← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

ومن المعلوم أن القراءات المقبولة التي تجوز بها القراءة والصلاة عند أكثر أهل العلم هي ما صحّ من قراءات الأئمة العشرة مما وافق الرسم والعربية. ٢- القراءات المردودة: وهي التي فقدت أحد شروط القبول، بأن لم يصح سندها أو خالفت الرسم أو العربية. ( [١٤] ) ج- علاقة القراءات بعلم الحديث: مما لاشك فيه أن القراءة المتواترة المقبولة هي قرآن مقطوع به، منزل على النبي-e- ومن الأحرف السبعة، كما أن تنوع القراءات بمنزلة تعدد الآيات ( [١٥] ) ، وعليه فلا تخفى العلاقة بين القرآن والحديث النبوي، فكلاهما وحي من الله ، قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ( [١٦] ) ، وقال e: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ( [١٧] ) ، ثم إنّ أحوال السنة مع القرآن معلومة، فهي تأتي مؤكدة لمعنى ورد في القرآن أو زائدة عليه أو مبينة له بأيّ نوع من البيان: كتخصيص عامه أو تقييد مطلقه أو بيان مجمله أو تعريف مبهمه أو غير ذلك ( [١٨] ) ، وهذا ينطبق على كل ما يسمى قرءآناً من القراءات المقبولة، فلها هذه الأحوال مع السنة. ثم إن كتب الحديث بأنواعها اشتملت على نصوص كثيرة تتعلق بالقراءات ومسائلها ونقلت لنا كثيراً من مروياتها المسندة ( [١٩] ) ، وقد كان كثير من القراء محدثين أيضاً كعاصم بن بهدلة مثلاً. المبحث الثاني: تعريف مختصر بالحافظ ابن حجر وكتابه فتح الباري. ( [٢٠] ) ونبذة عن الإمام البخاريّ وصحيحه. أولاً: التعريف بالحافظ ابن حجر: ويمكن تلخيصه في النقاط الآتية: ١- هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي ابن محمد بن أحمد بن حجر الكناني العسقلاني الشافعي المصري القاهري. ٢- ولد في شهر شعبان من عام ٧٧٣هـ ونشأ يتيم الأبوين، وحفظ القرآن وله تسع سنين، وصلى بالناس التراويح في مكة سنة ٧٨٥هـ، رحل في طلب العلم إلى بلاد عدة منها الإسكندرية والحجاز واليمن والشام.

стр. 3537

٣- بلغ عدد شيوخه أكثر من (٧٣٠) شيخاً ( [٢١] ) منهم: الزين العراقي وقد لازمه أكثر من عشر سنوات ودرس عليه الحديث وعلومه، والتنوخي وأخذ عنه علم القراءات وعلو سنده فيها -كما تقدم- والبلقيني وابن الملقن والمجد الشيرازي والهيثمي والعز بن جماعة وغيرهم. ٤- من تلاميذه ( [٢٢] ) : الحافظ ابن فهد المكي (ت ٨٧١هـ) ، والمحدث المفسر إبراهيم بن عمر البقاعي (ت ٨٨٥هـ) ، والمؤرخ المحدّث محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت٩٠٢هـ) ، والعلاّمة السيوطي (ت٩١١هـ) ، والعلامة زكريا بن محمد الأنصاري (ت ٩٢٦هـ) . ٥- أما عن مصنفاته وآثاره العلمية، فقد بدأ في التأليف وكان له من العمر اثنتان وعشرون سنة، وبلغت مؤلفاته قريباً من ثلاثمائة ( [٢٣] ) ، منها ما هو في علوم القرآن مثل: ((الإتقان في جمع أحاديث فضائل القرآن)) ، ((الإحكام لبيان ما في القرآن من إبهام)) ، ((تجريد التفسير من صحيح البخاري)) ، وكثير منها في الحديث وعلومه منها: ((الفتح)) ، ((إتحاف المهرة بأطراف العشرة)) ، ((الإصابة)) ، ((بلوغ المرام)) ، ((تلخيص الحبير) ، ((لسان الميزان)) ، ((تهذيب التهذيب)) ، ((تقريب التهذيب)) ، وغيرها من الكتب في مختلف الفنون. ٦- أثنى عليه العلماء والكُتَّاب ووصفوه بالحفظ والإتقان والتقدم والعرفان، منهم شيخه زين الدين العراقي، وتلميذه السخاوي والحافظ السيوطي ( [٢٤] ) وغيرهم كثير. ٧- توفي الحافظ –﵀ في أواخر شهر ذي الحجة سنة (٨٥٢هـ) ودفن بمصر. ثانياً: كتابه " فتح الباري بشرح صحيح البخاري": لقد أحسن الحافظ في هذا الكتاب وأفاد، وشرح وأجاد، بدءاً بجمع نسخ البخاري وضبط نصوصه، ثم بكثرة المصادر العلمية التي استعان بها في شرحه، والتي بلغت –كما تقدم- أكثر من ألف وأربعمائة، ثم بعنايته الفائقة بالحديث من جميع جوانبه، سنداً ومتناً وضبطاً وشرحاً وترجمة للرواة وترجيحاً عند الخلاف، ودراسة للمسائل وعرضاً للأقوال وأدلتها، وتلخيصاً للفوائد من الحديث، وغير ذلك.

стр. 3538

وفيما يتعلق بالقرآن وعلومه-خاصة- فإنه أفاض في تفسير الآيات القرآنية وذكر أسباب النزول وإعجاز القرآن ووجوه القراءات، ونقل في ذلك عن أمهات الكتب وعن أئمة اللغة والتفسير والقراءات ( [٢٥] ) . وبالجملة: فإن هذا الكتاب ((فتح الباري)) يعتبر موسوعة علمية جامعة، فقد أودع فيه مصنفه علوماً شتى، وفوائد عدة وهو أكبر وأجمع ما ألفه ابن حجر، وقد استغرق في تأليفه نحو ربع قرن من الزمان، قال عنه السيوطي: (لم يصنِّف أحد من الأولين ولا من الآخرين مثله) ( [٢٦] ) ، ولما قيل للإمام الشوكاني: أما تشرح الجامع الصحيح للبخاري؟ قال: (لا هجرة بعد الفتح) ( [٢٧] ) . نبذة مختصرة عن الإمام البخاري وصحيحه: ( [٢٨] ) - أما البخاري فهو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة بن بَرْدِزْبَه البخاري الجعفي، أمير المؤمنين في الحديث، ولد في مدينة بخارى سنة ١٩٤هـ، ونشأ يتيماً في حجر والدته، ألهمه الله حفظ الحديث وهو ابن عشر سنين أو أقل، ورحل في ذلك إلى الحجاز والشام ومصر والبصرة والكوفة وبغداد، وقد كُتب عنه الحديث وهو دون العشرين، قال عن نفسه: ((كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة)) ، وأما عن تلاميذه فهم أكثر من أن يحصروا، قال الفربري ( [٢٩] ) : ((سمع كتاب الصحيح من البخاري تسعون ألفاً)) أهـ، وقد كان يحضر مجلسه أكثر من عشرين ألفاً يأخذون عنه، وله من المصنفات -غير ((الصحيح)) -: كتاب الأدب المفرد، والتاريخ الكبير، والأوسط، والصغير، والقراءة خلف الإمام، وخلق أفعال العباد، والضعفاء، والعلل، وغيرها. توفي ﵀ سنة ٢٥٦هـ. - وأما كتابه المشهور ب ((صحيح البخاري)) وسماه هو ((الجامع المسند الصحيح المختصر من سنن رسول الله e وأياّمه)) فهو أول ما صُنف في الصحيح المجرد، وقد قال عن نفسه: ((صنفت الجامع من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة وجعلته حجة بيني وبين الله))

стр. 3539

- بلغت أحاديث صحيحه المسندة (٧٢٧٥) بالأحاديث المكررة، وبحذف المكرر نحو أربعة الآف. قال ﵀: ((ما أدخلت في كتاب الجامع إلاّ ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول)) قال النووي ( [٣٠] ) : ((اتفق العلماء ﵏ على أنّ أصحّ الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة)) أهـ. ( [٣١] ) الفصل الأول: مصادره في علم القراءات، ومنهجه في النقل عنها لقد نقل الحافظ في الفتح فيما يتعلق بالقراءات ومسائلها عن أكثر من أربعين مصدراً، منها ما هو من كتب القراءات وعلومها كالتوجيه والرسم ونحوهما، ومنها كتب في التفسير وعلوم القرآن، وكتب في الحديث وشروحه، وكتب في اللغة وغيرها، وهناك نقولات عديدة نسبها إلى قائليها، لكنه لم يحدد أسماء الكتب المنقولة عنها ( [٣٢] ) ، فاجتهدت في معرفة أسماء هذه المصادر وتحديد مواضع النقل منها إن كانت موجودة، والتنبيه إلى المفقود منها، مع الإشارة -باختصار- إلى طريقته في النقل عنها جميعاً، ويمكن تقسيم مصادره إلى أربعة أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: المصادر التي تكرر ذكرها ونقل عنها كثيراً ( [٣٣] ) وهي: ١- كتاب ((القراءات)) لأبي عبيد ( [٣٤] ) (ت٢٢٤هـ) نقل عنه الحافظ في مواضع عدة ( [٣٥] ) وسمّى الكتاب ومؤلفّه، بل اعتمده واعتبر أن ما فيه إنما هو القراءات المشهورة، فقد قال عن قراءة الأعمش ( [٣٦] ) : ((وما أوتوا من العلم إلاّ قليلا)) ( [٣٧] ) ما نصه: (وليست هذه القراءة في السبعة، بل ولا في المشهور من غيرها، وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءات له من قراءة الأعمش) ( [٣٨] ) أهـ، وقال في موضع آخر عن قراءة عمر –﵁ (وظنّ داود أنّما فتناه) ( [٣٩] ) بتشديد التاء: (وأما قراءة عمر فمذكورة في الشواذ ولم يذكرها أبو عبيد في القراءات المشهورة) . ( [٤٠] )

