخل الأراضي الأمريكية كافة وسائل الرقابة الخارجية وهي: ... ١. الأسطول أجمعه لمراقبة الشواطئ. ... ٢. الطيران لمراقبة الجو. ... ٣. المراقبة العلمية. فماذا كانت النتيجة؟ فشل كامل لأمر الحظر، وسقوط ما قرره التعديل الدستوري الحادي والعشرون الذي صدق عليه الكونجرس عام ١٩٣٣م. نقول: هذا هو علاج القانون في الغرب وتلك آثاره ونتائجه. أما عن علاج الشرق لمشكلة الخمر وبيان نتائجه فأكتفى في هذا الصدد بذكر هذه الواقعة الدالة على إخفاق الشرق الشيوعي في القضاء على هذه المشكلة، كما أخفق الغرب الرأسمالي من قبل.. يقص باحث مسيحي في كتاب له حواراً حدث بينه وبين واحد من الماركسيين في دولة بولونيا: فكتب يقول: (قال لي الرفيق ونحن على المائدة: ألك في كأس آخر من الفودكا (١) ؟ وأردف ذلك بقوله: إن الفودكا داء لسنا ندري كيف نتخلص منه. فالعمال ينفقون نصف أجورهم في شربها ويدمنون عليها بل يلاحظ في الغالب كثرة المتغيبين عن مصانعهم في أيام الإثنين بالذات، إذ يكون هؤلاء المتغيبون لا يزالون متأثرين بما تناولوا يوم الأحد من شراب الفودكا، وأردف بذلك بقوله: لقد نجحنا في تغيير نظام الحكم ونظام المعيشة ونظام الإقتصاد، ولكننا لم ننجح في تغيير عقلية الناس. وابتسمت له ولكنني أقول في دخيلة نفسي أليس ذلك إعترافاً من الرفيق بأن الماركسية إذا كانت قد فرضت سلطانها على كل مظاهر الحياة، فإنها لم تتغلغل في النفوس والقلوب) (٢) .

стр. 2769

وفي ختام هذه المقارنة لنا أن نقرر ما يلي: إن جوهر الفرق بين نجاح الإسلام وإخفاق ما عداه في القضاء على داء الخمر هو راجع لما تتمتع به عقيدة الإسلام وحدها من غرس الوازع الذاتي في النفوس ومن ثم فهي لا تحتاج إلى جهاد معنوي أو مادي في منع شئ محرم أو نهي عن إقتراف إثم، وهذا بخلاف القوانين المعتمدة على الوازع الخارجي الأمر الذي يتبين للباحث في ضوئه لماذا تتصف الثقافة الإسلامية وحدها بالأصالة والرسوخ والعمق. الأساس الثالث: عالمية دعوة الثقافة الإسلامية: تتسم الثقافة الإسلامية بالأصالة والرسوخ لأنها نابعة من الدين الإسلامي صاحب الدعوة العالمية.. إن الدعوة الإسلامية هي كلمة السماء الخاتمة، نبيها هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وكتابها هو المُصدَّق والمتمم لما قبله من الكتب السماوية، والمهيمن عليها في الوقت نفسه وهذا أهم ما يتفرد به الدين الإسلامي من بين سائر الأديان. إن أكبر الأديان السماوية السابقة في الوجود على الدين الخاتم هما الدينان اللذين جاء بهما موسى وعيسى تتسم شريعة كل منهما بالخصوص لا بالعموم وبالتوقيت لا بالتأييد، وبالقومية لا بالعالمية. فاليهودية في بداية عهدها عصر النبي موسى ﵇ دين خاص أرسل به الكليم إلى فرعون الطاغية وملئه المستكبرين لدعوته إلى عبادة الله رب العالمين وحده وترك العظمة التي كان يدعيها ذلك الطاغية وتقبلها حاشيته المستكبرة المُغررة. أيضاً أرسل موسى ﵇ إلى بني إسرائيل ليُخلص أجسامهم من ذل العبودية للحاكم الطاغية فتنعم بذل العبودية لله تعالى وحده كما يُخلص ويحرر وجدانهم من الوثنية الشائعة آنذاك، ليغرس في نفوسهم عقيدة التوحيد الخالص لله تعالى. واليهودية في بداية عهدها أيضاً هي صاحبة التوراة الصحيحة والتي كان العمل بأحكامها مختصاً ببني إسرائيل وحدهم لأن التوراة لم تنزل على نبيهم ﵊ إلا بعد غرق فرعون وملئه (١) .

стр. 2770

هذا هو شأن الدين اليهودي في بداية عهده أما شأنه بعد ذلك فهو دين يعلن على سمع الزمان وبصره قوميته وإقليميته، وذلك أمر نتبينه من إقرار التوراة وإصرارها بعد ما اعتراها التبديل والتحريف على إقليمية الألوهية لله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. ونود أن نشير في هذا المقام إلى أنه من المتعذر أن نستشهد بما يرشد إلى هذه الإقليمية، لأن عبارات (إله إبراهيم، وإله إسحق، وإله إسرائيل، وإله العبرانيين) تشيع بكثرة كثيرة في جميع أسفار التوراة وهذا ما جعل بعض الباحثين يقول: (إن تعاليم الربانيين كانت قد أقامت على الوعد الذي تلقاه إبراهيم، وعلى ميزة الإختيار التي كانت ليعقوب عقيدة دينية قومية، فالله قد أصبح في تلك العقيدة – وعلى وجه التقريب – ألوهية قومية) (١) . وإذا تجاوزنا اليهودية للمسيحية وجدنا أن هذه الثانية لا تختلف عن الأولى في كونها ديانة خاصة إذ أن عيسى ﵇ قد أرسل إلى بني إسرائيل وحسب وأن بعثته ﵇ بعثة خاصة ممهدة للبعثة العامة لخاتم الأنبياء قال تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) (٢) . والمسيحية الحاضرة تذهب إلى بعض ما تقرره هنا فإنجيل (متى) ينص على أن رسالة المسيح خاصة لبني إسرائيل يقول الإنجيل على لسان عيسى ﵇: (لم أرسل إلا لخراف بني إسرائيل الضالة) (٣) كما تذهب المسيحية الحاضرة إلى كل ما قررناه من قبل في الديانة اليهودية تلك التي تقول بإقليمية الألوهية، وليس أدل على هذا من لفظ (الرب) فكثيراً ما يأتي في الأناجيل هكذا أي محلى بالألف واللام ثم إذا أضيف فهم لا يضاف إلا إلى إسرائيل أو إلى أحد من ذريته فقط.

стр. 2771

يقول إنجيل (لوقا) في مهام رسالة المسيح ﵇: (ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم) (١) . ويقول إنجيل (مرقس) على لسان المسيح: (أن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل: الرب الهنا) (٢) ويذكر إنجيل (يوحنا) أن المسيح قال عقب قيامه من قبره ((إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) (٣) . نقول: إن هذه النصوص وأمثالها تدل على امتداد تصغير شأن الإله وإقليمية العقيدة من الدين اليهودي إلى الدين المسيحي الأمر الذي يجعلنا نقرر ما يلي: إن هذه هي حال الدينين الكبيرين السابقين في الوجود على الإسلام، وهي حال تنطق بالخصوصية والإقليمية كما تنطق من باب أولى بخصوصية الأديان السابقة على الإسلام في الوجود. إن الإسلام وحده هو الدين الذي يتسم بسمة العالمية وهذا أمر تتضح معالمه بما يتضمنه الإسلام من مقومات عالمية ونظم سامية تغطي كل نواحي الحياة ومن مرونة تجعل الإسلام دين العصور والدهور. وتتضح معالم عالمية الإسلام أيضاً في المنطوق الحرفي، والمبنى اللفظي لكلمة الإسلام نفسها إذ أن الكلمة نفسها (إسلام) لا تشير إلى شخص معين فليس مثلها مثل البوذية التي تشير إلى (بوذا) ولا الكونفوشيوسية التي تشير إلى (كونفوشيوس) ولا تشير الكلمة إلى جنس كما تشير اليهودية، ولا تشير إلى مكان ولا إلى زمن، إنها كلمة لا يحدها شخص، ولا جنس، ولا زمان، ولا مكان إنها تضعنا بمجرد سماعها وفهم معناها مباشرة في محيط الإطلاق والعموم والشمول) (٤) .

стр. 2772

وتتضح عالمية الإسلام أيضاً بمعجزته الخالدة.. إن معجزة الإسلام (لم تكن حادثة تقع وتزول من غير بقاء لها إلا بالخبر، بل كانت قائمة تخاطب الأجيال: يراها ويقرؤها الناس في كل عصر، ونقول إنها مناسبة لرسالة محمد ﷺ لعمومها في الأجيال، ولمكانته في الرسل، ومقامه في هذا الوجود الإنساني إلى يوم القيامة) (١) . إنها القرآن الكريم الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الكتاب المهيمن على ما سبقه من الكتب. ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن عالمية الدعوة الإسلامية أن ندحض الغربة التي تدعي أن الإسلام دين إقليمي أو قومي لأن معجزته الخاصة به تقرأ وتكتب باللغة العربية فقط. ونرد على الادعاء بمقالة الباحث الإسلامي (المودودي) .. حيث يقول: (ليس كما قيل أن القرآن الكريم عربي فتكون دعوته عربية لا عالمية.. إن الدليل المنطقي يقول: الخصائص التي تُميز النظام القومي أو المؤقت، من النظام العالمي أو الخالد: هي أن الأول إما أن يدعو إلى تفضيل شعب على غيره ويطالب له بحقوق ومميزات خاصة وإما أن يؤمن بنظريات ومبادئ لا تستطيع أن تروج وتزدهر في الشعوب الأخرى وعلى العكس من ذلك يكون النظام الثاني العالمي.. ثم إن النظام المؤقت ينشئ بناءه على قواعد تفقد قابليتها بمرور الأيام بينما النظام العالمي الخالد تنطبق مبادئه على جميع الظروف المتطورة) (٢) . ويضيف دون تعصب: (إن الإسلام هو الدين الذي لم يفضل شعباً على غيره وهو الدين الذي لم يأت بمبادئ خاصة وتعاليم محددة لبيئة وزمن معين، ومن ثم فهو دين عام وعالمي) . انتهى كلامه.

