← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

= عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي بن سليمان، أبو محمد التميمي الكتاني الحافظ، رحل في طلب العلم وسمع من أبي محمد بن أبي نصر التميمي، وعبد الوهاب المري، وعلي الرزاز وغيرهم، وروى عنه أبو بكر بن الخطيب البغدادي، وأبو عبد الله الحميدي، وأبو محمد بن الأكفاني وغيرهم، قال عنه ابن الأكفاني: كان من المكثرين من الحديث كتابة وسماعاً ومن المعتنين به الجامعين له مع صدق وأمانة وصحة واستقامة وسلامة مذهب، وكان ثقة. كانت ولادته سنة ٣٨٩، وأما وفاته فسنة ٤٦٦ (١) . = هبة الله بن أحمد بن محمد بن هبة الله بن علي الأنصاري، أبو محمد الدمشقي المعروف بابن الأكفاني، سمع من والده وأبي القاسم الجنائي وأبي بكر الخطيب وعبد العزيز الكتاني ولازمه مدة، حدث عنه أبو بكر ابن العربي وأبو طاهر السلفي وابن عساكر، وقال عنه: سمعت منه الكثير، وكان ثقة ثبتاً متيقظاً معنياً بالحديث وجمعه، غير أنه كان عسراً في التحديث، وكان شديد العناية بالتاريخ أيضاً، ولد سنة ٤٤٤، وكانت وفاته سنة ٥٢٤ (٢) . = علي بن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن العباس.. ابن الحسين بن علي ابن أبي طالب، أبو القاسم الحسيني (النسيب) ، حدث عن أبيه وعمه أبي البركات، وأبي بكر الخطيب، وعبد العزيز الكتاني وجمع غيرهم، وكتب عنه شيخه عبد العزيز هذا، وسمع منه ابن عساكر وجماعة من شيوخه منهم أبو محمد بن الأكفاني، قال ابن عساكر: سمعت منه كثيراً، وكان مكثراً ثقة، ذكر أن مولده سنة ٤٢٤، أما وفاته ففي سنة ٥٠٨ (٣) .

стр. 2802

= علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، أبو القاسم ابن عساكر الحافظ الكبير المتقن، إمام أهل الحديث في زمانه، سمع من أكثر من ألف وثلاثمائة شيخ وثمانين امرأة، وكان ديناً خيراً حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، مثبت محتاط، رحل وبالغ في الطلب إلى أن جمع مالم يجمعه غيره، صنف التصانيف المفيدة كتاريخ دمشق وغيره، فحفظ فيه ثروة من العلم ضاع معظمها، كانت ولادته سنة ٤٩٩، أما وفاته فسنة ٥٧١ رحمه الله تعالى رحمة واسعة (١) . إنك عندما تمعن النظر في سلسلة هؤلاء الرواة تجد أنهم حفاظ ثقاة متقنون، يشتغلون بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى جانب اشتغالهم بالتاريخ، مما يبعث في النفس الاطمئنان ويزيد الثقة بمروياتهم التاريخية. موارد ابن عائذ في كتاب الصوائف: يظهر من خلال النصوص التي تندرج تحت مسمى الصوائف أن جلها مأخوذ عن شيخه الوليد بن مسلم، وقد كان الوليد شاهد عيان في بعضها (٢) ، وفي بعضها يروي عن شيوخه شهود العيان (٣) ، وكان الوليد يبزُّ معاصريه في المعرفة بأمر المغازي (٤) ، وغزوات الصوائف والشواتي لقرب عهده بها، واختلاطه بالشيوخ المشاركين فيها أو المطلعين عن كثب على أحداثها، وسؤالهم عما خفي عليه من شأنها، وتسجيله لتلك الأحداث أو روايتها (٥) . وفي الصوائف أيضاً يروي عن شيخه أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وهو يروي عن شهود عيان مشاركين فيها، وهو أيضاً معاصر لها (٦) . كما أخذ عن شيخه إسماعيل بن عياش (٧) ، واستقى عدداً محدوداً من الروايات عن كل من شيوخه: محمد بن شعيب (٨) ، ومروان بن محمد (٩) ، وسليمان البهراني (١٠) ، والهيثم بن حميد (١١) ، والواقدي (١٢) ، ومن مزايا ابن عائذ في هذا الكتاب أنه سجل أحداثاً عاصرها هو بنفسه كحديثه عن غزو المأمون الصائفة في سنوات ٢١٥، ٢١٧، ٢١٨ (١٣) .

стр. 2803

فيظهر من هذا العرض الموجز أن موارد ابن عائذ كانت على درجة من الأهمية؛ حيث توفُّر الإسناد، والعدالة والصدق في الشيوخ على وجه العموم، وقرب العهد من الأحداث، والرواية عن شهود العيان، والمعاصرة للأحداث. القيمة العلمية للكتاب: تكمن القيمة العلمية لهذا النص المستخرج لكتاب (الصوائف) في أن نص الكتاب الأصلي لا زال مفقوداً، وأن المكتبة التاريخية في أمس الحاجة لمادة علمية عن مثل هذا النوع من النشاط الحربي المتمثل في الجهاد في سبيل الله تعالى لتلك الأمم القوية المجاورة للمسلمين في بلاد الشام والجزيرة والتي ظلت تتحرش بهم من حين لآخر، متحينة الفرص لغزوهم في أوقات ضعفهم أو انشغالهم بأزماتهم الداخلية؛ حيث لا نجد في المصادر الأصلية الإسلامية الموجودة بين أيدينا مادة تشبه مادة هذا الكتاب في شمولها ولا في دقة تفصيلاتها في بعض الأحداث، ولا في اعتمادها في النقل عن مصادر قريبة من الحدث في هذا الميدان من النشاط الحربي. ونصوص الكتاب تكشف عن مدى الوعي الجهادي الذي كانت تعيشه الأمة الإسلامية في جميع مستوياتها؛ على مستوى القيادة، ابتداء من عصر الراشدين، ومروراً بالعصر الأموي، وانتهاء بالعصر العباسي الأول، وعلى مستوى الأمة جماعة وأفراداً،كما يظهر ذلك جلياً في ثنايا تلك النصوص. كما أن قيام العلامة ابن عساكر بنقل نصوص وروايات كثيرة جداً من كتاب الصوائف لابن عائذ في كتابه تاريخ دمشق بأسانيده يعبر عن القيمة العلمية لهذا الكتاب ومؤلفه، ويعطي انطباعاً عن مدى وثوقه بمروياته في هذا الباب الفريد. ويلاحظ من خلال مادة هذا الكتاب ونصوصه أنها ذات اتصال وثيق ببلاد الشام وأحداثها وعلاقاتها الحربية مع جيرانها البيزنطيين، فكأنها رصد لتاريخ الشام الحربي مع الروم خاصة في العصر الأموي، من واقع إسهامات الشام الواضحة والجلية في حملات الصوائف والشواتي.

стр. 2804

ومما يوضح القيمة العلمية للكتاب ما أشرت إليه قبل قليل في ختام الحديث عن موارد الكتاب من وجود أسانيد الروايات، وتوفر العدالة في الشيوخ، وقرب العهد من الأحداث، والرواية عن شهود العيان المشاركين فيها، ومعاصرة ابن عائذ نفسه لبعض مادونه من روايات، ولاشك أن هذا مما يرفع من قيمة الكتاب في نظر المختصين. توثيق نص الكتاب: إن جميع المادة العلمية المضمنة في هذا الكتاب مروية بأسانيد متصلة معروفة (١) ، مثبتة في تاريخ خليفة بن خياط وتاريخ دمشق لابن عساكر تنتهي جميعها إلى ابن عائذ، ولذا فهي صحيحة النسبة إليه. أما إدخال تلك المرويات في نطاق كتاب (الصوائف) لابن عائذ دون غيره من مصنفاته الأخرى المفقودة فهو استناداً إلى موضوعها الذي تبحث فيه، وهو اجتهاد مني بذلت وسعي في تحري الدقة فيه، ومع هذا ففي تصوري أنه قد لا يضير الكتاب دخول رواية واحدة أو عدد محدود من الروايات فيه ما دام أنها ثابتة النسبة لمؤلفة، وفي نطاق موضوعه. المنهج المتبع لاستخراج الكتاب: لقد قمت باستقراء لمعظم كتب الحديث والطبقات والسير والتراجم والتاريخ - وهي كثيرة جداً (٢) - تتبعاً لمادة هذا الكتاب، لكن لم أظفر بشيء من ذلك إلا في الكتابين اللذين سبقت الإشارة إليهما؛ وهما: تاريخ خليفة بن خياط، وتاريخ دمشق، وتتمثل أبرز معالم المنهج الذي اتبعته فيما يأتي: لم أستخرج من النصوص والروايات إلا ما ثبت لدي نسبته لابن عائذ مصرحاً باسمه فيه. لم أدرج من الروايات إلا ماصُرِّح فيه باسم صائفة أو شاتية، أو غزو للمسلمين إلى بلاد الروم، أو حرب معهم، أوبلاد الخزر، حيث كانت كلها تدخل في هذا النطاق، أو ماله علاقة بذلك.

стр. 2805

حذفت الأسانيد من روايات ابن عساكر خاصة؛ لطولها، وتماثلها، ولأنها ستزيد من حجمه، والوصول إليها متيسر لمن أرادها، وفائدتها محدودة في مثل هذا البحث. وقد سبقت الترجمة لرجال الإسناد المشهور المتكرر من ابن عساكر إلى ابن عائذ. وثَّقت كل رواية على حدة، وأشرت إلى مواضع وجودها إن تكررت في أكثر من موضع. نسقت الروايات تاريخياً ما أمكنني ذلك، وواءمت بينها، على الرغم من التداخل الواضح في بعضها. أحلت إلى بعض الروايات الموجودة في المصادر الأخرى في مضانها المماثلة لما عند ابن عائذ، خاصة من تاريخ خليفة بن خياط وتاريخ الطبري. ترجمت لأكثر الأعلام الواردة في النصوص، وحرصت على الترجمة لرجال إسناد ابن عائذ إلى راوي النص أو شاهد الحدث، وبيان حالهم، وذلك من أجل تجليتهم للقارئ، ما أسعفتني المصادر بذلك، وما تركته من رجال الإسناد دون ترجمة فإني لم أجد له في المصادر التي بين يدي ذكراً. عرَّفت بما تيسرت معرفته من الأماكن. وضعت عناوين من عندي بين حاصرتين هكذا [] لبعض المرويات المتماثلة ذات الموضوع الواحد، ووضعت كلمة [كذا] بين تينك الحاصرتين بعدما أشكل فهمه من النص. رقَّمت الروايات بأرقام مسلسلة لتسهيل مراجعتها. ثالثاً: نص كتاب (الصوائف) المستخرج [العصر الراشدي] [١] محمد بن عائذ، نا الوليد، قال: وذكر محمد بن عمر الأسلمي أن أول من أجاز الدرب (١) من المسلمين عمير بن سعد الأنصاري (٢) ، قال: وغيرنا يقول: العنسيّ، يعني ميسرةَ بنَ مسروق (٣) .

