← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

[٧٦] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: فحدثني بعض شيوخنا: أن مسلمة بن عبد الملك عقد للبطال على عشرة آلاف من المسلمين فجعلهم سيارة فيما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم ومن يتخوفون اعتراضه في سير المسلمين وعلاقاتهم، ويخرج المسلمون يتعلفون فيما بينهم وبين العسكر، فيصيبون ويخطئون، فيأمن بهم العسكر وتلك العلافات (١) . [٧٧] ابن عائذ، نا الوليد، قال: وأخبرني غير واحد، قالوا: لما قطع مسلمة (٢) الدربَ، وأفضى إلى ضواحي أرض الروم، أتاه كتاب ليون بن قسطنطين - وهو عامل لصاحب القسطنطينية على الضواحي - إلى مسلمة يعلمه ولاية من يلي، وأنه إن أعطاه ما يسأله قدم عليه فناصحه وقواه على فتحها، فقرأ مسلمة كتاب إليون على الأمراء وأهل مشورته، فاجتمع رأيهم جميعاً على إجابته إلى ما سأل، وسكت مسلمة بن حبيب بن مسلمة (٣) - وهو أمير جند دمشق - فقال مسلمة بن عبد الملك: أيها الشيخ مالكَ لا تتكلم؟ فقال: إن رسول الله (ذكر الروم، فقال: أصحاب صحر ونحر ومكر، وهذه إحدى مكرهم، فلا تعطه إلا السيف، فتضاحك به أمراء الأجناد، وقالوا: كبر الشيخ، وقالوا: ما عسى أن يكون عند ليون مع هذه الجموع؟! فكتب إليه مسلمة بأمانه على ما سأل، فقدم في اثني عشر ألفاً من أساورته، فكاتبه على مناصحته ومظاهرته على الروم، ودلالته على ما فيه سبب فتح القسطنطينية، على بطرقته وتمليكه على جماعة الروم الذين يؤدون الجزية؛ كبطريق جرزان (٤) ، وأرمينية، فكاتبه على ذلك وأشهد عليه، وذكر الحديث في خديعة ليون مسلمةَ، حتى جمع غلال ما حول القسطنطينية وإشارته عليه بالخروج إلى بعض الوجوه، ومكاتبة ليون الروم ليملكوه عليهم ويخلي بينهم وبين حمل الغلال، حتى كان ذلك سبب رحيل مسلمة عن القسطنطينية (٥) .

стр. 2837

[٧٨] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: وفي سنة سبع وتسعين غزا مسلمة في البر وغزا ابن هبيرة في البحر. قال الوليد: حدثني الليث السامي، قال: غزونا القسطنطينية مع مسلمة سنة سبع وتسعين، وعلى جماعة الناس مسلمة بن عبد الملك، وعلى أهل البحر عمر بن هبيرة الفزاري (١) ، فكنت فيمن غزا مع عمر، فلما هبطنا على المسلمين صفوا لقتال أهل القسطنطينية صفين،لم أر صفين قطُّ أطولَ منهما (٢) [٧٩] ابن عائذ، حدثنا الوليد، قال: قال الليث: كنت ممن غزا على اسمه وعطائه بفيء عمر بن هبيرة، إذ ولاه سليمان غازية البحر، رافقت أخي أبا خراسان في مركب، فسار بنا عمر حتى مررنا بأهل مصر، فتبعونا ومضينا حتى أتينا أطرابلس أفريقية، وعلونا أرض الروم حتى إذا حاذتنا القسطنطينية سرنا في بحر الشام حتى دفعنا إلى خليج القسطنطينية، فخرجنا في الخليج على باب القسطنطينية، لنجيز إلى مسلمة ومن معه من المسلمين، وصف مسلمة من معه من المسلمين صفاً لم أر قط أطول منه، مع الكراديس (٣) الكثيرة، وجلس ليون طاغية الروم على برج باب القسطنطينية وبروجها، ويصف منهم رجاله فيما بين الحائط والبحر صفاً طويلاً بحذاء صف المسلمين، وأظهرنا السلاح في ألف مركب؛ بين محرقات وقوادس، فيها الخزائن من كسوة مصر وما فيها مما إليه، والمعينات (٤) فيها المقاتلة، قال الليث: فما رأيت يوماً قط كان أعجب منه، لما ظهر من عدونا في البر والبحر، وما أظهرنا من السلاح، وما أظهر طاغية الروم على حائط القسطنطينية، وصفهم ذلك والعدة، ونصبوا المجانيق والعرادات، فتكبر المسلمون في البر والبحر، ويظهر الروم قبلها قريا السين [كذا] لكعّ ابن هبيرة وجماعة من معه من السفن عن الإقدام على باب المينا، لما هابته على أنفسها، فلما رأت ذلك الروم، خرج إلينا من باب مينائهم معينات، أو قال محرقات، فمضى مركب منها إلى أدنى من يليه من مراكب المسلمين

стр. 2838

، فألقى عليه الكلاليب بالسلاسل فاجتره حتى أدخله بأهله القسطنطينية، فأسقط ذلك في أيدينا، وخرجوا إلى مركب ليفعلوا ذلك به، فجعل ابن هبيرة يتجسر، ويقول: ألا رجل! فقام إليه أبو خراسان فقال: هذا أنا رجل، ولكنك صيرتني في المركب معك لبعض من لا غنى عنده، فقال له ابن هبيرة: فمر بما ترى ومر بما تحب، فأشار إلى مركب من الفرس يعرفهم بالشدة والبأس، فقال: ابعثني في قارب أنا وأخي، ومرهم بطاعتي، ففعل، فأمر أبو خراسان لنوتي المركب أن يوجهه إلى ذلك المركب الذي ذهب بالمسلمين، فكع عنه النوتي، فأشار إليه أبو خراسان بالسيف، فمضى به حتى ألصق المركب بمركبهم، ثم سار أبو خراسان حتى أوثقهما بسلسلة، لئلا يفر أحدهما عن صاحبه، قال: فاجتلدنا بأسيافنا فيما بين السفينتين، فرزقنا الله الظفر، فدخلنا سفينتهم، ووضعنا السيف فيهم، فانتهينا إلى قومس السفينة الذي فعل ما فعل، وقد ألقى بيضته، وجثا على ركبتيه شيخ أصلع فضربه صاحب لنا ضربه لم تغن شيئا، وتقدم إليه أبو خراسان فضربه ضربة شق منها هامته حتى نظرت إلى السيف قد أجاز إلى الذقن، إلى الحنجرة وما يليها، واستسلم من بقي منهم فقدناها إلى من يلينا من المسلمين، ورجعنا إلى من كان منهم، فدخلوا الميناء، ووقف أبو خراسان موقفاً حسناً يأمن به من فر منا إلى مسلمة ومن يليه، حتى مروا من آخرهم لم يصب منهم إلا ذلك المركب الأول، حتى انتهينا إلى مسلمة ومن معه، فأخذناهم إلى الخليج إلى السقع الذي على باب القسطنطينية، والبحر أو قال الخليج محيط بها إلا مما يلي برها، فعسكر عليه مسلمة، وكنا في سفننا مرسيين على ساحلها مما يلي العسكر؛ يخرج من سفننا عمر بن هبيرة وغيره إلى مسلمة ومن أردنا من أهل العسكر، ويأتينا أهل العسكر فيدخلون علينا في سفننا (١) .

стр. 2839

[٨٠] محمد بن عائذ، عن الوليد، قال: فحدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أن مسلمة أرسل البطال (١) ، وأبا زرعة اللخمي، وسمى ابن جابر آخر، إلى ليون - يعني المتملك على الروم - أين ما كنت عاهدت الله عليه من النصيحة لنا وإدخالنا إياها؟ فأذن لهم، فدخلوا عليه، فعرفهم، فقال: لئن ظن مسلمة أني أبيع ملك الروم بالوفاء له لبئس ما ظن، وقد رأيت أن أفي له بما يستقيم؛ أصنع له طعاماً وحماماً، فيدخل هو ومن أحب من أصحابه الحمام، ويصيب الطعام، ثم ينصرف راشداً، فقال: إن هذا لغير كائن، وإنا لنقول: إن الله قد أحاط بكم، ولسنا نبرح دون صغار الجزية، أو يدخلناها الله عنوة، فقال: إن دون ذلك لصغاراً وقتالاً شديداً، وكم عسى أن تصبروا؟ فقالوا: نصبر، ولا بد لطعامك الذي عددت فيه أن يعفن، فقال: أو ما ترى كيف دبرته؟ لم أدخله بيتاً ولا هُرِّياً مخافة عليه، فأما هذه السنة فنطحن ما طحنا ونأكل ما أكلنا ويفسد منه ما فسد، وإذا كان قابل أمرت به فطحن من آخره، أكلنا منه ما أكلنا ويفسد منه ما فسد، فإذا كان العام الثالث أمرنا فخبز خبز القرابين فأكلناه حتى نأتي على آخره، فهذا إلى ثلاث سنين ما قد كان أمر يحول بينكم وبين ما تريدون، ودعا بغدائه، فغداهم من كل الألوان، وآتاهم من كل الطرائف، ثم أقبل عليهم، ثم قال: نحن فيما تقولون من الحصار والأزْل (٢) نأكل مما ترون، فادعوا بما شئتم وتشهوا علينا، فقال البطال: أمر يسير عليك خفيف مؤنته؛ تدعو لنا به، قال: ما هو؟ قال: كفاً من تراب من خلف الخندق، فقطب، وغضب، وأمر بهم فخرجوا، وأتوا مسلمة بمقالته (٣) .

стр. 2840

[٨١] محمد بن عائذ، ثنا الوليد، قال: فحدثني أبو سعيد مولى محمد بن عمر المعيطي: أن مسلمة كان يقوت المسلمين من ذلك الطعام، وأنه سأل أناساً من جلسائه عن حال العامة في مطعمهم، فأخبروه أن الناس في شدة من عيشهم؛ يقوتون أنفسهم بخزيرة (١) ، يكللون أنفسهم بها نهارهم وليلهم، فقال: وما الخزيرة؟ يا غلام، اصنع لنا خزيرة، فصنعها بقديد و...وتابك [كذا] وهيأ منها، وقدمها إليه، فأكل واستطابها، وقال: إن الناس بعد لفي خير وعافية، الصبر بركة، قال أبو سعيد: وقد جهد الناس عامة، وإنما يأكل الخزيرة منهم أهل القوة، وبقيتهم فيما لا يصفه واصف من أكل توافق الدواب، وأشباه ذلك، حتى لقد ذكر له أن قوماً أكلوا ميتاً لهم (٢) .