стр. 2773

هذا ويعلم أصحاب الفرية المدعين أن الإسلام دين خاص بالعرب ليعلم هؤلاء أنه لا يلزم من قومية اللغة قومية الرسالة وخصوصيتها لأصحاب هذه اللغة.. إن اللغة لون ثقافي، والثقافة أمر مشاع لبني الإنسان وإذا لم يُسلم هؤلاء بأن عربية المعجزة الإسلامية لا يمنع من عالميتها، فكيف يُساغ بميزان منطقهم إيمان اليهود والنصارى العرب بالتوراة مع أنها كتبت بالعبرية؟ وكيف يساغ بميزان منطق المدعين إيمان النصارى من العرب بالأناجيل الأربعة متى، مرقس، يوحنا، لوقا. مع أن هذه الأناجيل قد كتبت بغير العربية (١) . أليس هذا الأمر كافياً لإثبات أن نزول القرآن باللغة العربية لا يدل أبداً على إختصاص دعوته بالعرب؟ وأن عامل اللغة لا علاقة له ولا تأثير في خصوصية شئ وعموميته؟ ثم إنه ليكفي في الدلالة على عالمية الإسلام أن دعوته لا توجه إلى جنس من الأجناس ولا إلى قومية من القوميات وإنما توجه دعوته إلى الناس كافة ولذلك لم يؤثر ورود الخطاب ب (يا آيها الناس) .. الخطاب المشير إلى العموم لم يؤثر ورود هذا الخطاب في القرآن الكريم إلا على لسان خاتم الأنبياء.. قال تعالى مخاطباً محمداً ﷺ : (قل يا آيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) (٢) وقال : (قل يا آيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) (٣) . ومن هنا فإن اختصاص خاتم الأنبياء بهذا النداء بين سائر الرسل ليدل دلالة واضحة على عالمية الدعوة الإسلامية ومن ثم لا يكون هناك أدنى غرابة في إتصاف الثقافة النابعة من هذه الدعوة بالأصالة والرسوخ والدوام والإستمرار.

стр. 2774

وبهذا نصل إلى القول بأن أسس ومرتكزات الثقافة الإسلامية قامت على أصول وثوابت لا تزعزعها الآراء، ولا تجرفها الأهواء، وأنها في ثباتها وقوتها كالجبال الراسية الراسخة، وأن ثقافةً هذه مرتكزاتها لهي جديرة بأن تكون هي الثقافة الحق الأولى بالإتباع والتبني والأخذ بها وبتعاليمها الداعية إلى عبادة الله وحده. وأن هذه الثقافة هي أس وأساس الحضارة الداعية إلى العلم وإلى ترقية الحياة على وجه الأرض. الفصل الخامس: العلاقة بين الثقافة والحضارة والعلم أولاً: العلاقة بين الثقافة والحضارة: قبل أن أناقش هذه العلاقة من وجهة النظر الإسلامية فإنه يجدر بي أن أُعرج وبشكل مقتضب على ما كتب عن هذه العلاقة والمفارقة بين هذه المسميات بشكل عام فأقول إن الثقافة مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالحضارة، وإن كان هذا الإرتباط من وجهة نظر الكثيرين ممن كتبوا عن هذه العلاقة إرتباط عموم وخصوص، وهذا ما أميل إليه فإن الحضارة هي التطبيق المادي للتراث الثقافي وفي في الوقت نفسه ومن ناحية أخرى وليدة هذا التراث في البيئة التي تقوم فيها، ثم إنها كذلك بمثابة المرآة التي تعكس لنا مقومات ومميزات ثقافة المجتمع التي تنتسب إليه وهي تعبر عن المستوى الذي بلغه هذا المجتمع في فكره وأخلاقه وقيمه وعاداته ووسائل التقنية التي يستخدمها، ونقول أيضاً أن هذه العلاقة بينما تبرز بوضوح في التأثير والتأثر فيما بينهما فجميع عناصر الحضارة تحمل جانباً ثقافياً كما أن الثقافة في الوقت نفسه تحمل الصفة الخاصة بعناصرها الحضارية وبصفة يمكن القول أن الحضارة تمثل الواجهة الخارجية للثقافة. وأما الرأي الثاني لبعض من تعرضوا لهذه العلاقة فمفاده (أن الحضارة هي كل ما أبدعه العقل البشري في مجال الفكر والمعرفة وفي جوانب الحياة المادية أيضاً. بينما يرى آخرون أن الحضارة تختص بالتعبير عن الوسائل والإختراعات والإبتكارات الصناعية والمادية وحدها) (١) .

стр. 2775

وفريق رابع يرى أن الثقافة تختص وتتعلق بالجوانب المعنوية والفكرية والحضارة تختص بالجانب المادي، ورأي خامس يرى أنه لا فرق أبداً بين الكلمتين فكل منهما مرادفة للأخرى. ثانياً: العلاقة بين الثقافة والعلم: لقد عرفنا في النقطة السابقة أن هناك علاقة بين الثقافة والحضارة وفي هذه النقطة قد نقدم الفروق قبل التوافق بين الثقافة والعلم (فبتأمل دقيق في مفهوم كل منهما يتضح لنا أن كلاً منهما معرفة، ولكن مع ذلك فإن هناك فروقاً جوهرية في كليهما للأمور التالية) (١) . أ- ... العلم عبارة عن مجموعة من القواعد التي تؤخذ عن طريق التجربة والملاحظة والإستنتاج مثل العلوم التطبيقية كعلم الكيمياء والطبيعة وسائر العلوم التجريبية الأخرى. أما الثقافة فهي كما سبق مجموعة من المعارف تؤخذ عن طريق الأخبار والتلقي والإستنباط مثل التاريخ واللغة والفقه والأدب والتفسير والفلسفة والفنون كالتصوير والنحت وغيرها ذلك لأن التاريخ هو التفسير الواقعي للحياة والأدب هو التصوير الشعوري لها والفلسفة هي الفكر الأساسي الذي تبنى عليه وجهة النظر فيها والتشريع هو المعالجات العلمية لمشاكل الحياة والأداة التي يقوم عليها تنظيم علاقات الرد والجماعات. ب. إن العلم عالمي لا وطن له ولا أمة فلا تختص به أمة دون سائر الأمم الأخرى ولا يقتصر على شعب دون آخر، وإنما هو مشاع مشترك بين الجميع، أما الثقافة فهي ذاتية تختص بأمة معينة لا توصف بها أمة أخرى إلا إذا انسلخت أمة من ثقافتها وأصبحت تابعة لثقافة أخرى هزمتها واستحوذت عليها فعندئذٍ تدخل المنهزمة في ثقافة الهازمة. ج. إن العلم يؤخذ أخذاً عالمياً دون قيود لأنه محصلة إسهام الأمم كلها خلافاً للثقافة.

стр. 2776

د. إن العلم النظري أكثر منه عملياً، كما أنه يرمي إلى تنمية الملكات وهو في نهاية المطاف وسيلة وإرادة وقد يستعمل للخير والشر على السواء في حين أن الثقافة سلوك أكثر منها معرفة فهي علم وعمل وفكر وسلوك وإتجاه وعاطفة في وقت واحد. هـ. إن العلم جزء من الثقافة لأنه لا يتصف بصفة واحدة مميزة كما هو حال الثقافة التي هي أعم وأشمل. فأنت مثلاً تقول الثقافة الإسلامية، الثقافة الإغريقية، الثقافة الرومانية وهكذا ... و. مكانة الثقافة من التعليم والتربية مكانة الدرجة الأعلى فالتعليم قاصر على الإعداد المدرسي والدراسي لتكوين العقلية المؤهلة للثقافة أما الثقافة فهي الدرجة الأعلى كما قدمنا لأنها تُكَوِنُ الفرد تكويناً متفوقاً ومتميزاً. وبهذا يتبين أن الثقافة ليست مرادفة للعلم في معناها وأنه لا يجوز أن نخلط بينهما لأن هذا يؤدي إلى تصور خاطئ يجعل الثقافة محصورة في فئة محدودة من أبناء المجتمع مع العلم بأنها تشمله كله بجميع فئاته وطوائفه وتُعبر عن أفكاره وإتجاهاته. فالأمي في القراءة والكتابة داخل في ثقافة أمته، لا نستطيع أن نقول عنه أنه غير مثقف بثقافة أمته في حدود حرفته وديانته وبيئته التي يعيش عليها، كما أن أهل الثقافة داخل الأمة هم درجات في فهم واستيعاب ثقافة أمتهم والتمثل بها، فالذي عنده علم لاشك أن تَرقيه في سُلِم ثقافته أكبر ممن ليس عنده علم. وبهذا نكون عرفنا طرفاً من هذه العلاقة بين الثقافة والحضارة وأيضاً الفروق بين الثقافة والعلم لكن بعد هذه المقدمة البسيطة نريد أن نتعمق قليلاً في مفهوم الثقافة والحضارة من وجهة النظر الإسلامية لأن هذا في الحقيقة هو ما يهمنا في هذا الفصل فإن المفاهيم تختلف وما قدمناه هنا هو مفهوم عام لهذه العلاقة وهذه الفروق في الثقافات الأخرى غير الثقافة الإسلامية. مفهوم الحضارة في التصور الإسلامي:

стр. 2777

جدير بنا ونحن نتكلم عن مفهوم الثقافة الإسلامية أن نتطرق للحضارة من وجهة النظر الإسلامية فإن هذا المفهوم للحضارة قد يختلف في بعض جوانبه عن مفهومها الذي قدمنا طرفاً منه في هذا الفصل. فذلك المفهوم مفهوم عام في مختلف الثقافات أما مفهومها في ثقافتنا الإسلامية (فإن الجانب التطبيقي فيها ترجمة عملية وواقعية صحيحة للجانب المعياري مع إستخدام كل معطيات الإنسان والزمان والمكان وعندها تكون الحضارة وتوجد إذ أن الحضارة هي عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها إنسانياً وخلقياً وعلمياً وأدبياً وفنياً وإجتماعياً وفق منهج الله وشريعته) (١) . (وبناءً على هذا المفهوم فإن المجتمع الإسلامي هو المجتمع المتحضر أما المجتمعات الأخرى التي تنكر وجود الله أصلاً، أو تجعل له ملكوت السموات وتعزل عنه ملكوت الأرض، أو لا تطبق شريعته في نظام الحياة ولا تحكم منهجه في حياة البشر، فهذه كلها مجتمعات جاهلية أو متخلفة) (٢) لأنها لا تدخل في دين الله الذي حدده في قوله (إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) (٣) وقد أقسم بنفسه كما يقول ابن القيم على نفي الإيمان عن العباد حتى يُحَكموا رسول الله ﷺ في كل ما شجر بينهم، ولم يكتف بذلك منهم حتى يسلموا تسليماً (٤) قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) (٥) . إن من أبرز سمات الحضارة في التصور الإسلامي هي كما يقول الأستاذ محمد أسد (ذاتية الحضارة الإسلامية) (٦) فالحضارة الإسلامية ليست ثمرة تقاليد متوارثة ولا نتيجة تطويرات فكرية آتية من الماضي وإنما هي إنبعاث ذاتي مباشر من القرآن الكريم ومن سنة الرسول ﷺ ومن تطبيقها تطبيقاً عملياً صحيحاً في واقع الحياة. أصول الحضارة في التصور الإسلامي

стр. 2778

إن الحضارة الإسلامية كما يقول سيد قطب يمكن أن تتخذ أشكالاً متنوعة في تركيبها المادي والتشكيلي، لكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة لأنها مقومات هذه الحضارة وهذه الأصول والمقومات هي: ١ - أن تكون الحاكمية العليا في المجتمع لشريعة الله. ٢ - أن تكون آصرة التجمع الإسلامي الأساسية في المجتمع هي العقيدة. ٣ - أن تكون إنسانية الإنسان هي القيمة العليا في المجتمع. ٤ - أن تكون الأسرة هي قاعدة البناء الإجتماعي. ٥ - أن يقوم الإنسان بالخلافة في الأرض على أساس الإحسان في العمل. وإليك أخي القارئ تفصيل هذه الأصول: الأصل الأول: هو أن تكون الحاكمية في المجتمع لله وبذلك يتحرر الإنسان فيه من العبودية لغير الله (فحين تكون الحاكمية العليا لله وحده متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية، تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً كاملاً وحقيقياً من العبودية للبشر وتكون هذه هي الحضارة الإنسانية الحقة لأن حضارة الإنسان تقتضي قاعدة أساسية من التحرر الحقيقي الكامل للإنسان ومن الكرامة المطلقة لكل فرد في المجتمع ولا حرية في الحقيقة ولا كرامة للإنسان في مجتمع بعضه أرباب يشرعون وبعضه عبيد يطيعون) (١) . إن الشعور بالحرية والكرامة هو الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن في تصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص وإفراد الله بالعبودية ومن ثم إفراده بالحاكمية يؤدي إلى الشعور بالإستعلاء وهو شعور يجب أن تستقر عليه نفس المؤمن إزاء كل شئ وكل وضع وكل قيمة وكل أحد، وهو إستعلاء بالإيمان وقيمه على جميع القيم المنبثقة من أصل غير أصل الإيمان.

стр. 2779

لقد تمثل الشعور بالإستعلاء ... إستعلاء الإيمان في موقف ربعي بن عامر عندما أرسله سعد ابن أبي وقاص قبل موقعة القادسية رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرها، فدخل عليه ربعي وقد جلس رستم على سرير من ذهب في مجلس مزين بالنمارق والزرابي، وكان رستم يتلألأ في تاجه ويواقيته الثمينة. دخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة لم يزل راكبها حتى داس على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه فقالوا له ضع سلاحك فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فقال رستم: إئذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها فقال له رستم ما جاء بكم؟ فقال إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. إن هذا الشعور بالحرية والكرامة أو لنقل إستعلاء الإيمان لا يتأتى إلا حين تكون العبودية في المجتمع لله وحده ومن ثم تكون الحاكمية فيه لله وحده فعندئذ فقط يكون هذا المجتمع متحضراً. أما المجتمع الذي تكون الحاكمية فيه لغير الله فهو مجتمع جاهلي متخلف إذ لا حرية حقيقية ولا كرامة حقيقة للإنسان فيه، يؤكد هذا المعنى الأستاذ الدكتور/يوسف العش في بحثه عن روح الحضارة الإسلامية إذ يقول: (إن أبرز إختلاف بين مفهوم الحضارة في الفكر الإسلامي ومفهومها في الفكر الغربي يقوم على تفسير التقدم فالغرب يرى التقدم مادياً خالصاً بينما يرى الإسلام أن التقدم معنوي ومادي وأنه إنساني أصلاً وتوحيدي في أساسه، فكل تقدم في مفهوم الإسلام يجب أن يقوم على أساس التحرر من عبودية غير الله فلا يؤمن بسلطان غير سلطانه والأصل في الوحدانية هو التحرر من عبودية غير الله ومن كل سلطان غير سلطانه) (١) .

стр. 2780

الأصل الثاني: وهو تمثل العقيدة رابطة التجمع الأساسية في المجتمع وبذلك يصبح المجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد المتحضر لأن العقيدة وحدها تمثل رابطة التجمع الأساسية فيه فالعقيدة هي الجنسية التي تجمع بين الأبيض والأسود والأصفر العربي والفارسي والرومي والحبشي، فسائر أجناس البشر يجتمعون في أمة واحدة ربها هو الله ، ومنهجها واحد لأنه من الله والأتقى فيها هو الأكرم عند الله، والعقيدة هي الوطن فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الإرتباط في الله وبهذا يكون الإرتباط على أساس العقيدة هو الذي يجعل المسلم عضواً في دار الإسلام. إنه لا قرابة للمسلم بحق إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله، إنه على أساس من العقيدة طرد الإسلام أبا لهب عم الرسول العربي القرشي الهاشمي من الجنسية الإسلامية كما يقول (الشيخ على الطنطاوي) بل وجعل سبه عبادة وشتمه صلاة (تبت يدا أبي لهب وتب) وعلى عكس ذلك نجد الرسول ﷺ يضم عبداً فارسياً غير عربي لا إلى الإسلام فقط بل إلى بيت النبوة (سلمان منَّا أهل البيت) (١) . وعلى أساس العقيدة يفرق الإسلام بين نوح وزوجته ولوط وزوجته (ضرب الله مثلاً للذين كفروا إمرأة نوح وإمرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل أدخلا النار مع الداخلين) (٢) وعلى العكس من ذلك يحدث مع فرعون وامرأته (وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) (٣) .

стр. 2781

أما وشائج اللحم والدم والأرض والطين، كالجنس واللون والقومية والقرابة والإقليمية ... الخ فإن الإسلام يرفع الإنسان عن مستواها والرسول ﷺ يقول للمهاجرين (دعوها فإنها منتنة) (١) . يعني العصبية وهنا نقول إن الآصرة الكبرى والأقوى في الإسلام هي العقيدة، وهي التي تجعل المنضوين تحتها أخوة (إنما المؤمنون أخوة) وبعضهم أولياء بعض (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) (٢) إن التاريخ الإسلامي يُذكرنا إنه حين انعقدت آصرة العقيدة في نفوس المسلمين تحطمت الهجمات الصليبية عليهم، فالقادة الذين نسوا الإنتماءات العرقية ووشائج الدم والأرض والقوم قادوا المسلمين إلى النصر، ومن أولئك صلاح الدين الأيوبي الكردي ونوران شاه، والظاهر بيبرس، وسيف الذين قطز، وغيرهم كثير إن هذه القيادات نسيت القوم والأرض وتمسكت بالعقيدة فانتصرت تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله. ولآصرة التجمع الأساسية في المجتمع الإسلامي حكمة ربانية بالغة ومن ثم فهي عقلية وعلمية يقول الأستاذ/سيد قطب: (حين تكون آصرة التجمع الأساسية في مجتمع ما هي العقيدة والتصور والفكرة ومنهج الحياة فإنه يكون ذلك ممثلاً لأعلى ما في إنسانية الإنسان من خصائص، أما حين تكون آصرة التجمع في مجتمع ما هي الجنس واللون والقوم والأرض وما إلى ذلك من روابط فإنها كلها لا تمثل الخصائص العليا للإنسان. والخلاصة أن المجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر يتعلق بإرادتهم الحرة واختيارهم الذاتي الموافق لما شرعه مولاهم المتحضر والمجتمع الذي يجتمع فيه الناس على أمر خارج عن إرادتهم الإنسانية فهو المجتمع المتخلف وفي المصطلح الإسلامي يطلق عليه المجتمع الجاهلي) (٣) .

стр. 2782

وإذا ما طبقنا هذه القاعدة على أي نظام في المجتمعات غير الإسلامية نجد أن الرأسمالية قد أقامت مجتمعاتها الرأسمالية على أساس قومي وجنسي وجغرافي فكانت النتيجة أن ساد الإحتكار والإستغلال والإذلال لإنسانية الإنسان على يد الإمبراطوريات القديمة والحديثة، أما في الشيوعية فنجد أنها ترمي إلى إقامة مجتمع على أساس روابط أخرى تتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللون واللغة ولم تحاول أن تقيمه على قاعدة (إلهية) أو حتى إنسانية عامة بل بدلاً من ذلك تحاول إقامته على قاعدة طبقة (البروليتاريا) (١) فجاءت صورة هذا التجمع وجهاً آخر للتجمع الروماني القديم الذي كان يقوم على قاعدة طبقة الأشراف، والنتيجة أن هذا التجمع لا يبرز إلا أسوأ ما في الكائن وهو الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى. بينما إختفت إرادة الإنسان في التعبير وحريته في عمارة الأرض وترقية الحياة على وجهها الصحيح، وبهذا وعلى أساسه سقطت الشيوعية. أما الوضع في الإسلام فهو على العكس من ذلك تماماً فلقد كان من النتائج الباهرة إقامة المجتمع على آصرة العقيدة القائمة على الإرادة الحرة والإختيار الحر للإنسان، وبذلك أصبح المجتمع المسلم مجتمعاً مفتوحاً لجميع الأجناس البشرية وكفاءاتها وطاقاتها بحيث أخرجت حضارة إنسانية رائعة تحوي خلاصة الطاقات البشرية في زمانها مجتمعة، ولم تكن هذه الحضارة الإسلامية الضخمة يوماً ما عربية وإنما كانت دائماً إسلامية ولم تكن قومية ولكنها كانت عقيدية (٢) .

