← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

يقول ابن السراج في مقدمة هذا القسم:» هذا الحدّ إنما سمّي تصريفًا لتصريف الكلمة الواحدة بأبنية مختلفة، وخصّوا به ما عرض في أصول الكلام، وذواتها من التغيير، وهو ينقسم خمسة أقسام: زيادةٌ، وإبدال، وحذفٌ، وتغييرٌ بالحركة والسكون، وإدغامٌ؛ وله حدٌّ يعرف به « (١) . وواضح أنه رتب هذه الأبواب على هذا الأساس في التغيير، فبدأ بالزيادة؛ لأن المباحث التالية لها تقتضي معرفتها أولاً، ثم كان الإبدال؛ لأنه أقل المباحث تغييرًا، ثم كان آخر المباحث التي ترتبط بالتغيير، وختم التصريف بالإدغام؛ لأن تأخيره مفيدٌ للمتعلم لدقة مباحثه، وعسر فهمه. ولم يخرج الصيمريّ كثيرًا عن منهج ابن السراج؛ إذ يقول:» اعلم أن التصريف هو تغيير الكلمة بالحركات والزيادات، والنقصان، والقلب للحروف، وإبدال بعضها من بعض، وأول التصريف: معرفة الحروف الزوائد ومواضعها « (٢) . ومما زاده الصيمريّ باب الإلحاق فذكره قبل حروف البدل، ثم كان التغيير بالحذف والنقل، وكان هذا التغيير عند الصيمريّ بابًا واحدًا؛ لاقتضاء النقل والتحويل للحذف في كثير من مسائله. وبعد، فواضح التقارب بين ابن السراج والصيمريّ في منهجهما، والاختلاف كان يسيرًا، ويبقى ابن السراج له فضل السبق والريادة، ولعل الصيمريّ قد استفاد كثيرًا من ابن السراج كما استفاد غيره، ولم يختلف عنه إلاّ في ترتيب بعض الظواهر والمباحث إما بالتقديم أو التأخير. المذهب الثاني: تقسيم المباحث والأبواب الصرفية أربعة أقسام على النحو التالي: ١- مقدمات. ... ... ٢- التغيير لأجل المعاني الواردة. ٣- ظواهر مشتركة. ... ٤- التصريف. وسار على هذا المذهب ابن مالك في مؤلفاته التي جمع فيها بين النحو والصرف كالألفية والتسهيل، والكافية والشافية. وكان ترتيبه على هذا النسق في المؤلفات الثلاثة، ولم يختلف إلا في التسهيل حيث قدّم التصريف على الظواهر المشتركة.

стр. 2977

والمقدمات عند ابن مالك نوعان: أحدهما: مقدمات مخصوصة بقسم واحد، والأخرى مقدمات عامة لمباحث التصريف كلها. وقد عمد ابن مالك في الألفية والكافية الشافية إلى النوع الأول، وفي التسهيل إلى النوع الثاني. أما النوع الأول فهو: التأنيث، والمقصور والممدود، وذلك لأنها مهمّة في معرفة مباحث القسم الثاني كالتثنية والجمع والنسب والتصغير. أما النوع الثاني فهو: أبنية الأفعال ومعانيها، وهمزة الوصل، والمصادر، والتأنيث، والمقصور والممدود، وقد جمعها ابن مالك في أول الكتاب، ولعلّه أرادها مقدملتٍ عامةٍ لمباحث التصريف المتعددة الأخرى. وكانت أبواب كيفية التثنية وجمع التصحيح وجمع التكسير، والتصغير، والنسب، هي الأبواب التي تُعنى بالقسم الثاني، ورتّبها ابن مالك على النحو السابق في الألفية والكافية الشافية، أما التسهيل فقدّم النسب فجعله أولاً، ثم الجمع ثم التصغير، وترتيبه في الكتابين يتوافق مع قوة التغيير الحادث في الكلمة، ومكان التغيير، فبدأ بالأقوى، وما يحصل فيه تغيير شامل في أول الكلمة أو وسطها أو آخرها إلى أن يصل إلى ما يحصل فيه تغيير في آخر الكلمة وهو النسب؛ وهذا هو منهج ابن السراج الذي سبق بيانه. ونأتي إلى الظواهر المشتركة بين الأسماء والأفعال فلا يبتعد عن ابن السراج والصيمريّ، حيث ذكر في الألفية والتسهيل: الوقف والإمالة، وفي الكافية الشافية: الإمالة والوقف والتقاء الساكنين. أما التصريف فلم يتغيّر عنده ما تقرّر عند أسلافه، فذكر فيه: الميزان الصرفي، والزيادة، والإعلال والإبدال، والحذف، والإدغام، ومسائل التمارين، وذكر في الكافية الشافية: تصريف الأفعال والأسماء، وهو ما جعله مقدمةً للتصريف في الألفية تحت عنوان: الأبنية.

стр. 2978

وبعد، فإن ابن مالك كان يسير على ترتيب متقارب في كل مؤلفاته، ولم يختلف كثيرًا، وإن وجد بعض الاختلاف فإنه يُعزى غالبًا إلى مراعاة ابن مالك مستوى المتعلمين، فيحذف بعض المباحث لصعوبتها، ويؤخر أخرى لأن المتعلّم يحتاج تأخيرها حتى يكون ما قبلها موطئًا وممهّدًا لها. المذهب الثالث: تقسيم أبواب الصرف أربعة أقسام على النحو التالي: ١- ذوات الأبنية. ... ٢- أحوال ذوات الأبنية. ٣- أحوال آخر الكلمة. ٤- التصريف. وسار على هذا المذهب السيوطيّ في» همع الهوامع «، ولم يكن رائدًا فيه، فقد سبقه إلى هذه النظرة أبو عليّ الفارسيّ -كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله. وإن كان قد زعم السيوطيّ (١) أن هذا الترتيب بديع لم يُسبق إليه، فهو يقصد ترتيب الكتاب كله، وكذا ترتيب الأبواب النحوية والصرفية. فذوات الأبنية ذكر فيها: أبنية الاسم، وأبنية الفعل، والمصادر، والمشتقات، وألفا التأنيث، والمقصور والممدود (٢) ، وهذا الترتيب منطقي، فبدأ بأبنية الاسم لشرف الأسماء على الأفعال، ثم ذكر أبنية الأفعال قبل المصادر لأهمية معرفة الأفعال في تسهيل بيان المصادر، ثم المشتقات التي تكون تبعًا للأفعال في الاشتقاق، وذكر المقصور والممدود بعد التأنيث، وذلك ذكرٌ للخاص بعد العام، وهو ترتيب علمي مفيد. أما أحوال ذوات الأبنية فكان على النحو التالي: جمع التكسير، والتصغير، والمنسوب (٣) . وقد نحا السيوطيّ منحى التدرج في التغيير من الأكثر والأعم إلى الأقل والمتأخر. وجاءت بعد ذلك أحوال آخر الكلمة على النحو التالي: التقاء الساكنين، والإمالة، والوقف (٤) ، وإن كانت الإمالة ليست متعلقة بالآخر إلاّ أنها ظاهرة صوتية تلحق أحوال الحركة في الكلمة.

стр. 2979

ثم جاء التصريف (١) ، ولم يخرج فيه عن نمط النحاة السابقين، فذكر فيه: الاشتقاق، والميزان الصرفي، وحروف الزيادة، ومعاني حروف الزيادة، والحذف، والإبدال، والنقل والقلب، ثم الإدغام، وواضحٌ التسلسل المنطقي في الترتيب، والتدرج من الأصل إلى الفرع، ومن الأهم إلى المهم. المذهب الرابع: وهذا المذهب أقرب إلى العشوائية منه إلى المنهجية، فلم يكن له ترتيب منهجي، أو خطة واضحة المعالم يمكن البناء عليها، وإنما هو أشبه بالخواطر، وممَّن سار على هذا المذهب الجزولي في» الجزولية «، وأبو علي الشلوبين في» التوطئة «، ويكفي أن نبيّن الأبواب الصرفية عند أحدهما ليغني عن الآخر؛ لأنهما سلكا ترتيبًا واحدًا لا يختلف، فعند الجزولي كان الترتيب على النحو التالي: ١- التصغير. ٢- ألف الوصل. ٣- النسب. ٤- الهجاء. ٥- الهمزة في الخط. ٦- المقصور والممدود. ٧- الوقف. ٨- جمع التكسير. ٩- الأبنية. ١٠- الاشتقاق. ١١- الإمالة. ١٢- التصريف. ١٣- الإدغام. فضلاً عن أن الكتاب لم يشمل جميع الأبواب الصرفية. القسم الثاني: عرض الصرف قبل النحو: ولم يكن هذا النهج شائعًا بين النحاة والصرفيين؛ ولعلهم جعلوا الصرف متأخرًا في دراسته لصعوبته؛ أو لأن طلبه يحتاج إلى عقلية أقوى مما يحتاجه النحو، أما من ناحية التسلسل المنطقي فإن الصرف يرتبط بالمفردات، وهو أمرٌ سابقٌ للتركيب؛ لأن الصحة في تركيب الجملة ينبغي أن يسبقها صحة المفردات، وهو اهتمام الصرف، ولعلّ هذه النظرة هي التي قادت أبا حيّان إلى أن يقدم الصرف على النحو في كتابه» ارتشاف الضرب «، بل إنه يصرّح بذلك فيقول:» وحصرته [أي موضوع الكتاب] في جملتين: الأولى: في أحكام الكلم قبل التركيب، والثانية: في أحكامها حالة التركيب « (٢) . وقسم حالة الكلمة (٣) في الإفراد ثلاثة أقسام، وكلّها تتعلق بنظرة الصرفيّ، وهذه الأقسام الثلاثة على النحو التالي: ١- ما يكون من أحكام للكلمة نفسها. ٢- ما يلحقها من أولها.

стр. 2980

٣- ما يلحقها من آخرها. أما القسم الأول فذكر أنه يتفرع إلى فرعين (١) : الأول: جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني، وينحصر ذلك في: التصغير، والتكسير، والمصدر، واسمي الزمان والمكان، واسم الفاعل، واسم المفعول، والمقصور والممدود القياسيين. الثاني: تغيير الكلمة لغير معنًى طارئ عليها، وينحصر ذلك في: الزيادة، والحذف، والإبدال، والقلب، والنقل، والإدغام. والقسم الثاني محصورٌ في باب واحد وهو همزة الوصل. والقسم الثالث ينحصر في: التثنية، وجمعي التصحيح، والنسب، والألف المقصورة والممدودة، ونون التوكيد، ونون التنوين. فهذه هي المباحث التي ذكرها في هذه الأقسام التي تُعنى بالكلمة حالة الإفراد، وبقي بابٌ واحد ذكره دون أن يصنفه إنما قال فيه:» ويعرض لبعض الحروف تغيير صفة، وقد تقدم منه شيء في ذكر حروف المعجم، ونذكر هنا ما تبقى علينا من ذلك وهو الإمالة « (٢) . وقد سبق أن قدّم في أول الكتاب (٣) القول في مواد الكلم وهي حروف المعجم وحروف العربية، وجعله مقدّمة لما بعده. وقد ضمّت الجملة الثانية (أحكام الكلمة حالة التركيب) بعض المباحث الصرفية، وهي: التقاء الساكنين، والوقف، والإدغام من كلمتين. وهذا التقسيم يرتبط بمعنى الجملة، ودور الكلمة في بناء الجملة بناءً تامًّا، كما أنه يساير المنطق الذي يبدأ بمعرفة الجزئيات للوصول إلى الكليات، وقد راعى أبو حيان ظاهرة التغيير في ترتيب الأبواب الصرفية كما فعل ابن السراج، فسار على نهجه؛ إذ يبدأ بالباب الذي يحمل عملاً أكبر من غيره. وبعد، فإن أبا حيان قد استفاد من جهود العلماء السابقين، وبخاصة من سار على منهج في ترتيب أبوابه كابن السراج، وأضفى على ذلك لمسات من بنيّات أفكاره وإبداعه، ولهذا جاء ترتيبه يسيرًا على المتعلمين، والباحثين. ب/ استقلال الصرف بالتأليف:

