← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

كما لا يوجد من خلال الإحالات ما يدل صراحة على أي منهما على وجه التحديد، ولكن ومن خلال استقرائنا لما كُتب عن الرجلين، وما ذكره ابن الفرضي في إحالاته على الرازي يمكن أن نرجح أن يكون المقصود به هو الأب أحمد بن محمد، وقد بدا لنا هذا الترجيح من خلال المؤشرات التالية: أن الأب أحمد بن محمد كان أشهر من ابنه عيسى؛ إذ أنه علم من أعلام التاريخ الأندلسي، فلعل ابن الفرضي اكتفى بشهرته عن التصريح باسمه، كما يفعل بعض المؤرخين ومن بينهم ابن حيان، وابن الأبار؛ إذ كانا أحيانا يكتفيان بقول: قال الرازي مع أنهما يقصدان أحمد وليس عيسى، كما يبدو هذا واضحا من خلال ما يذكرانه من أخبار. من خلال تتبعنا للروايات التي ذكرها ابن الفرضي عن الرازي نجد أنها كلها لم تتجاوز في إطارها الزمني سنة ٣٤٤هـ وهو تاريخ وفاة أحمد، فلو كان المعني بالأمر أو بعضه الابن عيسى لامتد الإطار الزمني إلى نهاية العقد الثامن من القرن الرابع الهجري إذ أن عيسى عاش تلك الفترة؛ حيث كانت وفاته سنة ٣٧٩ هـ. أن كثيرا من تراث أحمد بن محمد التاريخي أقرب إلى موضوع صاحبنا ابن الفرضي في هذا الكتاب؛ فهو يعنى بالمشاهير والأعيان الذين كان العلماء أحدى فئاتهم، وعناوين مؤلفاته من الأدلة الواضحة في هذا المجال. ثمة إشارات ذكرها ابن الفرضي توحي بأن المقصود بالرازي عنده هو أحمد؛ مثل قوله في ترجمته لأحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مروان ذكره الرازي في تاريخ الملوك (١) وكذلك حين حديثه عن شمر بن ذي الجوشن الكلاعي؛ حيث قال: ذكره الرازي في تاريخ الملوك ...) (٢) .

стр. 422

هناك بعض النصوص التاريخية التي اقتبسها ابن حيان من أخمد بن محمد الرازي، كما ذكرها ابن الفرضي ونسبها إلى الرازي وبمقارنتها ببعضها يتبين أنها نص واحد، اقتبست من مصدر واحد مما يرجح أن المقصود عند ابن الفرضي هوأحمد بن محمد ومن هذا قول ابن الفرضي قال الرازي: (ولي الأمير محمد بن عبد الرحمن يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين ...) (١) وكذلك قوله: (قال الرازي: توفي سعيد بن محمد بن بشير المعافري القاضي سنة عشرة ومائتين ...) (٢) وقد ذكر ابن حيان هذين النصين ونسبهما إلى أحمد الرازي (٣) .

стр. 423

وعلى أية حال فإن إفادات ابن الفرضي من الرازي جاءت أقل من سابقيه إذ أن معظم نقولاته عنه كانت فيما يتعلق بتحديد سنة الوفاة للأشخاص، وهذه تكررت عشرات المرات في ثنايا كتابه (١) وفيما عدا ذلك فقد كانت إفادته منه محدودة، كذكر نسب بعض الأشخاص (٢) ، أو ذكر أحداث وفيات بعضهم (٣) ، وكان ابن الفرضي يذكر الرواية عن الرازي مختصرا الإسناد إذ لم يكن يذكر حتى العائذي إلا نادرا (٤) ، على الرغم من كونه الواسطة بينهما كما ذكر ذلك في المقدمة، ولا أستبعد أن تكون هذه المحدودية في الإفادة من الرازي كان مبعثها سببان الأول كون مؤلفات الرازي مؤلفات تاريخية عامة تعنى بالدول وأحداثها أكثر من عنايتها بالأشخاص وعلمهم وهذا الأخير هو ما كان يبحث عنه ابن الفرضي. أما السبب الثاني فهو أن الرازي كانت اهتماماته ومنهجه أقرب إلى المؤرخين منه إلى علماء الحديث وبالتالي ربما كانت معاييره العلمية وحديثه عن الرجال أقل من معايير ابن الفرضي ولهذا لم يكن ابن الفرضي يقتنع بما ذكره الرازي.

стр. 424

أبو عبد الملك أحمد بن محمد بن عبد البر من موالي بني أمية سمع عددًا من علماء الأندلس مثل قاسم بن أصبغ، ومحمد بن قاسم، وأحمد بن خالد وغيرهم، وقد برز في علم الحديث كما كان فقيها، توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة (١) . ذكر ابن الفرضي أنه أفاد من أحمد بن عبد البر حيث قال: (وما كان في كتابنا هذا عن أحمد - دون أن ننسبه - فهو: أحمد بن محمد بن عبد البر أخبرنا به عنه محمد بن رفاعة - الشيخ الصالح - في تاريخه) (٢) ، كما ذكر أن له كتابا مؤلفا في الفقهاء بقرطبة وأنه استعان به في كتابه (٣) . وقد أفاد ابن الفرضي من ابن عبد البر في مواضع كثيرة وكان يحيل إليه ما يأخذه منه بصيغ مختلفة، وكان كثيرا ما يختصر الإسناد حسب المنهج الذي ذكره في مقدمة الكتاب؛ حيث يقول ذكره أحمد (٤) ولكنه أحيانا يصل الإسناد ومن ذلك قوله: قال أحمد قال محمد بن وضاح (٥) ، وقوله: (أخبرنا محمد بن رفاعة قال: نا أحمد بن عبد البر) (٦) ، أو قال أحمد:حدثت عن ابن وضاح (٧) ، وغيرها من الروايات التي ذكر أسانيدها متصلة، كما كان أحيانا يقول: من كتاب محمد بخطه (٨) ، وقرأت بخط أحمد بن محمد بن عبد البر (٩) .

стр. 425

هكذا تعددت طرق ابن الفرضي في الرواية عن ابن عبد البر، وكانت إفاداته منه متعددة، ومتعلقة بقضايا تاريخية مهمة، تتصل بتاريخ الرجال والنظم، ولعل أهم ما يتعلق بتاريخ الرجال ذلك الوصف الدقيق لحال بعض الرجال ومن ذلك قوله عن مسلم بن أحمد ابن أبي عبيدة الليثي: (قال أحمد بن عبد البر: وكان أبو عبيدة من أصدق أهل زمانه؛ سمعت عبد الله بن حنين يقول: كان أن يخر من السماء إلى الأرض أهون عليه من أن يكذب، وكان عالما ...) (١) ، كما قال في وصف الناحية العلمية عند محمد بن وضاح - أحد معاصريه - (وكان ابن وضاح كثيرا ما يقول: ليس هذا من كلام النبي - ش - في شيء وهو ثابت من كلامه - ش -، وله خطأ كثير محفوظ عنه، وأشياء كان يغلط فيها ويصحفها، وكان لا علم عنده بالفقه ولا بالعربية) (٢) . كذلك وصفه لحلقات العلم وما يدور فيها بين الشيخ والطلاب ومن ذلك قوله: (أخبرنا محمد بن رفاعة قال: نا أحمد بن عبد البر قال: نا محمد بن قاسم قال: شهدت محمد بن وضاح وعنده زنباع، وقد أملى ابن وضاح أحاديث على من كان عنده وزنباع يتشاغل عن ذلك ويتحدث مع من كان يجاوره، فلما أكثر من الحديث، وتشاغل عما كان يمليه الشيخ قال له ابن وضاح: يا مشاوم وخرج عليه، تدع أن تكتب سنن النبي ﵇ وتشتغل بالحديث، فقال له: أصلحك الله لم أشتغل عما أمليته، وقد حفظته، وكان ابن وضاح أملى اثني عشر حديثاً فحفظها زنباع ونصها كما أملاها ابن وضاح فعجب منه وكان يدنيه بعد ذلك) (٣) ، ولم يكن هذا النص هو الوحيد بل لقد روى لنا ابن الفرضي عن ابن عبد البر نصوصاً أخرى تدل على دقة رصده واستيعابه لما يكتب، واهتمامه بالقضايا العلمية (٤) .

