← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

٤- حديث معاذ، وذكره الزيلعي في نصب الراية قال: رواه نهشل في تاريخ واسط، حدّثنا إسماعيل بن عيسى ثنا عمران بن أبان ثنا شعبة عن عمرو بن أبي حكيم عن عبد الله ابن بريدة عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي عن معاذ بن جبلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان يعلو ولا يُعلى)) (٤٠) . قال الألباني ﵀: (ذكره الزيلعي وسكتَ عنه، وتبعه الحافظ. وإسناده ضعيف؛ من أجل عمران بن أبان، وهو أبو موسى الطحان الواسطي. قال الحافظ في التقريب: ضعيف (٤١)) (٤٢) . قال الألباني: (وبقية رجاله ثقات معروفون غير إسماعيل بن عيسى، وهو بغدادي واسطي وثّقهُ الخطيب وغيره) (٤٣) . والحديث حسن مرفوعاً بمجموع طرقه (٤٤) ، وكذلك صحّ موقوفاً عن ابن عباسٍ ﵄ (٤٥) . ٥- وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ [آل عمران ١٣٩] . قال القرطبي (٤٦) : (في هذه الآية بيان لفضل هذه الأمّة؛ لأنّه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه؛ لأنّه قال لِموسى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه ٦٨] ، وقال لهذه الأمّة: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْن﴾ ، وهذه اللفظة مشتقّة من اسمه الأعلى، فهو سبحانه العلي. وقال للمؤمنين: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْن﴾ ) (٤٧) . ٦- وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون﴾ [البقرة ٢٢١] .

стр. 3922

فالأَمَة المؤمنة خير من المشركة، والذي جعلها أفضل وأعلى هو الإسلام. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُنْكِحُوا المُشْرِكِين﴾ أي: لا تزوّجوهم بالمؤمنات حتى يؤمنوا. قال القرطبي: (وأجمعت الأمة على أنّ المشرك لا يطأ المؤمنة بوجهٍ؛ لِما في ذلك من الغضاضة على الإسلام) (٤٨) . أي: لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى، وهي مُسلِمة، فإذا نكحها المشرك كان عليها غضاضة وعلى دينها. ٧- قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء ١٤١] . قال الشوكاني - مستدلاًّ بهذه الآية على أنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى: ( ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ولو كان للكافر أن يقتصّ من المسلم لَكان في ذلك أعظم سبيل. وقد نفى اللهُ تعالى أن يكونَ له عليه السبيل نفياً مؤكّداً ... ومن ذلك حديث: ((الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه)) ) (٤٩) . قال الشوكاني مرجّحاً مذهب الجمهور في أنه لا يُقتل مسلمٌ بكافر، وأنه لا مساواة في القصاص؛ لحديث: ((لا يُقتل مسلمٌ بكافر..)) (٥٠) ، ولحديث: ((الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه)) ، ويجب على المسلم الدية (٥١) . المبحث الرابع: التطبيقات الفقهية المطلب الأول: في النكاح والفرقة: قال ابن عبد الهادي: (القاعدة الثلاثون: الإسلام يعلو ولا يُعلى) ، وفرّع عليها فقال: (ولا يتزوّج الكافرُ مسلمةً، ولا يوَلَّى على مسلم) (٥٢) . قال القرطبي: (وأجمعت الأمّة على أنّ المشرك لا يطأ المؤمنة بوجهٍ؛ لِما في ذلك من الغضاضة على الإسلام) (٥٣) . أي: لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى. وإذا أسلمت النصرانية أو اليهودية تحت النصراني أو اليهودي يُفرق بينهما، كما أفتى بذلك ابن عباس ﵄، واختاره ابن حزم (٥٤) ، وكذا إذا أسلمَ أحدُ الزوجين وأَصَرَّ الآخَر على الكفر؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى (٥٥) .

стр. 3923

المطلب الثاني: في البيع والإجارة والاسترقاق: ومن المسائل في هذا المطلب: - أن لا يسترقّ كافرٌ مُسْلِماً (٥٦) . - وإذا أسلمَ عبدُ الكافر أُجبِر على بيعه، ولا تصحّ مكاتبته؛ لأنّ فيها استدامةً لملكه عليه (٥٧) . - وكما أنه لا يستديم ملكه عليه لا يستخدمه قهراً بملك اليمين، ذكرهُ السّرخسي في شرح السير الكبير، وقال: (وذلك لقوله ﵊: ((الإسلام يعلو ولا يُعلى)) ) (٥٨) . قال الشوكاني: (والأحاديث.. تدلّ على أنّ عبد الحربي إذا أسلم صارَ حرّاً بإسلامه) (٥٩) . ومن مسائل هذا الباب: أنه يكره للمسلم أن يقبل العمل الذي فيه إهانة عند الكافر. ومِن الفقهاء مَن منعه. وكذا لا يجوز أن يؤجر المسلم نفسه عند كافر لخدمته؛ لأنّ فيه إذلالاً للمسلم وعزّاً للكافر، والمسلمُ أعلى (٦٠) . المطلب الثالث: في أحكام أهل الذمّة والمعاهدة: ومِن فروع هذا الباب التي تندرج تحت هذه القاعدة ما يلي: - أنه لا تجوز الهدنة مع الكفار على ما يبذل لهم من غير ضرورة؛ لأنّ في ذلك إلحاقاً للصَّغار بالإسلام. - وكذا لا يجوز أن يقول لهم الإمام: هادنتُكم ما شئتم، ولا يصحّ العقد؛ لأنّه جعل الكفار محكَّمين على المسلمين. قال الشيرازي: (لِحديث: الإسلام يعلو ولا يُعلى) (٦١) ، وإذا جُعل الكفار مُحكَّمين على المسلمين فإنّ العلوّ يكون لهم، وهذا مخالف للقاعدة.

стр. 3924

- ومِن فروعها: منع أهل الذمّة مِن إحداث بناءٍ يعلو بناءَ جيرانهم من المسلمين. قال ابن عابدين: (مطلب في منعهم من التعلي في البناء على المسلمين) ، ثمّ علل ذلك بأنّ استعلاءه في البناء خلاف الصغار (٦٢) . يعني الوارد في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ [التوبة ٢٩] . - ومنها: منع المساواة في البناء. قال في المهذب: (لأنَّ القصد أن يعلو الإسلام) (٦٣) . - ومنها: منع أهل الذمّة من صدور المجالس، وإلجاؤهم إلى أضيق الطرق (٦٤) . - وكذا منعهم من مساواة المسلمين في لباسهم وشعورهم وركوبهم وبنائهم (٦٥) . - ومنها: أن لا تبنى الكنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب فيها (٦٦) . - ومنها: منعهم من الدعوة إلى الكفر والفساد، فلا يجوز لهم أن يجهروا بكتابهم أو يُظْهِروه (٦٧) ؛ لأنّ الإسلام هو الأعلى، وأنّ دينهم منسوخ، فكيف إذا كانوا يدعون إلى المذاهب الأرضية المنحرفة والقوانين البشرية التي تطلق الحريات وتدعو إلى الفساد في الأرض، فلا ريب في وجوب المنع من انتشار الأفكار البشرية المنحرفة. قال شيخ الإسلام: (ومَن بدّل شرع الأنبياء وابتدع شرعاً فشرعُه باطل لا يجوز اتّباعه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله﴾ ، ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنّهم تمسكوا بشرعٍ مبدلٍ منسوخ) (٦٨) .

стр. 3925

ولا نكره أهل الذمّة على تغيير معتقدهم إذا خضعوا لسلطان الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ ، ولكن نُلزمهم بالأحكام الشرعية العامّة في المعاملات والجنايات وما يلحق بها، وتكون هذه الأحكام ضوابط لتصرّفاتهم كما هي ضوابط لتصرفات المسلمين في دار الإسلام (٦٩) . - ومن المسائل المعاصرة التي تتبع المسألة السابقة في تحريمها والمنع منها: تحريم ما سُمّي بِ (زمالة الأديان) ؛ لأنّ الأديان منسوخة بدين الإسلام، كما أنّ اليهودية والنصرانية وغيرها مبدلة، والزمالة تقتضي النديّة والمساواة، والإسلام أعلى. - ومثلها تحريم وحدة الأديان، وهو الخلط بينها، ولا يجوز خلط الإسلام وشرائعه بغيره من الشرائع والأديان، فالإسلام أعلى. - ومنها: تحريم بناء مسجدٍ وكنيسة في موضع واحد. - وكذا: تحريم طبع المصحف والتوراة أو الإنجيل في كتاب واحد (٧٠) . ويجب دعوة أهل الكتاب والمشركين من سواهم إلى ترك الشرك وإلى كلمة سواء، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، وأنّ رسالة الإسلام خاتمة الرسالات، وأنّ أديانهم منسوخة به، وأنّ أهل الكتاب وغيرهم من المشركين على عبادة غير الله، وأنّ ما عندهم هو الباطل، وما عندنا هو الحقّ، ولا يجتمع الحقّ والباطل، لا في زمالةٍ ولا وحدة ولا كتاب، بل يُدعى أهل الكتاب وغيرهم من المشركين إلى ترك الشرك والدخول في الإسلام، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ [آل عمران ٦٤] .

стр. 3926

- ومن فروعها: إذا أسلمَ من أولاد الكافر الكتابي وبقي آخرون على كفرهم واختصموا، حَكَمْنا بينهم بالإسلام؛ لأنّه أعلى؛ ولشرف المسلم. قال الدَّردير (٧١) في الشرح الكبير: (وحُكِم بين الكفار بحكم المسلم، إن لم يأْبَ بعضٌ، إلا أن يسلمَ بعضٌ فكذلك، أي: يحكم بينهم بِحكم المسلم من غير اعتبار الآبي؛ لشرف المسلم) (٧٢) ، أي: لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى. ومنهم مَن قال: يُورّث المسلم من أبيه الذمي؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى (٧٣) . ومن المسائل المعاصرة: توريث المسلم من قريبه الكافر. قال بعض المعاصرين بأنّ: المسلم يرث من قريبه الكافر غير الحربي (٧٤) ، فإذا أسلمَ النصراني أو اليهودي ورثَ من قريبه الكافر، ولا نمنعه من الإرث؛ لأنّا لو منعناه لتضرر بسبب إسلامه، ولأنّ الإسلامَ أعلى، وجعلوا الكفار المعاهدين - الذين بيننا وبينهم مسالمة وهم ليسوا تحت أحكامنا - مثل الكفار من أهلِ الذمة الذين تحت أحكامنا. والفقهاء إنما تكلموا في أهل الذمّة، ولم يتكلموا في المعاهدين من غيرهم. المطلب الرابع: أحكام اللقيط: ومِن فروع هذه القاعدة في هذا الباب: أنّ اللقيط - في الدار التي اختطها المسلمون - محكومٌ بإسلامه، وإن كان فيها أهل ذمّة؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى (٧٥) . ويفرّق بين دار الإسلام ودار الكفر بأنّ شرف الأولى اقتضى الاكتفاء بالإمكان وإن بَعُدَ (٧٦) . - وكذا دار الإسلام إذا غلب عليها الكفار وفيها مسلمون حُكم بإسلام لقيطها؛ تغليباً للإسلام (٧٧) . - ومنها: إذا التقطَ مسلمٌ وكافرٌ طفلاً محكوماً بكفره - أي: مِن أبوين كافرَين - فالمسلم أحقّ به؛ لأنّه يصير مسلماً، والترجيح بالإسلام ولو كان المسلم فقيراً والكافر غنياً (٧٨) . - ومنها: أنه ليس للكافر التقاط طفل مسلم؛ لأنّه لا ولاية لكافرٍ على مسلم (٧٩) . - ومن فروعها: أنّ الولد يتبع المسلم من أبويه إذا اختلفا في الدين.

