← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

فالكاف عند الكسائي "في موضع نصب كأنَّ الأصل: أَرَأَيْتَ نفسك على غير هذه الحال ... فهذا يثنَّى ويجمع ويؤنَّث فيقال: أَرَأَيْتُماكُما، وأَرَأَيْتُمُوكُم، وأَرَأَيْتُنَّ كُنَّ، أوقع فعله على نفسه، وسأله عنها، ثم كثر به الكلام حتى تركوا التاء موحّدة للتذكير، والتأنيث، والتثنية، والجمع؛ فقالوا "أَرَأَيْتَكُمْ زيداً ما صنع، وَأَرَأَيْتَكُنَّ زيداً ما صنع، فوجَّدوا التاء، وثنّوا الكاف، وجمعوها، فجعلوها بدلاً من التاء" (١) . وقول الكسائي هذا قد اعترض عليه أبوعلي الفارسي ت (٣٧٧ هـ) (٢) ، وابن جني ت (٣٩٢هـ) إذ يقول: " ... فذلك غلط من قِبَلِ أنَّ السؤال إنَّما هو عن زيد في صنيعه، ولست تسأل عن المخاطب ما صنع، وأيضاً فلو كانت الكاف هي المفعول الأول، وزيد هو المفعول الثاني لجاز أن تقتصر على زيد فتقول: أَرَأَيْتَكَ زيداً، كما تقول: ظننتك زيداً. فحاجة زيد إلى ما بعده تدلُّ على أنه هو المفعول الأول، وأنَّ ما بعده في موضع المفعول الثاني. وأيضاً فإنَّا نجد معنى: أَرَأَيْتَكَ زيداً ما صنع، وأَرَأَيْتَ زيداً ما صنع، واحداً فدلَّ هذا على أنَّ الكاف للخطاب، وليست مغيرّة شيئاً من الإعراب، وأيضاً فلو كانت (الكاف) هي المفعول الأوَّل، و (زيداً) هو المفعول الثاني لوجب أن تقول للمؤنث: أَرَأَيْتَكِ زيداً، فتكسر التاء كما تقول: ظَنَنْتِكِ قائمة ولوجب أن تقول للاثنين أَرَأَيْتُمَاكُما الزيدين، كما تقول: ظَنَنْتُمَاكُمَا قائمين، وكذلك في الجماعة المذكَّرة، والمؤنثة. فترك العرب هذا كلَّه، وإقرارهم التاء مفتوحة على كلِّ حال يدلُّ على أنَّ لها، وللكاف في هذا النحو مذهباً ليس لهما في غير هذا الوضع" (٣) .

стр. 5322

يتبين من قول ابن جني أنَّ الكاف حرفُ خطابٍ، ولا يمكن أن تكون مفعولاً أول للأسباب الآتية: أولاً: أنَّ السؤال في قولنا: "أَرَأَيْتَكَ زيداً ما صنع "إنَّما هو عن زيد، ثانياً: أنه لا يجوز الاقتصار على زيد في الجملة السابقة؛ لأنَّ الفائدة لا تتمُّ عنده. ثالثاً: أنَّ معنى الجملة السابقة، ومعنى "أَرَأَيْتَ زيداً ما صنع" واحد. رابعاً: ثبات التاء موحَّدة مفتوحة. ويذهب الفرَّاء ت (٢٠٧ هـ) مذهباً مغايراً، فالكاف عنده ضمير نصب استُعير للرفع أي أنها في موضع الفاعل استُعيِرتْ ضمائر النصب للرفع؛ قال الفرَّاء: "وموضع الكاف نصب، وتأويله رفع" (١) . وينزل الكاف هنا منزلة الكاف في "دُوْنَكَ" في كونها مجرورة لفظاً مرفوعة معنى؛ فيقول: " ... كما أنَّك إذا قلت للرجل: دُوْنَكَ زيداً، وجدت الكاف في اللفظ خَفْضاً، وفي المعنى رفعاً؛ لأنَّها مأمورة" (٢) . يريد أنَّ الكاف وإن كان لفظها لفظ المنصوب في نحو " أَرَأَيْتَكَ " إلا أنَّها مرفوعةُ المحلّ. "والتاء" عنده هي حرفُ الخطاب؛ يقول أبو حيَّان الأندلسي ت (٧٤٥ هـ) : "ومذهب الفرَّاء أنَّ التاء هي حرف خطاب كهي في أنت، وأنَّ أداة الخطاب بعده هي في موضع الفاعل استُعيرت ضمائر النصب للرفع" (٣) . ويبدو أن الفرَّاء ذهب هذا المذهب؛ لأن الفعل يتحوَّل عن التاء إلى الكاف. ويعترض الزجاج ت (٣١١ هـ) على قول الفرَّاء هذا فيقول:"قال الفرَّاء لفظها لفظ نصب، وتأويلها تأويل رفع ... وهذا لم يَقُلْه من تقدَّم من النحويين، وهو خطأ" (٤) .

стр. 5323

ويعلِّل ذلك بقوله: "لأنَّ قولك: أَرَأَيْتَكَ زيداً ما شأنه تصير "أَرَأَيْتَ " قد تعدَّت إلى الكاف، وإلى زيد، فيصير ل "رَأَيْتَ" اسمان، فيصير المعنى أَرَأَيْتَ نَفْسَكَ زَيْداً ما حاله؟ وهذا محال" (١) . يُفهم من قول الزجَّاج أنَّ مردّ الخطأ في قول الفرَّاء هو أنَّ " أَرَأَيْتَ " يصير له فاعلان هما: التاء والكاف؛ لذا لم يقبله النحويون القدماء. وممَّن اعترض على قول الفرَّاء هنا أبو جعفر النحاس ت (٣٣٨ هـ) ؛ إذ يقول: "هذا محال، ولكن الكاف لا موضع لها، وهي زائدة للتوكيد كما يقال: ذاك" (٢) ، والزمخشري ت (٥٣٨ هـ) إذ يقول: "تقول: أَرَأَيْتَكَ زيداً ما شأنه؟ فلو جعلت للكاف محلاً لكنت كأنك تقول: أَرَأَيْتَ نَفْسَكَ زيداً ما شأنه وهو خُلْفٌ من القول" (٣) . وقد اعترض أبو علي الفارسي ت (٣٧٧ هـ) على قول الفرَّاء ذاكراً أنَّ التاء هي الفاعل، لا الكاف، لامتناع وجود فاعلين لفعل واحد؛ يقول: "فالذي يُفْسِدُ قول من قال: إنه رَفْعٌ أنَّ التاء هي الفاعلة، وموضعها رفع ... فيمتنع إذن أن تكون الكاف مرفوعة لاستحالة كون فاعلين لفعل واحد في كلامهم على غير وجه الاشتراك لأحدهم بالآخر بغير حرف العطف؛ فهذا القول بعيد جداً" (٤) .

стр. 5324

وممَّن اعترض على الفرَّاء: مكي بن أبي طالب ت (٤٣٧ هـ) ، إذ يقول: "وقال الفرَّاء لفظها لفظ منصوب، ومعناها معنى مرفوع؛ وهذا محال؛ لأنَّ التاء هي الكاف في " أَرَأَيْتَكَ " فكان يجب أن تظهر علامة جمع في التاء، وكان يجب أن يكون فاعلان لفعل واحد، وهما لشيء واحد، ويجب أن يكون قولك " أَرَأَيْتَكَ زيداً ما صنع؟ " معناه: أَرَأَيْتَ نفسك زيداً ما صنع؟ لأنَّ الكاف هو المخاطب، وهذا الكلام محال في المعنى، ومتناقض في الإعراب، والمعنى؛ لأنك تستفهم عن نفسه في صدر السؤال، ثم ترد السؤال عن غيره في آخر الكلام، وتخاطب أولاً، ثم تأتي بغائب آخر؛ ولأنَّه يصير ثلاثة مفعولين ل (رأيت) ، وهذا كله لا يجوز" (١) . والراجح في المسألة ما ذهب إليه البصريون من عدِّ "الكاف" حرف خطاب، والتاء ضمير الفاعل؛ لأنَّه محكومٌ بفاعليّة "التاء" في غير هذا الفعل بإجماع، ولم يُعْهَدْ ذلك في الكاف، ثم إنَّ الكاف يُسْتَغْنى عنها بخلاف التاء فكانت التاء أولى بالفاعليَّة، والدليل على أنَّ الكاف يُسْتَغْنى عنها أنَّ معنى: أَرَأَيْتَكَ زيداً ما حاله، هو أَرَأَيْتَ زيداً ما حاله؟ ... ثم إنَّ الاسم الواقع بعد الكاف لما كان غير الكاف، فإنَّ هذا ليدل دلالة واضحة على أنها ليست المفعول الأول ل أَرَأَيْتَ لأنَّ هذا الفعل يتعدَّى إلى مفعولين الأول منهما هو الثاني في المعنى، فبهذا يكون الكاف حرفَ خطاب بمنزلة الكاف في: "ذَلِكَ"، و"هُنَالك"، و"رُوَيْدَكَ". أمَّا "التاء" في "أَرَأَيْتَكَ" فلا يجوز أن يكون للخطاب؛ لأنَّه لا يجوز أن يلحق الكلمة علامتان للخطاب.

стр. 5325

لذلك أفردت التاء في جميع الأحوال، وجعلت على لفظ واحد ثابت، وجُعل التغيُّر في الكاف، لَيدُلَّ على اختلاف أحوال الفاعل إفراداً وتثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً. و"أَرَأَيْتَكَ" هذه تاؤها تكون موحَّدةً مفتوحةً دائماً للمفرد والمثنى والجمع مذكَّراً كان، أو مؤنَّثاً إن اتصلت بها الكاف في حين أنَّ الكاف تتغير بتغير المخاطب. قال الفرَّاء ت (٢٠٧هـ) : " ... تقول: " أَرَأَيْتَكَ"، وتنصب التاء منها ... وتترك التاء موحَّدة مفتوحة للواحد، والواحدة، والجميع في مؤنَّثه ومذكَّره. فتقول للمرأة: أَرَايْتَكِ زيداً هل خرج؟ ، وللنسوة أَرَايْتَكُنَّ زيداً ما فعل؟ (١) . والفرَّاء يريد بقوله: "وتنصب التاء فيها": أي وتفتح التاء كما يبدو؛ لأنَّ التاء في " أَرَأَيْتَكَ " مبنيَّة على الفتح. ومِمَّن أشار أيضاً إلى فتح التاء في "أَرَايْتَكَِ" وفروعه، واختلاف الكاف باختلاف المخاطب أبو العبَّاس ثعلب ت (٢٩١ هـ) (٢) . ويعلَّل بن جني ت (٣٩٢ هـ) لزوم فتح التاء في "أَرَأَيْتَكَ"، وتغيُّر الكاف بعدها بتغير حال الفاعل بكَون التاء عُدَّت اسماً خالصاً، والكاف علامة الخطاب؛ يقول: "وإنما فُتِحَت التاء في كلَّ حال، واقتُصِر في علامة المخاطبين، وعددهم على ما بعد التاء في قولك للرجل: أَرَأَيْتَكَ زيداً ما صنَع؟ وللمرأة "أَرَأَيْتَكِ زيداً ما فَعَل؟ وأَرَأَيْتَكُما، وأَرَأَيْتَكُمْ، وأَرَأَيْتَكُنَّ بفتح التاء البتة؛ لأنها أُخْلِصَت اسماً، وجُعِلَتْ علامة الخطاب فيما بعد" (٣) .