стр. 3540

قلت: قراءة " وما أوتوا" المذكورة مخالفة للرسم، وقراءة "فتناه" بتشديد التاء لم تشتهر، وعليه فالقراءتان شاذتان، ولهذا السبب – والله أعلم – لم يذكرهما أبوعبيد في كتابه. ( [٤١] ) وأما الكتاب المذكور فهو في حكم المفقود -فيما أعلم-، وقد ذكره ابن الجزري وغيره. ( [٤٢] ) ٢- ((معاني القرآن)) للفراء ( [٤٣] ) (ت:٢٠٧هـ) وقد نقل عنه كثيراً ( [٤٤] ) ، ونص على تسمية الكتاب والمؤلف، ومن ذلك قوله في قراءة ((نُصُب)) من قوله تعالى:"إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ" ( [٤٥] ) قال: (وكذا ضبطه الفراء عن الأعمش في ((كتاب المعاني)) وهي قراءة الجمهور) أهـ، وفي نفس الصفحة أيضاً: (والذي في ((المعاني للفراء)) النصب.. الخ) ، وفيها أيضاً: (كذا قال الفراء في المعاني) ( [٤٦] ) أهـ، كما نقل عنه توجيه قراءة ((فصُرْهن إليك)) ( [٤٧] ) بضم الصاد وكسرها فقال: (وعن الفراء الضم مشترك، والكسر القطع فقط.. الخ كلامه) ( [٤٨] ) . ٣- كتاب "المصاحف" لابن أبي داود ( [٤٩] ) (ت٣١٦هـ) نقل عنه عدة قراءات ونصّ على تسميته فقال مثلاً في القراءة الشاذة"ألاّ يطَّوّفَ بهما" ( [٥٠] ) : (..حكاها الطبري وابن أبي داود في المصاحف..) الخ ( [٥١] ) ، وفي موضع آخر: (وأخرج ابن أبي داود في ((كتاب المصاحف)) بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ ((إذا جاء فتحُالله والنّصر)) ) ( [٥٢] ) أهـ.، وفي القراءة الشاذة في آل عمران: (الله لا إله إلاّ هو الحي القيام) ( [٥٣] ) قال: (وأخرج ابن أبي داود في ((المصاحف)) من طرق عن عمر أنه قرأها كذلك) ( [٥٤] ) أهـ. ٤-كتاب ((السبعة)) لابن مجاهد ( [٥٥] ) (ت٣٢٤هـ)

стр. 3541

وهذا الكتاب نصّ الحافظ على تسميته، ونقل عنه بعض القراءات، وأشار إليه عند كلامه عن بعض مسائلها، فمن القراءات التي نقلها عنه قوله في قراءة ((نُصُب)) المتقدمة آنفاً: (وفي كتاب السبعة لابن مجاهد: قرأها ابن عامر بضمتين) ( [٥٦] ) أهـ، وفي موضع آخر أشار إلى قراءة رواها ابن مجاهد، ولم يذكر اسم الكتاب -وهي موجودة في ((السبعة)) - فقال: (إلا رواية ابن مجاهد عن قنبل..) ( [٥٧] ) . ٥- ((إعراب السمين)) = الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبي ( [٥٨] ) (ت٧٥٦هـ) وقد نقل عنه في مواضع متفرقة، ونصّ على أنه لخصّ بعض اللغات منه، منها أنه ذكر اللغات في ((جبريل)) ثم قال: (لخصته من إعراب السمين) ( [٥٩] ) أهـ، وفي موضع آخر ذكر اللغات في ((أفٍّ)) ثم قال: (..ولخص ضبطها صاحبه ( [٦٠] ) الشهاب السمين ولخصته منه) ( [٦١] ) أهـ. قلت: كذا سماه الحافظ ((إعراب السمين)) ، والنقول المذكورة تدل على أنه يريد هذا الكتاب ((الدر المصون)) وهو غير كتاب التفسير له، ومما يؤيد هذا قول السمين نفسه في شرحه على الشاطبية ما نصّه: (وكنت قد ألّفت إعراب الكتاب العزيز في كتاب سمّيته الدر المصون في علوم الكتاب المكنون) أهـ. ( [٦٢] ) ، وكذا قول الحافظ ابن حجر في ترجمته للسمين: (له تفسير القرآن ... ، والإعراب سمّاه الدر المصون) أهـ. ( [٦٣] ) والله أعلم. ٦- "جامع البيان في تأويل القرآن" للطبري ( [٦٤] ) (ت٣١٠هـ)

стр. 3542

نقل عنه الحافظ في مواضع عدة، ولكنه في جميعها لم يذكر اسم الكتاب وإنما اكتفى بتسمية الطبري، فمرة ذكر القراءة الشاذة: (ألاّ يطوف بهما) ثم قال: (كذلك حكاه الطبري) ( [٦٥] ) ، ومرة نقل نصاً بلفظ مقارب لكلام الطبري في توجيه قراءة (أشدّ وِطاء) ( [٦٦] ) وعبرّ عنه بقوله: (قال الطبري: هذه القراءة على أنه مصدر..الخ) ( [٦٧] ) ، وفي ثالثة نقل بالمعنى أيضاً وبمعنى مقارب في قراءة (لتركبنّ) ( [٦٨] ) وقال فيه: (قال الطبري: قرأها ابن مسعود وابن عباس وعامة قراء أهل مكة والكوفة بالفتح والباقون بالضم على أنه خطاب للأمة) ( [٦٩] ) أهـ، وفي موضع آخر ذكر القراءة الشاذة (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج) ( [٧٠] ) . وقال عن القراءة نفسها في موضع: ( ... وروى الطبري بإسناد صحيح عن أيوب ( [٧١] ) عن عكرمة ( [٧٢] ) أنه كان يقرأها كذلك) ( [٧٣] ) أهـ، وفي موضع قال: (وقال الطبري: روي عن جماعة أنهم قرأوا ((بعد أَمَهٍ)) ( [٧٤] )) ( [٧٥] ) أهـ. قلت: والقراءة المذكورة بفتح الهمزة وتخفيف الميم وهاء منونة، قراءة شاذة. ( [٧٦] ) تنبيه "١": مما يرجّح أنّ الحافظ أراد كتاب تفسبر ابن جرير الطبري ولم يرد كتب أبي معشر الطبري ( [٧٧] ) أو غيره ما يلي: ١) أني وجدت جميع النقول التي أوردها، بنصّها - تقريباً- في "تفسير الطبري"، ولم أجد نصاً منها في كتب أبي معشر التي اطلعت عليها. ٢) أن كتب أبي معشر في القراءات كتب إسناد ورواية، يندر فيها توجيه القراءات والإحتجاج لها، والنقول التي أوردها الحافظ فيها كثير من التوجيه والإستدلال للقراءات. ٣) أن بعض هذه النقول فيها ترجيح لقراءة صحيحة على مثلها ( [٧٨] ) ، وهذا الأمر متكرر عند ابن جرير، ولا يكاد يوجد عند أبي معشر. ٤) أن ابن جرير أكثر شهرة من أبي معشر، وتفسيره من أشهر الكتب، وكثير من المحققين إذا أطلق "الطبري" فهو يريد به الأول والأشهر، والله أعلم.

стр. 3543

تنبيه "٢": ذكر الحافظ نقلاً نسبه للطبراني في قراءة ((نصب)) ( [٧٩] ) فقال: (وحكى الطبراني أنه لم يقرأه بالضم إلا الحسن البصري ( [٨٠] )) أهـ. ( [٨١] ) قلت: يعني ضم النون كما يظهر من السياق وهذا فيه نظر لأن قراءة ابن عامر وحفص بضم النون والصاد. ( [٨٢] ) والذي يظهر لي –والله أعلم- أن في تسمية "الطبراني" تصحيفاً وأنّ الصحيح: ((الطبري)) حيث لم أعثر على نص للطبراني في معاجمه ولا في غيرها في هذا المعنى، وحيث أن الطبري قد نص في تفسيره على ما ذكره ابن حجر فقال: (وأجمعت قراء الأمصار على فتح النون من قوله ((نصب)) غير الحسن البصري فإنه ذكر عنه أنه كان يضمها مع الصاد) أهـ من تفسير الطبري ١٢/٢٤٣ ٧- ((إعراب الشواذ)) = ((إعراب القراءات الشواذ)) لأبي البقاء العكبري ( [٨٣] ) (ت٦١٦) هـ وقد نصّ الحافظ في مواضع على تسمية العكبري وسمى كتابه ب ((إعراب الشواذ)) فقال في قراءة (الصُوَر) ( [٨٤] ) بفتح الواو: (وأثبتها أبو البقاء العكبري قراءة في كتابه ((إعراب الشواذ)) ) ( [٨٥] ) أهـ، وقال في موضع آخر: (فذكر أبو البقاء في إعراب الشواذ الكلام على من قرأ ((العألمين)) ( [٨٦] ) بالهمز..) الخ. ( [٨٧] ) ، وهناك مواضع نقل فيها الحافظ عنه ولم يحدد الكتاب، منها في أثناء كلامه عن قراءة (فصُرهن) ( [٨٨] ) قال: (ونقل أبو البقاء تثليث الراء في هذه القراءة وهي شاذة) ( [٨٩] ) أهـ. ٨- التمهيد لابن عبد البر ( [٩٠] ) (ت٤٦٣هـ)

стр. 3544

نقل الحافظ عن ابن عبد البر قراءات كثيرة في موضع واحد، وهو فيما يتعلق بالأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام بن حكيم –﵄ من سورة الفرقان، ولم يسم كتابه -التمهيد- قال: (قلت: وقد تتبع أبو عمر ابن عبد البر ما اختلف فيه القراء من ذلك من لدن الصحابة ومن بعدهم من هذه السورة، فأوردته ملخصاً وزدت عليه قدر ما ذكره وزيادة على ذلك..) الخ، ثم أورد قراءات كثيرة في هذه السورة ثم قال: (قال ابن عبد البر بعد أن أورد بعض ما أوردته: هذا ما في سورة الفرقان من الحروف التي بأيدي أهل العلم بالقرآن..) ( [٩١] ) الخ كلامه. ٩- ((الجامع الأكبر والبحر الأزخر)) لأبي القاسم اللخمي ( [٩٢] ) (ت٦٢٩هـ) وهذا الكتاب أضاف منه الحافظ ما لم يذكره هو ولا ابن عبد البر من أوجه الاختلاف في سورة الفرقان، قال (ثم بعد كتابتي هذا وإسماعه وقفت على الكتاب الكبير المسمىّ بالجامع الأكبر والبحر الأزخر تأليف شيخ شيوخنا أبي القاسم عيسى بن عبد العزيز اللخمي،الذي ذكر أنه جمع فيه سبعة آلاف رواية من طريق غير مالا يليق، وهو في نحو ثلاثين مجلدة، فالتقطت منه ما لم يتقدم ذكره من الاختلاف فقارب قدر ما كنت ذكرته أولاً..) . ثم أورد تلك القراءات وقال بعدها: (فهذه ستة وخمسون موضعاً ليس فيها من المشهور شيء، فليضف إلى ما ذكرته أولاً فتكون جملتها نحواً من مائة وثلاثين موضعاً. والله أعلم) ( [٩٣] ) أهـ قلت: والكتاب المذكور في حكم المفقود، والله أعلم، وقد ذكره ابن الجزري وغيره. ( [٩٤] ) ١٠- ((الكامل في القراءات الخمسين)) للهذلي ( [٩٥] ) : (ت٤٦٥هـ)

