← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

وعن أبي هريرة (عن النبي (قال: ((بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له)) ، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: ((في كل ذات كبد رطبة أجرٌ)) (١) . وعن أنس بن مالك (قال: ((ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)) (٢) . وعن ابن عمر ﵄ أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله (لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً (٣) . فالرحمة من الصفات العظيمة التي ندب الله عباده إلى التحلي بها وحثهم عليها فينبغي الاتصاف بها، فبها يحسن الإسلام ويزداد الإيمان. ٦ التواضع التواضع: التذلل. ويقال: تواضع الرجل: إذا تذلل (٤) ، وقيل: التواضع سلم الشرف، وسئل الفضيل عن التواضع فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته، وقال ابن المبارك: رأس التواضع: أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا، حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل (٥) . والتواضع: تجمل النفس بالخضوع لله تعالى ومنع النفس من الترفع على الناس والاستخفاف بهم وحملها على احترامهم وهو لين الجانب للناس والخشوع وخفض الجناح.

стр. 4797

وهو من الأخلاق الإسلامية الحميدة التي يكتسبها المؤمن من إيمانه بالله ، ولذا وصف الله تعالى عباده الصالحين بالتواضع وخصهم بذلك دون غيرهم فتأثير الإيمان في هؤلاء جعلهم يتميزون عن غيرهم، قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً (] الفرقان ٦٣ [. قال ابن كثير: هذه صفات عباد الرحمن المؤمنين الذين يمشون في الأرض بسكينة ووقار وتواضع دون استكبار وجبرية، وإذا خاطبهم الجاهلون بكلام سيئ سفيه لا يردونهم بمثله بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيراً (١) . ولذا ينبغي على المؤمن أن لا يفتخر على الآخرين ولا يتكبر عليهم، لأن المتكبر يرى نفسه في مكان لم يصل إليه غيره ويظن أنه أفضل وأحسن من الناس، قال تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين (] الحجر ٨٨ [. والتواضع يزيد المؤمن عزة وكرامة كما جاء في حديث المصطفى (: ((ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) (٢) . والكبر لا يأتي إلا من جهل الإنسان بربه الذي خلقه وبنفسه التي بين جنبيه والمتكبر يضع نفسه في مكانة ليست له، فهو ينازع المولى ﵎ في صفة من صفاته، جاء في الحديث القدسي أن الله يقول: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحداً منهما قذفته في النار)) (٣) . فالكبر عاقبته الذل والهوان والخسران، والمتكبر عقابه العذاب الأليم، قال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آيةٍ لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً (] الأعراف ١٤٦ [.

стр. 4798

وقال تعالى: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (] غافر ٧٠ [. يقول ابن حبان: الواجب على العاقل لزوم التواضع ومجانبة التكبر، ولو لم يكن في التواضع خصلة تحمله إلا أن المرء كلما كثر تواضعه ازداد بذلك رفعة لكان الواجب عليه أن لا يتزيا بغيره، والتواضع تواضعان: أحدهما محمود، والآخر: مذموم، والتواضع المحمود: ترك التطاول على عباد الله والإزراء بهم، والتواضع المذموم: هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه. فالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها، ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها (١) . وفي القرآن الكريم حث على التواضع، بل فيه الأمر الصريح كما قال تعالى مخاطباً رسوله (: (واخفض جناحك للمؤمنين (] الحجر ٨٨ وفي الشعراء يقول تعالى ٠ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (] الآية ٣١٥ [ والخفض في اللغة: نقيض الرفع، وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، أمره بالتواضع لفقراء المسلمين. ونظيره قوله تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين (] المائدة ٥٤ [. ويمتدح الله رسوله (فيقول: (وإنك لعلى خلق عظيم (] القلم ١٤ [. ويثني على عباد الرحمن بقوله: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً (] الفرقان ٦٣ [. وقال في جزاء المتواضعين: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين (] القصص ٨٣ [. وفي ذم الكبر يقول تعالى مخاطباً رسوله (: (ولا تصعِّر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختار فخور (] لقمان ١٨ [.

стр. 4799

وتوعد المتكبرين فقال: (وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم الله عذاباً أليماً (] النساء ١٧٣ [. وقال: (إنه لا يحب المستكبرين (] النحل ٢٣ [. وقال: (فلبئس مثوى المتكبرين ((النحل ٢٩) . ويقول في شأنهم أيضاً: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرو ن في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (] الأعراف ١٤٦ [. وفي السنة النبوية دعوة إلى التواضع وحث عليه، فعن عياض بن حمار (قال: قال رسول الله (: ((إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحدٍ ولا يبغي أحد على أحدٍ)) (١) . وعن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: ((ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ولا تواضع لله أحد إلا رفعه الله)) (٢) . وفي الترغيب في التواضع يقول ﵊: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم)) فقال له أصحابه: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) (٣) . وقال: ((لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت)) (٤) . وفي السنة النبوية ذم للكبر ودعوة إلى التنفير منه، قال رسول الله (: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر)) (٥) . وقال ﵊: ((العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته)) (٦) .