стр. 2981

حين تستعرض كتب التراجم تجد أن المؤلفات في التصريف التي استقلت تأليفًا بهذا العلم لم تكن قليلة، غير أن الذي وصل إلينا يختلف عن هذا العدد، وأكثر تلك المصنفات لم يصل إلينا، أو أنه ظلّ مفقودًا أو مجهولاً. أما أقدم كتاب وصل إلينا فهو كتاب التصريف بشرح ابن جنيّ عليه المسمى» المنصف «، ثم توالت المؤلفات بعد ذلك، غير أننا نقتصر على أهمها، وأكثرها انتشارًا مع الأخذ في الحسبان تمثيل مذاهب التأليف الصرفي، وطريقة ترتيب المسائل الصرفية. وهذه المؤلفات هي التي تبيّن ما هو من التصريف، وما ليس منه؛ إذ المذكور من الأبواب والمسائل سيكون قطعًا تصريفًا، وهذا بخلاف المؤلفات التي جمعت بين الصرف والنحو؛ إذ لا يَتَبَيَّنُ في كثير منها قسم النحو وقسم الصرف، فتأتي الأبواب والمباحث متتالية دون بيان الصرف من النحو. ومن المؤلفات في هذا الباب: ١-» التصريف «: لأبي عثمان المازني (ت٢٤٩هـ) ، وصل إلينا بشرح ابن جنيّ المسمى المنصف «. ٢-» التكملة «: لأبي علي الفارسي (ت٣٧٧هـ) ، وهو الجزء الثاني من كتاب» الإيضاح «. ٣-» التصريف الملوكي «: لأبي الفتح ابن جنيّ (ت٣٩٢هـ) . ٤-» المفتاح في الصرف «: لعبد القاهر الجرجاني (ت٤٧١هـ) . ٥-» الوجيز في علم التصريف «: لأبي البركات الأنباري (ت٥٧٧هـ) . ٦-» التتمّة في التصريف «: لابن القبيصي (ت في أوائل القرن السابع) . ٧-» الشافية «: لابن الحاجب (ت٦٤٦هـ) . ٨-» الممتع «: لابن عصفور (ت٦٦٩هـ) . ٩-» نزهة الطرف «: لابن هشام (ت٧٦١هـ) . وهذه الكتب تنقسم من حيث الموضوعات الصرفية قسمين: ١- ما يقتصر على أصول التصريف، وما يتعلق بجعل الكلمة على صيغ مختلفة من غير أن تدلّ على معنًى جديد، وهي:» التصريف «للمازني، و» التصريف الملوكي «، و» المفتاح في الصرف «، و» الوجيز في علم الصرف «، و» التتمة في التصريف «، و» الممتع في التصريف «.

стр. 2982

٢- ما يشمل أصول التصريف والمباحث المتعلقة بجعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني، وهي:» التكملة «، و» الشافية «، و» نزهة الطرف في علم الصرف «. ولم تخرج موضوعات القسم الأول عمّا يلي: ١- أبنية الأسماء والأفعال المجردة والمزيدة، ومعاني الزوائد في الأفعال. ٢- الزيادة، حروفها، ومواقعها، وأغراضها، وأدلتها. ٣- الإبدال. ٤- القلب، والحذف، والنقل. ٥- الإدغام. ٦- مسائل التمارين. أما القسم الثاني فإنه يشمل المباحث والأبواب السابقة بالإضافة إلى الأبواب التالية: التصغير. ٢- النسب. ٣- جمع التكسير. ٤- التقاء الساكنين.٥- الابتداء. ٦- الوقف. ٧- المقصور والممدود. ٨- الإمالة. ٩- تخفيف الهمزة. ومن حيث الترتيب، فقد أصبح الترتيب هدفًا لذاته في كثير من هذه المصنفات؛ ولهذا يقول ابن عصفور:» فإني لمّا رأيت النحويين قد هابوا؛ لغموضه، علم التصريف، فتركوا التأليف فيه والتصنيف، إلاّ القليل منهم فإنّهم قد وضعوا فيه ما لا يُبرِدُ غليلاً، ولا يُحصِّل لطالبه مأمولاً؛ لاختلال ترتيبه، وتداخُل تبويبه، وضعتُ في ذلك كتابًا رفعتُ فيه من علم التصريف شرائعَه، ولّكتُه عاصيَه وطائعَه، وذلّلتُه للفهم بحسن الترتيب، وكثرة التهذيب لألفاظه والتقريب « (١) . وواضح أن ابن عصفور جعل حسن الترتيب يذلّل الفهم، فجعل الترتيب الحسن هدفًا للتأليف، وهو الغالب في المؤلفات المتأخرة؛ إذ إن أصول العلم قد تقررت، ولم تكن الإضافة بالقدر الذي يسمح بتأليف كتاب جديد غير أنّ الذي يُغري بالتأليف هو محاولة الوصول إلى ترتيب جديد يُعين على الفهم وبخاصة للمتعلمين. وقد سلك أصحاب المؤلفات السابقة طرقًا متشابهة غير متباعدة في طريقة ترتيبهم للأبواب الصرفية. ونبدأ بأصحاب القسم الأول:

стр. 2983

فأولهم المازني، في كتابه» التصريف «وقد اشتمل ثمانية عشر بابًا، وصدّر كل باب بقوله: (باب....) ، غير أن هذه الأبواب تعود في مجملها إلى مباحث أقل من هذا العدد، فهي تعود إلى أربعة أبواب رئيسة، وهي: ١- الأبنية. ... ... ٢- الزيادة. ... ... ٣- الإعلال. ... ٤- القياس اللغوي. ويُعدُّ هذا الترتيب ترتيبًا منطقيًا؛ إذ الأبنية مقررة عندهم فيلزم معرفتها، وهذا يدعو إلى معرفة بعض الظواهر التي تعتريها، وأهمها الزيادة والإعلال، ثم يكون القياس اللغوي آخر الأبواب؛ لأن الهدف مما سبق من مباحث وأبواب، فهي تعدّ توطئة وتمهيدًا لهذا الباب؛ فهو أصل التصريف في تلك المرحلة. وممّا يلاحظ أنّ القياس اللغوي ذكره في بابين متفرقين، فالأول ذكره بعد مباحث الزيادة وهو: ما قيس من الصحيح على ما جاء من الصحيح من كلام العرب (١) ، والثاني ذكره بعد مباحث الإعلال وهو: ما قيس من المعتل ولم يجئ مثاله إلاّ من الصحيح (٢) ، وكان بإمكانه أن يجعل البابين في مكان واحد بعد الإعلال، غير أنه يُلمح من ذلك حرص المازني أن يصل إلى هدف الكتاب وهو القياس اللغوي، والتصريف في الألفاظ، ولهذا ذكر هذا الباب حين لم يلزم له شيء في الإعلال، وأخّر الآخر حين لزم تقديم الإعلال عليه.

стр. 2984

ومع هذا الترتيب الذي ذكرناه إلاّ أن الأبواب التي أوردها المازني لا تخرج أبدًا عما ذكره سيبويه في كتابه، ولم يكن ثمة اختلاف سوى الترتيب الذي سلكه المازني، وجمعه لهذه الأبواب المتفرقة عند سيبويه في كتاب واحد، وإهماله لأبنية الأسماء المزيدة والإدغام، ولهذا فكتاب سيبويه أشمل وأوسع مِمّا ذكره المازني، ولعلّ المازني لم يرد إضافة جديد إلى كتاب سيبويه، ولكنه درسه واستوعبه فأراد أن يقدّمه في صورة أخرى تناسب المتعلمين، وتسهل لهم الطريق إلى تعلّم التصريف، ولهذا جاء كتابه مختصرًا موجزًا بعيدًا عن الإسهاب والشرح والتطويل، وهو ما استدعى ابن جنيّ إلى تأليف شرح له؛ إذ يقول:» ولما كان هذا الكتاب الذي قد شرعتُ في تفسيره وبسطه من أنفس كتب التصريف وأسدّها وأرصنها، عريقًا في الإيجاز والاختصار، عاريًا من الحشو والإكثار، متخلصًا من كزازة ألفاظ المتقدمين، مرتفعًا عن تخليط كثير من المتأخرين، قليل الألفاظ، كثير المعاني، عُنيت بتفسير مشكله، وكشف غامضه، والزيادة في شرحه « (١) . وكان ترتيب المازني للأبنية مراعيًا عدد حروف الكلمة، بادئًا بالأسماء والأفعال المجردة الثلاثية ثم الرباعية، ثم الأسماء الخماسية، ثم الأبنية المزيدة في الأفعال، ولم يتطرق -كما سبق بيان ذلك- إلى الأبنية المزيدة في الأسماء، ولعلّه رأى كثرتها، وهو ما لا يليق بهذا المختصر، وإنما يحتاج الأمر إلى وضع قانون يعرف به الأصليّ من الزائد، وهو ما عقّب به بعد الأبنية حيث تحدث عن الزيادة من حيث حروفها، ومواقعها.

стр. 2985

أما الإعلال، فبدأ ببيان مواضع الإعلال للواو والياء حسب مواقع الإعلال، حيث بدأ بالفاء فالعين ثم اللام، وحاول أن يكون ذلك في الثلاثي وما اشتق منه، ثم انتقل بعد ذلك إلى ما زاد على الأربعة، وكما هو واضحٌ فإنه ترتيبٌ قويّ؛ إذ الإعلال في أكثره ينبني على معرفة الأصل، وما أصابه من تغيير، فالإعلال في الأصل، والفرع تبعٌ له، وهو ما نظر إليه المازنيّ هنا. ولم يبتعد أصحاب الكتب الأخرى في هذا القسم عن المازني كثيرًا، وقد نظروا جميعًا إلى أن التصريف خمسة أنواع: زيادة، وبدل، وحذف، وتغيير حركة أو سكون، وإدغام (١) . وهذه الأنواع تحتاج إلى معرفة الأبنية، ولهذا يقول ابن عصفور بعد الحديث عن أدلة الزيادة:» ولمّا كان النظير والخروج عنه لا يُعلمان إلاّ بعد معرفة أبنية الأسماء والأفعال، وضعت من أجل ذلك بابين، حصرتُ في أحدهما أبنية الأسماء، وفي الآخر أبنية الأفعال « (٢) . ولم يستقص ذكر الأبنية سوى ابن عصفور، مع أن عبد القاهر الجرجاني ذكر بابين في الأبنية، أحدهما في الأسماء، والآخر في الأفعال، إلاّ أنه سار فيهما على نحو ما عند المازني، وكذا فعل ابن الأنباري الذي ذكر فصلاً في معرفة أبنية الأسماء التي لا زيادة فيها، ولم يتطرّق إلى الأفعال. وكان القياس اللغوي خاتمة الأبواب في التصريف الملوكي والممتع، ولم تتناوله الكتب الأخرى، وكأنها أرادت ذكر الأصول والمبادئ دون التطبيق والتدريب. أما القسم الثاني الذي يمثله أبو عليّ الفارسيّ في» التكملة «، وابن الحاجب في» الشافية «، وابن هشام في» نزهة الطرف «- فتختلف الثلاثة في طرق ترتيبها.

стр. 2986

فأبو علي اتخذ طريقة التدرج في التغيير منهجًا لترتيب أبوابه الصرفية، ويكفي أن نذكر كلامه الذي يدل على ذلك؛ إذ يقول بعد أن قسّم النحو قسمين، فالأول هو الإعراب، وخصّص له كتابه» الإيضاح «، أما الضرب الآخر فهو:» تغيير يلحق أواخر الكلم، من غير أن يختلف العامل، وهذا التغيير يكون بتحريك ساكن، أو إسكان متحرك، أو إبدال حرف من حرف، أو زيادة حرف، أو نقصان حرف.... والضرب الآخر من القسم الأول وهو التغيير الذي يلحق أنفس الكلم وذواتها، فذلك نحو التثنية والجمع الذي على حدها، والنسب، وإضافة الاسم المعتل إلى ياء المتكلم، وتخفيف الهمزة، والمقصور والممدود، والعدد، والتأنيث والتذكير، وجمع التكسير، والتصغير، والإمالة، والمصادر، وما اشتق منها من أسماء الفاعلين والمفعولين وغيرها، والتصريف، والإدغام، وسنذكر ذلك بابًا بابًا إن شاء الله « (١) . ولم يكن ترتيبه لأبواب الكتاب على هذا النسق الذي ذكره، وإنما راعى بعضه، ولم يلتزم أكثره، وذلك أنه ذكر تخفيف الهمزة في الضرب الثاني، ومع هذا ذكره بعد الوقف الذي هو من الضرب الأول، كما أنه ذكر المصادر والمشتقات وأبنية الأفعال قبل الإمالة وهذا يخالف نصّه السابق. وقد راعى في ترتيب القسم الأول التحريك والتسكين؛ فبدأ بتحريك الساكن وهو التقاء الساكنين، فالابتداء، ثم بتسكين المتحرك وهو الوقف. أما القسم الثاني فبدأ بالتغييرات التي تشترك بين الأسماء والأفعال، ثم التي تخص الأسماء، ثم تلك التي تخص الأفعال وأخيرًا التصريف.

