الأول: تحقيق الهمزتين جميعاً، سواء اتفقتا في الحركة أم اختلفتا؟
وهو مذهب ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائيّ، وخلف، ورُوح عن يعقوب؛ وهو قول عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ من النّحويين.
وقد ذهب سيبويه إلى عدم تجويزه وحكم على تحقيق الهمزتين بالرداءة، فقال: (وأمّا الهمزتان فليس فيهما إدغام في مثل قولك: "قرأ أبوك"، و"أقْرِئْ أباك"؛ لأنّك لايجوز لك أن تقول: "قرأ أبوك" فتُحققهما ...، وزعموا أنّ ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وأُناسٌ معه، وقد تكلم ببعضه العربُ، وهو رديءٌ) ، وما ذهب إليه سيبويه من عدم التجويز والحكم على تحقيق الهمزتين بالرداءة، هو مذهب المبرد، وابن السراج (١) .
والصحيح: هو خلاف ماذهبوا إليه، فإنّه قد سُمع التحقيق فيهما، وقُرئ بهما (٢) .
الثاني: تخفيف الأولى (أي إسقاطها) وتحقيق الثانية، وهو مذهب أبي عمروٍ من القُرّاء والنّحويين في الهمزتين المتفقتين في الحركة، - أي الأقسام الثلاثة من الضرب الأول - ووافقه ابن شنبوذ عن قُنبل، ووافقهم على ذلك في المفتوحتين خاصةً قالون عن نافع، والبَزّيّ عن ابن كثير، وسهّلا الأولى من المكسورتين، ومن المضمومتين بين بين مع تحقيق الثانية.
قال سيبويه: (فليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتُحقَّقا، ومن كلام العرب تخفيف الأولى وتحقيق الآخرة، وهو قول أبي عمروٍ، وذلك كقولك: "فقد جا أَشراطها"، و"يازكريّا إِنّا نُبشرك") (٣) .
стр. 5357
الثالث: تحقيق الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية بإسقاطها، وهو مذهب الخليل بن أحمد من النّحويين، وبه قرأ ابن كثيرٍ في رواية قُنبل قوله: (هؤلاءِ انْ) ، بهمز الأولى وتخفيف الثانية؛ وهو قول نافعٍ في رواية وَرْش، نصّ على ذلك ابن مجاهد (١) ، وهو مخالفٌ لما أثبته جمهور القُرّاء؛ إذْ أثبتوا عنهما تحقيق الهمزة الأولى كالخليل، وتسهيل الهمزة الثانية لاتخفيفها، واختلفوا في صور التسهيل عنهما، على ماهو مبيّن في كتب القراءات.
وما ذهب إليه الخليل هي قراءة نافعٍ، وابن كثيرٍ، وأبي عمروٍ، وأبي جعفرٍ، ورُويس عن يعقوب، في الهمزتين المختلفتين في الحركة – أي الأقسام الخمسة من الضرب الثاني -، فوافقوا الخليل في تحقيق الهمزة الأولى، وخالفوه في عدم حذف الثانية، بل سهّلوها على ماتقتضيه مقاييسُ العربية من وجوه التسهيل (٢) .
وإلى مذهب الخليل أشار سيبويه بقوله: (ومنهم من يُحقّق الأولى ويخفّف الآخرة، سمعنا ذلك من العرب، وهو قولك: "فقد جاءَ اشْراطها"، و"يازكريّاءُ انّا"، وكان الخليل يستحبُّ هذا القول) (٣) .
الرابع: تخفيف الهمزتين جميعاً، وهذا المذهب لم يقرأ به أحدٌ من القُرّاء، وإنّما هو لغة أهل الحجاز، قال سيبويه: (وأمّا أهل الحجاز فيخفّفون الهمزتين؛ لأنّه لو لم تكن إلاّ واحدة لخُففّت) .
وقال: (وأمّا أهل الحجاز فيقولون: "اقرا آيةً"؛ لأنّ أهل الحجاز يخفّفونهما جميعاً، يجعلون همزة "اقْرأْ" ألفاً ساكنة، ويخفّفون همزة "آية"، ألا ترى أنْ لو لم تكن إلاّ همزة واحدة خفّفوها، فكأنّه قال: "اقرا" ثم جاء "بآية"، ونحوها) (٤) .