стр. 426

وبالإضافة إلى ذلك، فقد ترك لنا ابن عبد البر معلومات مهمة لبعض الشخصيات الأندلسية ومنها عبد الملك بن حبيب، وبقي بن مخلد، حيث خلف لنا وصفاً دقيقاً لمشهد جنازته، ودفنه، وحالة الناس آنذاك (١) ، كما حظي تاريخ وفيات الرجال بنصيب كبير من قبل ابن عبد البر (٢) . وقد كانت له وقفات مهمة عند بعض الخطط والنظم، ومن ذلك وصفه لمسؤوليات صاحب السوق، حيث قال حينما تحدث عن حسين بن عاصم الثقفي: (وولي السوق في أيام الأمير محمد، وكان شديداً على أهلها في القيم، يضرب على ذلك ضرباً مبرحا ينكر عليه فكأنه سقط بذلك عن أن يروي الناس عنه) (٣) ، كذلك ذكر عزوف الناس الصالحين عن تولي خطة القضاء، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عن زياد بن عبد الرحمن اللخمي حينما حاول الأمير هشام بن الحكم توليته على القضاء (فخرج هاربا بنفسه فقال هشام: ليت الناس كزياد) (٤) . ومن وقفاته في هذا الميدان وقفة مهمة تتعلق بنظم التربية والتعليم حيث ذكر أن بكر ابن عبد الله الكلاعي كان (مؤدباً لأولاد الخلفاء ﵏ في النحو والشعر) (٥) ، وهذا مما يدل على عناية الخلفاء بتعليم أولادهم النحو والشعر لأهميتها في تقويم ألسنتهم والمحافظة على ملكتهم اللغوية في بيئة تعج باللكنات الأجنبية.

стр. 427

وكان ابن الفرضي يذكر الخبر عن ابن عبد البر بسند متصل، أو مختصر، كما تبين ذلك من بعض الأمثلة، كما كان أحياناً يذكر معه خالد بن سعد حيث يقول بعد أن يسوق الخبر: قال أحمد وخالد (١) ، كما كان أحياناً بيبن المصدر الذي استقى منه ابن عبد البر معلوماته، ومن الأمثلة على ذلك قوله: (قال أحمد هو زياد بن عبد الرحمن بن زياد بن عبد الرحمن بن زهير وزياد الثاني هو الداخل بالأندلس قاله أحمد بن محمد الرازي) (٢) ، فأحمد هنا هو أحمد بن عبد البر وقد بين ابن الفرضي أنه استقى معلوماته السابقة من الرازي، ويبدو أن ما ذكره ابن عبد البر أدناه هو نص ما قاله الرازي. كانت هذه نماذج وأمثلة لما أفاده ابن الفرضي من كتابات أحمد بن عبد البر، وبالرغم من محدوديتها بالنسبة لسابقيه إلا أنها كانت ذات دلالات جيدة، لما فيها من معلومات مهمة ربما انفرد بها ابن عبد البر عمن سواه. ويبدو أن السبب في ذلك يعود لكون ابن عبد البر محدثاً ثم مؤرخاً، وبالتالي فهو يملك إمكانات كلتا المدرستين مما أهله لأن تكون كتاباته مهمة في بابها ويتأكد هذا الأمر إذا تذكرنا أن مدرسة المحدثين آنذاك كان لها منهج مستقل ومعالم واضحة في ميدان دراستها، وهذا مما جعلها تؤثر على الفكر الإسلامي حيث أثر منهج المحدثين على العلوم الإسلامية الأخرى ومنها التأليف التاريخي (٣) . كان هذا عرضاً لمصادر ابن الفرضي التاريخية المكتوبة، والتي ذكرها في مقدمة كتابه، وهي بلا شك مصادر مهمة يعد أصحابها من كبار علماء، ومؤرخي الأندلس آنذاك، وقد بدا هذا الأمر واضحاً على مادته العلمية التي استقاها منها وأثبتها في كتابه.

стр. 428

وبالإضافة إلى هؤلاء فقد أخذ ابن الفرضي عن عدد من الكتاب والمؤرخين الذين لم يذكرهم في مقدمة كتابه لكنه أشار إليهم في ثناياه ومنهم يحيى بن مالك بن عائذ بن كيسان بن معن والمعروف بالعائذي (١) ، المولود سنة ثلاثمائة والمتوفى بقرطبة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، وقد رحل إلى المشرق سنة سبع وأربعين فحج سنة ثمان وأربعين، ثم انتقل إلى بغداد، حيث يذكر ابن الفرضي أنه حدثه أنه سمع ببغداد من سبعمائة رجل ونيف، وقد تردد بالمشرق نحو من اثنتين وعشرين سنة، كما كتب عن طبقات المحدثين، ثم عاد إلى الأندلس سنة تسع وستين وثلاثمائة (٢) . ويذكر ابن الفرضي أنه كان ذا علم جم، اذ أنه لما قدم الأندلس سمع منه ضروب من الناس، وطبقات مختلفة من طلاب العلم، وأبناء الملوك، وجماعة من الشيوخ والكهول، كما ذكر أنه كان يملي في المسجد الجامع كل يوم جمعة، وأنه سمعه يقول: (لو عددت أيام مشيي بالمشرق وعددت كتبي التي كتبت هناك بخطي لكانت كتبي أكثر من أيامي بها) (٣) .

стр. 429

ولاشك أن هذا المستوى العلمي الجيد الذي حظي به ابن عائذ هو الذي جعله مصدراً مهماً من مصادر ابن الفرضي، حيث أخذ عنه جزءاً من تاريخ ابن سعيد، وكذلك ما رواه عن الرازي، حيث بين أن العائذي هو الذي أخبر به عنه (١) ، بل ذكر ابن الفرضي أن الأمر تجاوز ذلك حيث قال: (روى لنا من الأخبار والحكايات مالم يكن عند غيره، ولا أدخله أحداً الأندلس قبله ...) (٢) ، ولعل مما شجع ابن الفرضي على كثرة الأخذ منه ما كان يتسم به صاحبنا من كونه حليماً، كريماً، جواباً، شريف النفس مع سلامة دينه وحسن يقينه (٣) . ويبدو أن العائذي لم يكن مصدراً لتلقي المعلومات فحسب، بل كان أيضاً شيخاً ومستشاراً لما يشكل على ابن الفرضي في بعض القضايا التي تتعلق بعدالة الرجال، فحينما تحدث ابن الفرضي عن طاهر بن حزم قال: (وكان ورعاً فاضلاً ذاكرت به العائذي فأثنى عليه وأخبرني ببعض أمره) (٤) ، وحينما يروي عنه يقول قال لي أبو ذكريا يحيى بن مالك بن عائذ (٥) ، أو قال أبو زكريا، ومن القضايا التي أخذها عنه غير ما كان عن الرازي، وابن سعيد، قضية مقتل طاهر بن حزم (٦) ، ووصفه لعيسى بن دينار (٧) كذلك تفسير قوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ (٨) ، حيث روى تفسيرها مسندا إلى علي بن أبي طالب ﵁ (٩) ، كذلك روى عن الإمام أحمد بسند متصل رأيه في معاوية بن صالح (١٠) ، كما روى عنه أخباراً أخرى في قضايا مختلفة (١١) .