стр. 5326

ومما هو جدير بالإشارة إليه أنَّ بقاء التاء مفتوحة في " أَرَأَيْتَكَِ" بمعنى أخبرني أمرٌ جائز، لا واجب؛ قال أبو حيان ت (٧٤٥ هـ) : "وإذا كانت بمعنى أخبرني جاز أن تختلف التاء باختلاف المخاطب، وجاز أن تتصل بها الكاف مشعرة باختلاف المخاطب، وتبقى التاء مفتوحة كحالها للواحد المذكَّر" (١) . ويرجع ابن الشجري ت (٥٤٢ هـ) فتح التاء في "أَرَأَيْتَكُمْ" وهو لجماعة الذكور، وفي "أَرَأَيْتَكُنَّ" وهو لجماعة الإناث وفي "أَرَأَيْتَكُما" وهو للمثنى بنوعيه، و"أَرَأَيْتَكِ" وهو للمفرد المؤنث؛ لكون التذكير، والتوحيد هما الأصلين فالتذكير أصل للتأنيث، والتوحيد، أو الإفراد أصل للتثنية، والجمع؛ يقول: "وأمَّا فتح التاء في "أَرَأَيْتَكُمْ"، وأَرَأَيْتَكُما، وأَرَأَيْتَكِ يا هذه، وأَرَأَيْتَكُنَّ فقد علمت أنَّك إذا قلت: رَأَيْتَ يارجل فتحت التاء، وإذا قلت: رَأَيْتِ يا فلانة كسرتها، وإذا خاطبت اثنين، أو اثنتين، أو جماعة ذكوراً، أو إناثاً ضممتها فقلت: رَأيْتُما وَرَأيْتُم وَرَأيْتُنَّ. وقد ثبت، واستقرَّ أنَّ التذكير أصلٌ للتأنيث، وأنَّ التوحيد أصلٌ للتثنية، والجمع فلمَّا خَصُّوا الواحد المذكَّر المخاطب بفتح التاء، ثم جرّدوا التاء من الخطاب، فانفردت به الكاف في أَرَأَيْتَكَ، وأَرَأَيْتَكٍ يا زينب، والكاف، وما زيد عليها في أَرَأَيْتَكُما، وأَرَأَيْتَكُمْ، وأَرَأَيْتَكُنَّ ألزموا التاء الحركة الأصلية؛ وذلك لما ذكرته لك من كون الواحد أصلاً للاثنين، وللجماعة، وكون المذكر أصلاً للمؤنَّث" (٢) . توحيد "التاء" في "أَرَأَيْتَكَ":

стр. 5327

ونحن نتساءل لِمَ لمْ يُثَنَّ الضمير الذي هو "التاء" في "أَرَأَيْتَكُما"، ولم يُجْمَعْ في "أَرَأَيْتَكُمْ" و "أَرَأَيْتَكُنَّ" (١) . ويردُّ الفرَّاء ت (٢٠٧ هـ) توحيد التاء في "أَرَأَيْتَكَ" التي بمعنى أخبرني إلى أنَّ العرب "لم يريدوا أن يكون الفعل منها واقعاً على نفسها، فاكتفوا بذكرها في الكاف، ووجَّهُوا التاء إلى المذكَّر، والتوحيد؛ إذ لم يكن الفعل واقعاً" (٢) . فالفرَّاء يذكر أنَّ توحيد التاء هنا ناشيء من أنَّه لا موضع لها، وأنَّ الموضع للكاف أي أنَّ الكاف قامت مقام التاء، فلذلك وحّدوها، وثنّوا الكاف، وجمعوها وتعليله هذا انعكاس لرأيه في التاء، والكاف في "أَرَأَيْتَكَ" وفروعه.

стр. 5328

ويعلِّل السيرافي ت (٣٦٨ هـ) إفرادهم التاء في "أَرَأَيْتَكَِ وفروعه" استغناء بتثنية الكاف، وجمعها عن تثنية التاء، وجمعها من أجل الفرق بين "أَرَأَيْتَ " التي بمعنى أخبرني، والتي بمعنى عَلِمْتُ (١) . ونجد هذا التعليل عند أبي علي الفارسي ت (٣٧٧ هـ) (٢) . أمَّا ابن الشجري ت (٥٤٢ هـ) فيذكر أنَّه إنَّما جاء مفرداً في "أَرَأَيْتَكُما" و"أَرَأَيْتَكُمْ" و "أَرَأَيْتَكُنَّ"؛ لأنَّه لو ثنِّى، أو جمع لكان ذلك جمعاً بين خطابين، وهو غير جائز (٣) . ولقد عدَّ أبو علي الفارسي قولهم " أَرَأَيْتَكَ" وفروعه شاذًّا عن الاستعمال مُطَّرِداً في القياس (٤) . المبحث الثالث: المستوى النحوي تحدَّث بعض النحويين عن تعدِّي "أرأيْتَ"، و "أَرَأَيْتَكَ"، وربطوا ذلك بالمعنى؛ إذ يذهب الرضي الإستراباذي ت (٦٨٦ هـ) إلى أنَّ (أَرَأَيْتَكَ) "منقول من (رَأَيْتَ) بمعنى أبْصَرْتَ أو عَرَفْتَ كأنَّه قيل أَأَبْصَرْتَهُ، وشاهدت حاله العجيبة، أو أَعَرَفْتَها؟ أخبرني عنها ... " (٥) . وتكون على هذا القول متعدِّية إلى مفعولٍ واحد.

стр. 5329

ويعزو الصبان ت (١٢٠٦ هـ) إلى ابن هشام ت (٧٦١ هـ) أنَّ "أَرَأَيْتَ" هذه منقولة من "أَرَأَيْتَ" بمعنى أَعَلِمْتَ؟ لا من أَرَأَيْتَ بمعنى أَأَبْصَرْتَ؟ " (١) ويقوِّي ذلك عنده أنَّها تتعَّدى إلى مفعولين" (٢) ويعدّ هذا الأسلوب "مِن الإنشاء المنقول إلى إنشاء آخر" (٣) . وسواء أكانت "أَرَأَيْتَ " منقولة من " أَرَأَيْتَ" بمعنى عَرَفْتَ أم بمعنى أبصرت أم بمعنى عَلِمْتُ فإنها في أصلها جملةٌ خبريَّةٌ، ثم تحوَّلت بعد النقل، وبعد أن لازمتها همزة الاستفهام إلى جملة إنشائية لها معنى جديد وهي "أخبرني" وهي مع ذلك لا تدل على استفهام، ولا تحتاج إلى جواب. و"أَرَأَيْتَكَ" يحتاج إلى مفعولين - إذا كان بمعنى أخبرني - الأوَّل الاسم المنصوب بعدها، والثاني جملة الاستفهام. قال سيبويه ت (١٨٠ هـ) : " ... وتقول: أَرَأَيْتَكَ زيداً أبو من هو، وأَرَأَيْتَكَ عمراً أعندك هو أم عند فلان؟ لا يحسن فيه إلاَّ النصب في زيد، ألا ترى أنَّك لو قلت أَرَأَيْتَ أبو من أنت؟ أو أَرَأَيْتَ أزيدٌ ثَمَّ أم فلانٌ لم يحسن؛ لأن فيه معنى أَخْبِرْني عن زيد، وهو الفعل الذي لا يَستَغْني السكوت على مفعوله الأول فدخول هذا المعنى فيه لم يجعله بمنزلة أَخْبِرْني في الاستغناء، فعلى هذا أُجْرِيَ، وصار الاستفهام في موضع المفعول الثاني" (٤) .

стр. 5330

ويفهم من قول سيبويه أنَّه لا بدَّ بعد قولك "أَرَأَيْتَكَ" التي بمعنى أخبرني من اسمٍ منصوب هو المفعول به الأول، ثم يليه جملة الاستفهام التي هي في موضع المفعول الثاني. وأنَّه لا يجوز رفع ما بعد "أَرَأَيْتَكَ" - على التعليق؛ لأنَّه لا يجوز تعليقها؛ إذ هي بمعنى أخبرني، وأخبرني لا يُعَلَّق. ومع أنَّ "أَرَأَيْتَكَ" بمعنى أخبرني فإنها لا تقتصر على مفعول واحد مثلها، بل تتعدَّى إلى مفعولين شأنها في ذلك شأن رأى القلبيَّة. المبحث الرابع: المستوى الدلالي نصَّ بعض العلماء على مجيء "أَرَأَيْتَ " وفروعه بمعنى أخبرني؛ قال سيبويه ت (١٨٠هـ) ": "..وتقول أَرَأَيْتَكَ زيداً أبو من هو ... فيه معنى أَخْبِرنِي عن زيد" (١) . وقال أبو سعيد السيرافي ت (٣٦٨هـ) في أثناء شرحه لهذا الباب: ... "أَرَأَيْتَك".... بمعنى أخبرني " (٢) . وفي معاني القرآن للفراء ت (٢٠٧هـ) : "تقول: أَرَأَيْتَكَ وأنت تريد أخبرني" (٣) . وقال الزجاج ت (٣١١هـ) في أثناء تفسيره لقوله تعالى: (( ( [الإسراء: ٦٢] "وقوله: (أَرَأَيْتَكَ) في معنى أخبرني" (٤) .

стр. 5331

وأشار كثير من العلماء إلى أنَّه بمعنى أخبرني ومنهم الراغب الأصفهاني ت (٥٠٢هـ) (١) ، وأبوالقاسم الزمخشري ت (٥٣٨هـ) في مواضع متفرَّقة من كشافه (٢) ، وابن مالك ت (٦٧٢هـ) (٣) ، والرضي الإستراباذي ت (٦٨٦هـ) (٤) وأبو حيَّان الأندلسي ت (٧٤٥هـ) (٥) ، والفيروزآبادي ت (٨١٧هـ) (٦) . وينسب ابن فارس ت (٣٩٥هـ) إلى أبي عبيد أنه بمعنى أعلمني؛ إذ يقول: "وقال أبو عبيد إذا قيل: أَرَأَيْتَ في المسألة معناه أعلمني" (٧) . ويبدو أنَّه ليس هناك اختلاف بين أعلمني، وأخبرني في هذا السياق فهما متقاربان في المعنى. يقول أبو علي الفارسي ت (٣٧٧هـ) : " ... وأخبروني، وأعلموني متقاربان" (٨) . وأشار أبو حيان في "ارتشاف الضرب" إلى هذين المعنيين فقال: "وإذا قلت " أَرَأَيْتَكَ " فالهمزة دخلت على رَأَيْتَ فإمَّا أن يكون بمعنى أعلمتك، أو بمعنى أخبرني" (٩) . ونبَّه أبو علي الفارسي على معنى آخر في " أَرَأَيْتَ " وهو (انتبه) .