стр. 5358
ولكلِّ مذهبٍ من المذاهب الأربعة السابقة حجّتُه وعلّته (١) .
واعلم أنّ ماسبق ذكره يختصّ بالخلاف بين القُرّاء والنّحويين عامّة، أمّا الخلاف بين سيبويه وشيخه الخليل في المسألة، فيتلخص فيما يلي:
أولاً: مذهب أبي عمروٍ في التقاء الهمزتين في كلمتين، هو حذف الأولى وتحقيق الثانية.
ثانياً: مذهب الخليل هو تحقيق الأولى وحذف الهمزة الثانية.
ثالثاً: مذهب سيبويه جواز الوجهين، فقال – بعد ذكره لمذهب أبي عمروٍ والخليل -: (وكلٌّ عربيٌّ) .
وأكّد مذهبه بقوله: (وتقول: "اقْرا آيةً" في قول من خفّف الأولى؛ لأنّ الهمزة الساكنة أبداً إذا خُفّفت أُبدل مكانَها الحرفُ الذي منه حركةُ ماقبلها.
ومن حقّق الأُولى، قال: "اقْرَ آيةً"؛ لأنّك خفّفتَ همزةً متحركة قبلها حرفٌ ساكنٌ، فحذفتها وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها) (٢) .
إذاً: خلاصة الخلاف بينهما أن الخليل يرى تخفيف الثانية على كلّ حالٍ، وأمّا سيبويه فيرى جواز الوجهين، أعني: تخفيف الأولى وتحقيق الهمزة الثانية، ويرى العكس، وهو ماعبّر عنه بقوله: (وكلٌّ عربيٌّ) ، وبقوله: (واعلم أنّ الهمزتين إذا التقتا في كلمةٍ واحدةٍ لم يكن بُدُّ من بدل الآخرِة، ولا تُخفّف؛ لأنّهما إذا كانتا في حرف واحد لزم التقاءُ الهمزتين الحرفَ.
وإذا كانت الهمزتان في كلمتين، فإنّ كلّ واحدة منهما قد تجرى في الكلام، ولا تَلزَق بهمزتها همزةٌ، فلما كانتا لا تُفارِقان الكلمة كانتا أثقل، فأبدلوا من إحداهما، ولم يجعلوهما في الاسم الواحد والكلمة الواحدة بمنزلتهما في كلمتين) (٣) .
стр. 5359
وقد رجّح المبرد مذهب الخليل، فقال: (وكان الخليل يرى تخفيف الثانية على كلّ حالٍ، ويقول: لأنّ البدل لايلزم إلاّ الثانية، وذلك لأنّ الأُولى يُلفظ بها، ولا مانع لها، والثانية تمتنع من التحقيق من أجل الأُولى التي قد ثبتت في اللفظ، وقولُ الخليل أقيسُ، وأكثر النّحويّين عليه) (١) .
المطلب الثاني: الخلاف بينهما في الهمز والنّبر، أهما شيءٌ واحدٌ، أم بينهما فرقٌ؟
اختلف سيبويه مع الخليل في الهمز والنّبر، أهما شيءٌ واحدٌ، أم بينهما فرقٌ؟
فذهب الخليل إلى أنَّ النّبر دون الهمز، وذّلك أنّ الهمزة إذا خُفّفت ذهب بذلك معظم صوتها، وخفّ النّطق بها، فتصير نبْرةً، أي: همزة غير محققة؛ وهو قول بعض القراء والنّحويّين.
قال الخليل: (وأمّا الهمزة فمخرجُها من أقصى الحلق مهتوتةً مضغوطةً، فإذا رُفِّه عنها لانت) (٢) .