стр. 2841

[٨٢] ابن عائذ، قال: فحدثني شيخ من موالي ابن هبيرة، عن عمر بن هبيرة، قال: كنا قد بلغنا من حصارهم ما بلغنا، وكان بنا من الأزل والمرض نحواً مما بهم وأشد، وكنت نازلاً بجماعة سفن على ساحلهم مما يلي عسكر المسلمين في مركبي فيه مبيتي، إلا أن أركب إلى مسلمة فأشهد أموره، فإذا لم أركب خرجت في برد النهار إلى مجلس على تل مشرف على مراكبي وعلى عسكر المسلمين، ويخرج إلي أمراء أجنادي وأهل الهيئة منهم، فكان ذلك التل من تلك الساعات لنا مجلساً ومتحدثاً، فبينا أنا ذات غداة، أو قال عشية جالس عليه في جماعة، إذ بقارب قد خرج من بابه [كذا] ميناء القسطنطينية، يقصد إلينا، فيه رجال من الروم، عليهم الديباج، قال، فقلت: رسولُ الطاغية إليّ في أمر يكلمني به، فإن أتانا في مجلسنا أشرف على رثاثة سفننا وسوء حالنا سره ذلك وازداد قوة علينا، فقمت إلى مركبي فجلست مجلسي فيه وجلس معي أمراء أجنادي وأهل الهيئة من الناس، وأمرت أهل السفن أن يواروا ما قدروا عليه من سوء حالهم، فلما دنوا نادونا بالأمان، فجعلته لهم، فأقبل رسول الطاغية في أصحابه في هيئة، وتملك في أنفسهم، حتى صعد إلي، فسلم، وأذنت له فجلس، وجلسوا، ثم أنشأ يقول: إنا بعثنا لأمر فنذكره لكم، ورأيت منكم شيئاً عرفت به سوء حالكم، وإنك أردت بقيامك عن التل ومجلسك الذي كنت فيه إلا آتيك فيه فأشرف على رثاثة سفنكم وسوء حالكم، ثم تهيأت لي بما أرى، مما ليس خلفه قوة، وقد صرتم من حالكم إلى أسوأ مما نحن فيه. إن الملك يقرأ عليك السلام، ويقول: إنه قد كان من نزولكم علينا وإقامتكم إلى هذا اليوم ما قد علمتم، وقد بلغ منا ومنكم وما أنتم فيه أشد، وقد عرضت على مسلمة فدية صلح؛ على كل إنسان بالقسطنطينية، من رجل، وامرأة، وصبي، ديناراً ديناراً، على أن ترحلوا عنا إلى بلادكم، فإن شئتم اقتسمتم هذه الدنانير بينكم مغنماً، وإن شئتم ذهبتم بها إلى

стр. 2842

خليفتكم، فأدخله بيت ماله، فصنع ما أراد، فسخط ذلك مسلمة، وتأبى علينا، وزعم أن لا يبرح دون أن نؤدي الجزية عن صغار، أو يدخله عنوة، والصغار – الجزية – مالا تطيب به أنفسنا أبداً، وأنت من خليفتك، ومن مسلمة، ومن علية العرب، بالمنزلة التي أنت بها؛ في الشرف، والأمانة، فانظر فيما عرضته على مسلمة، فإن رأيته رأياً أشرت به عليه، ورددته إليه، قال عمر بن هبيرة: أصاب مسلمة، وذلك ما أمرنا الله به، ولا أخالفه فيه، وأنا عونه عليه، حتى يحكم الله بيننا وبينكم، قال: فصلَّب على وجهه، وانصرف مغضباً إلى أصحابه (١) .

стр. 2843

[٨٣] محمد بن عائذ، عن الوليد، قال: فحدثني أبو سعيد المعيطي، والليث - يعني ابن تميم الفارسي -: أن أليون لما رأى ما قد لزمه من حصارنا وأشفق منا الغلبة، كتب إلى صاحب برجان (١) ، " أما بعد: فقد بلغك نزول العرب بنا، وحصارهم إيانا، وليسوا يريدوننا خاصة دون غيرنا من جماعة من يخالف دينهم، وإنما يقاتلون الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى، فما كنت صانعاً يوم تأتيهم الجزية، أو يدخلوا علينا عنوة، ثم يفضون إليك وإلى غيرك، فاصنعه يوم يأتيك كتابي هذا ". فكتب صاحب برجان إلى مسلمة، " أما بعد: فقد بلغنا نزولك بمدينة الروم، وبيننا وبينهم من العداوة ما قد علمتم، وكلما وصل إليهم فهو لنا سار، فمهما احتجت إليه من مدد أو عدة أو مرفق فأعلمناه، يأتيك منا ما أحببت ". فكتب إليه مسلمة: " أنه لاحاجة لنا بمدد ولا عدة، ولكنا نحتاج إلى الميرة والسوق، فابعث إلينا ما استطعت ". فكتب إليه صاحب برجان: "إني قد توجهت إليك سوقاً عظيماً فيه من كل ما أحببت من باعة، يضعفون عن النفوذ إليكم به ممن يمرون به من حصون الروم، فابعث من يجوزه إليك ". قال: فوجه إليهم خيلاً عظيمة، وولى عليهم رجلاً، ونادى في العسكر؛ ألا من أراد البيع والشري فليخرج مع فلان، حتى يلقوا هذا السوق، قال: فخرجنا بشراً عظيمة، يتبع بعضنا بعضاً، على غير حذر ولا خوف من عدو، حتى أفضوا إلى عسكر السوق، في مرج واسع، حتى أضاقت به الجبال، وكتائب برجان في شعاب تلك الجبال وغياضه، فلما أنزل والي الجيش بعسكره، وانتشر الناس في السوق، وشغلهم البيع والشراء، شدت عليهم كتائب، فقتلوا ما شاءوا وأسروا ما شاءوا، إلا من أعجزهم، ثم وَأَلَتْ برجان إلى بلادهم، وبلغ مسلمة ومن معه، فأعظمهم ذلك، وكتب به مسلمة إلى سليمان بن عبد الملك يخبره بما كان، فقطع بعثاً على أهل الشام إلى برجان كثيفاً، وولى عليهم شراحيل بن عبيدة (٢) ،

стр. 2844

فسار بهم حتى أجاز الخليج، ثم مضى إلى بلاد برجان فساح في بلادها، وأنفى، ولقوه فقاتلوه، فهزمهم الله، ثم قفل إلى مسلمة وكان عنده (١) . [٨٤] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد بن مسلم: فذاكرت هذا الحديث؛ يعني حديث غزو القسطنطينية بعض مشيختنا، وأنكر أن يكون سليمان قطع بعثاً سوى البعث الأول، ولا وجّه من عنده أحداً، ولكن مسلمة لما جاءه صاحب برجان يعلمه ما بعث به إليه من السوق، فبعث بعثاً وولى عليهم عبيدة بن قيس (٢) ، وابنه شراحيل بن عبيدة، فولي عند ذلك عبيدة بن قيس على أهل دمشق، وولى شراحيل بن عبيدة على أهل الجزيرة، ومضى حتى إذا دفع إلى أرض برجان، لقوه بعدة الحرب من الرجال والسلاح والعجل فيها الرجال تجر تلك العجل البراذين، فلما رأى ذلك عبيدة، قال لأصحابه: اكسروا أغماد سيوفكم، ثم امشوا إليهم حتى ترموهم بها، ثم اضربوا أعناق براذين العجل، ففعلوا، واقتتلوا قتالاً شديداً، ثم إن مسلمة لما وجههم أشفق أن يكون قد خدع عنه، فوجه إليه رجلاً من موالي بني عامر، في خمسمائة فارس من فرسانه حتى انتهى إلى عبيدة، وقد أمره مسلمة أن يرده حيث أدركه، فوجده يقاتل القوم، ووجد شراحيل بن عبيدة قد قتل، ووجد عنده قواد الأجناد، وهو يقول لهم قوموا فاكفوا ما كان شراحيل يكفيه، فلما رآه قال: قوموا عني فقد أتاني رسول الأمير، فقاموا عنه، فقال: إن الأمير ظن أنه قد خدع عنا، وفي كم وجهك؟ قال: في خمسة آلاف، ثم أخبره أنه إنما وجهه في خمسمائة، ومضى عبيدة حتى واقف العدو، وهيأ كراديسه، ثم حضر رسول مسلمة يوصيهم من أدناهم إلى أقصاهم حتى كان من آخرهم أهل فلسطين. وصاحب برجان في سلاحه على برذونه مخفف، فقال له حصين: أتقف لي، أو أقف لك، فأومأ إليه العلج، فخيره، فاختار حصين أن يقف له العلج، ويتحين موضعاً يطعنه فيه، فلم ير أن موضعاً أفضل من نحر برذونه، لما على العلج من السلاح، فشدّ

стр. 2845

حصين على العلج فطعن نحر البرذون، فاستدار بالعلج فصرعه، فطرح حصين نفسه على العلج فقتله، واحتز رأسه، وخرج بسلبه إلى عبيدة، وانحاز القوم عنهم، وضرب الله وجوههم، ودفع حصين إلى عبيدة كتاب مسلمة يأمره بالانصراف، فكره عبيدة أن ينصرف عنهم وقد هزمهم الله، فأراد المضي، فأبيت عليه، قلت: مُر الناس بالانصراف بجميع العسكر، وقد فتح الله، حتى إذا كان بمرج خصيب من أرض برجان نزل، ونزل الناس في ذلك الحشيش طبخ بعضهم طبيخاً، فهاجت عليهم ريح شديدة في ذلك الحشيش، فأقبل العدو يمر الحصون على دوابهم، حتى إذا كانوا عند طرف العسكر أرسلوا ناراً في ذلك الحشيش، فأقبلت النار حتى إذا كانت عند طرف العسكر قطعها الله وأخمدها، والعدو ينظرون، فلما رأوا ذلك انكشفوا (١) .