стр. 2806

[٢] محمد بن عائذ، أنبأنا الوليد بن مسلم، نا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (١) ، قال: ثم دخل ميسرة بن مسروق العبسي أرض الروم في ستة آلاف، فوغل فيها وغنم وسبى، وجمعت له الروم، فلقيهم بمرج القبائل (٢) ، وهو في مسيرة فحلف على السبقة وهي جمعهم بنفسه ومن معه [كذا] ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فهزمهم الله، وكانت فيهم مقتلة عظيمة. قال ابن جابر: فأدركت عظامهم تلوح في مرج القبائل، وهي إحدى ملاحم الروم التي أبيروا فيها. قال ابن جابر: فكان ميسرة بن مسروق وأصحابه أول جيش للمسلمين دخل الروم (٣) .

стр. 2807

[٣] محمد بن عائذ القرشي، قال: قال الوليد: حدثنا غير واحد ممن سمع هشام بن حسان (١) أن محمد بن سيرين (٢) حدثه، أن عمير بن سعد كان يعجب عمر بن الخطاب، فكان من عجبه به يسميه (نسيج وحده) ، وبعثه مرة على جيش من قبل الشام، فقدم مرة وافداً، فقال يا أمير المؤمنين: إن بيننا وبين عدونا مدينة يقال لها غرب السوس يطلعون عدونا على عوراتنا ويفعلون ويفعلون، فقال عمر: إذا أتيتهم فخيرهم بين أن ينقلوا من مدينتهم إلى كذا وكذا، وتعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين، ومكان كل شيء شيئين، فإن فعلوا فأعطهم ذلك، وإن أبوا فانبذ إليهم، ثم أجلهم سنة، فقال: يا أمير المؤمنين، اكتب لي عهدك بذلك، فكتب له عهده، فأرسل إليهم فعرض عليهم ما أمره به أمير المؤمنين، فأبوا فأجلهم سنة، ثم نابذهم، فقيل لعمر: إن عمير قد خرب غرب السوس وفعل وفعل، فتغيظ عليه عمر. ثم إنه قدم بعد ذلك وافداً ومعه رهط من أصحابه، فلما قدم عليه علاه بالدرة؛ خرَّبت غرب السوس، وهو ساكت لا يقول له شيئاً، ثم قال لأصحابه: مبرنسين؛ مبرنسين! ضعوا برانسكم (٣) ، فقال عمير: ضعوا برانسكم ثكلتكم أمهاتكم، إنكم والله ما أنتم بهم، فوضعوا برانسهم، فقال عمر: معممين؛ معممين! ضعوا عمائمكم (٤) ، فقال عمير: ضعوا عمائمكم، فإنا والله ما نحن بهم، فقال: مكممين؛ مكممين! ضعوا أكمامكم (٥) ، فقال عمير: ضعوا أكمامكم ثكلتكم أمهاتكم، فإنا والله ما نحن بهم، قال: فوضعوا أكمامهم، فإذا عليهم جِمَام (٦) ، فقال عمر: أما والله الذي لا إله إلا هو لو وجدتكم محلقين لرفعت بكم الحشب (٧) . ثم إن عمر دخل على أهله، فاستأذن عليه عمير فدخل، فقال يا أمير المؤمنين: أقرأ إلي عهدك في غرب السوس، فقال عمر رحمك الله، فهلا قلت لي وأنا أضربك، فقال: كرهت أن أوبخك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: غفر الله لك، ولكن غيرك لو كان

стр. 2808

قال الوليد: ورأيت خلف درب الحرب مدينة حين أشرفنا على قُبَاقب (١) ناحية، فسألت عنها مشيخة من أهل قنسرين، فقالوا: هذا غرب السوس؛ مدينة أنسطاس التي غدرت، فأتاهم عمير بن سعد فقاتلهم ففتحها وخربها، فهي خراب إلى اليوم (٢) . [٤] ابن عائذ، قال: قال الوليد: حدثنا سعيد بن عبد العزيز (٣) ، أنبأنا أبو محمد، قال: حبيب بن مسلمة (٤) كان على الصوائف في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ويبلغ عمر عنه ما يحب، ولم يثبته معرفة حتى قدم عليه حبيب في حجة، فسلم عليه فقال له عمر: إنك لفي قناة رجل، قال: إي والله، وفي سنانه، قال عمر: افتحوا له الخزائن فليأخذ ما شاء، قال: ففتحوها له فعدل عن الأموال وأخذ السلاح، انتهى (٥) . [٥] ابن عائذ، قال: قال الوليد: فحدثنا سعيد بن بشير (٦) ، عن قتادة (٧) ، عن عكرمة (٨) ، أنه غزا مع ابن عباس أرض الروم، وعلى الناس حبيب بن مسلمة، حتى بلغنا مدينة الفتية (٩) الذين ذكرهم الله في كتابه (١٠) . [٦] ابن عائذ، قال: وأنبأنا الوليد بن مسلم، قال: فحدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن رغبان (١١) ، أنه حدثه على أن حبيب بن مسلمة غزا أرض الروم، على جماعة في خلافة عمر بن الخطاب، فاهتم عمر بأمرهم، فلما بلغه خروج حبيب ومن معه خر ساجداً، انتهى (١٢) . [٧] ابن عائذ، نبأنا عبد الأعلى بن مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز، أنه حدثه أن حبيب بن مسلمة لقي موريان، وحبيب في ستة آلاف، وموريان في سبعين ألفاً، فقال حبيب: إن يصبروا وتصبروا فأنتم أولى بالله منهم، وإن يصبروا وتجزعوا فإن الله مع الصابرين، ولقيهم ليلاً، فقال: اللهم أبدلنا قمرها، واحبس عنا مطرها، واحقن دماء أصحابي، واكتبهم شهداء، ففتح الله تعالى له، وتواعد الجلندح العبسي وعتبة بن جحدم قبة موريان، فوجدوا قتيلين على بابها، انتهى (١٣) .

стр. 2809

[٨] قال: وأنبأنا الوليد بن مسلم، قال: فحدثنا سعيد بن عبد العزيز، أنه بلغ الروم مكان حبيب بن مسلمة والمسلمين بأرمينية الرابعة (١) ، في ستة آلاف من المسلمين، فوجهوا إليهم موريان الرومي، في ثمانين ألفاً، فبلغ ذلك حبيباً، فكتب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى عثمان، فكتب عثمان إلى صاحب الكوفة يمده، فأمده بسلمان الباهلي في ستة آلاف، وأبطأ على حبيب المدد، ودنا منه موريان الرومي، فخرج مغتماً بلقائه، فغشي عسكره وهم يتحدثون على نيرانهم وسمع قائلاً يقول لأصحابه: لو كنت ممن يسمع حبيب مشورته لأشرت عليه بأمر يجعل الله لنا وله نصراً وفرجاً إن شاء الله، فاستمع حبيب لقوله، فقال أصحابه: وما مشورتك؟ قال: كنت مشيراً عليه؛ ينادي في الخيول، فيقدمها، ثم يرتحل بعسكره يتبع خيله، فتوافيهم الخيل في جوف الليل، وينشب القتال، ويأتيهم حبيب بسواد عسكره مع الفجر، فيظنون أن المدد قد جاءهم؛ فيرعبهم الله، فيهزمهم بالرعب، فانصرف، ونادى في الخيول فوجهها في ليلة مقمرة مطيرة، فقال: اللهم خل لنا قمرها، واحبس عنا مطرها، واحقن لي دماء أصحابي، واكتبهم عندك شهداء، قال سعيد: فحبس الله تعالى عنهم مطرها، وجلا لهم قمرها، وأوقفهم من السحر، قال سعيد: وتواعد عتبة بن جحدم والجلندح العبسي حجرة موريان (٢) . [٩] محمد بن عائذ، أخبرني الوليد بن مسلم، عن ابن علاق؛ يعني عثمان بن حصن (٣) ، عن يزيد بن عبيدة (٤) ، قال: وغزيت قبرس الثانية، سنة سبع وعشرين، عليهم أبو الأعور السلمي (٥) .

стр. 2810

[١٠] محمد بن عائذ، أخبرنا الوليد، عن صخر بن جندلة (١) ، أنه حدثه عن يونس بن ميسرة بن حلبس (٢) ، عن أبي فوزة حدير السلمي (٣) ، قال: خرج بعث الصائفة، فاكتتب فيه كعب (٤) ، فلما انفر البعث، أخرج كعب، وهو مريض، وقال: لأن أموت بحَرَسْتا (٥) أحب إلي من أن أموت بدمشق (٦) ، ولأن أموت بدَومة (٧) أحب إلي من أن أموت بحرستا، هكذا قدماً في سبيل الله ، قال: فمضى، فلما كان بفجّ مَعلولا (٨) ، قلت: أخبرني، قال: شغلتني نفسي، قلت: أخبرني، قال: إنه سيقتل رجل يضيء دمه لأهل السماء، ومضينا حتى إذا كنا بحمص (٩) توفي بها، فدفناه هنالك بين زيتونات بأرض حمص، ومضى البعث فلم يقفل حتى قتل عثمان، انتهى (١٠) . [العصر الأموي] [١١] محمد بن عائذ، أنا الوليد بن مسلم، حدثني مبشر بن إسماعيل (١١) ، عن جعفر بن برقان (١٢) ، عن أبي عبد الله؛ حرسي عمر بن عبد العزيز (١٣) ، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: حدثني حرسي معاوية أنه قدم على معاوية بطريق من الروم يعرض عليه جزية الروم، عن كل من بأرض الروم من كبير أو صغير جزية؛ دينارين دينارين، إلا عن رجلين؛ الملك وابنه، فإنه لا ينبغي للملك وابنه أن يجزيا، فقال معاوية - وهو في كنيسة من كنائس دمشق -: لو صببتم لي دنانير جزية حتى تملؤوا هذه الكنيسة، ولا يجزي الملك وابنه ما قبلتها منكم، قال الرومي: لا تماكرني، فإنه لا يماكر أحد مكراً إلا ومعه كذب، فقال معاوية: أراك تمازحنى، قال الرومي: إنك اضطررتني إلى ذلك، وغزوتني في البر والبحر والصيف والشتاء، أما والله يا معاوية ما تغلبوننا بعدد ولا عدة، ولوددت أن الله جمع بيننا وبينكم في مرج ثم خلى بيننا وبينكم، ورفع عنا وعنكم النصر، حتى ترى، قال معاوية: ما له قاتله الله! إنه ليعرف أن النصر من عند الله (١٤) .