стр. 2987

ولأن الكتاب مخصوص بالتغيير فلم يتناول إلاّ ما اعتراه التغيير، ولهذا لم يذكر تثنية الصحيح في هذا الجزء المخصّص للتصريف؛ إذ يقول:» لا يخلو الاسم المثنّى من أن يكون صحيحًا أو معتلاً، فتثنية الصحيح قد تقدّم ذكرها في الكتاب « (١) ولعلّ أبا علي لم يرد منهجًا واضحًا في إيراده الأبواب الصرفية فيما يخصّ الأسماء؛ لأن هذه الأبواب هي أكثر المباحث الصرفية في الكتاب، ولهذا فقد رتب هذه الأبواب على النحو التالي: ١- تثنية وجمع الأسماء المقصورة والممدودة. ٢- النسب. ٣- العدد. ٤- المقصور والممدود. ٥- المذكر والمؤنث. ... ٦- جمع التكسير. ٧- التصغير. ٨- المصادر والمشتقات. ومما يلاحظ هنا أن أبا علي عدّ العدد من المباحث الصرفية؛ لأنه نظر إلى أن في العدد تغييرًا في ذوات الكلم، فعدّه هنا بناءً على التقسيم الذي اعتمده.

стр. 2988

ومِمّن اختطّ منهجًا قريبًا من منهج أبي علي إلاّ أنّه طوّره وهذبه ابنُ الحاجب في» الشافية «، وقد نهج في ترتيبه منهجًا واضحًا، واعتمد في ذلك على أحوال الأبنية، فبعد أن ذكر المبادئ العامة في التصريف وهي: تعريف التصريف، وأنواع الأبنية، والميزان الصرفي، وانقسام الأبنية إلى صحيح ومعتل، وأبنية الاسم الثلاثية والرباعية والخماسية المجردة، ومزيداتها. شرع في الأبواب الصرفية التي اعتمد في ترتيبها على أحوال الأبنية؛ إذ يصرّح بهذا فيقول:» وأحوال الأبنية قد تكون للحاجة، كالماضي والمضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبّهة، وأفعل التفضيل، والمصدر، واسمي الزمان والمكان، والآلة، والمصغّر، والمنسوب والجمع، والتقاء الساكنين، والابتداء، والوقف، وقد تكون للتوسّع، كالمقصور والممدود، وذي الزيادة، وقد تكون للمجانسة، كالإمالة، وقد تكون للاستثقال، كتخفيف الهمزة، والإعلال، والإبدال، والإدغام، والحذف « (١) . وهذه النظرة من ابن الحاجب نظرة ثاقبة؛ إذ تُعطي هدفًا معيّنًا للأبواب الصرفية، وتوضّح العلل التي بسببها جاءت هذه الأبواب، وتتفرّع هذه العلل، فالحاجة قد تكون» إما لتغيّر المعنى باعتبارها كالماضي والمضارع، وإما للاضطرار إلى بعضها بعد الإعلال كالتقاء الساكنين في نحو» لم يقل «أو بعد وصل بعض الكلم ببعض كالتقائهما في نحو» اذهب اذهب «أو عند الشروع في الكلام كالابتداء، وإما لوجه استحساني لا ضروري كوجوه الوقف « (٢) . وهذا نموذجٌ على تفرّع هذه الأسباب. وكان ابن الحاجب بهذه النظرة رائدًا في مجاله، ولتسلسلها المنطقي الذي ابتعد عن الحشو العشوائي حظيت شافيته بالإقبال الكبير، فشرحها علماء كثر، ونظمها آخرون، ودرس عليها ودرّسها خلقٌ كثير. ولم يبتعد ابن هشام كثيرًا في كتابه» نزهة الطرف «عن ترتيب ابن الحاجب، بل جاء مساويًا لترتيب ابن الحاجب في مجمله، وإن اختلف عنه في بعض الأمور، لعلّ منها:

стр. 2989

أولاً: أن كتاب ابن هشام خلا من بعض الأبواب التي ذكرها ابن الحاجب في كتابه وهي: جمع التكسير، والابتداء، والوقف، والمقصور والممدود، والإمالة، وإن توزعت بعض أحكامها في بعض المباحث التي تتعلق بالتغيير إلاّ أنها قليلة. ثانيًا: اختلف تبويب ابن هشام للأبنية عما كان عند ابن الحاجب؛ إذ بدأ ابن هشام بالأفعال الثلاثية، وذكر صياغة المشتقات منها والمصادر ثم ثنّى بعد ذلك بالأفعال الرباعية ومشتقاتها ومصادرها، وبعد ذلك جاء بأوزان الأسماء الثلاثية فالرباعية فالخماسية، على حين جعل ابن الحاجب الأوزان الثلاثية والرباعية والخماسية للأسماء من مبادئ علم التصريف، وجعل أوزان الأفعال من أحوال الأبنية. ثالثًا: أن كتاب ابن هشام أشدّ اختصارًا من شافية ابن الحاجب. رابعًا: جعل ابن هشام الإعلال في بابين هما: القلب والنقل، وقدّم الحذف على الإدغام على عكس ابن الحاجب. ومع هذا الاختلاف إلاّ أن شخصية ابن الحاجب ظهرت بوضوح في كتاب ابن هشام» نزهة الطرف «ولعل تأثر ابن هشام بالشافية كان واضحًا، ولا أدلّ على ذلك من أنه شرحها بشرح سماه: عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب (١) . • • • الخاتمة: الترتيب الصرفي أخذ عناية العلماء المتقدمين والمتأخرين، وما ذلك إلاّ لإيمانهم أن الترتيب الجيد يوصل إلى الهدف والغاية بسهولة ويسر، كما أن التخطيط لأيّ عمل يولّد إنتاجًا وبناءً قويًّا ومتكاملاً، ويمكن أن نذكر في نهاية هذا البحث بعض النتائج التي ظهرت خلال البحث والمناقشة:

стр. 2990

١- كان حرص النحاة والصرفيين بهذه المؤلفات التي وضعوها ضبط اللغة، وتقريب قوانينها وقواعدها إلى أفهام الناس، وبخاصة المتعلمين، كما لا يخفى سعي العلماء إلى إبراز ما تكنُّه هذه اللغة من إعجاز وبيان، ولأجل ذلك توسعوا في دراسة الظواهر اللغوية وحاولوا -ما استطاعوا- تقنينها وتقعيدها حتى يسهل تعلمها وإدراكها، ولا يضيرهم إن بقيت بعض المواد اللغوية متعلقة ومرتبطة بسماع العرب، ولهذا قال ابن فارس:» إن لعلم العرب أصلاً وفرعًا: أما الفرع فمعرفة الأسماء والصفات، كقولنا: رجلٌ وفرس، وطويل وقصير، وهذا هو الذي يبدأ به عند التعلم. وأما الأصل فالقول على موضوع اللغة، وأوّليتها ومنشئها، ثم على رسوم العرب في مخاطباتها، وما لها من الافتنان تحقيقًا ومجازًا. والناس في ذلك رجلان: رجلٌ شُغل بالفرع فلا يعرف غيره، وآخر جمع الأمرين معًا، وهذه هي الرتبة العُليا؛.... والفرق بين معرفة الفروع ومعرفة الأصول: أن متوسّمًا بالأدب لو سُئل عن الجزم (١) والتسويد (٢) في علاج النوق، فتوقّف أو عيّ به أو لم يعرفه - لم ينقصه ذلك عند أهل المعرفة نقصًا شائنًا؛ لأن كلام العرب أكثر من أن يُحصى. ولو قيل له: هل تتكلم العرب في النفي بما لا تتكلم به في الإثبات؟ ثم لم يعلمه - لنقصه ذلك في شريعة الأدب عند أهل الأدب؛ لا أنّ ذلك يُردي دينه أو يجرُّه لمأثم. كما أنّ متوسّمًا بالنحو لو سئل عن قول القائل: لَهِنّك من عبسيّة لوسيمةٌ ... ... على هنواتٍ كاذبٌ من يقولها فتوقف أو فكّر أو استمهل - لكان أمره في ذلك عند أهل الفضل هيّنًا. لكن لو قيل له مكان (لهنّك) : ما أصل القسم؟ وكم حروفه؟ وما الحروف الخمسة المشبّهة بالأفعال التي يكون الاسم بعدها منصوبًا وخبره مرفوعًا؟ فلم يُجب - لحكم عليه بأنه لم يشامّ صناعة النحو قطّ، فهذا الفصلُ بين الأمرين « (٣) .

стр. 2991

ولأجل ضبط قياسات اللغة، واستخراجها من منطوق العرب، والوصول بالمتعلم إلى الرتب العليا في معرفة أصول اللغة، حرص العلماء على الإكثار من التعمّق في اللغة بغية الضبط والتقنين والتقعيد؛ لأن الضوابط والقوانين والقواعد هي التي يَسهل تعلمها ويُقبل عليها الخلق الكثير، بعكس حفظ اللغة ومتونها وألفاظها، فهذه لا يصل إليها إلا الخاصة. وحين ينتقد المتأخرون هؤلاء العلماء الأسلاف على هذا الضبط، فإن ذلك ليس مسوّغًا للنقد والخروج على هؤلاء بمحاولة بعثرة هذا الجهد، وسيكون البديل معدومًا عندهم. أذكر ذلك حين اطلعت على مقالة للدكتور كمال بشر في مفهوم علم الصرف (١) ، والذي يحاول أن يخرج كثيرًا من المباحث والأبواب من علم الصرف؛ لعدم استقامة القاعدة واطّرادها، أو أن متن اللغة أولى بها من الصرف، ولو بقيت تلك المباحث التي عدّها الدكتور بشر من اللغة بعيدة عن الصرف، وصار مجالها المعاجم والقواميس لأصبحت بمنأى عن التعلُّم والإدراك، ولا يحتج بصعوبة ظاهرة من الظواهر على إخراجها من أحد العلوم. ٢- الجمع بين النحو والصرف في مؤلف واحد كان ديدن العلماء الذين ألفوا في النحو، وممّا يلفت له أن النحو متقدّم على الصرف في أكثر تلك المصنفات، مع أن معرفة التصريف تتقدم تسلسلاً على معرفة النحو، ولهذا يوضّح ابن جنيّ العلة في ذلك فيقول:» من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف؛ لأن معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن يكون أصلاً لمعرفة حاله المتنقلة، إلاّ أن هذا الضرب من العلم لما كان عويصًا صعبًا بُدئ قبله بمعرفة النحو، ثم جيء به بَعْد، ليكون الارتياضُ في النحو موطّئًا للدخول فيه، ومعينًا على معرفة أغراضه ومعانيه، وعلى تصرّف الحال « (٢) .