стр. 3545

ذكر الحافظ ابن حجر "الهذلي" في مواضع عدة، دون أن يذكر اسم كتابه، منها قوله في قراءة ((ونُزِّل الملائكة)) ( [٩٦] ) بفتح النون وتشديد الزاي وفتح اللام، قال: (واختارها الهذلي) ( [٩٧] ) أهـ، وفي قراءة ((وهذا مَلِح)) ( [٩٨] ) بفتح الميم وكسر اللام، قال: (ونقلها الهذلي عن طلحة بن مصَرِّف ( [٩٩] )) ( [١٠٠] ) أهـ وفي قراءة (فسوف يكون لَزاماً) ( [١٠١] ) بفتح اللام،قال: (ونقلها الهذلي عن أبان بن تغلب) ( [١٠٢] ) أهـ، وفي موضع آخر تكلمّ عن لغة كسر الميم في كلمة (المِشْعَر) من قوله تعالى: "فاذكروا الله عند المشعر الحرام" ( [١٠٣] ) وإنكار القراءة بها، ثم قال: (وقيل بل قرئ حكاه الهذلي) ( [١٠٤] ) أهـ. قلت: هذا الكتاب مخطوط وله صورة في مركز البحث بجامعة أم القرى برقم (١٣٤/قراءات) . ١١- ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد القاسم بن سلاّم (ت ٢٢٤هـ) نقل عنه في أكثر من موضع وسماه ومؤلفه،منها عندما أورد قراءة أبي هريرة المروية في الصحيح _ وهي شاذة _ (قرات أعين) ( [١٠٥] ) بصيغة الجمع، قال: (وصله أبو عبيد القاسم بن سلاّم في كتاب "فضائل القرآن") ( [١٠٦] ) أهـ، وفي قراءة "الحي القيام" التي سبق ذكرها قال: [وقد أخرج أبو عبيد ( [١٠٧] ) في " فضائل القرآن" من طريق يحي بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر أنه صلّى العشاء الآخرة فاستفتح آل عمران فقرأ (الله لا إله إلاّ هو الحيّ القياّم) ] ( [١٠٨] ) أهـ ١٢- "مجاز القرآن " لأبي عبيدة ( [١٠٩] ) (ت٢٠٩هـ) هذا المصدر نقل عنه الحافظ معاني بعض الكلمات القرآنية في مواضع وسماه، فقال في بعضها: (هذا كلام أبي عبيدة في "كتاب المجاز") أهـ، ثم نقل عنه في نفس الموضع توجيه قراءة، ولم يذكر المصدر،فقال: (قال أبو عبيدة: ((النَصْب)) ( [١١٠] ) بالفتح هو العَلم الذي نصبوه ليعبدوه، ومن قرأ"نُصُب" بالضم فهي جماعة مثل رَهن ورُهن) أهـ. قلت: قد وجدت قريباً من هذا الكلام في الكتاب المذكور، فلعل النقل عنه، والله أعلم ( [١١١] ) .

стр. 3546

وكذا فعل في موضع آخر فقال: (قال أبو عبيدة:قرئ "بعد أَمهٍ" أي نسيان) أهـ، وكذا هو في المجاز ( [١١٢] ) . ١٣- ((المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها)) لابن جني ( [١١٣] ) (٣٩٢هـ) هذا المصدر لم يسمّه الحافظ، وإنما أشار إلى تضعيف ابن جني لقراءة ((ويجعلَ لك قصوراً)) ( [١١٤] ) بنصب اللام، قال: (وضعفها ابن جني) ( [١١٥] ) أهـ، وفي قراءة ((ويوم نحشِرهم)) ( [١١٦] ) بكسر الشين قال: (قال ابن جني: وهي قوية في القياس متروكة في الاستعمال) ( [١١٧] ) أهـ. قلت: وعبارة ابن جني: (هذا وإن كان قليلاً في الاستعمال فإنه قوي في القياس) أهـ. ( [١١٨] ) وفي قراءة ((وهذا مَلِح)) ( [١١٩] ) بفتح الميم وكسر اللام، قال: (وقال ابن جني يجوز أن يكون أراد مالح فحذف الألف تخفيفاً، قال: مع أن مالح ليست فصيحة) ( [١٢٠] ) أهـ. ١٤- ((القراءات)) لأبي حاتم السجستاني ( [١٢١] ) (ت٢٥٥هـ) هذا الكتاب أشار إليه ابن حجر حين ذكر بعض الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين ( [١٢٢] ) ، ثم لمّا ذكر قراءة" وهذا مَلِح " بفتح الميم وكسر اللام- المتقدمة آنفاً- قال: (واستنكرها أبو حاتم السجستاني) ( [١٢٣] ) أهـ، ولم يحدد كتاباً بعينه، وكذا فعل حين ذكر قراءة ((ولم يُقتروا)) ( [١٢٤] ) بضم أولّه من الرباعي، قال: (وأنكرها أبو حاتم) ( [١٢٥] ) أهـ. قلت: والقراءة المذكورة في "يقتروا" قرأ بها نافع وابن عامر وأبو جعفر، ولا وجه لإنكارها. ( [١٢٦] ) _ وكذلك فعل في قراءة ((لَزاماً)) بفتح اللام، قال: (أسنده أبو حاتم السجستاني) ( [١٢٧] ) قلت: فلعلّ هذه المواضع نقلها عن هذا الكتاب، والله أعلم، وهو كتاب مفقود حسب علمي. ( [١٢٨] ) النوع الثاني: المصادر التي نقل عنها أحياناً، ومنها: ١٥- القراءات للفضل بن شاذان ( [١٢٩] ) (ت٢٩٠هـ)

стр. 3547

نقل عنه وصل إسناد معلق في الصحيح عن عبد الله بن مسعود في قراءة ((إنني بري)) بالياء وهي شاذة من قوله تعالى:" إنني براء مما تعبدون" ( [١٣٠] ) قال: (وصله الفضل بن شاذان في ((كتاب القراءات)) ..) الخ. ( [١٣١] ) قلت: والكتاب مفقود والله أعلم. ( [١٣٢] ) ١٦- تفسير عبد الرزاق الصنعاني ( [١٣٣] ) (ت٢١١هـ) وقد نص على تسميته فقال: (وقد ذكر عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة أن ابن مسعود كان يقرؤها ((وهو عليه هين)) ) ( [١٣٤] ) أهـ. قلت: يعني قوله تعالى:" وَهُو أهْوَنُ عليه" ( [١٣٥] ) والقراءة المذكورة شاذة وهي مخالفة لرسم المصحف. ١٧- ((الصحاح)) للجوهري ( [١٣٦] ) (ت٣٩٣هـ) قال في كلامه عن القراءة الشاذة في كلمة ((الصُوَر)) ( [١٣٧] ) : (وذكر الجوهري في الصحاح أن الحسن قرأها بفتح الواو) ( [١٣٨] ) أهـ. ١٨- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( [١٣٩] ) (ت٦٧١هـ) نقل عنه قراءة شاذة في (فقد كذَّبوكم) ( [١٤٠] ) ولم يسم كتابه، قال: ("فقد كذَبوكم" حكى القرطبي أنها قرئت بالتخفيف) ( [١٤١] ) أهـ. قلت: ونص كلام القرطبي في تفسيره قال: (وحكى الفراء أنه يقرأ ((فقد كذَبوكم)) مخففاً) ( [١٤٢] ) أهـ. ١٩- تفسير الواحدي ( [١٤٣] ) (ت٤٦٨هـ) نقل عنه في قراءة لفظة ((المحصنات)) في القرآن، ولم يسم كتابه، قال ما نصه: (قال الواحدي: قرئ ((المحصِنات)) في القرآن بكسر الصاد وفتحها إلا في قوله تعالى: ((والمحصَنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)) ( [١٤٤] ) فبالفتح جزماً، وقرئ ((فإذا أحصن)) ( [١٤٥] ) بالضم وبالفتح، فبالضم معناه التزويج وبالفتح معناه الإسلام) ( [١٤٦] ) أهـ. قلت: وقد وجدت قريباً من هذا النقل في "الوسيط" للواحدي: (٢/٣٣،٣٥) فلعلّ النقل عنه بالمعنى، والله أعلم. ٢٠- تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ( [١٤٧] ) (ت٢٧٦هـ)

стр. 3548

وهذا المصدر سماه الحافظ في موضع حين نقل عنه نصاً يتعلق بالأحرف السبعة فقال: (قال ابن قتيبة في أول ((تفسير المشكل)) له كان من تيسير الله أن أمر نبيه أن يقرأ كل قوم بلغتهم ... الخ كلامه) ( [١٤٨] ) ، ونقل عن ابن قتيبة في موضع آخر ولم يسمِّ كتابه، وذلك حين تكلم عن كسر الميم في لفظة ((المشعر)) فقال: (قال ابن قتيبة: لم يقرأ بها في الشواذ) ( [١٤٩] ) أهـ. قلت: لم أجد نصاً لابن قتيبة عن هذه الكلمة لا في "مشكل القرآن" ولا في "تفسير غريب القرآن"، وكلاهما له، فربما كان في كتابه (القراءات) وهو مفقود والله أعلم. ( [١٥٠] ) ٢١ - معاني القرآن للنحاس ( [١٥١] ) (ت٣٣٨هـ) وهذا الكتاب أيضاً لم يذكر الحافظ اسمه، وإنما نقل استنكار مؤلفه لقراءة (الصُوَر) بفتح الواو، بعد أن ذكر كلام الجوهري المتقدم، فقال: (وذكر الجوهري في الصحاح أن الحسن قرأها بفتح الواو، وسبق النحاس فقال: ليست بقراءة) ( [١٥٢] ) أهـ. قلت: وقد ذكر النحاس هذه القراءة في معاني القرآن ٢/٤٤٨ ٢٢- الحجة في علل القراءات السبع لأبي على الفارسي ( [١٥٣] ) (ت٣٧٧هـ) وهذا المصدر كذلك لم يسمه ابن حجر وإنما نقل عنه في توجيه قراءة ((فصرهن)) ( [١٥٤] ) بضم الصاد وبكسرها، فقال: (قلت: ونقل أبو علي الفارسي أنهما بمعنى واحد) ( [١٥٥] ) أهـ. قلت: كلام أبي علي في توجيه هذه القراءة طويل، كما في "الحجة" ٢/٢٩٢-٢٩٤. ٢٣- ((العباب الزاخر واللباب الفاخر للصغاني ( [١٥٦] ) (ت٦٥٠هـ)