стр. 2811

[١٢] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وحدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى (١) ، وغيره أن قيسارية فلسطين كانت آخر الشام ومدائنها وحصون سواحلها فتحاً، وأن طرابلس (٢) دمشق كانت قبلها فتحاً بسنة، أو نحو ذلك، وأن أهلها من الروم كانوا في منعة من حصنها، فذكرت ذلك لشيخ من أهل طرابلس، فحدثني أن معاوية بن أبي سفيان وجّه إليه سفيان بن مجيب الثمالي (٣) في جماعة وعسكر عظيم، قال أبو مطيع: فعسكر في مرج السلسلة - بينه وبين مدينة أطْرَابُلُس خمسة أميال - في أصل جبل يقال له طربل، فكانوا هنالك، يسير إليهم منه، قال الشيخ: فحاصرهم سفيان ومن معه أشهراً حتى انحاز أهلها إلى حصنها الخرب اليوم - الذي عند كنيستها الخارجة منها قبل مدينة أطرابلس اليوم - فكتب إليه معاوية؛ يأمره أن يبني له ولأصحابه حصناً يأوي إليه ليلاً، ويغازيهم نهاراً، فبنى سفيان حصناً يقال له حصن سفيان، وهو اليوم يسمى كفر قدح، من مدينة أطرابلس، على ميلين ونحو ذلك، فلما رأى ذلك أهلها، واشتد عليهم الحصار، كتبوا إلى طاغية الروم، فوجه إليهم مراكب كثيرة، فأتوهم ليلاً فاحتملوهم فيها جميعاً؛ صغيرهم وكبيرهم، وحرقوها، وصبح سفيان وأصحابه الحصن فلم يجدوا فيه أحداً إلا يهودياً تحصن من النار في سرب فيها، فخرج من السرب فأخبرهم خبر الروم ومسيرها في السفن، قال الشيخ: فوجه إليها معاوية بن أبي سفيان ناساً من يهود الأردن، فأسكنهم إياها، فلم يزل على ذلك لا يسكنها غيرهم، حتى دخل رجل من الروم من أرض الروم، يقال له بقناطر لحدث كان منه بالروم، فأقبل بأهله وماله حتى استأمن، فأؤمن، فنزلها فلم يزل كذلك، حتى كان في زمان عبد الملك بن مروان، فكان يقطع إليها بعثاً من أهل دمشق صيفاً فإذا شتوا قفلهم، وشتا فرس بعلبك (٤) ، فأقام فيها بقناطر زماناً حتى خرج أهل بعلبك منها، فلم يبق فيها من المسلمين إلا صاحب خراجها ورجلان معه،

стр. 2812

فبينا هو كذلك إذ أتاه بقناطر في جماعة من أهل بيته فقتله، وقتل صاحبيه، وغلق باب المدينة، وأخرج من في الحبس، ثم قعد في مركبين من مراكب الصناعة، وأخذ ناساً من يهود وانطلق بهم حتى أتى بهم صاحب الروم، فبينا هو يسير في مركبه إذ لقيه مركبان للمسلمين، كان صاحب البحر وجههما من عكا (١) إلى قبرص (٢) ، ليأتياه بالخبر، فلما رآهما بقناطر عرف صاحبي المركبين من المسلمين، وهما من بعلبك، يقال لأحدهما: قابوس، والآخر سابور، فقالا: أين بقناطر؟ فقال: أرسلني أمير المؤمنين إلى الطاغية، أعليكما له طاعة؟ قالا له: نعم، قال: فإنه قد أمرني أن أتوجه بكم معي في أمره، وأراهما كتاباً كتبه عليه طائع، فخرجا من مركبيهما حتى قعدا معه في مركبه، وأمر أهل مركبهما بالمضي، فمضوا، فأوثقهما، حتى أتى بهما ملك الروم، فقبل منه ملك الروم وعفا عنه، وصير الرجلين عند بطريق من بطارقة الروم، حتى جلس ملك الروم يوماً ينظر إلى شماس من أهل بعلبك هرب إليهم، يقلب بسيفه يعجبه، وقد كان قابوس سايفه ببعلبك، فقال قابوس: إن رأى الملك أن يأذن لي في مسايفته فعل، فأذن له، فلما تقدم إليه قال له قابوس: اربط في رأسك يا شماس صوفاً من ألوان، ففعل، فجعل قابوس يسايفه، يتطاير ألوان الصوف من رأسه، والشماس لا يبصر، حتى قال: خذها مني وأنا قابوس، قال

стр. 2813

الشماس: البعلبكي؟! قال: نعم، قال: إنما فررت منك بالشام ثم لحقتني ها هنا، ثم سألهما الملك أن يتنصرا، ويدخلا في دينه، ففعلا، وبلا منهما حرصاً ووفاء، فبينما هما على ذلك، إذ بلغه خروج سفن العرب إلى جماعة الروم، فوجه إليهما بعثاً، وأمر ملك الروم قابوس وسابور بالمسير مع من وجه، وقال لهما: ما رأيكما؟ قالا: نحن أعلم الناس بقتال العرب، فليوجه الملك معنا أهل الشرف والجلد منهم، فإن السفلة لا تقاتل حمية ولا عن حسب، فوجه من بطارقته جماعة منهم؛ فيهم بقناطر الرومي الهارب كان منهم، ثم سار إليهم، فراطن قابوس سابور بالفارسية؛ أن الفرصة قد أمكنتنا، وصارا هما وأشراف من الروم وبقناطر في مركب واحد، فلما لقوا المسلمين في البحر وتوسطا سفنهما كبّرا، وشدا على من معهما منهم، واجتمع إليهم المسلمون، فأسروهم أسراً - وفيهم بقناطر - فأتي به عبد الملك، فأمر بقتله، وقطع على فرس بعلبك الخمس سكاناً لمدينة أطرابلس، ففعلوا وسكنوها وإلى غيرها من مدائن الساحل، قال: ففتحت أطرابلس يومئذ عنوة، فليس لأحد ممن فيهما من الأعاجم فيها حق ولا عهد (١) . [١٣] ابن عائذ، نا الوليد بن مسلم، عن زيد بن دعكنة البهراني (٢) ، أن معاوية شتى بسر بن أبي أرطأة (٣) بأرض الروم؛ بالحَمَّة، سنة أربع وأربعين (٤) . [١٤] قال: وأخبرني الوليد، عن يزيد (٥) بن دعلبة أن معاوية بن أبي سفيان شتى في سنة خمس وأربعين عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٦) . [١٥] قال: وقال الوليد بن مسلم: سمعت سعيد بن عبد العزيز، أو غيره، يخبر أن معاوية شتى عبد الرحمن بن خالد سنتين في جيش مقيم بأرض الروم، يدخل عليه القواد سنة سنة يصيف ويشتو عنده لم يغفل عنه حتى مات عبد الرحمن بأرض الروم (٧) .

стр. 2814

[١٦] ابن عائذ، أخبرني الوليد، عن زيد بن عكنة البهراني، أن معاوية شتى في سنة ست وأربعين أبا كلثم الأزدي (١) ، وفي سنة سبع وثمان أبا عبد الرحمن القيني (٢) . [١٧] محمد بن عائذ، أخبرني الوليد، أنا زيد بن ذعلبة البهراني، أن معاوية بن أبي سفيان شتا في سنة سبع وأربعين مالك بن هبيرة (٣) ، ثم غزا في سنة خمسين يزيد بن معاوية (٤) . [غزو القسطنطينية في عهد معاوية رضي الله تعالى عنه] [١٨] محمد بن عائذ، نا الوليد، حدثني إسماعيل بن عياش، عن صفوان ابن عمرو (٥) ، قال: غزى غازية السفن إلى القسطنطينية عبد الله بن قيس بالمحرقات (٦) . وعن صفوان بن عمرو: أن عبد الله بن قيس لقي في مسيره إلى القسطنطينية بمحرقاته محرقات الروم على الخليج، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فهزمت محرقات المسلمين محرقات الروم، وجاءوا بالأسارى من الروم فضرب أعناقهم يزيد بن معاوية، والروم تنظر إليهم، قال صفوان: فلذلك يقول زياد ابن قطران الهوزني: يومَ المدينة يومَ ذاتِ النارِ هل أتاك أميرَ المؤمنين مصفُّنا خشناءَ كل عشية وبكار صُبُراً تعادي صفهم بكتيبة تكويمَ قصر مشرف الإجّار جاءوا بشبه الفيل كوُّم صدرُها قعساء قد تعيا على البحّار سوداء بل سحماء غُيِّرَ لونُها شبه الجنون لشارب المصطار (٧) فترمدت واجلولذت قترى لنا

стр. 2815

[١٩] ابن عائذ، نا الوليد بن مسلم، نا إسماعيل بن عياش، عن صفوان ابن عمرو، عن الفرج بن يحمد، عن بعض أشياخه، قال: كنا مع سفيان بن عوف الغامدي (١) شاتين بأرض الروم، فلما صفنا، دعا سفيان الخيول، فاختار ثلاثة آلاف، فأغار بنا على باب الذهب، حتى فزع أهل القسطنطينية، وضربوا بنواقيسهم، ثم لقونا، فقالوا: ما شأنكم يا معشر العرب، وما جاء بكم؟ قلنا: جئنا لنخرب مدينة الكفر، ويخربها الله على أيدينا، فقالوا: ما ندري أخطأتم الحساب، أم كذب الكتاب، أم استعجلتم القدر! والله إنا لنعلم أنها ستفتح يوماً، ولكنا لا نرى هذا زمانها (٢) . [٢٠] ابن عائذ، نا الوليد، نا عبد الله بن لهيعة (٣) ، والليث بن سعد (٤) ، عن يزيد (٥) ، عن أبي عمران التجيبي (٦) ، قال: غزونا القسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني (٧) ، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٨) . [٢١] ابن عائذ، قال الوليد بن مسلم: ثنا أبو داود (٩) ، عن يونس ابن الحارث الثقفي (١٠) ، قال: سمعت مشرساً (١١) يحدث، عن أبيه، قال: بينا نحن وقوف على القسطنطينية إذ هتف أبو شيبة؛ فقال: يا أيها الناس، فأقبلت إليه ومعي ناس كثير، فإذا نحن برجل متقنع على دابته، وهو يقول: يا أيها الناس، من كان يعرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا أبو شيبة الخدري صاحب رسول الله (، سمعت رسول الله (يقول: من شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً، وجبت له الجنة. ومات فدفناه مكانه (١٢) . [٢٢] محمد بن عايذ، نا الوليد، ابن لهيعة، عن يزيد يعني ابن أبي حبيب، عن أبي عمران التجيبي، قال: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى غزا القسطنطينية وتوفي بها فدفن بها (١٣) .