стр. 4800

وقال ﵊: ((بينما رجل يمشي قد أعجبته جمته وبراده؛ إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة)) (١) . مما تقدم تبين لنا أن التواضع خلق عظيم من أخلاق الإسلام، وقد كان سمة بارزة للرسول (، ولهذا فينبغي للمسلم أن يتواضع في غير مذلة ولا مهانةٍ، بحيث يكون التواضع من أخلاقه المثالية، وصفاته العالية؛ إذ المسلم يتواضع ليرتفع. وبالتواضع يرفع الإنسان، وبالكبر يخفض، إذ سنة الله جارية في رفع المتواضعين له، ووضع المتكبرين، والمسلم عندما يصغي بأذنه وقلبه إلى مثل هذه الأخبار الصادقة، من كلام الله وكلام رسوله في الثناء على المتواضعين مرة، وفي ذم المتكبرين أخرى، يحرص على ألا يكون من المتكبرين أسوة في ذلك برسول الله (، إذ لابد أن يتواضع الإنسان لعظمة الله وكبريائه، وسيظهر هذا التواضع في كلمته التي ينطق بها، وفي حركته التي يدب بها فوق ظهر الأرض، كما وصف الحق ﵎ عباده فقال: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً (] الفرقان ٦٣ [. وعن تواضع رسول الله (جاءت الأخبار الصحيحة والآثار الشهيرة، حيث تواترت الأخبار عمن اجتمع معه من أصحابه ﵊ أنه كان يبدأهم بالسلام، وينصرف بكليته إلى محدثه صغيراً كان أو كبيراً، وكان آخر من يسحب يده إذا صافح، وإذا أقبل جلس حيث ينتهي بأصحابه المجلس، وكان يذهب إلى السوق، ويحمل بضاعته، ويقول: أنا أولى بحملها، وشارك في بناء مسجده (، وفي حفر الخندق، وكان يجيب دعوة الحر والعبد والأمة، ويقبل عذر المعتذر، وكان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم في مهنة أهله، ويأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس، ويجلس على الأرض، وكان متواضعاً في ملبسه ومسكنه (٢) .

стр. 4801

وكان (بين أصحابه مثلاً أعلى للخلق الذي يدعو إليه، فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامي بسيرته العاطرة قبل أن يغرسه بما يقول من حكم وعظات (. وقال ابن عباس ﵄: إن النبي (لما قدم إلى مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب، فحمل واحداً بين يديه وآخر خلفه (١) ، وقال معاذ: كنت رديف رسول الله (على حمار، يقال له عفير، وكان مرة في سفر مع صحبه. فأرادوا أن يهيؤوا له طعاماً فقسّم العمل بينهم، فقام بجمع الحطب، فأرادو أن يكفوه ذلك فأبي، لأن الله يبغض الرجل يتعالى على رفاقه. ولما وقف عليه أعرابي يرتجف خشية، قال له (: "هون عليك فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد (٢) . وخرج على جماعة من أصحابه يتوكأ على عصا فقاموا له، فقال ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضاً)) (٣) . وعن أنس ابن مالك (قال: كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله (فتنطلق به حيث شاءت (٤) . وكان إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل الذي ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم يرَ مقدما ركبتيه بين يدي جليس له (٥) . وسئلت عائشة (ما كان رسول الله (يفعل في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة توضأ، فيخرج إلى الصلاة (٦) .

стр. 4802

وعن عبد الله بن الحارث: ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله (١) . فقد كان (يتواضع في كل حال من أحواله، فهو سهل الطبع، لين الجانب، دائم البشر، ليس بفظ ولا غليظ، ولا فاحش، ولا عتاّب، ولا مدّاح. قال عكرمة بن أبي جهل (عندما أسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس، وأصدق الناس، وأوفي الناس) ، قال عكرمة: أقول ذلك، وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه. وقال أنس بن مالك: خدمت رسول الله (عشر سنين والله ما قال لي: أُفا قط، ولا قال لي لشيء فعلته: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا (٢) . وقال أنس بن مالك (: (كان رسول الله (يعود المريض ويشهد الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، وكان يوم بني قريظة على حمار) (٣) . وقد ضرب الخلفاء الراشدون ﵃ وغيرهم من الصحابة والتابعين أروع الأمثلة في التواضع أسوة برسول الله ((٤) . فالتواضع من صفات المؤمنين التي يكمل بها الإيمان وترتفع به الدرجة عند الرحمن . المبحث السابع: أثر الإيمان في توجيه الأخلاق

стр. 4803

للإيمان أثر كبير في توجيه الناس إلى الأخلاق الفاضلة، وقد يظن بعض الناس أن حسن الخلق من الصفات الجبلِّية التي لا مجال للتغيير فيها، ولا يمكن اكتسابها، فإن كان الإنسان مجبولاً على سوئها أو فقدها فإنه يبقى سيئ الخلق وهذا مفهوم خاطئ يحتاج إلى تصحيح، لأنه لو كانت الأخلاق لا تكتسب ولا تقبل التغيير لم يكن للخطب والمواعظ والإرشاد قيمة، ولم يكن للتربية والتهذيب معنىً، والحق أن لذلك أثراً في تهذيب الطباع والتربية على الأخلاق. صحيح أن الإنسان إذا كان مجبولاً على حسن الخلق فإنه يبقى حسن الخلق، وخاصة إذا سعى إلى تحقيق ما جُبِل عليه في واقع حياته. ولكن الشخص الذي لم يجبل على حسن الخلق فإنه يمكن أن يكتسب شيئاً بل أشياء من الأخلاق الحسنة، وإن لم يكن مجبولاً عليها، وهذا هو أثر الإيمان في توجيه الأخلاق، ومن الأدلة على ذلك: ١ إن الشرع الحكيم دعا الناس إلى الأخلاق الحسنة وأمرهم بها ورغبهم فيها، ولو لم يمكن اكتسابها لم يكن لدعوة الشرع إلى ذلك معنىً، ولم يكن فيه فائدة للوعظ والوصايا في ذلك، وقد سبقت أدلة كثيرة تحث على الأخلاق وترغب فيها. يقول الراغب الأصبهاني: " ولو لم يكن كذلك لبطلت فائدة المواعظ والوصايا والوعد والوعيد والأمر والنهي، ولما جوز العقل أن يقال للعبد: لم فعلت؟ ولم تركت؟ وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعاً وقد وجدناه في بعض البهائم ممكناً" (١) .