стр. 2992

وعلى هذا فإنْ تأخَّر التصريف في المؤلفات فهو مقدّم على النحو في المعرفة، وليس تأخره تقليلاً من أهميته؛ فقد يتأخر الشيء وهو أهمُّ من غيره المتقدم، وإنما ينظر إلى جانب آخر وهو قضية التعلم. ٣- بعض المؤلفات في الصرف من قبيل الترف العلمي؛ إذ إنّ غيرها يغني عنها، ولم يضف جديدًا في المادة العلمية، أو الترتيب، وقد يكون الجديد فيها الأسلوب الذي صيغت به، ولعلّ حرص بعض العلماء على أن يناسب تفكير العصر العلمي هو الذي يدفعه إلى أن يقدّم كتابًا مؤلفًا بأسلوب ذلك العصر، وعلى هذا فمراعاة العصر في التأليف كانت ظاهرة في المؤلفات الصرفية، وهذا يدعم موقف من يرى أن التأليف بأُسلوب عصري قد يكون هو الجديد، وهو مسوّغٌ يكفي لتأليف كتاب جديد عندهم. ٤- الترتيب الواضح هو الذي يجمع المتشابهات، ويضمّ المتفرقات في أبواب متناسقة، ويبدأ بالأبواب اليتيمة، أي التي يحتاجها غيرها ولا يلزم في معرفتها معرفة غيرها، وهذا الترتيب يساعد على الفهم الجيد. يقول ابن عصفور وهو يتحدث عن علم التصريف:» وذلّلته للفهم بحسن الترتيب، وكثرة التهذيب لألفاظه والتقريب حتى صار معناه إلى القلب أسرع من لفظه إلى السمع « (١) . ٥- الترتيب الصرفي أخذ عدة طرائق لعرض المادة العلمية، تتلخص في ست طرائق: ١- طريقة ابن السراج، وهو رائد في الترتيب الصرفي، وقد ألف كتابه» الأصول «ليصل بالمادة النحوية والصرفية إلى ترتيب بديع. ٢- طريقة الزَّمَخْشَرِيّ، وذلك بعرض المباحث التي تخصّ الأسماء ثم الأفعال، ثم المشتركة بينهما، غير أن ذلك يتم بالتداخل مع المباحث النحوية. ٣- طريقة ابن الحاجب، وذلك بالنظر إلى أحوال الأبنية، وهو أسلوبٌ جديد في عرض المادة العلمية اهتم العلماء به بعد ذلك. ٤- طريقة السيوطيّ، وذلك بتقسيم الأبواب إلى أربعة بالنظر إلى ذات الأبنية وأحوالها، وأحوال أواخرها ثم التصريف، وإن أشار إليه بشيء يسير في مقدمته أبو عليّ الفارسيّ.

стр. 2993

٥- طريقة ابن مالك، وذلك بعمل مقدمات يذكر فيها الأصول والمبادئ لعلم التصريف، ثم يرتب الأبواب بحسب ظواهر التغيير وأنواعه. ٦- طريقة أبي حيان، وقد كان متفردًا بتقديم علم التصريف على النحو، ومنفردا في طريقته التي اعتمدت على عرض أحكام الكلمة حسب موقعها من الكلام. ٧- طريقة أصحاب الكتب التي استقلت بعلم التصريف، وهي نوعان: ... ... ١- عرض أصول التصريف ومبادئه، وما يتعلق بجعل الكلمة على صيغ مختلفة من غير أن تدلّ على معنًى جديد. ٢- عرض أصول التصريف، والمباحث المتعلقة بجعل الكلمة على صيغ مختلفة من غير أن تدل على معنًى جديد، وكذا ما تدل على ضروبٍ من المعاني. وفي الختام أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به، والله ولي التوفيق. الحواشي والتعليقات (١) من الشروح: - ... شرح الملوكي في التصريف. - ... شروح شافية ابن الحاجب. - ... شرح السيرافي على الكتاب. - ... شرح الرماني على الكتاب. - ... وشروح ألفية ابن مالك. ينظر: الصحاح: ٤/١٣٨٥؛ واللسان: ٩/١٨٩؛ والقاموس المحيط: ٣/١٦٦؛ وتاج العروس: ١٢/٣١٨. المنصف: ١/٤. الكتاب: ٤/٢٤٢. شرح الكتاب: ٥/٢١٠. المقتضب: ١/٣٥. الأصول: ٣/٢٣١. ينظر: الأصول: ٣/٢٣١. التكملة: ١٨١، ١٨٢. المنصف: ١/٣، ٤. المفتاح في الصرف: ٢٦. الممتع: ١/٣١-٣٣. الشافية: ٦. ينظر: شرح الشافية: ١/٤، ٥. التسهيل: ٢٩. ينظر: التصريح: ٢/٣٥٢؛ وتصريف الأفعال: ٤٢. الكتاب: ٤/٢٤٢. المقتضب: ١/٣٥. المقتضب: ١/١٧٢. الأصول: ٣/٢٣١. التكملة: ١٨١-١٨٥. ينظر: التكملة: ١٨٥. الممتع: ١/٣١. ينظر: الصحاح: ١/١٣٣؛ واللسان: ١/٤٠٩؛ والتعريفات: ٥٥. التعريفات: ٥٥. التكملة: ١٨١. ينظر: الكتاب: ٣/٣٣٥. ينظر: الكتاب: ٣/٢٣٢. ينظر: الكتاب: ٣/٢٣٥. ينظر: الكتاب: ٣/٢٣٤. ينظر: الكتاب: ٣/٢٤٢. ينظر: الكتاب: ٣/٢٤٦. ينظر: الكتاب: ٣/٣٨٩. ينظر: الكتاب: ٣/٣٩٠. ينظر: الكتاب: ٣/٤١٥. ينظر: الكتاب: ٣/٤٩٦.

стр. 2994

ينظر: الكتاب: ٣/٥٠٨. ينظر: الكتاب: ٣/٥٢٩. ينظر: الكتاب: ٣/٥٣٦. ينظر: الكتاب: ٣/٥٤١. ينظر: الكتاب: ٣/٥٥٧. ينظر: الكتاب: ٤/٥. ينظر: الكتاب: ٤/١١٧. ينظر: الكتاب: ٤/١٤٤. ينظر: الكتاب: ٤/١٥٢. ينظر: الكتاب: ٤/١٦٦. ينظر: الكتاب: ٤/٢٣٥. ينظر: الكتاب: ٤/٢٣٧. ينظر: الكتاب: ٤/٢٤٢. ينظر: المقتضب: ١/٥٣. ينظر: المقتضب: ١/٥٦. ينظر: المقتضب: ١/٦١. ينظر: المقتضب: ١/٦٦. ينظر: المقتضب: ١/٦٨. ينظر: المقتضب: ١/٧٠. ينظر: المقتضب: ١/٧١. ينظر: المقتضب: ١/٨٠. ينظر: المقتضب: ١/٨٦. ينظر: المقتضب: ١/٨٨. ينظر: المقتضب: ١/٩١. ينظر: المقتضب: ١/٩٦. ينظر: المقتضب: ١/٩٩. ينظر: المقتضب: ١/١٠٤. ينظر: المقتضب: ١/١١١. ينظر: المقتضب: ١/١١٥. ينظر: المقتضب: ١/١١٧. ينظر: المقتضب: ١/١١٨. ينظر: المقتضب: ١/٢٣٦. ينظر: المقتضب: ١/١٣٣. ينظر: المقتضب: ١/٤٢. ينظر: المقتضب: ١/١٩٢. ينظر: الأصول: ٢/٤٠٧. ينظر: الأصول: ٢/٤١٥. ينظر: الأصول: ٢/٤٢٩. ينظر: الأصول: ٣/٣٦. ينظر: الأصول: ٣/٦٣. ينظر: التبصرة: ٢/٥٨٥. ينظر: التبصرة: ٢/٦٠٨. ينظر: التبصرة: ٢/٦١٣. ينظر: التبصرة: ٢/٦٣٢. ينظر: التبصرة: ٢/٦٤٠. ينظر: التبصرة: ٢/٦٨٦. ينظر: الأصول: ٢/٣٦١. ينظر: الأصول: ٢/٣٧١. ينظر: الأصول: ٢/٣٩٨. ينظر: الأصول: ٣/١٦٠. ينظر: التبصرة: ٢/٧١٠، ٧١٦، ٧٢٣، ٧٣٢، ٧٣٧. الأصول: ٢/٣٦١. الأصول: ٢/٣٦٦. الأصول: ٢/٣٦٧. الأصول: ٢/٢٧. ينظر: الأصول: ٣/١٥٦. الأصول: ٣/٨٥. ينظر: الأصول: ٣/١٦٠. ينظر: الأصول: ٣/٨٩-٩٧. ينظر: الأصول: ٣/١٦٠. ينظر: الأصول: ٣/١٧٩. ينظر: التبصرة: ٢/٧٤٣. التبصرة: ٢/٧٥٤. ينظر: التبصرة: ٢/٧٥٤. التبصرة: ٢/٧٨٣. الأصول: ٣/٢٣١. التبصرة: ٢/٧٨٨. ينظر: همع الهوامع: ١/١٨. ينظر: همع الهوامع: ٣/٢٥٥-٣٠٧. ينظر: همع الهوامع: ٣/٣٠٨-٣٦٩. ينظر: همع الهوامع: ٣/٣٧٠-٤٠١. ينظر: همع الهوامع: ٣/٤٠٧-٤٤٩. ارتشاف الضرب: ١/٤. ينظر: ارتشاف الضرب: ١/١٣.

стр. 2995

ينظر: ارتشاف الضرب: ١/١٣. ارتشاف الضرب: ١/٢٣٧. ينظر: ارتشاف الضرب: ١/١٣. الممتع: ١/٢٢. ينظر: المنصف: ١/١٧٣. ينظر: المنصف: ٢/٢٤٢. المنصف: ١/٥. ينظر: التصريف الملوكي: ١٣، وقد صرّح ابن جنيّ فيه بهذا التقسيم، أما الكتب الأخرى فبوّب مسائلها على هذا التقسيم دون تصريح. الممتع: ١/٥٩. التكملة: ١٨٢-١٨٥. التكملة: ٢٣٧ ويقصد بقوله (أول الكتاب) كتاب الإيضاح؛ لأنه يعد كتاب التكملة -كما سبق- الجزء الثاني لكتاب الإيضاح. الشافية: ١٥، ١٦. شرح الشافية للرضي: ١/٦٦. ينظر: نزهة الطرف: ٤٨. الجزم: شيء يدخل في حياء الناقة لتحسبه ولدها فترأمه. الصحاح: ٥/١٨٨٧، واللسان: ١٤/٣٦٥. التسويد: معالجة أدبار الإبل بالشعر المدقّ من الكساء. ينظر: اللسان: ٤/٢١٣. الصاحبي في فقه اللغة العربية: ٣-٥. ينظر: مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، الجزء الخامس والعشرون: ص١١٠. المنصف: ١/٤، ٥. الممتع: ١/٢٢. المصادر والمراجع المطبوعات ارتشاف الضرب من لسان العرب. أبو حيان الأندلسي. الطبعة الأولى. تحقيق: د. مصطفى النماس. القاهرة: مطبعة المدني، ١٤٠٨هـ - ١٩٨٧م. الأصول في النحو. أبو بكر محمد بن سهل بن السرّاج. الطبعة الثالثة. تحقيق: د. عبد الحسين الفتلي. بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م. الإيضاح. أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار. الطبعة الثانية. تحقيق: د. كاظم بحر المرجان. بيروت: عالم الكتب، ١٤٠٦هـ - ١٩٩٦م. تاج العروس من جواهر القاموس. محب الدين محمد مرتضى الزبيدي. تحقيق: علي شبري. بيروت: دار الفكر، ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م. التبصرة والتذكرة. أبو محمد عبد الله بن علي بن إسحاق الصيمري. الطبعة الأولى. تحقيق: د. فتحي أحمد مصطفى عليّ الدين. مكة المكرمة: جامعة أم القرى، ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م.