стр. 2816

[٢٣] ابن عائد، نا الوليد، نا إبراهيم بن محمد، عن الأعمش (١) ، عن أبي ظبيان (٢) ، قال: أوصى أبو أيوب أن يدفن إلى جانب القسطنطينية، فناهضنا المدينة حتى دنونا منها، ثم دفناه حتى أقدامنا. قال ونا الوليد، نا غير واحد، منهم أبو سعيد المعيطي (٣) : أن أهل القسطنطينية قالوا ليزيد ومن معه: ما هذا؟! ننبشه غدا، قال يزيد: ذا صاحب نبينا، أوصى بهذا لئلا يكون أحد من المجاهدين ومن مات في سبيل الله أقرب إليكم منه، لئن فعلتم لأنزلن كل جيش بأرض العرب،ولأهدمن كل كنيسة، قالوا: إنما أردنا أن نعرف مكانه منكم، لنكرمنه لصحبته ومكانه، قال: فبنوا عليه قبة بيضاء، وأسرجوا عليه قنديلاً، قال أبو سعيد: وأنا دخلت عليه القبة في سنة مائة، ورأيت قنديلها، فعرفنا أنه لم يزل يسرج حتى نزلنا بهم (٤) . [٢٤] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: قال سعيد بن عبد العزيز: أغزا معاوية الناس الصوائف وشتاهم بأرض الروم ست عشرة صائفة بها، وشتوا، ثم يقفل، ويدخل معقبتها، ثم اغترهم، فأغزاهم يزيد ابنه في جماعة من أصحاب رسول الله في البر والبحر، حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهلها على بابها، وقفل. قالوا فلم يزل معاوية على ذلك حتى مضى لسبيله (٥) . [٢٥] محمد بن عائذ، قال: نا الوليد بن مسلم، نا زيد بن ذعلبة البهراني، أن يزيد بن معاوية استخلف ابن مكرز على شاتيته سنة خمسين؛ يعني حين انصرف من غزو القسطنطينية في عهد أبيه معاوية (٦) . [٢٦] أبو عبد الله محمد بن عائذ، أنا الوليد، نا سعيد بن عبد العزيز، أن أبا مسلم الخولاني (٧) كان ممن شتى مع بسر بن أبي أرطأة، فأدركه أجله بها، فأتاه بسر في مرضه، فقال له أبو مسلم: اعقد لي على من مات معك من المسلمين في هذه الغزاة؛ فإني أرجو أن آتي بهم يوم القيامة على لوائهم. قال: ونا ابن عائذ، حدثني عبد الأعلى بن مسهر، عن سعيد بن

стр. 2817

عبد العزيز، أن أبا مسلم الخولاني قال لبسر بن أبي أرطأة – وقد حضرته الوفاة بأرض الروم -: اعقد لي على من مات ها هنا، قال: رجاء أن يبعث عليهم. قال: ونا ابن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: وقد أخبرني صاحب لنا يقال له أحمد بن الحسن، أنه بلغه أن معاوية بن أبي سفيان شتى بسر بن أبي أرطأة سنة إحدى وخمسين (١) . [٢٧] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: قال زيد: وفي سنة إحدى وخمسين غزا فضالة بن عبيد الأنصاري الشاتية (٢) . [٢٨] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، أخبرني صاحب لنا يقال له: أحمد بن الحسن، أنه بلغه أن معاوية بن أبي سفيان شتى عبد الرحمن بن أم الحكم سنة اثنتين وخمسين بأرض الروم (٣) . [٢٩] ابن عائذ، قال: قال الوليد: فأخبرني من سمع إسماعيل بن عبيد ابن نفيع أن معاوية أغزى عبد الرحمن ابن أم الحكم أرض الروم، وكان فيها، ووفّد ابن هرقل خصياً له يريد معاوية على الصلح، على أن تجعل له ضواحي أرض الروم، على أن يكف الجنود ولا يغزيهم، فأجابه معاوية إلى ذلك، فأرسل معه اثني عشر رجلاً من حرسه، نفيع أبو إسماعيل أحدهم، فانطلقوا مع الخصي حتى أتوا عبد الرحمن بكتاب معاوية برأيه، فخلى سبيل من كان معه من السبي، ونفذ رسل معاوية إلى ابن هرقل، فلما دخلوا عليه، وقرأ كتابه، جعل ينفخ، ويقول: اضطر معاوية، أرسلت إليه لا رجل ولا امرأة! أناأعطيه ضواحي الروم بخدعة! أنااعطيه ضواحي الروم! وقتل تسعة من الرسل، واستبقى نفيعاً وابنه، فحبسهم في سجنه، وبلغ معاوية الخبر، فأمر عبد الرحمن بالمقام بأرض الروم (٤) . [٣٠] قال: ونا ابن عائذ، قال: فأخبرني الوليد بن مسلم، عن زيد بن ذعلبة، قال: ثم شتا محمد بن عبد الله سنة ثلاث وخمسين (٥) .

стр. 2818

[٣١] ابن عائذ، أخبرني إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن يزيد (١) ، عن زيد بن أبي أنيسة (٢) ، عن عقبة بن رافع، قال: غزوت مع عمي الصائفة، وعلينا معن بن يزيد الخفافي (٣) - من أصحاب النبي [ (]-، فنزل منزلاً حتى أشفينا على أرض العدو، فقام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، فقال: يا أيها الناس إنا لا نريد أن نقسم الغُنْم والعلف وأشباه ذلك، فخذوا منه ما أحببتم فقد أحللناكم منه (٤) . [٣٢] قال: ونا ابن عائذ، نا الوليد، قال: قال زيد بن دعكنة: ثم شتا سفيان بن عوف سنة أربع وخمسين، قال: ونا ابن عائذ، قال: وحدثني عبد الأعلى، عن سعيد بن عبد العزيز: أن سفيان بن عوف، أو مالك بن عبد الله، شك سعيد، كان يركب الثقل وهو أمير الصائفة (٥) . [٣٣] محمد بن عائذ، نا الوليد، قال: وقد بلغنا أن سفيان؛ يعني ابن عوف، هلك، واستخلف عبد الرحمن بن مسعود (٦) ، يعني على الصائفة، قال أبو عبد الله ابن عائذ: فسمعت غير الوليد ينشد هذه الأبيات: أقمْ يا ابنَ مسعود قناةً صَليبة كما كان سفيان بن عوف يقيمها وسُمْ يا ابنَ مسعود مدائنَ قيصر كما كان سفيان بن عوف يسومها وسفيان قَرْمٌ من قروم قبيلة تُضيمُ وما في الناس حيّ يُضيمها قال: وأنا ابن عائذ، قال: فحدثني الوليد بن مسلم، عن زيد بن ذعبلة البهراني، أن ابن مسعود شتا سنة خمس وخمسين (٧) . [٣٤] قال ابن عائذ: فسمعت عبد الأعلى يحدث؛ قال: غضب معاوية على ابن مسعود في شيء، فقال له: هلا فعلت كما فعل سفيان بن عوف، فقال: يا أمير المؤمنين، وأين أنا من سفيان بن عوف، قال: عفونا عنك؛ بمعرفتك فضل سفيان، وقد قيل: إن المستخلَف عبد الله بن مسعود؛ المعروف بابن مسعدة، أخا عبد الرحمن (٨) .

стр. 2819

[٣٥] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: أخبرني إسماعيل، وغيره، أنه كان في كتاب معاوية إلى عبد الله بن قرط (١) ؛ بلغني كتابك في مواضع رايات الأجناد المعلومة، فهي على مواضعها الأولى، فإذا حضر أهل الشام جميعاً، فأهل دمشق وحمص ميمنة الإمام (٢) . [٣٦] قال ابن عائذ، قال: كان معاوية ولاه [أي عبدَ الله بن قرط] حمص، فحدثني سليمان بن عبد الحميد البهراني، قال: سمعت يوسف بن الحجاج (٣) ، يقول: سمعت جنادة بن مروان يقول: عن أشياخه، أن عبد الله بن قرط - وهو وال على حمص - خرج يحرس ليلة على شاطئ البحر، فلقيه ماثور الروم فقتله عند الموضع، الذي يسمى برج ابن قرط - وهو فيما بين بانياس ومَرَقيّة - (٤) . قال: وسمعت سليمان البهراني يقول: سمعت العلاء بن يزيد الثمالي يقول: سمعت أشياخنا من وأهل بيت يحدثون [كذا] : أن عبد الله بن قرط خرج يعسُّ - وهو وال على حمص - على شاطئ الساحل، فنام على فرسه لم يشعر حتى أخذته الروم فقتلته في هذا الموضع، يعني عند برج ابن قرط (٥) . [٣٧] ابن عائذ، ثنا الوليد، حدثني يعني ابن علاف (٦) ، عن يزيد بن عبيدة، قال: وفي سنة سبع وخمسين شتى يزيد بن شجرة أرض الروم (٧) . [٣٨] محمد بن عائذ، حدثني الوليد، عن زيد بن ذعلبة البهراني، قال: ولي مالك بن عبد الله سنة سبع وخمسين. وحدثني غير زيد أن مالك بن عبد الله الخثعمي (٨) شتى بالناس بأرض الروم سنة ست وخمسين بأرض الروم [كذا] . [٣٩] ابن عائذ، قال الوليد: حدثني منير بن الزبير (٩) ، عن عبادة بن مكي (١٠) ، أن مالكاً ولي الصوائف حتى سماه المسلمون مالك الصوائف. قال: ونا الوليد بن مسلم، حدثني ابن جابر، أن مالك بن عبد الله كان يلي الصوائف حتى عرفته الروم بذلك (١١) .

стр. 2820

[٤٠] قال بقي: وكتب إلي بكار بن عبد الله، عن محمد بن عائذ، قال: حدثني الوليد، قال: حدثني غير يزيد، قال: وفي سنة ثمان وخمسين شتى عمرو بن مرة (١) البذبذون (٢) ، وأغار الحصين بن نمير على صائفة الروم (٣) . [٤١] قال: وكتب إلي بكار بن عبد الله، عن محمد بن عائذ، عن الوليد، عن رجل، قال: وفي سنة تسع وخمسين شتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم (٤) . [٤٢] ابن عائذ، نبأنا الوليد، حدثنا ابن لهيعة، عن مسلم بن زياد (٥) ، عن سفيان بن سليم، أنه أخبره عن جنادة بن أبي أمية الأزدي (٦) ، أن معاوية كتب إليه يأمره بالغارة على جزيرة البحر بمن معه، وذلك في الشتاء بعد إغلاق البحر، فقال جنادة: اللهم إن الطاعة علي وعلى هذا البحر، اللهم أنا أسألك أن تسكنه، وتسيرنا فيه، فزعموا أنه ما أصيب فيه أحد انتهى (٧) . [٤٣] ابن عائذ، قال: قال محمد بن شعيب (٨) : نا نصر بن حبيب السلامي (٩) ، قال: كتب معاوية إلى مالك بن عبد الله الخثعمي، وعبد الله ابن قيس الفزاري (١٠) ؛ يصطفيان له من الخمس، فأما عبد الله فأنفذ كتابه، وأما مالك فلم ينفذه، فلما قدما على معاوية بدأه في الإذن وفضله في الجائزة، وقال له عبد الله: أنفذتُ كتابَك ولم ينفذه، وبدأتَه في الإذن وفضلته في الجائزة، فقال: إن مالكاً عصاني وأطاع الله، وإنك عصيت الله وأطعتني، فلما دخل عليه مالك، قال: ما منعك أن تنفذ كتابي؟ قال: ما كان أقبح بك وبي أن نكون في زاوية من زوايا جهنم؛ تلعنني وألعنك، وتلومني وألومك، وتقول لي: هذا عملك، وأقول: هذا عملك (١١) .