стр. 4804

٢ أننا نرى بعض الحيوانات تعلم وتدرب على بعض الأمور فتتعلمها ومن ذلك أن الفرس تعلم حسن المشي وجودة الانقياد فتتعلم وهي من قبل على خلاف ذلك، وكذلك الحال بالنسبة للكلب المعلم، يُعلم ترك الأكل فيتعلم وهو على خلاف ذلك من قبلُ، والحمار الوحشي يستأنس بعد توحشه. فهذا دليل على أنه يمكن تغيير الصفات الجبلية أو بعضها، وإذا كان الحيوان يستطيع أن يتعلم فابن آدم أولى بذلك وأقدر، وهذا لا يحصل إلا بعد كثرة المراس والتعلم والاستفادة. يقول الغزالي: "كيف ننكر هذا يشير إلى تغير الخلق في حق الآدمي، وتغير خلق البهيمة ممكن، إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد، وكل ذلك تغير للأخلاق" (١) ويقول ابن قدامة (٢) رحمه الله تعالى: وأما خيال من اعتقد أن ما في الجبلة لا يتغير، فاعلم أنه ليس المقصود قمع هذه الصفات بالكلية، وإنما المطلوب من الرياضة رد الشهوة إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط، كيف والشهوة إنما خلقت لفائدة ضرورية في الجبلة ولو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان، أو شهوة الوقاع لانقطع النسل، ولو انعدم الغضب بالكلية، لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه. وقد قال تعالى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم (] الفتح ٢٩ [، ولا تصدر الشدة إلا من الغضب، ولو بطل الغضب لامتنع جهاد الكفار، وقد قال تعالى: (والكاظمين الغيظ (] آل عمران ١٣٤ [ولم يقل الفاقدين الغيظ.

стр. 4805

واعلم أن الاعتدال تارة يحصل بكمال الفطرة منحة من الخالق، فكم من صبي يخلق صادقاً سخياً حليماً، وتارةً يحصل بالاكتساب، وذلك بالرياضة، وهي حمل النفس على الأعمال الجالبة للخلق المطلوب. فمن أراد تحصيل خلق الجود فليتكلف فعل الجواد من البذل ليصير ذلك طبعاً له، وكذلك من أراد التواضع تكلف أفعال المتواضعين، وكذلك جميع الأخلاق المحمودة، فإن للعادة أثراً في ذلك" (١) . فإذا كان الإنسان المؤمن مجبولاً على حسن الخلق فذاك فضل من الله تعالى، فما عليه إلا أن يستغل ما وهبه الله تعالى من حسن الخلق بإصلاح الناس والنهي عن الفساد، وإن لم يكن كذلك فعليه أن يكتسب حسن الخلق بأحواله، فإن حسن الخلق من الأمور التي دعا إليها الإسلام، ومن صفات عباد الله المؤمنين. ولقد أثنى الله على نبيه محمد (لما جبله عليه من الأخلاق العظيمة (وإنك لعلى خلق عظيم (] القلم ٤ [. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجية وخلقاً تطبعه، وترك طبعه الجبلي فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل (٢) . فالله أثنى على رسوله (بهذه الآية الكريمة وبين أنه على خلق عظيم في عبادته وتعامله وامتثال أمر ربه. ويفهم من هذه الآية أن الله يحب صاحب الخلق، بدليل ثنائه على رسوله (لاتصافه بالخلق العظيم وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يتسابق المسلمون للاتصاف بهذه الصفة المحبوبة إلى الله تعالى. وعن أنس بن مالك (قال: كان رسول الله (أحسن الناس خلقاً (٣) الحديث.

стр. 4806

فهذا أنس (الذي لازم رسول الله (طويلاً وكثيراً، يصف رسول الله (بأنه أحسن الناس خلقاً. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص (قال: لم يكن رسول الله (فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: " إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً " (١) . ففي هذا الحديث الصحيح , تصريح من الرسول الله (أن من خيار الأمة من كان خلقه حسناً. وأي واحد من المسلمين لا يرغب أن يكون من خيار هذه الأمة. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه سمع النبي (يقول: ((ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ فسكت القوم فأعادها مرتين أو ثلاثاً)) قال القتوم: نعم يا رسول الله. قال ((أحسنكم خلقا)) (٢) . فأخبر (أن أحب الناس إليه وأقربهم منه مجلساً يوم القيامة أحسنهم أخلاقاً. وهذه منزلة عظيمة يجب على المؤمن أن يبذل كل غال ورخيص للحصول عليها لأن ذلك حصل بسبب الخلق الحسن. وعن النواس بن سمعان (قال: ((سألت رسول الله (عن البر والإثم؟ فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)) (٣) . وعن عبد الله بن مسعود (أن رسول الله كان يقول: ((اللهم أحسنت خلقي فحسن خلقي)) (٤) . وعن أبي الدرداء (عن النبي (قال: ((ليس شيء أثقل في الميزان من خلق حسن)) (٥) .

стр. 4807

أخرجه أبو داود بلفظ ((ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق (١) زاد الترمذي ((فإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء)) (٢) . وعن عائشة (قالت: سمعت رسول الله (يقول ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)) (٣) . وعن أبي هريرة (قال: سئل رسول الله (عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، قال: ((تقوى الله وحسن الخلق)) (٤)

