← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أشار إلى هذا الكتاب كل من الحميدي (١) ، وابن عميرة (٢) ، والذهبي (٣) ، كما ذكره ابن حزم (٤) وعده من الأعمال الكبيرة التي قدمها الأندلسيون وتفوقوا بها على أهل المشرق، وأنه في أسماء الرجال وأن الحافظ عبد الغني (٥) الأزدي لم يبلغ عند هذا المعنى إلا كتابين، وبلغ أبو الوليد نحو الثلاثين، كما وضّح ابن حزم أنه لا يعلم مثله في فنه البتة.

стр. 387

وقد ذكره ابن بشكوال بقوله: (وجمع في المؤتلف والمختلف كتابا حسنا) (١) . هكذا أشاد هذان المؤرخان بهذا الكتاب، ولكن نظرا لكونه مفقودا ولم يصل إلينا منه شيء فإنه من الصعب التعريف به وبمنهجه، ومحتواه، ولكن ومن استقراء ما ذكره لنا ابن حزم من وصف مقتضب عن الكتاب، حيث ربط المحتوى بما ألفه عبد الغني الأزدي في كتابه المؤتلف والمختلف (٢) ، وبعد الاطلاع على هذا الكتاب يتبين لنا أن موضوعه يعنى بذكر الأسماء المؤتلفة باللفظ، أو المتقاربة والمختلفة في المعنى مثل بَرَكة وبُركة، وبَحَر بَحُر وغيرها (٣) . هذا عن موضوع الكتاب، أما المحتوى فقد ذكر ابن حزم أن الحافظ المصري لم يبلغ سوى كتابين بينما بلغ ابن الفرضي نحو ثلاثين كتابا، وعلى هذا يكون هذا الكتاب يحوي مادة علمية ضخمة تبلغ حوالي أربعة عشر ضعفا لما ذكره سابقه، ولا يستبعد أن تكون الظروف السياسية السيئة التي كانت سببا لنهاية المؤلف كانت - أيضا - سببا لنهاية الكتاب حيث لم يبق منه سوى ذكره، بل إن عدم اعتماد المؤرخين القدامى عليه كمصدر لهم في موضوعه يؤكد الجزم بفقده. ٢ - مُشتَبِه النسبة:

стр. 388

أشار إلى هذا الكتاب كل من ابن بشكوال (١) ، والذهبي (٢) ، وابن خلكان (٣) ، والمقري (٤) إلا أنه كسابقه لم يمكن التعرف على محتواه، وذلك بسبب عدم وصوله إلينا حيث لم يمكن التعرف سوى على اسمه، ولكن بمقارنة هذا العنوان بكتب الرجال والأنساب ندرك أن المقصود به الحديث عن الرجال الذين يشتبه في نسبتهم في الخط ويفترق في اللفظ والمعنى، وقد وضح هذا الأمر عبد الغني الأزدي في كتابه الذي يحمل هذا العنوان حيث قال: (أما بعد فإني لما صنفت كتابي في مؤتلف أسماء المحدثين ومختلفها، فنظرت فإذا من ينسب منهم إلى قبيلة أو بلدة، أو صنيعة قد يقع فيها من التصحيف والتحريف مثلما يقع في الأسماء والكنى التي حواها كتاب المؤتلف والمختلف ... وألفت كتابا في المنسوب منهم إلى قبيلة أو بلدة، أو صنيعة يشتبه في انتسابه في الخط ويفترق في اللفظ والمعنى ...) (٥) . هكذا يبدو لنا من خلال ما ذكره الأزدي معاصر ابن الفرضي أن كتاب مشتبه النسبة يُعنَى ببيان حقيقة أنساب الرجال الذين قد تتفق أو تشتبه أسماؤهم، أو أنسابهم في الخط، وتختلف في المعنى، وكان أول من ألف في هذا الفن الخطيب البغدادي كتابه الموسوم ب " تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه من بوادر التصحيف والوهم " (٦) . ٣ - أخبار شعراء الأندلس:

стр. 389

أشار ابن بشكوال إلى أن هذا الكتاب حفيلا في أخبار شعراء الأندلس (١) ، كما ذكره الذهبي (٢) حيث قال: (له تصنيف مفرد في شعراء أهل الأندلس (٣) وقد عده كل من ابن خلكان (٤) ، والمقري (٥) بأنه من مؤلفات ابن الفرضي المهمة أما ابن حيان فقد اعتمد عليه أكثر من مرة حين حديثه عن الشعراء والأدباء بالأندلس حيث قال حين حديثه عن أبي عبد الله محمد بن سعيد الزمالي: (وقرأت في كتاب أبي الوليد ابن الفرضي المؤلف في طبقات أهل الدولة والأدب بالأندلس ...) (٦) كما قال حين حديثه عن عامر ابن عامر بن كليب بن ثعلبة الجذامي: (وقد ذكر أبو الوليد الراوية عامر بن عامر هذا فيمن ذكره من أدباء الأشراف بقرطبة في كتابه المؤلف في الأدباء والعلماء فقال...) (٧) . وهكذا توالت نقول ابن حيان من هذا الكتاب فيما يخص الأدباء والشعراء (٨) ، ويستوحى من استقراء هذه النصوص ما يلي: أن ابن حيان قد اطلع على الكتاب أثناء كتابته للمقتبس بدليل أنه نقل منه نصوصا كثيرة عن الشخص الواحد كما هو الحال عند حديثه عن هاشم بن عبد العزيز وفرج بن سلام (٩) .

стр. 390

أن هذا الكتاب يعنى بالأدباء والشعراء فابن الفرضي حينما يتحدث عن الرجال كان ينطلق في حديثه من خلال هذه النزعة فقد قال عن فرج بن سلام: (هذا أحد أكابر الأدباء ... وكان ذا عناية شديدة بعلم اللغة ورواية الشعر ...) (١) كما قال عن سلمان بن وانشوس: (ومن أدباء الأشراف ...) (٢) أما أبو عبد الله محمد بن سعيد الموسى الزجالي فقال عنه: (كان يلقب بالأصمعي لعنايته بالأدب وحفظ اللغة) (٣) . يبدو أن هذا الكتاب لم يطلق عليه مؤلفه اسما معينا ولهذا اجتهد المؤرخون والكتاب في تسميته، كما يبدو أنه كان كتابا موسوعيا في بابه إذ أن النقول التي وصلت إلينا منه توحي بسعته، وتشعب موضوعاته الأدبية، كما أن مؤلفه قد قسمه حسب المستوى الاجتماعي لكل أديب أو شاعر فمن الأدباء الأشراف ذكر الوزير أبا غالب تمام ابن أحمد بن غالب، وسلمان بن وانشوس (٤) ، ومن أدباء بني مروان أبا محمد القاسم ابن محمد (٥) ومن الأدباء الوزراء هاشم بن عبد العزيز (٦) . وهكذا جاءت تقسيمات ابن الفرضي لأولئك الأدباء حسب طبقاتهم ومكانتهم الاجتماعية، وهذا ما يوحي به عنوان الكتاب الذي أشار إليه ابن حيان. كما يستوحى مما وصل إلينا من نقول إجادة ابن الفرضي للغة العربية وأنه يملك أسلوبا أدبيا متميزا بالطراوة والحبك، ولعل هذا من العوامل التي جعلت ابن بشكوال يصف هذا الكتاب بأنه كان حفيلا بأخبار شعراء الأندلس (٧) ، كما قال عنه الذهبي: بأنه تصنيف مفرد (٨) ، وهذا مما يؤكد أن النزعة الأدبية كانت قوية لدى ابن الفرضي حيث لم تؤثر عليها النزعات العلمية الأخرى، بل إن هذه النزعات قد تضافرت جميعا في تكوين وصقل شخصيته العلمية.