стр. 3549

وهذا الكتاب ذكره الحافظ في مواضع مستشهداً منه في اللغة، مثل كلامه عن كلمة ((بِضْع)) قال: (ونقل الصغاني في العباب أنه خاص بما دون العشرة وبما دون العشرين فإذا جاوز العشرين امتنع ...الخ) ( [١٥٧] ) ثم نقل عن مصنفه قراءة دون أن يسمي الكتاب، فقال في قوله تعالى: (ائتوني بكتب من قبل هذا أو أثرة من علم) ( [١٥٨] ) ما نصه (وذكر الصغاني وغيره أنه قرئ أيضاً ((إثارة)) بكسر أوله ((وأثرة)) بفتحتين وسكون ثانيه مع فتح أوله ومع كسره) ( [١٥٩] ) أهـ. قلت: هذا الكتاب طبعت منه أجزاء متفرقة في العراق، وهو في اللغة ((في عشرين مجلداً. ( [١٦٠] ) * ولعل من هذا النوع من المصادر كتب الحديث وشروحه - غير صحيح البخاري- التي نقل عنها بعض مرويات القراءات، ومنها: ٢٤- موطأ الإمام مالك ( [١٦١] ) (ت١٧٩هـ) وقد نقل عنه قراءة شاذة فقال: (.. وعن عائشة: نزلت ((فعدة من أيام أخر متتابعات)) ( [١٦٢] ) فسقطت ((متتابعات)) وفي الموطأ أنها قراءة أبي بن كعب) ( [١٦٣] ) أهـ ٢٥- مشكل الآثار للطحاوي ( [١٦٤] ) (ت٣٢١هـ) أشار إليه عند توجيه القراءة الشاذة (ألاّ يطوف بهما) –المتقدم ذكرها- فقال: (وأجاب الطبري بأنها محمولة على القراءة المشهورة و ((لا)) زائدة، وكذا قال الطحاوي) ( [١٦٥] ) أهـ، فلم يسمّ كتابه في هذا الموضع، وإن كان سماه في مواضع أخرى حين نقل عنه بعض ما يتعلق بمسائل الحديث ( [١٦٦] ) . ٢٧- نقل عن ابن المنذر ( [١٦٧] ) (ت٣١٩هـ) وقد أشار إليه أيضاً بعد نقل قراءة ((ألا يطوف بهما)) ، المتقدمة، فقال: (كذلك حكاه الطبري وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر وغيرهم ...) الخ. ( [١٦٨] ) قلت: ولعل هذا النقل عن تفسير ابن المنذر الذي سماه في مواضع أخرى. ( [١٦٩] ) وهو تفسير كبير في بضعة عشر مجلداً كما ذكره في السير ١٤/٤٩٢، وتوجد منه أجزاء مخطوطة. ( [١٧٠] ) ٢٨- نقل عن ابن التين ( [١٧١] ) (ت٦١١هـ)

стр. 3550

ذكره عند الكلام على توجيه قراءة ((فصرهن)) –المتقدمة- ولم يسم كتابه، قال: (قال ابن التين: ((صرهن)) بضم الصاد معناها ضمهن، وبكسرها قطعهن) ( [١٧٢] ) أهـ قلت: ولعل هذا النقل عن شرح ابن التين للبخاري وهو مفقود والله أعلم. النوع الثالث: مصادر ونقول لها علاقة بعلم القراءات وهي مصادر لم ينقل عنها قراءات معينة، وإنما نقل أقوالاً وآراء تتعلق بهذا العلم. وهي قسمان: أ- مصادر سماها وسمّى مصنفيها. ب- نقول وأقوال أوردها ونسبها إلى قائليها ولم يسم كتبهم التي نقل عنها. وأمثلة هذا النوع بقسميه كثيرة، ولذا فسأقتصر على ذكر نماذج منها على وجه الاختصار. فمن القسم الأول: ٢٩- معاني القرآن للزجاج ( [١٧٣] ) (ت٣١١هـ) نقل عنه كلاما له تعلق بتوجيه الآيات الثلاث من قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت –إلى قوله- والله لا يهدي القوم الفاسقين)) ( [١٧٤] ) ونصه: (قال الزجاج في ((المعاني)) : هذه الآيات الثلاث من أشكل ما في القرآن إعراباً وحكماً ومعنى) ( [١٧٥] ) أهـ ٣٠- شرح الهداية لأبي العباس المهدوي ( [١٧٦] ) (توفي بعد ٤٣٠هـ) نقل عنه أقوالاً تتعلق بمبحث الأحرف السبعة، فقد ذكر قول الطبري في ذلك ثم قال: (..ووافقه على ذلك جماعة منهم أبو العباس بن عمار في ((شرح الهداية)) وقال: أصح ما عليه الحذاق أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها لا كلّها ...) ( [١٧٧] ) إلى آخر كلامه. ٣١- شرح السنة للبغوي ( [١٧٨] ) : (ت٥١٦هـ) وهذا المصدر نقل عنه في مبحث ((الأحرف السبعة)) نصاً يتعلق برسم المصحف فقال: (وقال البغوي في شرح السنة: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله –e- فأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك، قطعاً لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم) ( [١٧٩] ) أهـ.

стр. 3551

قلت: وهذا النص المذكور إنما اختصره الحافظ ولخصه من كلام طويل للبغوي ولم ينقله نصاً. ( [١٨٠] ) ٣٢- شرح المنهاج للسبكي ( [١٨١] ) (ت٧٥٦هـ) وقد نقل عنه الإنكار على من توهم أن القراءات منحصرة في السبعة فقط، قال: (.. وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن ذلك كأبي شامة وأبي حيان، وآخر من صرح بذلك السبكي فقال في شرح المنهاج عند الكلام على القراءة بالشاذ: صرح كثير من الفقهاء بأن ما عدا السبعة شاذ توهماً منه انحصار المشهور فيها، والحق أن الخارج عن السبعة على قسمين ...) .الخ كلامه) . ( [١٨٢] ) قلت: كذا سمّى الحافظ الكتاب، والمعروف أنّ اسمه (الابتهاج في شرح المنهاج) وهو في شرح "منهاج الطالبين" للنووي في فقه الشافعية، ووصل فيه مؤلفه إلى (الطلاق) ولم يكمله، فأكمله ابنه بهاء الدين أحمد. ( [١٨٣] ) ٣٣- الشافي لإسماعيل بن إبراهيم (ابن السمعاني) ( [١٨٤] ) (ت٤١٤هـ) وقد نقل عنه أيضاً بعض ما يتعلق بالمسألة السابقة –الزيادة على القراءات السبع- فقال: (وقال ابن السمعاني في الشافي: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين..) ( [١٨٥] ) الخ كلامه. قلت: وهذا النقل بكامله ذكره ابن الجزري، ومنه عرفت أن ابن السمعاني الذي ذكره الحافظ بهذه الكنية غير المعروف بها هو إسماعيل بن إبراهيم، فقد نصّ على تسميته وتسمية كتابه (الشافي) ونقل نفس الكلام عنه، والكتاب في القراءات وهو في حكم المفقود والله أعلم. ( [١٨٦] ) ٣٤- اللوائح ( [١٨٧] ) لأبي الفضل الرازي ( [١٨٨] ) (ت٤٥٤هـ)

стр. 3552

وقد نقل عنه نصاً في المسألة المتقدمة أيضاً فقال: (وقال أبو الفضل الرازي في ((اللوائح)) بعد أن ذكر الشبهة التي من أجلها ظن الأغبياء أنّ أحرف الأئمة السبعة هي المشار إليها في الحديث وأن الأئمة بعد ابن مجاهد جعلوا القراءات ثمانية أو عشرة لأجل ذلك قال: واقتفيت أثرهم لأجل ذلك وأقول: لو اختار إمام من أئمة القراء حروفاً وجرّد طريقاً في القراءة بشرط الاختيار لم يكن ذلك خارجاً عن الأحرف السبعة) ( [١٨٩] ) أهـ ٣٥- المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز لأبي شامة ( [١٩٠] ) (ت٦٦٥هـ) وحيث إن هذا الكتاب صنفه أبو شامة لبيان حديث (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) ( [١٩١] ) كما نص هو على ذلك ( [١٩٢] ) ، لذا فقد نقل عنه ابن حجر في هذه المسألة وما يتعلق بها في أكثر من موضع، وسمى الكتاب ب"الوَجيز" في مواضع، وفي مواضع سمىّ المصنّف ولم يذكر اسم الكتاب. ففي موضع يقول: (وقد قرر ذلك أبو شامة في " الوجيز" تقريراً بليغاً وقال: لا يقطع بالقراءة بأنها منزلة من عند الله إلاّ إذا اتفقت عن ذلك الإمام الذي قام بإمامة المِصر بالقراءة وأجمع أهل عصره ومن بعدهم على إمامته في ذلك، قال: أما إذا اختلفت عنه فلا..) الخ كلامه. ( [١٩٣] ) وفي نفس المسألة أعاد النقل عن أبي شامة ملخِّصاً بعض كلامه، فقال: (وذكر أبو شامة في "الوجيز" أن فتوى وردت من العجم لدمشق سألوا عن قارئ يقرأ عُشراً من القرآن فيخلط القراءات،..) الخ كلامه. ( [١٩٤] )

стр. 3553

وفي موضع آخر نقل عن "المرشد الوجيز" دون أن يسميه فقال: (وكذا قال أبو شامة: ونحن وإن قلنا إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت وعنهم نقلت فلا يلزم أن جميع ما نقل عنهم بهذه الصفة، بل فيه الضعيف لخروجه عن الأركان الثلاثة، ولهذا ترى كتب المصنفين مختلفة في ذلك، فالاعتماد في غير ذلك على الضابط المتفق عليه) ( [١٩٥] ) أهـ، وفي سياق الرد على من توهم أن القراءات السبع هي الأحرف السبعة قال: (وقال أبو شامة: لم يُرد ابن مجاهد ما نسب إليه، بل أخطأ من نسب إليه ذلك ... ) ( [١٩٦] ) الخ كلامه. ٣٦- "المغرب في ترتيب المعرب" ( [١٩٧] ) لأبي الفتح الخوارزمي ( [١٩٨] ) (ت٦١٠هـ) هذا المصدر ذكره الحافظ استطراداً في نهاية كلام له عن اختلاف نقلة القراءات في ضبط لفظة ((فصرهن)) وتوجيهها لكنه لم ينسبه إلى أحد، ولم ينقل عنه في غير هذا الموضع – فيما وقفت عليه، ونص كلامه: (وذكر صاحب "المغرب" أن هذه اللفظة بالسريانية وقيل بالنبطية) أهـ. ( [١٩٩] ) قلت: ولم أجد هذا النص في "المغرب"، والله أعلم. - أما القسم الثاني من هذا النوع: وهي النقول والأقوال التي أوردها الحافظ في مسائل القراءات، وسمى أصحابها، ولم يذكر أسماء كتبهم، وهي كثيرة، وسأذكر جملة من هذه النقول وأصحابها والكتب التي وجدتها فيها: ٣٧- "الإبانة عن معاني القراءات لمكي بن أبي طالب" ( [٢٠٠] ) (ت٤٣٧هـ) نقل ابن حجر عن مكي بن أبي طالب نقولاً مطولة- وخاصة في مبحث الأحرف السبعة- وقد لخص في هذه النقول صفحات كثيرة من " الإبانة" ولم يسمه، ومن ذلك قوله: (وقال مكي بن أبي طالب:هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم، قال: وأما من ظنّ أن قراءة هؤلاء القراء كنافع ( [٢٠١] ) وعاصم ( [٢٠٢] ) هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً..) الخ كلامه. ( [٢٠٣] )