стр. 5332

يقول: (يكون بمعنى "انتبه") (١) . والحقيقة أنَّ هذا المعنى الذي ينبِّه له أبو علي الفارسي ت (٣٧٧ هـ) ينسب أيضاً إلى أبي الحسن الأخفش ت (٢١٥ هـ) فهو عنده قد يخرج من معنى أخبرني إلى "معنى أمَّا، أو تنبَّه" (٢) . ويظهر أنه لمح هذ المعنى فيه لأنَّ ما بعده تفصيل لشيء، أو إيضاح كما يبدو. وفي البحر المحيط قول ينسب إلى الكرْمَاني ينص على أنَّ "أَرَأَيْتَكُم"استفهام وتعجب (٣) . ويظهر لي أنَّ كون الاستفهام للتعجُّب على هذا الرأي لا ينافي كون ذلك بمعنى أخبرني. والطريف في الموضوع هو إطلاق الرؤية، وإرادة الإخبار؛ إذ الرؤية سببٌ للإخبار كما هو معلوم، وكذلك جعل الاستفهام، بمعنى الأمر ولعلَّ الجامع بين الاستفهام والأمر في أسلوب "أَرَأَيْتَ" كونهما طلباً. ولنا أن نتساءل عن استعمال "أَرَأَيْتَ " في الإخبار أحقيقة هو أم مجاز؟ وما مسوِّغه؟ ورد في الفتوحات الإلهية ما نصُّه:"استعمال "أَرَأَيْتَ " في الإخبار مجاز أي أخبروني عن حالتكم العجيبة" (٤) ويجوِّز ذلك بقوله:"ووجه المجاز أنَّه لمَّا كان العلم بالشيء سبباً للإخبار عنه، أو الإبصار به طريقاً إلى الإحاطة به علماً، وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، لاشتراكهما في الطلب. ففيه مجازان: استعمال رأى التي بمعنى عَلِمَ، أو أَبْصَرَ في الإخبار، واستعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار" (٥) . والذي يُنْعِم النظر في "أَرَأَيْتَ " وفروعه في السياق القرآني يلحظ أنَّه جاء بمعنى أخبرني كثيراً، من ذلك قوله : (( ( [النجم:١٩-٢٢]

стр. 5333

قال أبو علي الفارسي في معرض تفسيره لها: "فهو بمنزلة "أخبروني" ... وقد دلَّ قوله " (١) . (( ( [النجم:٢١] على ذلك. ومنه أيضاً قوله تعالى: (( ( [الأنعام:٤٠] قال أبو القاسم الزمخشري ت (٥٣٨ هـ) في أثناء تفسيره لها: " () أخبروني" (٢) ونبَّه على هذا المعنى (٣) وهو يفسَّر قوله : (( [الإسراء:٦٢] ... وقوله : (( [القصص:٧١-٧٢] وحقيقة الأمر أنَّ معنى "أخبرني" يشترك مع معانٍ أخرى؛ إذ جاء "أَرَأَيْتَ " محتملاً معنى "أخبرني"، ومعنى "أمَّا"، أو "تنبَّه"، أو "انتبه"، أو معناه الأصلي وهو رؤية العين، أو المعرفة؛ وذلك في بعض المواضع من القرآن الكريم من ذلك قوله : (( [الكهف: ٦٣] فالسمين الحلبي ت (٧٥٦ هـ) في أثناء تفسيره لهذه الآية ينسب إلى أبي الحسن الأخفش ت (٢١٥ هـ) أنَّ " " خرج عن بابه فصار بمعنى "أمَّا" أو "تنبَّه" بيد أنَّه لا يجوِّز رأي الأخفش هذا "لأنَّه إخراجٌ للفظة عن موضوعها من غير داعٍ إلى ذلك" (٤) . وهذا المعنى الذي نسبه السمين إلى الأخفش نصَّ عليه أبو علي الفارسي

стр. 5334

ت (٣٧٧ هـ) في معرض حديثه عن الآية السابقة فقال: "كأنَّ المعنى: انتبه فإنَّي نسيت الحوت" (١) . ودللَّ على إرادة هذا المعنى بدخول الفاء الرابطة، يقول: "ولذلك دخلت الفاء كما تدخل في جواب الجزاء" (٢) . وبينما يعدُّ الأخفش والفارسي "أَرَأَيْتَ" هنا بمعنى أمَّا، أو تنبَّه، أو انتبه يذكر أبو القاسم الزمخشري أنه بمعنى "أخبرني" (٣) في حين أنَّ الفخر الرازي ت (٦٠٤هـ) جعله على معناه الأصلي وهو رؤية العين، أو معنى عرف، يقول في أثناء تفسيره لها: " ... ورأيت على معناه الأصلي، وقد جاء هذا الكلام على ما هو المتعارف بين الناس، فإنَّه إذا حدث لأحدهم أمرٌ عجيب قال لصاحبه: أَرَأَيْتَ ما حدث لي؟ كذلك هَهنا كأنه قال: أَرَأَيْتَ ما وقع لي منه إذ أوينا إلى الصخرة " (٤) . وقد جاء "أَرَأَيْتَ" محتملاً معنى "انتبه" كذلك في قوله تعالى: (( [الملك:٣٠] قال أبو علي الفارسي في أثناء حديثه عن هذه الآية:"كأنه قال: انتبهوا فمن يأتيكم، كما كان قوله: (( [الكهف:٦٣] كذلك" (٥)

стр. 5335

ومع أنَّ هذا الاحتمال وارد في الآية الكريمة إلا إنِّي أرجَّحُ أنه هنا أيضاً بمعنى أخبروني. ... وعليه يتبيَّن أنَّ مجيء () بمعنى "أخبرني" هو الغالب، وهو المعنى الأساس وفقاً للسياق القرآني، وهو مساوٍ لمعنى (أعلمني) والغالب ورود هذا الاستعمال في سياق التعجُّب، والدّال على التعجُّب فيه هو همزة الاستفهام، لأنها تخرج عن معناها الحقيقي المتمثِّل في طلب الفهم إلى معانٍ أخرى مجازية، أو بلاغية من بينها التعجب. وذلك؛ لأنَّ (رأيت) يفهم منها الرؤية البصرية الحسيَّة، أو العلم، الإدراك أو هما معاً وهو ما صرّح به الرّازي فكأنَّ عبارة (أَرَأَيْتَ) مركَّب لغويّ له دلالة على التعجُّب، وطلب الرؤية البصرية، والقلبية بشأن أمرٍ ما وهو ما نلمحه في سائر استعمال هذا المركَّب في السياق القرآني، وفي اللغة. ويشمل هذا المعنى فروع (أَرَأَيْتَ) ذات الجزء الخطابي الواحد: أَرَأَيْتِ - أَرَأَيْتُمَا - أَرَأَيْتُمْ - أَرَأَيْتُنَّ، حيث يتنوع ضمير المخاطب للدلالة على الجنس، والعدد كما يشمل هذا المعنى فروع (أَرَأَيْتَ) ذات الجزأين الخطابيَّين: أَرَأَيْتَكَ - أَرَأَيْتَكِ - أَرَأَيْتَكُمَا - أَرَأَيْتكُمْ - أرأيتكنَّ حيث يتنوَّع حرف الخطاب؛ للدلالة على الجنس، والعدد مع التزام ضمير المخاطب المفرد المذكر. الخاتمة لقد انتهيت بحمدالله، وعونه بعد هذه الدراسة المتواضعة ل "أَرَأَيْتَ " وفروعه إلى هذه النتائج: ١ - أنَّ "أَرَأَيْتَ"، وفروعه كثير الدوران في القرآن الكريم، والكلام العربي شعراً، أو نثراً. ٢ - أنَّ معناه هو: أخبرني، أو أعلمني، وأنّ الغالب أن يذكر في سياق التعجّب.

стр. 5336

٣ - أنّه من القوالب الثابتة حيث يلتزم صيغة المضيّ، ويسبق بهمزة الاستفهام للدَّلالة على التعجب، وتتصل به تاء ضمير المخاطب التي تُفْتَحُ، على أصل إرادة المخاطب المفرد المذكر، وقد تكسر أو يضاف إليها الحروف الدّالة على التثنية، أو الجمع بنوعيه (أَرَأَيْتَ - أَرَأَيْتِ - أَرَأَيْتُمَا - أَرَأَيْتُمْ - أَرَأَيْتُنّ) . ٤ - إذا زيد على هذه الصيغة الكاف فإنّ التاء تلتزم الفتح، وتصبح الدَّلالة على الجنس، والعدد من وظائف الكاف (أَرَأَيْتَكَ - أَرَأَيْتَكِ - أَرَأَََََََََََيْتَكٌمَا - أَرَأَيْتكُمْ - أَرَأَيْتَكُنّ) وفي هذه الحالة يرى البصريون، ومن تبعهم أنَّ التاء هي الضمير، وهو في موقع الفاعل، وأنّ الكاف حرف خطاب وهو القول الرّاجح، والسائد في النحو العربي. وللكوفيين، أو لبعضهم خلاف في ذلك. ٥ - معنى "أَرَأَيْتَ " مأخوذ من معنى (رأى) البصرية، والقلبية في الوقت نفسه، ومعنى الهمزة هنا التعجّب. ٦ - دخول الهمزة الدّالة على الاستفهام التعجبي يجعل (أَرَأَيْتَ) جملة إنشائية بمعنى أخبرني، أو أعلمني. وكأنَّ الهمزة دلّت على التعجّب، والطلب في الوقت نفسه. ٧ - يفتقر الفعل الى مفعولين يأتي أولهما في الغالب اسماً صريحاً، ويرد الثاني في الغالب جملة، وقد يغني عن المفعولين جملة، أو جُمَل تقع بعد (أَرَأَيْتَ) . ٨ - أنَّ في همزته الثانية أربع لغات هي: التحقيق على الأصل، والتسهيل، وإبدالها ألفاً، وحذفها. ٩ - أنه لم يرد " أَرَأَيْتَ " وفروعه بتحقيق الهمز على الأصل - في الشواهد الشعرية فيما أعلم، بل ورد " أَرَيْتَ "، و "أَرَيْتَكَ" بلا همز. الحواشي والتعليقات

