Полный текст (6 828 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
أولاً:- الكتاب:- لقد وردت في هذا الشأن آيات كثيرات استدل بها أئمة الهدى على حجية قول الصحابي، من ذلك ما يأتي:-
١-قوله تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة ١٠٠]
وجه الدلالة ( [٩٠] ) :- أن الله أثنى على من اتبعهم فإذا قالوا قولاً فاتبعهم متبع عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم فيجب أن يكون محموداً على ذلك وأن يستحق الرضوان. ولو كان اتباعهم تقليداً محضاً كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عامياً. فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذٍ.
وقد أُعترض على وجه الدلالة بما يأتي:-
الاعتراض الأول:- إن المراد باتباعهم:- هو أن يقول ما قالوا بالدليل وهو سلوك سبيل الاجتهاد لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد.
والدليل عليه: قوله ﴿بإحسان﴾ . ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان؛ لأنه لو كان مطلق الاتباع محموداً لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان.
وقد أجيب عن هذا الاعتراض بما يأتي:-
إن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد. لوجوه:-
أحدها:- أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله:- ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران ٣١] ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف ١٥٨] ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء ١١٥]
ونحوه لا يتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل.
الثاني:- أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال والاجتهاد لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق؛ لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبع فيه كل أحد. فمن قال قولاً بدليل صحيح وجب موافقته فيه.
стр. 3852
الثالث:-أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا تجوز. فإن لم تجز فهو المطلوب. وإن جازت مخالفتهم فقد خولفوا في خصوص الحكم واتبعوا في أحسن الاستدلال. فليس جعل من فعل ذلك متبعاً لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفاً لمخالفته لهم في عين الحكم.
الرابع:- أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعاً لهم أصلا. بدليل أن من خالف مجتهداً من المجتهدين في مسألة بعد اجتهادٍ لا يصح أن يقال اتبعه،وإن أطلق ذلك فلا بد من تقييده. بأن يقال اتبعه في الاستدلال أو الاجتهاد.
الخامس:- أن الاتباع:- افتعال من اتبع. وكون الإنسان تابعا لغيره نوع افتقار إليه ومشي خلفه. وكل واحد من المجتهدين المستدلين ليس تبعاً للآخر ولا مفتقراً إليه بمجرد ذلك حتى يستشعر موافقته، والانقياد له؛ ولهذا لا يصح أن يقال لمن وافق رجلاً في اجتهاده أو فتواه اتفاقاً أنه متبع له.
السادس:- أن الآية قصد بها مدح السابقين، والثناء عليهم، وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين. وبتقدير ألا يكون قولهم موجباً للموافقة ولا مانعاً من المخالفة بل إنما يتبع القياس – مثلاً - لا يكون لهم هذا المنصب، ولا يستحقون هذا المدح، والثناء.
السابع:- أن من خالفهم في خصوص الحكم فلم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلوا به على ذلك الحكم فلا يكون متبعاً لهم بمجرد مشاركتهم في صفةٍ عامةٍ وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد، ولا سيما وتلك الصفة العامة لا اختصاص لها به؛ لأن ما ينفي الاتباع أخص مما يثبته. وإذا وجد الفارق الأخص والجامع الأعم – وكلاهما مؤثرٌ – كان التفريق رعايةً للفارق أولى من الجمع رعايةً للجامع.
الاعتراض الثاني:- لم لا يجوز أن يراد بالاتباع اتباعهم في أصول الدين.
стр. 3853
والجواب عن هذا الاعتراض:- بأن يقال:- إن تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه لا يصح؛ لأن الاتباع عام ولا مخصص؛ ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعاً لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتاب ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها.
ولو أقر المخالف بوجوب اتباعهم في أصول الدين، فلئن يجب اتباعهم في فروعه من باب أولى.
و أيضاً - فإنه إذا قيل:- فلان يتبع فلاناً. واتبع فلاناً. وأنا متبع فلاناً. ولم يقيد ذلك بقرينة لفظيةٍ ولا حاليةٍ فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يتأتى فيها الاتباع؛ لأن من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع أولى من وصفه بأنه مخالف. ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم؛ فيكون الاتباع سبباً له؛ لأن الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضي أن ما منه الاشتقاق سببٌ ( [٩١] ) . وإذا كان اتباعهم سبباً للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده ولا اختصاص للاتباع بحال دون حال.
الاعتراض الثالث:- لم لا يكون المراد من قوله جل وعلا ﴿بإحسان﴾ أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم.
ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان وإن أساءوا لقوله ﷺ :- (وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال:- اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ( [٩٢] ) .
والجواب عن هذا الاعتراض بأن يقال:- إن قوله تعالى:- ﴿بإحسان﴾ ليس المراد به أن يجتهد وافق أو خالف؛ لأنه إذا خالف لم يتبعهم فضلاً عن أن يكون بإحسان.
ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم. لكن الاتباع لهم:- اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول. فلا بد مع ذلك أن يكون المتبع محسناً بأداء الفرائض واجتناب المحارم لئلا يقع الاغترار بمجرد الموافقة قولاً.
стр. 3854
-وأيضاً - فلا بد أن يحسن المتبع لهم القول فيهم - ولا يقدح فيهم اشتراط الله ذلك لعلمه بأن سيكون أقوام ينالون منهم - وهذا مثل قوله تعالى بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفرلنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا﴾ [الحشر ١٠]
الاعتراض الرابع:-لم لا يجوز أن يكون المراد بالثناء على من اتبعهم كلهم. وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه.
والجواب عن هذا الاعتراض من وجوه:-
الأول:- إن الآية اقتضت الثناء على من اتبع كل واحد منهم.
كما أن قوله:- ﴿والسابقون الأولون...... والذين اتبعوهم﴾ [التوبة ١٠٠] يقتضي حصول الرضوان لكل واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله:- ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة ١٠٠] ، وكذلك في قوله:- ﴿اتبعوهم﴾ ؛ لأنه حكم علق عليهم في هذه الآية فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين.
الثاني:- إن الأصل في الأحكام المعلقة بأسماء عامة ثبوتها لكل فردٍ فردٍ من تلك المسميات ( [٩٣] ) . كقوله:- ﴿أقيموا الصلاة﴾ [البقرة ٤٣]
وقوله:- ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح ١٨]
وقوله تعالى:- ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة ١١٩]
الثالث:-إن الأحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد كقوله:- ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً﴾ [البقرة ١٤٣]
وقوله:- ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾ [آل عمران ١١٠] وقوله:-
﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء ١١٥] ؛ فإن لفظ الأمة، ولفظ سبيل المؤمنين لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة، وأفراد المؤمنين، بخلاف لفظ السابقين:- فإنه يتناول كل فرد من السابقين.
стр. 3855
الرابع:- الآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن. فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا، واتبع آحادهم فيما وجد عنهم - مما لم يخالفه فيه غيره منهم - فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين.
أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال اتبع السابقين؛ لوجود مخالفته لبعضهم لا سيما إذا خالف هذا مرةً وهذا مرةً.
وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا فإن اتباعهم هناك قول بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال إذ هم مجتمعون على تسوية كل واحد من تلك الأقوال لمن أدى اجتهاده إليه فقد قصد اتباعهم أيضاً.
أما إذا قال الرجل قولاً ولم يخالفه غيره فلا يعلم أن السابقين سوغوا خلاف ذلك القول.
الخامس:- إن الآية تقتضي-أيضاً - اتباعهم مطلقاً.
فلو فرضنا أن الطالب وقف على نص يخالف قول الواحد منهم فقد علمنا أنه لو ظفر بذلك النص لم يعدل عنه.
أما إذا رأينا رأياً فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي.
السادس:- لو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه كلهم لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد علم أنه من دين الإسلام بالاضطرار؛ لأن السابقين الأولين خلق عظيم ولم يعلم أنهم أجمعوا إلا على ذلك؛ فيكون هذا الوجه هو الذي قبله وقد تقدم بطلانه. إذ الاتباع في ذلك غير مؤثر.
-وأيضاً - فجميع السابقين قد مات منهم أناس في حياة رسول الله ﷺ ؛ وحينئذٍ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله ﷺ .
ثم لو فرضنا أحداً يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين؛ فحاصله أن التابعين لا يمكنهم اتباع جميع السابقين.