стр. 2996

التتمة في التصريف. أبو عبد الله محمد بن أبي الوفاء الموصليّ. الطبعة الأولى. تحقيق: د. محسن بن سالم العميري. مكة المكرمة: نادي مكة الثقافي الأدبي، ١٤١٤هـ-١٩٩٣م. تصريف الأفعال. د. عبد الحميد السيد عبد الحميد. القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م. التعريفات. الشريف علي بن محمد الجرجاني. الطبعة الثالثة. بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م. التعليقة على كتاب سيبويه. أبو علي الحسن بن أحمد الفارسيّ. تحقيق: د. عوض بن حمد القوزي. الرياض: جامعة الملك سعود، ١٤١٥هـ - ١٩٨٤م. التكملة. أبو علي الفارسي. تحقيق: د. حسن شاذلي فرهود. الرياض: جامعة الرياض. التوطئة. أبو علي الشلوبيني. تحقيق: د. يوسف أحمد المطوع. مطابع سجل العرب، ١٤٠١هـ - ١٩٨١م. خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب. عبد القادر بن عمر البغدادي. الطبعة الثانية. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي، ١٩٧٩م. الخصائص. أبو الفتح عثمان بن جني. الطبعة الثالثة. تحقيق: محمد علي النجار. بيروت: عالم الكتب، ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م. ديوان الأدب. أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي. الطبعة الأولى. تحقيق: د. أحمد مختار عمر. القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م. الشافية في علم التصريف. جمال الدين ابن الحاجب. الطبعة الأولى. تحقيق: حسن أحمد العثمان. مكة: المكتبة المكية، ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م. شرح الكافية الشافية. جمال الدين ابن مالك. تحقيق: د. عبد المنعم هريدي. مكة المكرمة: جامعة أم القرى. شرح المقدمة الجزولية الكبير. أبو علي عمر الشلوبين. الطبعة الأولى. تحقيق: د. تركي بن سهو العتيبي. الرياض: مكتبة الرشد، ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م. شرح الملوكي في التصريف. ابن يعيش. الطبعة الأولى. تحقيق: د. فخر الدين قباوة. حلب: المكتبة العربية، ١٣٩٣هـ - ١٩٧٣م.

стр. 2997

شرح شافية ابن الحاجب. رضي الدين محمد بن الحسن الأستراباذي. تحقيق: محمد نور الحسن؛ ومحمد الزفزاف، ومحمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م. شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ. جمال الدين بن محمد بن مالك. تحقيق: عدنان عبد الرحمن الدوري. بغداد: مطبعة العاني، ١٣٩٧هـ - ١٩٧٧م. شرح كتاب سيبويه. أبو الحسن الرمّاني. تحقيق: د. المتولي الدميري. القاهرة: مطبعة التضامن، ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م. الصاحبي. أبو الحسين أحمد بن فارس. تحقيق: السيد أحمد صقر. القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي. الصحاح. إسماعيل بن حمّاد الجوهريّ. الطبعة الثالثة. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطّار. بيروت: دار العلم للملايين، ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م. القاموس المحيط. مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي. بيروت: دار الجيل. كتاب سيبويه. أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (سيبويه) . تحقيق وشرح: عبد السلام هارون. عالم الكتب: بيروت. اللباب في علل البناء والإعراب. أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري. الطبعة الأولى. تحقيق: غازي طليمات؛ ود. عبد الإله نبهان. بيروت - دمشق: دار الفكر، ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م. لسان العرب. جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور. الطبعة الأولى. بيروت: دار صادر، ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م. المغني في تصريف الأفعال. د. محمد عبد الخالق عضيمة. دار الحديث. المفصّل في علم اللغة العربية. أبو القاسم محمود بن عمر الزَّمَخْشَرِيّ، الطبعة الأولى. مصر: مطبعة التقدم، ١٣٢٣هـ. المقتضب. أبو العباس محمد بن يزيد المبرد. تحقيق: محمد عبد الخلق عضيمة. بيروت: عالم الكتب. الممتع في التصريف. ابن عصفور الإشبيلي. تحقيق: د. فخر الدين قباوة. بيروت: دار المعرفة. مناهج الصرفيين ومذاهبهم في القرنين الثالث والرابع من الهجرة. د. حسن هنداوي. الطبعة الأولى. دمشق: دار القلم، ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.

стр. 2998

المنصف في شرح كتاب التصريف. أبو الفتح عثمان بن جني. الطبعة الأولى. تحقيق: إبراهيم مصطفى؛ وعبد الله أمين. القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م. نزهة الطرف في علم الصرف. عبد الله بن يوسف النحوي الأنصاري المعروف بابن هشام. تحقيق: د. أحمد عبد المجيد هريدي. القاهرة: مكتبة الزهراء، ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م. همع الهوامع في شرح جمع الجوامع. جلال الدين السيوطي. الطبعة الأولى. تحقيق: أحمد شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٨هـ - ١٩٩٨م. الوجيز في علم التصريف، أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري، تحقيق: د. علي حسين البواب، دار العلوم، ١٤٠٢هـ. المخطوطات شرح كتاب سيبويه. أبو سعيد السيرافي. صنعاء: مكتبة دار المخطوطات ٣٩٠، مصورة بمكتبة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى رقم ١١٥٨. شرح كتاب سيبويه. أبو سعيد السيرافي. القاهرة: دار الكتب المصرية ١٣٧ نحو، مصورة بمكتبة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى. الدوريات مجلة مجمع اللغة العربية، الجزء الخامس والعشرون، بحث الدكتور كمال بشر: مفهوم علم الصرف، القاهرة، رمضان: ١٣٨٩هـ.

стр. 2999

الزِّياديُّ النَّحويُّ حياته، وآثاره، وآراؤه د. سيف بن عبد الرحمن العريفي الأستاذ المساعد بقسم النحو والصرف وفقه اللغة - كلية اللغة العربية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض ملخص البحث أبو إسحاق الزيادي (ت ٢٤٩ هـ) أحد النحويين البصريين في القرن الثالث الهجري، ولم يصل من مصنفاته شيءٌ، فرأى الباحث جمع ما نثر من آرائه، ودراستها. وقد جاء البحث في أربعة فصول: الفصل الأول: حياته وآثاره: فيه المباحث الآتية: ١ - نسبه وحياته. ٢ - شيوخه، ومنهم: الأصمعي، وأبو عبيدة، وأبو زيد، والأخفش الأوسط، والجرمي. وضعَّف الباحث ما ذكره ياقوت من أنَّ الزِّيادي قرأ الكتاب على سيبويه. ٣ - تلاميذه، ومنهم: ابن دريد، والمبرد، وأحمد بن عبيد الكوفي. ٤ - أقوال العلماء فيه. ٥ - شعره، وهو قليل ٦ - آثاره، وهي مفقودة، وأثبت الباحث نصوصاً من أحد كتبه، وقف عليها في كتاب: تعليق الفرائد، للدماميني. ٧ - جهوده في الرواية واللغة: مما أورده الباحث في هذا البحث آراء الزيادي اللغوية، وقد بلغت تسعة آراء. الفصل الثاني: آراؤه النحوية: جمع الباحث ستة عشر رأياً. الفصل الثالث: آراؤه التصريفية: بلغت آراؤه التصريفية ستة آراء. ومن هذه الآراء ما ابتدعه، ومنها ما تبع فيه بعض سابقيه: فمما ابتدعه أن الفاء الداخلة على إذا الفجائية دخلت على حد دخولها على جواب الشرط ومنه جواز المجازاة بعد ظروف الزمان المضافة، و (ما) التميمية، و (إنَّ) . ومما تبع فيه غيره أنَّ حروف اللين في الأسماء الستة علامات إعراب، وهو قول قطرب، وأحد قولي هشام بن معاوية، وهما قبله. ومنه جواز الإخبار عن البدل المطابق، وهو قول شيخه الأخفش. الفصل الرابع: ملامح مذهبه النحوي: منها: ١ - الاستقلال وعدم التعصب. ٢ - رد رواية مخالفة لمذهبه. ٣ - التشدد في الاحتجاج. ٤ - الاستدلال بالقياس. المقدمة:

стр. 3000

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، أما بعد: فإنَّ الدرس النَّحويّ في القرن الثاني والثالث قد استوى على سوقه أو كاد؛ على يد علماء فحول، طوت السِّنون أكثر مصنَّفاتهم، فلم يبق من نتاج معظمهم غيرُ آراءٍ منثورة في كتب خلفهم. ومن الحسنِ لا ريبَ جمعُ تلك الآراء ودراستُها؛ ليعرف أثرُهم، ولتوضعَ حَلْقةٌ في سلسلةِ تاريخ الدرس النَّحوي. من أجل ذلك رأيت أن أتوفَّرَ على آراء عالمٍ من تلك الحلْبة، وهو أبو إسحاق الزِّياديُّ، فطفقتُ أجمعُ أقواله، ثم سِرتُ في بحثي على النحو الآتي: الفصل الأول: حياته وآثاره. الفصل الثاني: أراؤه النَّحوية» مرتبة ترتيب ألفية ابن مالك «. الفصل الثالث: آراؤه التصريفية» مرتبةً ترتيب شافية ابن الحاجب «. الفصل الرابع: ملامح مذهبه النحوي. هذا وأسأل الله التوفيق والسَّداد. الفصل الأول: حياته وآثاره نسبه وحياته: ورد نسبه في أكثر المصادر على النحو الآتي: إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه (١) . من ولد زياد بن أبيه، لذلك قيل له: الزِّيادي (٢) . ولا أعلم خلافاً في نسبه سوى ما ذكره القفطي، حيث قال: "ورأيت في بعض كتب المغاربة (سفيان) وقد سماه (شُقيراً) ، وهو تصحيفٌ، وإنما هو سفيان الزِّياديّ" (٣) . كما نَقل عن المبرد أنّ اسم جدِّه (سلم) (٤) ، ولعله تحريف (سليمان) ، إذ ذكر المبرد في (الكامل) أنَّ اسمه (سليمان) (٥) . وكنيته أبوإسحاق (٦) ، ولقبه طارقٌ، لقَّبه به أبوزيد الأنصاري؛ لأنه كان يأتيه بليل (٧) . ولم تذكر المصادر شيئا عن أسرته غير أنَّه كان مئناثآً، ثم وُلد له بضعة عشر ذكراً (٨) . ولم تذكر عن خُلُقه غير أنَّه كان ذا دُعابة ومزاح (٩) . أما وفاته فكانت سنة تسعٍ وأربعين ومائتين (١٠) . شيوخه: الزياديُّ بصريٌّ، تلمذ على أبرز شيوخ البصرة في النَّحو واللغة، منهم:

стр. 3001

١ الأصمعي عبد الملك بن قريب (ت ٢١٦هـ) : أخذ عنه الزياديّ، وأكثر (١) ، وكان يشبَّه به في معرفة الشِّعر ومعانيه (٢) . ٢ أبوعبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١٠هـ) : روى عنه الزياديّ، فيما ذكر ياقوت وغيره (٣) . ٣ أبو زيد الأنصاري سعيد بن أوس (ت ٢١٥هـ) : تقدَّم أنه لقَّب الزياديَّ طارقاً؛ لأنَّه كان يأتيه بليل (٤) . ٤ أبو الحسن الأخفش سعيد بن سعدة (ت ٢١٥هـ) : روى عنه الزياديّ، فيما ذكر الفارسي (٥) . ٥ أبو عُمر الجرمّي صالح بن إسحاق (ت ٢٢٥هـ) : ذكر الزُّبيدي أنَّ الزِّياديّ قال: "صرتُ إلى أبي عُمر الجرميّ أقرأ عليه كتاب سيبويه، ووافيت المازنيَّ يقرأ عليه في الجزاء: (هذا بابُ ما يرتفعُ بين الجزمين) (٦) ". هذا وذكر ياقوت والصفديّ والسيوطي أنَّ الزياديّ قرأ (الكتاب) على سيبويه، ولم يتمَّه، وفيه نظرٌ؛ لما يأتي: أولاً: أول من ذكر ذلك ياقوت (ت٦٢٦هـ) ، وعبارته: "قرأ كتاب سيبويه على سيبويه، ولم يتمّه" (٧) ، ثم نقلها عنه الصَّفدي والسيوطي (٨) . وتلك العبارة قد وردت عند السِّيرافي (ت٣٦٨هـ) على النحو الآتي: "وكان قد قرأ كتاب سيبويه، ولم يتمَّه (٩) "، ثم نقلها عنه ابن الندّيم، وابن مسعر، والأنباري، والقِفطيّ (١٠) . وكلهُّم قبل ياقوت. من أجل ذلك يترجح أنَّ "على سيبويه" زيادة من ياقوت، وليست في أصوله. ثانياً: قول السيرافي عن (الكتاب) : "لا نعلم أحداً قرأه على سيبويه، ولا قرأه عليه سيبويه (١١) ". ثالثاً: ما نقله الزُّبيدي عن الزِّيادي من أنَّه صار إلى أبي عمر الجرمي ليقرأ عليه (الكتاب) ، والجرميُّ لم يلق سيبويه (١٢) ، وهو أسنُّ من الزِّياديِّ (١٣) . تلاميذه: ممن أخذ عنه: ١ أبوبكر بن دريد (ت ٣٢١هـ) : ذكر ابن النديم أنَّه أخذ عن الزيادي (١٤) . ٢ أبو العباس المبرد (ت ٢٨٦هـ) : روى عن الزيادي في كتابيه: الكامل، والفاضل (١٥) . ٣ عبد الله بن جُوان البصري: لزم الزيادي، فأُطلق عليه: صاحب الزيادي (١٦) .