стр. 2821

[٤٤] ابن عائذ، نا إسماعيل بن عياش، عن عطية بن قيس (١) ، عن بعض من كان يلزم مالك بن عبد الله الخثعمي بأرض الروم، قال: أيقنته؛ فما وجدت منه ريحَ طيب في شيء من أرض الروم، حتى أجاز الدرب قافلاً، فذكرت ذلك له، قال مالك: وحفظتَ مني؟ قال: نعم، قال: ما كان يسوغ لي أنا أتطيب، لما يهمني من أمر رعيتي حتى سلمهم الله، فلما سلمهم الله وأمنت، تطيبت (٢) . [٤٥] ابن عائذ، نا عبد الأعلى بن مسهر، عن عقبة (٣) ، عن الأوزاعي (٤) ، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني (٥) ، عن أبيه، قال: غزونا مع مالك؛ فحاصرنا حصناً ففتحه الله، وأصيب رجل من المسلمين، فجعل الناس يهنؤونه، وهو يقول: يا ليت الرجل لم يقتل، ويا ليت الحصن لم يفتح، وكان صائماً لم يفطر، وأصبح صائماً والناس يعزونه، وهو يقول: يا ليت الرجل لم يقتل ويا ليت الحصن لم يفتح (٦) . [٤٦] ابن عائذ، نا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، عن مالك بن عبد الله، أنه كان معه يغزو، فإذا هو بشجرة الفاكهة، فضرب بسوطه، ثم قال:.. الفاكهة، ولا تقطعوا شجراً مثمراً؛ فإنه لكم منفعة في غزوكم قابل (٧) . [٤٧] ابن عائذ، سمعت محمد بن شعيب يحدث؛ أن مولى لمالك بن عبد الله دخل الحمام معه، وأنه نظر إلى كتاب في فخذ مالك؛ (مالك عدة لله) ، قال: فلما رآني أجمح نحوه، قال: ما تنظره، والله ما كتبه بشر (٨) .

стр. 2822

[٤٨] وكتب إلي بكار بن عبد الله، عن محمد بن عائذ، قال: وحدثنا غير الوليد بأمراء معاوية على الصوائف، فكتبت ذلك على ما سمعت ... من ذلك؛ ما حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن سعيد بن حنظلة (١) ، أن معاوية بن أبي سفيان أمّر عمرو بن معاوية العقيلي (٢) على الصائفة، فلما قدم سأله عما بلغ الخمس، فأخبره، فقال: أين هو؟ قال عمرو: تسألني عن الخمس - وأرى رجلاً من المهاجرين يمشي على قدميه لا أحمله - فقال معاوية: لا جرم، لا تنالها ما بقيت، قال: إذاً لا أبالي، وأنشأ يقول: وأتركُ أصحابي فما ذاك بالعدل تُهادي قريشٌ في دمشق غنيمتي ولا أبتغي طولَ الإمارة بالبخل ولستُ أميراً أجمعُ المال تاجراً فلستُ على مالي بمستغلق قفلي (٣) فإن يمسك الشيخ الدمشقي مالَه [٤٩] قال محمد بن عائذ، وحدثني إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن أبي حِسبة: أن عمرو بن معاوية العقيلي كان وهو على الجيش ينزل فيواسي أصحابه بسوق السبي والجزور والرمك (٤) ، مشمراً عن ساقيه (٥) . [٥٠] قال محمد، وحدثني مروان بن محمد، عن رشدين بن سعد (٦) ، عن الحسن بن ثوبان (٧) ، عن يزيد (٨) : أنه كان على أهل الشام منقلبه عبد الله بن قيس الفزاري، وعلى أهل مصر عوام اليحصبي، وعلى أهل المدينة عبد العزيز بن مروان، وعوام على الجماعة (٩) . [٥١] قال محمد، وحدثني مروان بن محمد، عن رشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، قال: قال يزيد: ففتح عبد الله بن قيس الفزاري منقبة في خلافة معاوية، فكانت غنائمهم يومئذ مائة دينار وأوقية تبر وقمقم صفر (١٠) ، قال: فلم أسأل مروان عن هؤلاء الأمراء الذين ذكر في الحديث الأول، أفي هذه الغزاة كانوا جميعاً، أم كانت هذه غزاة قبلهم؟ (١١) .

стр. 2823

[٥٢] قال محمد، وحدثني الوليد بن مسلم، قال: كان آخر ما أوصاهم به معاوية أن شدوا خناق الروم، فإنكم تضبطون بذلك غيرهم من الأمم. قال الوليد: مات معاوية في رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشر سنة ونصف سنة. قال محمد: وحدثني الواقدي؛ أن معاوية مات وهو ابن ثمان وسبعين (١) . [٥٣] قال محمد: قال الوليد بن مسلم: ولي يزيد بن معاوية، فغزا في ذلك العام مالكُ سورية (٢) . [٥٤] ابن عائذ، نا الوليد بن مسلم، نا يحيى بن حمزة (٣) : أن يزيد بن معاوية أغزى يزيد بن أسد (٤) أرض الروم،ففتح قيسارية أرض الروم (٥) ، وسبى منها خمسة وأربعين ألفاً (٦) . [٥٥] وكتب إلي بكار بن عبد الله، عن محمد بن عائذ، عن الوليد بن مسلم، قال: وفي سنة إحدى وستين كانت غزوة مالك بن عبد الله الصائفة؛ غزوة قونية (٧) . [٥٦] كتب إلي بكار، عن محمد بن عائذ، وكان الجوع فترك أهل الشام الغزو سنة ثمان وستين (٨) . [٥٧] كتب إلي بكار، عن محمد بن عائذ، قال: تخلف أهل الشام عن الغزو عام الردغة، فأخذ خمس أموالهم من العطاء سنة سبعين (٩) .

стр. 2824

[٥٨] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وأخبرني غير واحد أن طاغية الروم لما رأى ما صنع الله للمسلمين منعة مدائن الساحل [كذا] ، كاتب أنباط جبل لبنان واللكام، فخرجوا جراجمة فعسكروا بالجبل، ووجه طاغية الروم فلقط البطريق في جماعة من الروم في البحر، فسار بهم حتى أرساهم بوجه الحجر، وخرج بمن معه حتى علا بهم على جبل لبنان، وبث قواده في أقصى الجبل حتى بلغ أنطاكية وغيرها من الجبل الأسود، فأعظم ذلك المسلمون بالساحل حتى لم يكن أحد يقدر يخرج في ناحية من رحا ولا غيرها إلا بالسلاح. قال الوليد: فأخبرنا غير واحد من شيوخنا أن الجراجمة (١) غلبت على الجبال كلها من لبنان وسنير (٢) ، وجبل الثلج وجبال الجولان، فكانت باسبل مسلحة لنا في الرقاد، وعقربا الجولان مسلحة، حتى جعلوا ينادون عبد الملك بن مروان من جبل دير المران (٣) من الليل، حتى بعث إليهم عبد الملك بالأموال ليكفوا، حتى يفرغ لهم، وكان مشغولاً بقتال أهل العراق ومصعب ابن الزبير وغيره. قال: ثم كتب عبد الملك إلى سحيم بن المهاجر في مدينة أطرابلس يتوعده، ويأمره بالخروج إليهم، فلم يزل سحيم ينتظر الفرصة منهم، ويسأل عن خبرهم وأمورهم حتى بلغه أن (فلقط) في جماعة من أصحابه، في قرية من قرى الجبل، فخرج سحيم في عشرين رجلاً من جلداء أصحابه، وقد تهيأ بهيئة الروم؛ في لباسه وهيئته وشعره وسلاحه متشبهاً ببطريق من بطارقة الروم قد بعثه ملك الروم إلى جبل اللكام في جماعة من الروم، فغلب على ما هنالك، فلما دنا من القرية خلف أصحابه، وقال انتظروني إلى مطلع كوكب الصبح، فدخل على فلقط وأصحابه وهم في كنيسة يأكلون ويشربون، فمضى إلى مقدم الكنيسة فصنع ما يصنعه النصارى؛ من الصلاة والقول عند دخول كنائسها، ثم جلس إلى فلقط، فقال له: من أنت؟ فانتمى إلى الرجل الذي يتشبه به، فصدقه، وقال له: إني إنما جئتك لما بلغني من جهاز سحيم وما اجتمع

стр. 2825

به من الخروج إليك لأخبرك به، وأكفيك أمره إن أتاك، ثم تناول من طعامهم، ثم قال لفلقط وأصحابه: إنكم لم تأتوا ها هنا للطعام والشراب، ثم قال لفلقط: ابعث معي عشرة من هؤلاء من أهل النجدة والبأس حتى نحرسك الليلة، فإني لست آمن أن يأتيك ليلاً، فبعث معه عشرة، وأمرهم بطاعته، فخرج بهم إلى أقصى القرية، وقام بهم على الطريق الذي يتخوفون أن يدخل عليهم منه، فأقام حارساً منهم، وأمر أصحابه فناموا، وأمر الحارس إذا هو أراد النوم أن يوقظ حارساً منهم وينام هو، فحرس الأول، ثم أقام الثاني، ثم قام سحيم الثالث، ثم قال: أنا أحرس فنم، فلما استثقل نوماً قتلهم بذبابة سيفه رجلاً، رجلاً، فاضطرب التاسع، فأصاب العاشر برجله فوثب إلى سحيم، فاتحدا، وصرعه الرومي، وجلس على صدره، واستخرج سحيم سكيناً في خفة فقتله بها، ثم أتى الكنيسة، فقتل فلقط وأصحابه رجلاً، رجلاً، ثم خرج إلى أصحابه العشرين، فجاء بهم فأراهم قتله من قتل من الحرس، وفلقط، ومن في الكنيسة، ووضعوا سيوفهم فيمن بقي، فنذر بهم من بقي منهم، وخرجوا هراباً حتى أتوا سفنهم بوجه الحجر، فركبوها، ولحقوا بأرض الروم، ورجع أنباط جبل لبنان إلى قراهم (١) [٥٩] محمد بن عائذ، قال: وفي سنة ست وسبعين غزا عمرو بن محرز الأشجعي (٢) على الصائفة ففتح هرقلة (٣) . [٦٠] محمد بن عائذ، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: وفي سنة سبع وسبعين غزا الوليد بن عبد الملك وحضر فتح صملة (٤) . [٦١] ابن عائذ، قال: وفي سنة ثمان وسبعين غزا يحيى بن الحكم مرج الشحم (٥) . [٦٢] محمد بن عائذ، قال: وفي سنة إحدى وثمانين غزا عبيد الله بن مروان وفتح حصن سنان، وأصيبت الروم (٦) .