-وأيضاً - فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذر فكيف يتبعون كلهم في شئ لا يكاد يعلم.
السابع:- إن الصحابة ﵃ ما استحقوا منصب الإمامة والاقتداء بهم إلا لكونهم هم السابقين، وهذه صفةٌ موجودة في كل واحدٍ منهم فوجب أن يكون كل منهم إماماً للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة.
стр. 3856
الاعتراض الخامس:-إن الثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه وإنما يدل على جواز تقليدهم وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء أو تقليد الأعلم كقول طائفة أخرى. أما أنه دليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه.
والجواب عن هذا الاعتراض من وجوه:-
الأول:- إن الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان. وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام؛ فلا يكون اتباعهم قولاً بغير علم بل قولاً بعلم، وهذا هو المقصود وحينئذٍ فسواء يسمى تقليداً أو اجتهاداً.
الثاني:- إن كان تقليد العالم للعالم حراماً - كما هو قول الشافعية والحنابلة – فاتباعهم ليس بتقليد؛ لأنه مرضي. وإن كان تقليدهم جائزاً أو كان تقليدهم مستثنى من التقليد المحرم فلم يقل أحد إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان. فعلم أن تقليدهم خارجٌ عن هذا؛ لأن تقليد العالم إن كان جائزاً فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد جائز – أيضاً - بالاتفاق. والشيء المباح لا يستحق به الرضوان.
الثالث:- إن رضوان الله هو غاية المطالب التي لا تنال إلا بأفضل الأعمال. ومعلوم أن التقليد الذي يجوز خلافه ليس بأفضل الأعمال. بل الاجتهاد أفضل منه. فعلم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم، وأن اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان الله. فلا ريب أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه.وقولهم أرجح بلا شك. ومسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين.
الرابع:- إن الله قد أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان. والتقليد وظيفة العامة. فأما العلماء فإما أن يكون مباحاً لهم أو محرماً. إذ الاجتهاد أفضل منه لهم بغير خلاف. وهو واجب عليهم. فلو أريد باتباعهم التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة ذلك النصيب الأوفى وكان حظ علماء الأمة من هذه الآية أبخس الحظوظ. ومعلوم أن هذا فاسد.
стр. 3857
الخامس:-رضوان الله عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ؛ فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يعفى له عنه. فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يرضى عنه. وإذا كان صواباً وجب إتباعه لأن خلاف الصواب خطأ. والخطأ يحرم إتباعه إذا علم أنه خطأ. وقد علم أنه خطأ فيكون الصواب خلافه.
السادس:- إذا كان اتباعهم موجباً للرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجباً للرضوان. لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده وعدمه. لأنه يبقى عديم الأثر في ذلك الجزاء. وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق ما يوجبه. وهذا هو المطلوب.
السابع:- إن طلب رضوان الله واجب؛ لأنه إذا لم يوجب رضوانه. فإما سخطه أو عفوه. والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة، وذلك لا تُباح مباشرته إلا بالنص. وإذا كان رضوانه إنما هو في اتباعهم واتباع رضوانه
واجب. كان اتباعهم واجباً.
الثامن:- إن الله إنما أثنى على المتبع بالرضوان ولم يصرح بالوجوب؛ لأن إيجاب الاتباع يدخل فيه الاتباع في الأفعال، ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقاً. فيقتضي ذم المخطئ، وليس كذلك، أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعد ما ثبت أن فيها رضا الله تعالى.
-وأيضاً - فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا الله لم يكن رضا الله في ضده، بخلاف الأفعال فقد يكون رضا الله في الأفعال المختلفة، وفي الفعل والترك بحسب قصدين وحالين.
أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك. فإذا ثبت أن في قولهم رضوان الله تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو. فوجب إتباعه.
الاعتراض السادس:- لم لا يكون المراد بقوله تعالى ﴿السابقون﴾ : - هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم. فما الدليل على اتباع من أسلم بعد ذلك؟
стр. 3858
فالجواب عنه بأن يقال:-إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود على أنه لا قائل بالفرق.
وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم.
الاعتراض السابع:- إن قوله تعالى: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾ يدخل فيه بعض الصحابة وهم من عدا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، من الذين اسلموا ولم يهاجروا والذين اسلموا بعد فتح مكة فكل هؤلاء من الصحابة بالاتفاق ومع هذا فهم مأمورون بالاتباع بإحسان أو داخلون فيمن أمر بالاتباع بإحسان، والآية أمرت باتباع السابقين من المهاجرين والأنصار فقط.
فالجواب عن هذا بأن يقال: إذا ثبت وجوب اتباع هؤلاء للسابقين من المهاجرين والأنصار فغيرهم من باب أولى.
و أيضاً - الآية شهادة من الله بأن جميع الصحابة مرضي عنهم، ولهم الجنة سواء كانوا من المهاجرين أو الأنصار أو من لم يهاجر أو أسلم بعد الفتح.
فَمَنْ أراد رضى الله، والجنة فعليه باتباعهم بإحسان.
٢- قوله تعالى:- ﴿اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون﴾ [يس ٢٠]
هذا قصه الله عن صاحب ياسين على سبيل الرضاء بهذه المقالة والثناء على قائلها والإقرار له عليها.
وكل واحد من الصحابة لم يسألنا أجراً وهم مهتدون. بدليل قوله تعالى خطاباً لهم ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ [آل عمران ١٠٣] ولعلَّ: من الله واجب.
وقوله تعالى:- ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد ٤٧]
وقوله تعالى:- ﴿والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم.سيهديهم﴾ [محمد ٤،٥]
وقوله تعالى:- ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت ٦٩] .
وكل منهم قاتل في سبيل الله وجاهد إما بيده أو بلسانه فيكون الله قد هداهم.
стр. 3859
وكل من هداه فهو مهتد. فيجب اتباعه بالآية.
٣- قوله تعالى:- ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ [لقمان ١٥] وأول المنيبين إلى الله هو الرسول ﷺ وهو مأمور صلوات ربي وسلامه عليه باتباع سبيل المنيبين من الأنبياء والمؤمنين السابقين، والأمر له أمر لأمته، وأول أمته هم صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، فكل من الصحابة منيب إلى الله. فيجب اتباع سبيله. وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله.
والدليل على أنهم منيبون إلى الله تعالى أن الله تعالى قد هداهم وقد قال:- ﴿ويهدي إليه من ينيب﴾ [الشورى ١٣]
٤- قوله تعالى:- ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ [يوسف ١٠٨] فأخبر تعالى أن الرسول يدعو إلى الله على بصيرة، ومن اتبعه يدعو إلى الله على بصيرة. ومن دعا إلى الله على بصيرة، وجب اتباعه؛ لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه ﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به﴾ [الأحقاف ٣١]
ولأن من دعا إلى الله على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالماً به. والدعاء إلى أحكام الله دعاء إلى الله؛ لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى.
هذا وإن كان يدخل فيه غير الصحابة إلا أن دخول الصحابة في هذه الآية دخول أولي.
فإذا أثر عن أحدٍ من الصحابة قول أو فعل ولم تكن فيه مخالفة صريحة لنص شرعي ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه فالواجب حينئذٍ اتباعه؛ لأنه دعاء إلى طاعة الله؛ وإلا خلا ذلك العصر من ذلك الحق، وهو باطل.
٥- قوله تعالى:- ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ [النمل ٥٩] قال ابن عباس ( [٩٤] ) :- هم أصحاب محمد ﷺ .
والدليل عليه قوله تعالى:- ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ [فاطر ٣٢]
стр. 3860
وحقيقة الاصطفاء: افتعال من التصفية. فيكون قد صفاهم من الأكدار. والخطأ من الأكدار. فيكونون مصفين منه. فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة فيفتي فيها بعضهم بالخطأ ولا يفتي فيها غيره بالصواب ويظفر فيها بالهدى من بعدهم.
ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا لأن الحق لم يَعدُهُم فلا يكون قول بعضهم كدراً؛ لأن مخالفته الكدر. وبيانه يزيل كونه كدراً، بخلاف ما إذا قال بعضهم قولاً ولم يخالف فيه. فلو كان باطلاً ولم يَرُدَّهُ رادٌّ لكان حقيقة الكدر.
وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي ﷺ في بعض أموره فإنها لا تخرجه عن حقيقة الاصطفاء.
٦- أن الله تعالى شهد لهم بأنهم أوتوا العلم بقوله:- ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق﴾ [سبأ ٦] .