стр. 3927

قال ابن قدامة: (الولد يتبع أبويه في الدين، فإذا اختلفا وجبَ أن يتبع المسلمَ منهما، كولد المسلم من الكتابية، ولأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى. ويترجح بأشياء، منها: أنه دين الله الذي رضيه لعباده، وبعث به رسله دعاةً لخلقه إليها. ومنها: أنه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة، ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق، وأداء الجزية، وفي الآخرة من سخط الله وعذابه ... ) (٨٠) . وقال الشيرازي: (إنّ الولد يتبع المسلم من أبويه؛ لأنّ الإسلام أعلى) (٨١) . المطلب الخامس: في القصاص: ومِن فروعها: أنّ المسلم لا يُقتل بالكافر؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى، والكفر نقص، والإسلامُ كمال، ولا مساواة بين مسلم وكافر في القصاص. قال ابن عبد الهادي: (القاعدة الحادية والثلاثون: الكفر ناقص) ، وفرّع عليها أنّ الكافر يُقتل بالمسلم، ولا يُقتل مُسلمٌ بكافر (٨٢) . قال الشوكاني - مرجحاً مذهب الجمهور في أنه لا يُقتل مسلمٌ بكافر، وأنه لا مساواة في القصاص -: (ومِن ذلك: حديث ((الإسلام يعلو ولا يُعلى)) ) ، ويجب على المسلم الدية (٨٣) . المطلب السادس: في القضاء والفتوى: ومِن مسائل هذا الباب: أنّ الإسلام شرط في القاضي، ولا يصحّ قضاء غير المسلم؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى (٨٤) . - منع مشاركة القاضي القانوني للقاضي الشرعي في الحكم؛ لأنّ الشريعة لا تقبل المشاركة؛ ولأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى. - إبطال الردّ إلى غير الشريعة الإسلامية، وإبطال الحكم والتحاكم إلى القوانين الوضعية وتقديمها على الشريعة (٨٥) ؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى. - وجوب توحيد المصدر في التشريع، فلا يجوز أن يكونَ مع الشريعة مصدر مشارك في التشريع (٨٦) ؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى.

стр. 3928

- يجب على المفتي الالتزام بشروط الفتوى لبيان حكم الشريعة في الوقائع والمسائل المستجدة (٨٧) ، وأن لا يُطوّع أحكام الشرع الحنيف للواقع المنحرف عن الحق؛ لأنّ الشرع حاكم، وهو أعلى، وواقع الناس مَحْكُومٌ به، وإذا حَكَّمَ المفتي الأعراف الفاسدة في النصوص الشرعية فقد عكس، ومَن عَكَس انعَكسَ. - منع تقديم العقل على الوحي المنزّل من عند الله؛ لأنّ الشرع حاكم والعقل تابع، ولو قُدِّمت أفكار العقول البشرية على الشريعة لَكانت الشريعة محكومة والعقل البشري حاكماً، وهذا باطلٌ (٨٨) ، والإسلامُ يعلو ولا يُعلى. نتائج البحث: هذه أبرز النتائج التي توصلتُ إليها بعد دراسة هذه القاعدة، وهي: ١- أن هذه القاعدة قد وردَ النصّ الشرعي بها. ٢- أن هذه القاعدة لها أهمية كبرى في الدراسات الفقهية المتعلقة بتحديد العلاقة بين المسلمين والكفار، سواء الحربيين، أو المُعاهدين، ويشملهم ما يُسمّى حديثاً بِ (القانون الدولي) ، أو ما يسميه الفقهاء: (أحكام الجهاد والسير) . وكذلك فإنّ (أحكام أهل الذمّة) يدخلُ كثير منها تحت هذه القاعدة. ٣- أن هذه القاعدة لها أثر في المسائل الفقهية التي تختلف بين دار الإسلام ودار الكفر فيما يخصّ أحكام اللقيط، واختلاف الدين بين الزوجَين، وأثر ذلك على الطفل، وخاصة بعد التوسع في علاقة المسلمين بالأمم الأخرى، وانتشار المسلمين في العالَم، فلا تكاد تجد موضعاً في العالَم يخلو منهم.

стр. 3929

٤- أن هذه القاعدة من أعظم ما يميز المسلم ويبعده عن التأثر بالكفار، والانهزام أمام أفكارهم وقوانينهم ومذاهبهم وهديهم، فهي تُميز المسلم في مصدر التشريع، وصحّة الاعتقاد، وتكشف عن بطلان الدعوات المعاصرة، ومنها: وحدة الأديان، أو زمالة الأديان، أو التشريعات الباطلة التي ما أنزل الله بها مِن سلطان، وتحول بين المسلم وبين التحاكم إلى شرائع الكفار متى ما عَلِم أنه هو الأعلى، وأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى. ٥- أن هذه القاعدة لا يظهر لها أثر كبير فيما يخص علاقة المسلمين بعضهم ببعض، وإنما يظهر أثرها بجلاء فيما يخص علاقة المسلمين بالكفار، كما تبيّن ذلك من الفروع الفقهية السابقة، وكذلك فيما يتعلق بِحُكم نكاح المشرك للمسلمة، وولاية الكافر على المسلم أو المسلمة، وحُكم استرقاق الكافر للمسلم، وحُكم عمل المسلم عند الكافر في الأعمال التي فيها إهانة. ٦- أنّ الفقهاء أكثروا من استعمال هذه القاعدة، واعتمدوا عليها في كثير من الأبواب الفقهية، وفرعوا عليها المسائل. وهذا يدلّ على أهمّيتها عندهم. ٧- أنّ كتب القواعد الفقهية لم تكن لها عناية بهذه القاعدة كما يجب، بخلاف كتب الفقهاء المتقدمة والمتأخرة التي ظهر فيها عناية الفقهاء بهذه القاعدة من حيث بناء الفروع عليها. ٨- أنه يجب العناية بدراسة القواعد وتتبّع كتب الفقه الإسلامي، واستخراج القواعد التي لم تجد العناية الكافية في كتب القواعد المشهورة، ثم بيان أهمية تلك القواعد والكشف عن فروعها، وخاصة ذات الصلة الكبيرة بالمستجدّات المعاصرة. وفي الختام نسأل الله أن ينصرَ دينه، ويُعلي كلمته، وأن يجمع المسلمين على الحقّ، وأن يرزقنا العزّة في الدنيا والآخرة. ﴿وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُون﴾ [المنافقون ٨] . الهوامش والتعليقات

стр. 3930

( [١] ) وما ظهرت الحاجة إلى التنبيه إليه أُشير إلى ذلك في الهامش. وأما التفصيل في الفروع المختلف فيها واستيعاب الأدلة وإجراء المناقشات بين الأدلة؛ فهذا يختص به (فقه الخلاف) أو ما سُمّي بِ (الفقه المقارن) . (٢) اللسان، لأبي الفضل جمال الدين بن منظور، ط: دار صادر، مادة: سَلِمَ ٢/٢٩٣-٢٩٥؛ الصحاح ٥/١٩٥١، مادة: سَلِم؛ تاج اللغة وصِحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط: ١٤٠٢هـ. (٣) اللسان، مادة: شرع. (٤) اللسان، مادة شرع؛ والصحاح ٦/٢٣٥٧. (٥) مجمل اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت: ٣٩٥هـ) ، مادة: علو ٣/٦٢٥، ط١، ١٤٠٤هـ. (٦) اللسان، مادة: علا. (٧) تفسير القرطبي ٤/٢١٧. (٨) هو يوسف بن عبد الهادي الصالحي الحنبلي المعروف بِ (ابن المِبْرَد) ، له مؤلفات كثيرة، منها: مغني ذوي الأفهام، وتحفة الوصول إلى علم الأصول، وبحر الدم فيمن تكلّم فيه الإمام أحمد بمدحٍ أو ذمّ، وتوفي سنة (٩٠٩هـ) . انظر: شذرات الذهب، لابن العماد (٨/٤٣) ، ط: دار إحياء التراث العربي؛ الأعلام، للزركلي (٨/٢٢٦) ، ط: الثامنة، دار العلم للملايين، ١٩٨٩م. (٩) مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة الأحكام (ص: ١٨٠) ، صححه وعلق عليه: الشيخ / عبد الله عمر بن دهيش، ط: الثالثة، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع. (٠ [١] ) موسوعة القواعد الفقهية (١/٣٩٧) ، ط: الثانية، مكتبة التوبة. (١ [١] ) المحلى (٤/٣١٤) ، ط: دار الفكر؛ وفتح الباري (٣/٢٢٠) ، ط: المكتبة السلفية. (٢ [١] ) هو: حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي مولاهم البصري، شيخ العراق في عصره، وأحد الحفاظ المجوّدين، توفّي سنة (١٧٩هـ) . انظر: الأعلام (٢/٢٧١) . (٣ [١] ) المحلى (٤/٣١٤) .