стр. 2826

[٦٣] ابن عائذ، قال: وفي سنة ثلاث وسبعين كانت غزوة محمد بن مروان (١) سبيسطة فواقع الروم فهزمهم. وفي سنة أربع وسبعين غزا محمد ابن مروان أندرلية (٢) . وفي سنة خمس وسبعين غزا محمد بن مروان الصائفة (٣) . وفي سنة ثلاث وأربع وثمانين غزا عبد الله بن عبد الملك (٤) الصائفة، وغزا محمد بن مروان فواقع الروم وأهل أرمينية، فهزمهم الله. وفي سنة خمس وثمانين غزا محمد بن مروان أرمينية فسار فيها وتطرف. وفي سنة ست وثمانين غزا محمد بن مروان الشاتية، فأصيب الناس بالمصيصة. وفي سنة سبع وثمانين غزا محمد بن مروان أرمينية (٥) .

стр. 2827

[٦٤] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: فأخبرني الليث - يعني الفارسي - (١) وغيره من أهل مدينة أطرابلس: أن الروم هربت من جبل لبنان، ثم لم تخرج في البحر في زمان عبد الملك، حتى خرجت في سفنها إلى مدينة أطرابلس؛ خرجت في سفن كثيرة، حتى خرجت على وجه الحجر، فجعلت على عقبة وجه الحجر (٢) خمسين سفينة، وأمرهم أن يأخذوا بالعقبة، فيمنعوا الغوث والمدد، أن يجيروهم، وجعلوا بينهم وبين فتحهم مدينة أطرابلس، والقفول إذا رأوا النار ظاهرة في مدينة أطرابلس، أقبلوا إليهم، ليقفلوا جميعاً، ومضى صاحبهم بجماعة سفنه حتى أتى أطرابلس، ووافى كل أهلها غزاة في البحر ليس فيها إلا نفر يسير، وفيهم سحيم بن المهاجر، وليس بوال عليها، ففزع إليه الوالي، فأمر منادياً، لا يظهرن أحد منكم على الحائط فيرهبكم كثرتهم، وتجرؤهم عليكم قبلتكم، والصلاة جامعة، فاجتمعوا في المسجد، فأمرهم فعدوا مقاتلتهم فوجدوهم خمسين ومائة مقاتل، سوى أهل السوق وضعفة الناس، وأمر ببروجها وما بين كل برجين من الشرفات فحسب، ثم فرق من فيها على كل برج بحصته وعدة من يكون بين كل برجين، ومن يقوم على باب الميناء، ومن يكون على بابها في البحر، فاستقل عدة المقاتلة، فأمر بألوان الثياب فأتي بها، فألبس جماعة فشحن البرج وما بينه وبين الآخر من الشرفات، فلبسوا ألوانا من الثياب، وعقد لرجل منهم، وأمرهم أن يذهب بهم جميعاً حتى يظهر على برج ويقيمهم على الشرفات، فإذا رأوهم، وعلموا أنهم قد شحنوا ذلك البرج بالرجال قاموا ملياً، ثم يثبت عدة منهم قياماً، ويحبس البقية فيرجعوا اليه، فشحن البرج الثاني لوناً آخر من الثياب جماعة، وعقد لرجل منهم، وأمره فصنع مثل ما صنع أهل البرج الأول، حتى شد بروجه رأي العين، فاستقصد من استقصد للباب والميناء، ونزلت الروم فيما بين الميناء الى النهر، نحواً من ثلاثة أميال، ثم أقبلت إلى ما يلي من البر، ووجه

стр. 2828

المقابل فحفروا خندقاً لهم، وبنوا دون الخندق حائطاً يسترهم من النشاب والمجانيق، فقاموا خلفه، ودنت طائفة بالدبابات حتى لصقوا ببرجها الشرقي، فنقبوا وغلقوه، فوافى نقبهم دواميس من عمل الروم تحت المدينة يدخل بعضها الى بعض لا منفذ لها الى المدينة، فتحيروا فتركوه، وأقبل عبد الرحمن بن سليم الكلبي (١) من بيروت، وكان والياً على جماعة ساحل دمشق، بالخيول مغيثاً فوافى الذين على العقبة، فمنعوه من الإجازة، وأقبل أهل حمص في ستة آلاف، عليهم الصقر بن صفوان، حتى نزلوا مرج السلسلة، ووافى جماعة من الروم على عقبة السلسلة، وخرجت طائفة من الروم إلى كنيسة أطرابلس إلى خارج منها، ليصلوا فيها، فمروا بكنيسة اليهود، فحرقوها، فلما رأى ذلك الذي على عقبة وجه الحجر من النار أقبلوا على أصحابهم، وخلوا العقبة، حتى اتوا أصحابهم، وقد أسروا أهل المدينة بطريقاً يناسب طاغيتهم فهو في أيديهم، فأعظموا ذلك، وبعث عبد الرحمن الكلبي حين اجتاز العقبة سعيد الحرشي (٢) وكان ديوانه يومئذ بدمشق إلى أهل أطرابلس يعلمهم مجيئهم، فأشرف على نشز من الأرض، فرآه أهل المدينة، فأومأ إليهم بفتح باب المدينة، وشد على صف الروم فخرقه، ودخل المدينة، فبشرهم بعبد الرحمن بن سليم ومن معه، وبعث الروم إلى عبد الرحمن ألا نجيزك إلى المدينة، على ان ترد إلينا صاحبنا، ونرحل عنك، قال: ففعل، على أن لا يغيروا على شيء من أرض المسلمين في عامهم هذا، فرحلوا ومضوا (٣) .

стр. 2829

[٦٥] وثنا ابن عائذ، أنبأنا الوليد، قال: وأنبأنا غير واحد من مشيختنا: أن محمد بن مروان لم يزل والياً لعبد الملك على الجزيرة وأرمينية، يقاتل خوارج الجزيرة، وأهل جبال أرمينية وخزر ومن يليهم من تلك الأمم، حتى توفي عبد الملك، وولى ابنه الوليد بن عبد الملك الخلافة، فدعا إلى عزل محمد بن مروان والولاية إلى عمله من الجزيرة وأرمينية، فلم يقدم عليه أحد منهم، فأجابه إلى ذلك مسلمة بن عبد الملك، فسار إليها، وغزا كل من كان بالباب من الأتراك، فحاصرهم ورماهم بالمنجنيق، حتى فتحها الله، فأخرج أهلها، وثلم حائطها (١) . [فتح حصن الطوانة] (٢) [٦٦] محمد بن عائذ، قال: وأخبرني الوليد، قال: وحدثني من أصدق حديثه من مشيخة قريش: أنه بلغه أن الوليد بن عبد الملك لما عزم على غزو الطوانة،كاتب طاغية الروم بكتب أمر صاحب أرمينية أن يكتب بها إليه؛ مما اجتمعت به خزر من غزوة وقلة من معه وكثرة من يتخوفه من خزر ومن تأشب إليهم من ملوك جبال أرمينية ومن فيها من الأمم المخالفة للإسلام، ففعل ذلك صاحب أرمينية، وتابع كتبه، وقطع الوليد البعث على أهل الشام إلى أرمينية، وأكثفه، وجهزه، وقواه، واستعمل عليه مسلمة بن عبد الملك، وأعانه بالعباس بن الوليد (٣) ، حتى يبلغ من جهازهم ما يريد، ثم سيرهم إلى الجزيرة، ثم أعطفهم إلى أرض الروم، ثم أمرهم بالنزول على الطوانة.

стр. 2830

قال: ونا الوليد، قال: فأخبرني غير واحد ممن أدرك تلك الغزاة: أن الشتاء أكب على مسلمة ومن معه من المسلمين، حتى نفق عامة الظهر، وعرض لكثير منهم البطن، وتهتكت الأبنية من الجليد والثلج، فحفر المسلمون لأنفسهم الأسراب؛ يبيتون فيها ليلاً، ويظهرون نهاراً، حتى دعا ذلك أهل الطوانة الكتاب إلى طاغيتهم؛ يخبرونه بحالهم، وأنهم ينتظرون مادة وميرة تأتيهم، فإن كانت لك بنا حاجة فالآن، قبل أن يأتيهم المدد والميرة. قالوا: وكادوا المسلمين عند كتابهم، والبعثة به؛ بإخراج كلابهم ليلاً، فأخرجوا منها عدة كثيرة، وأخرجوا رجلين قد ألبسوهما جلود الكلاب بحيوان معهما، حتى نفذ أو سقط كتاب أحدهما، وأتى به مسلمة، ومضى رسولاهما إلى الطاغية، فخرج معيناً لهم نحو من مائة ألف، بالعدد والقوة والحبال والجوامع وبالعجل تحمل الأسواق والطعام، فبلغ مسلمة فأحضر كل فارس بقي فرسه وولى عليهم العباس بن الوليد، وأمره بمواجهتهم إذا هم قدموا، وثبت هو على دابته مع رجال العسكر وجماعتهم، مما يلي باب الطوانة. قال: وتقدم مقدمة الطاغية بحجرته ليضربوها ويعسكر بجنوده حولها، فهم عباس بالشدة على مقدمتهم، فقال مسلمة: لا تفعل حتى يتّاموا، فإذا انهزموا لم يكن لهم باقية، ولا فئة تلجأ منهزمتهم إليها، فقال العباس: تتركهم حتى تصير منهم ومن أهل الطوانة كالجالس بين لحيي الأسد، ثم بين عسكرين!! فحمل عليهم بمن معه من جنود المسلمين وفرسانهم، فقال مسلمة: اللهم إنه عصاني وأطاعك فانصره، فمضى عباس، وهزمهم الله، وولوا يقصف بعضهم بعضاً، حتى دفعوا إلى طاغية الروم وجماعة من جمعه، فثبت، ولجأت إليهم المنهزمة، فاقتتلوا قتالاً شديداً.