стр. 2846

[٨٥] قال محمد بن عائذ: قال الوليد: وقد كنت سمعت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر يذكر: أن نفراً من أهل دمشق كان يسميهم بأسمائهم، فيهم رجل كنيته أبو كَرِب، كان أصاب دماً بالعراق، فاستفتى جماعة من الفقهاء، فاجتمع قولهم: أنهم لا يعرفون وجهاً إذا لم يعرف ولي الدم إلا إن يجاهد في سبيل الله حتى يقتل. فلم تزل تلك حاله؛ يغزو، ويطلب القتل في الله، حتى خرج هؤلاء النفر وساروا، حتى إذا كانوا في بعض طريقهم، خرج خارج منهم ليأتي بعنب، فإذا بقبة ذهب، عليها جلال أخضر حرير، وإذا فيها حوراء، كان يخبر عما رأى من حسنها، فقالت: إلي، فأنا زوجتك، وأنت قادم علينا يوم كذا، ومعك فلان وفلان، وسمت أولئك النفر، فانصرف الرجل، ولم يأت بعنب، وأخبرهم بما رأى، فكتب وصيته، وكتبوا، وكان مع شراحيل بن عبيدة وأصحابه، فكان من مصيبتهم ما كان، ثم أمر بانصراف الناس الى المرج الذي رجعت إليهم فيه برجان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل هؤلاء النفر جميعاً، فيهم أبو كرب، وأرسلت برجان النار على ذلك المرج وعلى قتلى المسلمين، فحرقت ما حرقت، وانتهت إلى أبي كرب وأصحابه فأطافت بهم، ولم تأكل النار منهم أحداً (١) . [٨٦] ابن عائذ، قال: قال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: فلم يزل سليمان بن عبد الملك معسكراً بدابق، ولا يريد القفول دون أن يفتح يعني القسطنطينية، أو تؤدى الجزية، فشتا بدابق شتاء بعد شتاء، إذ ركب ذات عشية من يوم جمعة، فمر بالتل الذي يقال - قال الشيخ: رأيت في نسخة غيري يقال له - تل سليمان اليوم، فالتفت، فإذا بقبر ندي، فقال: من صاحب هذا القبر؟ قالوا قبر ابن مسافع القرشي المكي، فقال: يا ويحه! لقد أمسى قبره بدار غربة. قال ابن جابر: ويمرض، ويموت، ويدفن إلى جانب قبر عبد الله بن مسافع؛ الجهة التي تليه أو الثانية (٢) .

стр. 2847

[٨٧] محمد بن عائذ، عن الوليد، قال: فحدثني شيخ من الجند، قال: كنت فيمن حاصر القسطنطينية، فبلغنا من حصارها، وبلغ منا الجوع نحوا مما سمعتم، فوالله إنا لفي يأس من القفل إذا بمرقبة (١) لأهل القسطنطينية على جبل ممتنع قد أوقدوا عليها، فيشرف لذلك أهل القسطنطينية، وراعهم فصالنا عما رأينا من تلك النار، وعما راعهم من ذلك، فقالوا: هذه مرقبة توقد النار للجيش يدخل من الشام، فيوقد لها مما يلي الدرب من المراقب والمسالح إلى أن يصل القتال.. الخبر فيأتينا بذلك، ولا يشذ أن جيشاً قد أقبل منكم، فانظروا ماذا يأتيكم به، قال: فلم يلبث إلا أياماً يسيره حتى جاءنا رسول عمر بن عبد العزيز في نحو من أربعة آلاف، بكتاب إلى مسلمة يأمره بالقفول، فقرأه مسلمة فلم يقفل، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز يخبره ما قد بلغ من جهدهم، وما أشرف من معشر المسلمين من الفرج، بما قد قرب من حصاد ذلك الزرع، ويشير عليه بتركهم حتى يحكم الله بينهم، قال: فقفل رسوله بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فغضب، وقال: مسلمة في إمرة عظيمة يكره فراقها، ورد الرسول يأمره بالقفل (٢) . [٨٨] ابن عايذ، نا الوليد، قال: حدثني من سمع زيد بن واقد (٣) ، قال: والله إني لفي فسطاطي يوم أتانا القفل، يعني عن القسطنطينية، لما أقفلهم عمر بن عبد العزيز، قد بلغ مني الجوع جهدي، أروي ما استعنت به، فلم أر شيئاً أقرب إلي جلدة الفسطاط التي تكون على فلكة عمود الفسطاط، قلت: أنزعها، وأطبخها، وألوكها، يكون في ذلك ما كان، ويقوم الفسطاط بغير جلدة، إذ سمعت تكبير الناس، فقلت: ما هذا؟ قالوا: القفل، فإن الله يعلم أن ذلك الجوع ذهب مني (٤) .

стр. 2848

[٨٩] ابن عائذ، قال: قال الوليد: فحدثني شيخ من الجند، عن أبيه، ولا أعلم إلا أني قد سمعت أباه يذكر أنه حضر عمر بن عبد العزيز بدابق، حين استخلف وقطع البعث، ما جهز من العير، لا يظهر للناس أنه أمر بقفلهم، ولكنه إنما وجه معاوية.. على الإقامة يعني لحبس مسلمة (١) . [٩٠] ابن عائذ، أنا الوليد، قال: وبويع عمر بن عبد العزيز في سنة تسع وتسعين، فبعث عمرو بن قيس السكوني (٢) على صائفة أهل الشام، معه ما حمل إلى القسطنطينية من الطعام والكسوة، فلقيهم بادرلنه [كذا] ، فأعطاهم فيها العطاء (٣) . [٩١] ابن عائذ، نا الوليد، أخبرني الليث الفارسي، قال:لم يزل - يعني عمر بن هبيرة - على غازية البحر، فقفل بهم، يعني من القسطنطينية، فعزله عمر بن عبد العزيز، وجمع سفن الأجناد بصور، وجعل الوالي عليها واحداً، قال: فبلغني أن عمر بن عبد العزيز ولى على غازية البحر المخارق بن ميسرة بن حجر الطائي، فلم يزل والياً حتى توفي (٤) .

стр. 2849

[٩٢] محمد بن عائذ، أخبرني إسماعيل بن عياش، عن ابن أنعم (١) ، عن المغيرة بن سلمة (٢) ، عن عبد الأعلى بن أبي عمرة (٣) ، قال: لما بعثني عمر بن عبد العزيز لفداء أسراء القسطنطينية، قلت: أرأيت إن أبوا أن يفدوا الرجل بالرجل، كيف أصنع؟ قال: رِدهم، قلت: أرأيت إن أبوا أن يفدوا الرجل بالاثنين للرجل، قال: فأعطهم ثلاثة، قلت: فإن إبوا إلا أربعة، قال: فأعطهم بكل مسلم ما سألوا، فوالله للرجل من المسلمين أحب إلي من كل مشرك عندي، إنك ما فديت به المسلم فقد ظفرت، إنك إنما تشتري الإسلام، قال: فقلت له: أرأيت إن وجدت رجالاً قد تنصروا فأرادوا أن يرجعوا إلى الإسلام، أفديهم؟ قال: نعم بمثل ما يفدى به غيرهم، قال: فقلت له: أرأيت العبيد، أفديهم إذا كانوا مسلمين؟ قال: نعم بمثل ما يفدى به غيرهم، قال: قلت: أرأيت إن وجدت منهم من قد تنصر فأراد أن يرجع إلى الإسلام، قال: أصنع بهم مثل ما تصنع مع غيرهم، قال: فصالحت عظيم الروم على رجل من المسلمين برجلين من الروم (٤) . [٩٣] ابن عائذ، أنا الوليد، قال: وفي سنة مائة أغزى عمر بن عبد العزيز الصائفة، لليمنى الوليد بن هشام، وعلى الصائفة اليسرى عمرو بن قيس السكوني (٥) . [٩٤] ابن عائذ، عن الوليد، قال: وأخبرني عبد الأعلى أن عمرو بن قيس أخبره أن عمر بن عبد العزيز ولاه إحدى الصائفتين، والوليد بن هشام الصائفة الأخرى (٦) .

стр. 2850

[٩٥] محمد بن عائذ، نا الوليد، قال محبر، نا سعيد بن عبد العزيز: أن عمر بن عبد العزيز أغزى أرض الروم صائفتين؛ على إحداهما الوليد بن هشام المعيطي (١) ، والأخرى عمرو بن قيس السكوني، في أقل من أربعين ألفاً، نظراً منه بجماعة من كان أصابه الأزْل على حصار قسطنطينية، قال: فخرج إليهم لأوون طاغية الروم لما بلغه من قلتهم، فلقيه سائح من سياحي الروم، فقال: أين يريد الملك؟ قال: هذه الطائفة القليلة، قال: تركتَ لقاءهم وأمراؤهم على تلك الحال، فلما ولي هذا الرجل الصالح تعرَّضُهم؟ فقال: ذاك بالشام، وهؤلاء بأرض الروم، قال: عمل ذلك مقدمة لهؤلاء، قال سعيد: فانصرف لاون عن لقائهم (٢) . [٩٦] ابن عائذ، قال: وحدثني الهيثم بن حميد، حدثني شيخ من السكاسك، حدثني عمرو بن قيس، قال: ولاني عمر الصائفة، وأوصاني بتقوى الله، وبالمسلمين خيراً، وقال: إن رابطت حصناً فلا تقم عليه إلا يوماً وليلة، فإن طمعت فيه وإلا فارتحل، فإن أرادوك على فداء ما في يديك من أساراهم؛ رجلاً برجل فافده، فإن أبوا فرجل برجلين، فإن أبو فرجل بثلاثة، فإن أبوا فأعطهم جميع ما في يدك برجل من المسلمين (٣) [٩٧] محمد بن عائذ، عن الوليد، قال: فأخبرني سعيد بن عبد العزيز أن عمر بن عبد العزيز توفي يعني سنة إحدى ومائة، وقد صرف بعث الصائفة على أهل الشام والجزيرة والموصل، وولَّى عليهم مسلمة، فبلغه خلاف يزيد بن المهلب، فصرف إليه بعث الصائفة، قال الوليد: وأخبرني غير واحد أن مسلمة بن عبد الملك مضى إلى يزيد بن المهلب، ومعه العباس بن الوليد فوليا قتله وقتاله (٤) .