стр. 4808

الحديث. فهذه الأحاديث الشريفة - وغيرها كثير - تبين فضل حسن الخلق وتدعو إليه. فليحرص كل مؤمن ومؤمنة أن يكون حسن الأخلاق، طيب الأفعال حتى ينال هذه المنزلة والدرجة الرفيعة فإذا كان الإيمان يطهر النفوس ويزكيها ويكسبها الأخلاق الفاضلة، فإن التزم المؤمن بالأخلاق الفاضلة يجذب الناس إلى الإيمان ويحببهم فيه فيدخلون في دين الله أفواجاً، وهذه مرتبة عالية وميزة عظيمة فيها ثواب عظيم وأجر كبير وعاقبة حميدة. الخاتمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: أحمد الله وأشكره على أن من عليّ بإتمام هذا البحث، وفيما يلي أهم نتائج هذا البحث: ١ الإيمان بالله يدفع صاحبه إلى الخلق الكريم والفعل الحسن لأن الإيمان إذا استقر في القلب انعكس ذلك على أفعال الإنسان وأقواله. ٢ أن المؤمن يدرك بحسن الخلق المنازل والدرجات العلا في الدنيا والآخرة، وإن الأخلاق لها منزلة عالية فهي تحقق السعادة لمن كرمت أخلاقه، تأسياً بالرسول (، فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً. ٣ الرسول (خير قدوة لنا في الأخلاق الكريمة والصفات الحسنة من الصدق والبر والرحمة والحلم والصبر والصدق والتواضع وغير ذلك. ٤ أن الأخلاق تبوأت في الإسلام مكانة رفيعة فمن أهم رسالة هذا الدين إتمام مكارم الأخلاق، لأنه ما من خلق كريم ولا فعل جميل إلا وقد وصله الله بهذا الدين. ٥ إن غاية الأخلاق الإسلامية تحقيق السعادة الدنيوية الممتثلة في جوانبها الروحية والعقلية والنفسية والحسية، وتحقيق السعادة في الآخرة بوصفها السعادة الحقيقية الأبدية. ٦ أن التزام الأخلاق الفاضلة له أثر في تقارب المؤمنين وصلاحهم وقربهم من الله، فتسود المحبة والألفة بينهم، ويتعاملون بالمودة والتراحم والتعاون فيسود بينهم الرضى والأمن.

стр. 4809

٧ أن التحلي بالأخلاق الكريمة يعود نفعه على كل من الفرد والمجتمع والأمة. وفي الختام أسأل الله ﵎ أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يوفقنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحواشي والتعليقات

стр. 4810

مرض القلوب وشفاؤها عند شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم جمع ودراسة د. سعود بن حمد الصقري استاذ مشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة - كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم ملخص البحث تضمن البحث موضوع " مرض القلوب وشفاؤها عند شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما اللَّه "، وقد جمعت أقوالهما المتعلقة بهذا الموضوع. وقد اشتمل البحث على مقدمة، وترجمة موجزة لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة. أما المقدمة فقد احتوت على بيان أهمية الموضوع وأسباب الكتابة فيه، والمنهج الذي سلكته في كتابة هذا البحث. وأما التمهيد فقد اشتمل على ثلاثة مباحث هي وجوب الاعتناء والاهتمام بحياة القلب، وذكر الأدلة من القرآن الكريم ومن السنة على مرض القلوب وشفائها، وبيان المقصود بالقلب. وأما الفصل الأول: فهو أقسام القلوب والألة على ذلك من الكتاب والسنة. وأما الفصل الثاني: فهو حياة القلوب ويشتمل على مبحثين: الأول: حقيقة حياة القلب وصحته، والثاني: ذكر أسباب حياة القلب وصحته. وأما الفصل الثالث: فهو أمراض القلوب ويشتمل على مبحثين: الأول: أنواع مرض القلوب وعلامة ذلك، الثاني: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية، وأما الفصل الرابع: فقد ذكرت آثار الذنوب والمعاصي على القلوب. وأما الخاتمة فقد بينت فيها نتائج البحث. والله الموفق وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المقدمة الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا إله إلا اللَّه إله الأولين والآخرين، الذي لا فوز إلا في طاعته القائل في كتابه العزيز: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأحْيَيْنَاه ((١) ، والصلاة والسلام على إمام المتقين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4811

وبعد: فقد ذكر الله " مرض القلوب وشفاءها " في مواضع من كتابه وجاء ذلك في سنة رسوله (كقوله تعالى عن المنافقين: (فِي قُلُوِبِهم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً ((١) ، وقوله تعالى: (وَيَشفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤمِنِين *ويُذْهِبَ غَيْظَ قُلُوبِهِم ((٢) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وما ذكر الله من مرض القلوب وشفائها بمنزلة ما ذكر من موتها وحياتها وسمعها وبصرها وعقلها وصممها وبكمها وعماها، لكن المقصود معرفة مرض القلوب ... إلى أن قال: فلذلك كان مرض القلب وشفاؤه أعظم من مرض الجسم وشفائه، فتارة يكون من جملة الشبهات، كما قال تعالى: (فَيَطْمَع الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ((٣) ... ففي قلوب المنافقين: المرض من هذا الوجه، ومن هذا الوجه: من جهة فساد الاعتقادات، وفساد الإرادات) (٤) . ولما كان مرض القلب بهذه الخطورة أحببت أن أجمع كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم للأسباب التالية: ١ - أنه قد انتشر في هذا الوقت من أمراض القلوب الكثير بين الناس كالحسد، والبخل، والظلم، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات وغيرها. ولكن لفساد القلب قد لا يحُس بالألم، قال ابن القيم ﵀ لما ذكر بعض هذه الأمراض: " ... ومرض الشهوات، وهذا النوع هو أعظم النوعين ألماً، ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم، ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم ... " (٥) . ٢ - لما للشيخين من مكانة في العلم ورسوخ قدمهما فيه وتأصيل عبارتهما واعتمادهما في التأليف على الأدلة من الكتاب والسنة، مع السعة والشمول، والجاذبية في الأسلوب والبيان، مع حسن الترتيب والسياق. فكان حرياً بنا أن نتتبع نصحهما وتوجيههما.