стр. 2831

قال: أخبرني الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن المبارك: أنه أخبره، عن بعض مشايخ أهل الشام: أن عباساً لما استأخر عنه النصر، ورأى من ثبات الروم ما رأى، قال: يا ابن محيريز (١) ، أين الذين كانوا يلتمسون الشهادة؟ نادهم يأتوك، قال: يا أهل القرآن، يا أهل القرآن، فأتوه سراعاً، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وهزم الله الطاغية وجماعة من كان معه. قال: ونا الوليد، قال: فأخبرني شيخ من الجند، عن شيخ من آل مسلمة شهد ذلك: أن العباس استأذن مسلمة أن يشد عليهم بجنده من أهل حمص ومن انتدب معه، فكان من هزيمتهم ما كان، ومضى العباس في طلبهم، حتى لقي الطاغية معه البطارقة وأبناء ملوكهم، وهو يسير في قباب الريحان، يجرها العجل، فشد عليهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقتل جماعة من المسلمين؛ منهم: أبو الأبيض العنسي (٢) ، ثم إن الله هزمهم، وقتل منهم بضعة وثلاثين ألفاً وأسر أبناء الملوك والبطارقة، فأقبل بهم حتى أتى بهم مسلمة وجماعة المسلمين، فأوقفوهم على أهل الطوانة بعد ذلك، ففتّ في أعضادهم، وكان سبب فتحها، لانسلاخ ثمان وثمانين. فبلغ سهام المسلمين مائة دينار مائة.

стр. 2832

قال: وأخبرني الوليد، قال: فأخبرني من شهد ذلك من المشيخة، أو من أخبره من شهدها: أن الذين ثبتوا مع مسلمة لما أبطأ عليهم خبر العباس جعلوا يلتفتون إلى ناحية الدرب، فقال لهم مسلمة: ها هنا ارفعوا إلى الله، فمنه يأتي النصر والمدد، قالوا: فانطلق عباس ومن معه من المسلمين يقتلونهم، حتى أدركوا جماعة، وقد لجأت إلى كنيسة عظيمة، فغلقت عليها بابها، وامتنعت، وبات عباس عليها ومسلمة وأهل العسكر قد رأوا ما كان من هزيمتهم، ولا يدرون ما صنع العباس ومن معه، فباتوا في هم من ذلك، حتى أصبحوا، ففتح الله على العباس الكنيسة عنوة، وقفل عباس بالخيول، فلما رأى أهل الطوانة صنع الله، وفتحه للمسلمين، بعث بطريقها إلى مسلمة قد رأينا فتح الله لكم، ونحن نخيركم بين أن تخلوا سبيلي وسبيل ثلاثمائة بطريق بأهالينا وأولادنا، ونفتح لكم المدينة بمن فيها، وبين أن نسايركم، فإن عندنا من الطعام والإدام ما يكفينا سنة، وإلى سنة قد كانت لنا حال، فأجابه إلى ذلك، وصالحه عليه، وفتح له المدينة، وخلا سبيله وسبيل بطارقته ثلاثمائة، ووجد فيها ستين ألف نفس بين صغير وكبير. قال الوليد: وقدم رباح الغساني بالمدد والميرة، وقد فتح الله على المسلمين (١) . [٦٧] ابن عائذ، قال: قال الوليد بن مسلم: لما تأخر من تعجيل الوليد ابن عبد الملك بالمدد والميرة عليهم، يعني جيشه الذي بعثه مع مسلمة لفتح الطوانة حتى أباح عليهم النساء؛ فإنه قطع.. وجهز خيلاً وإبلاً بغالاً وحميراً بالميرة وولى على الدخول به أحد بني شريك قرة من أهل قنسرين، فسار حتى بلغ ما منعه من المضي من الثلج، فكتب إلى الوليد يخبره بذلك، وأن الدرب قد انغلق فلم يجد فيه منفذاً، فعزله الوليد، واستعمل رياح الغساني، وأمره أن يلبس الثلج بالجواميس والبقر طالي فيها حتى يأتيهم [كذا] ، أو يهلك فمضى ثم فعل ذلك (٢) .

стр. 2833

[٦٨] قال محمد بن عائذ: أخبرنا الوليد بن مسلم، حدثني إسماعيل بن عياش: أن رجلاً من الجيش أتى أبا الأبيض العبسي بدابق قبل نزولهم على الطوانة، فقال رأيت في يدك قناة فيها سنان يضئ لأهل العسكر كضوء كوكب، فقال: إن صدقت رؤياك إنها للشهادة، قال: فاستشهد في قتال أهل الطوانة. قال ابن عائذ: فحدثني محمد بن يحيى الثقفي: أن أبا الأبيض قال هذه الأبيات: ألا ليت شعري هل يقولن قائل وقد حان منهم عند ذاك قفول تركنا ولم نُجْنِنْ من الطير لحمَه أبا الأبيض العبسي وهو قتيل فَعُرِّيَ أفراسي ورنَّت حليلتي كأن لم تكن بالأمس ذاتَ حليل وذي أمل يرجو تراثي وإنَّ ما يصير له منه غدا لقليل وما لي تراث غيرُ درع حصينة وأجردُ من ماء الحديد صقيل وقيل: إن أبا الأبيض خرج مع العباس بن الوليد في الصائفة، فقال أبو الأبيض: رأيت كأني أتيت بتمر وزبد فأكلته، ثم دخلت الجنة، فقال العباس: نعجل لك الزبد والتمر، والله لك بالجنة، فدعا له بتمر وزبد، ثم لقي أبو الأبيض العدو، فقاتل حتى قتل. قال الليث: وفي سنة ثمان وثمانين غزا مسلمة وعباس بن أمير المؤمنين طوانة. قال الوليد بن مسلم: حدثني من أصدق: أن الوليد لما عزم على غزو الطوانة، فذكر القصة قال: وقُتل أبو الأبيض العبسي (١) . [٦٩] وفي سنة تسعين غزا العباس بن الوليد الصائفة. وفي سنة إحدى وتسعين غزا الصائفة العباس، وأصاب للروم سرحاً وعلاقة. وفي سنة اثنتين وتسعين غزا العباس الصائفة. وفي سنة ثلاث وتسعين غزا العباس بن الوليد الصائفة اليسرى، وغزا مروان بن الوليد (٢) الصائفة الأخرى. وفي سنة أربع وتسعين غزا العباس بن الوليد الصائفة اليسرى؛ فافتتح هرقلة. وفي سنة خمس وتسعين غزا العباس الصائفة فافتتح حصوناً (٣) . [٧٠] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد بن مسلم: وفي سنة اثنتين وتسعين افتتح عثمان بن حيان (٤) سطبة وما يليها من الحصون (٥) .

стр. 2834

[٧١] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وفي سنة أربع وتسعين غزا العباس بن الوليد الصائفة اليسرى، وعمر بن الوليد (١) الصائفة اليمنى، ولم يكن لأهل الجزيرة ذلك العام غزوة (٢) . [٧٢] ابن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: بلغني أن أول غازية البحر من المسلمين من الموالي موسى بن نصير (٣) ، فوليه غزوات في خلافة معاوية، قال: ثم ولَّى عبد الملك بن مروان ابنَ كيسان؛ مولى جذام، وكان منزله عكا، وبها عقبه، قالوا: فلما ولي الوليد بن عبد الملك ولَّى غازية البحر ثلاثة نفر من الموالي؛ سحيم بن المهاجر (٤) ، وأبا خراسان (٥) ، وسفيان الفارسي (٦) ، قالوا: فلما ولي سليمان بن عبد الملك ولَّى حظي بن أبي كثير الجذامي؛ مولاهم، من أهل حرستا (٧) . [٧٣] قال محمد بن عائذ: حدثنا الوليد، قال: حدثني الليث بن تميم الفارسي أن سفن المسلمين كانت متفرقة في ساحل الشام، فكانت طائفة منها باللاذقية بساحل حمص، وعليها سفيان الفارسي، وطائفة منها بأطرابلس ساحل دمشق، أو قال ببيروت، وعليها أخي أبو خراسان الفارسي، وكان أيَّما رجل في كماله وبأسه، قال سليمان بن أبي كريمة: ما رأيت مثله من رجال فارس، فلم يزل الأمر كذلك حتى ولي الأمر عمر بن هبيرة، فعزل سفيانُ الفارسي أبا خراسان وصاحبَ عكا عما كانوا يلون من ذلك، حملهم معه في مركبه لئلا يكون لهم الذكر دونه، وولى عليها رجالا غيرهم.

стр. 2835

قال الوليد: وأخبرني الليث أن ولاة غازية البحر في زمان الوليد بن عبد الملك؛ سحيم، وأبو خراسان، وسفيان، فكان سفيان الفارسي على سفن حمص بمدينة اللاذقية، وأبو خراسان على سفن دمشق بمدينة طرابلس، وسفن الأردن وفلسطين بعكا، فلما ولي سليمان بن عبد الملك ولَّى على جماعة سفن المسلمين من أهل الشام ومصر وإفريقية ألف سفينة عمرَ بن هبيرة الفزاري، فعزل عمرُ بن هبيرة هؤلاء النفر عن ولايتهم، وولى على ذلك غيرَهم من رجال العرب (١) . [٧٤] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد بن مسلم: ولما بويع الوليد غزا مسلمة الصائفة، فافتتح حصن قونس؛ سنة ست وثمانين. وفي سنة سبع وثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة بمواليه، فأخبرني الوليد، حدثني شيخ من أهل الجند، عن مَنْ شهد الطوانة من آل مسلمة، أن مسلمة كان على جماعة الناس سنة ثمان وثمانين. وفي سنة تسع وثمانين خرج مسلمة الصائفة شهرين (٢) . وفي سنة اثنتين وتسعين غزا مسلمة من قبل الجزيرة ففتح ملامسة وبرجمة (٣) والحديد. وفي سنة ثلاث وتسعين خرج مسلمة من قبل الجزيرة. قال الوليد: وبويع لسليمان، وفي ذلك العام غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة فافتتح هرقلة وطميم وحصونا ثلاثة معها. وفي سنة سبع وتسعين غزا مسلمة في البر، وغزا ابن هبيرة في البحر، وفتح مسلمة برجمة وسردة وحصوناً ثلاثة معها. قال الوليد: فحدثني بعض المشيخة: أن سليمان بن عبد الملك في سنة ثمان وتسعين نزل بدابق، وكان مسلمة على حصار القسطنطينية (٤) . [٧٥] ابن عائذ، قال: فحدثنا الوليد بن مسلم، قال: فحدثني بعض المشيخة أن سليمان بن عبد الملك في سنة ثمان وتسعين نزل بدابق، وأغزا على صائفة الجزيرة عبد الله بن عمر بن الوليد، وداود بن سليمان، فافتتح حصن المرأة، وحصن الأحرب، وكان مسلمة على حصار القسطنطينية في ذلك العام (٥) . [غزو القسطنطينية في عهد سليمان]