стр. 2851

[٩٨] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: ولَّى يزيدُ بن عبد الملك المغيرةَ بن عمير الأزدي (١) ، من أهل حرستا، فلم يزل حتى توفي يزيد، وولي هشام بن عبد الملك فأقره سنتين، ثم عزله، فولى يزيد بن أبي مريم الثقفي (٢) ، من مصيصة دمشق، فلم يزل مفلولاً عند اللقاء حتى غزته الروم، فقاتلته على باب ميناء صور (٣) . [٩٩] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وأخبرني بعض شيوخنا أن يزيد بن عبد الملك أغزى العباس بن الوليد في ذلك العام؛ يعني سنة إحدى ومائة الصائفة، وافتتح دلسة. وفي سنة ثلاث ومائة غزا العباس بن الوليد الصائفة؛ فافتتح دمنقة ودردور (٤) . [١٠٠] ابن عائذ – وهو في إجازة منه عن الوليد – أخبرني بعض شيوخنا: أن يزيد بن عبد الملك أغزى في سنة أربع ومائة الصائفة اليمنى عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعثمان بن حيان الصائفة اليسرى (٥) . [الحروب مع الخزر]

стр. 2852

[١٠١] محمد بن عائذ، نا الوليد، نا أبو بكر بن أبي مريم (١) أنه غزا أرمينية، وعليها معلق بن صفار البهراني. قال: ونا ابن عائذ، قال: وأخبرني عبد الأعلى بن مسهر أن عمر بن عبد العزيز استعمل على أرمينية الحارث بن عمر الكتاني. وأما الوليد بن مسلم فإنه أخبرنا؛ قال: حدثنا بعض شيوخنا أن معلقاً لم يزل والياً على أرمينية حتى توفي عمر بن عبد العزيز، وولى الخلافة يزيد بن عبد الملك، فخلفه يزيد بن المهلب، وتابعه من تابعه من أهل البصرة، فوجه إليه الجراح بن عبد الله الحكمي (٢) في أربعة آلاف من أهل الشام، مقدمة، ثم وجه مسلمة بن عبد الملك، والعباس بن الوليد، ثم ضرب معهما من أهل الطائفة، فلما قدم مسلمة أقفل الجراح إيهاماً له في أمر يزيد بن المهلب، فلما قدم على يزيد بن عبد الملك بلغ يزيد أن.. (٣) قد خرجت على معلق بن صفار، فهزمته، فعزله، فقدم معلق على يزيد فجبَّنه، فقال: ما جبنت، ولكن لففت الخيل بالخيل، والأبطال بالأبطال، وصنع الله ما شاء، فولى يزيد بن عبد الملك الجراح أرمينية، فلما قدمها استأذنه في غزو بلنجر، فأذن له، فغزاها، ففتحها (٤) . [١٠٢] قال: ونا ابن عائذ، أنا الوليد، قال: وفي سنة تسع ومائة أغزا - يعني هشام بن عبد الملك - مسلمةَ بن عبد الملك أذربيجان (٥) ، وفرق جيشه في أرمينية وأذربيجان، وغزا الترك في بلادهم، فأظهره الله عليهم. وفي سنة عشر ومائة غزا مسلمة أيضاً الترك في بلادهم، ولقي جمعهم، فهزمهم الله (٦) . [١٠٣] محمد بن عائذ، قال: فحدثني عبد الأعلى بن مسهر، قال: واستخلف الجراح - يعني ابن عبد الله الحكمي - يومئذ - يعني يوم قتل يزيد ابن بشر الحصلي الكلبي - على الناس، فقال للجراح: إني لأرجو أن تكون أسرع إلى الله مني، فقتل، وقتل معه خمسون من قومه، وكان على أهل دمشق، وكان مقتل الجراح سنة اثنتي عشرة ومائة في خلافة هشام (٧) .

стр. 2853

[١٠٤] محمد بن عائذ، عن الوليد، قال: فحدثنا عبد الواحد بن بشر أن يزيد بن أسيد (١) حدثه أنه كان في مَنْ سار مع سعيد الحرشي من أهل الجزيرة، أو قال: ممن وجَّه هشامُ بن عبد الملك مع سعيد الحرشي، قال: فلما دعاهم إلى لقاء خزر الذين معهم سبقة المسلمين فأجابوه إلى ذلك، وأنه أرسله في فوارس طليعة ليأتيه بخبرهم وحزرهم من الليل، قال: فسرنا حتى أشرفنا على عسكرهم، فرأينا نساء المسلمين قد أوقدوا النيران على أبواب أبنية خزر محتجرات يبكين أنفسهن ويندبن الإسلام، قال يزيد: فأرَّقنا ما رأينا من ذلك، وألقينا السمع إليهم، فانتظرنا، فأتيناه بما رأينا وسمعنا، فأخبرنا سعيداً ومن معه، يعني بعد قتل الجراح الحكمي (٢) . [غزاة الطين]

стр. 2854

[١٠٥] محمد بن عائذ، أخبرني الوليد، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن صاحب الخزر كايد هشاماً بإرساله رجلاً من العرب قد سماه لنا، فنسيته، قد كان أصاب أهله وولده، وجعل له تخلية سبيل أهله وولده بإبلاغه تلك الرسالة إلى هشام، والرجعة إليه بخبر ما يبلغه، وحمله على بريد المسلمين، فأقبل متحزماً حتى دخل على هشام، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، الجراح بن عبد الله يقرأ على أمير المؤمنين السلام، ويخبره بسلامته وبسلامة من معه من المسلمين، بمكان كذا وكذا، وأنه من عدوه منتصف، ويعزم على أمير المؤمنين ليردني إليه بعد إبلاغي الرسالة بخبر أمير المؤمنين، قال: ويحك! من غير كتاب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فدعا بدواب البريد فحمله من ساعته، وأقام هشام يومه حتى إذا كان من غروب الشمس قال لخاصته: ويحكم رسول الجراح يأتيني بغير كتاب ثم رجع لم يأتني مصداق لخبره من صاحب بريد ولاعامل، إن نحن إلا في مكر من عدونا، عليَّ بسعيد الحَرَشي. فأتي به، فعقد له في عشرة من قومه على البريد، وقال له: سر في أصحابك، فإن قدمت والجراح حي فأنت مدد له، وإن كان قتل فأنت أمير على أرمينية حتى يأتيك رأي أمير المؤمنين، وعقد له هشام بيده، ودفع إليه اللواء، وقال: ادع حاملاً، فنادى سعيد: يا فرج، فقال هشام: أصنعت هذا؟ قال: لا، ولكنه أحد موالي وأعواني، قال هشام: هذا أول الفرج. قال: فحدثني غير ابن جابر أن هشاماً وجّه الحرشي على البريد، وأصحبه ممن هو في عسكره من وجوه الناس، نحواً من أربع مائة رجل، وأمره أن لا يمر بشريف من العرب إلا استنفره من قومه ففعل.

стр. 2855

قال: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: فأقبل سعيد الحرشي سريعاً على البريد وأنا ببردعة على بيت مال أرمينية قال فلقيته فرأيته كاسفاً لونه منخزلاً ظهره على دابته، فلما دنوت منه قلت: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله، قال: عبد الرحمن! فاعتدل على سرجه ورد السلام، قال: ويحك، ما فعل الجراح؟ قلت يرحم الله الجراح، فأسفر لونه وذهبت عنه كآبته، وأقبل علي يسألني عن خبرهم وأمورهم، حتى دخل بردعة، ثم عسكر معسكراً وضوى إليه الفل، وبقية الناس، وأهل الحسبة، حتى صار في الألف دون العشرة، فأخبر أن صاحب خزر وجه بما غنم من بلاد المسلمين من النساء والذرية وغيرهم من أهل ذمتهم مع طرخان من طراخنته، من نحو من عشرين ألفاً أو قال ثلاثين ألفاَ إلى بلاده، فدعا المسلمين إلى قتالهم ولقائهم فأجابوه إلى ذلك، فسار بمن كان معه. قال: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وشيخ من أهل حمص، قالا: فسار إليهم حتى لقيهم بهم، فقاتلوهم قتالاً شديداً فنصرهم الله عليهم، فاستنقذ جميع ما كان من ذلك والذرية والسقبه، ثم ثبت لهم معسكراً ليعترض من مر به منهم، فانتخبوا الأبطال والفرسان منهم - يعني من خزر - ثلاثين ألفاً، أو قالا: أكثر منها، فاقتتلوا قتالاً شديداً فهزمهم الله، وقتلوهم مقتلة لم يقتلها قوم قط، وبلغ ذلك الطاغية وقد بلغه إقبال مسلمة بن عبد الملك بالجموع، فولى قافلاً إلى بلاده (١) . [١٠٦] قال ابن أبي العقب ورأيت في رواية يزيد بن عبد الصمد قال أبو عبد الله [يعني ابن عائذ] وقال الشاعر [يمدح سعيداً الحرشي] : بعد البلاء بتأييد وإظفار أنت الذي أدرك الله العباد به كيد الحروب أريب زنده واري موفق للهدى والرشد مضطلع كالصبح أقبل في غر وإسفار تضمن الحذب والإيمان منبره للمسلمين بجد غير عثار لأمت ما شئت من شعب ومن شعب من شأننا كان غير الخالق الباري على أوان شديد ليس يعلمه

стр. 2856

وشمرت عن شذاها أي تشمار قد أبدت الحرب فيه عن نواجذها فيه الطراخين ذو نقض وإمرار وأنت يوم أبى حزوان إذ رجعت وافوا بأرعن ناوى الزم جرار لقيتهم بليوث في اللقاء وقد بالخيل ننقض أوتارا بأوتار فجستهم جوس قرم ما يقيلهم من علها بعد إنهال وإصدار والخيل ساهمة نضح الدماء بها نهدا شق كصدر الرمح خطار من كل طرف شديد الشعب منصلت بكل عضب شديد المتن بتار فهم يولون والفرسان تضر بهم صلب الدواس هصور هيصم ضار أمام ليث هزبر فرهم أزر د دلمس هو عداء على الساري عبل الذراعين أبي شبلين ذي لب وأسعروا نار حرب أي إسعار ويوم أسراب إذ جاشت جموعهم لهم عصار تراه بعد إعصار وأقبلوا كالتماع البرق بيضهم بخيرة من عباد الله أخيار فسرت بالخيل والرايات تقدمها مسومين أمام الناس أنصار أمدك الله رب العالمين بهم على يديك وأخزىكل كفار (١) فأهلك الله جمع الشرك إذ رجعوا [غزاة السائحة] [١٠٧] ابن عائذ، قال: ونا الوليد، قال: فحدثنا غير واحد ممن كان في غزاة الطين أن الناس قفلوا منها وهم يقولون: فعل مروان، وصنع مروان، ولا يذكرون مسلمة، فكان ذلك سبباً لولاية مروان على أرمينية، فولاه هشام أرمينية والجزيرة فوليها له.