стр. 3931

(٤ [١] ) هو: محمد بن أحمد بن أبي سهل، فقيه حنفي، من كبار علماء الأصول، ومِن مؤلفاته: المبسوط في الفقه، وأصول السرخسي، وشرح السير الكبير، وتوفّي سنة (٤٨٣هـ) . انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لابن أبي الوفاء القرشي (٣/٧٨) ، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، ط: الأولى، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ١٣٩٨هـ. (٥ [١] ) المبسوط (٥/٤٠) ، ط: دار المعرفة. (٦ [١] ) هو: محمد أمين بن عمر الدمشقي، إمام الحنفية في عصره، له: نسمات الأسحار على شرح المنار، ومجموعة رسائل، وتوفي سنة (١٢٥٢هـ) . انظر: الأعلام (٦/٤٢) ؛ معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة (٩/٧٧) ، ط: مكتب المثنى ودار إحياء التراث العربي، (بيروت - لبنان) . (٧ [١] ) ردّ المحتار على الدرّ المختار، لابن عابدين (٣/١٨٧) ، ط: الثانية، دار الفكر، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م، بتصرف يسير. (٨ [١] ) هو: أحمد بن إدريس الصنهاجي المالكي، إمام في الفقه والأصول، له: الفروق، والذخيرة، ونفائس الأصول.. وغيرها، وتوفّي سنة (٦٨٤هـ) . انظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، لابن فرحون (ص: ٦٢) ، ط: دار الكتب العلمية؛ شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد مخلوف، (ص: ١٨٨) ، ط: دار الفكر للطباعة والنشر. (٩ [١] ) الذخيرة (٥/٤٠٣) ، تحقيق: محمد بوخبزة، ط: الأولى، دار الغرب الإسلامي. (٢٠) هو: إبراهيم بن علي الفيروزآبادي، من كبار فقهاء الشافعية، له مؤلفات كثيرة، منها: المهذب، والتنبيه في الفقه، واللمع، والتبصرة في الأصول، وتوفّي سنة (٤٧٦هـ) . انظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان (١/٢٩) ، تحقيق: إحسان عباس، ط: دار صادر؛ طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكي (٤/٢١٥) ، تحقيق: محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو، ط: إحياء الكتب العربية. (٢١) المهذب (٥/٢٧٣) ، ط: مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر.

стр. 3932

(٢٢) هو: أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي الأنصاري الشافعي، أخذ عن الشيخ زكريا الأنصاري وغيره، وأفتى ودرس وعمره دون العشرين، ومن مؤلفاته: الزواجر عن اقتراف الكبائر، وشرح الأربعين النووية، وتحفة المحتاج في شرح المنهاج.. وغيرها، وتوفّي سنة (٩٧٣هـ) . انظر: شذرات الذهب (٨/٣٧١) ؛ الأعلام (١/٢٣٤) . (٢٣) اللقيط في اللغة: فعيل بمعنى مفعول كالملقوط، والأنثى منه لقيطة، واللقط: أخذ الشيء من الأرض. ومنه قوله تعالى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٨] . انظر: لسان العرب (٧/٣٩٢) . وفي اصطلاح الفقهاء: طفل لا يعرف نسبه ولا رقّه نُبذ أو ضلّ. انظر: ردّ المحتار على الدرّ المختار (٤/٢٦٩) ، ط: الثانية؛ الخرشي على مختصر خليل (٧/١٣٠) ، ط: دار صادر؛ مغني المحتاج (٢/٤١٨) ، ط: دار إحياء التراث العربي؛ التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع (ص: ١٨٤) ، ط: المطبعة السلفية؛ أحكام اللقيط في الفقه الإسلامي، لعمر بن محمد السبيل، (ص: ١٠-١٧) . (٢٤) تحفة المحتاج بشرح المنهاج (٦/٣٥١) ، بهامش حواشي الشرواني والعبادي، ط: دار صادر، (بيروت) . (٢٥) هو: عبد الله بن أحمد المقدسي الحنبلي، شيخ الحنابلة، وصاحب العمدة، والمقنع، والكافي، والمغني، وروضة الناظر.. وغيرها، وتوفّي سنة (٦٢٠هـ) . انظر: ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب (٢/١٣٣) ، ط: دار المعرفة؛ شذرات الذهب (٥/٨٨) . (٢٦) المغني (٩/١٨) ؛ (٦/١١٢) . (٢٧) هو: شيخ الحنابلة في مصر ومحرر مذهبهم، له: كشاف القناع، وشرح منتهى الإرادات، والروض المربع.. وغيرها، وتوفّي سنة (١٠٥١هـ) . انظر: السحب الوابلة، لابن حميد (٣/١١٣١) ، تحقيق: عبد الرحمن العثيمين وبكر أبو زيد، ط: الأولى، مؤسسة الرسالة، ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م؛ الأعلام (٧/٣٠٧) . (٢٨) كشاف القناع عن متن الإقناع (٥/٢٢٦) ، ط: عالم الكتب، بيروت.

стр. 3933

(٢٩) انظر: المحلى (٩/١٨) ؛ (٦/١١٢) . (٣٠) صحيح البخاري مع الفتح (٣/٢١٩) ، باب: إذا أسلمَ الصبي فماتَ هل يُصلَّى عليه؟. ط: المكتبة السلفية. (٣١) المصدر السابق (٣/٢١٨) . (٣٢) فتح الباري (٣/٢٢٠) ، ط: المكتبة السلفية. (٣٣) المحلى (٤/٣١٤) . (٣٤) أخرجه البيهقي (٦/٢٠٥) ، ط: دار الفكر. (٣٥) ثم قال: (ثم وجدته من قول ابن عباس كما كنت أظنّ، ذكره ابن حزم في المحلى) . انظر ما سبق (ص: ٧) . (٣٦) سنن الدارقطني (٢/١٧٦-١٧٧) ، ط: الأولى، دار الكتب العلمية، ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م. (٣٧) مسند الروياني (٢/٣٧) ، ط: الأولى، مؤسسة قرطبة، ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م. (٣٨) الفتح (٣/٢٢٠) . (٣٩) عارضَ الألباني ﵀ في تحسين الحديث، وقال: في سنده عبد الله بن حشرج، وهو وأبوه مجهولان. ونقل قول ابن أبي حاتم، والحافظ في لسان الميزان (٤/٢٧٨) ، للحافظ ابن حجر، تحقيق: خليل محمد العربي، ط: الأولى، ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م، دار المؤيد للنشر والتوزيع؛ والزيلعي في نصب الراية (٣/٢١٣) ؛ والدارقطني في سننه (٢/١٧٦-١٧٧) ؛ والذهبي. ثم قال الألباني: ويمكن أن يحسن لغيره؛ لحديث معاذ. ثم ذكره. انظر: الإرواء (٥/١٠٦-١٠٧-١٠٨) . (٤٠) نصب الراية (٣/٢١٣) ، ط: الثانية، مكتبة الرياض الحديثة. (٤١) تقريب التهذيب (٢/٨٧) ، تحقيق: الشيخ / خليل مأمون شيحا، ط: الثانية، دار المعرفة، ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م. (٤٢) إرواء الغليل (٥/١٠٨) ، ط: المكتب الإسلامي. (٤٣) إرواء الغليل (٥/١٠٨) . (٤٤) إرواء الغليل (٥/١٠٨) . (٤٥) صحيح البخاري مع الفتح (٣/٢١٨) . (٤٦) هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المالكي، من مؤلفاته: الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة في أمور الآخرة، وتوفّي سنة (٦٧١هـ) . انظر: الديباج المذهب (٢/٣٠٨) ؛ شذرات الذهب (٥/٣٢٥) . (٤٧) تفسير القرطبي (٤/٢١٧) . (٤٨) تفسير القرطبي (٣/٧٢) .

стр. 3934

(٤٩) نيل الأوطار (٧/١٢) ، ط: دار الجيل، (بيروت) . (٥٠) صحيح البخاري مع فتح الباري (١٢/٢٦٠) . (٥١) نيل الأوطار (٧/١٢) . (٥٢) مغني ذوي الأفهام (ص: ١٨٠) ؛ وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٢/٢٣١) ؛ المحلى (٦/٤٧٣) . (٥٣) تفسير القرطبي (٣/٧٢) ؛ وانظر ما سبق (ص: ١٣) . (٥٤) انظر ما سبق (ص: ١٠) . (٥٥) انظر ما سبق (ص: ٨) . (٥٦) شرح كتاب السير الكبير، أملاه: محمد بن أحمد السرخسي (١/١٢٩) ، تحقيق: صلاح المنجد، ط: مؤسسة قرطبة؛ مغني ذوي الأفهام (ص: ١٨٠) . (٥٧) المصدر السابق (١/١٢٩) . (٥٨) المصدر السابق (١/١٢٩) . (٥٩) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار (٨/١٣) . وقال في منتقى الأخبار (٨/١١) : (باب: أنّ عبد الكافر إذا خرجَ إلينا مسلماً فهو حرّ) ، وذكر أحاديث الباب. وقال الزهري: (مضت السنة أنه لا يسترقّ كافرٌ مسلماً) . انظر: السير الكبير (١/١٢٩) ؛ المحلى (٤/٣٢١) . (٦٠) المغني (٥/٤١٠) ، ط: ١٣٨٩هـ، الناشر: مكتبة القاهرة. وانظر: مختصر الفتاوى المصرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، (ص: ٥١٩) . (٦١) المهذب (٢/٢٦٠) . (٦٢) حاشية ابن عابدين (٤/٢١١) . (٦٣) المهذب (٢/٢٥٤-٢٥٥) ؛ المغني (٦/٣٥٦) ؛ مغني ذوي الأفهام (ص: ١٨٠) . (٦٤) المغني (٦/٣٥٦) . (٦٥) المصدر السابق (٦/٣٥٦) . (٦٦) المغني (٦/٣٥٦) ؛ مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٨/٦٣٥-٦٣٩) ، نشر وزارة الشؤون الإسلامية، المملكة العربية السعودية. (٦٧) مختصر الفتاوى المصرية، لابن تيمية (ص: ٥١٧) ، ط٢، ١٤٠٦هـ، دار ابن القيم، صححه: محمد حامد الفقي. (٦٨) مجموع الفتاوى الكبرى (٣٥/٣٦٥) . (٦٩) شرعت في بحث عنوانه: (ضوابط حرية المعتقد في الشريعة لأهل الذمة) ، نسأل الله إتمامه. (٧٠) انظر في هذا كتاباً بعنوان: (إبطال نظرية الخلط بين الأديان) ، لفضيلة الشيخ الدكتور / بكر أبو زيد.

стр. 3935

(٧١) هو: أحمد بن محمد العدوي المالكي، له: شرح على مختصر خليل، ومتن في الفقه أيضاً، وتوفّي سنة (١٢٠١هـ) . انظر: فهرس الفهارس (١/٢٩٣-٢٩٤) ، لعبد الحي الكتاني، ط: الثانية، دار الغرب الإسلامي، (بيروت - لبنان) ، ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م. (٧٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/٤٨٦) . (٧٣) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد (٤/١٧-١٨) ، ط: دار الكتب العلمية. هذا وقد نقل الفقهاء الإجماع على عدم توريث المسلم من الذمي - كما هو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة - وعلى هذا لو تحاكموا إلينا في ميراثهم أو في غيره حكمنا بينهم بالإسلام؛ لشرف المسلم. وليس المقصود هنا تحقيق النفع المادي للمسلم، إذِ المعلوم على مذهب المالكية وبقية المذاهب المذكورة منع المسلم من إرث أبيه الذمي، وإنما الحكم بينهم بالإسلام؛ لصحة منهج المسلم وشرف دينه. والدليل على منعه حديث أسامة بن زيد ﵄ الذي رواه الجماعة إلا مسلماً: ((لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلم)) ، صحيح البخاري مع فتح الباري (١٢/٥٠) . وذهب معاذ ومعاوية ﵄ إلى توريثه؛ لحديث: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) ، وعلله بعضهم بقاعدة (الإسلام يعلو) . وهذا القول مخالف لمذاهب أهل العِلْم، وعلوُّ الإسلام لا يدلّ على لزوم توريثه؛ لانتفاء الولاية بين المسلم والكافر. وحديثهم في إسناده مقال، وهو مجمل، ومعناه - إن صحّ - زيادة الإسلام واستمراره. ودليل الجمهور نصّ في منع التوارث بين المسلم والكافر. انظر: تفصيل المسألة في: المغني (٦/٣٦٧) ؛ حاشية العدوي على الخرشي (٢/٣٥٥) ؛ بداية المجتهد (٢/٣٢٢) ؛ أحكام القرآن، للجصاص (٢/١٠١) ؛ إحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (٤/١٧-١٨) ؛ فتح الباري (١٢/٥٠) ؛ نيل الأوطار (٦/٨٣-٨٤) ؛ أحكام أهل الذمة، لابن القيم (٢/٤٦٢-٤٦٤) ، ط: دار العلم.