стр. 2783

الأصل الثالث: إن من الأصول ومقومات الحضارة الإسلامية أن تكون (إنسانية الإنسان هي القيمة العليا في المجتمع وأن تكون الخصائص الإنسانية هي موضع التكريم والإعتبار، فعندئذ يكون المجتمع متحضراً أما حين تكون المادة في أي صورة هي القيمة العليا سواء في صورة النظرية كما في التفسير الماركسي للتاريخ أو في صورة الإنتاج المادي كما في سائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي قيمة تهدر في سبيلها القيم والخصائص الإنسانية فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً متخلفاً (١) مهما بلغت درجة تقدمه العلمي وإنتاجه الإقتصادي والصناعي، وهذا الكلام لا يعني أن المجتمع الإسلامي يحتقر المادة ولكنه فقط لا يعتبرها القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص الإنسان ومقوماته، وتهدر من أجلها حرية الفرد وكرامته، ويهدم فيها بنيان الأسرة، وتصادر فيها أخلاق المجتمع وحرماته. إن المجتمع المتحضر هو الذي تكون فيه القيم الإنسانية والأخلاق الفاضلة في مكان الصدارة لأن هذه القيم هي التي تنمي الخصائص الإنسانية في الإنسان وتميزه عن غيره من سائر المخلوقات وهذه القيم في المجتمع الإسلامي ثابتة وليست متغيرة كما هو الحال عند التقدميين والتطوريين أصحاب التفسير المادي للتاريخ وهذه القيم هي التي قررتها ودعت إلى التخلق بها الشريعة الإسلامية، وما على الإنسان إلا أن يمضي في بنائها وصيانتها في المجتمعات التي يقيمها.

стр. 2784

إن الإسلام حين يدخل المجتمعات البدائية ينشئ الحضارة المناسبة لهذا المجتمع حيث ينتقل الناس من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده، وتكتسي أجسامهم العارية وفقاً لما جاء عن الله، وينتقلون من الخمول والبلادة إلى النشاط، والعمل الموجه لإستغلال كنوز الأرض وخيراتها، ويخرجون من طور القبيلة والعشيرة إلى طور الأمة الإسلامية، ومن وشيجة الأرض والطين إلى وشيجة العقيدة والدين، ومن طور الأمية والجهل إلى طور العلم وإعمال العقل فيما يرقي من أمور الحياة وهذه هي الحضارة التي ينقل الإسلام هذه الفئة إليها، وحين يدخل المجتمعات المتقدمة صناعياً أو زراعياً فإنه يستخدم كل ما لديها من معطيات ويقيم حضارة هذه المجتمعات مستفيداً مما لديها فيما لا يخالف قيمه وتعاليمه، وهكذا يقيم الإسلام أشكالاً مختلفة ومتنوعة من الحضارات تختلف بإختلاف البيئات التي يدخلها. إن هذه الصبغة الإنسانية النابعة من العقيدة الإسلامية هي التي تفسر لنا إجتياح الإسلام لفكر الإمبراطوريات التي فتحها وثقافاتها وعاداتها وتقاليدها وصياغتها صياغة جيدة وكأن تلك الثقافات والموروثات التي عاشت عليها تلك المجتمعات قروناً كثيرة كأن لم تكن. إن مهمة العلم في المجتمع الإسلامي المتحضر ليست قهر الطبيعة أو الإنتصار عليها بل التلطف معها، والجد في إكتشاف قوانين الله فيها، فالطبيعة ما خلقها الله لتقهر بل لإستخراج خيراتها ومكنوناتها التي أودعها الله فيها، وجعلها مسخرة لخدمة الإنسان الذي سخر له الأرض وما فيها وما عليها قال الله تعالى (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) (١) وقال: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم) (٢) .

стр. 2785

الأصل الرابع: هو أن تكون الأسرة هي قاعدة البناء الإجتماعي وأن تقوم على أساس التخصص بين الزوجين في العمل وأن تكون رعاية الجيل الناشئ هي من أهم وظائف الأسرة فالمجتمع الذي هذا شأنه هو المجتمع المتحضر لأن الأسرة هي البيئة التي تنشأ وتنمى فيها القيم والأخلاق الإنسانية متمثلة في الجيل الناشئ، والتي يستحيل أن تنشأ في وحدة أخرى غير هذه الأسرة، أمَّا أن تكون العلاقات الجنسية (الحرة كما يسمونها) والنسل غير الشرعي هو قاعدة المجتمع، أو حين تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والإنفعال لا على أساس الواجب والتخصص الوظيفي داخل الأسرة، أو حين تترك هذه المهمة وتفني طاقاتها في الإنتاج المادي وصناعة الأدوات ولا تنفقها في صناعة وتربية الإنسان، أو حين يكون الإنتاج المادي يومئذ أعز وأغلى وأكرم من الإنتاج الإنساني فعندئذ يكون هذا هو التخلف الحضاري بل الجاهلية بعينها. إذن فالتخصص الوظيفي في الأسرة التي تقوم ببناء الإنسان هو الأساس في المجتمع المتحضر الإسلامي بحيث يقوم كل بوظيفته داخل الأسرة لقد شاء الله أن يكون ميدان إنشاء العنصر الإنساني وتنشئته هو ميدان عمل المرأة بالدرجة الأولى، ويقارن الشيخ محمد متولي الشعراوي بين ميدان عمل المرأة هذا وميدان عمل الرجل خارج البيت، ويرى أن ميدان عمل المرأة هو أهم وأدق من ميدان عمل الرجل. إذن الرجل بحكم عمله خارج البيت إنما يتعامل في أشياء كلها مسخرة لخدمة الإنسان الذي هو أكرم ما في الوجود بينما المرأة تكون مهمتها هي التعامل مع هذا المخلوق المُكرم الذي هو الإنسان تتعامل معه كزوج فيسكن إليها وتتعامل معه جنيناً في بطنها ووليداً في حضنها ورضيعاً تغذيه وتحنو عليه وطفلاً وصبياً وشاباً تربيه وترعاه (١) .

стр. 2786

إن ترك المرأة لهذا الميدان الذي هو مجال عملها الأساسي والتي خلقها الله وفطرها لتحسن العمل فيه إلى ميدان آخر لهو مأساة بكل المقاييس لأن استعدادات المرأة بالعاطفة والحنان والرفق وفهم الطفولة هي أدوات لا يصلح لها إلا المرأة الأم، وهذا هو ميدانها الذي تحسن فيه وليس ميدان الرجال الذي تزاحمهم فيه فإنها ستخربه ولا تصلحه لعدم استعدادها فطرياً ولولا مركب النقص لكان للمرأة فخر وإعتزاز بمملكة البيت وتنشئة جيل المستقبل فيه فإن ذلك لا يقل شأناً عن فخر وإعتزاز الرجل بسياسة الحاضر وحسن القيام على مشكلات المجتمع التي تحتاج إلى جهد وكفاح. والخلاصة في هذا الأصل أن الإسلام هو الحضارة والمجتمع الإسلامي هو المتحضر لأنه يؤمن أن إعداد جيل يترقى في خصائص الإنسانية ويبتعد عن خصائص الحيوانية لا يمكن أن يتم إلا في محضن أسرة قائمة على أساس الواجب والتخصص ومحوطة بضمانات الأمن والإستقرار العاطفي، فهذا هو ما يوفر للمجتمع مقومات الترقي على خط التقدم الإنساني ولذلك جعل الله الزوجة شق النفس ومحضن السكينة والأمن والإستقرار (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (١) . الأصل الخامس: هو أن يقوم الإنسان بالخلافة في الأرض على أساس الإحسان في العمل ولكن ما المقصود بالعمل في التصور الإسلامي؟

стр. 2787

إن العمل صورة من صور العبادة ويتضح ذلك من قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً) (١) فالحضارة في التصور الإسلامي لا تقوم على مجرد العمل بل تتطلب ضرورة الإحسان في العمل، والإحسان في العمل ذو شقين. الشق الأول: هو إستخدام أقصى درجات المهارة والإتقان فيه ويؤكد هذا قول الرسول ﷺ (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) (٢) ولكن هل يكفي الإتقان في العمل والمهارة في أدائه لبناء حضارة حقيقية؟ الإجابة الصحيحة على هذا أن ذلك بالتأكيد لا يكفي وهنا نصل إلى الشق الثاني لمعنى الإحسان في العمل وهو التوجه بالعمل إلى الله ، فالعمل عبادة والإحسان في العمل مرتبط بمفهوم الإحسان في التصور الإسلامي الذي هو المرتبة العليا من مراتب الدين وهو أن تعبد الله كأنك تراه فأن لم تكن تراه فإنه يراك. إذاً فالإنسان المتحضر والمجتمع المتحضر هو الذي يؤدي العمل بأقصى درجات المهارة والإتقان مع مراعاة الله في أدائه فالعامل المتحضر المسلم يراقب الله في عمله ويؤمن بأن الله يراه فيكون ذلك دافعاً كبيراً له لإحسان عمله والأصل في هذا هو أن الإنسان جعله الله خليفة في الأرض والعمل من أهم وسائل الإنسان لتحقيق مقتضيات الخلافة ألا وهي عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله ، ولن تكون المهارة في العمل على هذا الأساس، وتصل إلى الغاية المطلوبة إذا إنقطعت صلة الإنسان بالله فإنه إذا حصل ذلك فلن يراعي هذا القاطع للصلة بينه وبين الله إلا ما يراه في مصلحته الشخصية ومصالح الأولياء عليه مهما كانت وسائل المراقبة ومهما ترتب على ذلك من دمار لمصالح الآخرين) (٣) .