وقوله:- ﴿حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً﴾ [محمد ٤٧]
وقوله:- ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة ١١] .
واللام في العلم ليست للاستغراق وإنما هي للعهد:- أي العلم الذي بعث الله به نبيه ﷺ .
وإذا كانوا قد أوتوا هذا العلم كان اتباعهم واجباً؛ ولأن من بعدهم تبع لهم في ذلك.
ولأن من المحال أن يجهل الصحابة الحق والهدى ويهتدي إليه المتأخرون.
ولأن للصحابة خاصية لا يشركهم فيها أحد فهم قد تعلموا العلم والعمل في مدرسة النبوة تحت رعاية رسول الله ﷺ وتوجيهاته، بعد أن وقفوا على أسرار التشريع ومقاصده وحكمه، فكانوا يجتهدون بين يديه فيقر المصيب ويصوب المخطيئ، وكانوا يسألونه عما أشكل عليهم وخفي ويحاورونه ويشاركونه الرأي؛ لذا فإنهم قد فهموا منه الكثير ووقفوا على أمور لا تدرك بالنقل والرواية عنه ﷺ ( [٩٥] ) ، فكانت لهم تلك الميزة والخاصية فكانت أقوالهم ليست كأقوال غيرهم.
стр. 3861
٧-قوله تعالى:- ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران ١١٠] .
شهد لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر. إذ الصواب معروف بلا شك والخطأ منكر من بعض الوجوه.
ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة. وإذا كان هذا باطلاً. علم أن خطأ من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع. وذلك يقتضي أن قوله حجة ( [٩٦] ) ، ولما سبق ذكره في الدليل السابق.
٨-قوله تعالى:- ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة ١١٩]
قال غير واحد من السلف ( [٩٧] ) :- هم أصحاب محمد ﷺ .
ولا ريب أنهم أئمة الصادقين. وكل صادق بعدهم بهم يأتم في صدقه. بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم.ومعلوم أن من خالفهم في شئ وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه، وحينئذٍ فيصدق عليه أنه ليس معهم فتنتفي عنه المعية المطلقة، وإن ثبت له قسط من المعية فيما وافقهم فيه.
فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط. وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق والمنتهب ( [٩٨] ) بحيث لا يستحق اسم المؤمن وإن لم ينتف عنه مطلق الاسم الذي يستحق لأجله أن يقال معه شئ من الإيمان.
وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان من فقه وعلم، وإن قيل معه شئ من العلم. ففرق بين المعية المطلقة ومطلق المعية.
ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني. فإن الله تعالى لم يرد منا أن نكون معهم في شئ من الأشياء وأن نحصل من المعية ما يطلق عليه الاسم. ومن فهم أن الله أراد منا ذلك فقد غلط غلطاً عظيماً في فهم مراد الرب تعالى من أوامره.
стр. 3862
فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم وهو مطلق الماهية المأمور بها بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك.
وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء.
٩-قوله تعالى:- ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ [البقرة ١٤٣] .
ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمةً خياراً عدولاً.
هذا حقيقة الوسط. فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإراداتهم ونياتهم. وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة.
والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم. فهم شهداؤه؛ ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم. لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء وأمر ملائكته أن تصلى عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم.
والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق. فيخبر بالحق مستنداً إلى علمه به.كما قال تعالى:- ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف ٨٦] .
فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقاً من غير علمه به. وقد يعلمه ولا يخبر به.
فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم.
فلو كان علمهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالفةً لحكم الله ورسوله ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله إما مع اشتهار فتوى الأول أو بدون اشتهارها كانت هذه الأمة العدل الخيار قد أطبقت على خلاف الحق بل انقسموا قسمين:- قسماً أفتى بالباطل، وقسماً سكت عن الحق. وهذا من المستحيل؛ فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى من بعدهم قطعاً. ونحن نقول لمن خالف أقوالهم لو كان خيراً ما سبقونا إليه.
стр. 3863
١٠-أن قوله تعالى:- ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس﴾ [الحج ٧٨] .
فأخبر تعالى أنه اجتباهم.
والاجتباء:- كالاصطفاء - وهو افتعال. من اجتبى الشيء يجتبيه. إذا ضمه إليه وحازه إلى نفسه ( [٩٩] ) .
فهم المجتبون الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين. ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حق جهاده. فيبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحبة والعبودية ويختاروه وحده إلهاً محبوباً على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم. فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم. فيؤثرونه في كل حال على من سواه كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحباءه وآثرهم بذلك على من سواهم
ثم أخبرهم تعالى أنه يسر عليهم دينه غاية التيسير ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتة لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم. ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام. فيكون تعلق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره.
ثم أخبر تعالى أنه نوه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم وسماهم عباده المسلمين قبل أن يظهرهم ثم نوه بهم وسماهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناءً بهم ورفعةً لشأنهم وإعلاءً لقدرهم. ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس. فيكونون مشهوداً لهم بشهادة الرسول، شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم. فكان هذا التنويه وإشارة الذكر لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين الحكمتين العظيمتين.
стр. 3864
والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة فيفتي فيها بعضهم بالخطأ ولا يفتي فيها غيره بالصواب ويظفر فيها بالهدى من بعدهم. - والله المستعان -.
١١- قوله تعالى:- ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ [آل عمران ١٠١]
فنقول الصحابة رضوان الله عليهم معتصمون بالله. فهم مهتدون. فاتباعهم واجب.
أما المقدمة الأولى فتقريرها في قوله تعالى:- ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ [الحج ٧٨] – ونحوها من الآيات - ومعلوم كمال تولى الله تعالى ونصره إياهم أتم نصره. وهذا يدل على أنهم اعتصموا به أتم اعتصام فهم مهديون بشهادة الرب لهم بلا شك. واتباع المهدي واجب شرعاً وعقلاً وفطرةً بلا شك.
وما يرد على هذا الوجه من أن المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه.
١٢- قوله تعالى:- عن أصحاب موسى – ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ [السجدة ٢٤] .
فأخبر تعالى أنه جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم؛ إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. فإن الداعي إلى الله تعالى لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه وبصيرته به، وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة وكف النفس عما يوهن عزمه ويضعف إرادته. فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى.
стр. 3865
ومن المعلوم أن أصحاب محمد ﷺ أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى. فهم أكمل يقيناً وأعظم صبراً من جميع الأمم. فهم أولى بمنصب هذه الإمامة. وهذا أمر ثابت بلا شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم وشهادة الرسول لهم بأنهم خير القرون وأنهم خيرة الله وصفوته. ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق ويظفر به المتأخرون. ولو كان هذا ممكناً لانقلبت الحقائق. وكان المتأخرون أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم وهذا كما أنه محالٌ حساً وعقلاً فهو محال شرعاً.- وبالله التوفيق -.
١٣- قوله تعالى:- ﴿والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً﴾ [الفرقان ٧٤] .
وإمام بمعنى: قدوة ( [١٠٠] ) . وهو يصلح للواحد والجمع كالأمة والأسوة.
وقد قيل:هوجمع آمم ( [١٠١] ) كصاحب وصحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار.
وقيل: هو مصدر ( [١٠٢] ) كقتال وضراب أي ذوي إمام.
والصواب:- الوجه الأول. فكل من كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم؛ لأنهم قدوة القدوة بعد رسولهم ﷺ ، ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق ويظفر به المتأخرون.
والتقوى واجبة، والائتمام بهم واجب. ومخالفتهم فيما أفتوا به مخالف للائتمام بهم.
وإن قيل:- نحن نأتم بهم في الاستدلال وأصول الدين.
فقد تقدم من جواب هذا ما فيه كفاية.
ثانياً:- الأحاديث النبوية ( [١٠٣] ) :
لقد وردت أحاديث كثيرة تحض على الاقتداء بالصحابة على وجه العموم وعلى وجه الخصوص أيضاً، إلا أنه ينبغي التنبيه على أن القول بحجية قول الصحابي لا يعني أبداً القول بعصمتهم بل هم بشر يصيبون ويخطئون، إلا أن خطأهم أقل من خطأ غيرهم بكثير، كما أن إصابتهم للحق أكثر من إصابة غيرهم ممن جاء من بعدهم.