وقد وضّح أبو عمروٍ الدانيّ الفرق بين الهمز والنبر، وكذا مذهب الخليل وغيره من القُرّاء، فقال: (وقال – أي الخزاعي فيما رواه عن ابن كثيرٍ – وكان يقرأ "شعائر الله" بنبرة، قال: والنبرة عندهم دون الهمز، قال: وكذلك" خزائن، وبصائر" ونحوها، وقال ابن مجاهدٍ عن الأصبهانيّ عن أصحابه عن ورْشٍ عن نافعٍ في حروفٍ من الهمز منبورة، قال: والنّبرةُ عندهم همزةٌ ضعيفةٌ، كأنّها همزةٌ بين بين وليست بهمزةٍ ثابتةٍ، فوافق الخزاعيَّ فيما حكاه من كونها كذلك.
وقال الخليل بن أحمد: النبرة ألطفُ وألينُ وأحسنُ من الهمزة، وهذا أيضاً موافق لما حكيناه) (٣) .
стр. 5360
أي: أنّ الهمز عند الخليل هو الصوت المحقَّقُ للهمزة الذي يخرج من أقصى الحلق؛ والنّبر: هو الهمزة المخففة بوجهٍ من وجوه التسهيل. وهذا مذهب الزمخشري، وابن يعيش، فقال: (اعلم أنّ الهمزة حرفٌ شديدٌ مستثقلٌ، يخرج من أقصى الحلق؛ إذْ كان أدْخلَ الحروف في الحلق، فاستثقل النطق به، إذْ كان إخراجُه كالتهوّع، فلذلك الاستثقال ساغ فيها التخفيف، وهو لغة قريش وأكثر أهل الحجاز، وهو نوعُ استحسانٍ لثقل الهمزة، والتحقيق لغة تميم وقيس، قالوا: لأنّ الهمزة حرف فوجب الإتيان به كغيره من الحروف. وتخفيفها كما ذَكر: يكون بالإبدال، والحذف، وأن تُجعل بين بين؛ فالإبدال: بأن تُزيل نبْرتها فتَلين، فحينئذٍ تصير إلى الألف والواو والياء على حسب حركتها وحركة ماقبلها، وأمّا الحذف فأنْ تُسقطها من اللفظ البتة؛ وأمّا جعلُها بين بين، أي: بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها، فإذا كانت مفتوحةً تجعلها بين الهمزة والألف، وإذا كانت مضمومةً بين الهمزة والواو، وإذا كانت مكسورةً بين الياء والهمزة) (١) . وأما سيبويه فإنّه لايرى فرقاً بين الهمز والنّبر، بل هما اسمان لمسمّى واحدٍ، فالهمزة المحققة عنده تسمّى نَبْرة، والعكس، أي: أنّ اختلاف الاسم – عنده – لايوجب اختلاف المسمّى، فقال: (واعلم أنّ الهمزة إنّما فَعَلَ بها هذا من لم يخفّفها؛ لأنّه بَعُد مخرجُها؛ ولأنّها نبْرةٌ تخرج باجتهاد، وهي أبعد الحروف مخرجا، فثقل عليهم ذلك؛ لأنّه كالتهوُّع) (٢) ، فنلحظ من كلامه أنّه سوّى بين الهمزة والنّبرة.
والرّاجح هو قول سيبويه؛ لأنّه مذهب جمهور اللُّغويين، والنّحويين، والقُرّاء؛ إِذْ ذهبوا إلى أنّ الهمز والنّبر مترادفان على معنى واحدٍ.
стр. 5361
قال ابن السكيت: (والنّبْرُ: مصدرُ نبرت الحرف نبْراً، إذا همزتَه) (١) . وقال ابن فارس: (النّبْر في الكلام: الهمز، وكلُّ شيء رَفَع شيئاً فقد نَبَره، ولذلك سُمّي المنبر) ؛ وهو قول الجوهريّ، وابن منظور (٢) . وإليه ذهب العكبريّ، والرضيّ وغيرهما من النّحويّين، قال العكبريّ: (اعلم أنّ الهمزة نبْرة تخرج من أقصى الحلق يشبه صوتها التهوّع) (٣) .