стр. 2788

وعلى ما تقدم فإن وفرة الإنتاج وحده، أو الإبداع المادي وحده، لا يسمى في الإسلام حضارة فقد يكون معه التخلف وتكون معه الجاهلية (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعملون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) (١) . خلاصة القول في هذا الفصل هي أن الثقافة والحضارة في التصور الإسلامي مرتبطتان إرتباطاً عضوياً فعندما يكون الجانب العملي للثقافة مطبقاً تطبيقاً واقعياً وعملياً صحيحاً للجانب المعياري فيهما مع إستخدام كل معطيات الإنسان والزمان والمكان ... تكون الحضارة. لأن الحضارة كما سبق وأن أشرنا هي عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها إنسانياً وخلقياً وأدبياً وإجتماعياً وفق منهج الله تعالى وشريعته. وعندما يصل المجتمع المتحضر الإسلامي إلى هذه الدرجة ويظل متمسكاً بمقومات حضارته وهي إفراد الله بالعبادة ومن ثم إفراده بالحاكمية واعتبار العقيدة هي الأساس وهي آصرة المجتمع الرئيسية واعتبار إنسانية الإنسان هي القيمة العليا في المجتمع والنظر إلى الأسرة على أنها قاعدة البناء الإجتماعي وقيام الإنسان بالخلافة في الأرض على أساس الإحسان في العمل عندئذ فقط يتبوأ المجتمع المتحضر الإسلامي مكانته اللائقة به في تربية الإنسانية وقيادتها إلى الحق والعدل (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) (٢) والقائد المسلم الذي نعنيه في هذا البحث معني بفهم وتدبر هذه المفاهيم للثقافة لتكون له نبراساً في القيام بمسئولياته القيادية وهو يحمل عزة المسلم الفخور بثقافة أمته وتراثها الحضاري والعلمي ويسهم من جانبه في تطوير وتقدم هذه الثقافة التي ينتسب إليها فمن هو يا ترى القائد المسلم؟ وما هي يا ترى مواصفاته؟ . هذا ما سنعرفه في بحث آخر بإذن الله تعالى. • • • الخاتمة:

стр. 2789

تم الانتهاء من إعداد هذا البحث المختصر حول بعض مفاهيم ثقافتنا الإسلامية الأصيلة وقد حاولت مجتهداً أن أبرز أهم تلك المفاهيم والتي يقود تحسس أهميتها إلى أن يعود المسلمون وبقوة إلى منبع عزهم ومجدهم الذي أهملوه فضاع صيتهم واندرس تراثهم وذهب بريق تميزهم بين الأمم. وإني أدعو الله أن يوفق جميع المسلمين إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة. أهم نتائج البحث: من خلال ما جاء في خطة البحث المتقدم ذكرها فلعل من أهم النتائج التي عالجها البحث وأبرزها أنه بيَّن أهمية علم الثقافة الإسلامية وأنه العلم الذي يُحصِّن به المسلم عقيدته وشريعته من معاول الأعداء. كما أنه الأساس في تكوين شخصية المسلم وبروز تلك الشخصية حيث يكون ذلك البروز بتمثل السمات التي تتميز بها الثقافة الإسلامية لأنه تقرر معنا في إستعراض فصول البحث أن ثقافتنا الإسلامية متميّزة من بين سائر الثقافات الأخرى ومرد ذلك التميز أنها ربانية المصدر، شاملة المنهج، عالمية الهدف. بل وزيادة على ذلك فإنها (أي الثقافة الإسلامية) هي القاعدة وهي الأساس للحضارة الإسلامية التي سادت العالم زمناً طويلاً يوم كان ذلك التمسك القوي بأصول وأسس الثقافة الإسلامية. فالحضارة وليدة لتراث البيئة التي تقوم فيها، ثم إنها كذلك بمثابة المرآة التي تعكس لنا مقومات ومميزات ثقافة المجتمع الذي ينتسب إليه، وهي تعبر بشكل أو بآخر عما بلغه هذا المجتمع الذي تقوم فيه من الرقي، وهذا كله يؤكد الأهمية الكبيرة لثقافتنا الإسلامية الأصيلة. الحواشي والتعليقات أي علم الثقافة. رواه الترمذي في باب العلم. أضواء على الثقافة الإسلامية، د/نادية العمري، ص٤٤. الدكتور/شكري فيصل، مجلة الإسلام، العدد (...) ، ص٢٦. KOHLER, ERICH: CULTRE AND EVOLATION " IN (ed.) M. E. ASHLEY MONTAGA MAN’S ADAPTIVE DIMENSION " O.U.P. ١٩٦٨, P٣.

стр. 2790

مالك بن نبي مشكلة الثقافة، الطبعة الثانية، دار الفكر، ص٣٠ وما بعدها. سورة البقرة، الآية ١٩١. أساس البلاغة للزمخشري جار الله أبو القاسم محمود بن عمر، دار صادر، بيروت للطباعة والنشر، ١٣٨٥هـ، ص٧٣ – ٧٤. سورة النساء، الآية ٩١. الرائد/جبران مسعود: دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٦٤م. المنجد في اللغة: لويس معلوف، طبعة سابعة عشر، بيروت، ص٧١. الحضارة: دكتور/حسين مؤنس، ص٣٦٨. المصدر السابق، ص٣٦٩. مجلة الأزهر، الجزء العاشر، القاهرة، شوال ١٣٧١هـ، المجلد ٢٣، ص٤٧. فقه التاريخ في ضوء أزمة المسلمين الحضارية: للدكتور/عبد الحليم عويس، دار الصحوة للنشر والتوزيع، القاهرة، ١٤١٤هـ، ص١٣٠. سورة البقرة، الآية ٢٦٩. مجلة الأزهر: محاولات لإستكشاف الثقافة الإسلامية، بقلم د/أحمد عبد الحميد غراب، ج١٠، السنة ٦١ جمادى الآخرة ١٤٠٩هـ، ص٦٧٥. المرجع السابق، ص٦٧٥. مدخل إلى علم الثقافة الإسلامية: د/عبد الرحمن زيد الزنيدي، ص٨٩. سورة آل عمران، الآية ١٩. سورة آل عمران، الآية ٨٥. أصول التربية الإسلامية للدكتور/محمد شحات الخطيب وآخرون، ص١٤٦. المصدر السابق، ص١٤٤. المصدر السابق. سورة النحل، الآية ١٢٥. سورة آل عمران، الآية ١٠٤. مجلة جامعة الإمام، العدد الثاني، ١٤١٠هـ، بقلم الدكتور/عبد الرحمن الزنيدي، ص٩٣ بتصرف. المصدر السابق. أنظر في هذه المنهجية والحاجة إليها، نظام الإسلام (العقيدة والعبادة) لمحمد المبارك، ص١٤. أي قيام علم ينهض بهذا الجانب وهو علم الثقافة الإسلامية. المدخل إلى علم الثقافة الإسلامية: د/عبد الرحمن بن زيد الزنيدي، مصدر سابق، ص١٠١. المصدر السابق، ص١٠٢. خصائص التصور الإسلامي ومقوماته: سيد قطب، ص١١٤، ط٧، دار الشروق، ١٤٠٢هـ. سورة ص، الآية ٢٦. الثقافة والحضارة في التصور الإسلامي: د/علي احمد مدكور، ص٨٧ – ٨٨.

стр. 2791

سورة سبأ، الآية ٢٨. سورة الحجرات، الآية ١٣. متفق عليه. سورة النساء، الآية ١. سورة المؤمنون، الآيتان ٥١ – ٥٢. الإعلام الإسلامي والعلاقات والإنسانية النظرة والتطبيق، ورقة عمل مقدمة من دار التهامي نقره للقاء الثالث للندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض، ١٣٩٦هـ، ص٣٤٢. في النقد الإسلامي المعاصر: عماد الدين خليل، ص١٧٢، بيروت، ١٩٧٢م (بتصرف) . المصدر السابق. رواه مسلم والترمذي. سورة التغابن، الآية ١٦. سورة البقرة، الآية ٢٣٣. ملامح الثقافة الإسلامية في الإعلام السعودي المعاصر بقلم: سليمان العيدي، ص٣٠. خصائص التصور الإسلامي ومقوماته: سيد قطب ن ص١١٤، ط٧. مصطفى أحمد أبو سمك: نظرات في نظم الإسلام وثقافته. سورة المجادلة، الآية ١١. سورة الحجر، الآية ١٩. سورة القمر، الآية ٤٩. سورة الأنعام، الآية ٣٨. سورة يونس، الآية ٥. سورة الأعراف، الآية ٣١. سورة المائدة، الآية ٣. سورة النساء، الآية ١١٠. هذا وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم ما نوهنا عنه وقررناه في هذا المقام، فيروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين. أنظر تاريخ الفقه للشيخ السايس، ص١٥. انظر الفلسفة القرآنية، ص١٧. يقول الإمام المنذري في هذا الحديث: (رواه ابن عبد البر النمري في كتاب العلم.. وقال: هو حديث حسن ولكن ليس له إسناد قوي وقد رويناه من طرق شتى موقوفاً، والله اعلم) . أنظر الترغيب والترهيب، ج١، ص٥٣ – ٥٤ باختصار. رواه ابن ماجه، مقدمة باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. رواه أبو داود في باب فضل العلم. صححه الألباني أنظر صحيح الجامع ٥/٣٠٢، طبعه المكتب الإسلامي، ط الثالثة. صحيح البخاري، ج١، ص٣٠. أنظر تذكرة الدعاة للبهي الخولي، ص٢٨٨ – ٢٨٩.