стр. 3936

وانظر تخريج حديث: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) في: تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج، لابن الملقن (٢٠/٣١١-٣١٢) ، تحقيق: د / عبد الله سعاف اللحياني، ط: الأولى، دار حراء. (٧٤) قلت: الكفار أصناف: منهم المحاربون، ومنهم أهل الذمة، وهم الذين دخلوا تحت أحكامنا ووجبت علينا حمايتهم ودفع الضرر عنهم ونصرتهم على مَن اعتدى عليهم، ومنهم مَن بيننا وبينهم معاهدات ومسالمة بوضع الحرب بين الطرفين، كما صالَحَ النبي ﵊ كفارَ مكة في صلح الحديبية، ومنهم المستأمن، وهو مَن دخل دار الإسلام بأمان ثم يعود إلى بلاده. المغني (٩/٣٣٢) . وانظر رسالة: دار الإسلام ودار الكفر والعلاقة بينهما، لعابد السفياني (ص: ٧٨) . فأما الكفار المحاربون فالعلماء متفقون على منع التوارث بينهم وبين المسلمين؛ لعموم حديث: ((لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلم)) ، وقد سبق، ولأنّ الإرث فيه معنى المناصرة، ولا مناصرة بينهم. وأما الكفار من أهل الذمة فلا توارث بينهم وبين أقاربهم من المسلمين عند الجمهور. وأما توريث المسلم من قريبه الكافر غير الذمي وغير الحربي، وهو الصنف الثالث، أي: المعاهد الذي بيننا وبينهم مُسالمة ومُعاهدة، فهذا لم يقل به أحد من أهل العِلْم - فيما أعلم -، ودليل ذلك أن الخلاف المنقول في كتب الفقه إنما هو في مسألة إرث المسلم من قريبه الذمي؛ لأنّ أهل الذمّة تحت أحكامنا قد أَعطوا الجزية وهم صاغرون، وتجب علينا نُصرتهم على مَن اعتدى عليهم، فاختلف الفقهاء في جواز توريث المسلم مِن قريبه الذمي، فالجمهور على المنع، وهو الراجح؛ لعموم الحديث، والباقون على الجواز؛ لوجود تلك المعاني في العلاقة بين المسلمين وأهل الذمة، وهذا بخلاف العلاقة بين المسلمين والمعاهدين من غير أهل الذمّة. (٧٥) المغني (٦/١١٢) ، تحقيق: محمد الزيني، ط: مكتبة القاهرة، ١٣٨٩هـ.

стр. 3937

(٧٦) تحفة المحتاج بشرح المنهاج، لابن حجر الهيتمي (٦/٣٥١) . (٧٧) المغني (٦/١١٣) ؛ حواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج (٦/٣٥١) ؛ التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع (ص: ١٨٤) ، ط: الثانية، المكتبة السلفية، ١٤٠٦هـ. (٧٨) المغني (٦/١٢١) . (٧٩) المغني (٦/١٢٠) . (٨٠) المغني (٩/١٨) . وانظر: منتقى الأخبار مع نيل الأوطار (٧/٢٢٧-٢٢٨) ، قال: (باب: تبع الطفل لأبويه في الكفر ولِمن أسلم منهما في الإسلام، وصحة إسلام المميز) . واستدلّ على ذلك بأحاديث.. (٨١) المهذب (٢/٢٣٩) ؛ (٢/٢٦٠) ؛ وانظر: المحلى (٤/٣٢٢-٣٢٣) ؛ فتح الباري، للحافظ ابن حجر (٣/٢١٨-٢٢٠) ؛ تحفة المحتاج مع حواشيه (٦/٣٥٣) . (٨٢) مغني ذوي الأفهام (ص: ١٨٠) . والظاهر أنّ هذه القاعدة التي ذكرها ابن عبد الهادي تُبنى على قاعدة: (الإسلام يعلو ولا يُعلى) ؛ لأنّه كمال، والكفر نقص. (٨٣) نيل الأوطار (٧/١٢) . وانظر: المغني (٨/٢٧٣) ؛ المحلى (١٠/٣٥٢) ؛ التشريع الجنائي في الإسلام، لعبد القادر عودة (٢/١٢٢) ، ط: دار التراث العربي. (٨٤) لم أطّلع على مَن علل بالقاعدة في هذا الموضع. وانظر اشتراط الإسلام في القاضي في: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٦/٤٣٧) ، ط: دار الكتب العلمية، ١٤١٨هـ؛ شرح الخرشي على مختصر خليل (٧/١٣٨) ، ط: دار الكتاب الإسلامي؛ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٨/٢٣٨) ، ط: دار الكتب العلمية، ١٤١٤هـ؛ شرح منتهى الإرادات (٣/٤٦٤) ، ط: دار الفكر. (٨٥) تحكيم القوانين، للعلامة: محمد بن إبراهيم آل الشيخ، (ص: ١-٦) . (٨٦) تحكيم القوانين (ص: ١-٦) . (٨٧) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم (١/٤٧) ، ط: دار الجيل. (٨٨) انظر أصل المسألة في: الموافقات، للإمام الشاطبي (١/٧٨-٧٩) ، (١/٨٧) ؛ وشرح العقيدة الطحاوية، (ص: ١٨١-١٨٣) ، للقاضي علي بن علي ابن أبي العزّ، ط١، بيروت، ١٤٠٥هـ. المصادر والمراجع

стр. 3938

١- أحكام أهل الذمّة، لابن قيم الجوزية، تحقيق: د. صبحي الصالح، ط٢، دار العلم، ١٤٠١هـ. ٢- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، ط: دار الكتب العلمية. ٣- إرواء الغليل، لمحمد بن ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م. ٤- الأعلام، للزركلي، ط٨، دار العلم للملايين، ١٩٨٩م. ٥- إعلام الموقعين، لابن قيم الجوزية، ط: دار الجيل، ١٩٧٣م، قدّم له: طه عبد الرؤوف سعد. ٦- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لزين الدين بن إبراهيم المصري المعروف بابن نجيم، ط: دار الكتب العلمية، ١٤١٨هـ. ٧- تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج، لابن الملقن، تحقيق: د / عبد الله سعاف اللحياني، ط١، دار حراء. ٨- تحفة المحتاج بشرح المنهاج، لأحمد بن محمد بن حجر الهيتمي، ط: دار صادر، (بيروت) . ٩- التشريع الجنائي في الإسلام، لعبد القادر عودة، ط٣، دار التراث العربي، ١٩٧٧م. ١٠- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، دار الفكر، لبنان، ١٤٠١هـ. ١١- تقريب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: الشيخ / خليل مأمون شيحا، ط٢، ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م، دار المعرفة. ١٢- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع، لأبي الحسن المرداوي، ط٢، المكتبة السلفية، ١٤٠٦هـ. ١٣- الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، لابن فرحون، ط: دار الكتب العلمية. ١٤- الذخيرة، لأحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: محمد بو خبزة، ط١، دار الغرب الإسلامي. ١٥- ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب، ط: دار المعرفة. ١٦- ردّ المحتار على الدرّ المختار، لابن عابدين، ط٢، دار الفكر، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م. ١٧- السحب الوابلة، لابن حميد، تحقيق: د / عبد الرحمن العثيمين وبكر أبو زيد، ط١، مؤسسة الرسالة، ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م. ١٨- سنن الدارقطني، للدارقطني، ط١، دار الكتب العِلْمية، ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.

стр. 3939

١٩- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد مخلوف، ط: دار الفكر للطباعة والنشر. ٢٠- شذرات الذهب، لابن العماد، ط: دار إحياء التراث العربي. ٢١- شرح الخرشي على مختصر خليل، ط: دار الكتاب الإسلامي وط: دار صادر. ٢٢- شرح العقيدة الطحاوية، للقاضي علي بن علي بن أبي العزّ، ط١، بيروت، ١٤٠٥هـ، تحقيق: بشير محمد عيون، الناشر: مكتبة دار البيان، دمشق. ٢٣- شرح كتاب السير الكبير، أملاه: محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق: صلاح المنجد، ط: مؤسسة قرطبة. ٢٤- شرح منتهى الإرادات، لمنصور بن يونس البهوتي، ط: دار الفكر. ٢٥- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تأليف: إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط٣، ١٤٠٢هـ. ٢٦- صحيح البخاري مع فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، ط: المكتبة السلفية. ٢٧- طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكي، تحقيق: محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو، ط: إحياء الكتب العربية. ٢٨- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ط: المكتبة السلفية. ٢٩- فهرس الفهارس، لعبد الحي الكتاني، ط٢، دار الغرب الإسلامي، (بيروت - لبنان) ، ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م. ٣٠- كشاف القناع عن متن الإقناع، لمنصور بن يونس البهوتي، ط: عالم الكتب، بيروت. ٣١- لسان العرب، للعلاّمة: أبي الفضل جمال الدين ابن منظور، الناشر: دار صادر، بيروت. ٣٢- لسان الميزان، للحافظ ابن حجر، تحقيق: خليل محمد العربي، ط١، ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م، دار المؤيد للنشر والتوزيع. ٣٣- المبسوط، لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، ط: دار المعرفة. ٣٤- مجمل اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٤هـ. ٣٥- مجموع الفتاوى، لابن تيمية، نشر وزارة الشؤون الإسلامية، المملكة العربية السعودية. ٣٦- المحلى، لابن حزم، ط: دار الفكر.