стр. 2857

قال: وأنا الوليد، قال: فحدثنا مرزوق بن أبي الهذيل، أو غيره، قال: لم يرع هشام بن عبد الملك وهو ينظر في شيء من ضيعته التي يقال لها الزيتون إلا ومروان قد خرج عليه لم يستأذنه ولم يعلم به حتى رآه فأفزعه ذلك، وقال: ويحك، مروان! قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فردد هذا القول عليه مراراً، قال: يا أمير المؤمنين ضقت صدراً بما ساء ذكره لأمير المؤمنين، قال: فلم أر أن يكون في كتاب، ولا أبوح به إلى أحد فترى فيه رأيك، قال: ومم ذاك؟ قال: إنه قد كان من غزو صاحب خزر أمير المؤمنين والمسلمين ما كان، فساح في بلاده، وقتل عامله، وانتهك من حرمة الإسلام ما قد علمه أمير المؤمنين، ثم قفل إلى بلاده وقد أبقى على المسلمين عارها ما كانوا، ثم كان من رأي أمير المؤمنين في توجيه مسلمة بن عبد الملك ما قد علمه أمير المؤمنين، فوالله ما وطئ من بلادهم إلا أدناها، وما صنع شيئاً، ولقد أخرجه كسعاً كالمنهزم، فلا يزال عار ذلك فينا وفيهم ما كانوا؛ وذلك أن مسلمة لما رأى من جموعه وكثرة من معه أعجبه ذلك، فكتب إليه يؤدبهم لحربهم ويتهددهم بجموعه، ثم أقام بعد كتابه نحوا من ثلاثة أشهر، وقد جمعوا جمعاً لم يكن به طاقة، وقد رأيت أن يأذن لي أن أغزوهم غزوة أطأ فيهم حريمهم، وأنتقم للمسلمين منهم، فقال: قد أذنت لك، قال: فأمدني عليهم بعشرين ومائة ألف فارس رامح، فقال: قد فعلت ذاك وهم آتوك، قال: ويكتم ذاك أمير المؤمنين من خاصته وعامته؛ فإني لو قدمت البلاد أذعت محاربة أمة من الأمم ممن حولنا غيرهم، فإذا قدمت الجنود وفرغت من أمورهم اغتررتهم بالدخول عليهم، قال: فافعل، فودعه وانصرف، فلا يدري أحد ما كلمه به من ذلك (١) .

стр. 2858

[١٠٨] قال: وأخبرني الوليد، قال: فحدثني غير واحد ممن شهد غزاة السائحة مع مروان أحدهم شيخ من أهل قنسرين، قال: قدمنا على مروان في عشرين ومائة ألف فارس رامح هن جميع أجناد الشام والجزيرة والموصل، والمتطوعة كثيرة من أهل العراق وغيرهم، فقدمنا عليه وهو مظهر لمحاربة ملك اللان وغيره، وقد كتب إلى صاحب خزر يعرض له بالصلح، فإن كان لك في شيء من ذلك هوى، فوفد إلي وافداً نعاملهم عليه، يقدم عليك وفدي بتمام ذلك والشهادة علي وعليك، فوجه صاحب خزر وفداً ومروان يعرض الخيول، ويعطي ال.. ويتجهز لإمره ويحضرهم مجلسه ويقرب منهم ويسمعهم ما يحبون، ويتلطى على الأمة التي ذكر حتى إذا فرغ فلم يكن إلا الشخوص أظهر لوفد الخزر الحسبة فأغضبهم، ذلك فأسمعوه، فأمر بحملهم على مركبهم من البريد على طريق الباب، وهي تدور ولم يأذن لهم أن يدخلوا من باب اللان، وقال لهم: أعلموا صاحبكم أني قد أذنته بحرب، فمضى الوفد إلى الباب، ودخل هو من باب اللان، وقدموا على طاغيتهم فأخبروه أنه تجهز بجهاز لم يروا مثله، وأعد جمعاً لم يروا مثله، وقد آذنك بحرب، قال: وجاءه الخبر أن هذا مروان قد دخل عليك، فجمع أهل مشورته وطراخينه فقال: ما ترون؟ وما تقولون؟ قالوا: إن مسلمة آذنك بحربه وتصرع في بلاده حتى جمعت له، وإن هذا اعتراك فقد رهقك، فإن أنت سرت إليه بمن حضرك هزمك وبلغ منك، وإن أنت أردت أن تجمع له لم يجتمع لك جنودك ثلاثة أشهر، وإلى ذلك ما قد بلغ منك ومنك [كذا] ، فالرأي أن تلحق بكورة كذا وكذا من أقصى بلادك، وتدعه في البلاد يبلغ منها ما بلغ، قال: فقبل رأيهم، قال: فسار بنا مروان في تلك الجموع حتى أجاز بنا نهراً في وسط بلادهم، يقال له إرم، شبهه لي الشيخ بدجلة، من مخاضة دل عليها، فأقام يجيز بنا كذا وكذا يوماً، ثم سار بنا في بلادهم مع النهر، كلما سار وطيء من العمارة أكثر مما خلف، فسار بنا أياما فأتته

стр. 2859

هصايله أرمينية فقالوا له: أيها الأمير انصرف إلى المخاضة وتداركها قبل أن يحال بينك وبينها، فإنهم إن فعلوا جمعوا لك جموعاً حالوا بينك وبين القفول، قال: فقبل ذلك من رأيهم، وتحمل حتى أجاز بهم النهر راجعاً (١) . [١٠٩] محمد بن عائذ، أخبرني الوليد بن مسلم، قال: فقلت للشيخ القنسريني: فمن كان على مقدمته وميمنته وميسرته وساقته - يعني مروان - حين غزا خزرَ في غزوة السائحة؟ فقال: كان على مقدمته فلان، فنسيته، وعلى ميمنته عبد الملك بن مروان ابنه، وعلى ميسرته الصقر بن صفوان الحمصي، وعلى ساقيته (٢) ثابت بن نعيم الجذامي، وهذه الغزوة كانت في أيام هشام بن عبد الملك، وولاه مروان بن محمد على الجزيرة وأرمينية (٣) . [متابعة هشام بن عبد الملك إغزاء الصوائف] [١١٠] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وأنا عثمان بن محمد، فإنه حدثني أن هشام بن عبد الملك أغزى الصائفة سنة ست ومائة سعيد بن عبد الملك (٤) ، وكنت فيمن غزا تلك السنة، فصلى بنا الظهر أربعاً بدابق، فدخل عليه مكحول فأفتاه بقصر الصلاة، فخرج فصلى بنا العصر ركعتين عن فتيا مكحول، قال: فسمعت رجاء بن حيوة وعبادة بن مُسَي وعدي بن عدي يقولون: ما زلنا نتم الصلاة في هذا المعسكر (٥) . [١١١] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وبلغنا أن هشام بن عبد الملك أغزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة سنة سبع ومائة وسعيد بن هشام (٦) على صائفة أهل الشام ومسلمة على جماعة الناس. وفي سنة تسع ومائة أغزا سعيد بن هشام في ناحية من أرض الروم أيضاً (٧) .

стр. 2860

[١١٢] محمد بن عائذ، نا الوليد، قال: وأخبرني شيخ من أهل قنسرين أنه غزا في صائفة كان يقدمها عمرو بن الوضاح في نحو من عشرين ألفاً، فوغل في دار أرض الروم، ففتح وسبى سبياً كثيراً، وكنت فيمن غزا معه، فأقبل بتلك الغنائم يريد عقبة الركاب، يتلقى جماعة الصائفة، فلما كان من عقبة الركاب على مرحلة أو مرحلتين، سمع منشداً ينشد: ألا من دل على بغلة كذا يتبعها إلفها برذون كذا، فدعا به عمرو، فقال: ما تقول؟ فأخبره بما ينشد، فقال: إنما البغال تتبع إلفها من البراذين ولا يعرف برذون يتبع البغال! فما أنت؟ ومن أين أنت؟ ومن بعث بك؟ قال: فذهب ينسب فلجلج، وعرف أنه قد لجلج، فقال: ليخلني الأمير، فأخلاه، فأخبره أنه عين للروم، وأنه خلّف أهل الرساتيق والكور قد حشروا إلى عقبة الركاب ليأخذوا عليك بها، ويستنقذوا ما غنمت، قال: ماذا لي إن نصحتك نصيحة تغنم بها جماعتهم وتجيزها بإذن الله لمن معك وما معك؟ قال: لك الأمان وغير ذلك، قال: إن الذين حشروا إلينا من الرساتيق لم يحشروا إليه على بعث ضرب لهم أعطوا عليها العطاء، وإنما حشروا إليها كرهاً، وقد أقاموا وأبطأت عليهم، فالرأي لك أن يؤذن مؤذنك في هذه الساعة أن يصبح الناس على ظهر نفير ليقيما [كذا] ، ثم يصبح غاديتهم، فيسير يوماً أو يومين، وتبلغهم ليوافوك عند إقبالك من العقبة، فإذا ذهب الخبر إليهم بذلك، وسرت يومك، رحلوا عنها أو أكثرهم، عطفت عليهم، فأضربها بإذن الله، وقويت على من بقي منها، قال الشيخ: نفعل ذلك، ثم عطفت راجعاً فوافى الأمر على نحو ما ذكر، من رفض عامتهم وقلة من ثبت عليها، فقاتلوه قتالاً شديداً، فنصره الله، وكان بيننا وبينهم معركة تشبه الملحمة، وأجاز بما كان سبا وغنم، حتى لحقنا أرض الروم. وذكر الوليد كان ذلك سنة أربع عشرة ومائة وأمير الصائفة معاوية بن هشام (١) .