стр. 391

٤ - كتاب النحويين: أشار إلى هذا الكتاب ابن الفرضي في كتابه تاريخ العلماء والرواة وذلك حينما تحدث عن ترجمة عباس بن ناصح الثقفي حيث قال عن هذا الأديب الشاعر اللغوي: (وقد ذكرت الخبر بتمامه في كتابي المؤلف في النحويين) (١) . هكذا أشار ابن الفرضي أنه ألف كتابا عن النحويين، ولعل مما يعزز هذا الأمر ما ذكره عن نفسه من أنه انشغل بدراسة العربية - وهو يعني النحو - نحو ثلاث سنوات (٢) ، لكن المصادر الأخرى التي بين أيدينا لا تذكر شيئاً عن هذا الكتاب حتى السيوطي الذي اعتمد في كتابه بغية الوعاة على كتاب ابن الفرضي تاريخ العلماء لم يشر إلى كتاب النحويين (٣) وبهذا يبدو لنا أن هذا الكتاب إما أن يكون فقد في وقت مبكر وبعد وفاة المؤلف مباشرة، أو أن ما أشار إليه ابن الفرضي كان مشروعا لم يكتمل ومن ثم لم ير النور. وبالإضافة إلى هذه المؤلفات فقد ذكر في مقدمة كتابه تاريخ العلماء والرواة للعلم قوله: (كانت نيتنا قديما أن نؤلف في ذلك كتابا موعبا على المدن يشتمل على الأخبار والحكايات، وأملنا جمع الكتاب الذي تقدم ذكره على البلدان ويستقصي ما اختصرناه في كتابنا هذا من الحكايات والأخبار أن تأخرت بنا مدة ...) (٤) وقد أكد هذا الأمر حينما ترجم لقاسم بن أصبغ حيث ذكر عددا من شيوخه ثم قال: (في عدد سواها كثير مما أذكرهم في الكتاب الكبير الذي أُؤمل جمعه على المدن، وأتقصاهم فيه - إن شاء الله- ...) (٥) . ويبدو أن هذا الكتاب لم يتح للمؤلف تأليفه إذ لا ذكر له عند غيره ممن تحدثوا عن ابن الفرضي أو تراثه الفكري.

стр. 392

وبالإضافة إلى ما سبق، فقد ذكر إسماعيل باشا مصنفا آخر لابن الفرضي في ذيل كشف الظنون هو (الإعلام بأعلام الأندلس من العلماء والمثقفين والفقهاء والندماء ومن قدمها من العرفاء) (١) . كان هذا عرضا لمؤلفات ابن الفرضي التي لم نتمكن من الاطلاع عليها، أو الوقوف على شيء منها سوى ما ذكره هو عنها، أو ذكره بعض المؤرخين المعاصرين لها، وكل ذلك كان بإشارات مقتضبة، ولكن ومن خلال تلكم الإشارات فقد بدت لنا القضايا التالية: أن ابن الفرضي كان عالما من علماء الأندلس المشهورين، ويدل على هذا اهتمام المؤرخين والكتاب بمؤلفاته الآنفة الذكر، حيث أشادوا بما اطلعوا عليه منها كابن حزم، وابن بشكوال، والذهبي وغيرهم. أن تنوع هذه المؤلفات في مادتها العلمية يدل على أن ابن الفرضي كان ملما بأكثر من علم وفن فهو إلى جانب اهتمامه بالحديث ورجاله، فقد كانت له اهتماماته باللغة والشعر والأدب وغيرها من العلوم كما كان حسن البلاغة والخط (٢) . أن عدم اطلاع المؤرخين والكتاب المعاصرين لابن الفرضي على بعض مؤلفاته أو نقلهم منها، يدل على أنها قد فقدت منذ وقت مبكر، ولا يستبعد أن تكون أحداث الفتنة البربرية التي قضت على المؤلف هي التي قضت على بعض كتبه - أيضا-. ثانياً: الكتب الموجودة: لم تصل إلينا من مؤلفات ابن الفرضي سوى كتابين هما: ١ - كتاب الألقاب:

стр. 393

هذا الكتاب لم يشر إليه أحد من المؤرخين والكتاب الذين تحدثوا عن تراث ومؤلفات ابن الفرضي وهو يعنى بالأشخاص الذين اشتهروا بألقابهم دون أسمائهم وقد رتبه على حروف المعجم حسب الأبجدية المشرقية، حيث ضم عددا كبيرا من ألقاب الرجال والنساء، أما منهجه فإنه يذكر أولا اللقب ثم يذكر اسم صاحبه بعده ومن الأمثلة على ذلك: (الفاروق: عمر بن الخطاب ﵁) (١) ، و (الصماء: ابنة بسر المازنية اسمها بهية) (٢) ، وحينما يتكرر اللقب لأكثر من شخص فإنه يكرر اللقب ثم يعرف بالشخص المعني؛ مثل (شعبة) أورده ثلاث مرات وعرف بثلاثة أشخاص كلهم يحملون هذا اللقب (٣) . أما مصادره فإنه غالبا يذكرها إما بعد المعلومة مباشرة حيث يسبقها بكلمة (ذكره فلان) ؛ ومن الأمثلة على ذلك: أنه حينما تحدث عن مشخصة قال: (لقب للحسين بن إبراهيم ذكره الحاكم) (٤) ، وقد يذكر المصدر قبل المعلومة: ومثال ذلك قوله: (سفينة مولى أم سلمة، قال الواقدي: اسمه مهران) (٥) . وقد تعددت وتنوعت مصادره، كما اختلف منهجه في التعامل معها حسب قوتها وضعفها، وكان أحيانا يذكر السند متصلا إلى الرسول - ش - وربما ذكر المنزلة العلمية والشيوخ الذين أخذ عنهم إن كان المتحدث عنه من المحدثين أو طلاب العلم (٦) .

стр. 394

وكان من أهم مصادره في هذا الكتاب شيخه الحافظ عبد الغني الأزدي (١) ومحمد ابن أحمد بن يحيى ابن مفرج (٢) ومحمد بن يحيى بن الخراز (٣) وأبو محمد بن الضرار (٤) وخلف بن قاسم (٥) وغيرهم. كما اعتمد على عدد من الكتب والمؤلفات التاريخية أو كتب الرجال ومنها مؤلفات الواقدي (ت ٢٠٧هـ) (٦) ، ومحمد بن يحيى بن حبان (ت ٣٥٦هـ) (٧) ، والبخاري (ت ٢٥٦هـ) (٨) ، وغيرهم. وقد قام الدكتور محمد زينهم محمد عزب بتحقيق ونشر منتخب من هذا الكتاب معتمدا في ذلك على نسخة مختصرة للكتاب (٩) كتبت بمدينة بجاية سنة إحدى وخمسين وستمائة، أما الكتاب كاملا فلم أتمكن من الوقوف على شيء من نسخه. ٢ - كتاب تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس: هذا الكتب سيأتي الحديث عنه مفصلا. ولم تكن جهود ابن الفرضي في ميدان الكتاب قاصرة على التأليف فحسب، بل قد كان له اهتمام بالكتب واقتنائها، حيث جمع منها أكثر مما جمعه غيره من عظماء البلد (١٠) . وظائفه:

стр. 395

انشغل ابن الفرضي في مستهل حياته بطلب العلم متنقلا بين عدد من المدن الأندلسية، كما رحل إلى المغرب ومصر والحجاز؛ لهذا الغرض حيث كان طلب العلم والحرص على التحصيل هاجسا ملازما له في حله وترحاله، وحينما حصل ما يؤمله في هذا الميدان، وأروأ ظمأه من أنهار العلم وأبحره المختلفة، مما جعله أهلا لنيل الوظائف الرسمية، حيث تقلد قراءة الكتب بعهد العامريين، كما استقضاه الخليفة محمد بن عبد الجبار المهدي بكورة بلنسية (١) كما ذكر الحجاري أنه ولي في الفتنة قضاء مدينة أستجه (٢) . ولم يذكر المؤرخون أنه تقلد سوى هذه المناصب ويبدو أن انشغاله في أول حياته بطلب العلم، ثم وفاته المبكرة كانا السبب في كونه مقلا في هذا الميدان على الرغم من كونه أحد علماء الأندلس وحفاظها المشهورين. وفاته:

стр. 396

ذكر ابن حيان أن ابن الفرضي قتل في قرطبة يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة ثلاث وأربعمائة وذلك حينما اجتاح البربر قرطبة ووري متغيرا من غير غسل، ولا كفن، ولا صلاة في مقبرة مُؤمَّرة بعد أيام من قتله (١) كما أكد تلميذه أبو عمر بن عبد البر أنه قتله البربر في سنة الفتنة وبقي في داره ثلاثة أيام مقتولا (٢) وقد أجمع عدد من المؤرخين على أن ابن الفرضي قتله البربر لكنهم لم يحددوا تاريخ قتله، فابن حزم قال: (إنه قتله البربر يوم الدخلة وبقي في مصرعه حتى تغير وكفنه ابنه في نطع) (٣) أما الحميدي (٤) وابن عميرة (٥) فقالا إنه قتل مظلوما في الفتنة لما دخل البربر قرطبة سنة أربعمائة وقد قال بهذا ابن سعيد (٦) . هكذا تباينت آراء المؤرخين حول تحديد سنة مقتل ابن الفرضي ولكنهم أجمعوا على أنه قتل مظلوما خلال الفتنة البربرية التي عصفت بقرطبة في مستهل القرن الخامس الهجري.

стр. 397

وقد تناقل المؤرخون عنه قصة تؤكد حرصه - رحمه الله تعالى - على أن الموت شهيدا في سبيل الله كان هاجسا ملازما له طوال حياته، فقد قال الحميدي حدثنا علي بن أحمد الحافظ، أخبرني أبو الوليد بن الفرضي قال: تعلقت بأستار الكعبة، وسألت الله - تعالى - الشهادة ثم فكرت في هول القتل، فندمت وهممت أن أرجع فأستقيل الله ذلك فاستحييت، قال الحافظ علي: فأخبرني من رآه بين القتلى، ودنا منه، فسمعه يقول بصوت ضعيف: (لايكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك) كأنه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، قال: ثم قضى نحبه على إثر ذلك ﵀ (١) . ثانياً: كتاب تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس:

стр. 398

هذا الكتاب سماه الحميدي (١) ، وابن بسام (٢) ، وابن عميرة (٣) (تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس) . أما ابن بشكوال (٤) وابن خلكان (٥) ، والمقري (٦) فأطلقوا عليه (تاريخ علماء الأندلس) ، بينما سماه الذهبي (٧) . (تاريخ الأندلسيين) ، و (تاريخ الأندلس) (٨) أما القاضي عياض فسماه (رجال الأندلس) (٩) ، وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مرة، حيث كانت الطبعة الأولى تحت عنوان (تاريخ علماء الأندلس) نشره فرانسيسكو كوديرا (FRANCISCUS CODERA) بمدينة مدريد سنة ١٨٩١م، ثم أعيد طبع هذه النسخة سنة ١٩٦٦م نشر الدار المصرية للتأليف والترجمة، كما قام الدكتور إبراهيم الأبياري بتحقيق هذا الكتاب ونشره سنة ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م تحت هذا العنوان، كذلك حققته أيضا روحية عبد الرحمن السويفي ونشرته دار الكتب العلمية ببيروت سنة (١٤١٧ هـ ١٩٩٧ م) . أما تحت عنوان (تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس) فقد نشره السيد عزت العطار الحسيني سنة (١٣٧٣ هـ ١٩٥٤ م) وكل هذه الطبعات قد اعتمدت على نسخة واحدة كتبت سنة ٥٩٦ هـ بخط أحمد بن إبراهيم بن أحمد الصدفي. وقد كانت جهود هؤلاء المحققين والناشرين منحصرة في إخراج النص دون تقديم دراسة عن المؤلف والكتاب سوى ما يذكرونه في تصديرهم للكتاب عدا إبراهيم الأبياري الذي قدم تعريفاً للكتاب، والمؤلف في صفحات محدودة. أما سبب اختلاف التسمية لهذا الكتاب فيبدو أن ذلك يعود إلى أن المؤلف لم يسم كتابه، وإنما اكتفى بذكر ما قاله عنه في مقدمته، ولهذا اجتهد من اطلع عليه بعد المؤلف في اختيار عنوان له حسبما يوحي بذلك محتواه، وما ذكره عنه المؤلف في مقدمته.

стр. 399

وهذا الكتاب هو الكتاب الثاني من مؤلفات ابن الفرضي التي وصلت إلينا وسوف تتناول هذه الدراسة - إن شاء الله تعالى - التعرف على مصادره وأقسامه، ومنهج ابن الفرضي في التعامل معها واستقاء المعلومات منها، ومدى تكاملها في تكوين مادته العلمية، ولكن قبل هذا لابد من التعريف بالكتاب وسبب تأليفه ومنهجه. سبب تأليف الكتاب: ذكر ابن الفرضي أن السبب في تأليفه لكتاب تاريخ العلماء والرواة للعلم هو جمع فقهاء الأندلس، وعلمائها، ورواتها، وأهل العناية بها في كتاب مختصر على حروف المعجم، وقد بين في مقدمة هذا الكتاب أنه كان ينوي تأليف كتاب موعب على المدن يشتمل على الأخبار، والحكايات لكنه عاقته عوائق عن بلوغ المراد فيه فجمع هذا الكتاب مختصرا (١) . ويبدو أن ابن الفرضي قد شعر بالرضى عما أنجز في هذا الكتاب وأنه قد تحقق له الكثير مما كان يهدف إليه ويريده، فقد قال حينما أثنى على عبد الرحمن بن الزامر: (وقلما كتبت بالأندلس عن أحد إلا وقد كتب عنه) (٢) وقد وضح ذلك في مقدمته حينما قال: (ولم أزل مهتماً بهذا الفن معتنياً به، مولعاً بجمعه والبحث عنه ومسائلة الشيوخ عما لم أعلم منه: حتى اجتمع لي من ذلك -بحمد الله وعونه- ما أملته، وتقيد في كتابي هذا من التسمية ما لم أعلمه يقيد في كتاب ألف في معناه في الأندلس قبله) (٣) وهذا الشعور بالرضا والذي أبداه ابن الفرضي، كان معاصره الحميدي (ت ٤٨٨هـ) على عكسه حينما ألف كتابه جذوة المقتبس حيث اعترف بالتقصير ورغب في إعادة النظر فيما كتبه لتلافي ما فيه من قصور (٤) .

стр. 400

هذا هو السبب في تأليف ابن الفرضي لكتابه تاريخ العلماء والرواة كما وضحه في مقدمة الكتاب وهو رغبته الذاتية في خدمة العلم، والعلماء في تأليف كتاب مختصر على حروف المعجم يجمع شتات فئة معينة من علماء الأندلس ومفكريها، فلم يكن وراء هذا التأليف دوافع خارجية أو كان يقصد الحصول على أي مردود مادي، أو أدبي، بل كان هدفه سامياً وغايته نبيلة، وهو بهذا النهج يخالف شيخه أبا عبد الله محمد بن حارث الخشني الذي ألف كتابه قضاة قرطبة استجابة لأمر الأمير الحكم المسنتصر بالله حينما كان ولياً للعهد (١) . ولهذا لقي كتاب ابن الفرضي قبولاً عند عدد من علماء المسلمين ومؤرخيهم ومنهم أبو عبد الله الحميدي (٢) ، وابن عميرة (٣) ، والذهبي (٤) والذي عرَّف بابن الفرضي من خلال هذا الكتاب، وهذا يدل على ذيوعه وانتشاره بين الناس، كما أشاد به ابن بشكوال حينما قال إن ابن الفرضي: (بلغ فيه النهاية والغاية من الحفل والإتقان) (٥) . ويبدو أن إعجاب ابن بشكوال بهذا الكتاب ومنهجه ومادته دفعه إلى أن يؤلف كتاب الصلة على غراره حيث قال حينما تحدث عن ابن الفرضي: (وهو صاحب تاريخ علماء الأندلس الذي وصلناه بكتابنا هذا) (٦) بل إنه صرح في مقدمة كتابه أن إقدامه على تأليف هذا الكتاب كان استجابة لرغبة بعض علماء الأندلس الذين طلبوا منه أن يصل لهم كتاب القاضي ابن الفرضي وأن يبتديء من حيث انتهى كتابه وأين وصل تأليفه متصلاً إلى وقتنا يقول ابن بشكوال: (فسارعت إلى ما سألوا، وشرعت في ابتدائه على ما أحبوا، ورتبته على حروف المعجم ككتاب ابن الفرضي، وعلى رسمه، وطريقته ... كالذي صنع هو ﵀ (٧) .