стр. 430

كذلك أخذ ابن الفرضي من شيخه عبد الله بن محمد بن القاسم الثغري (١) ، ومن ذلك ما رواه بسند متصل عن فرات بن محمد أن عمر بن عبد العزيز ﵁ أرسل عشرة من التابعين إلى أهل أفريقية ليفقهوهم (٢) ، كذلك روي عنه أنه رأى قبر حنش بن عبد الله الصنعاني بسرقسطة عند باب اليهود غربي المدينة (٣) كما روى عنه أخباراً كثيرة تتعلق بالسير العلمية لعدد من الرجال، وكان منهجه في الروايات التي يأخذها من الثغري أن يذكرها بسند متصل، ومن الأمثلة على ذلك قوله: (أخبرني عبد الله بن محمد بن القاسم الثغري ﵀ قال: نا تميم بن محمد الأفريقي قال: قال أبي سهل بن محمد الوراق الأندلسي كان رجلاً صالحاً حسن الضبط لكتبه، سمعنا منه، وخرج إلى سوسة فسكنها وتوفي بها سنة ست وثلاثمائة) (٤) .

стр. 431

كما أفاد ابن الفرضي من إبراهيم بن محمد الباجي - أحد علماء باجة (١) - كثيراً من الأخبار والمعلومات المتعلقة ببعض علماء مدينة باجة الذين ذكرهم ابن الفرضي ضمن كتابه، ومنهم اسحاق بن عبد ربه (٢) وتمام بن غالب (٣) ، وخلف بن جامع بن حاجب (٤) وإسماعيل بن إبراهيم بن اسحاق (٥) وغيرهم. وهكذا نرى حرص ابن الفرضي على الدقة في اختيار مصادره، حيث أخذ من الباجي ما يتعلق بتاريخ علماء مدينته إذ هو الأقرب إليهم والمطلع على أخبارهم فهو بهذا المنهج لجأ إلى أصحاب الاختصاص فضلاً عن المطلعين وشهود العيان. كذلك أخذ ابن الفرضي من اسماعيل بن اسحاق بن زياد بن أسود والمعروف بابن الطحان المتوفى بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وهو أحد علماء الأندلس المهتمين بالحديث والآثار وأسماء الرجال وأخبار المحدثين (٦) ، كما ذكر ابن الفرضي أنه كان أكثر وقته يصنف الحديث والتاريخ وأن له عدداً من المصنفات وقد نقل عنه وسمع منه كثيرا، كما كان يملي عليه، هذا عدا ما أخذه عنه عن خالد بن سعد (٧) .

стр. 432

ونظراً لكون اسماعيل بن إسحاق قد عاش بعض عمره في مدينة أستجة، فقد أخذ عنه ابن الفرضي بعض ما يتعلق بتاريخ علمائها من أمثال إبراهيم بن حزم (١) ، وأحمد بن محمد بن مسونة (٢) ، وحسان بن عبد الله بن حسان (٣) وغيرهم، وهذا مما يؤكد حرص ابن الفرضي على تحري الدقة في مصادره وأخذ المعلومات من مظانها القريبة. وبالإضافة إلى ما سبق فقد أخذ ابن الفرضي من إسماعيل وبسند متصل كثيراً من الأخبار المتعلقة بعلماء أندلسيين آخرين، ومن ذلك وصايا بقي بن مخلد لمالك بن يحيى القرشي حينما ولي احدى الولايات (٤) ، كما روى عنه مشافهة بعض الأخبار التي سوف نذكرها في الفقرة الخاصة بها - إن شاء الله تعالى -. وكان إسحاق بن سلمة بن لبيب بن بدر القيني أحد علماء ريّة ممن أفاد من كتبهم ابن الفرضي، إذ كان القيني حافظاً لأخبار أهل الأندلس معتنياً بها، حيث جمع كتاباً في أخبار الأندلس أمره بجمعه المستنصر بالله (٥) ، وقد جاءت نقولات ابن الفرضي عن القيني في مواضع مختلفة من كتابه (٦) . ومن الذين أفاد منهم ابن الفرضي عبيد الله بن الوليد بن محمد المعيطي أحد علماء قرطبة، سمع من عدد من علمائها كما كان عالماً بالفتيا حافظاً للأخبار والأشعار، توفي سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة (٧) . وقد جاءت إفادات ابن الفرضي من المعيطي، كإفاداته من الرازي مقتصرة في معظمها على تاريخ سني الوفيات للرجال، إلا أن أخذه عن المعيطي كان أقل من الرازي (٨) .

стр. 433

كذلك أخذ ابن الفرضي من كتابات ابن سعدان (١) التي حبسها بعد موته، ويبدو أنها كانت مؤلفات متعددة تمكن من الاطلاع عليها جميعها، كما توحي بذلك إحالاته عليها حيث قال حين حديثه عند عبد الله بن عباس الخشني: (سمع من محمد بن فطيس رأيت سماعه عليه في بعض كتب ابن سعدان) (٢) ، لكنه لم يصرح سوى بمؤلف واحد هو كتاب فقهاء ريّة حيث قال حينما تحدث عن كل من عمر ابن يحيى (٣) ، وليث بن سباع المزحجي (٤) : ذكره ابن سعدان في فقهاء ريّة، وبالإضافة إلى ذلك فقد كان يقول ذكره ابن سعدان دون تحديد المصدر (٥) ، وبالرغم من تعدد مؤلفات ابن سعدان، وكون ابن الفرضي قد اطلع عليها فإن إفادته منها كانت محدودة، ويبدو أن السبب في ذلك هو كون ابن سعدان لم يحدث وإنما كان منشغلاً بالكتابة والنسخ.

стр. 434

وكان التراث التاريخي للحكم المستنصر بالله (١) ، من المصادر المهمة التي اعتمد عليها ابن الفرضي، وقد جاء هذا التراث على قسمين:

стр. 435

القسم الأول منه، ما كان من تأليف الحكم المستنصر وبخطه، وقد بين ذلك ابن الفرضي حين الإحالة عليه بقوله كتبت ذلك كله من خط المستنصر بالله، أو وجدته بخط المستنصر بالله (١) أمير المؤمنين (٢) ، وكذا قوله:قرأت ذلك بخط المستنصر بالله (٣) ، وكان أحياناً يحدد الكتاب كقوله: قرأت بخط المستنصر بالله في كتاب القضاء (٤) ، أو فيه ذكر القضاة بالأندلس (٥) ، ويبدو أن بعض هذه الاقتباسات كانت من تعليقات وإضافات الحكم على بعض الكتب التي اطلع عليها، إذ يذكر الذهبي أنه: (قلما تجد له كتاباً إلا وله فيه قراءة أو نظر من أي فن كان ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته، ويأتي من ذلك بغرائب لا تكاد توجد) (٦) ، كما يؤيد هذا الأمر ما ذكره ابن الفرضي في بعض إحالاته ومن ذلك قوله حينما تحدث عن عبد الله بن المغلس - أحد علماء وشقة (٧) - (وقرأت بخط المستنصر ﵀ ملحقاً في كتاب ابن حارث) (٨) ، وقوله: (وقرأت في كتاب دفعه إلى أحمد بن عبد الرحيم كان فيه إلحاق بخط أمير المؤمنين المستنصر بالله ﵀ ...) (٩) ، ومن نماذج نقوله من الحكم المستنصر قوله عن موسى بن هارون: (ولي القضاء بعد عبد الله بن

стр. 436

الحسن المعروف بابن السندي، وكان قد سمع الحديث، وكانت له عناية ورحلة وسماع بمكة ومصر، وانصرف من رحلته فلزم قرطبة يطلب العلم ويسمع إلى أن استقضى وذلك سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، كتبت ذلك كله من خط المستنصر بالله- ﵀) (١) . أما القسم الثاني من تراث الحكم المستنصر بالله فيشمل تلك المصنفات التي أمر الحكم بتأليفها، فألفها عدد من الكتاب والمؤرخين تلبية لتلك الرغبة، ومن ذلك ما ألفه محمد بن الحارث الخشني حيث يذكر ابن الفرضي أنه ألف للمستنصر كتباً كثيرة بلغت مائة ديوان، كما جمع له في رجال الأندلس كتاباً أخذ منه ابن الفرضي حين تأليفه لكتابه (٢) ، كما ألف كل من محمد بن أحمد مجموعاً في التاريخ للمستنصر بالله، وخالد ابن سعد ألف له كتاباً في رجال الأندلس (٣) ، وقد أفاد من هذه المؤلفات جميعها كما وضحنا ذلك حين حديثنا عن كل واحد منهم. ويستوحى من خلال استقرائنا لما نقله ابن الفرضي من كتابات الحكم المستنصر أنه كان ذا ملكة علمية وتاريخية جيدة، وأنه كان من مشاهير علماء الأندلس آنذاك، وقد أدرك هذه الحقيقة ابن الآبار، ولهذا قال: (عجباً لابن الفرضي، وابن بشكوال، كيف لم يذكراه) (٤) ، كما قال عنه الذهبي: (غزر علمه، ودق نظره، وكان له يد بيضاء في معرفة الرجال والأنساب والأخبار) (٥) .