стр. 5337

الخلاف بين سيبويهِ والخليل في الصَّوْت والبِنْية د. أحمد بن محمد بن أحمد القرشيّ الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية - كلية المعلمين بالمدينة المنورة ملخص البحث الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لانبيّ بعده، وبعد: فالكتاب لإمام النّحاة، وحجة العرب سيبويه، هو المَعِين الذي لا ينْضُب على مرّ العصور، وتعاقب الدهور، سمّاه النّحاة "قرآن النّحو"، ولقّبوه بالبحر استعظاماً له واستصعاباً لما فيه. عَقَد سيبويه أبواب الكتاب بلفظه ولفظ الخليل بن أحمد، ووافقه في معظم مسائل البِنْية، وخالفه في بعضٍ منها، إذِ الأصل بينهما هو الاتفاق، والخلاف فرعٌ. فقد خالف سيبويه شيخه الخليل في: النّسب إلى "ظَبيةٍ ونحوها"؛ وفي النّسب إلى "رايةٍ وأمثالها". وفي باب الهمز خالفه في تخفيف إحدى الهمزتين المجتمعتين في كلمتين، و – أيضاً – خالفه في أنّ الهمز والنّبر شيءٌ واحدٌ ولا فرق بينهما. وفي باب القلب المكانيّ ذهب سيبويه إلى أنّه لا قلب في الجمع الأقصى نحو "خطايا"؛ ولا قلب في اسم الفاعل من الأجوف الثلاثي المهموز الّلام، نحو "جاءٍ"؛ وكذلك: لاقلب في جمعه، نحو "جواءٍ"، أمّا الخليل فيرى القلب فيها. وفي باب تداخُل اللُّغات أثبت الخليل التداخُل، وخالفه سيبويه فحكم على ما جاء من الأفعال بأنّها شاذّة. وفي باب الوقف اختلفا في حقيقة ألف المقصور المنّون الموقوف عليه، وكذلك اختلفا في الوقف على المنادى المنقوص غير المنوّن. وفي باب الزّوائد ذهب الخليل إلى أنّ الزائد هو الأول في كلّ مضاعف، وخالفه سيبويه فذهب إلى أنّه الثاني، ثم قال سيبويه: وكلا القولين صوابٌ ومذهبٌ. أمّا باب مخارج الحروف فقد خالف شيخه في عدد مخارج الحروف؛ وفي ترتيب المخارج؛ وفي ترتيب حروف بعض المخارج. هذا ما تيسّر لي ووقفت عليه من أوجه الخلاف بينهما، والله الموفق. *** مقدمة:

стр. 5338

أحمد الله حمداً لاتدرك غايته، ولا تعلم نهايته، وأشكره على نعمه التي لاتحصى، وأستعينه وأستغفره. وأصلّي وأسلّم على سيدنا محمد صفوة الله من خلقه، أما بعد: فالكتاب لسيبويه إمام النّحو، وحجة العرب، هو المنبع الصّافي، والمَعِين الذي لا يَنْضُب على مر العصور، وتعاقب الدهور. استوعب فيه سيبويه أبواب النّحو والصرف، ومسائل التمارين، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل بن أحمد، وهو أعلمُ النّاس بالنّحو بعد الخليل، وأثْبتُ من حمل عنه. مات عنه سيبويه وهو في حداثة سِنّه، وريعان شبابه، وربيع عمره، فأقبل العلماء – بعد موته – على (الكتاب) بالدراسة، والرواية، والشرح، والحفظ، جيلاً بعد جيل، وطبقةً بعد طبقة، فشرّق (الكتاب) وغرّب، وتلقفه القاصي والدّاني، وشُغف العلماء به على اختلاف مشاربهم، وتعدُّدِ مواردهم. وبلغت العناية ب (الكتاب) أنّ الفرّاء من النحويين الكوفيين وُجد بعضُ الكتابِ تحت وسادته التي كان يجلس عليها. قال ثعلبٌ: مات الفرّاءُ وتحت رأسه كتاب سيبويهِ. جمع فيه سيبويه ماتفرّق من أقوال من تقدمه من العلماء، كأمثال: عبد الله بن أبي إسحاق، وأبي عمروٍ بن العلاء. و– أيضاً – جمع فيه أقوال وآراء شيوخه، كأمثال: عيسى بن عمر، وأبي الخطاب الأخفش الكبير، والخليل بن أحمد، ويُونُس بن حبيب، وأبي زيدٍ الأنصاريّ، وغيرهم. فأبدع كتابَه على مثالٍ لم يُسبق إليه، ولم يَدَعْ للمتأخرين استدراكاً عليه. لم يك سيبويه في كتابه جمّاعاً لآراء السابقين آو لآراء شيوخه فحسب، بل كان ذا شخصيةٍ قويةٍ، تظهر في ضمّ ما استخرجه بنفسه من القواعد، اعتماداً على سماعه من العرب الخُلّص. وكان – ﵀ – يُناقش شيوخه في مسائل النّحو والصرف، فما يُقرّه الدليل أو القياس أخذ به، وما يخالفهما اطّرحه وخالف صاحبه، وإن رأى أنّ القول الآخر قويٌّ أخذ به إلى جانب مايراه.

стр. 5339

وممّن خالفهم: شيخه الخليل بن أحمد الفراهيديّ الذي لازمه وأخذ النّحو عنه فبرع، وكان سيبويه أكثرَ نقلاً في (الكتاب) عنه، فكان الكتاب سجلاًّ حافلاً بآراء الخليل في النّحو والصرف، وكان سيبويه كثيراً مايحكى عن الخليل بقوله: "وسألته" أو "قال"، ورُغم ذلك خالفه في بعض ماحكاه، إلاّ أنّ الخلاف بينهما فرعٌ، والاتفاق هو الأصل في معظم المسائل. ومما أودُّ التّنبيه إليه في هذه المسائل أنّي لم أقصر الخلاف بين سيبويه وشيخه الخليل على معناه المعروف وهو المخالفة بينهما في الرأي، بل إنّني وسّعت مفهوم الخلافِ ليشمل مطلق التعدّد في الرأي، فإنّ انفراد سيبويه برأيٍ لم يقل به الخليل في المسألة الواحدة عددته من قبيل الخلاف الضمني بينهما، فإنّ سيبويه قد يعرض رأي الخليل، ثم يعرض رأي غيره ويميل إليه وقد يذكر رأيه بعد رأي الخليل ثم يستحسنهما، وذلك كما في مسألة النسب إلى "راية، وغاية، وآية"، وكذلك في مسألة اسم الفاعل من الأجوف الثلاثي المهموز اللام، نحو "جاءٍ، وساءٍ"، وكذلك في مسألة تحقيق أو تخفيف إحدى الهمزتين المجتمعتين في كلمتين، نحو "جاء أشرطها"، وكذلك اختلافهما في مسألة أيّهما الزائد الأول أو الثاني في المضاعف نحو "سُلّم". فمثل ذلك عددته من قبيل المسائل الخلافية بينهما؛ لأنّ مجرد ذكر رأي الخليل، ثم التعقيب عليه بإبداء رأيه هو أو رأي غيره، يفهم منه ضمناً أنّ سيبويه ينتحي منتحىً آخر في الاستقلال بشخصيته، وعدم ميله إلى متابعة شيخه في كل آرائه. والله يعلم أنّ جمع الخلافات بينهما لم أقف عليها بالهيّن الليّن، أو وافتني محض الصُّدفة، وإنّما كان ذلك ثمرةَ اطّلاعٍ واستقراءٍ للكتاب، ولكثيرٍ من كُتب النّحو والصرف، ثمّ عارضت ماجمعته على ماقاله سيبويه في (الكتاب) ، وعلى ما أورده النَّحويون في مصنّفاتهم. وبعد أن جمعتُ المادة العلميّة وفق ماتيسر لي، سميّت البحث: (الخلاف بين سيبويهِ والخليل في الصوت والبِنْية) .

стр. 5340

أمّا المنهج الذي سلكته في هذه الدراسة فيتلخّص فيما يلي: أولاً: أُقدّمُ بين يدي المسألة مدخلاً وتمهيداً، يتضح منه أبعاد المسألة. ثانياً: أُوردُ الخلافَ بين سيبويه وشيخه الخليل، مؤيّداً ذلك بنصوص (الكتاب) أو من غيره، موضحاً وجهَ الخلاف بينهما. ثالثاً: أَذكرُ آراءَ العلماء وموقفَهم من الخلاف، مؤكّداً ذلك بأقوالهم ونصوصِهم. رابعاً: أُرجّحُ بينهما في ضوء أقوال العلماء، وعللِهم، وحججِهم، قارناً ذلك بالنّصوص الواردة عنهم. خامساً: سلكت في ترتيب مباحث الخلاف بينهما وفق ورودها في (الكتاب) لسيبويه. وقد اقتضت خُطة البحث بعد جمع الخلافات بين سيبويه والخليل في الصّوت والبِنْية، أن تكون وفق مايلي: قسّمت الدّراسة إلى سبعة مباحث؛ يسبقها مقدمةٌ، وتمهيدٌ. أمّا المباحث السبعة، فهي: المبحث الأول: اختلافهما في باب النّسب، وفيه مطلبان. المبحث الثاني: اختلافهما في باب الهمز، وفيه مطلبان. المبحث الثالث: اختلافهما في باب القلب المكانيّ، وفيه مطلبان. المبحث الرابع: اختلافهما في باب تداخُل اللُّغات، وفيه مطلبٌ. المبحث الخامس: اختلافهما في باب الوقْف، وفيه مطلبان. المبحث السادس: اختلافهما في باب الزوئد، وفي مطلبٌ. المبحث السابع: اختلافهما في باب مخارج الحروف، وفيه ثلاثة مطالبٍ. ثُمّ جاءت الخاتمة في نهاية الدراسة، لخّصت فيها أهم نتائج البحث، ثُمّ فِهْرس المصادر والمراجع، ثُمّ فِهْرس الموضوعات. وختاماً أقول: الله أَسْألُ أنْ يجعلَ هذا العملَ في ميزان حسناتي يوم لاينفع مالٌ ولا بنون، وأنْ ينفع به قارئه وجميع المسلمين، إنّه على ذلك قدير، وعلى إجابة الدّعاء جدير، هو مولانا نِعْمَ المولى ونِعْمَ النّصير. تمهيد: علم النّحو من أسمى علوم العربية قدراً، وأعظمها أثراً، وأجلها نفعاً، به يستبين سبيل العلوم على تنوع مقاصدها، واختلاف أنواعها.