وقد رجّح مذهب سيبويه من القُرّاء أبو عمرو الدّانيّ، فقال: (٤)
والهمزُ فيه كُلْفةٌ وتعْبُ
لأنّه حرفٌ شديدٌ صعْبُ
يُخرجُهُ الناطقُ باجتهادِ
من صدْره وقُوّة اعتمادِ
يُعيبه الكُلفةُ والتّنطعْ
إذْ هو كالسَّعلةِ والتهوّعْ
لذاك فيه النقلُ والتسهيلُ
بالجعْلِ بينَ بينَ والتّبديلُ
والهمزُ والنّبْرُ هما لقبانِ
لواحدٍ بذاك يُعلمانِ
وقال أهلُ العلمِ بالحروفِ
النّبرُ تعبيرٌ عن التّخفيفِ.
المبحث الثالث: اختلافهما في باب القلب المكانيّ، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الخلاف بينهما في الجمع الأقصى لمفردٍ لامه همزة قبلها حرف مدّ، كخطايا.
اعلم أنّ القلب هو: (تقديم بعض حروف الكلمة على بعضٍ) (٥) .
وعرَّفه أبو حيّان – أيضاً – فقال هو: (تصيير حرفٍ مكان حرفٍ بالتقديم والتأخير) (٦) .
وأكثر مايكون القلب في المعتل والمهموز، وقد جاء في غيرهما قليلاً، نحو: رعملي في لَعمْري؛ وامضحلَّ في اضْمَحلَّ؛ واكرَهفَّ في اكفَهرَّ (٧) .
стр. 5362
والقلب المكانيّ له إماراتٌ وأنواعٌ يكثر فيها، أمّا إماراته التي يُعرف بها، فقد ذكر ابن الحاجب أنّ القلب يعرف بستة أوجهٍ، فقال: (ويُعرف القلب بأصله: كنَاءَ يناءُ مع النأْي؛ وبأمثلة اشتقاقه: كالجاهِ والحادي والقِسِيّ؛ وبصحّته: كأَيس؛ وبقلّة استعماله: كآرامٍ وآدُرٍ، وبأداء تركه إلى همزتين عند الخليل: نحو: جاءٍ؛ أو إلى منع الصرف بغير علّةٍ على الأصحّ: نحو: أشياءَ) (١) .
وقد ذهب ابن عصفورٍ إلى أنّ القلب يعرف بأربعة أشياء (٢) ، وذهب ابن مالك إلى أنّه يُعرف بدليل واحدٍ، فقال: (وعلامة صحّة القلب: كونُ أحدِ التأليفين فائقاً للآخرِ ببعضٍِ التصريف، فإن لم يثبتْ ذلك فهما أصلان) (٣) .
وأمّا أنواعه التي يكثر فيها، فهي: (٤)
تقديم اللام على العين، وهو أكثرها، نحو: راء في رأى، وناء في نأى.
تقديم العين على الفاء، نحو: أَيس في يئس، وجاه في وجه.
تقديم اللام على الفاء، نحو: أشياء في شَيْئاء.
تأخير الفاء عن اللام، نحو: حادي في واحد.
تقديم اللاّم الأولى على العين، وهو أقلّها، نحو: طأمن في طمْأَن.
واعلم أنّ سيبويه والخليلَ اختلفا في نحو: (خَطَايا، وبَرايا، ودَنَايا) جمع: (خَطِيئة، وبَرِيئة، ودَنيئة) أي: أنّهما اختلفا في الجمع الأقصى الذي على وزن (فَعَائِل) إذا وقعت الهمزة بعد ألف الجمع، وكانت تلك الهمزة عارضةً فيه، وكانت لام مفرده أصلها همزة، فذهب سيبويه إلى قلب الهمزة العارضة ياءً، أمّا الخليل فإنّه يذهب إلى القلب المكاني، فيجعل الياءَ موضع الهمزة، والهمزةَ موضع الياء.
стр. 5363
ومُؤدَّى الخلاف بينهما: هو أنّ عدم القلب المكانيّ – عند الخليل – يؤدى إلى اجتماع همزتين، لذا أوجب الفرار ممّا يؤدي إليهما، وإنّما دعا الخليلَ إلى ارتكاب وجوب القلب في مثله، أداء ترك القلب إلى اجتماع إعلالين في الكلمة الواحدة، كما هو مذهب سيبويه، والقولُ بالقلب دَفْعٌ لاجتماعهما.