стр. 4812

٣ - أن لهما اهتماماً خاصاً بحياة القلوب ومرضها، وأسباب ذلك كما سيتبين إن شاء الله في ثنايا البحث. ٤ - أن كثيراً من الناس لم ينتبهوا إلى أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه، وأن القلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولقد كان لهذين الإمامين أجوبة مفيدة حول هذا الموضوع مدعمة بالأدلة النقلية والعقلية.. فكانت هذه المحاولة جمعاً لأقوالهما المتعلقة بهذا الموضوع، وترتيباً لها والتنسيق فيما بينها، وقد اشتملت خطة البحث - بعد هذه المقدمة - على ترجمة موجزة لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة، ثم الفهارس. وتفصيل ذلك كما يلي: ترجمة موجزة لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله. التمهيد ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بيان المقصود بالقلب. المبحث الثاني: وجوب الاعتناء والاهتمام بحياة القلب. المبحث الثالث: ذكر الأدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية على مرض القلوب وشفائها. الفصل الأول: بيان أقسام القلوب والأدلة على ذلك من القرآن الكريم والسنة ويشتمل على ثلاثة مباحث: ... المبحث الأول: القلب الصحيح. ... المبحث الثاني: القلب المريض. ... المبحث الثالث: القلب القاسي. الفصل الثاني: حياة القلوب، ويشتمل على مبحثين: ... المبحث الأول: بيان حقيقة حياة القلب وصحته. ... المبحث الثاني: ذكر أسباب حياة القلب وصحته. الفصل الثالث: أمراض القلوب، ويشتمل على مبحثين: ... المبحث الأول: أنواع مرض القلوب وعلامة ذلك. ... المبحث الثاني: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية. الفصل الرابع: آثار الذنوب والمعاصي على القلوب. الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث. الفهارس: وتتضمن ما يلي: ١ - فهرس الآيات القرآنية.

стр. 4813

٢ - فهرس الأحاديث والآثار. ٣ - فهرس الأعلام. ٤ - فهرس المصادر والمراجع. ٥ - فهرس الموضوعات. منهجي في البحث: أما عن المنهج الذي سلكته في كتابة هذا البحث، فيمكن إجماله فيما يأتي: ١ - قمت بجرد كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله من كتبهم المطبوعة ما أمكن. ٢ - قمت بترتيب النقول حسب ما وقع عندي أنه الأحسن في نظري، وحذفت ما كان متكرراً من كلامهما، وأكتفي بالنقل من موضع، وإن كان لهما كلام بالمعنى نفسه في أكثر من موضع، ولا أذكر الأمرين إلا إذا كان لأحدهما معنى واحتمال غير الآخر. ٣ - حاولت الاقتصار من كلامهما على ما يفي بالغرض منه في المبحث أو المطلب. ٤ - لم أحاول الإكثار من التدخل في أثناء ذكر كلامهما إلا بقدر ما يربط بين النقول فقط، أو ما يهيء القاريء للدخول في الموضوع مباشرة. ٥ - قدمت من كلامهما ما كان أوضح وأتم وأخصر واستغنيت به عن غيره مع الإشارة إلى ذلك في الهامش. ٦ - لم أذكر من كلامهما شيئاً بالمعنى وذلك للأمانة العلمية في نقل كلامهما ولأمن الخطأ فإن التدخل في كلامهما لابد فيه من الإحاطة بالمعنى وأخشى أن أدرك شيئاً وأنسى غيره فنقلت نص كلامهما رحمهما اللَّه. ٧ - ما كان من عبارة غامضة بينتها وما كان من نص خرجته، وما كان من علم ترجمت له في الحاشية. ٨ - لم أطل في التراجم والتعريفات، وإنما اكتفيت بما يدل على الموضوع حرصاً على عدم إثقال البحث بالحواشي. ١٠ - عزوت الأحاديث والآثار إلى من أخرجها، أو من نقلها عنهم، وإذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو أحدهما، أنقل حكم العلماء على الحديث إن وجد. ١١ - فيما يتعلق بالمراجع حرصت كل الحرص على أن أوحد النسخة والطبعة لكل مرجع ليسهل على القاريء والباحث الرجوع إلى المراجع التي عزوت إليها عند الحاجة، لذلك لم أشر إلى الطبعات في الهامش تفادياً للتطويل، واكتفاء بفهرس المراجع.

стр. 4814

وفي الختام أشكر اللَّه الذي أمدني بالعافية حتى أتممت هذا العمل، مع علمي أنني لم أوف هذا العمل حقه، إذ الكمال لله وحده فما كان فيه من حق وصواب فبفضل اللَّه ورحمته، وما كان فيه من زلل فأستغفر اللَّه منه، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اسمه وكنيته ونسبه: هو الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد اللَّه بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد اللَّه ابن تيمية الحراني. مولده ونشأته: ولد يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول بحران سنة (٦٦١هـ) ، ولما بلغ من العمر سبع سنين انتقل مع والده إلى دمشق هرباً من وجه الغزاة التتار، وقد نشأ في بيت علمٍ وفقه ودين فآباؤه وأجداده وأخوانه كانوا من العلماء الأجلاء، وقد بدأ ﵀ بحفظ القرآن الكريم حتى أتمه ثم اتجه إلى السنة النبوية، واللغة العربية والفقه وأصوله، وتعلم الحساب. علومه: تبحر شيخ الإسلام في علم العقيدة، والتفسير والحديث وعلومهما والفقه وأصوله ... وقد ذكر تلميذ شيخ الإسلام ابن عبد الهادي ﵀ كلام للذهبي ﵀ في سعة علوم شيخ الإسلام فقال: (وقال الذهبي (١) : وقرأ وحصل وبرع في الحديث والفقه، وتأهَّل للتدريس والفتوى، وهو ابن سبع عشرة سنة، وتقدم في علم التفسير والأصول، وجميع علوم الإسلام أصولها وفروعها.. إلى أن قال: وهو أعظم من أن يصفه كلمي أو ينبه على شأوه قلمي. فإن سيرته وعلومه ومعارفه، ومحنه وتنقلاته تحتمل أن ترصع في مجلدتين ... ) (٢) .