стр. 3866
وينبغي – أيضاً – أن يستحضر القارئ حين قراءته لهذا المبحث أن المراد بحجية قول الصحابي: هو ما أثر عن الصحابة أو أحدهم من قول أو فعل أو فتيا ولم يعلم له مخالف في ذلك بل لم ينقل إلينا إلا قوله أو فعله أو فتياه.
ومما ينبغي استحضاره – أيضاً – أن الحجة في قول الصحابي ليست في قوله لذاته؛ بل لأن الشارع ضمن حفظ الحق أبداً إلى أن تقوم الساعة، وأنه لا يخلي عصراً من العصور منه، كما قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر ٩] . فلو قال الصحابي قولاً ولم يكن صواباً بل الصواب في غيره ولم ينكره عليه أو يخالفه فيه أحد ممن عاصره حتى انقضى ذلك العصر، ثم جاء من بعده فقال بخلاف قوله لكان ذلك العصر قد خلا من ناطق بالحق، بل كانوا مطبقين على الباطل، فهذا هو الذي ينكر.
وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز لمن جاء بعدهم مخالفتهم أو مخالفة أحدهم إذا لم ينقل عن أحد ممن عاصره خلافه، كما لو اختلفوا – أعني الصحابة – على قولين لم يجز لمن جاء بعدهم إحداث قول ثالث خارجٍ عن القولين.
وكما قلت: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جداً منها ما يأتي:-
١- ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من وجوه متعددة أنه قال:- (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ( [١٠٤] ) .
стр. 3867
فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقاً. وذلك يقتضي تقديمهم في كل بابٍ من أبواب الخير. وإلا لو كانوا خيراً من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقاً. فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأوا هم لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن. ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولاً ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة. ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء فكيف يكونون خيراً ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما أخطأوا فيه. ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها.
فياسبحان الله أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأضرابهم ﵃ قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة وأخطأ في ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى تبع من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة، وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة.-سبحانك هذا بهتان عظيم-.
стр. 3868
٢- ما روى مسلم في صحيحه ( [١٠٥] ) من حديث أبي موسى الأشعري قال:- صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ فقلنا لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا. فخرج علينا. فقال:- (ما زلتم ههنا) . فقلنا:- يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال:- (أحسنتم وأصبتم) -ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء -. فقال:- (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) .
ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء.
ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم.
–وأيضاً - فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزاً من الشر وأسبابه. فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحرزاً لهم. وهذا من المحال.
٣- قول رسول الله ﷺ (إن مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح) ( [١٠٦] ) .
قال الحسن ( [١٠٧] ) :- قد ذهب ملحنا فكيف نصلح.
ووجه الاستدلال أنه شبه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاح الطعام به. فلو جاز أن يفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من يفتي بالصواب ويظفر به من بعدهم لكان من بعدهم ملحاً لهم. وهذا محال.
يوضحه أن الملح كما أن به صلاح الطعام، فالصواب به صلاح الأنام. فلو أخطأوا فيما أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملح يصلحه. فإذا أفتى من بعدهم بالحق كان قد أصلح خطأهم فكان ملحاً لهم.
стр. 3869
٤- قول رسول الله ﷺ :- (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وفي لفظ:- (فو الذي نفسي بيده) ( [١٠٨] ) . وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبية والفتح فإذا كان مد أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند الله من مثل أحد ذهباً من مثل خالد وأضرابه من أصحابه – مع أنه ﵁ هو منهم - فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب في الفتاوى ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال.
٥- قول النبي ﷺ :- (إن الله اختارني واختار لي أصحاباً. فجعل لي منهم وزراء وأنصاراً وأصهاراً ...) الحديث ( [١٠٩] ) . ومن المحال أن يحرم الله الصواب من اختارهم لرسوله وجعلهم وزراءه وأنصاره وأصهاره ويعطيه من بعدهم في شئ من الأشياء.
٦- حديث العرباض بن سارية قال:- وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة. ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل:- يا رسول الله كأنها موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟
فقال:- (عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة. وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كل محدثة بدعة. وكل بدعة ضلالة) ( [١١٠] ) .
قال ابن القيم ( [١١١] ) :- (وهذا حديث حسن إسناده لا بأس به. فقرن سنة خلفائه بسنته. وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته. وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ. وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للأمة وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شئ وإلا كان ذلك سنته. ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم؛ لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون. ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين) .
стр. 3870
كما يؤخذ من الحديث أنه إذا قال الصحابة قولاً أو أحدهم ثم خالفهم من لم يعاصرهم كان مبتدئاً لذلك القول ومبتدعاً له، فهو من محدثات الأمور فلا يجوز أتباعهم فيه.
٧- حديث حذيفة قال:- قال رسول الله ﷺ :- (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. واهتدوا بهدي عمار. وتمسكوا بعهد ابن أم عبد) ( [١١٢] ) .
قال الترمذي:- هذا حديث حسن غريب ( [١١٣] ) .
ووجه الاستدلال به ما تقدم في تقرير المتابعة ( [١١٤] ) .
٨-حديث أبى قتادة أن النبي ﷺ قال:- (إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا) الحديث ( [١١٥] ) .
فجعل الرشد معلقاً بطاعتهما فلو أفتوا بالخطأ في حكم وأصابه من بعدهم لكان الرشد في خلافهما
٩- أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر ﵄:- (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما) ( [١١٦] ) .
وفي لفظ (لو اجتمعتما ما عصيناكما) ( [١١٧] ) .
فهذا رسول الله ﷺ يخبر أنه لا يخالفهما ولا يعصيهما لو اتفقا. ومن يقول:- قولهما ليس بحجة. يجوز مخالفتهما وعصيانهما.
١٠- أن النبي ﷺ نظر إلى أبي بكر وعمر فقال:- (هذان السمع والبصر) ( [١١٨] ) .
أي هما مني منزلة السمع والبصر، أوهما من الدين بمنزلة السمع والبصر.
ومن المحال أن يحرم سمع الدين وبصره الصواب ويظفر به من بعدهما، وأيضا لخلا ذلك العصر من الحق بل كان أهله على الباطل، وهذا باطل.
١١- ما رواه مسلم في صحيحه ( [١١٩] ) من حديث عائشة ﵂ قالت:- قال رسول الله ﷺ :- (قد كان فيمن خلا من الأمم أناس مُحَدثَّون. فإن يكن في أمتي أحد. فهو عمر) .
والمُحدَّث ( [١٢٠] ) :هو المتكلم الذي يلقي الله في روعه الصواب. يحدثه به الملك عن الله.
стр. 3871
ومن المحال أن يختلف هذا ومن بعده – أي من لم يعاصره - في مسألة ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه؛ فإن ذلك يستلزم أن يكون ذلك الغير هو المُحدَثُ بالنسبة إلى هذا الحكم دون أمير المؤمنين ﵁. وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق. إما على لسان عمر، وإما على لسان غيره منهم. وإنما المحال أن يفتي أمير المؤمنين المُحدث بفتوى أو يحكم بحكم ولا يقول أحد من الصحابة غيره ويكون خطأ ثم يوفق له من بعدهم فيصيب الحق ويخطئه الصحابة.
١٢-حديث عقبة بن عامر حيث قال:-سمعت رسول الله ﷺ يقول:- (لو كان بعدي نبي لكان عمر - وفي لفظ - لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر) ( [١٢١] ) .
قال الترمذي ( [١٢٢] ) :- حديث حسن.
ومن المحال أن يختلف من هذا شأنه ومن بعده من المتأخرين في حكم من أحكام الدين ويكون حظ عمر منه الخطأ وحظ ذلك المتأخر منه الصواب.
١٣- قول النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود:- (اقرأ عليَّ) قال:- أقرأ وعليك أنزل. قال:- (إني أحب أن أسمعه من غيري) فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ فاضت عينا رسول الله ﷺ ، وكف عبد الله بن مسعود. فقام رسول الله ﷺ وتكلم فحمد الله وأثنى عليه في أول كلامه وأثنى على الله وصلى على نبيه ﷺ وشهد شهادة الحق وقال:- (رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ورضيت لكم ما رضي لكم ابن أم عبد) ( [١٢٣] ) .
ومن قال ليس قوله بحجة وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف له لم يرض للأمة ما رضيه لهم ابن أم عبد ولا ما رضيه رسول الله ﷺ .
١٤- ما قاله عبادة بن الصامت وغيره:- (بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم) ( [١٢٤] ) .