وأمّا سيبويه فإنّه لايقول به، وإن أدّى تركه إلى اجتماع همزتين، ومن ثمّ اجتماع إعلالين؛ لأنّ اجتماع الهمزتين يزول – عنده – بقلب الهمزة العارضة ياءً، فيتخلص مما يجتنبه الخليل مع عدم ارتكاب القلب الذي هو خلاف الأصل.
فأصل "خطايا" عندهما: "خطايئ" بياءٍ مكسورة هي ياءُ "خطيئةٍ"، وهمزة بعدها هي لامها، ثم أُبدلت الياءُ المكسورة همزة لوقوعها بعد ألف الجمع على حد إبدالها في (صحائف) ، فصارت "خطائِئ" بهمزتين: الأُولى مبدلة من الياء، والثانية هي لام الكلمة؛ ثمّ أُبدلت الهمزة الثانية التي هي لام الكلمة ياءً؛ لأنّ الهمزة المتطرفة بعد همزة تقلب ياءً مطلقاً، فبعد المكسورة أولى، فصارت "خطائِي" وما سبق ذكره من خطوات هو مذهب سيبويه.
أمّا الخليل فيختصر الخطوات السابقة بتقديم الهمزة على الياء، فتصير "خطائِي".
стр. 5364
ثمّ بعد ذلك اتفق الخليل وسيبويه في باقي الخطوات، وهي: قلب كسرة الهمزة الأولى فتحةً وذلك للتخفيف، فصارت "خطائَي"؛ ثم قُلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ماقبلها، فصارت "خطاءا" بألفين بينهما همزة، والهمزة تُشْبُه الألف، فاجتمع شبه ثلاث ألفات، وذلك مستكرهٌ، فأُبدلت الهمزة ياءً ولم تُبْدل واواً؛ لأنّ الياء أخفُّ منها، فصارت "خطايا" وذلك بعد خمس خطوات في مذهب سيبويه، وأربعٍ في مذهب الخليل بن أحمد (١) .
قال سيبويه: (وأمّا "خطايا" فكأنّهم قلبوا ياءً أُبدلت من آخر "خطايا" ألفاً؛ لأنّ ماقبل آخرها مكسور، ... وأبدلوا مكان الهمزة التي قبل الآخر ياءً، وفُتحت للألف، ... فلمّأ أبدلوا من الحرفِ الآخر ألفاً، استثقلوا همزةً بين ألفين، لقرب الألفين من الهمزة، ... أبدلوا مكان الهمزة التي قبل الآخرة ياءً) (٢) .
والرّاجح: مذهب سيبويه، وهو قول الجمهور؛ لأنّ الخليل اُعترض عليه بأنّهم قد نطقوا باجتماع الهمزتين، مما يدلّ على صحة مذهب سيبويه، إذْ قال بعض العرب: "اللهمّ اغفر لي خطائِئ" – بهمزتين – على الأصل، وهو شاذٌٌّ (٣) .
قال ابن جني: (ومذهب مَنْ لم يقُل بالقلب في "خطايا" عندي أقوى من قول الخليل) (٤) .
قلت: ثمرة الخلاف بينهما هو أنّ وزن "خطايا" عند الخليل (فَعَالِي) ، ووزنها عند سيبويه (فَعَايِل) .
المطلب الثاني: الخلاف بينهما في اسم الفاعل من الأجوف الثلاثي المهموز اللاّم.
стр. 5365
اختلف سيبويه والخليل في الاسم الثلاثي المهموز اللام، إذا كانت عينه واواً أو ياءً، وذلك نحو: سَاءَ يسُوءُ، وناءَ ينُوءُ، وجاءَ يجيئ، وشاءَ يشاءُ، إذا بنيت منها اسم الفاعل فإنّك تقول: سَاءٍ، ونَاءٍ، وجَاءٍ، وشاءٍ.