стр. 2792

أنظر: الحضارة الإسلامية، ص١٨٤. والإسلام بين العلم والمدنية، ص١٤٥. ومناهج البحث، ص٤ – ٥ (بتصرف) . دراسات في الدعوة والدعاة، ص٣٩٣ وما بعدها. أنظر أيضاً طبقات الأمم، ص٦٨ – ٧٠. إن جابر بن حيان أول من استحضر حامض الكبريتيك وأول من استحضر ماء الذهب وأول من اكتشف الصودا الكاوية. أنظر مناهج البحث والحضارة، د/جمال الدين، ص٨. مع الله: دراسات في الدعوة والدعاة: للشيخ محمد الغزالي، مرجع سابق، ص٣٩٣. ترجم كتاب ابن سيناء في الطب عشرات المرات إلى اللغة اللاتينية وغيرها، وظلت مؤلفاته أساساً للمباحث الطبية في فرنسا وإيطاليا ستة قرون. أنظر مناهج البحث والمصادر، ص٨. سورة النحل، الآية ٦٧. سورة البقرة، الآية ٢١٩. سورة النساء، الآية ٤٣. سورة المائدة، الآية ٩٠. اسم من أسماء الخمر المُصنع. دراسات في المذاهب السياسية، ص٢١٣ – ٢١٤. راجع تفسير أبي السعود، ج٢، ص٢٠٦. وحاشية الجمل، ج٢، ص١٩٩. الظاهرة القرآنية، ص٢٢٩ مالك بن نبي. راجع تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم، ج١، ص٩٢. سورة الصف، الآية ٦. إنجيل متى، الإصحاح ١٥ عدد ٢١. إنجيل لوقا، إصحاح ١، عدد ١٦. إنجيل مرقس، إصحاح ١٢ عدد ٣٩. إنجيل يوحنا، إصحاح ٢٠، عدد ١٧. دلائل ومعجزة الرسول، ص١١٧. المعجزة الكبرى للشيخ أبو زهرة، ص١١. المبادئ الأساسية لفهم القرآن، ص٥١ – ٥٥. إن الأناجيل الأربعة كتبت باللغة اليونانية وقيل إن بعضها كتب باللغة العبرية. سورة الأعراف، الآية ١٥٨. سورة الحج، الآية ٤٩. أصول التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص١٣٥. بحوث في الثقافة الإسلامية، الأستاذ الدكتور/حسن عيسى عبد الظاهر وآخرون، بتصرف. الثقافة والحضارة في التصور الإسلامي: د/أحمد مدكور. معالم في الطريق: سيد قطب، ١١٦ – ١١٧، ط دار الشروق، بيروت، ١٤٠٣هـ. سورة يوسف، الآية ٤.

стр. 2793

أعلام الموقعين لإبن القيم ١/٥١، دار الجيل، بيروت. سورة النساء، الآية ٦٥. الطريق إلى الإسلام، نقله أنور الجندي في أخطاء المنهج الغربي الوافد، بيروت، دار الكتاب، ص٢٤٢. معالم في الطريق، مرجع سابق. الطريق إلى الإسلام، مرجع سابق، ص٢٣٩. الشيخ على الطنطاوي، سووا صفوفكم، الشرق الأوسط، العدد ٣٢٩٩، في ١٠/١٢/١٩٨٧م، ص١٠. سورة التحريم، الآية ١٠. سورة التحريم، الآية ١١. متفق عليه. سورة الأنفال، الآية ٧٢. معالم في الطريق، مرجع سابق، ص١١٥. طبقة العمال. المرجع السابق، ص٥٩ – ٦٠. المرجع السابق، ص١٢١. سورة الجاثية، الآية ١٣. سورة الحج، الآية ٦٥. الأسرة المسلمة والأسرة المعاصرة: عبد الغني عبود، الكتاب الرابع من سلسلة الإسلام وتحديات العصر، ط دار الفكر، ١٩٧٩م، ص١٤٣. سورة الروم، الآية ٢١. سورة الكهف، الآية ٣٠. أنظر السلسلة الصحيحة للألباني رقم (١١١٣) . الثقافة والحضارة في التصور الإسلامي، مصدر سابق، ص١٠٢. سورة الشعراء، الآيات ١٢٨ – ١٣٥. سورة الأعراف، الآية ٩٦. المصادر والمراجع أساس البلاغة للزمخشري – جار الله أبو القاسم محمود بن عمر، طبعة دار صادر، بيروت ١٣٨٥هـ. الأسرة المسلمة والأسرة المعاصرة، عبد الغني عبود، الكتاب الرابع، من سلسلة الإسلام وتحديات العصر، طبعة دار الفكر، ١٩٧٩م. أصول التربية الإسلامية، د/محمد شحات الخطيب وآخرون. أعلام الموقعين، لابن القيم، طبعة دار الجيل، بيروت. الإعلام الإسلامي والعلاقات الإنسانية (النظرة والتطبيق) التهامي نقرة ١٣٩٦هـ. الثقافة والحضارة في التصور الإسلامي، د/علي مدكور. الحضارة، للدكتور/حسين مؤنس. الحضارة الإسلامية، ........................... الرائد، لجبران مسعود، طبعة دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٦٤م. الطريق إلى الإسلام، نقله أنور الجندي في أخطاء المنهج الغربي الوافد، طبعة دار الكتاب، بيروت.

стр. 2794

الظاهرة القرآنية، مالك بن نبي. الفلسفة القرآنية، عباس محمود العقاد، ط الثانية، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٩٦٩م. المعجزة الكبرى، لمحمد أبو زهرة. المنجد في اللغة، لويس معلوف، طبعة سابعة عشر، بيروت. النقد الإسلامي المعاصر، عماد الدين خليل، بيروت، ١٩٧٢م. بحوث في الثقافة للدكتور/حسن عيسى عبد الظاهر وآخرون. تفسير أبي السعود. تذكرة الدعاة للبهي الخولي. خصائص التصور الإسلاميب ومقوماته، سيد قطب، طبعة دار الشروق، ١٤١٢هـ. دراسات في الدعوة والدعاة ............................. سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سوره. سنن ابن ماجه، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد. صحيح مسلم، للإمام أبي الحسين مسلم بن حجاج. صحيح البخاري، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. فقه التاريخ في ضوء أزمة المسلمين الحضارية، د/عبد الحليم عويس، طبعة دار الصحوة، القاهرة، ١٤١٤هـ. مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، الطبعة الثانية، دار الفكر. مدخل إلى علم الثقافة، د/عبد الرحمن زيد الزنيدي. ملامح الثقافة الإسلامية في الإعلام السعودي المعاصر، سليمان العيدي، طبعة دار الناشر، الرياض، ١٤١٣هـ مناهج البحث والحضارة، د/جمال الدين. معالم في الطريق، لسيد قطب، طبعة دار الشروق، بيروت، ١٤١٣هـ. نظرات في نظم الإسلام وثقافته، د/مصطفى أحمد أبو سمك. نظام الإسلام، لمحمد المبارك. KOHLEY, ERICH: CULTURE AND EVELATION IN (ED) . E ASHLEY MONTAGAMANS ADAPTIVE DIMENSION, U. P. ١٩٦٨. الدوريات مجلة الإسلام، بقلم الدكتور/شكري فيصل. مجلة الأزهر، الجزء العاشر، القاهرة، شوال ١٣٧١هـ، المجلد ٢٣. مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد الثاني، ١٤١٠هـ، بقلم د/عبد الرحمن الزنيدي. صحيفة الشرق الأوسط، العدد (٣٢٩٩) ، في ١٠/٢/١٩٨٧، بقلم الشيخ علي الطنطاوي.

стр. 2795

كتاب الصوائف (المُستخرَج) لمحمد بن عائذ الدمشقي (ت ٢٣٣ هـ) د. سليمان بن عبد الله السويكت أستاذ مشارك في قسم التاريخ بكلية العلوم الاجتماعية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ملخص البحث هذا البحث استخراجٌ لروايات مبثوثة في كتاب موسوعي ضخم هو تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (ت ٥٧١) ، تُعزى هذه الروايات لمحمد بن عائذ الدمشقي (ت ٢٣٣) ، وتدخل في حيز نطاق كتاب مفقود له بعنوان (الصوائف) ، قمت باستخراجها وتنسيقها والتأليف بينها والتقديم لها بدراسة عن الكتاب، ثم رتبتها ترتيباً تاريخياً متسلسلاً. تكمن القيمة العلمية لهذا (المُستخرَجْ) في أن نص الكتاب الأصلي لازال مفقوداً، وأن المكتبة التاريخية تكاد تخلو من مثل هذا النوع من المؤلفات وأن المادة التاريخية التي يحويها النص لا يكاد يوجد ما يوازيها في المصادر في هذا الباب؛ من حيث الشمول أو دقة التفصيلات في بعض الأحداث، ولا في الاعتماد على النقل من المصادر قريبة من الحدث. • • • مقدمة:

стр. 2796

إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، أما بعد: فلما كنت بصدد جمع مادة علمية لبحث كان بعنوان: (محمد بن عائذ الدمشقي ومصنفاته التاريخية) أثار انتباهي وجود كَمّ كبير من المرويات تدخل في نطاق كتاب اسمه: (الصوائف) لمحمد بن عائذ نفسه، ضمن كتاب تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، وقد رأيتني مسوقاً إلى جمع تلكم المرويات والنصوص من هذا السفر، إلى أن التفتُّ فرأيت من ذلك ما يستحق أن يفرد في كتاب مستقل مستخرج ينسب إلى صاحبه؛ محمد بن عائذ الدمشقي، ولا سيما أن ميدان الصوائف والشواتي (١) من الميادين التي يندر أن تجد فيها مؤلفاً مفرداً (٢) ، مما يضفي على كتاب ابن عائذ هذا (الصوائف) ميزة فريدة بكونه من المؤلفات العزيزة في هذا المجال. ولهذا فبعد أن فرغت من استقراء تاريخ ابن عساكر قمت بمراجعة للمصادر التاريخية الأخرى استكمالاً لجمع نصوص كتاب الصوائف، فما ظفرت إلا بعدد محدود من الروايات من تاريخ خليفة بن خياط. بعد ذلك نسقت تلك النصوص تاريخياً وواءمت بينها، وأحلت إلى ما وجدته مما يماثلها في المصادر التاريخية الأخرى عن غير ابن عائذ، وترجمت للأعلام الواردة فيها خاصة ما يتصل بأسانيد الروايات، ومن له علاقة بالأحداث، وعرفت بما تيسرت معرفته من الأماكن، وأعددتها للنشر، لأهميتها البالغة في كونها تضيف إلى المكتبة التاريخية مادة منسقة كانت أشلاء مبعثرة هنا وهناك في ميدان هذا النظام الحربي المميز؛ نظام الصوائف والشواتي.