стр. 401

بل إن الإعجاب بهذا المؤلف لم يتوقف عند ابن بشكوال بل تجاوزه إلى غيره من علماء الأندلس فقد ألف ابن الأبار المتوفى سنة (٦٥٨هـ) كتابه (التكملة لكتاب الصلة) كما ألف أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي المتوفى سنة (٧٠٨ هـ) كتابه (ذيل الصلة) ، وقد تأثر هؤلاء المؤلفون بمنهج ابن الفرضي، كما عدوا ما قاموا به من عمل في هذا الميدان تكملة لما بدأه سلفهم ابن الفرضي ﵀ (١) . المحتوى والمنهج: بين ابن الفرضي في مقدمة الكتاب أن مؤلّفه يضم عدداً كبيراً من فقهاء الأندلس وعلمائها، ورواتها، وأهل العناية بالعلم منهم مرتبين على حروف المعجم (٢) ثم بين بعد ذلك أنه حاول ما أمكنه أن يعرض (أسماء الرجال، وكناهم وأنسابهم، ومن كان يغلب عليه حفظ الرأي منهم، ومن كان الحديث والرواية أملك به وأغلب عليه ومن كانت له إلى المشرق رحلة، وعمن روى، ومن أجل من لقي؟ ومن بلغ منهم مبلغ الأخذ عنه، ومن كان يشاور في الأحكام ويستفتى، ومن ولي منهم خطة القضاء، والمولد والوفاة) (٣) .

стр. 402

هذه هي القاعدة والمنهج التي كان ابن الفرضي يسير عليها حين ترجمته لأولئك العلماء، ولا شك أنها ترصد معلومات مهمة عن كل عالم، وهذا النهج في التأليف هو ما اعتاده كثير من المؤلفين المعاصرين أو اللاحقين لابن الفرضي والذين عنوا بالترجمة للرجال والمحدثين والفقهاء سواء من المشارقة أو المغاربة والأندلسيين، فمن المعاصرين الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد القزويني (ت ٤٤٦هـ) في كتابه الإرشاد في معرفة علماء الحديث (١) ، ومن اللاحقين أبو الحسن النباهي (ت ق ٨هـ) في كتابه المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا والمعروف بتاريخ قضاة الأندلس (٢) كما نهج هذا النهج الإمام الذهبي (ت٧٤٨هـ) في كتابيه تذكرة الحفاظ، وسير أعلام النبلاء لمن هم بمستوى ومنزلة علماء ابن الفرضي، ولعل أقرب المؤلفين لمنهج ابن الفرضي ابن بشكوال في صلته، ويبدو هذا واضحاً في معظم التراجم التي تحدث عنها (٣) ، وكذلك القاضي عياض في ترتيب المدارك (٤) لكن هؤلاء جميعاً خالفوا ابن الفرضي في الاختصار،

стр. 403

حيث جاء حديثهم أكثر تفصيلاً وبسطاً منه، إذ التزم جانب الاختصار، فلم يدخل في تفصيلات تخرجه عن هذا النهج الذي بينه في مقدمته. أما المنهج الذي سار عليه ابن الفرضي في ذكر أولئك العلماء فقد ذكرهم مرتبين حسب حروف المعجم بغض النظر عن أي اعتبار آخر، كالمكانة العلمية، أو المنزلة الاجتماعية، أو الترتيب الزمني أو غيرها، وهذا النهج في التأليف لم يكن ابتكاراً خاصاً به، بل عمل به عدد من الكتاب والمؤلفين مثل الإمام البخاري (ت ٢٥٦هـ) في كتابه التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم (ت ٣٢٧هـ) في الجرح والتعديل، وابن حبان (ت ٣٥٤هـ) في كتابيه الثقات، والمجروحين، وغيرهم، وقد سار على هذا النهج عدد من المؤلفين الذين جاؤوا بعد ابن الفرضي مثل ابن بشكوال في الصلة، والحميدي في جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، وابن عميرة في كتابه بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، بل إن ابن الأبار المتوفى سنة (٦٥٨هـ) ألف كتاباً أسماه بالمعجم في أصحاب القاضي الإمام أبي علي الصدفي.

стр. 404

وقد رتب ابن الفرضي مؤلفه حسب حروف الهجاء إذ بدأ بحرف الألف وانتهى بحرف الياء حسب الأبجدية المشرقية (١) حيث ذكر تحت كل حرف أسماء العلماء من أهل الأندلس مرتبين حسب الحرف الأول من الاسم فقط، ففي حرف الألف بدأ بإبراهيم وانتهى بأيوب وهكذا، وحينما ينتهي من ذكر الرجال في كل حرف يذكر الأفراد، والغرباء من الحرف المتقدم وهذا المنهج هو المعمول به عند الأندلس في تلك الفترة (٢) .

стр. 405

أما وقت تأليف الكتاب فلم يذكر ابن الفرضي تاريخاً محدداً لذلك، لكن الذي يبدو أنه شرع بتأليفه منذ وقت مبكر من حياته حيث ساق بعض الروايات التي توحي بأنه قد بدأ بذلك منذ سنة سبع وسبعين وثلاثمائة (١) ورايات أخرى يستوحى منها - أيضا - أنه حينما كان بمصر أثناء رحلته العلمية كان يجمع مادته العلمية (٢) وكذلك حينما كان بالقيروان (٣) وهناك روايات أخرى تدل على أنه كان في نهاية القرن الرابع يشتغل في تأليف هذا الكتاب، ومن ذلك قوله حينما تحدث عن سعيد بن موسى الغساني: (قُتل بمعترك الماشة، قرب مدينة بلغى يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة) (٤) . وهكذا يبدو لنا أن تأليف هذا الكتاب قد استغرق أكثر من ثلاث وعشرين سنة وتفسير ذلك أن ابن الفرضي قد شرع في جمع مادته العلمية مبكراً، وكان يودع ذلك في كراريس، أو مذكرات خاصة، فلما أكتملت مادته العلمية أخذ بجمعها وتأليفها في كتاب واحد وكان هذا في آخر عمره ﵀. مصادره: اهتم الكتاب والمؤرخون القدامى باختيار مصادرهم، والتي كانوا يعدونها مرآة صادقة لمستوى ثقافتهم، فضلاً عن كونها معياراً مهماً للحكم على أي مؤلف أو كتاب يظهر للناس، فما آفة الأخبار إلا رواتها، وقد استشعر هذه الأهمية ابن الفرضي، ولعل مما ساعده على إدراك هذه المسئولية كونه ينتمي إلى مدرسة أهل الحديث التي تعنى بعلم الجرح والتعديل، ولهذا اهتم بمصادره حيث عني باختيارها، وذلك إدراكاً منه لأهمية المصدر في تأكيد أو نفي الأخبار والروايات التي يدرجها في كتابه، كما عني بالتعامل معها وحرص على فهمها واستيعاب ما تشير أو تهدف إليه قبل أن يسوق روايتها للقاريء.