стр. 2861

[١١٣] ابن عائذ، نا الوليد، أخبرني عبد الله (١) ، عن مالك بن أدهم الباهلي، قال: غزونا الصائفة مع معاوية بن هشام، فلما قفلنا وقدمنا وفداً إلى هشام، أنا فيهم، فلما قدمنا على هشام قدم وفد البحر، فأذن لنا هشام جميعاً فدخلنا عليه، وقام خطيبنا فتكلم فأحسن، ثم قام خطيب البحر من الموالي فبذّ خطيبنا كلاماً، قال: وقد كان بعثُ البحر نُكبوا قبل ذلك ثلاث غزوات، فقال خطيب البحر في كلامه: يا أمير المؤمنين لكل شيء إسطاماً (٢) وإن إسطام الموالي العرب، فإن كان لك بثغرك في البحر حاجة فاسطم الموالي بالعرب، فإنه أحسن لذات بيننا، وأسخى لأنفسنا، وأهيب لنا في صدور عدونا، قال هشام: صدقت ونصحت، فقطع البعث على الموالي والعرب (٣) . [١١٤] ابن عائذ، قال: قال الوليد: وفي سنة ثمان ومائة أغزا هشام بن عبد الملك معاويةَ بن هشام الصائفة، فافتتح العطاسن. وفي سنة ثمان ومائة أغزاه فافتتح سقلة والبرة. وفي سنة عشر أغزاه الصائفة، وعلى مقدمته البطال، فافتتح خنجرة (٤) . وفي سنة إحدى عشرة ومائة غزا معاوية بن هشام الصائفة، فافتتح خرشنة (٥) . وفي سنة اثنتي عشرة ومائة غزا معاوية ابن هشام دابق والعمق. وفي سنة ثلاث عشرة ومائة أغزا معاويةَ بن هشام على صائفة الناس. وفي سنة أربع عشرة ومائة أغزا معاويةَ بن هشام لسصعه [كذا] . وأقبل عمرو بن الوضاح (٦) والبطال بالسبي. وفي سنة خمس عشرة ومائة أغزا معاويةَ بن هشام الصائفة. وفي سنة ست عشرة ومائة أغزا معاوية بن هشام الصائفةَ. وفي سنة سبع عشرة ومائة أغزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى. ونا ابن عائذ، قال: وفي سنة ثمان عشرة ومائة أغزا معاوية بن هشام الصائفة. وفي ذلك العام توفي معاوية بن هشام (٧) .

стр. 2862

[١١٥] محمد بن عائذ، عن الوليد بن مسلم، وقال: في سنة تسع عشرة ومائة غزا عبد الرحمن بن القعقاع العبسي (١) ، يعني أرض الروم في خلافة هشام بن عبد الملك (٢) . [١١٦] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وفي سنة تسع عشرة ومائة غزا عبد الملك العبسي (٣) . [١١٧] ابن عائذ، أنا الوليد، أخبرني شيخ من آل معاوية بن هشام، قال: توفي [يعني معاوية بن هشام] سنة تسع عشرة ومائة. وغزا الصائفة بعده مسلمة ابن هشام (٤) . وقال غير ذلك الشيخ: إن هشاماً أغزى في سنة إحدى وعشرين ومائة مسلمة بن هشام، ويحيى بن هشام (٥) بن عبد الملك ذلك العام ملطية، فرابط بها تلك السنة (٦) . [١١٨] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وفي سنة ثلاث عشرة ومائة أغزا يعني هشام بن عبد الملك معاوية بن هشام على صائفة الناس، وأغزا سليمانَ بن هشام أيضاً في ذلك العام أرض الروم، فافتتح أقرن، وأخذ عظيماً من عظماء الروم. وفي سنة عشرين ومائة أغزا سليمان بن هشام الصائفة (٧) . وعن الوليد، قال: وأخبرني شيخ من آل معاوية بن هشام، قال: توفي يعني معاوية سنة تسع عشرة ومائة وعلى الصائفة بعده مسلمة بن هشام، وقريش بن هشام. قال: ولَّى هشامُ سليمانَ بن هشام الصوائف حتى توفي هشام، وقتل معه في بعضها البطال، ومالك بن شبيب. وعن الوليد، قال: وأخبرني عبد الرحمن بن جابر أن هشاماً تابع إغزاء معاوية بن هشام الصائفة سنين يفتح له فيها الفتوح حتى توفي معاوية بن هشام. ثم ولَّى بعده سليمانَ بن هشام الصوائف سنيات لا يليها غيره. قال: ونا الوليد، قال: وبلغنا أن هشام بن عبد الملك غزَّا ابنه سليمان الصائفة سنة ثنتين وعشرين ومائة فسلم وغنم (٨) . [حروب البطال]

стр. 2863

[١١٩] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، حدثني أبو مروان - شيخ من أنطاكية -، قال: كنت أغازي مع البطال، وقد أوطأ الروم ذلاً، قال البطال: فسألني بعض ولاة بني أمية عن أعجب ما كان من أمرى في مغازي فيهم، فقلت: خرجت في سرية ليلاً، ودفعنا إلى قرية، وقلت لأصحابي: أرخوا لجم خيولكم، ولا تحركوا أحداً بقتل ولا سبي حتى تشحنوا القرية (١) ، فإنهم في نومة، قال: ففعلوا، وافترقوا في أزقتها، ودفعت في ناس من أصحابي إلى بيت يزهر سراجه، وامرأة تسكت ابنها من بكائه؛ وهي تقول: اسكت وإلا دفعتك إلى البطال يذهب بك، فانْتَشَلَتْهُ من سريره، فقالت: أمسك يا بطال، فأخذته (٢) .

стр. 2864

[١٢٠] قال: ونا الوليد، نا أبو مروان، أنه سمعه يحدث؛ قال: خرجت ذات يوم متوحداً على فرسي، لأصيب غفلة أو منفرداً، متسمطاً مخلاة فيها عليق فرسي، ومنديل فيه خبز وشواء، فينما أنا أسير، إذ مررت ببستان فيه بقل طيب، فنزلت، فعلقت على فرسي، وأصبت من ذلك الشواء ببقل البستان، إذ أسهلني بطني، فاختلفت مراراً، فاستفقت من دوامِه وضعفي عن ما يجيء علي من الركوب، فبادرت وركبت، ولزمت طريقاً، واستفرغني على سرجي، كراهية أن أنزل فأضعف عن الركوب، حتى لزمت عنقه متشبثاً ببرطنجه، مخافة أن أسقط عنه، وذهب بي ولا أدري أين يذهب بي، إذ سمعت وقع حوافره على بلاط، ففتحت عيني، فإذا دير، فوقف بي في وسط الدير، وإذا نسوة يتطلعن من أبواب الدير، فلما رأين أنه لا تبع لي، ورأين حالي وضعفي عن النزول، خرجت صاحبة منهن حتى وقفت علي، ونظرت في وجهي، وعرفت من حالي، ورطنت لهن تحسب علي، وأمرتهن فنزعن عني ثيابي، وغسلن ما بي، ففعلن، ودعت بثياب فألبستنيها، وترياق، أو دواء فشربته، ثم أمرت بي فجُعلت على سرير لها ودثار، وأمرت بطعام فهيء لي، فأتت به، وأقمت يومي ذلك وتلك الليلة مسبوتاً (١) ، لا أدري ما أنا فيه، قال: وأصبحت من الغد على ضعف من الركوب، وأقمت ليلتي ويومي وليلتي، فذهب عني السبات، وأنا ضعيف عن الركوب، حتى كان في اليوم الثالث، جاءها من يخبرها أن فلاناً البطريق قد أقبل في موكبه، فأَمَرَتْ بفرسي فغُيِّب، وأغلق علي باب بيتي الذي أنا فيه، ودخل البطريق، فأنزلته منزلاً، واقتفت به وبأصحابه، وأسمع بعض النسوة تخبر أنه خاطب لها، فبينما هو على ذلك الحالة، إذ جاءه من يخبره عن موضع فرسي، وإغلاقهم علي، فهمَّ أن يهجم علي، فأقسمتْ إن هو تعرض لي لا نال حاجته، فأمسك، وأقام قائلة في ذلك اليوم في قرى، ثم قروح، وخرجت فدعوت بفرسي، فخرجت إلي فقالت: إني لا آمن أن يكمن لك، دعه

стр. 2865

يذهب، فأبيت عليها، وركبت فقفوت الأثر حتى لحقته، وشددت عليه فانفرج عنه أصحابه، فقتلته، وطلبت أصحابه فهربوا عني، وأخذت فرسه، وسمط رأسه، ورجعت إلى الدير فألقيت الرأس، ودعوتها ومن معها من نسائها وخدمها فوقفن بين يدي، وأمرتها بالرحلة ومن معها على دواب الدير، وسرت بهن إلى العسكر، حتى دفعت بهن إلى الوالي، فجعل نفلي منهن، فتنفلت المرأة بعينها، وسلمت سائر الغنيمة في المقسم، واتخذتها فهي امرأتي. قال أبو مروان: وكان أبوها بطريقاً من بطارقة الروم، له شرف، فكان يهاديه، ويكاتبه (١) .

стр. 2866

[١٢١] ابن عائذ، عن الوليد، قال: سمعت عبد الله بن راشد مولى خزاعة (١) ، يخبر عن من سمعه من البطال، يخبر أن هشاماً، أو غيره من خلفاء بني أمية كان قد استعمله على ثغر المصيصة (٢) وما يليها، وأنه راث عليه خبر الروم، فوجه سرية لتأتيه بالخبر عن غير إذن من الوالي، قال البطال: فتوجهوا وأجلتهم أجلاً، فاستوعبوا الأجل، فأشفقت من مصيبتهم، ولائمة الخليفة، وضعف أميرهم، فخرجت متوحداً، حتى دخلت في الناحية التي أمرتهم بها، فلم أجد لهم خبراً، فعرفت أنهم أخبروا بغفلة أهل ناحية أخرى، فتوجهوا إليها، وكرهت أن أرجع ولم أستنقذهم مما هم فيه، إن كان عدو يكاثرهم، أو أعرف من خبرهم ما أسكن إليه، فلم أجد أحداً يخبرني بشيء، فمضيت حتى أقف على باب عمورية (٣) ، فآمره بفتح الباب، ففعل، وأدخلني، فلما صرت إلى بلاطها وقفت، وأمرت من يشد يدي إلى باب بطريقها، ففعل، ووافيت باب البطريق قد فتح، وجلس لي، ونزلت عن فرسي وأنا متلثم بعمامتي، فأذن لي، ومضيت حتى جلست على مثال إلى جانب مثاله، فرحب وقرب، وقلت: أخرج من أرى، فإني قد حملت إليك، فأخرجهم، وشددت عليه حتى غلق باب الكنيسة وعاد إلى مجلسه، واخترطت سيفي فضربت به على رأسه، فقلت له: قد وقعتَ بهذا الموضع، فأعطني عهداً حتى أكلمك بما أردت حتى أرجع من حيث جئت لا يتبعني منك خلاف، ففعل، فقلت: أنا البطال، فاصدقني عما أسألك عنه وانصحني، وإلا أجهزت عليك، فقال: سل عما بدا لك، فقلت السرية؟ فقال: نعم، وافت البلاد غارة لا يدفع أهلها يد بالأمس، فوغلوا في البلاد، وملأوا أيديهم غنائم، وهذا آخر خبر جاءني أنهم بوادي كذا وكذا، فصدقتك، وليس عندي من خبرهم غير هذا. فغمدت سيفي، وقلت: ادع لي بطعام، فدعا، ثم قمت، وقال: اشتدوا بين يدي رسول الملك حتى يخرج، ففعلوا، وقصدت إلى السرية حتى قدمت عليهم وخرجت بهم بما غنموا، فهذا