стр. 2797

إن من البدهي لنشر مثل هذا النص أن يسبق بدراسة تعريفية عن المؤلف تستوفي كافة المعلومات المتعلقة به، ولأني قمت بمثل هذه الدراسة في بحث سابق (١) فلن أكررها في هذا المقام، ولكن عند طبع الكتاب فسأضمها إليه بإذن الله تعالى. أما العناصر التي أضفتها هنا والمتممة لهذا العمل فهي: موارد ابن عائذ في كتاب الصوائف رواة هذا الكتاب القيمة العلمية للكتاب توثيق النص المنهج المتبع لاستخراج الكتاب وحاولت في هذه الدراسة المقدَّمة بين يدي النص الإيجاز لئلا يثقل كاهل البحث وحتى يكون البحث مقبولاً. هذا وأسأل الباري أن ينفع بهذا العمل الذي استغرق وقتاً طويلاً وجهداً مضنياً، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وصلى الله تعالى وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومن حمل لواء دعوته مبلغاً لها إلى يوم الدين. أولاً: تعريف موجز ب (المؤلف) محمد بن عائذ مصنف الكتاب: هو محمد بن عائذ بن عبد الرحمن بن عبيد الله القرشي، الملقب بالكاتب، أبو عبد الله الدمشقي. ولد بمدينة دمشق في سنة ١٥٠ (٢) باتفاق بين من ترجم له. وأمضى شطراً من حياته في طلب العلم في بلاد الشام على عدد من الشيوخ المعروفين في الحديث والمغازي والسير والفتوح، ومن أشهر من تلقى عنه العلم شيخه الكبير أبو العباس الوليد بن مسلم بن العباس القرشي المتوفى سنة ١٩٥، عالم أهل الشام في وقته (٣) . وقد كان ابن عائذ ثقة صدوقاً، أجمعوا على عدالته وديانته، إلا أنهم ذكروا عنه قوله بالقدر. أما من حيث مؤلفاته: فلم يذكر له أيَّ مصنف في علم الحديث على الرغم من اشتغاله به وتدريسه له، لكنه ألف عدداً من المصنفات التاريخية هي: كتاب المغازي، والفتوح، والسير، والصوائف، كما ذُكر له مصنف آخر بعنوان: ملح النوادر.

стр. 2798

تلقى عن ابن عائذ عدد من أهل العلم من أهل الشام أو ممن ورد عليها من غيرهم، ويعد أحمد بن إبراهيم البسري (١) ، أبو عبد الملك الثقة أخص من روى عنه، ولاسيما في الميدان التاريخي، لكن طلاب ابن عائذ كانوا يواجهون صعوبة في الأخذ عنه بسبب وعورة في أخلاقه، وخشونة في تعامله، وكان لا يصل إلى مراده منهم إلا النبهاء الذين يحسنون فن المداراة والملاطفة. كانت وفاة ابن عائذ – وفق ترجيحنا في الدراسة المشار إليها – سنة ٢٣٣، في يوم الخميس، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر. رحمه الله تعالى وغفر له (٢) . ... ... ثانياً: (عن الكتاب) رواة كتاب الصوائف: بعد جولة طويلة في المصنفات التاريخية انحصر ما تم جمعه من نصوص تتعلق بالصوائف من مصنَّفيَن فحسب، هما: تاريخ خليفة بن خياط (ت ٢٤٠) ، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (ت ٥٧١) . أما تاريخ خليفة فأخذت منه حوالي أحد عشر رواية، كلها من طريق بَقيُّ بن مَخلَد عن بكّار بن عبد الله الدمشقي عن محمد بن عائذ. إن جميع المرويات التي أضافها بقي بن مخلد إلى تاريخ شيخه خليفة بن خياط عن محمد بن عائذ جاءت بمثل هذا الطريق تقريباً: " كتب إلي بكار بن عبد الله عن محمد بن عائذ.. " (٣) وقد سمع بقيُّ من بكار في مدينة دمشق (٤) ، ولكن طريقة التحمل التي يثبتها هنا تدل على أن ما رواه في هذا الصدد لم يكن مما سمعه منه في دمشق. أما باقي مرويات كتاب الصوائف فهي من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، وهي في حدود ثلاث وأربعين ومائة رواية، كلها وردت عن طريق أحمد بن إبراهيم البسري عن محمد بن عائذ، ماخلا رواية واحدة كانت عن يزيد بن محمد بن عبد الصمد، وإسنادها كالتالي:

стр. 2799

" أنبأنا أبو طالب الحسين بن محمد، أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسّن، أنبأنا محمد بن المظفر، أنبأنا بكر بن أحمد بن حفص، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، حدثني يزيد بن محمد، حدثنا محمد بن عائذ.. " (١) . ويلاحظ على هذا الإسناد النزول، بينما الإسناد إلى أحمد بن إبراهيم البسري كان أعلى، وهو على المثال التالي: " أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني، نا أبو محمد الكتاني، أنا أبو محمد بن أبي نصر، أنا أبو القاسم بن أبي العقب، أنا أحمد بن إبراهيم، نا محمد بن عائذ " (٢) . ولم يتغير رجال هذا الإسناد إلا في حالات نادرة جداً، كتغير شيخ ابن عساكر المباشر، فهو في الغالب: أبو محمد بن الأكفاني، وأحيانا أبو القاسم النسيب (٣) ، ونادراً ما يكون غيرهما (٤) . وجميع مرويات ابن عساكر عن محمد بن عائذ في هذا الكتاب جاءت مسندة،إلا في حالات محدودة جداً روى عنه مباشرة بدون إسناد، كأن يقول: " قال محمد بن عائذ.." (٥) ، ثم يذكر الحادثة. ترجمة الرواة: أولاً: في تاريخ خليفة: = بكَّار بن عبد الله بن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن بسر بن أبي أرطأة، أبو عبد الرحمن، روى عن أبيه ومحمد بن عائذ ومروان الطاطري وغيرهم، وروى عنه أحمد بن أبي الحواري وأبو زرعة الدمشقي، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وبقي بن مخلد التقى به لما ورد إلى دمشق وأخذ عنه، قال عنه أبو حاتم الرازي: صدوق (٦) . = بَقيُّ بن مَخْلَد بن يزيد، أبو عبد الرحمن الحافظ، أحد علماء الأندلس الكبار الزهاد المجتهدين غير المقلدين، ذو رحلة واسعة، روى عن جمع كبير من العلماء؛ منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وخليفة بن خياط، وبكار بن عبد الله، وروى عنه خلق كثير، له مصنفات نفيسة في التفسير والحديث والفقه وغيرها، كانت ولادته سنة ١٨٥، ووفاته سنة ٢٧٦ رحمه الله تعالى (٧) .

стр. 2800

ثانياً: في تاريخ مدينة دمشق: وسأترجم لرجال الإسناد المشهور فحسب، بعداً عن الإطالة: = أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن بكار بن عبد الملك بن الوليد ابن بسر بن أبي أرطأة القرشي، أبو عبد الملك الدمشقي، روى عن جمع من أهل العلم، منهم: محمد بن عائذ الدمشقي، وأبوه إبراهيم، وجده محمد، وغيرهم، وروى عنه جمع أيضاً، منهم: النسائي، وأبو القاسم علي بن يعقوب بن أبي العقب الهمداني وغيرهما، قال عنه النسائي: لابأس به، وقال الحافظ أبو القاسم: ثقة. توفي سنة ٢٨٩ (١) . = علي بن يعقوب بن إبراهيم بن شاكر بن زامل، أبو القاسم الهمداني، المعروف بابن أبي العقب، روى عن جماعة من أهل العلم، منهم: أبو عبد الملك البسري، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وجعفر الفريابي، وروى عنه أبو محمد ابن أبي نصر وجمع غيره، وهو أحد الثقات الكبار، مات سنة ٣٥٣ (٢) . = عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن معروف بن حبيب، أبو محمد بن أبي نصر التميمي العدل، حدث عن عدد من أهل العلم، منهم: أبو القاسم الهمداني، وأحمد بن سليمان بن زبان الكندي، وأبو إسحاق بن أبي ثابت، وحدث عنه أبو الحسن بن رشأ بن نظيف، وأبو سعد السمان، وأبو محمد عبد العزيز الكتاني وغيرهم، قال عنه الكتاني: لم ألق شيخاً مثله زهداً وورعاً وعبادة ورئاسة وكان ثقة عدلاً مأموناً رضاً، ولد سنة ٣٢٧، وتوفي سنة ٤٢٠ (٣) .

стр. 2801

= عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي بن سليمان، أبو محمد التميمي الكتاني الحافظ، رحل في طلب العلم وسمع من أبي محمد بن أبي نصر التميمي، وعبد الوهاب المري، وعلي الرزاز وغيرهم، وروى عنه أبو بكر بن الخطيب البغدادي، وأبو عبد الله الحميدي، وأبو محمد بن الأكفاني وغيرهم، قال عنه ابن الأكفاني: كان من المكثرين من الحديث كتابة وسماعاً ومن المعتنين به الجامعين له مع صدق وأمانة وصحة واستقامة وسلامة مذهب، وكان ثقة. كانت ولادته سنة ٣٨٩، وأما وفاته فسنة ٤٦٦ (١) . = هبة الله بن أحمد بن محمد بن هبة الله بن علي الأنصاري، أبو محمد الدمشقي المعروف بابن الأكفاني، سمع من والده وأبي القاسم الجنائي وأبي بكر الخطيب وعبد العزيز الكتاني ولازمه مدة، حدث عنه أبو بكر ابن العربي وأبو طاهر السلفي وابن عساكر، وقال عنه: سمعت منه الكثير، وكان ثقة ثبتاً متيقظاً معنياً بالحديث وجمعه، غير أنه كان عسراً في التحديث، وكان شديد العناية بالتاريخ أيضاً، ولد سنة ٤٤٤، وكانت وفاته سنة ٥٢٤ (٢) . = علي بن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن العباس.. ابن الحسين بن علي ابن أبي طالب، أبو القاسم الحسيني (النسيب) ، حدث عن أبيه وعمه أبي البركات، وأبي بكر الخطيب، وعبد العزيز الكتاني وجمع غيرهم، وكتب عنه شيخه عبد العزيز هذا، وسمع منه ابن عساكر وجماعة من شيوخه منهم أبو محمد بن الأكفاني، قال ابن عساكر: سمعت منه كثيراً، وكان مكثراً ثقة، ذكر أن مولده سنة ٤٢٤، أما وفاته ففي سنة ٥٠٨ (٣) .