стр. 3002

٤ أحمد بن عبيد الكوفي، المعروف بأبي عصيدة (ت ٢٣٨هـ) : روى عن الزيادي، فيما ذكر القالي (١) . أقوال العلماء فيه: قال عنه لدتُه أبو الحسن الأثرم صاحب الأصمعي: "الزياديّ نسيج وحده، الذي ينفرد برأيه، ولا يكاد يخطئ، وهو مدحٌ من مدائح الرجال (٢) " ونقل ياقوت عن المرزباني قوله: "كان الزياديّ يشبَّه بالأصمعيّ في معرفته للشعر ومعايبه (٣) ". شعره: رُوي له شعر قليلٌ، منه قوله: وانْقطَعَ الحَبْلُ من الحَبْلِ قد خرجَ الهجرُ على الوصلِ وانْفَلَتَ الوَصْلُ من البُخْلِ ودبَّق الهجرُ جناحَ الهوى فَيَسْلَمَ الوَصْلُ مِنَ القَتْلِ (٤) فليتَ ذا الهجرَ قُبيلَ الهوى ونسب إليه ياقوت والصَّفدي البيتين الآتيين: ألا حبَّذا حبَّذا حبَّذا حبيبٌ تحمَّلْتُ فيه الأذى ويا حبَّذا بَرْدُ أنيابِه إذا اللَّيلُ أَظْلَمَ واجْلَوَّذا (٥) والحقُّ أنهَّ راوٍ لهذا الشِّعْرِ، وليس قائلَه؛ إذ يقول المبرّدُ: "وأنْشدني الزِّياديُّ لرجلٍ من أهل الحجاز، أحسبُه ابنَ أبي ربيعة" ثم ذكر البيتين (٦) . آثاره: ذكرت المصادر له المصنفات الآتية: ١ كتاب أسماء السحاب والرياح والأمطار. ٢ كتاب الأمثال. ٣ كتاب تنميق الأخبار. ٤ شرح نكت كتاب سيبويه. ٥ كتاب النَّقْط والشّكل (٧) . تلك كتبهُ التي ذكرها مترجموه، ولا أعلم أنَّ شيئاً منها موجودٌ. هذا ونقل الدماميني (ت ٨٢٧هـ) في باب العدد من (تعليق الفرائد) نصوصاً من أحد كتب الزيادي، ولم يسمِّه، ويظهر منها أن الكتاب في اللغة، وأنَّ أبا إسحاق عوّل في بعضه على أبي زيد الأنصاري، وخالفه في مواضع. ورجَّح الدماميني أن ابن مالك اعتمد على هذا الكتاب في فصل التاريخ من (التسهيل) (٨) . ومن تلك النصوص ما يأتي:

стр. 3003

أقال الدماميني: "ووقع في كتاب الزيادي: (النيِّف) عند أكثر العرب ما بين الواحد إلى الثلاثة، يقولون: له نيِّفٌ وسبعون، وقد نيَّف، وقد سمعت أبا زيد وحده يقول: النيف ما بين الواحد إلى التسعة، قال: وكذلك تكلَّمت به العرب، يقولون: له عليّ نيِّفٌ وثلاثون، يعنون: ما بين الواحد والثلاثين إلى التسعة والثلاثين، ويقولون: قد نيَّف على الأربعين، يعنون: ما بين الواحد والأربعين إلى التسعة والأربعين" (١) . ب وقال الدماميني: "وفي كتاب الزيادي أيضاً كذلك: إن البضع لما بين الثلاث إلى التسع، ثم ساق بسنده إلى الشعبي، قال: لما نزلت ﴿الم، غلبت الروم﴾ إلى ﴿في بضع سنين﴾ قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى صاحبك يزعم أن الروم تظهر على فارس قال: صدق. فخاطروه على قلائص، وجعلوا الأجل ست سنين، فجاءت السِّت، ولم تظهر الروم، فأخبر بذلك رسول الله (فقال: يا أبا بكر؛ كم البضعُ؟ فقال: ما بين الثلاث إلى التسع، فقال: وهل مضت التسع بعدُ؟ قال: لا، قال: اذهب فزايدهم في الخطر، ومادّهم في الأجل، فتزايدوا قلوصين إلى مثلها، وجعلوا الأجل تمام تسع سنين، فلم تأتِ التسع حتى جاءت الركبان من الشام تخبر بأن الروم ظهرت على فارس. انتهى" (٢) . وفي النص استدلال بالحديث على رأي لغوي. ج وقال الدماميني في موضع آخر: "وفي كتاب الزيادي: كانت العرب تؤرخ بالخصب، وبالعامل يكون عليهم، وبالأمر المشهور، قال الربيع بن ضبع الفزاري: ها أنذا آمل الخلود وقد أدرك عقلي ومولدي حجراً أبا امرئ القيس هل سمعت به هيهات هيهات مثل ذا عمرا وقال نابغة الجعدي: فمن يك سائلاً عنّي فإنِّي من الشبان أيام الخنان وقال آخر: وما هي إلا في إزارٍ وعلقةٍ مغار ابن همام على حيِّ خثعما

стр. 3004

وأرخوا بعام الفيل، وبناء الكعبة، وبالفجار، وفي الحديث: (ولد رسول الله ﷺ عام الفيل) ، وبمبعثه ﵊ وبينه وبين البناء خمس سنين، وبين الفيل والفجار عشرون سنة، ولم يزل شأن العرب كذلك حتى جاء عمر، وفتح البلاد، وفتح بلاد العجم، فذُكر له أمر التاريخ، حدثنا أمية بن خالد الأزدي، قال: حدثنا قرة بن خالد السدوسي عن محمد بن سيرين، قال: قام رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: أرِّخوا؟ فقال: ما أرِّخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم، يكتبون: في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر: حسنٌ، فأرِّخوا، فقال بعضهم: من البعثة، وقال قوم: من الوفاة، وقال قوم: من الهجرة، ثم أجمَعوا على الهجرة، ثم اختلفوا بأي شهر يبدؤون، فقيل: برمضان، وقيل: بالمحرم؛ لأنه منصرف الناس من حجهم، وهو شهر حرام، فأجمعوا عليه، فالتاريخ قبل الهجرة بشهرين واثنتي عشرة ليلة؛ لأن الهجرة كانت في ربيع الأول. حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن الزهري، قال: قدم رسول الله (المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فقدموا التاريخ قبل الهجرة إلى غرة المحرم، فلاتزال في السنة حتى ترى هلال المحرم، فإذا رأيته دخلت في السنة الثانية، وانقضت السنة الأولى. وأما الشهور فلما بين الهلالين، ويكتبون كلمة (شهر) في كلّ من ثلاثة أشهر: الربيعين، ورمضان، ولا يكتبون الشهر في غير هذه الثلاثة.

стр. 3005

والشهور كلها مذكرة إلا الجماديين، فإذا كان أول ليلة من الشهر كتبوا: كُتب ليلة الجمعة مثلاً غرة شهر كذا، أو أول ليلة كذا، ومستهل شهر كذا ومهلّه؛ لأنهم يقولون: أهللنا هلال كذا، واستهللناه، ولا يقولون: أهل الهلال، ولا استهل الهلال، ولكن يقولون: أُهِلَّ، واستُهِلّ، فإذا أصبحوا كتبوا: كُتب يوم الجمة أول ليلة خلت، وكُتب يوم الجمعة أول يوم من كذا، ولا يكتبون: مهلاً، ولا مستهلاً، فإذا مضت ليلة أخرى كتبوا: لليلتين خلتا، فإذا توالت الليالي كُتب: لثلاث خلون، فإذا صرت إلى النصف، فبعضهم يكتب: لخمس عشرة ليلة خلت أو مضت، وأكثرهم يكتب: النصف من كذا، وهو أجود وأكثر، فإذا تجاوزت كتبوا: لأربع عشرة بقيت، وثلاث عشرة بقيت، وعشر بقين، ويجوز في القياس: لعشرين مضت، أو خلت، ولكنهم يعتمدون على الأقل، ويكتبون: في الليلة الأخيرة ليلة الجمة آخر ليلة من كذا، وسلخ كذا، وانسلاخه، ولا يكتبون: لليلة بقيت وهم فيها، كما لم يكتبوا: لليلة خلت أو مضت وهم فيها. انتهى « (١) . وفي هذه النصوص دلالة على سعة علم الزيادي باللغة، ومعرفته بالأخبار. وفيها بعض ملامح منهجه في هذا الكتاب، ومنها: العناية بالسَّندِ، والاستدلال، والاستطرادُ. جهوده في الرِّواية واللُّغة: اقتفى الزياديّ أثر شيخه الأصمعي في العناية باللغة، والأخبار، ورواية الشِّعر وتفسيره، كما شارك في رواية الحديث. وتفصيل ذلك فيما يأتي: أولاً: رواية الحديث: لم يُذكر الزياديُّ في كتب رجال الحديث، ولكن القاليّ حدَّث في أماليه، فقال: "حدَّثنا أبو بكر بن الأنباري ﵀ قال: حدثني أبي عن أحمد بن عبيد عن الزيادي عن المطلب بن المطلب بن أبي وداعة عن جده قال: رأيت رسول الله (وأبا بكر رضي الله تعالى عنه عند باب بني شيبة، فمرّ رجلٌ وهو يقول: يا أيُّها الرجلُ المحوِّلُ رَحْلَه ألاّ نَزَلْتَ بآل عبد الدارِ هَبِلَتْكَ أُمُّك، لو نزلتَ برحلهم مَنَعوك من عدمٍ ومن إقتار

стр. 3006

قال: فالتفت رسول الله (إلى أبي بكر فقال: أهكذا قال الشّاعر: قال: لا والذي بعثك بالحقِّ، لكنَّه قال (١) : يا أيُّها الرَّجلُ المحوّلُ رَحْلَه ... ... ألاّ نزلتَ بآل عبد مناف ... (الأبيات) قال: فتبسَّم رسول الله (وقال: هكذا سمعت الرواة يُنشدونه (٢) " ونبه البكريُّ على أنَّ الزِّياديَّ إنما روى عن كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جدِّه، وذكر أن المطلب ليس له ولدٌ يدعى المطلب (٣) . وقوله موافقٌ لما ذكره الحافظ ابن حجر (٤) . ثانياً: آراؤه اللغوية: من آرائه اللغوية: الهنيدة: هي المائتان من الإبل (٥) . وَصَّد الوشيَ: إذا بالغ فيه (٦) . العثَلُ والعثحُ واحدٌ، وهو الجماعة من الناس في سفر وغير سفر (٧) . ويؤخذ من هذا أنَّه يرى وقوع الترادف في كلام العرب. الالتماس في الأصل: طلب اللامس إلى أن يلمس شيئاً كائناً ما كان (٨) . المِصْلات من الإبل: التي انحسر الشعر عن عنقها، وقال غيره: هي التي تَنْصَلِتُ في السَّير، أي: تتقدَّم (٩) . النَّيِّف عند أكثر العرب: ما بين الواحد إلى الثلاثة (١٠) . البضع: ما بين الثلاث إلى التسع (١١) . تُكتب كلمة (شهر) في كل من ثلاثة أشهر: الربيعين ورمضان، ولا تُكتب في غير هذه الثلاثة (١٢) . لا يقولون: أَهَلّ الهلال، ولا استَهلّ الهلال، ولكن يقولون: أُهِلّ، واستُهِلَّ (١٣) . ثالثاً: رواية الشِّعر وتفسيره: تقّدم أنَّ الزِّيادي كان يشبَّه بالأصمعي في معرفة الشِّعر، وقد أورد المبرد وغيره ما يدلُّ على ذلك. فمن مروياته أرجوزةٌ لمنظور بن مرثد الأسدي، أولها: يَضْرِبْنَ جَأْباً كَمُدُقِّ المِعْطيرْ يرتشفُ البولَ انتشافَ المعذورْ (١٤) وأبياتٌ لأعرابي كان يستحسنها، أولها: ما لعيني كُحلتْ بالسُّهادِ ولجَنبْي نابياً عن وسادي (١٥) ومن تفاسيره: قال الأشعر الرَّقبان: كأنَّك ذاك الذي في الضُّرو عِ قُدَّامَ ضَّرَّاتِها المُنْتَشِرْ