стр. 5341

نشأ علم النّحو أوّل أمره صغيراً، شأن كلّ علمٍ وكلّ فنٍّ، وكانت نشأته في الصّدر الأول للإسلام، فنشأ نشأةً عربيةً محضةً على مقتضى الفطرة، ثم تدرج في وضعه، وتكوينه، ونموّه، ونضجه، واكتماله، شيئاً فشيئاً تمشياً مع سُنّة التّرقّي حتى كَمُلت أبوابه، غير مقتبس من أيّ لغةٍ، لافي نشأته ولافي تطوره وتدرجه، حتى وصل إلى طور الترجيح والبسط في التصنيف. وكان من أسباب نشأة النّحو فُشُوّ الفساد في اللغة العربية، وأوّل مااختلّ من كلام العرب فأحوج إلى التعلم الإعرابُ؛ لأنّ اللحنّ ظهر في كلام الموالي والمتعرِّبين من عهد النبيّ ﷺ ، ولمّا سطع نور الإسلام، وأظهر الله دينه على سائر الأديان، وانتشرت الفتوحات الإسلاميّة، ودخل النّاس في دين الله أفواجا، وأقبلوا إليه أرسالا، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة، واللّغات المختلفة، واختلط العرب بغيرهم اختلاطاً مستمراً في البيوت والأسواق، والمناسك والحج، وتصاهروا واندمجوا في بعضهم بعضاً، ونتيجةً لهذا الامتزاج والاختلاط تسرب اللحن والضعف إلى سليقة العربيّ، الذي كان ينطق على سجيته في صدر إسلامه، وماضي جاهليته، فاستبان منه الإعراب الذي هو حلية كلامه، والموضّح لمعانيه الدقيقة التي تتميّز بها اللُّغة العربية. وانتشر اللحن فشمل الخاصة، حتى صاروا يَعُدّون من لايلحن. لذلك خشي أهل العلم وعظم الإشفاق منهم من فُشُوّ اللّحن وغلبته على اللّغة العربيّة، فخافوا أن يُؤدي ذلك إلى فساد الملكة، وبطول العهد ينغلق فهم القرآن والحديث؛ فدعاهم الحذرُ من ذهاب لغتهم وفساد كلامهم أن يستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردةً شبه الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويُلحقون الأشباه بالأشباه.

стр. 5342

فكان أوّلَ من رسم للنّاس النّحو، وأصّلَه، وأعملَ فكره فيه، أبو الأسود ظالم بن عمرو الدُّؤليّ، وكان أبو الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ ﵁ ؛ لأنّه سمع لحناً، فقال لأبي الأسود: اجعل للنّاس حروفاً، وأشار له إلى الرفع، والنّصب، والجرّ، فكان لأمير المؤمنين عليٍّ ﵁ فضْلُ الهداية إلى الأساس، ولأبي الأسود الدُّؤليّ فضْلُ القيام بوضعه على ضوء هدي وتوجيه أمير المؤمنين. ثم اختلف النّاس إلى أبي الأسود يتعلمون العربيّة، ففرّع لهم ماكان أصَّلَه، فأخذ ذلك عنه جماعةٌ، كان من أفذاذهم: عَنْبَسةُ بن مَعْدان الفيل، ويحي بن يَعْمَر العَدْوانيّ، وميمونُ الأقرن، ونصرُ بن عاصم الليثيّ؛ وكان عَنْبسةُ الفيل أبرعَ أصحاب أبي الأسود، وعن عنبسة – أيضاً – أخذ ميمون الأقرن، فكان البارعَ من أصحابه. وهؤلاء شاركوا في استنباط كثيرٍ من قواعد وأحكام النّحو، وساهموا في نشره وإذاعته بين النّاس. ثم جاء من بعدهم جيلٌ كان أكثرَ عدداً، من أشهرهم: عبد الله بن أبي إسحاقَ الحضرميّ، رَأَسَ النّاسَ بعد موت شيخه ميمون الأقرن، ولم يكن في أصحاب ميمون أحدٌ مثله، وهو أعلمُ أهلِ البصرة، وأعقَلُهم، ففرّع النّحو وقاسه، وتكلّم في الهمز، وكان رئيسَ الناس وواحدَهم. وكان في عصره وزمانه أبو عمرو بن العلاء المازنيّ، وعيسى بن عمر الثقفيّ، وقد كان أبو عمروٍ أخذ عن ابن أبي إسحاقَ. فكان ابن أبي إسحاقَ يُقدّم على أبي عمروٍ في النّحو، وكان أبو عمروٍ يُقدّم عليه في اللّغة. و– أيضاً – أخذ أبو عمروٍ عمّن أخذ عنه ابن أبي سحاقّ، وأخذ العلم عن ابن أبي إسحاقَ وأبي عمروٍ جماعةٌ، منهم: أبو الخطاب الأخفش الكبير، وعيسى بن عمر الثقفيّ، وكان عيسى أفصح النّاس، وصاحبَ تقعيرٍ في كلامه، واستعمال الغريب فيه. وعن هؤلاء وغيرهم أخذ جماعة من العلماء، منهم: يُونُس بن حبيب، أخذ عن أبي عمروٍ، والأخفش الكبير.

стр. 5343

وكان في زمانه أذكى النّاس وأعلمهم، وأفضل النّاس وأتقاهم، إنّه الخليل بن أحمد الفراهيديّ، إمام أهل البصرة ورئيس طبقته، أخذ عن عيسى بن عمر، وأبي عمروٍ. وفي عصر الخليل تلاقت فيه طبقته برئاسته مع الطبقة الأولى الكوفية بزعامة أبي جعفر الرُّؤاسيّ الذي أخذ – أيضاً – عن أبي عمروٍ، وهو عالم أهل الكوفة. فنهض النّحو نهضةً قويةً، واشتد التنافس بين البصريين والكوفيين، والخلاف بينهما في إعمال الفكر واستخراج القواعد نتيجةً للتقصّي والاستقراء للمأثور من كلام العرب. كان للخليل بن أحمد الفضل الأكبر على علم النّحو بل على كثيرٍ من علوم اللغة العربية، فكان هو عمادها الذي نهض بها في شتى النّواحي، فمن عهده انتظم شتات النّحو، والتأم عقده، واتخذ تعليمه دوره الفنيّ، وهو الذي بسط النّحو، ومدَّ أطنابه، وسَبّب علله، وفتَقَ معانيه، وأوضح الحِجاجَ فيه، حتى بلغ به أقصى حدوده، وانتهى به إلى أبعد غاياته، ثم لم يرض أن يُؤلّف فيه حرفاً، أو يرسم منه رسماً ترفعاً بنفسه، وترفعاً بقدره؛ واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقّنه من دقائق نظره، ونتائج فكره، ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلّده، وألّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم قبله، كما امتنع على من تأخر بعده. فكان سيبويه أعلم الناس بالنّحو بعد الخليل، ولم يكن في أصحاب الخليل ولا في غيرهم من الناس مثلُه. لَزِم أستاذه الخليلَ وأخذ عنه النّحو وغيره فبرع، ووافقه في معظم المسائل التي حَكاها عنه في الكتاب، أو سأله عنها؛ وخالفه في بعضِ مسائل البِنْية، وهي موضوع هذا البحث، إذِ الخلاف بينهما فرعٌ، والأصل هو الاتفاق (١) .

стр. 5344

وقبل الخوض في الخلاف بينهما، يطيب لي أن أُعرّف بهما بصورةٍ موجزةٍ. أولاً: تعريفٌ موجزٌ بالخليل بن أحمد. هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيديّ، الأزديّ، البصريّ، النّحويّ، اللُّغويّ. وفراهيد حَيٌّ من أَزْد عُمان. يقال: إنّ أباه أوّلُ من سُميّ بأحمد بعد رسول الله ﷺ . وُلد الخليل في البصرة سنة (١٠٠هـ) ، ونشأ فيها، غلب على حياته الفقر، كان يقيم في خُصٍّ له بالبصرة، لايقدر على فَلْسَين، والنّاس يقتاتون بعلمه الأموال، وهو يقتات من بستانٍ له خلفه عليه أبوه بالخُريْبة. تلقى علومه على علماء عصره، فأخذ النّحو عن عيسى بن عمر الثقفيّ (١٤٩هـ) ، وأبي عمرو بن العلاء التيميّ المازنيّ (١٥٤هـ) . وروى الحروف عن عاصم بن أبي النُّجود، وعبد الله بن كثير، وهو من المقلّين عنهما. وحدّث عن أيوب بن أبي تميمة السَّخْتِياني، وعاصم الأحول، والعوَّام بن حَوْشب، وغالب القَطَّان. كان الخليل في أوّل أمره إباضيًّا، فتحوّل عنه إلى مذهب أهل السُّنَّة، قال الأصمعيّ: كادت الإباضيّة تغلب على الخليل، حتى مَنَّ الله عليه بمجالسة أيوب. كان سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده، وغايةً في تصحيح القياس، واستخراج مسائل النّحو وتعليله، وهو أوّل من استخرج العروض، وحصر أشعار العرب بها. وكان أعلمَ النّاس وأذكاهم، وأفضلَ النّاس وأتقاهم، وكان من الزّهاد في الدنيا والمنقطعين إلى العلم. وكان آيةً في الذكاء، وكان الناس يقولون: لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى منه ولا أجْمعَ، وهو مفتاح العلوم ومصرِّفها. وكان – ﵀ – يَحُجّ سنةً، ويغزو سنةً، حتى جاءه الموت. ومن كلامه: أنّه قال: إن لم تكن هذه الطائفة – يعني أهل العلم – أولياء الله، فليس لله وليٌّ. وقال: تربع الجهل بين الحياء والكِبْر في العلم.

стр. 5345

وقال: نوازع العلم بدائع، وبدائع العلم مسارح العقل، ومن استغنى بما عنده جهل، ومن ضمّ إلى علمه علمَ غيره، كان من الموصوفين بنعت الرّبانيّين. وقال: ثلاثة تُنسيني المصائب: مَرّ الليالي، والمرأة الحسناء، ومحادثات الرجال. وقال: لايعرف الرّجلُ خطأَ معلمه حتى يُجالس غيرَه. وقال: زلَّةُ العَالِم مضروبٌ بها الطَّبل. وقال لرجلٍ، قال له: أحسبُني قد ضيّقت عليك، فقال الخليل له: فإنّ شبراً من الأرض لايَضيق على المتحابَّين، والأرضُ برُحْبِها لاتسعُ متباغِضَيْن. وقال: أكمل مايكون الإنسان عقلاً وذهناً عند الأربعين. وغيرها. أخذ عنه خلقٌ كثيرٌ، من أشهرهم: عمرو بن عثمان سيبويه، والنّضْر بن شُميل، وأبو فيد مؤرّج بن عمرو السُّدوسيّ العجليّ، وعلي بن نصر الجهضميّ، والأصمعيّ، وهارون بن موسى النّحويّ، ووهْب بن جرير، وحماد بن سلمة بن دينار، وأبو سليمان كيسان بن معرّف، وبكار بن عبد الله العوديّ، وآخرون. وللخليل مصنفات منها: كتاب العين وقد اختُلف في نسبته إليه، وكتاب النّغم، والجُمل، والعروض، والشّواهد، والنَّقْط والشّكل، والإيقاع. توفي الخليل – ﵀ – سنة سبعين ومائة، وقيل: سنة خمس وسبعين، وقيل: سنة سبع وسبعين، وقيل: سنة ستين. والأظهر والأغلب أنّها سنة خمس وسبعين ومائة، وله أربع وسبعون سنةً (١) . ثانياً: تعريفٌ موجزٌ بسيبويه.