стр. 437

كما كانت لابن الفرضي بعض النقولات من كتاب محمد بن حسن الزبيدي (١) والمعروف بطبقات النحويين واللغويين، وذلك فيما يتعلق ببعض العلماء الذين كانت لديهم نزعة علمية في مجال اللغة العربية حيث يعزو إليه بقوله: ذكره (٢) محمد بن حسن الزبيدي أو من كتاب الزبيدي (٣) ، أو ذكرنا ذلك من كتاب (٤) محمد بن حسن الزبيدي، ومن أمثلة ما نقله منه قوله عن إبراهيم بن عبد الله المعافري (وكان مع رواياته للحديث حافظاً اللغة،بصيراً بالشعر مطبوعاً فيه) (٥) ، كما قال عن بكر بن خاطب المرادي (كان ذا علم بالعربية والعروض والحساب، وله تأليف في النحو) (٦) . كذلك أخذ ابن الفرضي من كتابات أبيه ومن ذلك ما ذكره حين حديثه عن مولده حيث قال: (ومولدي سنة أحدى وخمسين وثلاثمائة ... ليلة الثلاثاء لتسعة أيام بقيت من ذي القعدة، وجدت ذلك بخط أبي ﵀ (٧) ، ومنه قوله: (وجدت بخط أبي ﵀ على بعض ما كتبه مات أبي - يعني يوسف بن نصر - رحمة الله عليه ومغفرته - لعشرة بقين من محرم سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة) (٨) .

стр. 438

وبالإضافة إلى هذه الكتب والمؤلفات التاريخية الأندلسية التي اعتمد عليها ابن الفرضي، فقد أخذ - أيضاً - من بعض كتابات مؤرخي المشرق حيث ذكرهم من بين مصادره، وكان من أهمهم خليفة بن خياط (ت٤٠هـ) (١) والواقدي (ت٢٠٧هـ) (٢)

стр. 439

وعبد الغني بن سعيد الأزدي (ت٤٠٩هـ) (١) ، وأحمد بن محمد بن إسماعيل بن المهندس (ت٣٨٥هـ) (٢) ، والإمام البخاري (ت ٢٥٦هـ) (٣) ، وكان اعتماده على هؤلاء المؤرخين حين الحديث عن الشخصيات المشرقية والتي لها علاقة بالمغرب مثل موسى بن نصير (٤) ، وابنه عبد العزيز وغيرهما (٥) من أهل المشرق. كان هذا عرضاً لمصادر ابن الفرضي المكتوبة، والتي اعتمد عليها بنسب متفاوتة في كتابه تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس، وقد بدا لنا من خلال هذا العرض ما يلي: - أن هذه المصادر كانت كثيرة ومتنوعة، وأن ابن الفرضي قد أحسن اختيارها أذ إنها تعد من أفضل ما كتب عن تاريخ الأندلس في تلك الفترة، وأن معظمها كان لعلماء يعدون من كبار علماء الأندلس آنذاك.

стр. 440

- حسن اختيار ابن الفرضي لمصادره حيث كان يعتمد على مصادر متخصصة علمياً أو جغرافياً حسب الأشخاص المتحدث عنهم فالمهتمون بالحديث يرجع فيهم إلى كتب الرجال، وذوي الأدب واللغة إلى من اهتموا بهذا الأمر وهكذا، بل إنه ربما اختار مصدرًا دقيقًا لتحديد جزئية من تاريخ الأشخاص كاعتماده على الأسدي في تحديد سنة الوفاة،كذلك اعتماده على الرازي فيما يتعلق بالعلماء الذين جاؤوا من مصر وهكذا. - أنه كان لديه همة قوية، ونفس واسع في تتبع المصادر والحصول على ما يريد منها مع الدقة والأمانة في الرصد والنقل، ولهذا تراه كثيراً ما يقول: رواه فلان عن فلان، أو عن فلان، وذكر بعضه فلان، أو وجدت بعضه عند فلان، وغيرها من العبارات التي تؤكد طول نفسه، وأمانته في الرصد والنقل. - نقده لما ينقل فقد كان لا يأخذ كل ما تذكره المصادر التاريخية على أنه قضايا مسلم بها لا تحتمل الخطأ أو التحريف والزلل، ولهذا نقد بعض ما ذكرته مصادره، كما سيبدو هذا واضحاً في آخر هذا البحث -إن شاء الله تعالى -. ب - الاستكتاب: من المعلوم أن المكاتبة من أساليب التحمل والأداء عند علماء المسلمين، وقد نهج هذا الأسلوب علماء الحديث وبعض المؤرخين المسلمين كالطبري ﵀ في تاريخه فقد حصل على جزء كبير من مادته العلمية بواسطة الاستكتاب (١) .

стр. 441

وقد كانت المكاتبة والاستكتاب من الوسائل المهمة التي نهجها ابن الفرضي في جمع مادته العلمية، ذلك أنه وبالرغم من كثرة المصادر المكتوبة التي اعتمد عليها فإنه لم يجد فيها كل ما يريد من معلومات وأخبار، كما أنه لم يستطع الإحاطة بكل ما حوله، أو استيعابه، بل حتى تصور بعض الجزئيات لاسيما وأن موضوعه متشعب إذ هو متعلق بجزئيات دقيقة من سير مئات الأفراد الذين ربما كان بعضهم في عداد المجاهيل، ولهذه الأسباب وغيرها نهج ابن الفرضي أسلوباً آخر في جمع مادته العلمية وهو المكاتبة والاستكتاب، حرصاً منه على الحصول على بعض الجزئيات التي لم يتمكن من الوصول إليها عبر المصادر المكتوبة، أو المسموعة، أو المشاهدة. ومن خلال استقرائنا لما خلفه ابن الفرضي يتبين لنا أنه كانت له أساليبه، وطرقه المتعددة في الحصول على مادته العلمية عبر هذا النوع من المصادر، ومن أهمها ما يلي: أنه كان يرسل كتباً متضمنة بعض الأسئلة والاستفسارات حول قضية معينة إلى أشخاص بعيدين عنه فيأتيه الرد مكتوباً متضمناً الجواب على سؤاله أو أسئلته، ومن ذلك قوله حينما تحدث عن الحكم بن إبراهيم بن محمد بن عابس المرادي حيث قال: (كتب إليّ يخبرني أن مولده سنة اثنتي عشرة، وأنه سمع بسرقسطة من أيوب بن معاوية، ومحمد ابن عبد الرحمن الزيادي بوشقة من عبد الله بن الحسن بن السندي ...) (١) . وكذلك قوله: (وكتب إلي بخط يده - يعني عبد الرحمن التجيبي - يذكر أنه ولد يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة) (٢) ، ومن ذلك قوله: (وأخبرنا الحسن بن إسماعيل، وكتب لي بخطه قال: نا عمر بن الربيع بن سلمان قال: حدثني أحمد بن إبراهيم قال: أنشدني طالب بن عصمة الأندلسي يمدح مالك بن أنس: إمام الورى في الهدى والسمت مالك وفي الفقه والآثار ما إن يُداركُ فآراؤه في الفقه يسطع نورها

стр. 442

وتسهل في إيضاحهن المسالك وآثاره بهدى العباد وميضها لعمري: كم تهدي النجوم الشوابك له من ذرى العلم السنام وشلوه وفي سائر الناس الشظى والسنابك (١) وقد تكررت (٢) هذه العبارة بصيغ متقاربة توحي كلها بأن ابن الفرضي كان يكاتب بعض الأشخاص بحثاً عن مادته العلمية، فيكتبون إليه بما طلب عن حياتهم الشخصية أو غيرها. يبدو أن ابن الفرضي لم يكتف بالإجابة الشفوية بل كان يجمع بينهما وبين الإجابة الخطية ومن الأمثلة على ذلك قوله حينما تحدث عن وفاة عبد الله بن إدريس إذ قال: (قاله سليمان بن أيوب وكتبه لي بخطه) (٣) ، وكذلك قوله: (قال لي سليمان بن أيوب: توفي سنة سبع وعشرين وثلاث مائة وكتبه لي سليمان) (٤) ، أو قد يطلب ابن الفرضي أن يملي عليه صاحب الشأن مثل قوله: (أملي علي نسبه) (٥) يعني يحيى ابن هذيل.