стр. 3554

وفي بيان سبب اشتهار القراء السبعة دون غيرهم، نقل نصاً مطولاً، لخّصه من عدة مواضع من الإبانة، مع تقديم وتأخير فيها، فقال: (قال مكي: وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ( [٢٠٤] ) ويعقوب ( [٢٠٥] ) ..، قال: والسبب في الاقتصار على السبعة - مع أن في أئمة القراء من هو أجلّ منهم قدراً ومثلهم أكثر من عددهم - أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيراً جداً..) إلى أن قال: (والأصل المعتمد عليه عند الأئمة في ذلك أنه الذي يصح سنده في السماع ويستقيم وجهه في العربية ووافق خط المصحف..) الخ كلامه. ( [٢٠٦] ) ٣٨- "القبس في شرح موطأ ابن أنس" لأبي بكر بن العربي ( [٢٠٧] ) (ت٥٤٣هـ) وهذا المصدر لم يسّمه –كما تقدم- وإنما نقل عنه نصاً بمعناه فقال: (وقال أبو بكر بن العربي ليست هذه السبعة متعينة الجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر ( [٢٠٨] ) وشيبة ( [٢٠٩] ) والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم) ( [٢١٠] ) أهـ. قلت: وقد نقل الإمام ابن الجزري هذا القول بلفظ مقارب، ونص على تسمية الكتاب المذكور، وهو بمعناه في القبس. ( [٢١١] ) ٣٩- "تبصرة المتذكر" في تفسير القرآن للكواشي ( [٢١٢] ) (ت٦٨٠هـ) وكذا نقل عنه ولم يسّمه وأورد النقل نفسه ابن الجزري وسمّى الكتاب" التبصرة)) ( [٢١٣] ) ، فقال ابن حجر: (وقال الكواشي: كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة الآف، ومتى فُقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ) ( [٢١٤] ) أهـ. ٤٠- "جامع البيان في القراءات السبع" لأبي عمرو الداني ( [٢١٥] ) (ت٤٤٤هـ)

стр. 3555

هذا المصدر نقل عنه الحافظ في موضع ولم يسمّه، فبعد أن ذكر قولين في معنى ((الأحرف السبعة)) وجمع بينهما، قال: (لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى، وهي ما نبّه عليه أبو عمرو الداني أن الأحرف السبعة ليست متفرقة في القرآن كلها ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية واحدة فإنما قرأ ببعض الأحرف السبعة لا بكلها..) ( [٢١٦] ) أهـ. ٤١- نقل عن أبي حيان ( [٢١٧] ) (ت٧٤٥هـ) لقد نقل الحافظ فيما يتعلق بالتفسير وغيره عن أبي حيان وسمى كتابه ((البحر)) في مواضع، وفي أخرى: ((تفسير أبي حيان)) ، أما ما يتعلق بالقراءات فقد نقل عنه قولاً ولم يذكر مصدره فقال: (وقال أبو حيان: ليس في كتاب ابن مجاهد ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راوياً..) الخ كلامه. ( [٢١٨] ) قلت: وهذا النص نقله ابن الجزري في النشر: (١/ ٤١) ولم أقف عليه في "البحر المحيط" فالله أعلم. النوع الرابع: مصادر ذُكرت عرضاً، ولها تعلق بعلم القراءات. أعني أن هذه المصادر والكتب سماها الحافظ وأشار إليها، ولكنه لم ينقل عنها نصوصاً محددة وذلك فيما اطلعت عليه من كتابه- وإنما أوردتها لاحتمال أن تكون مراجع للحافظ في علم القراءات، وإن لم ينقل عنها، وسأسردها مع الإشارة إلى مواضع ذكرها: ١- كتاب التيسير لأبي عمرو الداني (الفتح ٩/٣٢) ٢- متن الشاطبية حرز الأماني للإمام الشاطبي ( [٢١٩] ) (الفتح ٩/٣٢) ٣- كتاب القراءات لأبي عمرو بن العلاء (الفتح ٦/٦٠٢) . قلت: عبارة الحافظ في هذا الموضع: (لأن المشهور من أولاد العلاء أبو عمرو صاحب القراءات وأبو سفيان ومعاذ..) أهـ، فيحتمل أن يقصد ب"صاحب القراءات" أي المشهور بها، أو صاحب اختيار فيها، ولا يريد تسمية كتاب بعينه، وإن كان مصنفا "معجم المصنفات" عدّوه كتاباً لأبي عمرو، وهو مفقود. ( [٢٢٠] ) ٤- القراءات لأبي جعفر الطبري (الفتح ٩/٣١،٣٢)

стр. 3556

قلت: وهذا الكتاب ذكر في كلام نقله الحافظ عن مكي بن أبي طالب، ثم علق الحافظ على ذلك النقل ومما قاله: (وذكر الطبري في كتابه اثنين وعشرين رجلاً) أهـ. ٥- القراءات لابن جبير ( [٢٢١] ) (الفتح ٩/٣٢) ( [٢٢٢] ) ٦- القراءات لإسماعيل بن إسحاق القاضي ( [٢٢٣] ) (الفتح ٩/٣١) ( [٢٢٤] ) - هذه مجمل المصادر التي ذكرها الحافظ في كتابه مما له علاقة بعلم القراءات، ومما تقدم يمكن تلخيص بعض الملامح العامة في منهج نقله عنها، من خلال النقاط الآتية: ١- أكثر الحافظ من النقل عن المصادر –بمختلف أنواعها وفنونها- فيما يتعلق بمسائل القراءات. ٢- تنوعت مصادره في القراءات ومسائلها من حيث الفنون، فنقل عن كتب القراءات والتفسير وإعراب القرآن والحديث واللغة وغيرها. ٣- اختلفت مصادره من حيث كثرة أو قلة الرجوع إليها والنقل عنها، كما يظهر من الأنواع الأربعة المذكورة. ٤- الغالب في نقله كان بالمعنى، بل يندر جداً أن ينقل كلاماً بنصه. ٥- أحياناً يلخص صفحات عديدة من المصدر الذي ينقل عنه ويختصرها في أسطر معدودة وينسبها إلى صاحب المصدر بقوله (قال فلان) . ٦- أحياناً ينص على تسمية الكتاب ومؤلفه، وأحياناً يذكر القائل دون تسمية كتابه، وقليلاً ما يذكر اسم الكتاب وحده دون ذكر مصنفه. ٧- كثيراً ما يختصر اسم الكتاب أو يشير إليه بما يدل عليه، كقوله: (ذكره الفراء في معانيه) أو (الطبري في تفسيره) .. وهكذا. ٨- حرص الحافظ على عزو جميع الأقوال والنقول إلى قائليها، رغم كثرتها، ولم أقف على نص أورده دون أن يذكر قائله أو يشير إليه، وهذا غاية في أمانته رحمه الله تعالى.

стр. 3557

٩- تتبع الحافظ أقوال العلماء واستقصاها في مسائل القراءات –وخاصة في مبحث الأحرف السبعة- مع الإشارة إلى ضعفها أو قوتها، وقد نص على ذلك في بداية كلامه عن معنى (الأحرف السبعة) فقال: (.. ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من صحيحه، وسأذكر ما انتهى إليّ من أقوال العلماء في ذلك مع بيان المقبول منها والمردود إن شاء الله تعالى) ( [٢٢٥] ) أهـ ١٠- أحياناً ينص الحافظ على انتهاء النقل بقوله: (انتهى) ، وكثيراً ما يعقب على النقل بما يشعر بانتهائه، كأن يذكر قولاً آخر، أو يقول: (قلت) ( [٢٢٦] ) ، وأحياناً لا يتبين نهاية النقل إلا بالرجوع إلى المصدر الذي نقل عنه. ( [٢٢٧] ) الفصل الثاني: آراؤه في مسائل القراءات إن دراسة آراء الحافظ ابن حجر في مسائل القراءات لها أهمية بالغة من حيث: ١/ إنّ الحافظ أحد مشايخ القراءات الذين تلقوا هذا العلم ودرسوه، وله سند بذلك وعنده فيه إجازة من شيخه التنوخي كما تقدم. ٢/ إنّ ابن حجر عالم محقق يورد الأقوال في المسألة وينقل عن العلماء المتقدمين، ويرجح ويجمع بين الأقوال، ويرد على الشبه، ويحل المشكلات، ويثرى الموضوع الذي يتناوله. ٣/ إنّ بعض مسائل القراءات لا تزال شائكة ومشكلة، وتحتاج إلى توضيح وتحرير، ورأى إمام محقق مثل ابن حجر له قيمته ووزنه فيها. ٤/ إنّ علم القراءات له ارتباط وثيق بعلم الحديث، وقد تبيّن ذلك جلياً من خلال النقول والآراء التي أوردها الحافظ في كتابه "الفتح".