стр. 3940

٣٧- مختصر الفتاوى المصرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تصحيح: محمد حامد الفقي، ط٢، ١٤٠٦هـ، دار ابن القيم. ٣٨- مسند الروياني، لمحمد بن هارون الروياني، ط١، مؤسسة قرطبة، ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م. ٣٩- معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، ط: مكتب المثنى ودار إحياء التراث العربي، (بيروت، لبنان) . ٤٠- المغني، تأليف: أحمد بن محمد بن قدامة، تحقيق: د. طه محمد الزيني، الناشر: مكتبة القاهرة، ١٣٨٩هـ. ٤١- مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة الأحكام، صححه وعلق عليه: الشيخ / عبد الله عمر بن دهيش، ط٣، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع. ٤٢- المهذب، لإبراهيم بن علي الشيرازي، ط: مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر. ٤٣- الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي، تعليق: عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت، لبنان. ٤٤- موسوعة القواعد الفقهية، لمحمد صدقي البورنو، ط٢، مكتبة التوبة. ٤٥- نصب الراية، لعبد الله بن يوسف الزيلعي، ط: الثانية، مكتبة الرياض الحديثة. ٤٦- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، لمحمد بن أحمد الرملي، ط: دار الكتب العلمية، ١٤١٤هـ. ٤٧- نيل الأوطار، لمحمد بن علي الشوكاني، ط: دار الجيل (بيروت - لبنان) ، الأولى، ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م. ٤٨- وفيات الأعيان، لابن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، ط: دار صادر.

стр. 3941

المسائل الفقهية المتعلقة بالمغتربين في صلاة الجمعة والعيدين والجنائز د. عبد الكريم بن يوسف الخضر أستاذ الفقه المشارك بجامعة الملك سعود - كلية التربية - الرياض ملخص البحث يعيش المسلم المغترب في بلاد الكفار معيشة تختلف عن معيشة المسلم في بلاد المسلمين. وذلك لوجود بعض الصعاب التي تعترض طريقه، ومن أهم هذه الصعاب وجود الفوارق الواضحة في المسائل والأحكام الفقهية بين ما يكون في بلاد المسلمين وما يكون في بلاد الكفار. ولذلك يحتاج المسلم المغترب إلى معرفة هذه المسائل والأحكام ليكون على بصيرة من أمره، وعلى علم في دينه، فلا تختلط عليه أحكام غربته مع أحكام إقامته في بلاد المسلمين. وهذا البحث الذي بين أيدينا حاول أن يعالج جانباً من هذه الجوانب ولذلك عنى بثلاثة أمور في جانب عبادة المغترب وهي: ١ - صلاة الجمعة وقد بحثت فيها: أ - حكم إذن الإمام بإقامتها. ب - العدد الذي يشترط لإقامتها. ج - حكم الخطبة بغير اللغة العربية. ٢ - صلاة العيدين وقد بحثت فيها حكم إقامتها للمغتربين. ٣ - الجنائز وقد بحثت فيها: أ - حكم وضعها في تابوت قبل الدفن. ب - حكم دفن المسلم في مقابر الكفار. ج - حكم زيارة قبور الكفار. ثم ختمت البحث بخاتمة وضعت فيها أهم النتائج التي تم التوصل إليها في هذا البحث. وأسأل اللَّه الكريم أن يتقبل هذا العمل وأن يجعله خالصاً لوجهه وأن ينفع به من كتبه وقرأه، والحمد لله رب العالمين. المقدمة: الحمد لله العفو العليم، التواب العزيز الرحيم، اللطيف الشكور الكريم، مالك الملك الجواد الحليم، أحمده حمد من يعترف بفضله وآلائه، ويسأله المغفرة لتقصيره في القيام بواجباته، وأشهد أنه اللَّه الذي لا إله إلا هو المتفرد بكبريائه المتعالي عن خلقه المختص بأسمائه وصفاته.

стр. 3942

وأشهد أن محمد بن عبد اللَّه الرسول النَّبِيّ الأمي خاتم أنبيائه، أرسله إلى عامة خلقه وجميع أوليائه، ليبين لهم طريق الحق من طريق الغواية، وأصلي وأسلم عليه وعلى أصحابه وأزواجه ومن اقتفى سنته يرغب بالهداية، أما بعد: فهذا بحث متواضع في أهم المسائل التي تختص بالمسلمين المغتربين في صلاة الجمعة والعيدين والجنائز أسميته: المسائل الفقهية المتعلقة بالمغتربين في صلاة الجمعة والعيدين والجنائز. سبب اختيار الموضوع وأهميته: حينما يقيم المسلم المغترب في مكان اغترابه فإنه يرغب في ممارسة شعائر دينه التي ميزه اللَّه بها وتفضل عليه بشرعها. ومنها صلاة الجمعة وصلاة العيدين. ودفن الجثمان بعد الصلاة عليه. والأصل أن المسلم المغترب لا يختلف في أحكامه عن المسلم غير المغترب الذي يقيم في بلاده خاصة في وجوب إظهار شعائر الدين الظاهرة، ما لم يخف على نفسه أو ماله أو عرضه أو دينه، ومن أظهر الشعائر صلاتا الجمعة والعيدين. ولذلك فقد وجدت بضع مسائل في هذه الشعائر الظاهرة يحتاج إليها المسلم المغترب في غربته. رغبت في بحثها واستقصاء أقوال الفقهاء فيها ومعرفة ما يترجح من هذه الأقوال بالأدلة الصريحة الصحيحة، علّي في ذلك أكون قد أسهمت إسهاماً قليلاً قليلة في تجلية بعض الإشكالات الفقهية التي قد تعترض طريق إخواننا المسلمين في بلاد الغربة ( [١] ) . خطة البحث: انتظمت خطة البحث في مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. المقدمة وقد اشتملت على: أ - سبب اختيار الموضوع وأهميته. ب - خطة البحث. الفصل الأول: في صلاة الجمعة. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: إذن الإمام في إقامة الجمعة. المبحث الثاني: العدد الذي تقام فيه الجمعة. المبحث الثالث: حكم الخطبة بغير العربية. الفصل الثاني: في حكم صلاة العيد للمغتربين. الفصل الثالث: في الجنائز. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حكم زيارة قبور المشركين.

стр. 3943

المبحث الثاني: الدفن في التابوت. المبحث الثالث: حكم دفن المسلم المغترب في مقابر الكفار. هذا ما يسر اللَّه لي جمعه من المسائل الفقهية المتعلقة بالمغتربين في صلاة الجمعة والعيدين والجنائز، فإن كان ما ذكرته فيها صواباً فمن اللَّه وحده وله الحمد والنعمة والفضل، وإن يكن ما ذكرته فيها خطئًا فمن نفسي والشيطان، وأستغفر اللَّه العظيم منه، والحمدلله رب العالمين. الفصل الأول: في صلاة الجمعة: المبحث الأول: إذن الإمام في إقامة الجمعة اختلف الفقهاء في اشتراط إذن الإمام في إقامة الجمعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يشترط لصحتها إذن الإمام. وهذا قول المالكية ( [٢] ) ، والشافعية ( [٣] ) ، ورواية عند الحنابلة ( [٤] ) . القول الثاني: أنه يشترط لصحتها إذن الإمام. وهذا قول الحنفية ( [٥] ) ، ورواية عند الحنابلة ( [٦] ) . القول الثالث: أن إذن الإمام شرط لوجوبها لا لجوازها. وهذا رواية عند الحنابلة ( [٧] ) . الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن عبيد اللَّه بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم ( [٨] ) . وجه الدلالة: أن عثمان بن عفان ﵁ لم ينكر على من صلى الجمعة خلف إمام الفتنة، مع أن هذا الإمام صلى بدون إذن الإمام الأعظم وهو عثمان ابن عفان، مما يدل على عدم وجوب إذن الإمام في إقامة الجمعة. الدليل الثاني: أن علياً صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد وصوب ذلك عثمان وأمر بالصلاة معهم ( [٩] ) . وجه الدلالة: أن صلاة علي بن أبي طالب ﵁ الجمعة بالناس وعثمان ﵁ محصور دليل على جواز صلاة الجمعة بدون إذن الإمام. الدليل الثالث:

стр. 3944

أن صلاة الجمعة من فرائض الأعيان فلم يشترط لها إذن الإمام كالظهر ( [١٠] ) . الدليل الرابع: أن صلاة الجمعة صلاة تشبه سائر الصلوات فتكون مثلها في عدم اشتراط إذن الإمام فيها ( [١١] ) . دليل القول الثاني: أنه لا يقيم صلاة الجمعة إلا الأئمة في كل عصر فصار ذلك إجماعاً على عدم جواز إقامتها بدون إذن الإمام ( [١٢] ) . نوقش: أن ما ذكرتموه من الإجماع لا يصح لأن الناس يقيمون الجُمُعات في القرى من غير استئذان أحد، ثم لو صح أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعاً على جواز ما وقع لا على تحريم غيره. كالحج يتولاه الأئمة وليس بشرط فيه ( [١٣] ) . أما القول الثالث فلم أجد له أدلة خاصة به. الترجيح: بعد النظر في هذه المسألة ومعرفة الأقوال الواردة فيها والاطلاع على أدلتها ومناقشة ما يحتاج إلى مناقشة منها تبين لي - واللَّه أعلم بالصواب - أن القول الراجح هو القول الأول وهو أنه لا يشترط إذن الإمام في صحة إقامة صلاة الجمعة. وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولضعف دليل القول الثاني وعدم سلامته من المناقشة. ولتعذر إمكانيته خاصة على أولئك المغتربين من المسلمين الذين يقيمون في بلاد الكفار، فلا يمكنهم الحصول على إذن إمام البلد الذي يقيمون فيه، ولو استطاعوا الحصول على إذنه فإنه يستطيع منعهم إقامتها برجوعه عن إذنه فيها في أي وقت، وبالتالي يُحرم المسلمون المقيمون في تلك البلاد من إقامة الجمعةإلا بإذن إمام البلد الكافر وهذا بعيد لأن فيه جعل سبيل للكافرين على المسلمين، واللَّه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً. قال تعالى: ﴿ولن يجعل اللَّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ ( [١٤] ) . المبحث الثاني: العدد الذي تقام فيه الجمعة قد يوجد بعض المسلمين في بلد من بلاد الكفار ويرغبون في إقامة صلاة الجمعة ولكنهم عدد قليل، فهل يصح منهم إقامة صلاة الجمعة بالعدد القليل وما هو أقل عدد يمكن أن تقام فيه صلاة الجمعة.