стр. 406

وقد جاءت المصادر التي اعتمد عليها ابن الفرضي في هذا الكتاب متنوعة، ومتعددة الاتجاهات والمستوى؛ حيث بين ذلك في المقدمة حينما قال: (ولم أزل مهتماً بهذا الفن معتنياً به، مولعاً بجمعه والبحث عنه، ومسائلة الشيوخ عما لم أعلم منه، حتى اجتمع لي من ذلك - بحمد الله وعونه - ما أملت، وتقيد في كتابي هذا من التسمية ما لم أعلمه يقيد في كتاب ألف في معناه في الأندلس قبله) (١) . إن هذه الكلمات التي قالها ابن الفرضي في مقدمة كتابه عن مصادره هي في حقيقة الأمر منهج سار عليه في التعامل مع مصادره مما يدل على أنه كان مهتماً بها، متحرياً الدقة والضبط في الأخذ منها، مع ميله إلى الاختصار حتى لا يطول مؤلفه بسبب كثرة الأسانيد التي يستقيها من مصادره المكتوبة، وقد وضح ذلك بقوله: (وتركنا تكرار الأسانيد مخافة أن نقع فيما رغبنا عنه - من الإطالة - وبيناها في صدر الكتاب، فما كان في كتابنا هذا عن أحمد دون أن ننسبه فهو أحمد بن محمد بن عبد البر أخبرنا به عنه محمد ابن رفاعة - الشيخ الصالح - في تاريخه وما كان فيه عن محمد - دون أن ينسب - فهو محمد بن حارث القروي أخذته من كتابه، وبعضه بخطه، وما كان فيه عن أبي سعيد فهو: أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس ابن عبد الأعلى المصري خرجته من تاريخه: في أهل مصر والمغرب، أخذ ذلك من كتاب أنفذه إليه أمير المؤمنين الحكم بن عبد الرحمن المستنصر بالله ﵀ وفيه عن غير ذلك ما أخبرنا به يحيى بن مالك العائدي عن أبي صالح أحمد بن عبد الرحمن بن أبي صالح الحراني الحافظ عن أبي سعيد ومنه: ما أخبرني به أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عن أبي سعيد وقد بينت ذلك في موضعه. وما جاء في كتابي هذا، عن محمد بن أحمد فهو: محمد بن أحمد بن يحيى القاضي هو: ابن مفرج، أخذته من كتاب مختصر كان جمعه للإمام المستنصر بالله ﵀.

стр. 407

وما كان فيه عن الرازي فإن العائذي، أخبرنا به عنه وما كان فيه عن غير هؤلاء فقد ذكرت من حدثني به وعمن أخذته إلا أن يكون مما قرب عهده، وأدركته بسني، وقيدته بخطي وحفظي، وأخذته عن ثقة من أصحابي، فلم أحتج إلى تسميته (١) . ومن خلال استقراء هذه المقدمة، وبعد تتبعنا لما جمعه من معلومات، وأخبار في ثنايا كتابه، يتبين لنا أن مصادر ابن الفرضي كانت متعددة، ومتنوعة، وأنه لم يكن يغفل أي مصدر يظن أنه يخدمه أو يوفر له معلومة، أو خبرا مهما، ولهذا كانت موارده عديدة، ومصادر المعلومات لديه كثيرة، وقد جاءت على النحو التالي: أولاً: المصادر المكتوبة. ثانياً: مصادر المعاينة، والمعايشة، والمشاهدة. ثالثا: المصادر الشفوية - السماع والمشافهة. وكان لكل نوع من هذه المصادر طرقه، وأساليبه، ووسائله المتعددة، حيث حاول المؤلف الإفادة منها جميعاً في جمع مادته العلمية حسب الفرص المتاحة لكل نوع من هذه المصادر خاصة، وقد كانت المصادر المكتوبة تضم الأقسام التالية: أ - المؤلفات والكتب التاريخية. ب - الاستكتاب. ج - اللوحات والوثائق المادية. أ: المؤلفات والكتب التاريخية: يقصد بالمؤلفات والكتب التاريخية مؤلفات المؤرخين وعلماء الرجال الذين سبقوا ابن الفرضي، وكان لمؤلفاتهم علاقة قوية بموضوعه، وتمكن من الاطلاع عليها، وهذا النوع من المصادر شكل جزءاً كبيراً من مصادره في كتابه تاريخ العلماء، كما يستوحى ذلك من مقدمته، ويبدو واضحاً لمن يقرأ الكتاب، وكان من أهم من أفاد منهم في هذا المجال ما يلي:

стр. 408

أبو عبد الله محمد بن حارث بن راشد الخشني القيرواني، عاش السنوات الأولى من حياته بالقيروان ثم رحل إلى الأندلس صغيراً وعمره دون الثانية عشرة وبها طلب العلم،وقد وصفه ابن الفرضي بالعلم والقدرة على الفتيا (١) ، كما أشاد به عدد من المؤرخين إذا قال عنه الحميدي: (محمد بن حارث من أهل العمل والفضل) (٢) وأثنى عليه الذهبي (٣) وابن عميرة (٤) وغيرهم.

стр. 409

له عدد من المؤلفات، فقد أشار الحميدي إلى أنه جمع كتاباً في (أخبار القضاة بالأندلس) وكتاباً في (أخبار الفقهاء والمحدثين) وكتاباً في (الاتفاق والاختلاف لمالك بن أنس وأصحابه) (١) . كما قال ابن الفرضي بلغني أن الخشني (صنف للمستنصر مائة ديوان، وقد جمع له من رجال الأندلس كتاباً قد كتبنا منه في هذا الكتاب - يعني تاريخ العلماء - ما نسبناه إليه) (٢) . وكتاب الخشني هذا غير موجود الآن، ولكن ابن الفرضي أعتمد عليه كثيراً، إذ نبه إلى أنه أخذ منه عشرات المرات في كتابه، وقد تفاوتت نقولاته منه، فأحياناً يذكر الخبر ثم يعقبه بقوله قاله أو ذكره ابن حارث (٣) ، وأحياناً يقول: (قال ابن حارث) (٤) أو في كتاب ابن حارث (٥) أو ذكر ابن حارث في كتابه (٦) ، ثم يذكر بعد ذلك نصاً أو خبراً لابن حارث، وقد يقول قرأت ذلك من كتاب ابن حارث بخطه (٧) ، أو ذكره ابن سعدان عن ابن حارث (٨) ، أو ذكره ابن حارث عن ابن سعدان (٩) ، هكذا تعددت طرق إحالات ابن الفرضي على ابن حارث بحسب اطلاعه عليها في كتابه، ولا شك أن هذا التعدد يدل على دقته في التعامل مع مصادره، وبالرغم من كون ابن الفرضي قد نقل كثيراً من الخشني إلا أنه فيما يبدو لم يكن يأخذ بما يذكره، أو يقول به مطلقاً، بل ربما كان قوله مرجوحاً أحياناً، أو قد يحتاج إلى دليل، والأدلة على ذلك كثيرة ومنها أنه حينما ذكر قول الخشني في عبد الله بن مسرّة ذكر معه أقوال عدد من المؤرخين بعضهم يعد من المجاهيل حيث قال: (وقرأت في بعض الكتب أن عبد الله بن مسرة رحل إلى

стр. 410

المشرق) (١) ومن الأدلة - أيضاً - قوله حينما تحدث عن يحيى بن معمر بن عمران بن منير: (وحكى ابن حارث: أن الأمير عبد الرحمن استقضاه مرة ثانية، وهو صحيح والدليل عليه: أن يحيى بن معمر صلى بالناس صلاة الكسوف بقرطبة سنة ثمان عشرة في مسجد أبي عثمان وهو قاض) (٢) هذا وقد أفاد ابن الفرضي من الخشني كثيراً، وفي مواضع متعددة شملت السير الذاتية، والنزعات العلمية، وتاريخ المولد والوفاة، والشيوخ، والرحلات العلمية، وغيرها من جزئيات تاريخ علماء المسلمين بالأندلس (٣) . أبو القاسم خالد بن سعد أحد أئمة الحديث بالأندلس روى عن عدد من العلماء مثل محمد بن عمر بن لبابة، وأحمد بن خالد بن يزيد، ومحمد بن فطيس وغيرهم كما روى عنه جماعة (٤) توفي سنة (٣٥٢ هـ) (٥) .