стр. 3558

ومن خلال دراسة وتصنيف تلك المواضع التي أورد فيها القراءات وتكلم عن بعض مسائلها، يمكن تقسيم آرائه فيها إلى قسمين: الأول: آراء خاصة به ومن اجتهاده ونص على نسبتها لنفسه، والثاني: آراء لعلماء سابقين تبناها وأوردها مؤيداً لها، ثم إنّ تلك الآراء بقسميها تنوعت بحسب موضوعاتها: فمنها ما يتعلق بالأحرف السبعة ومنها ما يتعلق بمصطلحات علم القراءات وغير ذلك، وبيان هذه الآراء على النحو التالي: ١- أن القرآن نزل أولاً بلسان قريش ثم أنزل بالأحرف السبعة: وقد ذكر ذلك في شرحه لحديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال: (فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد ابن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم، ففعلوا) ( [٢٢٨] ) . ونقل في ذلك قول أبي شامة: (يحتمل أن يكون قوله "نزل بلسان قريش " أي ابتداء نزوله، ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم ...) الخ.، ثم قال الحافظ: (وتكملته: أن يقال: إنه نزل أولاً بلسان قريش أحد الأحرف السبعة، ثم نزل بالأحرف السبعة المأذون في قراءتها تسهيلاً وتيسيراً كما سيأتي بيانه، فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد رأى أن الحرف الذي نزل القرآن أولاً بلسانه أولى الأحرف فحمل الناس عليه لكونه لسان النبي –e – ولما له من الأولية المذكورة) ( [٢٢٩] ) أهـ. وقال في موضع آخر تأكيداً لكلام أبي شامة ما نصّه: (ويدل على ما قرره أنّه أنزل أولاً بلسان قريش ثم سهل على الأمة أن يقرؤوه بغير لسان قريش، وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة ...) . ( [٢٣٠] )

стр. 3559

قلت: وما أكده الحافظ في هذه المسألة قرره أبو شامة في عدة مواضع من كتابه ((المرشد الوجيز)) منها قوله تعليقاً على الحديث المذكور ما نصّه: (قلت: يعني أول نزوله قبل الرخصة في قراءته على سبعة أحرف) أهـ ( [٢٣١] ) . وفي موضع آخر نقل إشارة ابن عبد البر إلى أثر عثمان المتقدم، ثم قال أبو شامة: (قلت: أشار عثمان ﵁ إلى أول نزوله، ثم إن الله تعالى سهله على الناس، فجوّز لهم أن يقرؤوه على لغاتهم على ما سبق تقريره، لأن الكل لغات العرب، فلم يخرج عن كونه بلسان عربي مبين) أهـ. ( [٢٣٢] ) قلت: وقد نقل هذا القول أيضاً السيوطي في الإتقان: ١/ ١٦٩. ٢-في معنى "الأحرف السبعة ": قال: (قوله " باب أنزل القرن على سبعة أحرف " أي على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة) أهـ، ثم نقل كلام أهل العلم في ذلك وقال: (وسأذكر ما انتهى إليَ من أقوال العلماء في ذلك مع بيان المقبول منها والمردود إن شاء الله تعالى) ( [٢٣٣] ) أهـ. وفي ضمن كلامه عن حديث عمر وهشام – رضى الله عنهما- وفيه " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه " ( [٢٣٤] ) قال: (قوله " فاقرءوا ما تيسر منه " أي المنزَّل. وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القارئ، وهذا يقوي قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر، ومع ذلك اختلفت قراءتهما) أهـ. ( [٢٣٥] ) ثم نقل قولا ذكره أبو شامة عن بعض الشيوخ؛ وهو بمعنى كلامه هذا أي القراءة باللفظ المرادف_ ثم قال:) وتتمة ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبي

стр. 3560

e، ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب:" أقرأني النبي e) ( [٢٣٦] ) أهـ. وفي جمعه بين من فسر معنى الأحرف باللغات ومن فسرها بالأوجه من المعاني المتفقة قال: (قلت: ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات) ( [٢٣٧] ) أهـ. قلت: والخلاف في معنى "الأحرف السبعة" قديم ومشهور وطويل، وللعلماء فيه أكثر من أربعين قولاً ( [٢٣٨] ) ، من أشهرها القولان اللذان جمع بينهما الحافظ، وهما قول من قال: إنّ المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، وقد قال به أكثر العلماء – كما ذكره ابن عبد البر- وذهب إليه سفيان بن عيينة وابن جرير وابن وهب وغيرهم، والثاني قول من قال: إنّ المراد سبع لغات وإليه ذهب أبو عبيد وثعلب واختاره ابن عطية وصححه البيهقي، كما نقله عنهم السيوطي. ( [٢٣٩] ) ٣- أن المجموع في المصحف إنما هو بعض الأحرف السبعة: قال: (والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي e، وفيه بعض ما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي " تجري من تحتها الأنهار " في آخر براءة ( [٢٤٠] ) ، وفي غيره بحذف "من " وكذا ما وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدّة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدّة هاءات، وعدّة لامات ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معاً، وأمر النبي e بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصاً واحداً وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس وتسهيلا، فلما آل الحال إلى ما وقع من اختلاف في زمن عثمان وكفّر بعضهم بعضاً اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته وتركوا الباقي) ( [٢٤١] ) أهـ.

стр. 3561

قلت: والخلاف في هذه المسألة قديم، فقد ذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أنّ المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وممن قال بذلك القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني ( [٢٤٢] ) ، كما نقله عنه أبو شامة وغيره، حيث قال القاضي ما نصّه: (ليس الأمر على ما توهمتم من أنّ عثمان ﵁ جمعهم على حرف واحد وقراءة واحدة، بل إنما جمعهم على القراءة بسبعة أحرف وسبع قراءات، كلها عنده وعند الأمة ثابتة عن الرسول e) أهـ. ( [٢٤٣] ) وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنّ هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي e على جبرائيل ﵇، متضمنة لها لم تترك حرفاً منها. وقد أورد ابن الجزري هذا القول ثم قال: (قلت: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له) أهـ. ( [٢٤٤] ) كما أورد الحافظ بعد هذا الرأي نقولات عديدة تؤيد ما ذكر، عن الطبري والبغوي وأبي شامة ومكي وغيرهم. ( [٢٤٥] ) ٤- في شروط القراءة المقبولة:

стр. 3562

وقد نقل أقوال العلماء في ذلك، منهم مكي وابن السمعاني وأبو الفضل الرازي والكواشي، وقد نصوا على الأركان الثلاثة للقراءة الصحيحة، ومن ذلك قول مكي: (والأصل المعتمد عليه عند الأئمة في ذلك أنه الذي يصح سنده في السماع ويستقيم وجهه في العربية ووافق خط المصحف ...) الخ. وكذا قول الكواشي: (كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة – أي الأحرف السبعة – فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات، عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى فُقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ) ( [٢٤٦] ) أهـ ثم ذكر الحافظ في آخر المبحث كلاماً له يؤيد فيه هذه الشروط، فقال ما نصه: (واستدل بقوله –e– " فاقرءوا ما تيسر منه " على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن بالشروط المتقدمة، وهي شروط لا بد من اعتبارها، فمتى اختل شرط منها لم تكن تلك القراءة معتمدة) ( [٢٤٧] ) أهـ.

стр. 3563

قلت: ويلاحظ أن الحافظ لم ينص على اشتراط التواتر، لا في أقواله ولا في الأقوال التي أوردها فيما وقفت عليه وإنما ذكر اشتراط صحة السند مع اشتهارها كما تدل على ذلك بقية أقواله في غير هذا الموضع مما سيأتي ذكره، كما أنّه لم يحصرها في السبع أو العشر، وهو ما نسبه ابن الجزري إلى ((أئمة السلف والخلف)) فقال: (كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً وصحّ سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة، أم عمن هو أكبر منهم، وهذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرّح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونصّ عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمّار المهدوي وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه) أهـ ( [٢٤٨] ) تنبيه: ماذكره ابن الجزري هنا من عدم اشتراط التواتر وعدم انحصار القراءات المقبولة في العشر هو قوله المتأخر في المسألة، حيث قد نص على اشتراطه أولاً في كتابه (منجد المقرئين) ثم نسخه بما ذكرته عنه (في النشر) ، وبين فراغه من تأليف الكتابين أكثر من عشرين عاماً ( [٢٤٩] ) ، ثم إنه صرح برجوعه عن رأيه الأول حيث قال: (ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده، وموافقة أئمة السلف والخلف) ( [٢٥٠] ) أهـ، كما أشار إلى تردده في المسألة في آخر كتابه "المنجد" بعد توقيعه على الفراغ منه. ( [٢٥١] )

стр. 3564

وفي التأكيد على أنّ القراءات المقبولة ليست منحصرة في القراءات السبع نقل الحافظ كلام أهل العلم في معنى الأحرف السبعة، وفيه بيان أن الأحرف غير " القراءات "، ثم ذكر شروط القراءة المقبولة، ثم قال: (وإنما أوسعت القول في هذا لما تجدد في الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءات المشهورة منحصرة في مثل " التيسير والشاطبية "، وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن ذلك كأبي شامة وأبي حيان وآخر من صرّح بذلك السبكي ...) الخ كلامه. ( [٢٥٢] ) ٥- في خلط القراءات ( [٢٥٣] ) : أورد الحافظ في هذه المسألة نقلاً نصه: (وذكر أبو شامة في الوجيز أن فتوى وردت من العجم لدمشق سألوا عن قارئ يقرأ عُشراً من القرآن فيخلط القراءات، فأجاب ابن الحاجب وابن الصلاح وغير واحد من أئمة ذلك العصر بالجواز بالشروط التي ذكرناها، كمن يقرأ مثلاً " فتلقى آدم من ربه كلمات " فلا يقرأ لابن كثير بنصب " آدم " ولأبي عمرو بنصب " كلمات"، وكمن يقرأ " نغفر لكم " بالنون " خطاياكم " بالرفع، قال أبو شامة: لا شك في منع مثل هذا، وما عداه فجائز والله أعلم) ( [٢٥٤] ) أهـ. ثم علّق الحافظ على هذا النقل بقوله: (وقد شاع في زماننا من طائفة من القراء انكار ذلك حتى صرح بعضهم بتحريمه، فظن كثير من الفقهاء أن لهم في ذلك معتمداً فتابعوهم، وقالوا: أهل كل فن أدرى بفنهم، وهذا ذهول ممن قاله، فإنّ عِلم الحلال والحرام إنما يتلقى من الفقهاء، والذي منع ذلك من القراء إنما هو محمول على ما إذا قرأ برواية خاصة فإنه متى خلطها كان كاذباً على ذلك القارئ الخاص الذي شرع في إقراء روايته، فمن أقرأ رواية لم يحسن أن ينتقل عنها إلى رواية أخرى، كما قاله الشيخ محي الدين ( [٢٥٥] ) ، وذلك من الأولوية لا على الحتم، أما المنع على الإطلاق فلا، والله أعلم) ( [٢٥٦] ) أهـ.

стр. 3565

قلت: فيظهر مما ذكر أن الحافظ يرى جواز الخلط بين القراءات بمعنى أن يقرأ كل آية-أو نحوها- بقراءة قارئ بشرط أن يكون المقروء به مما توفرت فيه شروط القراءة المقبولة ( [٢٥٧] ) . وقد قال بجواز ذلك كثير من الأئمة ومنعه بعضهم –كما ذكره ابن الجزري- ثم توسط في المسألة فقال ما ملخصه: (والصواب عندنا في ذلك التفصيل والعدول بالتوسط إلى سواء السبيل فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى فالمنع من ذلك منع تحريم،وأما ما لم يكن كذلك فإنّا نفرق بين مقام الرواية وغيرها،فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية فإنه لا يجوز أيضاً من حيث إنه كذب في الرواية وتخليط على أهل الدراية،وإن لم يكن على سبيل النقل والرواية بل على سبيل القراءة والتلاوة فإنه جائز صحيح مقبول لا منع منه ولا حظر،وإن كنّا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات ...) الخ كلامه. ( [٢٥٨] ) ٦- اعتماده القراءات السبع والمشهورة من غيرها، واعتماده كتاب ((أبى عبيد)) في القراءات المشهورة: ويتبين هذا من تعليقه على قراءة الأعمش " وما أُوتوا من العلم إلا قليلاً" ( [٢٥٩] ) الواردة في الصحيح، فقد قال في شرح حديثها ما نصه: (وليست هذه القراءة في السبعة بل ولا في المشهور من غيرها، وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءات له من قراءة الأعمش، والله أعلم) أهـ. ( [٢٦٠] ) وفي موضع آخر ذكر قراءة عمر-﵁ التي أوردها البخاري في " وظنّ داود أنّما فتّناه" ( [٢٦١] ) بتشديد التاء فقال: (وأما قراءة عمر فمذكورة في الشواذ، ولم يذكرها أبو عبيد في القراءات المشهورة) ( [٢٦٢] ) أهـ.