стр. 3945

اختلف أهل العلم في العدد الذي تقام فيه الجمعة على أقوال كثيرة، أهمها: القول الأول: أنها تنعقد بثلاثة رجال. وهذا القول رواية عند الحنابلة ( [١٥] ) ، وقول أبي يوسف من الحنفية ( [١٦] ) ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ( [١٧] ) . القول الثاني: أنها تنعقد بأربعين رجلاً. وهذا مذهب الشافعية ( [١٨] ) ، والرواية المشهورة عند الحنابلة ( [١٩] ) . القول الثالث: أنها تنعقد بخمسين رجلاً. وهذا رواية عند الحنابلة ( [٢٠] ) . القول الرابع: أنها تنعقد باثني عشر رجلاً. وهذا القول مذهب المالكية ( [٢١] ) . القول الخامس: أنها تنعقد بأربعة. وهذا مذهب الحنفية ( [٢٢] ) ، ورواية عند الحنابلة ( [٢٣] ) . القول السادس: أنها تنعقد باثنين فما فوق. وهذا مذهب ابن حزم ( [٢٤] ) . الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه- ﷺ -يقول: " ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" ( [٢٥] ) . وجه الدلالة: أن الصلاة في هذا الحديث عامة تشمل الجمعة وغيرها، فإذا كانوا ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة ومنها صلاة الجمعة فإن الشيطان قد استحوذ عليهم. وهذا يدل على وجوب صلاة الجمعة على الثلاثة، ولا يمكن أن يقال: أنها تجب على الثلاثة، ثم يقال: إنها لا تصح من الثلاثة، لأن إيجابها عليهم ثم قولنا إنها غير صحيحة تضاد معناه: أمرناهم بشيء باطل والأمر بالشيء الباطل حرام ( [٢٦] ) . الدليل الثاني: قال اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللَّه وذروا البيع ... ﴾ الآية ( [٢٧] ) . وجه الدلالة: أن هذه الصيغة الواردة في الآية صيغة الجمع فيدخل فيها الثلاثة، فيكون الثلاثة مأمورون بالسعي إلى صلاة الجمعة وهذا يدل على أنها تنعقد بهم ( [٢٨] ) .

стр. 3946

الدليل الثالث: أن هذا العدد أقل الجمع فهو يتناوله اسم الجمع فتنعقد به الجماعة كالأربعين ( [٢٩] ) . الدليل الرابع: أن المثنى في حكم الجماعة حتى يتقدم الإمام عليهما، وفي الجماعة معنى الاجتماع، وذلك يتحقق بالمثنى ( [٣٠] ) . أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: بعث النَّبِيّ- ﷺ -مصعب بن عمير إلى أهل المدينة فلما كان يوم الجمعة جمع بهم وكانوا أربعين وكانت أول جمعة جمعت ( [٣١] ) . وجه الدلالة: أن هذا الأثر يدل على أن العدد الذي تنعقد به الجمعة هو أربعون رجلاً، فاقتصر عليه إذ التجميع تغيير فرض فلا يصار إليه إلا بنص أو اتفاق، ولم يثبت ذلك. مما يدل على عدم انعقاد الجمعة بأقل من هذا العدد ( [٣٢] ) . يناقش: بأنه إن صح هذا الأثر فإن بلوغهم هذا العدد وقع اتفاقاً لا قصداً فلا يصح الاستدلال به، فلم يقل أنهم أمروا أن يجمعوا فلما بلغوا أربعين أقاموا جمعة، فلو كان لفظ الحديث هكذا لكان فيه شيء من الاستدلال. أما والحالة هذه فليس فيه شيء من الاستدلال ( [٣٣] ) . الدليل الثاني: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره عن أبيه كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال: لأنه أول من جمّع بنا في هزم النّبيت ( [٣٤] ) من حرة بني بياضة ( [٣٥] ) في نقيع يقال له: نقيع الخضمات ( [٣٦] ) ، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون ( [٣٧] ) . وجه الدلالة: حيث دل هذا الأثر على أن أول جمعة جمعت في المدينة كان عدد من جمع بهم أربعين مما يدل على أن هذا العدد هو العدد الذي تنعقد به الجمعة. يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن فيه محمد بن إسحاق، وهو مختلف فيه ( [٣٨] ) .

стр. 3947

الوجه الثاني: أن هذا العدد وقع اتفاقاً لا قصداً فلا يصح الاستدلال به؛ لأنه لم ينص على أنهم أمروا بإقامة الجمعة فلم يقيموها حتى بلغوا أربعين، مما يدل على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة أربعين، بل قصارى ما أفاد هو أن العدد الذي أقيمت به أول جمعة في المدينة بناء على هذا الأثر هو أربعون. الدليل الثالث: عن جابر بن عبد اللَّه قال: مضت السنة أن في كل ثلاثة إمام أو في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطر، وذلك أنهم جماعة ( [٣٩] ) . وجه الدلالة: أن هذا الحديث يفيد أن أقل عدد تنعقد به صلاة الجمعة وصلاة العيد هو أربعون. مما يدل على أنها لا تنعقد بأقل من ذلك. يناقش: بأن هذا الحديث ضعيف ( [٤٠] ) فلا يصح الاستدلال به ( [٤١] ) . دليل القول الثالث: عن أبي أمامة أن نبي اللَّه- ﷺ -قال: " على الخمسين جمعة ليس فيما دون ذلك " ( [٤٢] ) . وجه الدلالة: أن هذا الحديث نص على عدم جواز انعقاد الجمعة بأقل من خمسين رجلاً. لأنها لا تجب على من هم أقل من ذلك. نوقش: أن هذا الحديث ضعيف فلا يصح الاستدلال به ( [٤٣] ) . أدلة القول الرابع: الدليل الأول: عن جابر بن عبد اللَّه قال: بينا النَّبِيّ- ﷺ -قائم يوم الجمعة إذ قدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول اللَّه- ﷺ -حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر. قال: ونزلت هذه الآية: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾ ( [٤٤] ) ( [٤٥] ) . وجه الدلالة: أن النَّبِيّ- ﷺ -استمر في صلاة الجمعة مع أنه لم يبق معه بعد انصراف الناس للعير إلا اثنا عشر رجلاً، وما يشترط للابتداء يشترط للاستدامة، فيكون أقل عدد تنعقد به الجمعة اثني عشر رجلاً ( [٤٦] ) .

стр. 3948

نوقش: أن هذا العدد الذي بقي مع النَّبِيّ- ﷺ -وقع اتفاقاً ولم يكن قصداً، فربما يبقى أكثر، وربما يبقى أقل، فلا يكون فيه دليل على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة اثنا عشر رجلاً ( [٤٧] ) . الدليل الثاني: أن مصعب بن عمير حين بعثه النَّبِيّ- ﷺ -إلى المدينة جمع بهم وهم اثنا عشر رجلاً ( [٤٨] ) . نوقش من وجهين: الأول: أن هذا لا يصح إسناده فلا يصح الاستدلال به ( [٤٩] ) . الوجه الثاني: أنه لو صح فإنه لا يكون فيه دليلاً على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة اثنا عشر؛ لأنا نقول أن هذا العدد وقع اتفاقاً لا قصداً. فربما لو اجتمع أقل من ذلك لجمع بهم مما يدل على أن هذا لا يدل على أن أقل عدد تقام به الجمعة اثنا عشر ( [٥٠] ) . أدلة القول الخامس: الدليل الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللَّه وذروا البيع ... ﴾ الآية ( [٥١] ) . وجه الدلالة: أن ما ذكر في الآية يقتضي منادياً وذاكراً وهو المؤذن والإمام والاثنان يسعون لأن قوله: "فاسعوا" لا يتناول إلا المثنى، ثم مادون الثلاث ليس بجمع متفق عليه فإن أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع، فالمثنى وإن كان فيه معنى الجمع من وجه فليس بجمع مطلق واشتراط الجماعة ثابت مطلقاً ( [٥٢] ) . يناقش: أن الخطاب في الآية لعموم المؤمنين بوجوب إقامة صلاة الجمعة إذا نودي لها. وأقل ما تتجه له صيغة الخطاب في الآية هم الثلاثة لأنهم أقل الجمع فتنعقد الجمعة بثلاثة لأنهم أقل الجمع. الدليل الثاني: عن أم عبد اللَّه الدوسية قالت: قال رسول اللَّه- ﷺ : " الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلاَّ أربعة " ( [٥٣] ) .

стр. 3949

وجه الدلالة: أن هذا الحديث أثبت أن الجمعة تقام في القرية وإن لم يكن فيها إلاَّ أربعة، وهذا يدل على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة هو أربعة وأن ما كان أقل من ذلك فإنه لا تنعقد به الجمعة. يناقش: أن هذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به لأن فيه معاوية بن يحيى ومعاوية بن سعيد وهما مجهولان ( [٥٤] ) . الدليل الثالث: أن الأربعة عدد يزيد على أقل الجمع المطلق أشبه الأربعين ( [٥٥] ) . يناقش: أن الجمعة يكفي فيها أقل الجمع وهو ثلاثة لأنه تنعقد به الجماعة ولا داعي للزيادة عليه طالما أنه يكفي، فتنعقد الجمعة به. ثم إنه لا داعي لأن يكون العدد يشبه الاربعين حتى تنعقد به الجمعة لأنه لم يثبت أن الجمعة لا تنعقد إلاَّ بالأربعين. دليل القول السادس: " إن الاثنين جماعة فيحصل الاجتماع، ومن المعلوم أن صلاة الجماعة في غير الجمعة تنعقد باثنين بالاتفاق، والجمعة كسائر الصلوات فمن ادعى خروجها عن بقية الصلوات، وأن جماعتها لابد فيها من ثلاثة فعليه الدليل" ( [٥٦] ) . نوقش: أنه لابد في صلاة الجمعة من جماعة تستمع الخطبة من الخطيب وأقلها اثنان والخطيب هو الثالث: فيتبين أنه لابد في صلاة الجمعة من ثلاثة خطيب ومستمعان وأن الاثنين لا يكفيان؛ لأن أحدهما يكون خطيباً والآخر يكون مستمعاً ( [٥٧] ) . الترجيح:

стр. 3950

بعد الاطلاع على هذه المسألة والنظر في الأقوال الواردة فيها ومعرفة أدلة هذه الأقوال، ومناقشة ما يحتاج إلى مناقشة من هذه الأدلة تبين لي - واللَّه أعلم بالصواب- أن القول الراجح هو القول الأول وهو أن الجمعة تنعقد بثلاثة رجال فإذا وجد ثلاثة رجال من أهل الجمعة صحت إقامة صلاة الجمعة في المكان الذي يقيمون به. وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولعدم سلامة أدلة الأقوال الأخرى من المناقشة؛ ولأن هذا العدد أقل الجمع الذي يمكن أن يحصل به اجتماع، خاصة حينما يتقدم الإمام للخطبة والصلاة فيكون خلفه اثنان وبالتالي تكتمل الجماعة ويحصل الاجتماع، واللَّه أعلم. المبحث الثالث: حكم الخطبة بغير العربية اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها لا تصح بغير العربية لغير الحاجة، وتصح للحاجة. وهذا قول عند الشافعية ( [٥٨] ) ، ومذهب الحنابلة ( [٥٩] ) ، وقول الصاحبين من الحنفية ( [٦٠] ) ، وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية ( [٦١] ) . القول الثاني: أنه تشترط الخطبة بالعربية ولا تصح بغيرها. وهذا مذهب المالكية ( [٦٢] ) ، والشافعية ( [٦٣] ) ، والرواية الصحيحة عند الحنابلة ( [٦٤] ) . القول الثالث: أنه يستحب الخطبة بالعربية ويصح بغيرها. وهذا قول أبي حنيفة وهو المعتمد عند الحنفية ( [٦٥] ) ، وقول عند الشافعية ( [٦٦] ) ، ورواية عند الحنابلة ( [٦٧] ) . الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن الخطبة لا تكون إلاَّ بالعربية لمن يفهمها ويعرفها ويحصل الفائدة المرجوة منها ولكن إذا كان المستمعون لها لا يفهمونها ولا يعرفونها ولا يحصلون الفائدة المرجوة منها إذا كانت بالعربية فإنه يجوز أن تكون بلسانهم الذي يعرفونه لا بالعربية، وذلك لأن المقصود من الخطبة الوعظ والإرشاد والتوجيه وهذا يأتي لمن لم يفهم الخطبة لكونها ألقيت بغير لسانه ولغته. الدليل الثاني:

стр. 3951

أن الخطبة بالعربية ليست مقصودة لذاتها حتى يمكن أن يقال بعدم صحتها بغيرها حتى ولو لم يفهمها الناس المستمعون بل هي مقصودة لما فيها من تعليم وتوجيه وإرشاد للمستمعين لها وهذا لا يحصل لمن لم يفهمها ويعرفها لكونها ألقيت بغير لغته التي يفهمها. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن مالك بن الحويرث قال: أتينا إلى النَّبِيّ- ﷺ -ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة، وكان رسول اللَّه- ﷺ -رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أوقد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم ومروهم، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " ( [٦٨] ) . وجه الدلالة: أن النَّبِيّ- ﷺ -أمر في هذا الحديث بأن يصلي المسلم كما رأي النَّبِيّ- ﷺ -يصلي ويقتدي به في أحواله كلها وخاصة الصلاة، وخطبة الجمعة جزء من الصلاة التي ينبغي أن يقتدي المسلم فيها بالنبي- ﷺ ، وبما أن النَّبِيّ- ﷺ -كان يخطب الجمعة بالعربية فإنه ينبغي ألا تخطب الجمعة إلاَّ بالعربية ولا تصح بغيرها، اقتداء بالنبي- ﷺ . يناقش: أن النَّبِيّ- ﷺ -إنما كان يخطب بالعربية لأنه عربي ويخطب بقوم عرب فلا حاجة للخطبة بغيرها، وهذا ما نقول به عند عدم الحاجة للخطبة بغيرها، وأما حينما يكون هناك حاجة للخطبة بغيرها كأن يكون الذين تلقى عليهم الخطبة غير عرب ولا يفهمون العربية فإنه يصح أن يخطب بهم بلغتهم من أجل تحصيل المقصود من الخطبة وهو الوعظ والإرشاد والنصح، مما لا يتحصل لوقلنا بوجوب الخطبة بالعربية لهم. الدليل الثاني:

стр. 3952

أننا نقول بوجوب الخطبة باللغة العربية لاتباع السلف والخلف حيث لم يعهد منهم الخطبة بغير العربية ( [٦٩] ) . يناقش: أن السلف والخلف الذين ذكرتم إنما كانوا يخطبون باللغة العربية لأنهم كانوا يخطبون بأناس يعرفون العربية، وهذا مما لا شك فيه أنه ينبغي الخطبة في مثل هذه الحالة باللغة العربية لعدم الحاجة للخطبة بغيرها. الدليل الثالث: أن الخطبة ذكر مفروض فيشترط فيها أن تكون باللغة العربية كتكبيرة الإحرام والتشهد ونحوها ( [٧٠] ) . يناقش: أنه لا يسلم لكم أنه يلزم أن تكون جميع الأذكار المفروضة باللغة العربية لأنه يلزم من هذا القول إثبات فرضية تعلم العربية على جميع المسلمين وهذا قول مرجوح لقول اللَّه تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فيالدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ ( [٧١] ) . وبناء على هذا فإننا نقول بعدم وجوب تعلم العربية على جميع المسلمين فإذا قلنا بهذا القول فإننا نقول إنه يمكن أن تكون بعض الأذكار بغير العربية عند الحاجة لذلك ومنها الخطبة. دليل القول الثالث: أن المقصود من الخطبة الوعظ وهو حاصل بكل اللغات فتصح الخطبة بأي لغة كانت ( [٧٢] ) . يناقش: أن الأصل في الخطبة أن تكون باللغة العربية إذا كان المستمعون يفهمونها ويعرفونها ولا تصح بغيرها لفعل النَّبِيّ- ﷺ -وأصحابه من بعده، وأما إن كان المستمعون لا يفهمون ولا يعرفون العربية فإنه لا بأس من الخطبة بغيرها للحاجة لذلك. الترجيح:

стр. 3953

بعد النظر في الأقوال الواردة في هذه المسألة والاطلاع على أدلتها ومناقشة ما لم يستقيم من هذه الأدلة تبين لي - واللَّه أعلم بالصواب- أن القول الراجح فيها هو القول الأول وهو أن الأصل في الخطبة أن تكون بالعربية ولا تصح بغيرها عند عدم الحاجة لذلك، وتصح بغيرها عند الحاجة لذلك بشرط قراءة الآيات باللغة العربية ثم ترجمة معانيها بلغة الخطبة. وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولضعف أدلة الأقوال الأخرى وعدم سلامتها من المناقشة، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والإرشاد وهذا إذا كان بلغة لا يفهمها من ألقيت عليه فإنه يفوت المقصود منها وتكون عديمة الجدوى بخلاف ما إذا كانت بلغة يفهمها من ألقيت عليه فإنه يفهمها ويستفيد منها ويتعظ بها، ثم إن كثير من المسلمين في العصر الحاضر لا يعرفون العربية وفي إلزامهم بتعلم العربية مشقة كبيرة عليهم قد لا يقدرون عليها وقد تكون سبباً في صدهم وأعراضهم عن الإسلام كما أنه لا يلزم من الإسلام أن يكون الإنسان متقناً للغة العربية، فلا يعقل بعد هذا أن يمنع إلقاء الخطبة بغير العربية وتفويت فوائدها المرجوة منها بسبب أمر ليس في مقدور المسلم العجمي تعلمه وتحصيله. الفصل الثاني: في حكم صلاة العيد للمغتربين يمر على المغتربين في وقت غربتهم أيام عيد الفطر وعيد الأضحى وهي أيام شرع اللَّه فيها صلاة العيد وجعلها فيها من شعائر الإسلام الظاهرة التي ينبغي المحافظة عليها. فما حكم صلاة العيد للمغتربين؟ القول الأول: أنها فرض كفاية. وهو قول عند المالكية ( [٧٣] ) ، وقول عند الشافعية ( [٧٤] ) ، ومذهب الحنابلة ( [٧٥] ) . القول الثاني: أنها سنة. وهو رواية عند الحنفية ( [٧٦] ) ، والمشهور عند المالكية ( [٧٧] ) ، ومذهب الشافعية ( [٧٨] ) ، ورواية عند الحنابلة ( [٧٩] ) . القول الثالث: أنها واجبة.

стр. 3954

وهو الرواية الصحيحة عند الحنفية ( [٨٠] ) ، وقول عند المالكية ( [٨١] ) ، ورواية عند الحنابلة هي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ( [٨٢] ) . الأدلة: أدلة القول الأول: استدلوا بأدلة تدل على الوجوب في الجملة ومنها: الدليل الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ ( [٨٣] ) . وجه الدلالة: أن هذه الآية أمرت بأداء صلاة العيد والأمر يقتضي الوجوب إلا بصارف يصرفه من الوجوب إلى الندب ولا صارف هنا. الدليل الثاني: عن أم عطية ﵂ قالت: " أمرنا -تعني النَّبِيّ- ﷺ - أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين ( [٨٤] ) . وجه الدلالة: أن الأمر يقتضي الوجوب إلا بصارف يصرفه من الوجوب إلى الندب ولا صارف هنا. وإذا كان النَّبِيّ- ﷺ -أمر النساء بحضور صلاة العيد مع أنهن لسن من أهل الاجتماع لعدم مشروعية صلاة الجماعة لهن في المسجد. فإن الرجال من باب أولى فيكون شهود العيد في حقهم أوجب. الدليل الثالث: أن مواظبة ومداومة النَّبِيّ- ﷺ -عليها وعدم تخلفه عنها يدل على وجوبها ( [٨٥] ) . يناقش: أن الأصل في المداومة على الشيء إذا لم يكن فيه أمر الاستحباب ( [٨٦] ) . الدليل الرابع: أن صلاة العيد من أعلام الدين وشعائره الظاهرة فكانت واجبةكالجمعة ( [٨٧] ) . يناقش: أن من أعلام الدين وشعائره ما ليس واجباً على الأعيان بل هو واجب كفائي، كالأذان والإقامة فليس كل ما كان من أعلام الدين وشعائره واجباً على الأعيان. الدليل الخامس: أنها لو لم تكن واجبة لم يجب قتال تاركيها كسائر السنن. يحققه أن القتال عقوبة لا تتوجه إلى تارك مندوب كالقتل والضرب ( [٨٨] ) .

стр. 3955

يناقش: أنه إنما جاز قتال تاركيها لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة لا يجوز لأي مجتمع تركها بالكلية ولذلك جاز قتال تاركيها لعدم إظهارهم لهذه الشعيرة المهمة من شعائر الإسلام فأصبح هذا المجتمع الذي لا يظهرها في المجتمعات الكافرة فجاز قتاله حتى يظهرها ليتميز عن غيره من المجتمعات. الدليل السادس: أن صلاة العيد صلاة شرعت لها الخطبة فكانت واجبة على الأعيان ( [٨٩] ) وليست فرضاً كالجمعة. يناقش: أن هذا قياس مع الفارق حيث إنها تختلف عن الجمعة لأن خطبة الجمعة واجبة واستماعها واجب بخلاف صلاة العيد فخطبتها غير واجبة واستماعها غير واجب. ما سبق من الأدلة دل على وجوب صلاة العيد في الجملة وأما أدلة عدم وجوبها على الأعيان فهي: الدليل الأول: أن صلاة العيد صلاة لا يشرع لها الأذان فلم تكن واجبة على الأعيان كصلاة الجنازة ( [٩٠] ) . الدليل الثاني: أن صلاة العيد لو كانت واجبة على الأعيان لوجبت خطبتها، ووجب استماعها كالجمعة ( [٩١] ) . أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن طلحة بن عبيد اللَّه قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه- ﷺ -من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول اللَّه- ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل علي غيرها؟ قال:لا إلا أن تطوع. قال رسول اللَّه- ﷺ : وصيام رمضان. قال: هل علي غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع. قال: وذكر له رسول اللَّه- ﷺ -الزكاة. قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع. قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: واللَّه لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول اللَّه- ﷺ : أفلح إن صدق" ( [٩٢] ) .