فهو كاسم الفاعل من "قام" وأمثاله، في أنّك إذا أُبدلت من العين همزة، قلت "قائم"، إلاّ أنّ اسم الفاعل من "جاء" يخالف اسم الفاعل من "قام" في أنّه إذا أبدلت عينُه همزةً، التقت همزتان، الأُولى: بدلٌ من عين الكلمة، والثانية: هي لام الفعل، فأُبدلت الهمزة الثانية ياءً، لكسر ماقبلها؛ لأنّه لايلتقي همزتان في كلمةٍ إلاّ لزم الآخرةَ منهما البدلُ، فتصير: "جائِيٌ"، ثم صارت: جاءٍ، عُوملت معاملة: قاضٍ؛ ومثلها: ساءٍ، وناءٍ، وشاءٍ؛ وهذا مذهب سيبويه في أنّه غير مقلوبٍ، ووزنه "فاعل".
أمّا مذهب الخليل فإنّه يقلب اللاّم في موضع العين، فلم تلتق همزتان، فأصل "جاءٍ" في مذهبه: جايئٌ، ثم قَلب فصار: جائيٌ، فالهمزة التي تلي الألفَ، إنّما هي لام الفعل التي لم تزل همزةً قُدّمت على عين الفعل التي كانت تُهمز للاعتلال إذا كانت إلى جانب الألف، ثم صارت: جاءٍ، بمنزلة: قاضٍ، ووزنه – عنده – "فالع، ثم فَالٍ" (١) .
قال سيبويه: (وأمّا الخليل فكان يزعم أنّ قولك: "جاءٍ وشاءٍ" ونحوهما، اللاّم فيهنّ مقلوبةٌ، وقال: أَلزمُوا ذلك هذا واطّرد فيه، إذْ كانوا يقلبون كراهية الهمزة الواحدة) .
стр. 5366
وقبل ذلك بيّن سيبويه مذهبه، فقال: (فهذه الحروف تجري مجرى: قال يقول، وباع يبيع، وخاف يخاف، وهاب يهاب، إلاّ أنّك تحوّل اللام ياءً إذا همزت العين، وذلك قولك: جاءٍ، كما ترى همزت العين التي همزت في "بائع" واللام مهموزه، فالتقت همزتان، ولم تكن لتجعل اللام بين بين من قِبل أنّهما في كلمة واحدةٍ، وأنّهما لايفترقان، فصار بمنزلة مايلزمه الإدغام؛ لأنّه في كلمة واحدة، وأنّ التضعيف لايفارقه) .
وفي نهاية المسألة أكّد مذهبه، فقال: (فهذا تقويةٌ لمن زعم أنّ الهمزة في "جاءٍ" هي الهمزة التي تُبدل من العين) ثم قال: (وكلا القولين حسنٌ جميلٌ) (١) .
قال ابن عقيل: (وهذا يقتضي إجازته كُلاًّ منهما، لكنّ الأوّلَ هو الأرجح؛ لأنّ من قاعدته أن كثرة العمل مع الجري على القواعد، أولى من قلبه مع المخالفة) (٢) .
وقد اختلف النّحاة في الأخذ بأحد المذهبين، فذهب ابن مالك، والرضيّ إلى ترجيح مذهب سيبويه في عدم القلب، قال ابن مالك: (وليس "جاءٍ" و"خطايا" مقلوبين خلافاً للخليل) (٣) .
وذهب أبو عليّ الفارسيّ، وابن يعيش، وابن عقيل إلى ترجيح مذهب الخليل، وهو القول بالقلب المكانيّ (٤) .
وذهب بعض النّحويين – وهو الراجح - إلى أنّ كلا القولين حسنٌ جميلٌ، كما ذكر سيبويه في نهاية كلامه، ومن هؤلاء: المبرد، وابن جنى، وابن عصفور، وأبو حيّان، وغيرهم (٥) .
المطلب الثالث: الخلاف بينهما في جمع اسم الفاعل ك"جائية" على "فواعل".
стр. 5367
اعلم أنّ سيبويه اختلف مع شيخه الخليل في اسم الفاعل من الأجوف الثلاثيّ المهموز اللام – كما بيّنته سابقاً – كما أنّهما اختلفا – أيضاً – في جمعه، أي: اسم الفاعل على "فَواعل"، نحو: جَواءٍ، وسَواءٍ، جَمْعي: جائية، وسائية.