стр. 3566

قلت: وكلامه الأخير يشعر بأنّ ما ذكره أبو عبيد في كتابه كله من القراءات المشهورة، والكتاب المشار إليه حوى قراءات الأئمة السبعة وغيرهم، وقد ذكره ابن الجزري في "النشر"، وكلامه عنه فيه نوع موافقة لرأي الحافظ ابن حجر فيه، مما يفهم من سياق كلامه، قال ابن الجزري: (فإنّ القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول قِل من كُثر، ونَزر من بحر، فإنّ من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين، وذلك أنّ القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم كانوا أمماً لا تحصى،وطوائف لا تستقصى،والذين أخذوا عنهم أيضاً أكثر، وهلم جرا،فلما كانت المائة الثالثة واتسع الخرق وقلّ الضبط وكان علم الكتاب والسنة أوفر ما كان في ذلك العصر تصدّى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءات،فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئاً مع هؤلاء السبعة، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين) ( [٢٦٣] ) ٧- مصطلح القراءة المشهورة عنده: لقد استخدم الحافظ مصطلح " المشهورة، الشهيرة " مرات كثيرة ( [٢٦٤] ) ، ويريد بها القراءة المقبولة غالباً، وهو يذكرها في مقابل القراءة الشاذة المردودة، يدل على هذا قوله المتقدم: (وإنما أوسعت القول في هذا لما تجدد في الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءات المشهورة منحصرة في مثل التيسير والشاطبية) ( [٢٦٥] ) أهـ. وقال في قراءتي " يتفيؤا ظلاله" بالتاء وبالياء ( [٢٦٦] ) : (وتتفيأ في روايتنا بالمثناة الفوقانية أي: الظلال، وقرئ أيضاً بالتحتانية أي شئ، والقراءتان شهيرتان) ( [٢٦٧] ) أهـ. قلت: بالتاء قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالياء قراءة الباقين. ( [٢٦٨] )

стр. 3567

وفي قراءة " والجار ذي القربى والجار الجنب " ( [٢٦٩] ) أورد إنكار الفراء لقراءة النصب فيها، ثم قال: (وكأنه نفى المشهور، وإلا فقد قرئ بها أيضاً في الشواذ) ( [٢٧٠] ) أهـ. ولما نقل جملة من القراءات الشاذة في سورة الفرقان قال بعدها: (فهذه ستة وخمسون موضعاً ليس فيها من المشهور شيء) ( [٢٧١] ) أهـ. قلت: فهذه النصوص عنه تبين أن إطلاقه للمشهور يريد به المقبول من القراءات، ويقابلها الشاذ، وهذا في غالب إطلاقاتها عنده، لكن وقع في موضع واحد – فيما وقفت عليه – أنه عدَّ قراءة الأعمش – وهي شاذة – من المشهور فيما يظهر من كلامه، والله أعلم، حيث قال في قراءة "جِبلاً" من قوله تعالى:"ولقد أضلّ منكم جِبِلاً ( [٢٧٢] ) ما نصه: (وفيها ( [٢٧٣] ) قراءات: ففي المشهور بكسرتين وتشديد اللام لنافع وعاصم، وبضمة ثم سكون لأبي عمرو وابن عامر، وبكسرتين واللام خفيفة للأعمش، وبضمتين واللام خفيفة للباقين، وفي الشواذ بضمتين ثم تشديد، وبكسرة ثم سكون، وبكسرة ثم فتحة مخففة، وفيها قراءات أخرى) ( [٢٧٤] ) أهـ. قلت: وهذا يؤيد ما تقدم ذكره في شروط القراءة المقبولة عنده، وأنّه لم يحصرها في السبع أو العشر، والله أعلم. تنبيه: وفي موضع واحد – فيما وقفت عليه أيضاً – وقع منه ضد ذلك، إذ عدَّ قراءة أبي جعفر من غير المشهور فيما يفهم من كلامه، مع أنها قراءة عشرية، إذ أورد قول أبي عبيدة في قوله تعالى: (فلما أن أراد أن يبطِش بالذي هو عدوٌ لهما) ( [٢٧٥] ) بالطاء مكسورة ومضمومة لغتان، ثم قال: (قلت: الكسر القراءة المشهورة هنا وفي قوله تعالى: "يوم نبطِش البطشة الكبرى " ( [٢٧٦] ) والضم قراءة أبي جعفر، ورويت عن الحسن أيضاً) ( [٢٧٧] ) أهـ. قلت: فلعله أراد بالمشهورة هنا: قراءة الأكثر، والله أعلم. ٨ - مصطلح "الجمهور" عنده:

стр. 3568

استخدم الحافظ مصطلح "الجمهور" في مواضع، وأراد به أكثر القراء العشرة-فيما يفهم من كلامه- في مقابل الأقل منهم، كقوله في قراءة "وإذاً لا يلبثون خِلَفك" ( [٢٧٨] ) : (قلت: والقراءتان مشهورتان، فقرأ "خَلْفَك" الجمهور، وقرأ "خِلافك" ابن عامر والأخوان، وهي رواية حفص عن عاصم) ( [٢٧٩] ) أهـ. وكذا قوله في قراءة "هنالك الوَلاية" ( [٢٨٠] ) : (وقرأ الجمهور بفتح الواو، والأخوان بكسرها) أهـ ( [٢٨١] ) . وفي مواضع أخرى أطلق مصطلح "الجمهور"وأراد به جميع العشرة ومن وافقهم، في مقابل أصحاب القراءات الشاذة، فمن ذلك قوله في قراءة "قاموا كُسالى" ( [٢٨٢] ) (قلت: وهما قراءتان قرأ الجمهور بالضم وقرأ الأعرج بالفتح، وهي لغة بني تميم، وقرأ ابن السميفع بالفتح أيضاً، لكن أسقط الألف وسكن السين ...) الخ. ( [٢٨٣] ) وكذا في قراءة "أو كانوا غُزًّى" ( [٢٨٤] ) حيث قال: (وقرأ الجمهور "غزّاً" بالتشديد جمع غاز ...) إلى أن قال: (وقرأ الحسن وغيره "غزاً" بالتخفيف) أهـ. ( [٢٨٥] ) وقال في قراءة "إنّه كان حُوباً" ( [٢٨٦] ) : (والجمهور على ضم الحاء، وعن الحسن بفتحها) أهـ. ( [٢٨٧] ) تنبيه (١) : وقع لدى الحافظ وَهْمٌ في نسبة قراءة سبعية إلى الشذوذ، ورجح عليها قراءة " الجمهور" حيث قال: (قوله: باب قوله تعالى " فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أَيمان لهم " ( [٢٨٨] ) قرأ الجمهور بفتح الهمزة من "أيمان" أي لا عهود لهم، وعن الحسن البصري بكسر الهمزة وهي قراءة شاذة، وقد روى الطبري عن طريق عمار بن ياسر وغيره في قوله "إنهم لا أيمان لهم " أي لا عهد لهم، وهذا يؤيد قراءة الجمهور) ( [٢٨٩] ) أهـ. قلت: والقراءة المشار إليها بكسر الهمزة هي قراءة ابن عامر، وليست شاذة وربما وافقه فيها الحسن ( [٢٩٠] ) ، ولا مجال لترجيح قراءة الجمهور عليها، ولعل الحافظ ﵀ تبع في ذلك الطبري الذي نص على عدم استجازة القراءة بغير الفتح، والله اعلم.

стр. 3569

تنبيه (٢) : ووقع للحافظ وَهْمٌ آخر في قراءة "ولايأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ" ( [٢٩١] ) حيث قال: (وقال الفراء: الائتلاء: الحلف، وقرأ أهل المدينة "ولا يَتَأَلَّ" بتأخير الهمزة وتشديد اللام، وهي خلاف رسم المصحف، وما نسبه إلى أهل المدينة غير معروف وإنما نسبت هذه القراءة للحسن البصري) ( [٢٩٢] ) أهـ. قلت: والقراءة المذكورة "ولايتأل" عشرية، قرأ بها أبو جعفر المدني ووافقه الحسن، وهى لا تخالف رسم المصحف. قال ابن الجزري: (وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القراب في كتابه "علل القراءات" أنه كتب في المصاحف "يتل" قال فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين انتهى) ( [٢٩٣] ) أهـ. ٩- حكم القراءة الشاذة عنده: وضّح الحافظ موقفه من القراءة الشاذة في ثلاثة مواضع نص على رأيه فيها - فيما وجدته - ( [٢٩٤] ) وهي: أ- عند شرحه لحديث ابن عباس – رضى الله عنهما- في سبب نزول قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) ( [٢٩٥] ) وقراءة ابن عباس لها بزيادة "في مواسم الحج " ( [٢٩٦] ) حيث قال ما نصه: (وقراءة ابن عباس "في مواسم الحج" معدودة من الشاذ الذي صح إسناده وهو حجة وليس بقرآن) ( [٢٩٧] ) أهـ. ب- عند شرحه للحديث نفسه في موضع آخر، حيث ذكر قراءة ابن عباس هذه بعد أن أشار إلى الموضع السابق، وأن الطبري روى بإسناد صحيح عن أيوب عن عكرمة أنه كان يقرؤها كذلك، ثم قال: (فهي على هذا من القراءة الشاذة وحكمها عند الأئمة حكم التفسير) ( [٢٩٨] ) أهـ.