стр. 3872
ونحن نشهد بالله أنهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئاً منه مخافة سوط ولا عصاً ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم.
فمن المحال أن يوفق هؤلاء للصواب ويحرمه أصحاب رسول الله ﷺ .
١٥- ما ثبت في الصحيح ( [١٢٥] ) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رقى المنبر فقال:- (إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله) .فبكى أبو بكر. وقال:- بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا. فعجبنا لبكائه أن يخبر النبي ﷺ عن رجل خير. فكان المخير رسول الله ﷺ وكان أبو بكر أعلمنا به.
وقال النبي ﷺ :- (إن أَمَنَّ الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر) ( [١٢٦] )
ومن المعلوم أن فوت الصواب في الفتوى لأعلم الأمة برسول الله ﷺ وظفر فلان وفلان من المتأخرين بهذا من أمحل المحال.
ومن لم يجعل قوله حجة يجوز ذلك. بل يحكم بوقوعه.- والله المستعان -.
١٦-حديث رسول الله ﷺ حيث قال:- (بينما أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن. فقيل لي:- اشرب فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلتي عمر. قالوا:- فما أولت ذلك. قال:- العلم) ( [١٢٧] ) .
ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يعلم أن أحداً من الصحابة خالفه فيه وقد شهد له رسول الله ﷺ بهذه الشهادة.
١٧-حديث ابن عباس ﵄ أنه وضع للنبي ﷺ وضوءاً. فقال:- (من وضع هذا؟ قالوا:- ابن عباس. فقال:- (اللهم فقهه في الدين) ( [١٢٨] ) .
стр. 3873
وقال عكرمة:- قال ابن عباس:- ضمني إليه رسول الله ﷺ فقال:- (اللهم علمه الحكمة) ( [١٢٩] ) ومن المستبعد جداً بل الممتنع أن يفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله ﷺ بدعوة مستجابة قطعاً أن يفقهه في الدين ويعلمه الحكمة، ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على خطأ، ويفتى واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه ويكون الصواب معه فيظفر به هو ومقلدوه ويحرمه ابن عباس والصحابة.
١٨- أنهم إذا قالوا قولاً أو بعضهم ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتدئاً لذلك القول ومبتدعاً له. وقد قال النبي ﷺ :- (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كل بدعة ضلالة) ( [١٣٠] ) .
وقول من جاء بعدهم يخالفهم فهو من محدثات الأمور، فلا يجوز أتباعه.
ثالثاً: الآثار السلفية ( [١٣١] ) :-
لقد نُقلت عن أئمة السلف من الصحابة وتابعيهم نقول قولية وعملية كثيرة، دالة على تعظيم الصحابة وتعظيم أقوالهم وأفعالهم وسيرهم وتحض في الوقت نفسه على اقتفاء جميع ما أُثر عنهم.
أ-الآثار المروية عن الصحابة في ذلك:-
لقد جاءت آثار كثيرة عن الصحابة –﵃ تدل على شهرة الاحتجاج بأقوال الصحابة السابقين في المسائل التي ليس فيها دليل من الكتاب أو السنة أو اتفاق سابق.
بل في هذه الآثار حض للتابعين لهم للعمل بذلك.
وإليك – أخي القارئ – بعضاً منها:-
١- ما كتبه عمر رضى الله عنه إلى أهل الكوفة جاء فيه:- (قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي) ( [١٣٢] ) .
فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود ويسمعوا قولهما.
стр. 3874
ومن لم يجعل قولهما حجة يقول لا يجب الإقتداء بهما ولا سماع أقوالهما إلا فيما أجمعت عليه الأمة ومعلوم أن ذلك لا اختصاص لهما به بل لا فرق فيه بينهما وبين غيرها من سائر الأمة.
٢- ما قاله عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله ﵄ حينما رآه لابساً ثوباً مصبوغاً وهو محرم:- (إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ... ) ( [١٣٣] )
٣- قول علي – ﵁ –:- (ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر) ( [١٣٤] ) .
ومن المحال أن يكون من بعده من المتأخرين أسعد بالصواب منه في أحكام الله تعالى.
٤- قول ابن مسعود رضى الله عنه:- (إن الله نظر في قلوب العباد. فاختار محمداً؛ فبعثه برسالته، وانتخبه بعلمه. ثم نظر في قلوب الناس بعده. فاختار له أصحابه، فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه ﷺ . فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن. وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح) ( [١٣٥] ) .
ومن المحال أن يخطئ الحق في حكم الله خير قلوب العباد بعد رسول الله ﷺ ويظفر به من بعدهم.
وأيضاً - فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون كلهم، فإما أن يكونوا قد رأوه حسناً أو يكونوا قد رأوه قبيحاً. فإن كانوا قد رأوه حسناً، فهو حسن عند الله. وإن كانوا قد رأوه قبيحاً ولم ينكروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد، وكان من أنكره بعدهم خيراً منهم وأعلم. وهذا من أبين المحال.
٥- وقوله – أيضاً -:- " من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً. قوم اختارهم الله لصحبه نبيه. وإقامة دينه. فاعرفوا لهم فضلهم. واتبعوا آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" ( [١٣٦] ) .
стр. 3875
ومن المحال أن يحرم الله أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً وأقومها هدياً الصواب في أحكامه ويوفق له من بعدهم.
٦- وقوله:- (ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكا يسدده) ( [١٣٧] ) .
ومعلوم قطعاً أن من كانت هذه حاله فهو أولى بالصواب ممن ليس كذلك.
٧-وقوله ( [١٣٨] ) :-اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. فإن كل محدثة بدعة. وكل بدعة ضلالة.
٨-وقوله ( [١٣٩] ) :- أيضاً - إنا نقتدي ولا نبتدي. ونتبع ولا نبتدع. ولن نضل ما تمسكنا بالأثر.
٩-وقوله ( [١٤٠] ) :- أيضاً - إياكم والتبدع. وإياكم والتنطع. وإياكم والتعمق. وعليكم بالدين العتيق.
١٠- وقوله ( [١٤١] ) :- أيضاً - أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال؛ أمور تكون من كبرائكم فأيما مُرَيَّةٌ أو رُجَيِّلٌ أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول فالسمت الأول. فأنا اليوم على السنة.
١١- قول حذيفة بن اليمان ﵁:- " اتقوا الله يا معشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً.
ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً " ( [١٤٢] ) .
ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق من سبق إلى كل خير على الإطلاق.
١٢- ما قاله جندب بن عبد الله لفرقه دخلت عليه من الخوارج فقالوا:- ندعوك إلى كتاب الله. فقال:- أنتم. قالوا:- نحن. قال:- أنتم. قالوا:- نحن. فقال:- يا أخابيث خلق الله. في اتباعنا تختارون الضلالة أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى. أخرجوا عني ( [١٤٣] ) .
ومن المعلوم أن من جوز أن تكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمن بعدهم وخالفهم فيها فقد اتبع الحق في غير سنتهم. وقد دعاهم إلى كتاب الله؛ فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق. وكفى ذلك إزراء على نفوسهم وعلى الصحابة.
стр. 3876
١٣- حديث أبى ذر –﵁ حيث قال:- مر فتى على عمر ﵁ فقال عمر:- نعم الفتى. قال:- فتبعه أبو ذر. فقال:- يا فتى استغفر لي. فقال:- يا أبا ذر استغفر لك، وأنت صاحب رسول الله ﷺ . قال:- استغفر لي قال:- لا أو تخبرني. قال:- إنك مررت على عمر فقال:- نعم الفتى. وإني سمعت النبي ﷺ يقول:- (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه) ( [١٤٤] )
ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألة أفتى بها من جعل الله الحق على لسانه وقلبه حظه ولا ينكره عليه أحد من الصحابة ويكون الصواب فيها حظ من بعده.
هذا من أبين المحال.
١٤- ما رواه الأعمش عن شقيق قال:- (قال عبد الله:- والله لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر) . فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي. فقال:- (قال عبد الله:- والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم) ( [١٤٥] ) .
ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شئ من الأشياء.
١٥- ما رواه زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال:- (لما قبض رسول الله ﷺ قال:- الأنصار منا أمير ومنكم أمير. فأتاهم عمر قال:- ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يؤم الناس. قالوا:- بلى. فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر. فقالوا:- نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر) ( [١٤٦] ) .