стр. 5346

هو أبو بِشْر عمرو بن عثمان بن قَنْبر، إمام النّحويين والبصريين، وحجة العرب، مولى بني الحارث بن كعب بن عمروٍ، ثمّ مولى آل الرَّبيع بن زيادٍ الحارثيّ؛ وسيبويه لقبٌ، ومعناه: رائحةُ التّفاح. ولد سيبويه بقريةٍ من قرى شِيراز، يقال لها: البيضاء من أرض فارس، نحو سنة (١٤٠هـ) . ثم قدم إلى البصرة ونشأ فيها، ورغب في طلب الفقه والحديث، فالتحق بحلقة حمّاد بن سلمه، فبينا هو يستملي على حمادٍ لحن، فعاتبه حمادٌ على لحنه، فقال سيبويه: لاجرم لأطلبنّ علماً لا تُلحِّنُنِي فيه أبداً، ثمّ مضى ولزم الخليل فبرع، وهو أثْبتُ من أخذ عنه. وأخذ – أيضاً – النّحو واللغة والأدب عن يُونس بن حبيب، وأبي الخطاب الأخفش الكبير، وعيسى بن عمر الثقفيّ، وأبي زيدٍ الأنصاريّ، وغيرهم. كان أعلم النّاس بالنّحو بعد الخليل، ولم يكن في البصرة ولا في غيرها مثلُه، ساد أهل عصره وفاقهم، فهو إِمامُ أهل البصرة بلا مدافع، ورئيس طبقته بلا منازع. كان فيه مع فَرْط ذكائه حُبسةٌ في لسانه، وانطلاقٌ في قلمه. كان شاباًّ نظيفاً جميلاً، قد تعلّق من كلّ علمٍ بسببٍ، وضرب بسهمٍ في كلِّ أدبٍ، مع حداثة سِنّه، وبراعته في النّحو. كان الخليل يُحبّه ويُجلُّه، ولا يَملُّ من لقائه، فكان يقول له إذا أَقْبل عليه سيبويه: مرحباً بزائرٍ لايُملّ، وما سُمع الخليل يقولُها لغيره. أمّا كتابه الذي صنّفه فلم يسبقه أحدٌ إلى مثله، ولا لحقه أحدٌ من بعده، سمّاه النّاس "قرآن النّحو"، ولقّبه المبرد بالبحر استعظاماً له، واستصعاباً لما فيه. وكان المازنيّ يقول: من أراد أن يعمل كتاباً في النّحو بعد كتاب سيبويه فليستحي. ونجم من أصحاب سيبويه ممّن أخذ عنه أبو الحسن الأخفش سعيد بن مَسْعدة، وأبو عليّ محمد بن المستنير قُطْرب.

стр. 5347

قدم سيبويه إلى بغداد، وناظر الكسائيَّ وأصحابه فلم يظهر عليهم، وتعصّبُوا عليه، وجعلوا للعرب جُعْلاً ليوافقوهم، فتابع الأعراب الكسائيَّ، والمناظرة مشهورة، فظهر عليهم سيبويه بالصّواب، وظهر الكسائيُّ عليه بتركيب الحجة والتّعصب. فاستُزِلّ سيبويه فخرج وصرف وجهه تلقاء فارس، ولم يعد إلى البصرة، وأقام هناك إلى أنْ مات غمّاً بالذَّرِبِ، ولم يلبث إلاّ يسيراً. وكانت وفاته في سنة ثمانين ومائة بفارس، في أيّام الرشيد، وقبره في شِيراز. وقيل: غير ذلك في سنة ومكان وفاته، والصحيح ما أثبته وهو قول الأغلب. عاش سيبويه – ﵀ – كما قيل: اثنتين وثلاثين سنةً، ويُقال: إنّه نيّف على الأربعين سنةً، وهو الصحيح. ولمّا مات سيبويه، قيل ليُونُس: إنّه صنّف كتاباً في ألف ورقةٍ من عِلْم الخليل، فقال: ومتى سمع سيبويه هذا كلَّه من الخليل؟ جيئوني بكتابه، فلمّا نظر فيه رأى كلّ ماحكى، فقال: يجب أن يكون هذا الرّجلُ قد صدق عن الخليل في جميع ماحكاه، كما صدق فيما حكاه عنّي (١) . المبحث الأول: اختلافهما في باب النّسب، وفيه مطلبان: المطلب الأوّل: الخلاف بينهما في النّسب إلى: (ظَبْيةٍ، أو دُمْيةٍ، أو فِتْيةٍ) . الاسم الثلاثي: الذي يُنسب إليه إذا كان آخرُه ياءً، أو واواً، وكان الحرف الذي قبل الياء أو الواو حرفاً صحيحاً ساكناً، إمّا أن يكون مختوماً بهاء التأنيث، أو لايكون.

стр. 5348

فإن كان مجرداً من هاء التأنيث، فإنّه يُنسب إليه دون تغييرٍ، وذلك نحو: "ظَبْيٍ، وغَزْوٍ"، فتقول في النّسب إليهما: "ظَبْيِيّ، وغَزْوِيّ". وهذا مذهب سيبويه، والخليل، ويونس، وجمهور النّحويين باتفاقٍ (١) . أمّا إذا خُتم بهاء التأنيث بعد الياء، فإنّ فيه اختلافاً بين سيبويه، والخليل، ويونس، فمذهب سيبويه والخليل في أحد قوليه وهو الأقيس، أنّه يُنسب إليه على لفظه بلا تغييرٍ، سوى حذف هاء التأنيث، فتقول في النّسب إلى "ظَبْيةٍ، أو دُمْيةٍ، أو فِتْيةٍ": "ظَبْييّ، ودُمْييّ، وفِتْييّ"، كأنّك نَسبت إلى الاسم الذي ليس فيه هاء التأنيث، وأجريته مجراه؛ ومِثْلُ اليائيِّ الواويُّ، فتقول في النّسب إلى "غَزْوة، أو عُرْوة، أو رِشْوة": "غَزْويّ، وعُرْوِيّ، ورِشْويّ"، بلا تغييرٍ سوى حذف هاء التأنيث، كاليائيّ سواء، قال سيبويه: (فإذا كانت هاء التأنيث بعد هذه الياءات، فإنّ فيه اختلافاً: فمن النّاس من يقول في رَمْيةٍ: رَمْييٌّ، وفي ظَبْيةٍ: ظَبْييٌّ، وفي دُمْيةٍ: دُمْييٌّ، وفي فِتْيةٍ: فِتْييٌّ، وهو القياس ... ، كأنّك أضفت إلى شيءٍ ليس فيه ياءٌ. فإذا جعلت هذه الأشياء بمنزلة مالا ياء فيه، فأجره في الهاء مجراه وليست فيه هاء؛ لأنّ القياس أن يكون هذا النّحوُ من غير المعتل في الهاء بمنزلته إذا لم تكن فيه الهاء، ... وحدثنا يُونُس أنّ أبا عمروٍ كان يقول في ظَبْيةٍ: ظَبْييٌّ، ولاينبغي أن يكون في القياس إلاّ هذا) (٢) .

стр. 5349

أمّا مذهب يُونُس فإنّه يَنسب إليهما كما ينسب إلى الاسم الثلاثيّ المنقوص، أي: أنّه يُحرك الحرف الساكن الذي قبل الياء أو الواو بالفتحة، ثم بالنسبة للياء يَقلبها ألفاً وفق القاعدة، ثم واواً عند النّسب، فيقول في النّسب إلى ما آخره ياءً: "ظَبَوِيّ، ودُمَوِيّ، وفِتَويّ"، ومثله الواويّ فيقول: "غَزَوِيّ، وعُرَوِيّ، ورِشَويّ" وذلك بتحريك الساكن الذي قبل الواو فقط، وهو اختيار الزجاج (١) . وما ذهب إليه يُونُس في النّسب إلى "ظَبْية" وكذا: "غَزْوة" حكم عليه سيبويه بأنّه شاذٌ ومخالفٌ للقياس، ومذهبه ألاّ يُغيّر منه في النّسب إلاّ ماورد تغييره عن العرب، وذلك مثل قولهم في حيٍّ من العرب يُقال لهم: بنو زِنْية: زِنَوِيّ، وفيِ البِطْية: بِطَوِيّ (٢) . أمّا الخليل فقد عَذَرَ يُونُس واحتج له في ذوات الياء دون ذوات الواو؛ لأنّ السماع يُعضّد ويقوّي مذهبه في ذوات الياء، بخلاف ذوات الواو؛ لعدم السماع. وكلام الخليل عن مذهب يُونُس واحتجاجه له في ذوات الياء دون ذوات الواو، يبيّن لنا أنّه يذهب إلى مذهب يُونُس في اليائيّ دون الواويّ؛ لأنّه لم يوافقه في الواويّ، ونَقْلُ سيبويه عن الخليل يحتمل ذلك، وكذا شُرّاح الكتاب، قال سيبويه: (وأمّا يُونُس فكان يقول في ظَبْيةٍ: ظَبَوِيٌّ، وفي دُمْيةٍ: دُمَويٌّ، وفي فِتْيةٍ: فِتَويٌّ. فقال الخليل: كأنّهم شبهوها حيث دخلتها الهاء بفَعِلةٍ؛ لأنّ اللفظ بفَعِلةٍ إذا أسكنت العين وفَعْلةٍ من بنات الواو سواءٌ.

стр. 5350

يقول: لو بنيت فَعِلةً من بنات الواو لصارت ياءً، فلو أسكنت العين على ذلك المعنى لثبتت ياء ولم ترجع إلى الواو، فلمّا رأوها آخرُها يشبه آخرَها، جعلوا إضافتها كإضافتها، وجعلوا دُمْيةً كفُعِلةٍ، وجعلوا فِتْيةً بمنزلة فِعِلةٍ. هذا قول الخليل. وزعم أنّ الأول أقيسهما وأعربهما ... وقال: لا أقول في غَزْوة إلاّ: غَزْويٌّ؛ لأنّ ذا لايشبه آخرُه آخر فَعِلةٍ إذا أُسكنتْ عينها ... ، ولا تقول في عُرْوة إلاّ عُرْويّ ... وأمّا يُونُس فجعل بنات الياء في ذا وبنات الواو سواءً، ويقول في عُرْوة: عُرَوِيّ، وقولنا: عُرْويٌّ) (١) . وخلاصة كلام سيبويه أنّ في النّسب إلى اليائيّ أو الواويّ المختوم بهاء التأنيث مذهبين، وأنّ الخليل يجيز الوجهين في ذوات الياء دون الواو، ويختار الإقرار على الأصل. والمذهبان هما: الأول: مذهب سيبويه والخليل في أحد قوليه أن يُنسب إليهما بلا تغييرٍ سوى حذف هاء التأنيث، وبقاء سكون ماقبل الياء أو الواو، فيقال: ظَبْيِيّ، وغَزْوِيّ. الثاني: مذهب يُونُس وهو قول الخليل في اليائيّ دون الواويّ، أنّه يُنسب إليهما بإبدال سكون ماقبل الياء أو الواو فتحة، وقلب الياء ألفاً ثم واواً، فيقال: ظَبَويّ، وغَزَويّ. وقد حكم عليه سيبويه بأنّه مخالفٌ للقياس، وهو قول المبرد، إذْ قال: (فأمّا قولُ يُونُسَ في النّسب إلى ظَبْيةٍ: ظَبَويٌّ، فليس بشيءٍ، إنّما القول ماذكرت لك) (٢) . والرّاجح هو ماذهب إليه الخليل بن أحمد من جواز الوجهين في النّسب إلى ذوات الياء؛ إذْ جوّز فيه أن يُنسب إليه على لفظه بلا تغييرٍ، فتقول في النّسب إلى ظَبْيةٍ: ظَبْييٌّ، وهو مذهب سيبويه.