стр. 2836

[٧٦] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: فحدثني بعض شيوخنا: أن مسلمة بن عبد الملك عقد للبطال على عشرة آلاف من المسلمين فجعلهم سيارة فيما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم ومن يتخوفون اعتراضه في سير المسلمين وعلاقاتهم، ويخرج المسلمون يتعلفون فيما بينهم وبين العسكر، فيصيبون ويخطئون، فيأمن بهم العسكر وتلك العلافات (١) . [٧٧] ابن عائذ، نا الوليد، قال: وأخبرني غير واحد، قالوا: لما قطع مسلمة (٢) الدربَ، وأفضى إلى ضواحي أرض الروم، أتاه كتاب ليون بن قسطنطين - وهو عامل لصاحب القسطنطينية على الضواحي - إلى مسلمة يعلمه ولاية من يلي، وأنه إن أعطاه ما يسأله قدم عليه فناصحه وقواه على فتحها، فقرأ مسلمة كتاب إليون على الأمراء وأهل مشورته، فاجتمع رأيهم جميعاً على إجابته إلى ما سأل، وسكت مسلمة بن حبيب بن مسلمة (٣) - وهو أمير جند دمشق - فقال مسلمة بن عبد الملك: أيها الشيخ مالكَ لا تتكلم؟ فقال: إن رسول الله (ذكر الروم، فقال: أصحاب صحر ونحر ومكر، وهذه إحدى مكرهم، فلا تعطه إلا السيف، فتضاحك به أمراء الأجناد، وقالوا: كبر الشيخ، وقالوا: ما عسى أن يكون عند ليون مع هذه الجموع؟! فكتب إليه مسلمة بأمانه على ما سأل، فقدم في اثني عشر ألفاً من أساورته، فكاتبه على مناصحته ومظاهرته على الروم، ودلالته على ما فيه سبب فتح القسطنطينية، على بطرقته وتمليكه على جماعة الروم الذين يؤدون الجزية؛ كبطريق جرزان (٤) ، وأرمينية، فكاتبه على ذلك وأشهد عليه، وذكر الحديث في خديعة ليون مسلمةَ، حتى جمع غلال ما حول القسطنطينية وإشارته عليه بالخروج إلى بعض الوجوه، ومكاتبة ليون الروم ليملكوه عليهم ويخلي بينهم وبين حمل الغلال، حتى كان ذلك سبب رحيل مسلمة عن القسطنطينية (٥) .

стр. 2837

[٧٨] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: وفي سنة سبع وتسعين غزا مسلمة في البر وغزا ابن هبيرة في البحر. قال الوليد: حدثني الليث السامي، قال: غزونا القسطنطينية مع مسلمة سنة سبع وتسعين، وعلى جماعة الناس مسلمة بن عبد الملك، وعلى أهل البحر عمر بن هبيرة الفزاري (١) ، فكنت فيمن غزا مع عمر، فلما هبطنا على المسلمين صفوا لقتال أهل القسطنطينية صفين،لم أر صفين قطُّ أطولَ منهما (٢) [٧٩] ابن عائذ، حدثنا الوليد، قال: قال الليث: كنت ممن غزا على اسمه وعطائه بفيء عمر بن هبيرة، إذ ولاه سليمان غازية البحر، رافقت أخي أبا خراسان في مركب، فسار بنا عمر حتى مررنا بأهل مصر، فتبعونا ومضينا حتى أتينا أطرابلس أفريقية، وعلونا أرض الروم حتى إذا حاذتنا القسطنطينية سرنا في بحر الشام حتى دفعنا إلى خليج القسطنطينية، فخرجنا في الخليج على باب القسطنطينية، لنجيز إلى مسلمة ومن معه من المسلمين، وصف مسلمة من معه من المسلمين صفاً لم أر قط أطول منه، مع الكراديس (٣) الكثيرة، وجلس ليون طاغية الروم على برج باب القسطنطينية وبروجها، ويصف منهم رجاله فيما بين الحائط والبحر صفاً طويلاً بحذاء صف المسلمين، وأظهرنا السلاح في ألف مركب؛ بين محرقات وقوادس، فيها الخزائن من كسوة مصر وما فيها مما إليه، والمعينات (٤) فيها المقاتلة، قال الليث: فما رأيت يوماً قط كان أعجب منه، لما ظهر من عدونا في البر والبحر، وما أظهرنا من السلاح، وما أظهر طاغية الروم على حائط القسطنطينية، وصفهم ذلك والعدة، ونصبوا المجانيق والعرادات، فتكبر المسلمون في البر والبحر، ويظهر الروم قبلها قريا السين [كذا] لكعّ ابن هبيرة وجماعة من معه من السفن عن الإقدام على باب المينا، لما هابته على أنفسها، فلما رأت ذلك الروم، خرج إلينا من باب مينائهم معينات، أو قال محرقات، فمضى مركب منها إلى أدنى من يليه من مراكب المسلمين

стр. 2838

، فألقى عليه الكلاليب بالسلاسل فاجتره حتى أدخله بأهله القسطنطينية، فأسقط ذلك في أيدينا، وخرجوا إلى مركب ليفعلوا ذلك به، فجعل ابن هبيرة يتجسر، ويقول: ألا رجل! فقام إليه أبو خراسان فقال: هذا أنا رجل، ولكنك صيرتني في المركب معك لبعض من لا غنى عنده، فقال له ابن هبيرة: فمر بما ترى ومر بما تحب، فأشار إلى مركب من الفرس يعرفهم بالشدة والبأس، فقال: ابعثني في قارب أنا وأخي، ومرهم بطاعتي، ففعل، فأمر أبو خراسان لنوتي المركب أن يوجهه إلى ذلك المركب الذي ذهب بالمسلمين، فكع عنه النوتي، فأشار إليه أبو خراسان بالسيف، فمضى به حتى ألصق المركب بمركبهم، ثم سار أبو خراسان حتى أوثقهما بسلسلة، لئلا يفر أحدهما عن صاحبه، قال: فاجتلدنا بأسيافنا فيما بين السفينتين، فرزقنا الله الظفر، فدخلنا سفينتهم، ووضعنا السيف فيهم، فانتهينا إلى قومس السفينة الذي فعل ما فعل، وقد ألقى بيضته، وجثا على ركبتيه شيخ أصلع فضربه صاحب لنا ضربه لم تغن شيئا، وتقدم إليه أبو خراسان فضربه ضربة شق منها هامته حتى نظرت إلى السيف قد أجاز إلى الذقن، إلى الحنجرة وما يليها، واستسلم من بقي منهم فقدناها إلى من يلينا من المسلمين، ورجعنا إلى من كان منهم، فدخلوا الميناء، ووقف أبو خراسان موقفاً حسناً يأمن به من فر منا إلى مسلمة ومن يليه، حتى مروا من آخرهم لم يصب منهم إلا ذلك المركب الأول، حتى انتهينا إلى مسلمة ومن معه، فأخذناهم إلى الخليج إلى السقع الذي على باب القسطنطينية، والبحر أو قال الخليج محيط بها إلا مما يلي برها، فعسكر عليه مسلمة، وكنا في سفننا مرسيين على ساحلها مما يلي العسكر؛ يخرج من سفننا عمر بن هبيرة وغيره إلى مسلمة ومن أردنا من أهل العسكر، ويأتينا أهل العسكر فيدخلون علينا في سفننا (١) .

стр. 2839

[٨٠] محمد بن عائذ، عن الوليد، قال: فحدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أن مسلمة أرسل البطال (١) ، وأبا زرعة اللخمي، وسمى ابن جابر آخر، إلى ليون - يعني المتملك على الروم - أين ما كنت عاهدت الله عليه من النصيحة لنا وإدخالنا إياها؟ فأذن لهم، فدخلوا عليه، فعرفهم، فقال: لئن ظن مسلمة أني أبيع ملك الروم بالوفاء له لبئس ما ظن، وقد رأيت أن أفي له بما يستقيم؛ أصنع له طعاماً وحماماً، فيدخل هو ومن أحب من أصحابه الحمام، ويصيب الطعام، ثم ينصرف راشداً، فقال: إن هذا لغير كائن، وإنا لنقول: إن الله قد أحاط بكم، ولسنا نبرح دون صغار الجزية، أو يدخلناها الله عنوة، فقال: إن دون ذلك لصغاراً وقتالاً شديداً، وكم عسى أن تصبروا؟ فقالوا: نصبر، ولا بد لطعامك الذي عددت فيه أن يعفن، فقال: أو ما ترى كيف دبرته؟ لم أدخله بيتاً ولا هُرِّياً مخافة عليه، فأما هذه السنة فنطحن ما طحنا ونأكل ما أكلنا ويفسد منه ما فسد، وإذا كان قابل أمرت به فطحن من آخره، أكلنا منه ما أكلنا ويفسد منه ما فسد، فإذا كان العام الثالث أمرنا فخبز خبز القرابين فأكلناه حتى نأتي على آخره، فهذا إلى ثلاث سنين ما قد كان أمر يحول بينكم وبين ما تريدون، ودعا بغدائه، فغداهم من كل الألوان، وآتاهم من كل الطرائف، ثم أقبل عليهم، ثم قال: نحن فيما تقولون من الحصار والأزْل (٢) نأكل مما ترون، فادعوا بما شئتم وتشهوا علينا، فقال البطال: أمر يسير عليك خفيف مؤنته؛ تدعو لنا به، قال: ما هو؟ قال: كفاً من تراب من خلف الخندق، فقطب، وغضب، وأمر بهم فخرجوا، وأتوا مسلمة بمقالته (٣) .

стр. 2840

[٨١] محمد بن عائذ، ثنا الوليد، قال: فحدثني أبو سعيد مولى محمد بن عمر المعيطي: أن مسلمة كان يقوت المسلمين من ذلك الطعام، وأنه سأل أناساً من جلسائه عن حال العامة في مطعمهم، فأخبروه أن الناس في شدة من عيشهم؛ يقوتون أنفسهم بخزيرة (١) ، يكللون أنفسهم بها نهارهم وليلهم، فقال: وما الخزيرة؟ يا غلام، اصنع لنا خزيرة، فصنعها بقديد و...وتابك [كذا] وهيأ منها، وقدمها إليه، فأكل واستطابها، وقال: إن الناس بعد لفي خير وعافية، الصبر بركة، قال أبو سعيد: وقد جهد الناس عامة، وإنما يأكل الخزيرة منهم أهل القوة، وبقيتهم فيما لا يصفه واصف من أكل توافق الدواب، وأشباه ذلك، حتى لقد ذكر له أن قوماً أكلوا ميتاً لهم (٢) .
следующие страницы →