стр. 4815

جهاده: تميزت حياة شيخ الإسلام بميزة عظيمة وهي الجهاد في سبيل اللَّه بالسيف والقلم واللسان، فلقد كان للشيخ مواقف عظيمة في جهاده التتار والرافضة، والصوفية والباطنية وغيرهم، وقد فضح هذه الطوائف بقلمه ولسانه وجاهدهم بيده. قال البزار (١) : " ما رأيت أحداً أثبت جأشاً منه، ولا أعظم عناءً في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل اللَّه بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في اللَّه لومة لائم " (٢) . إنتاجه العلمي: ترك الشيخ ﵀ للأمة تراثاً ضخماً لا يزال العلماء والباحثون ينهلون منه، طبع كثير من هذه الرسائل والفتاوى والمؤلفات، وبقي مجهولاً أو مكنوزاً في عالم المخطوطات كثير. يقول ابن عبد الهادي (٣) : "ولا أعلم أحداً من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريباً من ذلك.." (٤) . وفاته: لما أخرجت الكتب والأوراق والمداد والقلم من عند شيخ الإسلام في القلعة في يوم الاثنين تاسع جمادى الآخر سنة (٧٢٨هـ) تفرغ الشيخ للعبادة والتلاوة والتذكر والتهجد حتى أتاه اليقين في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة (٧٢٨هـ) ، وقد كانت وفاته على أثر مرض ألم به أياماً يسيرة وعمره سبع وستون سنة.

стр. 4816

وقد كانت جنازته مشهودة ومشهورة واعتبرها المؤرخون من الجنائز النادرة فيشبهونها بجنازة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في بغداد.. (١) ترجمة موجزة للإمام ابن القيم الجوزية ﵀ اسمه ونسبه ومولده: هو أبو عبد اللَّه شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَرِيز بن مكي زين الدين الزُّرعي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن قيم الجوزية، ولد سنة (٦٩١هـ) . عبادته وزهده: قال ابن رجب ﵀: " وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى اللَّه والانكسارله ... ولا رأيت أوسع منه علماً ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم ولكن لم أر في معناه مثله" (٢) . علومه ومدى تأثره بشيخه ابن تيمية ﵀: درس ابن القيم ﵀ التوحيد، وعلم الكلام والتفسير والحديث، والفقه وأصوله والفرائض واللغة والنحو، وغيرهما على علماء عصره المتفننين في علوم الإسلام، وبرع هو فيها وفاق الأقران، وقد لازم ابن القيم شيخه ابن تيمية ستة عشر عاماً أخذ عنه علماً جماً وفوائد كثيرة. مؤلفاته:

стр. 4817

كان ابن القيم ﵀ مكثراً من التصنيف، ولهذا فالحديث عن تعداد مؤلفات ابن القيم رحمه اللَّه تعالى على وجه الدقة والسلامة من الغلط والتكرار أمر فيه كلفة وعناء، وقد أحصى الشيخ بكر أبو زيد حفظه اللَّه مصنفات ابن القيم المخطوطة والمطبوعة فبلغت (٩٦) مصنفاً وقد ذكر أسماء هذه الكتب على وجه التفصيل المخطوط منه والمطبوع (١) . وفاته: كانت في ليلة الخميس الثالث عشر من رجب، وقت أذان العشاء الآخرة سنة (٧٥١هـ) ، وبه كمل له من العمر ستون سنة رحمه اللَّه تعالى (٢) . التمهيد ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بيان المقصود بالقلب. المبحث الثاني: وجوب الاعتناء والاهتمام بحياة القلب. المبحث الثالث: ذكر الأدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية على مرض القلوب وشفائها. المبحث الأول: بيان المقصود بالقلب القلوب: جمع القَلْب، وهو أخص من الفؤاد في الاستعمال، ولذلك قالوا: أَصَبْتُ حَبَّة قلبه، وسُوَيْداء قلبه، وقيل: هما قريبان من السَّواء، وكرّر ذكرهما لاختلاف لفظيهما تأكيداً، وقلب كل شيء: لُبّهُ وخالِصه. وقيل: القلب: الفؤاد وقد يُعَبَّر به عن العقل. قال الفراء في قوله تعالى: (إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ((٣) أي: عقل.

стр. 4818

وقيل القلب: مضغة من الفؤاد معلّقة بالنِّياط (١) .. (٢) . وعرفه أبو حامد الغزالي (٣) بقوله: (لفظ القلب، وهو يطلق لمعنيين أحدهما: اللحم الصنوبري الشكل، المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو لحم مخصوص، وفي باطنه تجويف، وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه، ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته؛ إذ يتعلق به غرض الأطباء، ولا يتعلق به الأغراض الدينية. وهذا القلب موجود للبهائم، بل هو موجود للميت.. والمعنى الثاني: هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، وهو المدرك العالم العارف من الإنسان، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ولها علاقة مع القلب الجسماني) (٤) . وقد سمي القلب قلباً لتقلبه (٥) في الأمور، أو لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل شيء قلبه، أو لأنه وضع في الجسد مقلوباً (٦) .

стр. 4819

وقد ورد ذكر القلب في آيات كثيرة من كتاب اللَّه منها قوله تعالى: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ((١) ، وقوله جل وعلا: (إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ ((٢) . والقلب قد يعبر عنه بالفؤاد، قال اللَّه تعالى: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ((٣) ، وقد يعبر بالقلب عن العقل كما قال تعالى: (إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ((٤) ، قال ابن عباس: أي عقل. (٥) قال أبو حامد الغزالي: (وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر، لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة، فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواسطة القلب، فتعلقها الأول وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها) (٦) . المبحث الثاني: وجوب الاعتناء والاهتمام بحياة القلب يجب على كل مسلم ومسلمة الاعتناء والاهتمام بحياة القلب لأنه إذا صلح القلب صلح الجسد كله، وإذا فسد القلب فسد الجسد كله. قال ابن رجب (٧)

стр. 4820

رحمه اللَّه: " القلب مَلِكُ الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً، وإن كان فاسداً كانت جنوده بهذه المثابة فاسدةً، ولا ينفع عند اللَّه إلا القلب السليم، كما قال تعالى: (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون. إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ((١) " (٢) . والقلب محل الإيمان كما قال تعالى: (يَا أيُّها الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ((٣) ، وقوله تعالى: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَان ((٤) . فدلت هذه الآيات على أن أصل الإيمان في القلب، وأن الإيمان لا يثبت لأحد حتى يدخل القلب ويقوم به.. والأدلة أيضاً كثيرة من السنة على أن أصل الإيمان في القلب منها: قوله (: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (٥) .