стр. 5351

وأجاز الخليل – أيضاً - أن يُنسب إليه على مذهب يُونُس، فتقول: ظَبَويٌّ؛ قال ابن مالك: (وإنْ أُنّث بالتاء، عُومل معاملةَ منقوصٍ ثلاثيّ، إن كان ياءً وفاقاً ليونس) (١) . ومذهب الخليل هو مذهب جمهور النّحويين كالسيرافيّ، والفارسيّ، والأعلم الشنتمريّ، والزمخشريّ، وابن يعيش، وابن عصفور، وابن مالك، وابن عقيل، وغيرهم (٢) . المطلب الثاني: الخلاف بينهما في النّسب إلى (رايَةٍ، وغايَةٍ، وآيَةٍ) . اختلف سيبويه والخليل والنّحويّون في النّسب إلى الاسم الثلاثيّ الذي آخره ياء متحركة، قبلها ألف، وخُتم الاسم بهاء التأنيث، نحو: "رايَةٍ، وغايَةٍ، وآيَةٍ"، فقد اختلفوا في النّسب إليه على ثلاثة أوجهٍ (٣) : الوجه الأول: قلب الياء همزةً، فتقول: "رائِيٌّ، وغائِيٌّ، وآئِيٌّ". وعلّة قلب الياء همزةً: أنّها اتصلت بياء النّسب، فثقل النطق بها، فأُبدلت الياء همزة لوقوعها طرفاً بعد الألف المبدلة من أصلٍ، تشبيهاً لها بالألف الزائدة في "سقاية".

стр. 5352

وهذا الوجه هو مذهب الخليل، قال سيبويه: (وسألته عن الإضافة إلى: "رايَةٍ، وطايَةٍ، وثايَةٍ، وآيَةٍ" ونحو ذلك، فقال: أقول: "رائِيٌّ، وطائِيٌّ، وثائِيٌّ، وآئِيٌّ"، وإنّما همزوا لاجتماع الياءات مع الألف، والألف تُشبّه بالياء، فصارت قريباً مما تجتمع فيه أربع ياءات، فهمزوها استثقالاً، وأبدلوا مكانها همزة؛ لأنّهم جعلوها بمنزلة الياء التي تُبدل بعد الألف الزائدة؛ لأنّهم كرهوها ههنا كما كُرهت ثّمَّ، وهي هنا بعد ألف كما كانت ثَمَّ، وذلك نحو ياء "رداءٍ") (١) . وقد نصّ المبرد على أنّ هذا الوجه اختاره سيبويه، وهو مخالفٌ لما ذكره سيبويه في (الكتاب) ، على ماهو مبيّن في الوجهين اللاحقين (٢) . الوجه الثاني: بقاء الياء على حالها، فتقول: "رايِيٌّ، وغَايِيٌّ، وآيِيٌّ". وهذا الوجه جعله سيبويه أولى وأقوى، فقال: (ومن قال: "أُميّيٌّ"، قال: "آيِيٌّ، ورايِيٌّ" بغير همزٍ؛ لأنّ هذه لامٌ غير معتلة، وهي أولى بذلك؛ لأنّه ليس فيها أربع ياءاتٍ؛ ولأنّها أقوى) (٣) . والسبب في كونه أولى وأقوى: أنّه أقيس، إذْ فيه ترك الياء على حالها دون قلبٍ، كما في "ظَبْييّ"، ولأنّك لو أفردته بعد طرح الهاء لأثبت الياء، وقلت: "رايٌ، وغايٌ، وآيٌ" ولا تلزم الهمزة؛ لأنّ الألف قبل الياء أصلٌ غير زائدٍ، والياء إنّما تُهمز إذا كان قبلها ألفٌ زائدةٌ (٤) . وممّن ذهب إلى هذا الوجه ابن السراج، والزمخشريّ، وابن يعيش، والرضيّ (٥) . الوجه الثالث: قلب الياء واواً، فتقول: "راويٌّ، وغاوِيٌّ، وآوِيٌّ".

стр. 5353

وعلّة قلب الياء واواً: أنّها وقعت ثالثة متطرفة، فاستُثقلت لأجل ياء النّسب بعدها، فقُلبت واواً، كما في "عَموِيّ، وشَجوِيّ" أي: تعامل معاملة النّسب إلى المنقوص الثلاثيّ (١) . وهذا الوجه أجازه سيبويه، فقال: (ولو أَبدلتَ مكان الياء الواوَ، فقلت: "ثاوِيٌّ، وآوِيٌّ، وطاوِيٌّ، وراويٌّ" جاز ذلك، كما قالوا: "شاوِيٌّ"، فجعلوا الواوَ مكان الهمزة) (٢) . وممّن ذهب إلى هذا الوجه المبرد، وهو أجود الأقاويل عنده (٣) . وحاصل ماسبق ذكره أنّ في المسألة ثلاثة أوجهٍ، لخّصها الصيمريُّ بقوله: (وما كانت لامه ياءً وقبلها ألف، نحو: راية، وآية، فالنّسب إليه على ثلاثة أوجهٍ: أحدها: ترك الياء على حالها، كقولك: رايِيٌّ، وآيِيٌّ. والثاني: قلبُ الياء همزةً، كقولك: رائِيٌّ، وآئِيٌّ. والثالث: قلبها واواً، كقولك: راوِيٌّ، وآوِيٌّ) (٤) . أمّا اختلاف سيبويه مع الخليل في المسألة فيتلخص فيما يلي: بيّنت – آنفاً – في الوجه الأوّل أنّ الخليل يذهب إلى قلب الياء همزة، موضحاً علّة ذلك، أما سيبويه فقد نصّ المبرد على أنّه اختار مذهب الخليل. قلت: - أيضاً – ذهب في (الكتاب) إلى تقوية عدم قلب الياء وبقائها على حالها وجعَله أَوْلى، وهو مذهب جماعة من النّحوييّن، وقد بيّنت ذلك في الوجه الثاني. - أيضاً – ذهب سيبويه في (الكتاب) إلى جواز قلب الياء واواً؛ وهو أجود الأقاويل عند المبرد، وهو موضَّح في الوجه الثالث. إذاً: سيبويه يذهب إلى جواز الأوجه الثلاثة في النّسب إلى "رايةٍ، وغايةٍ، وآيةٍ، وثايةٍ، وطايةٍ". وأمّا الخليل فيذهب إلى جواز وجهٍ واحدٍ، هو قلب الياء همزةً.

стр. 5354

والأجود: هو ماذهب إليه الخليل بن أحمد، وهو قلب الياء همزةً؛ لأنّه مذهب جمهور النّحويين كالسيرافيّ، وابن مالك، وأبي حيّان، وابن عقيل، والسّلْسيليّ، وابن جماعة، والسيوطيّ، والصّبان، وغيرهم (١) . قال السيرافيّ معلّلاً مذهب الخليل: (فأمّا من همز؛ فلأنّ الياء وقعت بعد ألفٍ، وكان حقُّها أن تُهمز قبل النّسبة وتُعلّ، ولكنّهم صحّحوها وهي شاذّةٌ، فلمّا نُسب إليها وزِيدت ياءُ النسبة ثقلت، فردّوها إلى ماكان يوجبه القياس من الهمز) (٢) . وقال ابن مالك: (وفي نحو: "غايَةٍ" ثلاثة أوجهٍ: أجودها الهمز) (٣) . قال ابن عقيل موضّحاً جودة الهمز: (وذلك لسلامته من ثقل الياءات، مع الكسر الموجود، ذلك في الوجه الأول – أي: غايِيّ -؛ ومن الإبدال بعد الإبدال، كما في الوجه الثالث – أي: غاوِيّ -) (٤) . وقال السيوطيّ: (والهمز أجود؛ لأنّ فيه سلامةً من استثقال الياءات، وإبدالٌ أخفُّ من إبدالين) (٥) . المبحث الثاني: اختلافهما في باب الهمز، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الخلاف بينهما في تخفيف الهمزتين المجتمعتين في كلمتين. اعلم أنّ الهمزتين المتحركتين إذا التقتا في كلمتين منفصلتين، فهما على ضربين: الأول: أن تكونا متفقتي الحركة. والثاني: أن تكونا مختلفتي الحركة. فإن اتفقتا في الحركة فعلى ثلاثة أقسام: الأول: اتفاقهما في الكسر، كقوله: (هؤلاءِ إِنْ كنتم) [البقرة: ٣١) . الثاني: اتفاقهما في الفتح، كقوله: ٠جاءَ أَشراطها) [محمد: ١٨] . الثالث: اتفاقهما في الضم، كقوله: (أولياءُ أُولئك) [الأحقاف: ٣٢] .

стр. 5355

أمّا إذا اختلفتا في الحركة – وهو الضرب الثاني - فعلى خمسة أقسام، وكانت القسمة تقتضي ستةً: الأول: مضمومة ومفتوحة، كقوله: (السُّفهاءُ أَلا) [البقرة: ١٣] . الثاني: مفتوحة ومضمومة، عكس الأول، كقوله: (جاءَ أُمّة) [المؤمنون: ٤٤] . الثالث: مكسورة ومفتوحة، كقوله: (وِعاءِ أَخيه) [يوسف: ٧٦] . الرابع: مفتوحة ومكسورة، عكس الثالث، كقوله: (شُهداءَ إِذْ حضر) [البقرة: ١٣٣] . الخامس: مضمومة ومكسورة، كقوله: (مَن يشآءُ إِلى) [البقرة: ١٤٢] . السادس: مكسورة ومضمومة، عكس الخامس، ولم يرد له شاهد في القرآن. هذه أقسام التقاء الهمزتين المتحركتين في كلمتين منفصلتين (١) . واعلم أنّ القُرّاء والنّحويين اختلفوا في تحقيق الهمزتين معاً، أو تخفيفهما، أو تحقيق الأولى وتخفيف الثانية بإسقاطها، أو العكس، أو تسهيل إحداهما في الأقسام السابقة. قال ابن الحاجب: (وفي كلمتين يجوز تحقيقهما، وتخفيفهما، وتخفيف إحداهما على القياس) (٢) . وقال سيبويه: (واعلم أنّ الهمزتين إذا التقتا وكانت كلُّ واحدة منهما من كلمة، فإنّ أهل التحقيق يخفّفون إحداهما، ويستثقلون تحقيقهما لما ذكرت لك، كما استثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة، فليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتُحقَّقا) (٣) . وحاصل الخلاف بين القُرّاء والنّحويين في المسألة يتلخص في أربعة مذاهب (٤) :