стр. 3007

علَّق أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش على النّوادر، فقال: "وقوله: (كأنَّك ذاك الذي في الضُّروع) يريد اللَّبن الفاسد. أخبرنا أبو العباس المبرّد عن الزيادي عن الأصمعي: أنَّ الشَّاة والناقة تبرك على ندى فيخرجُ اللَّبن كقِطَعِ الأوتارِ أحمرَ، فيقالُ لذلك الدَّاءِ: النَّغَرُ، والمَغَرُ. الميم بدلٌ من النُّون؛ لمقاربتها لها في المخرج، يقال: أنْغَرَتْ، وأمْغَرَتْ، وشاةٌ مُنْغِرٌ ومُمْغرٌ. فإذا كان ذلك من عادتها فهي مِنْغارٌ ومِمْغارٌ، والمصدر: الإنْغارُ، والمِمْغارُ، والاسم: النَّغَرُ، والمَغَرُ، فإذا أصابها هذا الدّاءُ كانت أوَّلُ حلبةٍ للأرض. قال أبو العباس: وهذا المعنى استخرجه الزِّياديّ من قول الأصمعي الذي ذكرت لك، قال: وكان أهل العلم قبل هذا يقولون فيه: الذي في الضُّروع هو اللَّحم المسترخي، وهذا القول ليس بشيء" (١) . ومن تفاسيره أيضاً: قال ذو الرُّمة: كُلٌّ من المنظرِ الأعلى له شَبَهٌ هذا وهذانِ قدُّ الجسْمِ والنُّقَبُ (٢) ذكر الفارسيُّ الأوجه الجائزة في» هذا وهذان «ثم قال: "فلابُدَّ من إضمار مبتدأ يكون قولهُ: "قدُّ الجسيم" خبرَه، ويكون ذلك المبتدأ "هم" لأنَّ الثَّلاثةَ ممن يعقل، فكأنك قلت: هم قدُّ الجسم، ومعنى ذلك فيما حُكي عن الزِّيادي أنَّ جسمَه مثلُ جسمِه." (٣) . الفَصل الثَّاني: آراؤهُ النَّحويَّةُ ١- إعراب الأسماء الستة ذهب الزِّيادي إلى أنَّ الحروف في هذه الأسماء علامات إعراب، نابت عن الحركات (٤) . وهذا أيضاً قول قطرب (٥) ، وأحد قولي هشام بن معاوية (٦) ، وأخذ به الزجاجي (٧) .

стр. 3008

وهو "الذي يسبق إلى الخاطر بديّاً، وذلك أنَّ هذه الحروف تختلف باختلاف العوامل في الظاهر، وما يختلف باختلاف العوامل من الأواخر هو الإعراب" (١) لكنه لم يسلم لأصحابه؛ فقد ردّه الفارسيُّ والشلوبين بأنّه يؤدي إلى بقاء الاسم المعرب على حرف واحدٍ في (فيك، وذي مالٍ) ؛ لأنَّ علامة الإعراب زائدة على الكلمة، وبقاء الاسم المعرب على حرف واحدٍ لم يرد في كلامهم (٢) . هذا وفي المسألة أقوالٌ كثيرةٌ (٣) ، منها: ١ أنَّ هذه الأسماء معربة بحركات مقدَّرةٍ على الواو والألف والياء، والأصل في الرفع (أَبَوُك) ، ثم ضمت الباء إتباعاً لحركة الواو، كما قيل: امرُؤٌ، وابنُمٌ، ثم حذفت ضمة الواو للثقل، والأصل في النصب (أبَوَك) ، ثم فتحت الباء إتباعاً لحركة الواو، كما قيل: امرَأً، وابنَماً، وقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، والأصل في الجر (أَبَوِك) ، ثم كسرت الباء إتباعاً، كما قيل: امرِئ وابنمٍ، ثم حذفت كسرة الواو للثقل، ثم قلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها. وهذا القول عزي إلى سيبويه (٤) وجمهور البصريين، (٥) وأخذ به المبرد في موضع من (المقتضب) (٦) ، واختاره الفارسي (٧) ، والشَّلويين (٨) . ولا أرى فيه دَخَلاً سوى كثرة التغيير، وهو تغيير جارٍ على سنن كلام العرب. أما قول ابن الحاجب: "وهو ضعيفٌ؛ لأنه خارجٌ عن قياس كلامهم لتقديرٍ لم يعهد مثله، وهو اجتماع إعرابين في كلمة" (٩) ؛ فالجواب عنه: أنَّ حركة ما قبل الآخر ليست إعراباً، وإنما هي تابعةٌ لحركة الآخر، ولها نظيرٌ من كلامهم، كما تقدم. ٢ ومن المذاهب أنها معربة بحركات ما قبل الآخر والحروف، فإعرابها من مكانين، وهذا قول الكسائي والفراء (١٠) . وقد ردَّه الشلوبين بأنَّه لا يكون إعرابان لمعرب واحد، وأنَّه يؤدي إلى أن يكون المعرب شيئاً واحداً والإعراب شيئين في (فيك، وذي مال) ، فيكون المحمول أكثر من الحامل (١١) .

стр. 3009

٣ ومنها أنَّ حروف اللِّين دلائل إعراب، ويعزى إلى الأخفش (١) ، وأخذ به المبرد في موضعٍ من (المقتضب) (٢) . واختلف في تفسيره: فذكر المبرد وابن جني أنَّ المراد هو أنَّك إذا رأيت الواو علمت أن الاسم مرفوع، وكذلك الألف في النصب، والياء في الجر، فهذه الحروف قامت مقام الضمة، والفتحة، والكسرة (٣) . وقيل: المعنى أنَّها معربة بحركات مقدَّرة فيما قبل حروف اللِّين، ومنع من ظهورها أنَّ حروف اللِّين تطلب حركاتٍ من جنسها، ويعزى هذا التفسير إلى الزجاج والسيرافي (٤) . وقيل: المعني أنَّ حروف اللِّين حروف إعراب، ولا إعراب فيها، فهي دلائل إعراب بهذا التقدير، ويعزى هذا التفسير إلى ابن السراج وابن كيسان (٥) . وهذا الاختلاف دليلٌ على غموض مذهب الأخفش، وقد رُدَّ على التفسيرات كلِّها: فأما على التفسير الأول فهو يؤول إلى قول قطرب والزِّيادي، وقد تقدَّم نقدُه. وأما التفسير الثاني فذكر أبو حيان أنَّه يحتمل شيئين: الأول: أن تكون حروف اللِّين لاماتٍ عادت عند الإضافة. وردّه بأن الإعراب يكون في آخر الكلمة. والثاني: أن تكون زائدة نشأت عن الحركات. ورده بأن الإشباعَ بابُه الشّعْرُ (٦) . والأمر الثاني عندي غير محتمل؛ لأن الإشباع ناشئٌ عن الحركات، فكيف تشبع ثم تقدّر؟!. وأما على التفسير الثالث فردَّه بأن حرف الإعراب لابدَّ أن يكون فيه إعرابٌ ظاهرٌ أو مقدَّر (٧) . ٢- إعراب المثنّى والمجموع على حدِّه نُقل عن الزِّياديِّ في هذه المسألة قولان: أحدهما: أنَّ حروف اللِّين علامات الإعراب (٨) ، وهذا قوله في الأسماء الستة، وهو مذهب الأخفش في معانيه (٩) ، وعُزي إلى الكوفيين وقطرب (١٠) ، واختاره ابنُ مالك (١١) . والآخر: أنَّ هذه الحروف دلائل إعراب، وهو مذهب المبرد (١٢) ، وعزي إلى الأخفش (١٣) والمازني (١٤) . فأما المذهبُ الأول فذكر الفارسيُّ أنَّ الزِّياديَّ أخذه من قول سيبويه عن ألف التثنية:

стр. 3010

"وهو حرف الإعراب" (١) ، فمعناه عند الزِّياديّ أنَّ الألف هو الحرف الذي يعرب به، كما قالوا: ضمة الإعراب (٢) . ويُضَعِّفُ هذا التأويل أنَّ سيبوبه قال بعدُ: "ومن ثمَّ جعلوا تاء الجمع في الجر والنصب مكسورة؛ لأنَّهم جعلوا التاء التي هي حرف الإعراب كالواو والياء" (٣) ، والتاء لا تكون علامة إعراب. ومما رُدَّ به هذا المذهب أنَّ علامة الإعراب زائدةٌ له، فإذا حُذفت لم يتغيرّ معنى الكلمة، وهذه الحروف لو حُذفت لذهب معنى التثنية والجمع، وهذا الرد للفارسي (٤) . وأجيب عنه بأن الحرف قد يكون من نفس الكلمة ويكون إعراباً، فالأفعال المعتلة الآخر جزمُها بسقوط حرف العلة، فإذا جاز أن يكون الإعراب بحذف شيءٍ من الكلمة جاز أن يكون بإثباته، وليست علامة الإعراب زائدةً في كلِّ موضعٍ (٥) . كما رُدَّ بأنَّ الألفَ والواو ثبتتا قبل دخول العامل (٦) . والجواب عنه أنَّ الرفع أوَّلُ أحوال الاسم، فجاءت صورتُه الأولى على أوَّلِ أحواله (٧) . وأما المذهب الثاني فقد فسَّره المبرّدُ وابن جنِّي بأنَّك تعلم أنّ الموضع موضعُ رفعٍ إذا رأيت الألف أو الواو، وموضع خفضٍ أو نصبٍ إذا رأيت الياء (٨) . ورُدَّ بأمورٍ منها: (أ) أنَّ الإعراب دليلٌ، فإذا احتاج إلى دليلٍ، فقد سقط المعنى المدلول عليه. ويُعزى هذا الردّ إلى الزَّجاج (٩) . (ب) أنَّ هذه الحروف لو كانت دلائل إعراب للزم ألا تختلَّ بحذفها دلالة الأسماء على ما كانت تدلُّ عليه من التثنية والجمع، وهذا الردُّ للفارسيّ (١٠) . ويلزم أصحابه أن يجعلوا الضمائر دلائل إعراب، لأنَّك إذا رأيتها علمت أن الموضع موضع رفعٍ، أو نصبٍ، أو جرٍّ. هذا وإنَّ ابن مالك فسَّر هذا المذهب تفسيراً آخر، وهو أنَّ الإعراب بحركاتٍ مقدَّرة قبل هذه الحروف التي هي دلائل عليها (١١) . وعُزي هذا التفسير أيضاً إلى الزجاج (١٢) . وردّه ابن مالك بأمورٍ أقواها أن الإعراب لا يكون إلا آخراً (١٣) .