قال ابن القيم ( [١٤٧] ) – رحمة الله عليه -:- (ونحن نقول لجميع المفتين أيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلدتموه بغيرها، ولا سيما من قال من زعمائكم إنه يجب تقليد من قلدناه ديننا ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق رضى الله عنه.
اللهم إنا نشهدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك ونعوذ بك أن نطيب به نفساً) انتهىكلامه.
стр. 3877
١٦- قول علي ( [١٤٨] ) :﵁ لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته.
فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم؛ لأنهم بين ساكت ومخطئ. ولم يكن في الأرض قائم لله بحجة في ذلك الأمر. ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر حتى نبغت نابغة فقامت بالحجة وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر.
وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
١٧- ما رواه ابن عيينة عن عبد الله بن أبى يزيد قال:- كان ابن عباس إذا سئل عن شئ وكان في القرآن أو السنة قال به. وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر. فإن لم يكن قال برأيه ( [١٤٩] ) .
فهذا ابن عباس واتباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف حتى إنه يخالف لما قام عنده من الدليل أكابر الصحابة يجعل قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول الله ورسوله ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة.
١٨-وقال ابن عباس ( [١٥٠] ) :- عليك بالاستقامة، اتبع ولا تبتدع، اتبع الأثر الأول ولا تبتدع.
وما نقل عن واحد من الصحابة من قول أو فعل – ولم يكن ثمة غيره - أثر يجب اتباعه.
١٩-قيل لعلي ﵁ حينما دخل الكوفة:- أنزل بالقصر الأبيض. فقال ( [١٥١] ) : (لا إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله فأنا أكرهه لذلك) فنزل في الرحبة.
٢٠-قال ابن عباس ( [١٥٢] ) للخوارج حين ناظرهم:- (جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله ﷺ وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله) .
ب - الآثار المنقولة عن التابعين في ذلك:-
لقد كثرت النقول عن التابعين كثرة يصعب حصرها في الحض على اتباع الصحابة في جميع شؤونهم وذلك بالرجوع إلى أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وسيرهم للاهتداء والاقتداء بها، معتبرةً قول الواحد من الصحابة حجةً يصار إليها.
стр. 3878
ولكثرتها – كما قلت – حكى بعض العلماء الإجماع على أن التابعين يرون حجية قول الصحابي كما سيأتي-إن شاء الله -.وسأقتصر على أوضحها دلالة،فمن ذلك:-
١-قول شريح ( [١٥٣] ) :- إنما اقتفي الأثر، فما وجدت في الأثر حدثتكم به.
٢-قول إبراهيم النخعي ( [١٥٤] ) :- لو بلغني أنهم - يعنى الصحابة - لم يجاوزوا بالوضوء ظفراً لما جاوزته به. وكفى بنا على قوم إزراءً أن نخالف أعمالهم.
٣-وقوله ( [١٥٥] ) – أيضاً -: لو أن أصحاب محمد ﷺ مسحوا على ظفر لما غسلته التماس الفضل في اتباعهم.
٤-ما كتبه عمر بن عبد العزيز ( [١٥٦] ) إلى بعض عماله حيث قال:- أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعده فيما قد جرت به سنته، وكفوا مؤونته، واعلم أنه لم يبتدع إنسان بدعة إلا قدم قبلها ما هو دليل عليها وعبرة فيها. فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، وأعلم أن من سن السنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والتعمق والحمق.فإن السابقين عن علم وقفوا وببصر نافذ قد كفوا وكانوا هم أقوى على البحث ولم يبحثوا.
٥-وقوله ( [١٥٧] ) :- أيضاً - قف حيث وقف القوم. وقل كما قالوا. واسكت كما سكتوا؛ فإنهم عن علم وقفوا. وببصر ناقد كفوا. وهم على كشفها كانوا أقوى. وبالفضل لو كان فيها أحرى. فإنهم السابقون ولئن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه ولئن قلتم حدث بعدهم حدث فما أحدثه إلا من خالف سبيلهم ورغب بنفسه عنهم ولقد تكلموا منه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفى فما دونهم مَقصر ولا فوقهم محسر. ولقد قصر عنهم أقوام فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا. وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم.
стр. 3879
٦-وقوله ( [١٥٨] ) - أيضاً –:- سن رسول الله ﷺ لولاة الأمر بعده سننا. الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته، وقوة على دينه.ليس لأحد تغييرها،ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها. فمن اقتدى بما سنوا اهتدى. ومن استنصر بها نصر. ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.
قال الشاطبي ( [١٥٩] ) عن هذا القول: - (ومن كلامه الذي عني به ويحفظه العلماء وكان يعجب مالكاً جداً ..... وبحق وكان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولاً حسنة من السنة) .
٧-قول الأوزاعي ( [١٦٠] ) :- عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي، وأنت منه على طريق مستقيم.
٨-وقوله ( [١٦١] ) –أيضاً -:- اصبر نفسك على السنة. وقف حيث وقف القوم. وقل بما قالوا وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم ... ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم؛ وإنه لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم، وهم أصحاب محمد رسول الله ﷺ ، اختارهم الله وبعثه فيهم، ووصفهم بما وصفهم به. فقال:- ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ الآية [الفتح ٢٩]
٩-قول الشعبي ( [١٦٢] ) :- ما حدثوك به عن أصحاب محمد ﷺ فخذه. وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش.
أقول:- مما سبق نقله من آثار وغيرها حكى العلائي إجماع التابعين على الاحتجاج بقول الصحابي فقال ( [١٦٣] ) : - (والوجه السادس: وهوالمعتمد: أن التابعين أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم، والفتيا
به، من غير نكير من أحد. وكانوا من أهل الاجتهاد أيضاً.
стр. 3880
قال مسروق: وجدت علم أصحاب رسول الله ﷺ انتهى إلى ستة: عمر وعلي وأُبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وعبد الله بن مسعود وقال -أيضاً -: كان أصحاب القضاء من أصحاب النبي ﷺ ستة: عمر وعلي وعبد الله وأُبيّ وزيد وأبو موسى ﵃.
قال الشعبي: كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله ﷺ .
وكان عمر وعلي وعبد الله وزيد بن ثابت يشبه بعضهم بعضاً، وكان يقتبس بعضهم من بعض.
وكان علي وأبو موسى وأُبيّ بن كعب يشبه علم بعضهم بعضاً، وكان يقتبس بعضهم من بعض.
وقال علي بن المديني: لم يكن من أصحاب النبي ﷺ أحد له أصحاب يقومون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس ﵃. ثم ذكر أصحاب كل واحد منهم من التابعين الذين كانوا يفتون الناس بقول ذلك الصحابي.
ومن أمعن النظر في كتب الآثار وجد التابعين لا يختلفون في الرجوع إلى أقوال الصحابي فيما ليس فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع.
ثم هذا مشهور –أيضاً– في كل عصر لا يخلو عنه مستدل بها، أو ذاكر لأقوالهم في كتبه) انتهى بحروفه.
ويؤيد ما ذكره العلائي ما قاله ابن القيم ﵀ في كتابه أعلام الموقعين ( [١٦٤] ) حيث قال: (إنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله في فتاوى الصحابة وأقوالهم ولا ينكره منكر منهم. وتصانيف العلماء شاهدة بذلك ومناظرتهم ناطقة به.
стр. 3881
قال بعض علماء المالكية:- أهل الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله. وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاتهم ويمتنع والحالة هذه إطباق هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاج به ولا نصبه دليلاً للأمة فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة ووجدت ذلك طرازها وزينتها. ولم تجد فيها قط ليس قول أبي بكر وعمر حجة.ولا يحتج بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ وفتاويهم ولا ما يدل على ذلك.
وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول ﷺ ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظاً ومعنىً قول متأخر بعده ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها وكيف يظن أحد أن الظن المستفاد من فتاوى السابقين الأولين الذين شاهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التأويل، وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم وينزل على رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم.
قال جابر:- كنا نعزل والقرآن ينزل على رسول الله ﷺ وهو يعرف تأويله فما عمل به من شئ عملنا به. في حديث حجة الوداع؛ فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه الذي هو يفصل القرآن ويفسره.
فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء؟ هذا عين المحال) انتهى كلامه.
стр. 3882
ويؤيد ما سبق – أيضاً- ما ذكره الشاطبي ( [١٦٥] ) حيث قال:- (وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة. وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم، وقوة مآخذهم دون غيرهم، وكبر شأنهم في الشريعة، وأنهم مما تجب متابعتهم وتقليدهم فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه) .