стр. 411

وقد ذكر ابن الفرضي أن خالد بن سعد من الذين اعتمد على كتابتهم كثيرا، حيث قال في مقدمة الكتاب: (وما كان فيه عن خالد فهو خالد بن سعد أخبرنا به عنه إسماعيل ابن إسحاق الحافظ (١) في تاريخه) (٢) ،كما ذكر حينما تحدث عن خالد بن سعد أن له كتابا في رجال الأندلس ألفه للمستنصر بالله ﵀ وقد أخذه ابن الفرضي عن إسماعيل بن إسحاق؛ حيث قال: (وقد كتبنا منه في كتابنا هذا ما نسبناه إليه) (٣) ، وقد بين ابن الفرضي أن خالد بن سعد لم يكن يتورع عن أعراض الناس، بل كان ينال منها حتى اشتهر بهذا الأمر، وأنه أخبره بذلك غير واحد ممن عرف ذلك منه (٤) ، لكن هذا المأخذ لم يمنعه من الأخذ منه، وقد تفاوتت نقولاته عنه، وكذلك إحالته عليه، فعلى الرغم من كونه في الغالب يقول: ذكر خالد (٥)

стр. 412

، أو قال خالد (١) مختصراً الإسناد، ثم يذكر خبرا أو نصا، إلا أنه أحيانا كان يستخدم صيغًا متصلة الإسناد؛ كقوله: (أخبرني إسماعيل قال: سمعت خالد بن سعد يقول.) (٢) وقوله: أخبرني إسماعيل قال: قال خالد بن سعد ...) (٣) ، و (أخبرني إسماعيل قال: قال أخبرني خالد) (٤) ، و (أخبرني إسماعيل قال: حدثني خالد ...) (٥) ، أو (قال لنا إسماعيل قال لي خالد ...) (٦) . وقد أخذ ابن الفرضي من خالد بن سعد معلومات كثيرة، وفي قضايا مختلفة، لكن الغالب منها كان يتعلق بالسير والرحلات العلمية، أو السماع والشيوخ (٧) ، وهذا مما يدل على أن هذا المصدر كان مهتما بهذا الجانب، وأن مؤلفه قد أولى تلك القضايا عناية خاصة، ولهذا جاء حديثه عنها مهما لابن الفرضي. ومع أن ابن الفرضي قد عد كتابات خالد بن سعد من مصادره المهمة، إلا أنه لم يكن يُسلم بكل ما ذكره، بل ربما رد أقواله، ومن ذلك أن خالد بن سعد قد حكم على سعيد بن جابر الأشبيلي بالكذب لكن ابن الفرضي لما ذكر هذا القول قال: (لم يكن سعيد بن جابر - إن شاء الله - كما قال خالد، فقد رأيت أصول أسمعته، ووقع إليّ كثير منها، فرأيتها تدل على تحري الرواية، وورع في السماع وصدق) (٨) ، ولم يكتف بذلك، بل ساق أدلة أخرى ومنها قوله: (وقد حدثني العباس بن أصبغ قال: سمعت محمد بن قاسم يثني على سعيد بن جابر ويقول: كان صاحبنا عند النسائي ووصفه بالصدق) (٩) .

стр. 413

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج القاضي من شيوخ ابن الفرضي الذين أكثر عنهم، سمع بقرطبة من قاسم بن أصبغ ومحمد بن عبد الله بن دليم، والخشني وغيرهم، رحل إلى المشرق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة فسمع بمكة، والمدينة النبوية، وجدة، واليمن، وعدن، ثم دخل الشام فسمع ببيت المقدس وغيرها من مدن الشام، ثم عاد إلى الأندلس سنة خمس وأربعين فاتصل بأمير المؤمنين المستنصر بالله حيث ألف له عددا من الدواوين، كما استقضاه على أستجه، ثم ريه (١) ، وقد ذكر ابن الفرضي أن عدد الشيوخ الذين لقيهم أبو عبد الله بن مفرج وروى عنهم في جميع الأمصار التي دخلها مع ما كتب عنه بالأندلس مئتا شيخ وشيخا، توفي - رحمه الله تعالى - ليلة الجمعة لأحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثمانين وثلاثمائة (٢) .

стр. 414

ذكر ابن الفرضي أنه أفاد من ابن مفرج في كتاب مختصر كان قد جمعه للإمام المستنصر بالله (١) ﵀ وقد أشار إلى ذلك الذهبي (٢) ،،ومما أهله لأن يأخذ منه ابن الفرضي كثيرا كونه عالما بالرجال وأحوالهم (٣) ، قال عنه الحميدي: (القاضي أبو عبد الله ...حافظ جليل مصنف) (٤) ، كما وصفه أبو عمر أحمد بن محمد بن عفيف بأنه من (أعنى الناس بالعلم، وأحفظهم للحديث، ما رأيت مثله في هذا الفن) (٥) ، وبالإضافة إلى ذلك فقد ذكر الذهبي أن له مصنفات في الفقه وفقه التابعين، حيث صنف كتابا في فقه الحسن البصري في سبع مجلدات، وفقه الزهري في عدة أجزاء، كما جمع مسند قاسم بن أصبغ في مجلدات (٦) ولم تكن إفادة ابن الفرضى قاصرة على هذه المؤلفات، بل أفاد منه عن طريق السماع مدة طويلة، يقول عن ذلك: (وآليت الاختلاف إليه، والسماع منه من سنة ست وستين إلى أن اعتل علته التي توفي بها سنة ٣٨٠ هـ وأجاز لي جميع ما رواه غير مرة وكتب لي ذلك بخطه ولأخي) (٧) .

стр. 415

هكذا تعددت طرق أخذ ابن الفرضي من أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مفرج، والذي يهمنا هنا ما أخذه عنه بواسطة كتبه ومؤلفاته التي أجازها له حيث وضح ذلك بقوله: (ذكره محمد بن أحمد في كتابه، أو كذا وجدته بخطه، أو من كتاب محمد بن أحمد، أوفي كتاب محمد بن أحمد وغيرها من العبارات التي تدل على أخذه من مؤلفاته مباشرة، ويبدو أن تلك المؤلفات كانت كبيرة غزيرة المعلومات، ولهذا جاءت إفادته منها متنوعة وشاملة لمعظم جوانب سير الرجال، حيث أفاد منه فيما يتعلق بالسير العلمية والشيوخ (١) والمولد (٢) والوفاة (٣) والنظم والجوانب الحضارية (٤) والصفات الذاتية والأخلاق (٥) والأنساب (٦) والرحلات والأسفار (٧) ، وكان أحيانا يجمع بين قوله له مشافهة وما كتبه من مؤلفاته، ويوضح ذلك بقوله: قاله محمد، أو وجدت ذلك بخطه (٨) .