стр. 2802

= علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، أبو القاسم ابن عساكر الحافظ الكبير المتقن، إمام أهل الحديث في زمانه، سمع من أكثر من ألف وثلاثمائة شيخ وثمانين امرأة، وكان ديناً خيراً حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، مثبت محتاط، رحل وبالغ في الطلب إلى أن جمع مالم يجمعه غيره، صنف التصانيف المفيدة كتاريخ دمشق وغيره، فحفظ فيه ثروة من العلم ضاع معظمها، كانت ولادته سنة ٤٩٩، أما وفاته فسنة ٥٧١ رحمه الله تعالى رحمة واسعة (١) . إنك عندما تمعن النظر في سلسلة هؤلاء الرواة تجد أنهم حفاظ ثقاة متقنون، يشتغلون بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى جانب اشتغالهم بالتاريخ، مما يبعث في النفس الاطمئنان ويزيد الثقة بمروياتهم التاريخية. موارد ابن عائذ في كتاب الصوائف: يظهر من خلال النصوص التي تندرج تحت مسمى الصوائف أن جلها مأخوذ عن شيخه الوليد بن مسلم، وقد كان الوليد شاهد عيان في بعضها (٢) ، وفي بعضها يروي عن شيوخه شهود العيان (٣) ، وكان الوليد يبزُّ معاصريه في المعرفة بأمر المغازي (٤) ، وغزوات الصوائف والشواتي لقرب عهده بها، واختلاطه بالشيوخ المشاركين فيها أو المطلعين عن كثب على أحداثها، وسؤالهم عما خفي عليه من شأنها، وتسجيله لتلك الأحداث أو روايتها (٥) . وفي الصوائف أيضاً يروي عن شيخه أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وهو يروي عن شهود عيان مشاركين فيها، وهو أيضاً معاصر لها (٦) . كما أخذ عن شيخه إسماعيل بن عياش (٧) ، واستقى عدداً محدوداً من الروايات عن كل من شيوخه: محمد بن شعيب (٨) ، ومروان بن محمد (٩) ، وسليمان البهراني (١٠) ، والهيثم بن حميد (١١) ، والواقدي (١٢) ، ومن مزايا ابن عائذ في هذا الكتاب أنه سجل أحداثاً عاصرها هو بنفسه كحديثه عن غزو المأمون الصائفة في سنوات ٢١٥، ٢١٧، ٢١٨ (١٣) .

стр. 2803

فيظهر من هذا العرض الموجز أن موارد ابن عائذ كانت على درجة من الأهمية؛ حيث توفُّر الإسناد، والعدالة والصدق في الشيوخ على وجه العموم، وقرب العهد من الأحداث، والرواية عن شهود العيان، والمعاصرة للأحداث. القيمة العلمية للكتاب: تكمن القيمة العلمية لهذا النص المستخرج لكتاب (الصوائف) في أن نص الكتاب الأصلي لا زال مفقوداً، وأن المكتبة التاريخية في أمس الحاجة لمادة علمية عن مثل هذا النوع من النشاط الحربي المتمثل في الجهاد في سبيل الله تعالى لتلك الأمم القوية المجاورة للمسلمين في بلاد الشام والجزيرة والتي ظلت تتحرش بهم من حين لآخر، متحينة الفرص لغزوهم في أوقات ضعفهم أو انشغالهم بأزماتهم الداخلية؛ حيث لا نجد في المصادر الأصلية الإسلامية الموجودة بين أيدينا مادة تشبه مادة هذا الكتاب في شمولها ولا في دقة تفصيلاتها في بعض الأحداث، ولا في اعتمادها في النقل عن مصادر قريبة من الحدث في هذا الميدان من النشاط الحربي. ونصوص الكتاب تكشف عن مدى الوعي الجهادي الذي كانت تعيشه الأمة الإسلامية في جميع مستوياتها؛ على مستوى القيادة، ابتداء من عصر الراشدين، ومروراً بالعصر الأموي، وانتهاء بالعصر العباسي الأول، وعلى مستوى الأمة جماعة وأفراداً،كما يظهر ذلك جلياً في ثنايا تلك النصوص. كما أن قيام العلامة ابن عساكر بنقل نصوص وروايات كثيرة جداً من كتاب الصوائف لابن عائذ في كتابه تاريخ دمشق بأسانيده يعبر عن القيمة العلمية لهذا الكتاب ومؤلفه، ويعطي انطباعاً عن مدى وثوقه بمروياته في هذا الباب الفريد. ويلاحظ من خلال مادة هذا الكتاب ونصوصه أنها ذات اتصال وثيق ببلاد الشام وأحداثها وعلاقاتها الحربية مع جيرانها البيزنطيين، فكأنها رصد لتاريخ الشام الحربي مع الروم خاصة في العصر الأموي، من واقع إسهامات الشام الواضحة والجلية في حملات الصوائف والشواتي.

стр. 2804

ومما يوضح القيمة العلمية للكتاب ما أشرت إليه قبل قليل في ختام الحديث عن موارد الكتاب من وجود أسانيد الروايات، وتوفر العدالة في الشيوخ، وقرب العهد من الأحداث، والرواية عن شهود العيان المشاركين فيها، ومعاصرة ابن عائذ نفسه لبعض مادونه من روايات، ولاشك أن هذا مما يرفع من قيمة الكتاب في نظر المختصين. توثيق نص الكتاب: إن جميع المادة العلمية المضمنة في هذا الكتاب مروية بأسانيد متصلة معروفة (١) ، مثبتة في تاريخ خليفة بن خياط وتاريخ دمشق لابن عساكر تنتهي جميعها إلى ابن عائذ، ولذا فهي صحيحة النسبة إليه. أما إدخال تلك المرويات في نطاق كتاب (الصوائف) لابن عائذ دون غيره من مصنفاته الأخرى المفقودة فهو استناداً إلى موضوعها الذي تبحث فيه، وهو اجتهاد مني بذلت وسعي في تحري الدقة فيه، ومع هذا ففي تصوري أنه قد لا يضير الكتاب دخول رواية واحدة أو عدد محدود من الروايات فيه ما دام أنها ثابتة النسبة لمؤلفة، وفي نطاق موضوعه. المنهج المتبع لاستخراج الكتاب: لقد قمت باستقراء لمعظم كتب الحديث والطبقات والسير والتراجم والتاريخ - وهي كثيرة جداً (٢) - تتبعاً لمادة هذا الكتاب، لكن لم أظفر بشيء من ذلك إلا في الكتابين اللذين سبقت الإشارة إليهما؛ وهما: تاريخ خليفة بن خياط، وتاريخ دمشق، وتتمثل أبرز معالم المنهج الذي اتبعته فيما يأتي: لم أستخرج من النصوص والروايات إلا ما ثبت لدي نسبته لابن عائذ مصرحاً باسمه فيه. لم أدرج من الروايات إلا ماصُرِّح فيه باسم صائفة أو شاتية، أو غزو للمسلمين إلى بلاد الروم، أو حرب معهم، أوبلاد الخزر، حيث كانت كلها تدخل في هذا النطاق، أو ماله علاقة بذلك.

стр. 2805

حذفت الأسانيد من روايات ابن عساكر خاصة؛ لطولها، وتماثلها، ولأنها ستزيد من حجمه، والوصول إليها متيسر لمن أرادها، وفائدتها محدودة في مثل هذا البحث. وقد سبقت الترجمة لرجال الإسناد المشهور المتكرر من ابن عساكر إلى ابن عائذ. وثَّقت كل رواية على حدة، وأشرت إلى مواضع وجودها إن تكررت في أكثر من موضع. نسقت الروايات تاريخياً ما أمكنني ذلك، وواءمت بينها، على الرغم من التداخل الواضح في بعضها. أحلت إلى بعض الروايات الموجودة في المصادر الأخرى في مضانها المماثلة لما عند ابن عائذ، خاصة من تاريخ خليفة بن خياط وتاريخ الطبري. ترجمت لأكثر الأعلام الواردة في النصوص، وحرصت على الترجمة لرجال إسناد ابن عائذ إلى راوي النص أو شاهد الحدث، وبيان حالهم، وذلك من أجل تجليتهم للقارئ، ما أسعفتني المصادر بذلك، وما تركته من رجال الإسناد دون ترجمة فإني لم أجد له في المصادر التي بين يدي ذكراً. عرَّفت بما تيسرت معرفته من الأماكن. وضعت عناوين من عندي بين حاصرتين هكذا [] لبعض المرويات المتماثلة ذات الموضوع الواحد، ووضعت كلمة [كذا] بين تينك الحاصرتين بعدما أشكل فهمه من النص. رقَّمت الروايات بأرقام مسلسلة لتسهيل مراجعتها. ثالثاً: نص كتاب (الصوائف) المستخرج [العصر الراشدي] [١] محمد بن عائذ، نا الوليد، قال: وذكر محمد بن عمر الأسلمي أن أول من أجاز الدرب (١) من المسلمين عمير بن سعد الأنصاري (٢) ، قال: وغيرنا يقول: العنسيّ، يعني ميسرةَ بنَ مسروق (٣) .
следующие страницы →