стр. 3011

هذان قولان، وفي المسألة أقوالٌ أخر، أكثرها يصدر عن نصِّ سيبويه السابق، ومنها: ١ أنَّ حروف اللينِّ حروف إعراب، وفيها إعرابٌ، وهو انقلاُبها، وهذا مذهب الجرميّ (١) ، أخذ به الفارسيّ والصفار، وعزواه إلى سيبويه معتمدين على نصِّه السابق (٢) ، وليس فيه ما يدلُّ على أنَّ الانقلاب إعرابٌ. وألزم المبردُ الجرميَّ شيئين: الأول: مخالفة إعراب الواحد؛ لأنَّ الانقلاب معنى، وليس بلفظ. والثاني: ألا يكون في حال الرفع إعرابٌ؛ لأنَّه لا انقلاب فيها؛ إذ هي أولى حالات الاسم (٣) . وهذا الوجه لا يلزم الجرميَّ؛ لأنَّ مقتضى قوله أنَّ بقاء اللَّفظ على حاله وعدم انقلابه إعرابٌ (٤) . وألزم ابن جنِّي الجرميَّ المخالفة بين جهتي الإعراب؛ لأنه جعل الإعراب في الجر والنصب القلب، وهو معنويٌّ، وفي الرفع جعله لفظاً (٥) . وردَّ أبو حيان هذا الإلزام بأنَّ الإعراب في حال الرفع ليس لفظاً؛ لأنَّها لا إعراب فيها، وعدم الإعراب يقوم فيها مقام الإعراب (٦) . والمخالفةُ على توجيه أبي حيان أشدُّ؛ لأنه يقتضي أن يكون للناصب والجار أثرٌ، ولا أثر للرافع. وأقوى ما رُدَّ به هذا المذهب ما ذكره ابن مالك من أنَّ تقدير الإعراب إذا أمكن راجحٌ على عدمه (٧) . ٢ ومنها أنَّ حروفَ اللِّين حروفُ إعراب، ولا إعرابَ فيها، وهو مذهب ابن جنِّي، وعزاه إلى سيبويه مستدلاً بقوله: "وتكون الزيادة الثانية نوناً، كأنَّها عوضٌ لما مُنع من الحركة والتنوين" (٨) ، فلو كانت الحركة في النيّة لما عوّضَ منها (٩) . ومما يضعِّف هذا القول عدمُ النَّظير؛ إذ الإعراب لابدَّ له من علامة ظاهرة أو مقدرة. ٣ ومنها أنها حروف إعراب، والإعراب مقدَّرٌ فيها، وعُزي إلى الخليل وسيبويه (١٠) ، وفي عزوه إلى سيبويه نظرٌ؛ لأن النون عنده عوض من الحركة والتنوين، فلو كانت الحركة مقدَّرة عنده؛ لما عوَّض منها (١١) . وقد ردّ هذا المذهب بوجهين:

стр. 3012

أحدهما: أَن الحركات لو كانت مقدَّرة على هذه الحروف لقلبت الياء في المثنى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها (١) . وأجاب عنه أبو حيان بأن القلب القياس؛ لذلك لحظ بنو الحارث بن كعب هذا القياس، فجعلوا المثنى بالألف في كل حالاته (٢) . والجواب عن جوابه أنَّ بني الحارث يقلبون الياء الساكنة ألفاً إذا انفتح ما قبلها، فيقولون: أخذت الدرهمان، والسلام علاكم (٣) ، فليس سبب الحذف عندهم الحركة المقدرة. والوجه الآخر: أنَّ الحركات لو كانت مقدرةً للزم ظهور الفتحة على الياء في الجمع؛ لعدم الثقل (٤) . وأجاب عنه أبو حيان بأنَّهم لمّا حملوا النصب على الجر في الياء أجروا الحكم على الياء مجرى واحداً؛ فقدروا الفتحة كما قدروا الكسرة؛ تحقيقاً للحمل (٥) . وهذا جوابٌ حسنٌ، ولكنَّ الوجه الأول ملزمٌ، فيما أرى. وجملة القول أن هذه الآراء لم تسلم من الاعتراض، وأسهلها أنَّ حروفَ اللِّين علاماتُ إعرابٍ. وهو قولُ الزِّياديِّ الأوَّلُ، وقولُ الأخفش، والكوفيين وقطرب. ٣- العطف على الجملة ذات الوجهين في باب الاشتغال في هذه المسألة من آراء الزِّياديّ: نقد تمثيل سيبويه لاستواء النَّصب والرفع. نقد استدلاله على صحة هذا التمثيل. اشتراط ضمير في الجملة المعطوفة يعود إلى المبتدأ في الجملة الأولى؛ ليستوي النصب والرفع. منع عطف جملة لا موضع لها على جملة لها موضع. من المصطلحات التي ترد في باب الاشتغال مصطلح "الجملة ذات الوجهين" ويقصد بها الجملة المصدرة بمبتدأ خبرُه جملةٌ فعلية، نحو: عمرٌو أكرمتُه (٦) .

стр. 3013

فهذه الجملة إذا لم تكن (ما أَفْعَلَه) (١) ، ووقع بعدها جملة معطوفة مصدَّرة باسم مشتغلٍ عنه غير مفصول عن العاطف بأمّا (٢) ، أو إذا الفجائية (٣) ؛ استوى في المشتغل عنه النّصبُ بفعلٍ مفسَّرٍ، والرَّفُع بالابتداءِ، والمعطوفُ عليه في الوجه الأول جملةُ الخبر الفعليةُ، وتسمَّى الجملةَ الصُّغرى، وفي الوجه الثاني الجملةُ الابتدائية الاسمية، وتُسَمّى الجملةَ الكبرى. وقد مثَّل سيبويه لهذه المسألة بمثالين خلت فيهما الجملةُ المعطوفةُ من ضميرٍ يعود إلى المبتدأ في الجملةِ الأولى، وهما: عمرٌو لقيتُه وزيدٌ كلَّمتُه، وزيدٌ لقيتُ أباه وعمراً مررتُ به. فزيدٌ في المثال الأول وعمرٌو في المثال الثاني يجوز فيهما عنده النصب والرفع على الوجهين المتَقَدِّمين، ولم يفضِّل أحدَهما على الآخر (٤) . واستدلَّ على ما ذكره بجواز النَّصبِ والرَّفعِ في الأمثلة الآتيةِ: ١- زيدٌ لقيت أباه وعمرٌو، أو وعمراً. ٢ زيدٌ لقيتة وعمرٌو، أو وعمراً. ٣ زيدٌ ألقاه وعمرٌو، أو وعمراً (٥) . ووجه الاستدلال أنَّ هذه الأمثلة يجوز فيها عطفُ (عمرو) بالرَّفع على المبتدأ، وبالنَّصبِ على المفعول به في الجملة الصُّغرى، مع أنَّه لا يقع موقعه، فلا تقول: زيدٌ لقيت عمراً؛ لخلوِّ جملة الخبر من ضمير يربطها بالمبتدأ. وفي هذا دليلٌ على جواز ما ذكره في: زيدٌ لقيته وعمرو كلمته، من رفع الاسم بعد الواو على الابتداء؛ مراعاةً للجملة الكبرى، ونصبه بفعلٍ مفسَّرٍ؛ مراعاةً للجملة الصُّغرى، وهي الفعليةُ الواقعةُ خبراً، مع أنَّ المعطوفَ لا يصحُّ أنْ يقع موقعها؛ لخلوِّه من عائدٍ إلى المبتدأ (٦) . فسيبويه إذن لا يشترط لاستواء النَّصب والرفع في هذه المسألة وجودَ ضميرٍ في الجملِة المعطوفِة يعود إلى المبتدأ في الجملِة الأولى. ونقل أبوسعيد السِّيرافيُّ عن الزِّياديِّ وغيرِه من النَّحويينَ إنكارَ كلام سيبويه في هذه المسألة (٧) .

стр. 3014

وقد سمَّت المصادرُ من المنكرين أبا الحسن الأخفشَ الأوسطَ (١) . وخلاصةُ قولهم ما يأتي: أولاً: اشترطوا لاستواء النَّصبِ والرَّفعِ أن يكونَ في الجملِة المعطوفة ضميرٌ يعود إلى المبتدأ في الجملة الأولى، فالمثالُ عندهم: زيدٌ لقيتُه وعمرٌو كلمته عنده (٢) . ثانياً: نقدوا تمثيل سيبويه للمسألة؛ لفقده الشرط المتقدم، واحتجوا بأنَّ المعطوفَ يأخذ حكم المعطوفِ عليه، وفي المثالين اللَّذين ذكرهما سيبويه لو نُصِبَ الاسمُ بعد العاطفِ بفعل مضمرٍ عطفاً على الجملة الصُّغرى وهي جملةُ الخبر لما صحَّ ذلك؛ لأنَّ الجملة المعطوفة تخلو من ضميرٍ يعود إلى المبتدأ (٣) . ثالثاً: ذكروا أنَّ الجملة المعطوفة لا يصحُّ ألا يكون لها محلٌّ من الإعراب؛ لامتناع عطفِ جملةٍ لا محلَّ لها على جملةٍ لها محلٌّ (٤) . رابعاً: نَقَدَ الزِّياديُّ استدلالَ سيبويه على صحةِ تمثيله بجواز النَّصب والرفع في: زيدٌ لقيتُ أباه وعمروٌ، أو عمراً، فقال: "هذا غيرُ مشبه لذاك؛ لأنَّ قولنا: وعمراً، ليس بجملةٍ، وإنما هو اسمٌ واحدٌ وَقَعَ عليه الفعلُ الذي وَقَعَ على الأبِ بعينه، فقد صار (عمروٌ) مع الأبِ مفعولَ (لقيت) ، و (لقيت) خبراً لزيدٍ، وفي مفعوليه ما يعود إليه، وهو الهاء في الأبِ، و (عمرٌو كلمته) جملةٌ قائمةٌ بنفسها، ليست بداخلةٍ في الفعل الأول، ولا الفعل الأول واقعٌ عليها" (٥) . ونحا النَّحويون في هذه المسألة ستةَ أنحاء: الأول: موافقة سيبويه في عدم اشتراط الضَّمير، وممَّن ذهب هذا المذهبَ الفارسيُّ، والزَّمخشريُّ، وصدرُ الأفاضل، وابنُ الحاجب، وابنُ مالك، وابنهُ، وابنُ عقيل، والسَّلسيليُّ (٦) . واحتجَّ الفارسيُّ وابن مالك بأنَّ الجملةَ المعطوفَ عليها لم تظهر عليها علامةُ الإعراب؛ فلذا جاز أن تُعطَفَ عليها جملةٌ لا محلَّ لها من الإعراب (٧) .

стр. 3015

واستدلَّ ابنُ مالك بمجيء النَّصب في قوله تعالى: ﴿والنَّجمُ والشَّجرُ يسْجُدان والسمَّاءَ رَفَعها﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿والشَّمسُ تجرى لمستقرٍّ لها ذلك تقديرُ العزيزِ العليمِ، والقمرَ قدَّرناه منازلَ حتى عاد كالعرجون القديم﴾ (٢) . فالجملة المعطوفةُ في الآيتين تخلو من ضميرٍ يعودُ إلى المبتدأ. وهذا دليلٌ كافٍ لتصحيح مذهبِ سيبويه، ويضاف إليه أنَّ الثَّوانيَ يغتفر فيها ما لا يغتفر في الأوائلِ. والثاني: موافقة الأخفش والزِّياديّ في اشتراط الضمير، ومن أصحاب هذا النحو المبرّدُ، والسِّيرافي، وابنُ يعيش، والجاميُّ (٣) . وذكر السِّيرافي أنَّ سيبويه في ظنِّه يشترط الضمير، ولكنَّه اشتغل بتوضيح المسألة، فلم يراعِ صحَّةَ لفظِها ومثالها (٤) . وظنُّه بعيدٌ لسببين: أحدهما: أنَّ سيبويه مثَّل للمسألة بمثالين خلت فيهما الجملةُ المعطوفةُ من ضميرٍ يعود إلى المبتدأ، واحتمالُ وقوعِ الخطأ في المثالين بعيدٌ. والآخر: أنَّه استدلَّ على المسألة بنحو: زيدٌ لقيت أباه وعمروٌ، أو عمراً، بالرَّفع عطفاً على المبتدأ، وبالنَّصب عطفاً على المفعول به، ولوجعل المعطوفُ مكان المفعول به لَفَسَد الكلامُ؛ لخلوِّ جملة الخبر من الرابط، فهذا يؤيِّد أنَّه يقصد خلوَّ الجملة المعطوفةِ في مسألة الاشتغال من عائدٍ إلى المبتدأ. ونحو ظنِّ السيرافي ما جَزَمَ به ابنُ يعيش في شرحة كلام الزمخشري (٥) ، والجاميُّ في شرحه قولَ ابن الحاجب: "ويستوي الأمران في مثل: زيدٌ قام وعمراً أكرمته" (٦) . والثالث: ترجيحُ النَّصبِ، وهو مذهب أبي عبيد القاسم بن سلام، واحتجَّ بأنَّ قبل الاسم المشتغل عنه فعلاً، وبعده فعلاً (٧) . والرابع: ترجيحُ الرَّفعِ، وهو مذهبُ الصَّيمري والحريري، وهما يرجِّحان الرَّفعَ مع وجود الضَّمير في الجملة المعطوفة (٨) . والخامس: اشتراطُ العَطْفِ بالواو أو الفاءِ لجواز النَّصبِ، وهو مذهب هشام ابن معاوية (٩) .
следующие страницы →