стр. 416

وبالإضافة إلى ذلك فقد روى عنه عددا من الأحاديث والآثار بسند متصل؛ فمن الأحاديث قوله: (أخبرنا محمد بن أحمد بن يحيى قال: نا ابن الأعرابي قال: نا عباس الدوري قال: نا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح قاضي الأندلس قال: حدثني أبو الزاهرية حُدير بن كريب قال حدثني كثير بن مرة الحضرمي أنه سمع أبا الدرداء سأل رسول الله - ش - أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم. فقال رجل من الأنصار: رحبت هذه. فقال لي رسول الله - ش - وكنت من أدنى القوم إليه: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم) (١) . ومن الآثار قوله: (أخبرنا محمد بن أحمد بن يحيى قال: نا ابن فراس قال: حدثنا محمد بن علي الصائغ قال: سعيد بن منصور قال: نا هشيم قال: نا عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة الحسني عن أبن عباس: أن آية من كتاب الله سرقها الشيطان: (بسم الله الرحمن الرحيم) (٢) . هكذا تعددت، وتنوعت إفادات ابن الفرضي من شيخه ابن القاضي، كما تنوعت طرق الأخذ منه، ويبدو أن هذا المؤلف كان محل ثقة عند ابن الفرضي إذ كان يقدم قوله على قول خالد بن سعد ومن ذلك أنه لما ذكر قول خالد في وفاة عبيدون بن الحارث الجهني وأن ذلك كان سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ذكر قول محمد بن أحمد بأنه كان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، ثم قال وهو أصح عندي إن شاء الله (٣) . أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى المصري الصدفي المعروف بابن يونس، سماه الذهبي بالحافظ، وذكر أنه ما ارتحل ولا سمع بغير مصر، وكان إماما بصيرا بالرجال ولد سنة إحدى وثمانين ومئتين، وتوفي في جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة عن ستة وستين عاما (٤) .

стр. 417

وقد ألف كتابا سماه علماء مصر (١) ، ذكر الذهبي أنه اختصر هذا الكتاب، وأنه أفاد منه بعض الغرائب (٢) . وهذا الكتاب من المصادر التي اعتمد عليها ابن الفرضي حيث بين أن المؤلف أرسل كتابه إلى أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله مما أتاح له فرصة الاطلاع عليه، كما بين أنه أخذ من أبي سعيد من غير هذا الكتاب وذلك ما أخبره به عنه يحيى بن مالك العائذي عن أبي صالح أحمد بن عبد الرحمن بن أبي صالح الحراني الحافظ عن أبي سعيد أو ما أخبره به أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عن أبي سعيد، وقد بين ذلك في موضعه (٣) . هكذا تنوعت الطرق التي أفاد بواسطتها ابن الفرضي من أبي سعيد، وقد التزم في تعامله مع المعلومات التي استقاها من أبي سعيد بالدقة في الإحالة إليها؛ حيث كان يوضح طريق ما استقاه من أبي سعيد بقوله: ذكره أبو سعيد (٤) ، أو قال أبو سعيد، ثم يذكر قولا له (٥) ، أو في كتاب أبي سعيد (٦) ، أو من كتابه (٧) ،كما أنه أحيانا يبين المصدر الذي أخذ منه ابن سعيد مثل قوله: قال أبو سعيد: ذكره الخشني (٨) ، وقوله قال أبو سعيد ذكره ابن عفير في أخبار الأندلس (٩) .

стр. 418

وحينما يكون الخبر أخذه عن طريق يحيى العائذي، فإنه يوضح ذلك بقوله: (وأخبرنا يحيى بن مالك العائذي قال: نا أبو صالح قال: نا أبو سعيد ...) (١) ، ثم يذكر الخبر بعد ذلك، أو (حدثنا أبو زكريا العائذي قال: حدثنا أبو صالح الحراني قال: نا أبو سعيد الصدفي) (٢) ، أو (أخبرنا العائذي قال: نا أبو صالح الحراني قال: نا أبو سعيد الصدفي في تاريخ المصريين قال ...) (٣) ، ثم يذكر الخبر، أو من كتاب أبي سعيد أخبرني به العائذي (٤) ، وقد سلك نفس المنهج مع محمد بن أحمد القاضي حيث يقول: (وأخبرني محمد بن أخمد الحافظ قال: قال لنا أبو سعيد ...) (٥) ، ثم يذكر الخبر، أو ذكره أبو سعيد أخبرني بذلك عنه محمد بن أحمد القاضي (٦) ، أو (أخبرنا القاضي محمد ابن أحمد قال: نا عبد الرحمن بن أحمد بن يونس،) (٧) ثم يذكر الخبر، أو (أخبرني محمد بن أحمد عن أبي سعيد قال (٨) .

стр. 419

هكذا تعددت صيغ الرواية عند ابن الفرضي فيما أخذه عن أبي سعيد، ولا شك أن إلمامه بعلم الحديث ومناهجه، هي التي جعلته يملك هذه الطرق، وتلك الأساليب في التعامل مع الرواية التاريخية، وقد أفاد ابن الفرضي من أبي سعيد معلومات تتعلق بالنسب (١) ، والمولد، والنشأة (٢) ، والشيوخ، وطلب العلم والرحلات العلمية (٣) ، والسماع من الشيوخ (٤) وكذلك الوفاة، مكانها وتاريخها (٥) . ومما تميز به هذا المصدر من مصادر ابن الفرضي عن غيره من المصادر التاريخية أنه أورد تراجم مطولة لعدد من ولاة الأندلس، وعلمائه؛ مثل حنش بن عبد الله الصنعاني (٦) والسمح بن مالك الخولاني (٧) ، وعبد العزيز بن موسى بن نصير (٨) ، وعبد الله بن يزيد الحبلي (٩) وغيرهم من القادة والعلماء المتقدمين، حيث يعد ما ذكره ابن الفرضي عنهم إضافة مهمة لهؤلاء الأشخاص الذين تعاني المصادر التاريخية من شح واضح في أخبارهم. الرازي

стр. 420

قال ابن الفرضي حينما تحدث عن مصادره في كتابه هذا: (وما كان فيه عن الرازي فإن العائذي أخبرنا به عنه) (١) لكنه لم يذكر اسم هذا المؤرخ الذي أفاد منه هل هو أبوبكر أحمد بن محمد الرازي أو ابنه عيسى بن أحمد بن محمد الرازي وكلاهما ممن اهتم بالتاريخ الأندلسي، وعاصر ابن الفرضي، أما أحمد فهو: أبوبكر أحمد بن محمد بن موسى بن بشير الرازي والمولود بالأندلس سنة ٢٧٤ هـ حيث سمع من قاسم بن أصبغ وأحمد بن خالد وغيرهما، وكان كثير الرواية حافظا للأخبار (٢) ، وله مؤلفات كثيرة في أخبار الأندلس وتواريخ دول الملوك فيها ومنها أخبار ملوك الأندلس، وهو كتاب كبير اعتمد عليه عدد من المؤرخين كابن حيان، وابن الأبار، وابن سعيد،وغيرهم وكتاب في صفة قرطبة وخططها ومنازل الأعيان فيها، وكتاب ثالث اسمه الاستيعاب عن أنساب مشاهير أهل الأندلس، وكتاب رابع في جغرافية الأندلس، وخامس في أعيان الموالي بالأندلس (٣) وقد فقدت هذه المؤلفات ولم يبق منها سوى ما نقله لنا عدد من المؤرخين اللاحقين له. وأما عيسى فهو: ابن أحمد بن محمد الرازي المذكور أولاً (وقد انشغل بكتابة التاريخ حيث ألف كتابا اسمه (الحجاب للخلفاء بالأندلس) (٤) ، كما ألف كتابا آخر في تاريخ الأندلس ويرى الدكتور محمود علي مكي أنه قد يكون أكمل بهذا الكتاب كتاب والده أحمد (٥) . وما ذكره ابن الفرضي في مقدمة كتابه عن المصادر، وكذلك إحالاته على الرازي في ثنايا كتابه، لم تصرح هل المقصود أحمد أم ابنه عيسى؟