стр. 3570

ج- عند كلامه عن قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءآمنا به) ( [٢٩٩] ) ، وذكر تفسير مجاهد للآية وقوله: (والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به) . ثم قال الحافظ: (وهذا الذي ذهب إليه مجاهد من تفسير الآية يقتضي أن تكون الواو في " والراسخون" عاطفة على معمول الاستثناء، وقد روى عبد الرازق بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ "وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به " فهذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها قراءة لكن أقل درجاتها أن تكون خبراً بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه) أهـ. ( [٣٠٠] ) قلت: هذه المواضع التي وقفت فيها على نص صريح من الحافظ في بيان موقفه من القراءة الشاذة. وقد نقل الشيخ عبد الفتاح القاضي في كتابه "القراءات الشاذة" نصاً صريحاً عن الحافظ في هذا الباب، لكني لم أقف عليه في الفتح فقال ما نصه: (واستفتي الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني عن حكم القراءة الشاذة فقال: تحرم القراءة بالشاذ وفي الصلاة أشد، ولا نعرف خلافاً بين أئمة الشافعية في تفسير الشاذ أنه ما زاد على العشر، بل منهم من ضيق فقال: ما زاد على السبع) ( [٣٠١] ) أهـ. وقد تقدم عند الكلام عن شروط القراءة المقبولة ما يدل على أنّ الحافظ لم يحصرها في السبع ولا في العشر، فإذا صحّ نقل "القاضي" عنه دلّ على حصرها في العشر ونسخ ما تقدم. ومن خلال تأمل أقواله السابقة يمكن استخلاص الآتي:

стр. 3571

١) أنّه أطلق مصطلح " القراءة الشاذّة " على ما صحّ سنده ووافق العربية لكنّه خالف رسم المصحف، وقد وافق في ذلك ما ذكره ابن الجزري في قوله: (فهذه القراءة تسمّى اليوم شاذة لكونها شذّت عن رسم المصحف المجمع عليه، وإن كان إسنادها صحيحاً، فلا تجوز القراءة بها لا في الصلاة ولا في غيرها) أهـ ( [٣٠٢] ) . وقد ذهب إلى هذا الاصطلاح مكي بن أبي طالب وأبو القاسم الهذلي وأبو شامة وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم كثير. ( [٣٠٣] ) ٢) أنّه اعتبر القراءة الشاذة – بالمعنى المذكور حجة وليست بقرآن، وأنّ حكمها حكم التفسير. وقد نصّ على هذا كثير من الأئمة، منهم أبو عبيد حيث قال ما ملخصه: (المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة، وتبيين معانيها، كقراءة عائشة وحفصة: (الوسطى صلاة العصر) أي من قوله تعالى" حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" ( [٣٠٤] ) ، وقراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما) أي من قوله تعالى:" والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" ( [٣٠٥] ) ، وقراءة جابر: (فإنّ الله من بعد إكراههن لهنّ غفور رحيم) . ( [٣٠٦] ) قال: فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن. وقد كان يُروى مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن، فكيف إذا روي عن كبار الصحابة ثم صار في نفس القراءة، فهو أكثر من التفسير وأقوى، فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل) . ( [٣٠٧] ) قلت: وقد عبّر ابن الجزري عن حكم هذا النوع بقوله: (فهذا يُقبل ولا يُقرأ به) أهـ. ( [٣٠٨] ) كما نقل السيوطي عن القاضيين أبي الطيب والحسين وعن الروياني والرافعي والسبكي العمل بالقراءة الشاذة تنزيلاً لها منزلة خبر الآحاد، والله أعلم. ( [٣٠٩] ) ١٠-موقفه من الترجيح بين القراءات: الغالب من فعل الحافظ أنه لا يرجح بين القراءات المقبولة فيما وقفت عليه لكن في مواضع قليلة جداً أورد ما يشعر بالترجيح، ومنها:

стр. 3572

أ- في كلامه عن قراءة "أقتلت نفساً زكيّة" ( [٣١٠] ) حيث أورد رواية البخاري: (وكان ابن عباس يقرؤها "زكية") ثم قال: (وهي قراءة الأكثر، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "زاكية"، والأُولى أبلغ لأن فعيلة من صيغ المبالغة) ( [٣١١] ) أهـ. ب- ذكر في قراءة "وقال لأوتيّن مالاً وولداً" ( [٣١٢] ) نقلاً عن الطبري فيه ترجيح لقراءة الجمهور، ولم يعلق عليه، فقال: (قراءة الأكثر بفتحتين، والكوفيين سوى عاصم بضم ثم سكون، قال الطبري: لعلهم أرادوا التفرقة بين الواحد والجمع، لكن قراءة الفتح أشمل وهي أعجب إليّ) ( [٣١٣] ) أهـ. ج- بعد أن ذكر قراءة "ما ننسخ من آية أو نُنْسها" ( [٣١٤] ) بضم النون وكسر السين بغير همز، ثم قراءة (نَنْسأَها) بفتح النون والسين مع الهمز، قال: (والأول قراءة الأكثر واختارها أبو عبيدة وعليه أكثر المفسرين، والثانية قراءة ابن كثير وأبي عمرو وطائفة) أهـ. ثم أثناء شرحه للحديث الذي وردت فيه ( [٣١٥] ) أورد أثراً عن ابن عباس قال: (خطبنا عمر فقال: إن الله يقول " ما ننسخ من آية أو نَنْسأَها " أي نؤخرها) . ثم قال الحافظ: (وهذا يرجح رواية من قرأ بفتح أوله وبالهمز، وأما قراءة من قرأ بضم أوله فمن النسيان) ( [٣١٦] ) أهـ. قلت: ما ذكره الحافظ من ترجيح أو ما يشعر به لقراءة مقبولة على مثلها، لا يُوافق عليه، إذ قرر أهل العلم: (إذا ثبتت القراءتان لم ترجَّح إحداهما- في التوجيه- ترجيحاً يكاد يسقط الأخرى، وإذا اختلف الإعرابان لم يفضَّل إعراب على إعراب. كما لا يقال بأنّ إحدى القراءتين أجود من الأخرى) . ( [٣١٧] ) وقد نبّه على ذلك العلماء حيث نقل السيوطي هذا المعنى عن عدد منهم فقال: (قال الكواشي: ... ، إلاّ أنّه ينبغي التنبيه على شيء وهو أنّه قد تُرجح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحاٌ يكاد يسقطها وهذا غير مرضي، لأنّ كلاً منهما متواتر.

стр. 3573

وعن ثعلب أنّه قال: إذا اختلف الإعرابان في القرآن لم أفضّل إعراباً على إعراب. وقال أبو جعفر النحاس: السلامة عند أهل الدّين، إذا صحت القراءتان ألاّ يقال إحداهما أجود، لأنهما جميعاً عن النّبيّ e فيأثم من قال ذلك. وقال أبو شامة: أكثر المصنفون من الترجيح بين قراءة "مَالِكِ"و"مَلِكِ" حتى إنّ بعضهم يبالغ إلى حدّ يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين. وقال بعضهم: توجيه القراءة الشاذة أقوى في الصناعة من توجيه المشهورة) . ( [٣١٨] ) ١١-آراؤه في مسائل أخرى تتعلق بالقراءة والأداء: أ - رأيه في مقدار المد الأصلى وغير الأصلى: قال: (فالأول يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين الألف والواو والياء زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أولاً وقد يزاد على ذلك قليلاً، وما فرط فهو غير محمود) ( [٣١٩] ) أهـ. قلت: وما ذهب إليه في تقدير المدّ الأصلي عبّر عنه أهل التجويد ب"مقدار ألِفَين"، وما ذكره في "المذهب الأعدل" قدّروه "بأربع ألِفَات"، وبعضهم يعبّر عنه ب"الحركات" بدل "الألِفَات"، وهذا مما تحكم المشافهة حقيقته، ويبين الأداء كيفيّته، وتوضحه الحكاية. ( [٣٢٠] ) ب- رأيه في القراءة بالأنغام:

стр. 3574

بعد أن شرح حديث التغني بالقرآن ( [٣٢١] ) وذكر الأقوال في معناه، أورد خلاف العلماء في القراءة بالألحان، ثم قال في آخره: (والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسناً "فليحسنه ما استطاع" كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح ( [٣٢٢] ) . ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسناً بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معاً فلا شك في أنّه أرجح من غيره، لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء والله أعلم) ( [٣٢٣] ) أهـ. قلت: هذه المسألة محلّ بحث ونظر، وقد أورد الحافظ خلاف العلماء فيها وخلاصته: ١) أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتى زاد حرفاً أو أخفاه حرم، حكاه النووي. ( [٣٢٤] ) ٢) اختلف العلماء في القراءة بالألحان، فحكي عن مالك تحريمه، وحكاه أبو الطيب الطبري والماوردي وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن بطّال وعياض والقرطبي من المالكية والماوردي والبنديجي والغزالي من الشافعية وصاحب الذخيرة من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة. وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهذا هو المنصوص للشافعي ونقله الطحاوي عن الحنفية. ٣) إنّ محل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغيّر أجمعوا على

стр. 3575

تحريمه. ( [٣٢٥] ) قال الماوردي فيما حكاه عنه النووي: (القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه، أو قصر ممدود أو مدّ مقصور أو تمطيط يخلّ به بعض اللفظ ويلتبس المعنى، فهو حرام يُفسَّق به القارئ، ويأثم به المستمع، لأنّه عدل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج، والله تعالى يقول: ((قُرْءآناً عربياً غَيْرَ ذِيْ عِوَجٍ)) ( [٣٢٦] ) ، قال: وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيله، كان مباحاً، لأنّه زاد بألحانه في تحسينه) . ثمّ قال النووي: (وهذا القسم الأول من القراءة بالألحان المحرمة معصية ابتلي بها بعض العوام الجهلة، والطغام الغشمة، الذين يقرؤون على الجنائز وفي بعض المحافل، وهذه بدعة محرمة ظاهرة) . ( [٣٢٧] ) ج) في معنى التلاوة، والفرق يبن لفظتي: "القرآن" و "القراءة": قال: (قوله: باب قول الله تعالى "قل فأْتُوا بالتَوراةِ فاتْلوها" ( [٣٢٨] ) مراده بهذه الترجمة أن يبين أن المراد بالتلاوة القراءة، وقد فسرت التلاوة بالعمل، والعمل من فعل العامل، وقال في كتاب "خلق أفعال العباد" ذكر e أن بعضهم يزيد على بعض في القراءة وبعضهم ينقص، فهم يتفاضلون في التلاوة بالكثرة والقلة، وأما المتلو وهو القرآن فإنه ليس فيه زيادة ولا نقصان، ويقال فلان حسن القراءة وردىء القراءة، ولا يقال حسن القرآن ولاردىء القرآن، وإنما يسند إلى العباد القراءة لا القرآن، لأنّ القرآن كلام الرب ، والقراءة فعل العبد، ولا يخفى هذا إلا على من لم يوفق، ثم قال: تقول قرأت بقراءة عاصم، وقراءتك على قراءة عاصم، ولو أن عاصماً حلف أن لا يقرأ اليوم ثم قرأت أنت على قراءته لم يحنث هو، قال: وقال أحمد لا تعجبني قراءة حمزة، قال البخاري: ولا يقال لايعجبني القرآن فظهر افتراقهما) ( [٣٢٩] ) أهـ.
следующие страницы →