стр. 2867

أعجب ما كان (١) . [١٢٢] قال: ونا الوليد، قال: وأخبرني بعض شيوخنا، قال: رأيت البطال قافلاً من حجه السنة التي قتل فيها ﵀، وهو يخبر أنه لم يزل فيما مضى من عمره مشتغلاً عن حجة الإسلام بما فتح له من الجهاد، وسأل الله الحج والشهادة، فإن الله قد قضى عنه حجته، وهو يرجو أن يرزقه الشهادة في عامه هذا، ثم مضى إلى منزله، وغزا من عامه فاستشهد (٢) . [١٢٣] محمد بن عائذ، عن الوليد، قال: وأخبرني عبد الرحمن بن جابر: أن هشاماً تابع إغزاء معاوية بن هشام (٣) الصائفة سنين، يفتح له فيها الفتوح، حتى توفي معاوية بن هشام، ثم ولي بعده سليمان بن هشام (٤) الصوائف سنيات لا يليها غيره،فخرج في سنة من ذلك في بعث كثيف، ووجه مقدمته في ثمانية آلاف، عليها مالك بن شبيب (٥) ، وأصحبه البطال، وأمره بمشاورته والأخذ برأيه، فخرج معه حتى وغل في أرض الروم ... قال ابن جابر: فحدثني من سمع البطال يخبر مالك بن شبيب وهو بأقرُن (٦) ، أن بطريق أقرن أرسل إليه، لصهر بينه وبينه، أنه يأتيه حتى يكلمك بكلام لا تحتمله الرسالة، قال: فخرجت إليه حتى كلمني من بين شرافتين، وهو يحسب أني أمير الجيش، قال: وفي كم أنت؟ فقلت: في كذا وكذا ألفاً، وزدت، فقال: ما أدري ما تقول، إلا أن أصحابك أقل مما قلت، وبيننا وبينك من الصهر ما قد علمت، وهذا إليون قد أقبل في نحو من مائة ألف، وهو يريدك، لما بلغه من قلة جيشك، فما كنت صانعاً فاصنعه في يومك هذا، فإني قد أخبرتك الخبر، فانظر لنفسك، وها أنا قد أخبرتك الخبر فانظر لنفسك ومن معك، قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تأتي إسناده، فإنها مثغرة مفتوحة، فتدخل فيها، وتشد من ثغرها، وتقاتلهم من وجه واحد، حتى يأتيك سليمان بن هشام بالصائفة، فقال من عند مالك من قومه: أراد والله العلج أن يلحق بك سماعها وعيبها، فأخذ مالك بقولهم، فقام عنه البطال، ومضى

стр. 2868

مالك يومه ذلك، ومن الغد، فبينا هو يسير إذ أشرف على أرض رأى فيها سواداً، فقال: غيضة! فقال البطال: كلا، ولكن ليون في جيشه، وما ترى من السواد الرماح وآلة الحرب، قال: الرأي؟ قال: اليوم، وقد تركته بالأمس! ، قال: الرأي أن تلقاه فتقاتله حتى يحكم الله، قال: ولقيناه، فقاتل مالك ومن معه حتى قتل في جماعة من المسلمين، والبطال عصمة لمن بقي من الناس، ووال عليهم (١) . [١٢٤] وعن الوليد، قال: وأخبرني عبد الرحمن بن جابر، قال: فحدثني من سمع البطال يخبر مالك بن شبيب يعني أمير مقدمة الجيش الذي قتل فيه، عن خبر بطريق أقرُن - صهر البطال –: أن ليون طاغية الروم قد أقبل في نحو مائة ألف، فذكر الحديث فى إشارة البطال عليه باللحاق ببعض مدن الروم المقفلة المخربة، والتحصن به حتى يلحقهم الأمير سليمان بن هشام، وعصيان مالك بن شبيب البطالَ في رأيه هذا، قال: ولقيناه يعني ليون، فقاتل مالك ومن معه حتى قُتل في جماعة من المسلمين، والبطال عصمة لمن بقي من الناس، ووال عليهم، قد أمرهم أن لا يعصوه، فلا يذكروا له اسماً، فتجمعوا عليه، فشد عليهم حتى حمل حملة من ذلك، فذكر بعضُ منْ كان معه اسمَه؛ وناداه، فشدت عليه فرسان الروم حتى شالته برماحها عن سرجه، وألقته إلى الأرض، وأقبلت تشد على بقية الناس، والناس معتصمون بسيوفهم، حتى كان مع اصفرار الشمس. قال الوليد: قال غير ابن جابر: وليون طاغية الروم قد نزل عن دابته، وضرب له مفازة، وأمر برَهَبَته وأساقفته فحضروا، فرفع يده، ورفعوا أيديهم؛ يستنصرون على المسلمين، وزاد أمر قلتهم، وقلة من بقي، فقال: ناد ياغلام برفع السيف، وترك بقية القوم لله، وانصرفوا بنا إلى معسكرنا، والقوم في بلادنا، نغاديهم، ففعل، قال ابن جابر: وانصرف إلى معسكره، وبات، وأمر البطال منادياً فنادى أيها الناس عليكم بسنادة، فادخلوها، وتحصنوا فيها، وأمَّر

стр. 2869

البطال رجلاً على مقدمتهم، وآخر على ساقتهم، لا يخلَّف جريحاً، ولا ضعيفاً فيما قدر عليه، وثبت في مكانه، وثبت معه قريب له في ناس من مواليه، وأمر من يسير في أوائلهم من يقول: أيها الناس الحقوا، فإن البطال يسير بأخراكم، وأمر من يقول في أخراهم أيها الناس الحقوا فإن البطال في أولاكم، يهديكم الطريق ويهيء منزلكم بسنادة، فمضى الناس فلم يصبحوا إلا وقد دخلوا سنادة، وافتقدوا البطال، فأجمع رأيهم على تحصينها والقتال عليها. قال: وأصبح البطال في مكانه في المعركة، به رمق، فلما كان من الغد ركب ليون بجيشه حتى أتى المعركة فوجدهم قد دخلوا سنادة إلا البطال ومن بقي معه، فأخبر به، فأتاه حتى وقف عليه، فقال: أبا يحيى، كيف رأيت؟ قال: ما رأيت، كذلك الأبطال، تَقتلُ، وتُقتلْ، قال ليون: علىّ بالأطباء، فأتي بهم، فأمرهم بالنظر في جراحه،فأخبروه أنها قد أنفذت مقاتله، فقال: هل من حاجة؟ قال: نعم، تأمر من ثبت معي، ومن في أيديكم من أسارى المسلمين بولايتي وكفني والصلاة علي ودفني، وتخلي سبيل من ثبت عندي، ففعل ذلك، وقصد إلى الناس بسنادة، فحاصرهم، فبينما هم على ذلك إذ أشرف من سند أو شيء مشرف على فرسه في رجال على خيول الطلائع، وهو يقول، أيها الناس، أنا ثابت البهراني رسول الأمير سليمان بن هشام، يخبر سرعة سيره إليكم، وهو آتيكم أحد اليومين، فسر ذلك المسلمين، وأصبح ليون سائراً بعسكره، قافلاً إلى القسطنطينية حتى دخلها، وأقبل سليمان بمن معه حتى نزل بسنادة، وأصلح إلى من كان بها حتى رحل عنها. وقال الشاعر: ألم يبلغك من أنباء جيشٍ بأقرُنَ غودروا جثثاً رماما غدوا من عندنا بصريم أمر يجوبون المهاوي والظلاما تقودهم حتوف لم يطيقوا لها دفعاً هناك ولا خصاما ولاقتهم زحوف الروم تهدي بجرار الضحى بعض الأكاما كأن جموعَهم لما تلاقوا ركامٌ رائح يتلو ركاما تلألأ بعضهم لما أتوهم

стр. 2870

مع الإشراق قد لبسوا اللأُما فكان لهم به يومٌ عصيب أثار السابحات به القَتَاما معارك لم تقم فيها بشجوٍ نوائحُ يلتزمن به التزاما نأت عن مالك فيه بواكي ثواكل قد شجين به اهتماما ولم تهمل على البطال عينٌ هناك بعبرة تشفي الهُيَاما عشية باشر الأهوال صبراً بخيل تخرق الجيش اللُّهاما يكُرُّ عليهم بالخيل طعناً وضرباً بقتل البطل الهماما إذا ما خيله حملت عليهم تداعوا من مخافته انهزاما فإن يعلونه الأسبابُ يوماً فقد تلقاه مغواراً حُماما ولم أرَ مثلَه أمضى جَنَاناً وأحمدَ مشهدٍ وأقلَ ذاما فلا تبعد هنالك من شهيدٍ فإنك كنت للهيجا حُساما قال أبو عبد الله ابن عائذ: وليس هذا الشعر من حديث الوليد (١) . [١٢٥] محمد بن عائذ، نا الوليد، قال: فاخبرني عبد الرحمن بن جابر، أخبرني من غزا معه، يعني البطال، أنه سمع عبد الوهاب بن بخت المكي (٢) ، وهو يقول: والله لقد كنا نسمع أن سرية ثمانية آلاف ونحوها، يليها رجل من قيس، فيقتل ومن معه إلا الشريد، وآية ذلك أنها خيل جريدة ليس معهم إلا راحلة، فانظروا هل ترون إبلاً أو راحلة، فركب بعض أهل المجلس فجال في العسكر، فقال:لم أر إلا راحلة عند آل فلان، قال: ولقينا العدو، فقتلوا مالكاً يعني ابن شبيب والبطال وعبد الوهاب بن بخت المكي (٣) .