стр. 421

كما لا يوجد من خلال الإحالات ما يدل صراحة على أي منهما على وجه التحديد، ولكن ومن خلال استقرائنا لما كُتب عن الرجلين، وما ذكره ابن الفرضي في إحالاته على الرازي يمكن أن نرجح أن يكون المقصود به هو الأب أحمد بن محمد، وقد بدا لنا هذا الترجيح من خلال المؤشرات التالية: أن الأب أحمد بن محمد كان أشهر من ابنه عيسى؛ إذ أنه علم من أعلام التاريخ الأندلسي، فلعل ابن الفرضي اكتفى بشهرته عن التصريح باسمه، كما يفعل بعض المؤرخين ومن بينهم ابن حيان، وابن الأبار؛ إذ كانا أحيانا يكتفيان بقول: قال الرازي مع أنهما يقصدان أحمد وليس عيسى، كما يبدو هذا واضحا من خلال ما يذكرانه من أخبار. من خلال تتبعنا للروايات التي ذكرها ابن الفرضي عن الرازي نجد أنها كلها لم تتجاوز في إطارها الزمني سنة ٣٤٤هـ وهو تاريخ وفاة أحمد، فلو كان المعني بالأمر أو بعضه الابن عيسى لامتد الإطار الزمني إلى نهاية العقد الثامن من القرن الرابع الهجري إذ أن عيسى عاش تلك الفترة؛ حيث كانت وفاته سنة ٣٧٩ هـ. أن كثيرا من تراث أحمد بن محمد التاريخي أقرب إلى موضوع صاحبنا ابن الفرضي في هذا الكتاب؛ فهو يعنى بالمشاهير والأعيان الذين كان العلماء أحدى فئاتهم، وعناوين مؤلفاته من الأدلة الواضحة في هذا المجال. ثمة إشارات ذكرها ابن الفرضي توحي بأن المقصود بالرازي عنده هو أحمد؛ مثل قوله في ترجمته لأحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مروان ذكره الرازي في تاريخ الملوك (١) وكذلك حين حديثه عن شمر بن ذي الجوشن الكلاعي؛ حيث قال: ذكره الرازي في تاريخ الملوك ...) (٢) .

стр. 422

هناك بعض النصوص التاريخية التي اقتبسها ابن حيان من أخمد بن محمد الرازي، كما ذكرها ابن الفرضي ونسبها إلى الرازي وبمقارنتها ببعضها يتبين أنها نص واحد، اقتبست من مصدر واحد مما يرجح أن المقصود عند ابن الفرضي هوأحمد بن محمد ومن هذا قول ابن الفرضي قال الرازي: (ولي الأمير محمد بن عبد الرحمن يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين ...) (١) وكذلك قوله: (قال الرازي: توفي سعيد بن محمد بن بشير المعافري القاضي سنة عشرة ومائتين ...) (٢) وقد ذكر ابن حيان هذين النصين ونسبهما إلى أحمد الرازي (٣) .

стр. 423

وعلى أية حال فإن إفادات ابن الفرضي من الرازي جاءت أقل من سابقيه إذ أن معظم نقولاته عنه كانت فيما يتعلق بتحديد سنة الوفاة للأشخاص، وهذه تكررت عشرات المرات في ثنايا كتابه (١) وفيما عدا ذلك فقد كانت إفادته منه محدودة، كذكر نسب بعض الأشخاص (٢) ، أو ذكر أحداث وفيات بعضهم (٣) ، وكان ابن الفرضي يذكر الرواية عن الرازي مختصرا الإسناد إذ لم يكن يذكر حتى العائذي إلا نادرا (٤) ، على الرغم من كونه الواسطة بينهما كما ذكر ذلك في المقدمة، ولا أستبعد أن تكون هذه المحدودية في الإفادة من الرازي كان مبعثها سببان الأول كون مؤلفات الرازي مؤلفات تاريخية عامة تعنى بالدول وأحداثها أكثر من عنايتها بالأشخاص وعلمهم وهذا الأخير هو ما كان يبحث عنه ابن الفرضي. أما السبب الثاني فهو أن الرازي كانت اهتماماته ومنهجه أقرب إلى المؤرخين منه إلى علماء الحديث وبالتالي ربما كانت معاييره العلمية وحديثه عن الرجال أقل من معايير ابن الفرضي ولهذا لم يكن ابن الفرضي يقتنع بما ذكره الرازي.

стр. 424

أبو عبد الملك أحمد بن محمد بن عبد البر من موالي بني أمية سمع عددًا من علماء الأندلس مثل قاسم بن أصبغ، ومحمد بن قاسم، وأحمد بن خالد وغيرهم، وقد برز في علم الحديث كما كان فقيها، توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة (١) . ذكر ابن الفرضي أنه أفاد من أحمد بن عبد البر حيث قال: (وما كان في كتابنا هذا عن أحمد - دون أن ننسبه - فهو: أحمد بن محمد بن عبد البر أخبرنا به عنه محمد بن رفاعة - الشيخ الصالح - في تاريخه) (٢) ، كما ذكر أن له كتابا مؤلفا في الفقهاء بقرطبة وأنه استعان به في كتابه (٣) . وقد أفاد ابن الفرضي من ابن عبد البر في مواضع كثيرة وكان يحيل إليه ما يأخذه منه بصيغ مختلفة، وكان كثيرا ما يختصر الإسناد حسب المنهج الذي ذكره في مقدمة الكتاب؛ حيث يقول ذكره أحمد (٤) ولكنه أحيانا يصل الإسناد ومن ذلك قوله: قال أحمد قال محمد بن وضاح (٥) ، وقوله: (أخبرنا محمد بن رفاعة قال: نا أحمد بن عبد البر) (٦) ، أو قال أحمد:حدثت عن ابن وضاح (٧) ، وغيرها من الروايات التي ذكر أسانيدها متصلة، كما كان أحيانا يقول: من كتاب محمد بخطه (٨) ، وقرأت بخط أحمد بن محمد بن عبد البر (٩) .

стр. 425

هكذا تعددت طرق ابن الفرضي في الرواية عن ابن عبد البر، وكانت إفاداته منه متعددة، ومتعلقة بقضايا تاريخية مهمة، تتصل بتاريخ الرجال والنظم، ولعل أهم ما يتعلق بتاريخ الرجال ذلك الوصف الدقيق لحال بعض الرجال ومن ذلك قوله عن مسلم بن أحمد ابن أبي عبيدة الليثي: (قال أحمد بن عبد البر: وكان أبو عبيدة من أصدق أهل زمانه؛ سمعت عبد الله بن حنين يقول: كان أن يخر من السماء إلى الأرض أهون عليه من أن يكذب، وكان عالما ...) (١) ، كما قال في وصف الناحية العلمية عند محمد بن وضاح - أحد معاصريه - (وكان ابن وضاح كثيرا ما يقول: ليس هذا من كلام النبي - ش - في شيء وهو ثابت من كلامه - ش -، وله خطأ كثير محفوظ عنه، وأشياء كان يغلط فيها ويصحفها، وكان لا علم عنده بالفقه ولا بالعربية) (٢) . كذلك وصفه لحلقات العلم وما يدور فيها بين الشيخ والطلاب ومن ذلك قوله: (أخبرنا محمد بن رفاعة قال: نا أحمد بن عبد البر قال: نا محمد بن قاسم قال: شهدت محمد بن وضاح وعنده زنباع، وقد أملى ابن وضاح أحاديث على من كان عنده وزنباع يتشاغل عن ذلك ويتحدث مع من كان يجاوره، فلما أكثر من الحديث، وتشاغل عما كان يمليه الشيخ قال له ابن وضاح: يا مشاوم وخرج عليه، تدع أن تكتب سنن النبي ﵇ وتشتغل بالحديث، فقال له: أصلحك الله لم أشتغل عما أمليته، وقد حفظته، وكان ابن وضاح أملى اثني عشر حديثاً فحفظها زنباع ونصها كما أملاها ابن وضاح فعجب منه وكان يدنيه بعد ذلك) (٣) ، ولم يكن هذا النص هو الوحيد بل لقد روى لنا ابن الفرضي عن ابن عبد البر نصوصاً أخرى تدل على دقة رصده واستيعابه لما يكتب، واهتمامه بالقضايا العلمية (٤) .
следующие страницы →