стр. 443

كان ابن الفرضي يكاتب مع أشخاصٍ آخرين بحثاً عن مسألة علمية، أو سؤال عن قضية معينة، وكانت الإجابات ترد عليهم بصيغة الجمع من صاحب الشأن، وقد أورد ابن الفرضي نماذج عديدة لهذا الأسلوب من الاستكتاب مثل قوله: (كتب إلينا الحكم بن محمد المرادي يخبرنا أنه سمع من أيوب بن سلمان بن معاوية ...) (١) ، وقوله: (توفي ثمان وثلاثين وثلاثمائة - يعني حسن بن عبد الله التميمي- كتب إلينا بذلك وليد بن عبد الملك القاضي) (٢) ، وقوله: (وقال أبو العباس بن وليد بن عبد الملك في كتابه إلينا عميرة محمد بن مروان ... مولى مروان بن الحكم) (٣) ، وقد أورد ابن الفرضي نماذج كثيرة لهذا النوع من الاستكتاب، وهذا مما يدل على حرصه في البحث عن مادته العلمية، ودقته في رصدها (٤) . كانت هذه أهم الطرق التي نهجها ابن الفرضي في استكتابه لعدد من الأشخاص من أجل الحصول على بعض الثغرات المتعلقة بمادته العلمية، ولا شك أن هذا الأسلوب في جمع مادته العلمية يؤكد حرصه الشديد على تتبع ضالته حسب مظانها ومواقعها؛ مهما كانت الوسائل والمتاعب الناتجة عن ذلك. ج - اللوحات والوثائق المادية: يعتبر هذا النوع من المصادر المهمة، وذلك لأن الكاتب أو المؤرخ حينما يعتمد عليها في أخذ مادته العلمية لا يتعامل مع مجهول بل إنه أمام دليل مادي يدل ضمناً أو صراحة على ما يريد الباحث أو المؤرخ، وهذه الدلالة تكون غالباً حسب ظاهرها غير قابلة للتأويل، أو التحريف أو غيرها من آفات نقل الأخبار، ولهذا عد كثير من الكتاب هذا النوع بأنه من أهم أنواع المصادر، وذلك لأنه شاهد ثابت لا يمكن أن يتأثر بآفات النقل والرواية.

стр. 444

ولما كان ابن الفرضي قد عاصر كثيراً من الرجال الذين كتب عنهم كما أنهم - أيضاً - قد نشأوا وعاشوا في بلاد الأندلس فإنه بهذا يكون قد عايش الإطارين الزماني والمكاني لموضوع كتابه، وهذا مكنه من الاطلاع، ومشاهدة بعض الوثائق المادية التي أعانته في الحصول على بعض ما يريد، وقد كانت اللوحات المكتوبة على القبور من أهم هذا النوع حيث حددت له سني وفيات عدد من العلماء وهو مهم عنده إذ يتوقف عليه قضايا هامة في الرواية والسماع عند المحدثين، ذلك أن معرفة وفاة الشيخ تبين مدى إمكانية معاصرة الرجال، ومقابلتهم لبعضهم. ويبدو أن كتابة تاريخ الوفاة على القبور كانت من العادات المعمول بها عند مسلمي الأندلس آنذاك، ولهذا أفاد منها ابن الفرضي كثيراً، حيث يذكر ذلك بعد ذكره لسنة الوفاة إذ يقول: (قرأت تاريخ وفاته مكتوباً على قبره) (١) ، أو يقول: (قرأت تاريخ وفاته في لوح على قبره) (٢) ، أو: (قرأت هذا التاريخ من لوح مكتوب على قبره) (٣) ، بل قد يكون نقله أكثر من هذا مثل قوله حينما ذكر وفاة محمد بن أحمد التراس: (قرأت على قبره مكتوباً توفي محمد بن أحمد التراس ليلة الجمعة، ودفن يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة) (٤) ، كما أنه قد يجمع بين الرواية الشفوية، وخبر الوثيقة المادي فهو حينما ذكر وفاة علي بن عبد القادر القلاعي قال: (أخبرني بذلك الباجي، وقرأته مكتوباً على قبره) (٥) .

стр. 445

وبالإضافة إلى اللوحات على القبور فإن ابن الفرضي قد أفاد أيضاً من بعض الوثائق المادية الأخرى مثل وثائق المبايعات ومن ذلك قوله عن محارب بن قطن: (ورأيت شهادته في وثيقة تاريخها للنصف من ربيع الأول سنة أحدى وثمانين ومائتين) (١) ، وهو حينما ذكر هذه الوثيقة يرد بها على خالد بن سعيد الذي ذكر بأن وفاة محارب كانت سنة ست وخمسين ومائتين (٢) ، وهكذا اعتمد ابن الفرضي ما جاء في تلك الوثيقة وقدمه على ما ذكره خالد لأنها في نظرة أدق وأوثق، ومن الأمثلة على ذلك -أيضاً- قوله حين حديثه عن إبراهيم بن علي الصوفي - أحد الغرباء الذين قدموا إلى الأندلس -: (وكان أبو اسحاق هذا - يعني إبراهيم - أحد من له الإجابات الظاهرة ... حدثنا عنه سهل بن إبراهيم بصك كتبه لي بخطه) (٣) . وبالرغم من محدودية هذا النوع من المصادر عند ابن الفرضي إلا أنها كانت مصدراً مهماً لوضوحه ودقة دلالته، فضلاً عن سرعة الوصول إليه. ثانياً: مصادر المعاينة والمعايشة والمشاهدة:

стр. 446

إن معاصرة ومعايشة ابن الفرضي لعدد من العلماء الذين كتب عنهم مكنته من الاحتكاك بهم والعيش معهم ومخالطتهم، إما في المنتديات والمناسبات الاجتماعية، أو في حلقات الدروس وأماكن طلب العلم، أو في غيرها من المواقع، وهذا ما جعله شاهد عيان لكثير من القضايا التي تحدث عنها عند عدد من العلماء سواء أكانت مشاهدته تتعلق بالصفات النفسية أو الخلقية، أو الاجتماعية، أو المواهب والصفات الخلقية، أو المشاهد والتجمعات البشرية في المناسبات المختلقة حيث قام برصد كل هذه المشاهدات ثم تدوينها ضمن حديثه عن أصحابها، وقد كان هذا النوع من المصادر موضع اعتبار عند ابن الفرضي حيث كان يعده من مصادره المهمة وذكره كما يذكر غيره من أنواع المصادر فهو يقول عن حكم بن محمد المقري: (وشهدته يقرأ ويقرئ..) (١) . وكانت الصفات الخَلْقية والخُلُقيّة من أهم ما رصده أثناء معايشته ومشاهدته لعدد من العلماء حيث دونها ضمن كتاباته عنهم فقد قال مثلاً عن محمد بن إبراهيم القرشي: (جالسته فرأيته نبيلاً ...) (٢) ، كما قال عن محمد بن يحيى بن رطال: (وكان شيخاً مسمتاً جميلاً، وقوراً، حليماً، متواضعاً كثير الصيام ... وكان باطنه كظاهره سلامة ونزاهة ...) (٣) ، وقريباً من ذلك قوله عن محمد بن إسحاق بن السليم إذ قال عنه: (وكان لين الكلمة سهل الخلق متواضعاً) (٤) ، وعن محمد بن إسحاق بن مسرة قال: (وكان قادراً، خيراً، عفيفاً ضابطاً لنفسه، متسمناً وقوراً، ما رأيت في أصحابنا مثله ليناً وطهارة، وأدباً) (٥) .