стр. 2871

[١٢٦] محمد بن عائذ، نا الوليد بن مسلم، قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز ولى على غازية البحر المخارق بن ميسرة بن حجر الطائي، فلم يزل والياً حتى توفي، فولى يزيدُ بن عبد الملك المغيرةَ بن عمير الأزدي، من أهل حرستا، فلم يزل حتى توفي يزيد، وولي هشامُ بن عبد الملك فأقره سنتين، ثم عزله، وولَّى بريد [يزيد] بن أبي مريم الثقفي، قال: وعزل يعني هشاماً بريد [يزيد] وولَّى الأسودَ بن بلال المحاربي، وولي يزيدُ بن الوليد فعزله يعني الأسود ابن بلال، وولاه الأردن، وولَّى غازية البحر المغيرةَ بن عمير، فلم يزل عليه حتى سار إليه ابن أبي الأعور السلمي من طبرية، فقتله (١) [١٢٧] ابن عائذ، نا الوليد، قال: عزل هشامُ بن عبد الملك ابنَ أبي مريم عن غازية البحر، وولَّى الأسود بن بلال المحاربي. حدثنا الوليد، نا غير واحد أن سبب ولاية هشام بن عبد الملك الأسودَ بن بلال غازية البحر أن والي دمشق ولى الأسودَ بن بلال ولاية مدينة بيروت من ساحل دمشق، لمكان أم الأسود عند سليمان بن حبيب القاضي، فأغارت الروم على سفن من التجار مرسية بنهر بيروت، فذهبت بها، ومرت بها على باب ميناء بيروت، وأهلها ممسوكون بأيديهم هيبة له، فصاح الأسودُ بهم، وركب قوارب فيها لنسيه [كذا] وقد أفتق بطلبهم حتى استنقذ تلك المراكب، وقتل منهم، وكتب إلى هشام، فكتب هشام إلى الأسود بولايته على البحر، فلم يزل يحمدُ حزمه وعزمه وصنع الله له حتى توفي هشام، فأقره الوليد بن يزيد حتى قتل، وولي يزيدُ بن الوليد فعزله، وولاه الأردن، وولى غازية البحر المغيرة بن عمير (٢) .

стр. 2872

[١٢٨] قال: ونا الوليد، حدثني الليث؛ يعني ابن تميم القارىء (١) ، وابن أبي كريمة أن الروم قاتلته على باب ميناء صور، فأخرج إليهم خالد بن الحسفان الفارسي فهزمهم، وطلبهم، فأرست سفينة من سفن الروم بأهلها على جزيرة صور فأسرهم، وكتب ابن أبي مريم إلى هشام يخبره بقتال الروم إياه على باب ميناء صور، فوجه إليهم ابنه الشرف فهزمهم، وأدرك سفينة في جزيرة صور راسية فأسر أهلها، قال: وكتب صاحب البريد بطبرية؛ إن الذي ولي قتالهم وطلبهم خالد الفارسي، فكتب إليه هشام: إنه ليس بالشرف ولكنه الوضيع، وكذبت، فنقل (٢) خالداً وأصحابه ذلك المركب، إلا خمسة، وعزل يزيد، وولّى الأسود بن بلال المحاربي (٣) . [١٢٩] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: وبويع الوليد بن يزيد، يعني في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، واستعمل على الصائفة أخاه الغمرَ بن يزيد (٤) . قال ابن عائذ، وحدثنا الوليد، قال: فحدثني غير واحد بحديث قد وهمت فيه، أن الغمر بن يزيد شتى في صائفته هذه، وأنا أشك في صائفة أخرى بعدها بسنة [كذا] وثلاثين ألفاً. وقتل الوليد بن يزيد على ذلك ولم يكن للناس صائفة بعد ذلك (٥) .

стр. 2873

[١٣٠] ابن عائذ، قال: قال الوليد: فحدثني من سمع واصلاً - رجل من أهل دمشق ممن كان يعرف بالصلاح والصلاة والصبر عليها، فابتلي بالأسر، فكانت الروم تكرمه لما ترى من حاله، قال واصل: لما اختلف قسطنطين وأرطباس بعثني قسطنطين ببطارقته إلى الوليد بن يزيد يستنصره على أرطباس، وجعل العهد لئن أنا قمت برسالته، والإعراب عنه مع بطارقته جائزة كذا وكذا، وتخلية سبيلي، قال: فقدمت على الوليد بهم، وتقدم من عند أرطباس من يسأل الوليد نصرتهم وموالاتهم على قسطنطين، قال واصل: فتكلمت عند الوليد، وقامت البطارقة بلغت عن صاحبها، وقامت بطارقة أرطباس فتكلمت عن أرطباس، واستمع الوليد من الفريقين، ثم أقبل عليهم فقال: لو كنت ناصراً أحداً لنصرت قسطنطين على من خالفه، ولكن انصرفوا، فكلكم عدو، وليس بيني وبين أحد منكم إلا السيف، ثم أقبل على البطارقة الذين جئت بهم فقال: أرأيتم صاحبنا هذا أثخنته الجراحة فأسرتموه، فلا سبيل لكم إليه قد رده الله، أم ألقى بيديه فهو عبدكم يرجع معكم؟ فقالوا: بل أثخنته الجراحة، فحبسني الوليد، وأمر بالجيش فسيروا، وأمضى الغمر بن يزيد في صائفته، فوافى اختلافاً بينهم فغنم وسبى (١) . [١٣١] محمد بن عائذ، نبأنا الوليد، قال: لما ولي مروان بن محمد (٢) ولَّى، يعني غزو البحر تركه بن يزيد العاملي، وَلّى من بعده معن بن سالم العاملي (٣) ، ثم وَلّى مكانه حذيفة بن سعيد السلامي (٤) ، ثم ولى من بعد الحارث بن سليمان العنسي (٥) . [العصر العباسي]

стр. 2874

[١٣٢] محمد بن عائذ، قال: قال الوليد: أدركت ولاية الأمين، وأمراء المؤمنين من آل رسول الله قد ائتموا بما مضى من سنة رسول الله، ومن بعده من ولاة الأمر في.. والصوائف، وتقوية المجاهدين، فكان من ذلك إغزاء أمير المؤمنين أبي العباس عبد الله بن علي (١) على ما.. جرد بها الناس إدراك مائة ألف أو يزيدون حتى افتتن عبد الله بن علي بعد وفاة أبي العباس (٢) . [١٣٣] محمد بن عائذ، أنا الوليد، عن أبي حريش الكناني (٣) ، قال: كنا في سنة خمس يعني وثلاثين ومئة وعبد الله بن علي يومئذ بدابق على صائفة الناس، ومعه من أهل الشام وغيرهم نحو من مائة ألف، قال أبو الحريش: أظنه عام عمورية، قلنا: وما ذلك يا أبا حريش؟ قال: غزونا الصائفة مع عثمان ابن حيان في خلافة يزيد بن عبد الملك حتى نزلنا على عمورية، وأقام عليها ستة وثلاثين منجنيقاً، وجدّ في حصارها وقتالهم إذ خرج رجل منا من كنانة من أهل فلسطين إلى البراز، في دير الحبيش الذي دونها، فكلمه الحبيش، وقال له في ذلك قولاً أتانا به عنه، فذهبنا به إلى عثمان بن حيان، فأخبره بمقالته، فركب معه حتى وقف على الحبيش، وأمر صاحبنا أن نكلمه، فتقدم فكلمه، فقال: إني قد أخبرت أميرنا بمقالتك، وها هو ذا قد أحب أن يسمعه منك، قال الحبيش: أجل هو كما قلت لك: لا تقدرون على فتحها حتى يكون الذي بينكم رجل من أهل بيت نبيكم، وحتى يكون فيكم قوم شعورهم شعور النساء، ولباسهم لباس الرهبان، فيومئذ يفتحونها، فوالله لكأني أنظر إليهم يدخلونها من هذا الباب ويخرجون من ذاك. قال أبو الحريش: فعاد عثمان إلى منزله، وأمر بتحريق المجانيق، وأمر منادياً ينادي: يا أيها الناس أصبحوا على ظهر مغيرين إلى داخل أرض الروم، ففعل الناس فمضى، ثم قفل بنا (٤) .

стр. 2875

[١٣٤] محمد، قال: فلما كان سنة ست وثلاثين ومائة أغزى أبو العباس جماعة من أهل الشام والجزيرة والموصل كما كانوا يغزون، وأغزى جماعة من أهل خراسان وأهل العراقين، وولى على جماعتهم عبد الله بن علي، وأمره بالإدراب، وولى أبا جعفر عبد الله بن محمد الموسم، معه أبو مسلم، فشخص عبد الله عن دابق حين نزل دلوك (١) يريد الإدراب، فتوفي أبو العباس يوم الأحد لاثني عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر، وعهد إلى أبي جعفر في مرضه، وعيسى بن محمد، وعيسى بن علي، ومن كان بالأنبار منهم، فرأوا كتمان عبد الله بن علي ذلك، ليتم إدرابه، وكتبوا إلى صالح بن علي - وهو بمصر - بولايته على عمله الأول، وعلى من كان يليه عبد الله بن علي من الشام، ويأمرونه بالمسير إلى ذلك، فمر الرسولُ بذلك إلى علي بن صالح بن علي بقريب له بحلب، فباح به إليه، واستكتمه إياه يوماً وليلة ومضى الرسول، فأخبر بذلك المُستكتَمُ عاملَ عبد الله بن علي على حلب، فكره أن يكتب بما لا ينفقه إلى عبد الله بن علي، فأرسل في طلب الرسول، فأدركه بقليل، فأخذ كتابه، فبعث به إلى عبد الله بن علي - وهو بدلوك - فقرأه، فجمع إليه الناس، ونعى أبا العباس، ودعا إلى نفسه، واستَشهد حميدَ بن قحطبة وأصحاباً له أن أبا العباس قد كان جعل له العهد في مسيره إلى مروان في الزاب إن هو هزمه، فشهدوا له بذلك، فبايعوه بالخلافة، وانصرف عن الإدراب، ومضى يريد العراق فمر بحران، وفيها موسى بن كعب عامل لأبي جعفر على من خلف بحران من ولده وأهل بيته وأمواله، فحاصرهم أربعين ليلة، وقدم أبو جعفر العراق فوجه إليه أبا مسلم في نحو من أربعين ألفاً، فقاتل عبد الله بن علي فاتحة سنة سبع وثلاثين ومائة وأشهر حتى هزمه الله، واجتمع الأمر لأبي جعفر في سنة سبع وثلاثين ومائة، فلم يكن للناس في تلك السنة صائفة، إلا أن أبا جعفر
следующие страницы →