رابعاً:- المعقول ( [١٦٦] ) :- وذلك بأن يقال:
إن الصحابي إذا قال قولاً أو حكم بحكم أو أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنا ومدارك نشاركه فيها.
فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شفاها أومن صحابي آخر عن رسول الله ﷺ . فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع. وأين ما سمعه الصديق ﵁ والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة ﵃ إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث ( [١٦٧] ) وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شيْ من مشاهده بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أَجِلَّة الصحابة روايتهم قليلة جداً بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافاً مضاعفةً ( [١٦٨] ) فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين ( [١٦٩] ) وقد روى عنه الكثير ( [١٧٠] ) .
إلا أنهم كانوا يتمثلون سنة المصطفى ﵇ أتم تمثل وامتثال فكانت أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم بمثابة الرواية عن رسول الله ﷺ ؛ لأنهم كانوا يعملون بكل بما علموا.
стр. 3883
قال أبو عبد الرحمن السلمي ( [١٧١] ) :- (أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن فكنا نتعلم القرآن والعمل به وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم) .
يوضح ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه ( [١٧٢] ) وعبد الرزاق في مصنفه ( [١٧٣] ) في قصة صلح الحديبية حيث جاء فيها قول المسور بن مخرمة ﵁:- (ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ﷺ
بعينيه. قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر؛ تعظيماً له) الحديث.
وعن ابن سيرين قال: - (كنت مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح رحت معه، حتى أتى الإمام فصلى معه الأولى والعصر، ثم وقف وأنا وأصحاب لي حتى أفاض الإمام فأفضنا معه، حتى انتهى إلى المضيق دون
المأزمين، فأناخ، فأنخنا، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي، فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر أن النبي ﷺ لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضي حاجته) ( [١٧٤] )
قال أنس بن مالك ( [١٧٥] ) ﵁: - (كنا قعوداً مع النبي ﷺ – فعسى أن يكون قال: ستين رجلاً – فيحدثنا الحديث، ثم يدخل، فنتراجعه بيننا، هذا ثم هذا، فنقوم كأنما زُرِع في قلوبنا)
وعن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁ قال:- (صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا، حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا) ( [١٧٦] )
стр. 3884
فقول القائل:- لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شئ عن النبي ﷺ لذكره.
قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم. فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص ( [١٧٧] ) ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي ﷺ مراراً ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله ﷺ ( [١٧٨] ) .
فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه:-
أحدها:- أن يكون سمعها من النبي ﷺ .
الثاني:- أن يكون سمعها ممن سمعها منه.
الثالث:- أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهماً خفي علينا.
الرابع:- أن يكون قد اتفق عليها ملؤُهُم ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.
الخامس:- أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبي ﷺ ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله الفعل فيكون فهم ما لا نفهمه نحن.
وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة بجب اتباعها.
السادس:- أن يكون فهم ما لم يرده الرسول ﷺ وأخطأ في فهمه. والمراد غير ما فهمه.
وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة.
ومعلوم قطعاً أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين هذا ما لا يشك فيه عاقل. وذلك يفيد ظناً غالباً قوياً على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال من بعده وليس المطلوب إلا الظن الغالب. والعمل به متعين. ويكفى العارف هذا الوجه.
قلت: هذا الوجه وإن كان وقوعه عقلاً مُمكِناً إلا أنه مما لا يجوز وقوعه -ولم يقع - شرعاً لمخالفته قول الحق ﵎:- ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر ٩] .
стр. 3885
فلو وقع لنصب الله عليه دليلاً – كأن ينكره عليه الرسول ﷺ أو أحد من صحابته -يبين بطلانه لئلا تعمل الأمة بالضلال وتعتقد الباطل طيلة المدة السابقة حتى جاء المتأخرون فزيفوه واهتدوا للحق الذي خفي على أولئك الكرام، ومجرد تصوره يكفي للحكم ببطلانه.
أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوباً، وأعمق علماً، وأقل تكلفاً، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وسرعته، وقلة المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى.
فالعربية:- طبيعتهم وسليقتهم.
والمعاني الصحيحة:- مركوزة في فطرهم وعقولهم.
ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل.
ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين.
بل قد غنوا عن ذلك كله.
فليس في حقهم إلا أمران:-
أحدهما:- قال الله تعالى كذا، وقال رسوله كذا.
والثاني:- معناه كذا وكذا.
وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين وأحظى الأمة بهما. فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما.
وأما المتأخرون فقواهم متفرقة وهممهم متشعبة.
فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة.
والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة.
وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة.
وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور.
فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية - إن كان لهم همم تسافر إليها - وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب القوة.
стр. 3886
وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها ثم صار إليها وافاها بذهن كالٍ، وقوة ضعيفة، وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة تضعف قوته عند العمل المشروع. كمن استفرغ قوته في السماع الشيطاني فإذا جاءه قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالة وعزيمة باردة، وكذلك من صرف قوى حبه وإرادته إلى الصور أو المال أو الجاه فإذا طالب قلبه بمحبة الله فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة قد استفرغها في محبة غيره. فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس فإذا جاء إلى كلام الله ورسوله جاء بفكرة كالة فأعطي بحسب ذلك.
والمقصود أن الصحابة أغناهم الله تعالى عن ذلك كله فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط.
هذا إلى ما خصوا به من قوى الأذهان، وصفائها، وصحتها، وقوة إدراكها وكماله، وكثرة المعاون، وقلة الصارف، وقرب العهد بنور النبوة، والتلقي من تلك المشكاة النبوية.
فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا وما شاركناهم فيه فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟
ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم. -والله المستعان-.
خامساً: ومما يدل على حجية قول الصحابي ما ذهب إليه جمهور العلماء – ومنهم الأئمة الأربعة - من أنه إذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز إحداث قول ثالث بعدهم ( [١٧٩] ) كما لو أجمعوا على قول واحد؛ فإنه يحرم إحداث قولٍ ثانٍ.
فقول الصحابي – الذي لم يشتهر أو لم يعلم اشتهاره من عدمه – ليس هو حينئذ أقل حالاً أو شأناً في الاحتجاج به، وعدم مخالفته من عدم جواز إحداث قول ثالث حين اختلافهم على قولين معلومين.
стр. 3887
سادساً: ومما يدل – أيضاً – على حجية قول الصحابي اتفاق العلماء قاطبة على أن البدعة هي ( [١٨٠] ) :- كل ما أحدث بعد الرسول ﷺ على سبيل التقرب إلى الله، ولم يكن قد فعلها الرسول ولا أمر بها، ولا أقرها، ولا فعلتها الصحابة.
ومن هذا – وأمثاله - يظهر جلياً أن فعل الصحابي لشيء أو قوله به يجعله حجة، إذ لو لم يكن حجة كان بدعةً - ولا قائل بهذا من أهل العلم والهدى -، وإذا لم يكن قوله بدعةً فهو موافق للشرع، وهذا هو المطلوب.
خاتمة البحث:
أحمد الله ﷻ على جميع نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، كما أحمده وأشكره على أن يسر لي إتمام هذا البحث والذي أسأله جلّ في علاه أن ينفعني به في الدنيا والأخرى وأن يجعله موضع قبول عند كل من قرأه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هذا....
وقد توصلت – ولله الحمد – إلى نتائج طيبة أثناء بحثي في هذه المسألة أجمل أهم نتائجها فيما يأتي:-
١- نقلت تسعةً وعشرين أثراً مروياُ عن الصحابة والتابعين كلها تدل على أنهم كانوا يرون حجية قول الصحابي، حتى أن بعض أهل العلم حينما رأى ذلك حكى الإجماع فيها.
٢-توصلت إلى أن الأئمة الأربعة من أصولهم الفقهية الاحتجاج بقول الصحابي مطلقاً، وقررت تلك الحقيقة بالرجوع إلى أقوال الأئمة في مؤلفاتهم الأصيلة أو ما نقل عنهم بواسطة تلاميذهم الذين أخذوا عنهم العلم مباشرة، أو الذين أصبحوا أئمة في مذاهبهم.