стр. 447

ولم تكن الصفات الحسنة هي التي كان يرصدها بل تجاوز ذلك إلى الصفات السيئة، ومن ذلك قوله عن محمد بن أحمد بن أصبغ: (وكان كثير الملق، شديد التعظيم لأهل الدنيا مفرطاً في ذلك) (١) . أما سعيد بن محمد بن مسلمة بن تبرى فقال عنه: (وكان شديد الأذى بلسانه بذيئاً ثلابة يتوقاه الناس على أعراضهم) (٢) ، كما قال عن محمد بن يبقى بن مسلم: (وكانت منه سلامة تجوز عليه بها مالا يجوز على أهل اليقظة من قبول المدح مواجهة واستحسان الاطراء - عفا الله عنا وعنه -) (٣) . كانت هذه نماذج لما رصده ابن الفرضي لبعض الصفات الخُلُقيّة عند بعض علماء الأندلس ومن يستقرئ ما ذكره يجد أنه كان ذا ملكة قوية، وحس مرهف، مكنه من رصد كل ما شاهده بدقة متناهية. كما كانت الصفات الجسمية من ضمن ما رصده أثناء معايشته ومشاهدته لعدد من العلماء، ومن ذلك قوله عن أصبغ بن قاسم: (وكان وسيماً جسيماً) (٤) ، وعن محمد ابن محمد بن أبي دليم: (وكان ضرورة لا يطأ النساء، ولم يتداوى قط ولا احتجم) (٥) ، كما قال عن سعيد بن حمدون الصوفي: (وكان أعور) (٦) .

стр. 448

كما استبان لابن الفرضي من خلال معايشته ولقاءاته شيء من المواهب والنزعات العلمية، أو العقدية عند بعض الرجال، فمن ذلك قوله عن عبد الله بن محمد الثغري: (وكان فقيهاً فاضلاً، ديناً ورعاً، صليباً في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، ما كنا نشبهه إلا بسفيان الثوري في زمانه ...) (١) ، ومن ذلك قوله عن محمد بن عيسى المعافري: (سمعته يخطب مراراً، وكان يتقعّر في خطبته، وتكلف في الاسجاع، وكان مع ذلك يدعي ارتجالها، وكان شعره ضرباً من خطبه جالسته وكان لا يحدث) (٢) ، كذلك قال عن محمد ابن عبد الله المعلم: (وكان شيخاً تائهاً لا معرفة عنده، وقد كتب عنه قوم حدثهم عن جده، ولو أراد أن يحدثهم عن نوح لفعل) (٣) كما وصف خلف بن محمد الخولاني (بأنه كان ضعيف الكتابة) (٤) ، وقال عن شيخه عبد الله بن محمد التجيبي المتوفى سنة ٣٩٠هـ: (وكان ضعيف الخط ربما أخل بالهجاء) (٥) ، هكذا استطاع ابن الفرضي التعرف على صفات الرجال ونزعاتهم العلمية حيث وقف على الكثير منها بنفسه أثناء معايشته لهم، وهذا مما أعطى كتاباته قيمة علمية لاسيما حينما تقارن بكتب التراجم التي جاءت بعدها.

стр. 449

كذلك أفاد من معايشته لبعض الأشخاص التعرف على نزعاتهم العقدية، فقد اتهم محمد بن عبد الله القيسي بالانتماء إلى مذهب ابن مسرة لكن ابن الفرضي رد هذه التهمة بقوله: (وقد كان ظاهره ظاهر إيمان وسلامة) (١) ، وهذا الحكم عليه إنما صدر من ابن الفرضي بعد معايشته لهذا الرجل وتعرفه على نزعاته العقدية.. كذلك أفاد من مجالسته لبعض العلماء الاطلاع على الوجاهة العلمية لبعضهم ومن ذلك مشاهدته للرسائل التي كانت تصل للفقيه يوسف بن يحيى الأزدي حيث قال: (فرأيته قد جاءته كتب كثيرة نحو المائة كتاب من جماعة من أهل مصر بعضهم يسأله الإجازة، وبعضهم يسأله في كتابه الرجوع إليهم) (٢) . وكان ابن الفرضي يحرص على حضور المناسبات الاجتماعية ولعل من أبرز ما دونه حول هذا الموضوع حضوره لمناسبات الجنائز حيث استطاع من خلال هذا الحضور رصد بعض المعلومات المهمة عن بعض الأشخاص، ومن ذلك عمر المتوفى، وقدره العلمي والاجتماعي، ومن صلى عليه، ومتى، وأين دفن، يقول عن حضوره لجنازة إسماعيل بن اسحاق المعروف بابن الطحان: (توفي - عفا الله عنه - ليلة السبت ودفن يوم السبت بعد صلاة العصر في مقبرة قريش آخر يوم من صفر سنة اربع وثمانين وثلاثمائة، وصلى عليه قاضي الجماعة محمد بن يحيى بن زكريا التميمي، وشهدت جنازته وشهدها معنا ألوفُ من المسلمين، وكان الثناء عليه حسناً جداً) (٣) .

стр. 450

كما قال عن خلصة ببن موسى الزاهد (وتوفي ﵀ ليلة الأربعاء لخمس بقين من رجب سنة ست وسبعين وثلاثمائة، ودفن في مقبرة الربض، وصلى عليه محمد بن يبقى القاضي وشهدت جنازته، ولا أعلمني شهدت أعظم حفلاً منها، ولم يكن من أهل العلم) (١) كذلك قال بعد أن ذكر المعلومات المهمة عن وفاة عبد الله بن محمد بن عبد الله (شهدت موته ﵀ وغسله، ودفنه) (٢) ، كما بين أنه شهد جنازة محمد بن يبقى بن زرب وأنه شهدها جماعة من المسلمين وأن الثناء عليه كان حسناً. وبهذا العرض استبان لنا أن ابن الفرضي قد سخر كل إمكاناته بل كل أحاسيسه ومداركه من أجل رصد تاريخ كثير من الرجال الذين عايشهم، ثم تدوينها ضمن سجلهم لتبقى جزءاً مهماً من تاريخهم لها أهميتها باعتبارها صادرة من شاهد عيان عايشها، بل ربما شارك في بعض أحداثها كما أتيحت له فرصة السؤال عما يشكل عليه في بعض الأشخاص (٣) . ثالثاً: المصادر الشفهية: لما كان ابن الفرضي قد عاصر جمعاً كبيراً من الشخصيات العلمية الأندلسية التي كتب عنها سواء أكانوا من شيوخه، أو زملائه وأقرانه، أو طلابه وتلاميذه، أو غيرهم ممن احتك بهم وتحدث إليهم، وتحدثوا له، فإنه قد أفاد منهم في جمع مادته العلمية عن طريق الرواية الشفهية التي سمعها منهم.