стр. 5356

الأول: تحقيق الهمزتين جميعاً، سواء اتفقتا في الحركة أم اختلفتا؟ وهو مذهب ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائيّ، وخلف، ورُوح عن يعقوب؛ وهو قول عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ من النّحويين. وقد ذهب سيبويه إلى عدم تجويزه وحكم على تحقيق الهمزتين بالرداءة، فقال: (وأمّا الهمزتان فليس فيهما إدغام في مثل قولك: "قرأ أبوك"، و"أقْرِئْ أباك"؛ لأنّك لايجوز لك أن تقول: "قرأ أبوك" فتُحققهما ...، وزعموا أنّ ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وأُناسٌ معه، وقد تكلم ببعضه العربُ، وهو رديءٌ) ، وما ذهب إليه سيبويه من عدم التجويز والحكم على تحقيق الهمزتين بالرداءة، هو مذهب المبرد، وابن السراج (١) . والصحيح: هو خلاف ماذهبوا إليه، فإنّه قد سُمع التحقيق فيهما، وقُرئ بهما (٢) . الثاني: تخفيف الأولى (أي إسقاطها) وتحقيق الثانية، وهو مذهب أبي عمروٍ من القُرّاء والنّحويين في الهمزتين المتفقتين في الحركة، - أي الأقسام الثلاثة من الضرب الأول - ووافقه ابن شنبوذ عن قُنبل، ووافقهم على ذلك في المفتوحتين خاصةً قالون عن نافع، والبَزّيّ عن ابن كثير، وسهّلا الأولى من المكسورتين، ومن المضمومتين بين بين مع تحقيق الثانية. قال سيبويه: (فليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتُحقَّقا، ومن كلام العرب تخفيف الأولى وتحقيق الآخرة، وهو قول أبي عمروٍ، وذلك كقولك: "فقد جا أَشراطها"، و"يازكريّا إِنّا نُبشرك") (٣) .

стр. 5357

الثالث: تحقيق الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية بإسقاطها، وهو مذهب الخليل بن أحمد من النّحويين، وبه قرأ ابن كثيرٍ في رواية قُنبل قوله: (هؤلاءِ انْ) ، بهمز الأولى وتخفيف الثانية؛ وهو قول نافعٍ في رواية وَرْش، نصّ على ذلك ابن مجاهد (١) ، وهو مخالفٌ لما أثبته جمهور القُرّاء؛ إذْ أثبتوا عنهما تحقيق الهمزة الأولى كالخليل، وتسهيل الهمزة الثانية لاتخفيفها، واختلفوا في صور التسهيل عنهما، على ماهو مبيّن في كتب القراءات. وما ذهب إليه الخليل هي قراءة نافعٍ، وابن كثيرٍ، وأبي عمروٍ، وأبي جعفرٍ، ورُويس عن يعقوب، في الهمزتين المختلفتين في الحركة – أي الأقسام الخمسة من الضرب الثاني -، فوافقوا الخليل في تحقيق الهمزة الأولى، وخالفوه في عدم حذف الثانية، بل سهّلوها على ماتقتضيه مقاييسُ العربية من وجوه التسهيل (٢) . وإلى مذهب الخليل أشار سيبويه بقوله: (ومنهم من يُحقّق الأولى ويخفّف الآخرة، سمعنا ذلك من العرب، وهو قولك: "فقد جاءَ اشْراطها"، و"يازكريّاءُ انّا"، وكان الخليل يستحبُّ هذا القول) (٣) . الرابع: تخفيف الهمزتين جميعاً، وهذا المذهب لم يقرأ به أحدٌ من القُرّاء، وإنّما هو لغة أهل الحجاز، قال سيبويه: (وأمّا أهل الحجاز فيخفّفون الهمزتين؛ لأنّه لو لم تكن إلاّ واحدة لخُففّت) . وقال: (وأمّا أهل الحجاز فيقولون: "اقرا آيةً"؛ لأنّ أهل الحجاز يخفّفونهما جميعاً، يجعلون همزة "اقْرأْ" ألفاً ساكنة، ويخفّفون همزة "آية"، ألا ترى أنْ لو لم تكن إلاّ همزة واحدة خفّفوها، فكأنّه قال: "اقرا" ثم جاء "بآية"، ونحوها) (٤) .

стр. 5358

ولكلِّ مذهبٍ من المذاهب الأربعة السابقة حجّتُه وعلّته (١) . واعلم أنّ ماسبق ذكره يختصّ بالخلاف بين القُرّاء والنّحويين عامّة، أمّا الخلاف بين سيبويه وشيخه الخليل في المسألة، فيتلخص فيما يلي: أولاً: مذهب أبي عمروٍ في التقاء الهمزتين في كلمتين، هو حذف الأولى وتحقيق الثانية. ثانياً: مذهب الخليل هو تحقيق الأولى وحذف الهمزة الثانية. ثالثاً: مذهب سيبويه جواز الوجهين، فقال – بعد ذكره لمذهب أبي عمروٍ والخليل -: (وكلٌّ عربيٌّ) . وأكّد مذهبه بقوله: (وتقول: "اقْرا آيةً" في قول من خفّف الأولى؛ لأنّ الهمزة الساكنة أبداً إذا خُفّفت أُبدل مكانَها الحرفُ الذي منه حركةُ ماقبلها. ومن حقّق الأُولى، قال: "اقْرَ آيةً"؛ لأنّك خفّفتَ همزةً متحركة قبلها حرفٌ ساكنٌ، فحذفتها وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها) (٢) . إذاً: خلاصة الخلاف بينهما أن الخليل يرى تخفيف الثانية على كلّ حالٍ، وأمّا سيبويه فيرى جواز الوجهين، أعني: تخفيف الأولى وتحقيق الهمزة الثانية، ويرى العكس، وهو ماعبّر عنه بقوله: (وكلٌّ عربيٌّ) ، وبقوله: (واعلم أنّ الهمزتين إذا التقتا في كلمةٍ واحدةٍ لم يكن بُدُّ من بدل الآخرِة، ولا تُخفّف؛ لأنّهما إذا كانتا في حرف واحد لزم التقاءُ الهمزتين الحرفَ. وإذا كانت الهمزتان في كلمتين، فإنّ كلّ واحدة منهما قد تجرى في الكلام، ولا تَلزَق بهمزتها همزةٌ، فلما كانتا لا تُفارِقان الكلمة كانتا أثقل، فأبدلوا من إحداهما، ولم يجعلوهما في الاسم الواحد والكلمة الواحدة بمنزلتهما في كلمتين) (٣) .

стр. 5359

وقد رجّح المبرد مذهب الخليل، فقال: (وكان الخليل يرى تخفيف الثانية على كلّ حالٍ، ويقول: لأنّ البدل لايلزم إلاّ الثانية، وذلك لأنّ الأُولى يُلفظ بها، ولا مانع لها، والثانية تمتنع من التحقيق من أجل الأُولى التي قد ثبتت في اللفظ، وقولُ الخليل أقيسُ، وأكثر النّحويّين عليه) (١) . المطلب الثاني: الخلاف بينهما في الهمز والنّبر، أهما شيءٌ واحدٌ، أم بينهما فرقٌ؟ اختلف سيبويه مع الخليل في الهمز والنّبر، أهما شيءٌ واحدٌ، أم بينهما فرقٌ؟ فذهب الخليل إلى أنَّ النّبر دون الهمز، وذّلك أنّ الهمزة إذا خُفّفت ذهب بذلك معظم صوتها، وخفّ النّطق بها، فتصير نبْرةً، أي: همزة غير محققة؛ وهو قول بعض القراء والنّحويّين. قال الخليل: (وأمّا الهمزة فمخرجُها من أقصى الحلق مهتوتةً مضغوطةً، فإذا رُفِّه عنها لانت) (٢) . وقد وضّح أبو عمروٍ الدانيّ الفرق بين الهمز والنبر، وكذا مذهب الخليل وغيره من القُرّاء، فقال: (وقال – أي الخزاعي فيما رواه عن ابن كثيرٍ – وكان يقرأ "شعائر الله" بنبرة، قال: والنبرة عندهم دون الهمز، قال: وكذلك" خزائن، وبصائر" ونحوها، وقال ابن مجاهدٍ عن الأصبهانيّ عن أصحابه عن ورْشٍ عن نافعٍ في حروفٍ من الهمز منبورة، قال: والنّبرةُ عندهم همزةٌ ضعيفةٌ، كأنّها همزةٌ بين بين وليست بهمزةٍ ثابتةٍ، فوافق الخزاعيَّ فيما حكاه من كونها كذلك. وقال الخليل بن أحمد: النبرة ألطفُ وألينُ وأحسنُ من الهمزة، وهذا أيضاً موافق لما حكيناه) (٣) .

стр. 5360

أي: أنّ الهمز عند الخليل هو الصوت المحقَّقُ للهمزة الذي يخرج من أقصى الحلق؛ والنّبر: هو الهمزة المخففة بوجهٍ من وجوه التسهيل. وهذا مذهب الزمخشري، وابن يعيش، فقال: (اعلم أنّ الهمزة حرفٌ شديدٌ مستثقلٌ، يخرج من أقصى الحلق؛ إذْ كان أدْخلَ الحروف في الحلق، فاستثقل النطق به، إذْ كان إخراجُه كالتهوّع، فلذلك الاستثقال ساغ فيها التخفيف، وهو لغة قريش وأكثر أهل الحجاز، وهو نوعُ استحسانٍ لثقل الهمزة، والتحقيق لغة تميم وقيس، قالوا: لأنّ الهمزة حرف فوجب الإتيان به كغيره من الحروف. وتخفيفها كما ذَكر: يكون بالإبدال، والحذف، وأن تُجعل بين بين؛ فالإبدال: بأن تُزيل نبْرتها فتَلين، فحينئذٍ تصير إلى الألف والواو والياء على حسب حركتها وحركة ماقبلها، وأمّا الحذف فأنْ تُسقطها من اللفظ البتة؛ وأمّا جعلُها بين بين، أي: بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها، فإذا كانت مفتوحةً تجعلها بين الهمزة والألف، وإذا كانت مضمومةً بين الهمزة والواو، وإذا كانت مكسورةً بين الياء والهمزة) (١) . وأما سيبويه فإنّه لايرى فرقاً بين الهمز والنّبر، بل هما اسمان لمسمّى واحدٍ، فالهمزة المحققة عنده تسمّى نَبْرة، والعكس، أي: أنّ اختلاف الاسم – عنده – لايوجب اختلاف المسمّى، فقال: (واعلم أنّ الهمزة إنّما فَعَلَ بها هذا من لم يخفّفها؛ لأنّه بَعُد مخرجُها؛ ولأنّها نبْرةٌ تخرج باجتهاد، وهي أبعد الحروف مخرجا، فثقل عليهم ذلك؛ لأنّه كالتهوُّع) (٢) ، فنلحظ من كلامه أنّه سوّى بين الهمزة والنّبرة. والرّاجح هو قول سيبويه؛ لأنّه مذهب جمهور اللُّغويين، والنّحويين، والقُرّاء؛ إِذْ ذهبوا إلى أنّ الهمز والنّبر مترادفان على معنى واحدٍ.
следующие страницы →