стр. 4821

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الإيمان علماً وعملاً قلبيّاً، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق ... ) . وقال ابن القيم ﵀ لما ذكر هذا الحديث: (ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، الذي تصدر كلها عن أمره فهو فهو ملكها وهي المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسؤول عنها كلها، لأن كل راع مسؤول عن رعيته: كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون، والنظر في أمراضه وعلاجه أهم ما تنسك به الناسكون) (١) . وقال ابن رجب ﵀ لما ذكر هذا الحديث: (فيه إشارةٌ إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرَّمات واتِّقاءه للشُّبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليماً، ليس فيه إلا محبة اللَّه ومحبة مايحبه اللَّه وخشية اللَّه وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرّمات كلها، وتوقي الشبهات حذراً من الوقوع في المحرمات. وإن كان القلب فاسداً، قد استولى عليه اتَّباع هواه، وطلب ما يحبّه، ولو كرهه اللَّه، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتّباع هوى القلب) (٢) . وقال ابن حجر ﵀ (٣)

стр. 4822

: (وخص القلب بذلك لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحث على صلاحه ... ) (١) . مما تقدم تبين لنا أهمية القلب، وأنه إذا صلح صلح الجسد كله.. وأن صلاح هذا القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين الكتاب والسنة كما قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ((٢) ، فأخبر أن حياتنا إنما هي باستجابتنا لما يدعونا إليه اللَّه والرسول من العلم والإيمان فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك (٣) . قال شيخ الإسلام ﵀: (وأصل صلاح القلب هو حياته واستنارته، قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس كَمَن مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ((٤) .

стр. 4823

لذلك ذكر اللَّه حياة القلوب ونورها وموتها وظلمتها في غير موضع كقوله تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيحِقَّ الْقَوْل عَلَى الكَافِرِين ((١) ، وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (ثم قال تعالى: (واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِه وأنَّهُ إِليْهِ تُحْشَرُون ((٢) ، وقال تعالى: (يُخرْجَ الحَيَّ مِنَ المَيّت ويُخْرِج الْمَيّت مِنَ الحَيّ ((٣) ... إلى أن قال: وإنما المقصود هنا ذكر حياة القلوب وإنارتها وفي الدعاء المأثور: " اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا " (٤)

стр. 4824

(١) . ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب، تسري الحياة منه إلى الصدر ثم إلى الجوارح - سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها. ولما كان الحزن والهمّ والغمّ يضاد حياة القلب واستنارته - سأل أن يكون ذهابها بالقرآن، فإنها أحرى أن لا تعود، وأما إذا ذهبت بغير القرآن: من صحة، أو دنيا، أو جاه، أو زوجة، أو ولد - فإنها تعود بذهاب ذلك" (٢) . وسيأتي في أسباب حياة القلب وصحته في الفصل الثاني من هذه الرسالة مزيد تقرير لهذا إن شاء اللَّه. المبحث الثالث: ذكر الأدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية على مرض القلوب وشفائها ذكر اللَّه " مرض القلوب وشفاءها " في مواضع كثيرة من كتابه وجاء ذلك في سنة رسوله (وسأذكر بعضاً منها: قال اللَّه تعالى عن المنافقين: (فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَاً ((٣) ، وقال تعالى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ والْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ((٤) .

стр. 4825

وقال تعالى: (لَئِن لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ والْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُنَكَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلاً ((١) . وقال تعالى: (وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ والْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ والْكَافِرُونَ مَاذَا أرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً ((٢) .وقال تعالى: (قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ ((٣) . وقال تعالى: (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ. ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ((٤) . وقال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهم ((٥) ، وقال تعالى: (ولاَ تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَع الَّذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ((٦) ، وقال تعالى: (وإذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ مَا وَعَدَنا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُوراً ((٧) . وأما الأدلة من السنة النبوية فكثيرة منها: قول النبي (في الحديث الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (٨) .

стр. 4826

وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه (يقول: "ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" (١) .

стр. 4827

وقال حذيفة بن اليمان ﵁: سمعت رسول اللَّه (يقول: " تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً (١) ، فأي قلب أشربها (٢) نكت فيه نكتة (٣) سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا (٤)

стр. 4828

فلا تضره فتنة ما دامت السماوت والأرض، والآخر أسود مرباداً (١) كالكوز مجخياً (٢) ، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه " (٣) .

стр. 4829

قال ابن القيم ﵀: (فشبه عرض الفتن على القلوب شيئاً فشيئاً كعرض عيدان الحصير، وهي طاقاتها شيئاً فشيئاً، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أُشربها، كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسودّ وينتكس، وهو معنى قوله " كالكوز مجخياً " أي مكبوباً منكوساً، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلاً والباطل حقاً، الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم، وانقياده للهوى واتباعه له. وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته) (١) . الفصل الأول: بيان أقسام القلوب والأدلة على ذلك من القرآن الكريم والسنة ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: القلب الصحيح. المبحث الثاني: القلب المريض. المبحث الثالث: القلب القاسي. المبحث الأول: القلب الصحيح القلب الصحيح: هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى اللَّه به كما قال تعالى: (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون. إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ((٢) .

стр. 4830

ومما ورد من أدعية رسول اللَّه (قوله: " أسألك قلباً سليماً " (١) . وقد عرف العلماء ﵏ القلب السليم بعدة تعريفات أذكر بعضاً منها: فقال شيخ الإسلام ﵀: (وهذا هو " القلب السليم " الذي قال اللَّه فيه: (إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (وهو سلامة القلب عن الاعتقادات الفاسدة، والإرادات الفاسدة، وما يتبع ذلك ... ) (٢) . وقال ابن القيم ﵀: (هو السليمُ من الآفات التي تعتري القلوب المريضة، من مرض الشبهة التي توجب إتباع الظن، ومرضِ الشهوة التي توجب اتباع ما تهوى الأنفس، فالقلبُ السليمُ الذي سَلِمَ من هذا وهذا) (٣) .