стр. 451

هكذا اتسعت دائرة المصادر الشفوية عند ابن الفرضي وقد وضح ذلك بعدة صيغ وعبارات مثل قوله: سمعت، أو قال لي، أو أخبرني بذلك فلان، وهذه العبارات كلها تدل على السماع والمشافهة، وسنذكر فيما يلي نماذج لهذا النوع من مصادر ابن الفرضي، فأما سمعت فقد وردت كثيراً في كتابه حيث استخدمها في رواياته ومقتبساته من شيوخه وأقرانه ومعاصريه، وكان كثيراً ما يذكرها حينما يُقوّم الرجال والرواة أو يتحدث عن صفات الرجال ومن ذلك قوله: (سمعت أبا بكر بن أصبغ يثني عليه، ويشهد له بالسماع - يعني عبد الله بن داود -) (١) و (سمعت عبيد الله بن الوليد بن المعيطي يثني عليه ويصفه بالمروءة وسمعت اسماعيل يثني عليه أيضاً - يعني عيسى بن خلف الخولاني -) (٢) ، وكذلك (سمعت محمد بن يحيى بن عبد العزيز يقول: كان محمد بن أيمن إماماً روى الناس عنه كثيراً ومنها قوله: سمعت أبا محمد الباجي يقول فيه - يعني ابن دليم - من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة - إن شاء الله - فلينظر إلى ابن أبي دليم، وسمعت محمد ابن يحيى بن عبد العزيز ﵀ يقول: كل من أصحابنا كانت له صبوة ما خلا محمد بن محمد بن أبي دليم فإن عرفته من صغره زاهداً) (٣) ، وقد تكررت هذه العبارة عند ابن الفرضي كثيراً حينما يتحدث عن صفات الرجال سواء في المدح، أو القدح، وهذا مما يدل على حرصه في التوثق من مصادره لا سيما فيما يتعلق بجرح الرجال أو تعديلهم (٤) لأنه فيما يبدو كان يعد هذا المصدر من أوثق المصادر لديه، ومن ذلك قوله حين حديثه عن أصبغ بن خليل كان معادياً للآثار، شديد التعصب للرأي، سمعت محمد بن أحمد بن يحيى يقول: سمعت قاسم بن أصبغ يقول: (سمعت أصبغ ابن خليل يقول: لأن يكون في

стр. 452

تابوتي رأس خنزير أحب إلي من أن يكون فيه مسند (١) ابن أبي شيبة) (٢) ، وكذلك قوله عن عبد الملك بن هذيل: (سمعت محمد بن أحمد يسئ القول فيه فينسبه إلى الضعف) (٣) ، كما روى لنا عن طريق السماع شمائل بعض الأشخاص ومن ذلك قوله عن محارب بن الحكم الاسكافي سمعت إسماعيل يقول فيه: (أنه مجاب الدعوة وخرج إلى أرض الحرب مجاهداً في غزوة ... فمنحه الله الشهادة ...) (٤) . وكان أحياناً لا يحدد مصدر سماعه مثل قوله سمعت بعض أصحاب خالد يقول: (أن أمير المؤمنين المستنصر بالله كان يقول: إذا فاخرنا أهل المشرق بيحيى بن معين فاخرناهم بخالد بن سعد) (٥) .

стр. 453

ولم يكن ابن الفرضي يقصر هذا السماع على الشيوخ أو طلاب العلم بل إنه ربما أخذه من غيرهم كقوله: (سمعت بعضهم يذكره) (١) ، أو قوله: (سمعت أبي يصفه بالذكاء) (٢) ، أو (سمعت هذا الخبر من أبي ﵀) (٣) . وأما قال لي فإن هذه العبارة توحي بأن القول خاص بابن الفرضي مما قد يجعله ينفرد بها عن غيره من الرواة بخلاف سمعت فإنه قد يكون شاركه أحد فيه، وقد أورد ابن الفرضي هذه العبارة كثيراً وكانت في الغالب إجابة لسؤال وجهه ابن الفرضي لشخص ما يسأله عن معلومة تتعلق بشخص معين لاسيما في تحديد سنة الوفاة أو المولد حيث يقول: قال لي فلان ولدت (٤) ، أو (قال لي ابنه أو صديقه أو غيرهما توفي فلان) (٥) ، كما نلاحظ أن هذه العبارة وردت إجابة على سؤال وجهه ابن الفرضي لأحد الذين قدموا من رحلتهم العلمية إلى المشرق، وكان يتوقع أن لديهم إجابة على أشكال معين لديه (٦) . كذلك وردت هذه العبارة إجابة على سؤال في تعديل الرجال، أو جرحهم مثل قوله عن محمد بن عيسى بن رفاعة: (قال لي محمد بن أحمد هو كذاب ...) (٧) ، وقوله عن محمد بن جنادة الأشبيلي: (قال لي العباس بن أصبغ: سمعت محمد بن قاسم يثني على محمد بن جناده ...) (٨) .

стр. 454

وهذا المنهج في تلقي المعلومات له ميزة عن غيره إذا أنه ربما حصلت فيه محاورة بين القائل والمستمع يتم من خلالها الحصول على مزيد من المعلومات، ومن ذلك قوله: (قال لي العباس بن أصبغ: قال لنا محمد بن عبد الملك بن أيمن كان يحيى بن قاسم بن هلال أحد العباد المجتهدين،كان يصوم حتى يحتضر، وهو صاحب الشجرة. قلت للعباس: ما معنى الشجرة؟ قال: كانت في داره شجرة تسجد لسجوده، إذا سجد ...) (١) . ومن الأمثلة على ذلك ما قيل لابن الفرضي عن عبد الله الزجالي من مدح وتزكيته وأن عائذاً قال له ما أعرف أحداً يصلح للقضاء غيره فذكر هذا الأمر لسليمان بن أيوب فقال له: (كان أولى بالقضاء من ابن أبي عيسى: ومن منذر ومن غيرهما، ثم قال لي: هذا الذكر يغار له الناس) (٢) . كذلك استخدم ابن الفرضي عبارة أخبرني، أو أخبرنا ومعظم الروايات التي ساقاها هنا مصدرها أحد قرابة المتحدث عنهم، وهي متعلقة بتاريخ وفاته (٣) ، وهذا يدل على حرصه في أخذ المعلومات والأخبار من مصادرها القريبة والمطلعة، وهكذا نرى أن الصيغ التي استخدمها ابن الفرضي في نقل معلوماته في كتابه تاريخ العلماء هي الصيغ المستخدمة عند المحدثين مما يؤكد أثر ثقافته في العلوم الشرعية على ثقافته العامة واتجاهات التأليف الأخرى لديه لا سيما في ميدان التأريخ.

стр. 455

كما أورد ابن الفرضي بعد هذه العبارة أخباراً أخرى تتعلق بالمولد (١) ، أو الإجازة (٢) ، أو الثناء على الرجال (٣) أو غيرها، وكان ابن الفرضي يحدد مكان تلقيه الخبر الشفوي مثل قوله حينما ذكر وفاة أبي الفرج عبدوس بن محمد بن عبدوس: (أخبرني بوفاته عبيد بن محمد الشيخ الصالح نعاه إليّ في داره) (٤) . كان هذا عرضاً لمصادر ابن الفرضي الشفوية، وقد بدا لنا من خلال استقراء نصوصها ما يلي: - أن مصدر الرواية الشفوية عند ابن الفرضي كانوا إما شيوخه غالباً أو أقرانه ومعاصريه من أقارب المتحدث عنهم، وكان أشهر من روى عنهم من شيوخه يحيى بن مالك العائذي، ومحمد بن أحمد بن محمد بن مفرج، وأحمد بن عبد الله بن عبد البصير، وخطاب بن مسلمة بن بتري، وسهل بن إبراهيم بن سهل أبو القاسم، وعبد الله بن محمد ابن القاسم الثغري، وقاسم بن محمد بن أصبغ، ومجاهد بن أصبغ البجاني، ومحمد بن عمرو الأسدي، ومحمد بن محمد بن أبي دليم، ويحيى بن هذيل بن عبد الملك، وعباس ابن أصبغ الحجازي، وعبد الله بن محمد الباجي وغيرهم. - أن ابن الفرضي كان أحياناً لا يحدد مصدر تلقيه الخبر الشفوي بل يقول أخبرني بذلك من كتب عنه أوسمع منه أو بعض أقاربه وغيرها من العبارات، بل أنه ربما كان أكثر تعميماً حين يقول ويحكي أنه ... (٥) ، كما أنه قد يجمع بين صيغتي أداء الخبر كأن يقول: وأخبرني وسمعت فلانا (٦) ، وقد يجمع بين الرواية الشفوية والمكتوبة (٧) .