٣-كما توصلت –أيضاً - إلى أن كثيراً ممن كتب في المسألة لم يحرر أقوال الأئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى - تحريراً صحيحاً بل أحياناً ينسب إلى بعضهم أقوالاً غير صحيحة لا تتناسب مع ما اشتهر عنه، وأحياناً تعارض وتخالف ما نص عليه الإمام في آخر ما كتبه كما هو الحال مع الشافعي رحمه الله تعالى.
стр. 3888
وبعض المنتسبين للأئمة خرَّج لهم أقوالاً غير ما نقله أئمة المذهب المتقدمين عنهم -مع العلم بأن الإمام لم يُنقل عنه إلا قول واحد - أخذاً من تصرفات الإمام في بعض المسائل المروية عنه كما هو الحال مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
٤-توصلت إلى أن من كتب في هذه المسألة قد غفل غفلةً عظيمةً عن أن الصحابي إذا قال قولاً ولم يعلم له مخالف أن ذلك القول هو فهم الصحابة –﵃ – كما دلّ عليه قوله تعالى:- ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر ٩] إذ لو لم يكن ذلك القول موافقاً للذكر لما تكفل الله بحفظه، وعلى زعم المخالف يكون الأمر بالعكس، حيث حفظ الله الباطل بنقله وترك الحق فلم ينقله إلينا؛ وحينئذٍ فقد وصل إلينا الباطل ولم يصل إلينا الحق بل اندثر باندثار ذلك الجيل المعاصر لذلك الصحابي، وهذا باطل.
وعليه: فإني أظن أن المسألة هذه لما أُخذت بمعزل عن النظر في هذه الآية بهذه الطريقة توصل من توصل إلى القول بعدم حجية قول الصحابي.
٥-كما توصلت إلى أن أكمل البحوث في هذه المسألة – من حيث الأدلة والمناقشة - هو ما قام به الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه القيم أعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/١١٨-١٥٣) .
وأما من حيث تقسيم المسألة والاستدلال لكل قسم فهو العلائي الشافعي في كتابه إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، إلا أن ابن القيم أشمل منه وأكمل.
٦- توصلت إلى أن الصحابي إذا قال قولاً ولم يعلم له مخالف أن ذلك القول هو الحق، إذ لو كان قول ذلك الصحابي خطأً محضاً وباطلاً لنصب الله جل وعلا له من الصحابة من يخالفه لئلا ينقلب الباطل حقاً فيُعمل بالباطل في ذلك العصر وما بعده من العصور حتى جاء المتأخر فبين خطأه وبطلانه، ولكونه مخالفاً لقوله تعالى:- ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر ٩] فلو لم يكن ذلكم القول حقاً لما حُفظ ولما نُقل إلينا إذ لو كان ثمة غيره لنقل - أيضاً- للآية.
стр. 3889
فهل يهدي الله الأوائل للعمل بالحق الذي لم يُنقل إلينا، ويُضل الأواخر فتعمل بالباطل الذي نقل إليها؟! أقول: ليس هذا من حكمة الله وعدله ورحمته.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الهوامش والتعليقات
---
( [١] ) انظر: المسائل المشتركة (٥-٧) .
( [٢] ) انظر: كتاب أصول الفقه الإسلامي لبدران (١٥) وأصول الفقه للبرديسي (١٢) وأصول الفقه تاريخه ورجاله (٣٦-٣٧)
( [٣] ) انظر: الأعلام (٣/٢٧٣) .
( [٤] ) انظر: الفتح المبين (١/٢٢١-٢٢٢) .
( [٥] ) انظر: المصدر السابق (١/٢٣٧) .
( [٦] ) انظر: المصدر السابق (١/٢٦٠-٢٦٢) .
( [٧] ) انظر: المصدر السابق (٢/٨-١٠) .
( [٨] ) انظر: المصدر السابق (٢/٤٧-٤٩) .
( [٩] ) انظر: المصدر السابق (٢/٥٧-٥٨) .
( [١٠] ) انظر: انظر: المصدر السابق (٢/٨٦-٨٧) .
( [١١] ) انظر: انظر: المصدر السابق (٢/٨٨) .
( [١٢] ) انظر: لسان العرب (١/٥١٩) المعجم الوسيط (١/٥٠٧)
( [١٣] ) انظر: كتاب أصول الفقه الإسلامي لبدران (١٧) وأصول الفقه للبرديسي (١٥) وأصول الفقه تاريخه ورجاله (٣٥) .
( [١٤] ) انظر: إعلام الموقعين (٢/٣٠٦ –٣٠٧) .
( [١٥] ) انظر: الفتح المبين (١/١٨٢-١٨٣) .
( [١٦] ) انظر: المصدر السابق (١/٢٣٦) .
( [١٧] ) انظر: الفتح المبين (٢/١٠٨) وأبجد العلوم (٣/١١٩) .
( [١٨] ) انظر: الفتح المبين (٢/١٨٨) وتاج التراجم (٢٢٣-٢٢٤) .
( [١٩] ) انظر: تاج التراجم (٢٧٦-٢٧٧) والفتح المبين (٢/٢٠١) .
( [٢٠] ) انظر: كتاب أصول الفقه الإسلامي لبدران (١٨-١٩) وأصول الفقه للبرديسي (١٨-٢٠) وأصول الفقه تاريخه ورجاله (٣٨-٤٠) .
( [٢١] ) انظر: الفتح المبين (٣/٣٦-٣٩) .
( [٢٢] ) انظر: الأعلام (٦/٤١) ومعجم المؤلفين (٩/٨٠) .
( [٢٣] ) انظر: كتاب أصول الفقه الإسلامي لبدران (١١) وأصول الفقه للبرديسي (٩) وأصول الفقه تاريخه ورجاله (٢٦) .
( [٢٤] ) انظر: الكفاية للخطيب البغدادي (٤٩) .
стр. 3890
( [٢٥] ) انظر: شرح السنة (٥٤) .
( [٢٦] ) رواه الترمذي في سننه (٥/٢٦-٢٧) برقم ٢٦٤١ والحاكم في المستدرك (١/١٢٨-١٢٩) والبغوي في شرح السنة (١/٢١٣) وانظر: تعليق الشيخ العلامة الألباني –﵀ – عليه في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/٣٥٦-٣٦٧) رقم ٢٠٣، ٢٠٤.
( [٢٧] ) انظر: لسان العرب (١/٥١٩) المعجم الوسيط (١/٥٠٧) .
( [٢٨] ) في صحيحه (٤/١٨٨) وانظر: -أيضاً - فتح المغيث (٤/٧٧) .
( [٢٩] ) انظر: طبقات الحنابلة لأبي يعلى (١/ ٢٤٣) وفتح الباري (٧/ ٥) وفتح المغيث (٣/٨٦) .
( [٣٠] ) انظر: كتاب تحقيق الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة (٣٠، ٣٥) والكفاية للخطيب (٥١) .
( [٣١] ) انظر: تعريف الصحابي اصطلاحاً عند المحدثين في: الباعث الحثيث (١٧٩) ونزهة النظر (٥٥) والإصابة (١/١٠) وتدريب الراوي (١/٢٠٨-٢١٢) وقواعد التحديث (٢٠٠) والمقنع في علوم الحديث (٢/٤٩١) وعلوم الحديث لابن الصلاح (٢٦٣) .
( [٣٢] ) انظر: (١٧١) .
( [٣٣] ) انظر: المقنع في علوم الحديث (٢/٤٩٧) وقال الشافعي: (روى عن رسول الله ﷺ ، ورآه من المسلمين نحو من ستين ألفاً) . انظر: الباعث الحثيث (١٨٥) .
( [٣٤] ) انظر: التمهيد لأبي الخطاب (٣/١٧٢) والإحكام للآمدي (٢/٨٢) وحاشية الجلال المحلي على جمع الجوامع وتعليق البناني عليه (٢/١٦٥-١٦٦) وفتح الغفار (٢/٩٤) وفواتح الرحموت (٢/١٥٨) وارشاد الفحول (٦٢) وتيسير التحرير (٣/٦٦-٦٧) وكشف الأسرار للبخاري (٢/٣٨٤) وقواطع الأدلة (٢/٤٨٦) والمقنع في علوم الحديث (٢/٤٩١) وعلوم الحديث لابن الصلاح (٢٩٣) وفتح المغيث (٣/٨٦) ومخالفة الصحابي للحديث (٣١-٦٦) وقول الصحابي وأثره في الفقه الإسلامي (١٦-١٩) وقول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية (١-٢) ومناهج وآداب الصحابة في التعلم والتعليم (١٢) وحجية قول الصحابي (١-١١) .
следующие страницы →