стр. 4831

وقد عرفه أيضاً ابن القيم ﵀ في موضع آخر فقال: (وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر اللَّه ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة اللَّه مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده. فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير اللَّه فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى؛ إرادة ومحبة، وتوكلاً، وإنابة، وإخباتاً، وخشية، ورجاء، وخلص عمله لله، فإن أحب أحب في الله، وإن أبغض أبغض في اللَّه، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم، فيعقد قلبه معه عقداً محكماً على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأقوال والأعمال، من أقوال القلب، وهي العقائد، وأقوال اللسان. وهي الخبر عما في القلب، وأعمال القلب، وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دِقِّه وجِلِّه، هو ما جاء به الرسول صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم ... ) (١) . وقال ابن رجب ﵀: (القلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة اللَّه وما يحبه اللَّه، وخشية اللَّه، وخشية ما يُباعد منه) (٢) . وقال محمد بن سيرين ﵀: (القلب السليم هو الذي يعلم أن اللَّه حق، وأن الساعة قائمة، وأن اللَّه يبعث من في القبور) (٣) .

стр. 4832

وقال الطبري ﵀ في معنى قوله تعالى: (إذْ جاء ربه بقلب سليم (يقول تعالى ذكره: إذْ جاء إبراهيم ربه بقلب سليم من الشرك مخلص له التوحيد (١) . وقيل: صاحب القلب السليم هو الذي لم يلعن شيئاً قط (٢) . كما قيل: إنه القلب الخالص، أو هو الخالي من البدعة المطمئن إلى السنة. وأختم أقوال العلماء ﵏ في تعريفهم للقلب السليم بقول ابن القيم ﵀: (وهل عيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟ وقد أثنى اللَّه تعالى على خليله ﵇ بسلامة القلب فقال: (وإنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمْ. إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلَيمٍ ((٣) ، وقال حاكياً عنه أنه قال تعالى: (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون. إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ((٤) ، والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر، وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن اللَّه، وسلم من كل شبهة تعارض خبر اللَّه، ومن كل شهوة تعارض أمر ربه، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطعه عن اللَّه، فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا وفي جنة البرزخ، وفي جنة يوم المعاد. ولا يتم له سلامته مطلقاً حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد، والإخلاص يعم) (٥) . وهناك أخي الكريم فرق بين سلامة القلب والبَلَه.

стр. 4833

قال ابن القيم ﵀: (والفرق بين سلامة القلب والبَله والتغفل، أنّ سلامة القلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفته والعلم به، وهذا بخلاف البَلَه والغفلة فإنها جهلُ وقلّة معرفة، وهذا لا يحمدُ إذ هو نقص، وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه، والكمال أن يكون القلبُ عارفاً بتفاصيل الشر سليماً من إرادته) (١) . المبحث الثاني: القلب المريض المَرَضُ في القلب: يَصْلُح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين، ويقال قلب مريض من العداوة وهو النفاق، وقيل المرض في القلب فُتُور عن الحق ... (٢) . وقيل: المَرض، بالفتح للقلب خاصة، وبالتحريك أو كلاهما: الشك، والنفاق، والفتور، والظلمة، والنقصان (٣) . قال شيخ الإسلام ﵀: (وكذلك " مرض القلب " هو نوع فسادٍ يحصل له، يفسد به تصوره، وإرادته. فتصوره: بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته: بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار، فلهذا يفسر المرض تارةً بالشك والريب، كما فسر مجاهد (٤) ، وقتادة (٥)

стр. 4834

قوله: (فِي قُلُوبِهمْ مَرَضٌ ((١) ، أي شك (٢) . وتارة يُفسر بشهوة الزنا كما فُسِّر به قوله تعالى: (فَيَطْمَع الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ((٣) ... (٤) إلى أن قال ﵀: والمرض دون الموت، فالقلب يموت بالجهل المطلق ويمرض بنوع من الجهل، فله موت ومرض، وحياة وشفاء، وحياته وموته ومرضه وشفاؤه أعظم من حياة البدن وموته ومرضه وشفائه، فلهذا مرض القلب إذا ورد عليه شبهة أو شهوة قوت مرضه، وإن حصلت له حكمة وموعظة كانت من أسباب صلاحه وشفائه ... ) (٥) .

стр. 4835

وقد ذكر ابن القيم ﵀ تعريف القلب المريض فقال: (هو قلب له حياة وبه علة. فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى. وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبة اللَّه تعالى والإيمان به والإخلاص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب، وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى اللَّه ورسوله والدار الآخرة، وداعٍ يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب أقربهما منه باباً، وأدناهما إليه جواراً ... ) (١) . المبحث الثالث: القلب القاسي ورد ذكر قسوة القلب في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها: قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ((٢) . وقوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ((٣) . قال الحافظ ابن رجب ﵀ في معنى هذه الآية: (فأخبر أن قسوة قلوبهم كانت عقوبة لهم على نقضهم ميثاق اللَّه وهي مخالفتهم لأمره وارتكابهم لنهيه بعد أن أخذت عليهم مواثيق اللَّه وعهوده ألا تفعلوا ذلك.. إلى أن قال ﵀: فإن من تفقه لغير العمل يقسو قلبه فلا يشتغل بالعمل بل بتحريف الكلم وصرف ألفاظ الكتاب والسنة عن مواضعها ... الثاني: نسيان حظ مما ذكروا به من العلم النافع فلا تتعظ قلوبهم بل يذمون من تعلم ما يبكيه ويرق به قلبه ويسمونه قاصاً) (٤) .
следующие страницы →