стр. 456

- مما يميز هذا النوع من المصادر أن ابن الفرضي لا يتعامل مع مصادر جامدة، بل إنه يتعامل مع رجال قد استوعبوا ما يقولون، وعايشوه كما عايشوا من ينقلون إليه الخبر، ولهذا سنحت فرصة للسؤال والمناقشة بين الطرفين لما قد يشكل حول الخبر المنقول، ومن الأمثلة على ذلك قوله حينما تحدث عن خالد بن سعد: (وكان إسماعيل يرفع به جداً ... وسألت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عن خالد هل كان بحيث يضعه إسماعيل من العلم بالحديث؟ فقال لي: أعور بين عميان...) (١) ، وكذلك قوله عن مسلمة بن القاسم: (وسمعت من ينسبه إلى الكذب وسألت محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عنه فقال لي لم يكن كذاباً، ولكن كان ضعيف العقل) (٢) .

стр. 457

بل إن المصادر الشفوية ربما كانت معينة في تفسير وكشف غموض بعض ما يرد في المصادر المكتوبة، ومن الأمثلة على ذلك قول ابن الفرضي عن مروان بن عبد الملك الفخار: (وقرأت بخط أحمد بن محمد بن عبد البر قال: قال لي أحمد بن خالد: كان مروان الفخار ساكناً بأقريطش (١) وكان أصله من هنا، كان جاراً لبقي بن مخلد، قال: وكان له عشرين جارية تساوي كل جارية خمسمائة دينار: ولقد كانت له صبية تخرج إلى الفرن، وكانت ربما تأتيني بهدية يبعثها إلي فلقد كنت أتمنى أن تكون لي ... ولقد قال لي: أن لي اليوم عشرين سنة ما أبيت إلا في ثيابي بعمامتي كما تراني وما أمس واحدة منهم، قلت لأحمد ابن كم؟ قال ابن ستين أو أكثر منها، قلت لأحمد: فعلى مروان كانت تدور فتيا أهل أقريطش؟ ، قال لي نعم، قلت له: وكان يحسن الفتيا؟ قال: كذا قال: ولقد جادلني يوماً في مسألة وكان فيها المخطئ، ...) (٢) . وبهذا يتبين لنا أن المصادر الشفوية كانت من المصادر المهمة عند ابن الفرضي، بل إنه وبحكم معايشته لكثير من رواتها وأحداثها أفاد منها كثيراً، ولعل جرأة ابن الفرضي ومكانته العلمية فضلاً عن مواهبه العلمية والثقافة مما ساعده على ذلك ومكنه من السؤال عما أشكل والتحري عن الراوي والمروي عنه. ...

стр. 458

كان هذا عرضاً لمصادر ابن الفرضي وطرق تلقيه الأخبار حين تدوين كتابه تاريخ علماء الأندلس، وبالإضافة إلى هذه المصادر التي صرح بها وذكرها، فقد اعتمد أيضاً على مصادر أخرى غير محددة أو منسوبة إلى شخص معين مثل قوله: ذكر أو أخبرني بعض أصحابنا (١) ، أو بعض أهله (٢) ، أو أهل موضعه (٣) أو من أثق به (٤) أو أهل العلم (٥) ، أو غير واحد (٦) ، أو جماعة (٧) ، أو بعض الشيوخ (٨) ، أو بعض من كتب عنه (٩) ، أو كتب عنه وسمع منه (١٠) ، أو من سمع (١١) وغيرها من العبارات التي توحي بأخذ ابن الفرضي من مصدره مباشرة، لكنه لم يحدده باسمه إما لدواعي الاختصار، وهو منهج عمل به كثيراً في التعامل مع مصادره وأسانيدها، وقد يكون الغرض كثرة من تلقى عنهم الخبر بدرجة أن الرواية أصبحت متواترة لديه مما جعله لا يرى حاجة إلى تحديد مصدرها، بل إن هذا الشعور جعله أحياناً لا يحدد مصدره، بل يقول فيما بلغني (١٢) أو ويحكى (١٣) ، وهكذا تبدو لنا دقة ابن الفرضي في التعامل مع مصادره، حيث كان ينسب الأقوال إلى أصحابها، بل إنه كان حينما يسمع الخبر من مصادر متعددة يوضح ذلك حيث ينسب كل جزئية إلى قائلها ومن ذلك قوله حينما تحدث عن عبد الرحمن بن صفوان: (ذكر بعض أمره خالد، وبعضه من كتاب ابن حارث، وكتبت نسبه من كتاب محمد بن أحمد (١٤) .

стр. 459

حاسة النقد التاريخي عند ابن الفرضي وأثرها على موقفه من مصادره: إن ابن الفرضي العالم، الحافظ، الراوية، المحدث، الفقيه، القاضي، الناقد قد تعامل مع مصادره المختلفة حسبما يقتضيه المنهج العلمي لمن هو بمثل هذا المستوى من النضج العلمي، إذ أن هذه المزايا العلمية، وتلك المواهب، والقدرات الشخصية قد مكنته من الإحاطة بمصادره والتعامل معها بصدق وأمانة، حيث ينسب الروايات والأخبار إلى مصادرها، أو قائليها في الأعم الغالب، كما أنه - أحياناً - لا يكتفي بالنقل بل يناقش، ويحلل بعض الروايات معتمداً في ذلك على الدليل والحجة سواء أكانت نقلية، أو استنباطية، ويدرك من يتتبع هذا المنهج التحليلي عند ابن الفرضي أن حاسة النقد التاريخي كانت لديه قوية، وقد بدا هذا واضحاً خلال تعامله مع مصادره إذ لم يكن يقبل كل ما ذكرته المصادر على أنه قضايا مسلم بها، بل كان يحلل ويناقش، كما كان ينتقد ويرد بعض الروايات والأخبار، ومن خلال تتبعنا لهذا المنهج بدت لنا القضايا التالية:

стр. 460

- أنه يحلل ويناقش بعض الروايات والأحاديث التي يسوقها والتي قد يبدو عليها الضعف أو الاختلاق، ويبين رأيه فيها، ومن ذلك قوله: (أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي دليم ومحمد ابن يحيى بن عبد العزيز قالا: نا أحمد بن خالد قال: نا محمد بن وضاح قال: نا آدم بن أبي إياس العسقلاني قال: نا أبو محمد قتيبة عن أبيه عن شيبان عن أبي طبية الجرجاني قال: قال رسول الله ش من رابط بعسقلان ليلة، ثم مات بعد ذلك بستين سنة مات شهيداً، وإن مات في أرض الشرك) (١) ، وقد علق ابن الفرضي على هذا الحديث بقوله: (قال عبد الله ابن محمد - يعني نفسه-: وهذا الحديث منكر جداً) (٢) .كما روى عن محمد بن منصور المرادي الأندلسي قوله: (أخبرنا أبو زكريا العائذي قال: نا الحسن بن رشيق قال: نا أبو بكر محمد بن منصور المرادي الأندلسي قال: نا أبو إسماعيل الأيلي حفص بن عمر، قال: حدثني ثور بن يزيد عن يزيد بن مرثد، عن أبي رهم قال: سمعت رسول الله ش يقول: " إذا رجع أحدكم من سفره فليرجع إلى أهله بهدية فإن لم يجد إلا أن يلقى في مخلاته حجراً أو حزمة حطب فإن ذلك مما يعجبهم " (٣) . وقد علق على هذا الحديث بقوله: قال عبد الله بن محمد - يعني نفسه-، وهذا الحديث باطل (٤) . لكنه لم يوضح سبب رد الحديث هل هو لعلة في الإسناد أو المتن، ويبدو أنه هنا اكتفى بمنهج بعض المؤرخين بينما يقتضي منهج أهل الحديث ذكر السبب والعلة حتى يقبل كلامه ويؤخذ بما قاله.
следующие страницы →