стр. 3956

وجه الدلالة: أن النَّبِيّ- ﷺ -بين للأعرابي في هذا الحديث عدم وجوب أي صلاة سوى الصلوات الخمس مما يدل على سنية ما عداها من الصلوات. ومن ضمن الصلوات صلاة العيد فتكون سنة. يناقش: أنه لا حجة لكم فيه لأن الأعراب لا تلزمهم الجمعة لعدم الاستيطان فالعيد أولى ( [٩٣] ) . الدليل الثاني: عن عبادة بن الصامت ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه- ﷺ -يقول: خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد، من جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند اللَّه عهدٌ أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند اللَّه عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ( [٩٤] ) . وجه الدلالة: أن النَّبِيّ- ﷺ -لم يذكر في هذا الحديث سوى الصلوات الخمس المفروضة مما يدل على سنية ما عداهن. يناقش: أن النَّبِيّ- ﷺ -إنما صرح بوجوب الخمس وخصها بالذكر دون ما عداها لتأكدها ووجوبها على الأعيان، ووجوبها على الدوام وتكرارها في كل يوم وليلة، وغيرها يجب نادراً ولعارض كصلاة الجنازة والمنذورة والصلاة المختلف فيها فلم يذكرها ( [٩٥] ) . الدليل الثالث: أن صلاة العيدين صلاة ذات ركوع وسجود لم يشرع لها أذان فلم تجب ابتداءً بالشرع كصلاة الاستسقاء والكسوف ( [٩٦] ) . يناقش: أن هذا القياس لا يصح لأن كونها ذات ركوع وسجود لا أثر له، بدليل أن النوافل كلها فيها ركوع وسجود، وهي غير واجبة، فيجب حذف هذا الوصف لعدم أثره، ثم ينقض قياسهم بصلاة الجنازة وينتقض بكل حال بالمنذورة ( [٩٧] ) أدلة القول الثالث: استدل أصحاب هذا القول بعموم الأدلة التي دلت على وجوب صلاة العيد في الجملة ( [٩٨] ) ، وقالوا بأنها باقية على عمومها لعدم وجود دليل يخص أو يستثني بعض المسلمين دون بعض، وقد سبق مناقشة ما يحتاج إلى مناقشة منها. الترجيح:

стр. 3957

بعد النظر في هذه المسألة والاطلاع على الأقوال الواردة فيها ومعرفة أدلة هذه الأقوال ومناقشة ما يحتاج إلى مناقشة من هذه الأدلة تبين لي أن القول الراجح هو القول الأول وهو أن صلاة العيد فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الجميع وإن لم يقم بها من يكفي أثم الجميع. وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولعدم استقامة أدلة الأقوال الأخرى، واللَّه أعلم. الفصل الثالث: في الجنائز المبحث الأول: حكم زيارة قبور المشركين عندما يوجد المغترب في بلاد الكفار فإن أغلب القبور التي تكون موجودة فيها تكون قبور كفار، وقد يرغب المسلم المغترب في زيارتها أو قد يضطر لزيارتها إما مجاملة لزميل له أو نحو ذلك، فهل يجوز له زيارة قبور المشركين أم لا يجوز له ذلك؟ اتفق جمهور الفقهاء ( [٩٩] ) على أنه يجوز للمسلم أن يزور قبور الكافرين والمشركين وذلك لأنه يتحصل له من هذه الزيارة تذكر الموت والدار الآخرة والتي علل بها المصطفى- ﷺ -الإذن العام بزيارة القبور، دون تفريق بين قبور المسلمين وقبور الكافرين. استدلوا على ذلك بما يأتي: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: " زار النَّبِيّ- ﷺ -قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت " ( [١٠٠] ) . وجه الدلالة: أن اللَّه أذن للنبي- ﷺ -أن يزور قبر أمه وهي مشركة مما يدل على جواز زيارة قبور المشركين. قال ابن تيمية: ولهذا تجوز زيارة قبورالمشركين لهذه العلة كما ثبت في الصحيحين عن النَّبِيّ- ﷺ -أنه زار قبر أمه ( [١٠١] ) . وقال النووي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى ( [١٠٢] ) . الدليل الثاني:

стр. 3958

عن بريدة ﵁ قال: قال رسول اللَّه- ﷺ : " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الاسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً " ( [١٠٣] ) . وجه الدلالة: عموم قول النَّبِي- ﷺ : " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، حيث كان النهي عن زيارة القبور عاماً سواء كانت قبور مسلمين أو قبور كفار، فجاء الإذن بزيارتها عام أيضاً فيشمل قبور المسلمين وقبور الكفار أيضاً. المبحث الثاني: حكم الدفن في التابوت هناك بعض البلاد غير الإسلامية تشترط وضع جثمان الميت مهما كان في تابوت. سواء كان هذا الميت مسلماً أو غير مسلم. وقد يموت في هذه البلاد أحد من المسلمين الذين يعيشون فيها، فهل يجوز أن يضع المسلم قريبه المتوفى في تابوت إذا اشترطت سلطات البلد الذي يوجد فيه وضعه في هذا التابوت أم لا يصح منه ذلك؟ اتفق جمهور الفقهاء ( [١٠٤] ) من الحنفية ( [١٠٥] ) ، والمالكية ( [١٠٦] ) ، والشافعية ( [١٠٧] ) ، والحنابلة ( [١٠٨] ) على أنه ينبغي أن يكفن الميت ويوضع في قبره بدون تابوت حيث يكره وضع الميت في تابوت إلا عند الحاجة إلى ذلك كأن تكون الأرض ندية أو رخوة لا تتماسك حتى يوضع فيها الميت، أو كانت أرضاً مسبعة تكثر فيها السباع التي تعتدي على الأموات بنبش قبورهم وأكلهم أو أن تكون سلطات البلد الذي يقيم فيه المغترب تلزم بوضع جثمان الميت في تابوت ثم دفنه فيه كما هو حال بعض الدول الأوربية، أو نحو ذلك، فإنه لا يكره في هذه الحالة وضع الميت في تابوت للحاجة إلى ذلك. وقد استدلوا بالأدلة الآتية: الدليل الأول: أن وضع الميت ودفنه في تابوت لم ينقل عن النَّبِيّ- ﷺ -مما يدل على عدم مشروعيته ( [١٠٩] ) . الدليل الثاني:

стр. 3959

أن وضع الميت ودفنه في تابوت تشبه بالكفار حيث إنه من عملهم وقد ورد النهي عن التشبه بهم ( [١١٠] ) . الدليل الثالث: أن دفن الميت في الأرض أنشف لفضلاته حيث يعجل بنشوف فضلاته وتأخر إنتانه بخلاف وضعه في تابوت حيث إنه يساعد على تأخر نشوف فضلاته وسرعة إنتانه ( [١١١] ) . الدليل الرابع: أن عدم إدخال التابوت معه في قبره ولا شيء مما مسته النار تفاؤلاً بألا يمس الميت النار ( [١١٢] ) . الدليل الخامس: أن في الدفن في التابوت إضاعة مال مع عدم ورود ذلك عن السلف ( [١١٣] ) . المبحث الثالث: حكم دفن المسلم في مقابر الكفار قد يموت المسلم المغترب في بلد اغترابه ولا يستطيع ورثته دفنه في مكان خاص بالمسلمين لعدم وجود مقابر خاصة بالمسلمين في البلد الذي مات فيه. أو لا يجدون بلداً من بلاد المسلمين تسمح سلطاته باستقبال جثمان الميت المسلم لدفنه في مقابرها. فهل يجوز دفنه في مقابر الكفار أم لا يجوز ذلك؟ اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية ( [١١٤] ) ، والمالكية ( [١١٥] ) ، والشافعية ( [١١٦] ) ، والحنابلة ( [١١٧] ) . على أنه لا يجوز دفن المسلم في مقابر الكفار. إلا عند الضرورة كأن يموت المسلم في بلد كفار لا يوجد فيه مقبرة خاصة بالمسلمين، ولا يستطيع ورثته نقله إلى بلد من بلاد المسلمين لدفنه فيها لعدم قدرتهم المالية على ذلك أو لأنهم لا يجدون بلداً من بلاد المسلمينتسمح سلطاته باستقبال جثمان الميت المسلم لدفنه فيها. فإنه يجوز في هذه الحالة دفن المسلم في مقابر الكفار. وهذا ما أفتى به مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره الثالث المنعقدة بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨-١٣ صفر ١٤٠٧ الموافق ١١-١٦ أكتوبر ١٩٨٦م ( [١١٨] ) . الخاتمة:

стр. 3960

أحمد اللَّه حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه على ما وهب من نعم، وما دفع من نقم، وما رزق من شكر، وما تجاوز وعفا عن ذنب وخطيئة، وعلى ما ستر من عيب، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ليهدي به اللَّه من شاء هدايته ويدله على طريق الخير القويم، ويضل به من سبقت عليه الضلالة إلى يوم الدين. صلاة وسلاماً ما تعاقب الليل والنهار الجديدين إلى أن يرث اللَّه الأرض فيبعث اللَّه العالمين، وبعد: فإن مما لا شك فيه ولا ريب أن لكل شيء بداية، وله في ذات الأمر نهاية وهذا البحث من الأشياء التي كانت لها بداية فكان لابد له من نهاية يختم بها وينهي الحديث عنه بالحديث عنها، فجعلت خاتمته في أهم النتائج التي توصلت إليها فيه وهي: ١ -أنه لا يشترط إذن الإمام في صحة إقامة صلاة الجمعة سواء كان ذلك في بلاد المسلمين أم في بلاد الكافرين. ٢ - أن صلاة الجمعة تنعقد بثلاثة رجال وهم إمام يخطب واثنان يستمعان. فإذا وجد ثلاثة رجال من أهل الجمعة، صحت إقامة صلاة الجمعة في المكان الذي يقيمون فيه. ٣ - أن الأصل في الخطبة أن تكون باللغة العربية ولا تصح بغيرها عند عدم الحاجة لذلك، وتصح بغير العربية عند الحاجة لذلك إذا كان المستمعون لا يفهمون العربية ولا يعرفونها بشرط قراءة الآيات القرآنية بالعربية ثم تترجم معانيها بلغة الخطبة. ٤ - أن صلاة العيد فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن لم يقم بها من يكفي أثم الجميع. ٥ - أنه يجوز للمسلم أن يزور قبور الكافرين والمشركين؛ لأنه يتحصل له من هذه الزيارة تذكر الموت والآخرة كما يتحصل من زيارة قبور المسلمين.
следующие страницы →