فمذهب الخليل أنّ أصل "جواءٍ": "جوايئٌ"، ثمّ قَلب اللام في موضع العين؛ لئلاّ تلتقي همزتان، فصار "جوائيٌ"، على وزن (فوالع) ، فالهمزة التي تلي الألف إنّما هي لام الجمع، قُدّمت على العين التي كانت تُهمز إذا كانت إلى جانب الألف، ثمّ عُومل الجمع معاملة "قاضٍ"، فصار: جواءٍ، على وزن (فوالٍ) .
أمّا سيبويه فلا يرى القلب وإن أدّى ذلك إلى اجتماع همزتين في الطرف، وهو ما احترز منه الخليل، وحَمَلَه على ارتكاب وجوب القلب؛ لأنّ ترْكَه يُؤدّي إلى اجتماع إعلالين كما هو مذهب سيبويه، هما: قلب العين همزةً، وقلب الهمزة التي هي لامٌ ياءً، ولا يلزم ذلك في قول الخليل.
فأصل "جواءٍ" في مذهب سيبويه: "جوايئٌ"، فأُبدلت الياء التي هي عين الجمع همزة؛ لوقوعها بعد الألف، فصارت "جوائئ"، فاجتمعت همزتان فأُبدلت الهمزة الثانية ياءً؛ لانكسار ماقبلها، فصارت "جوائي"، على وزن (فواعل) ، ثمّ عُومل الجمع معاملة "قاضٍ"، فصار: جواءٍ، على وزن (فواعٍ) ، ولا قلب فيه، قال سيبويه: (وإذا قلت: (فواعل) من "جئت" قلت: "جَواءٍ"، كما تقول من: "شأوت: شَواءٍ"، فتجريها في الجمع على حدّ ما كانت عليه في الواحد؛ لأنّك أَجريتَ واحدها مجرى الواحد من "شأوت") (١) .
стр. 5368
والرّاجح هو ما ذهب إليه سيبويه، وهو مذهب جماعة من النّحويّين كالمازنيّ، وأبي عليّ الفارسيّ، وابن جنّيّ، والرضيّ، والجاربرديّ وغيرهم، قال المازنيّ: (وإذا كانت الهمزة ثابتة في الواحد، ثمّ كَسّرت ذلك الواحد على هذا المثال لم تُغيّر الهمزة؛ لأنّها لم تَعرِض في جمعٍ، وذلك أنّك إذا جمعت "جائية" على "فواعل"، قلت: "جواءٍ" مثل "جواعٍ"؛ لأنّ الهمزة لم تَعرِض في جمعٍ فيُفعل بها ما فُعل ب"خطايا، ومطايا، وحيايا، وسوايا") (١) .
وفي القلب المكانيّ أربع وقفات:
الوقفة الأولى: ذهب الخليل بن أحمد إلى أنّ القلب المكانيّ يكون قياسيًّا في كلّ ما يؤدي ترك القلب فيه إلى اجتماع همزتين في الطرف، وذلك في ثلاث صور:
الصورة الأولى: كلّ جمعٍ أقصى لمفردٍ لامه همزة، قبلها حرف مدٍّ، نحو: "خطايا" في جمع "خطيئة".
الصورة الثانية: اسم الفاعل من الأجوف الثلاثيّ المهموز اللام، نحو: جاءٍ، وساءٍ.
الصورة الثالثة: جمع اسم الفاعل – السابق – على "فواعل"، نحو: جواءٍ، وسواءٍ، جَمْعي: جائية، وسائية.
فإنّ هذه الصور عند الخليل قياسيّة، أمّا سيبويه ومن تبعه من جمهور النحويّين فلا يحكمون بقياسيّتها، وإن أدّى ترْكه إلى اجتماع همزتين.
стр. 5369
قال الرضيّ: (وليس شيءٌ من القلب قياسيّاً إلاّ ما ادعى الخليل فيما أدّى ترْك القلب إلى اجتماع همزتين ... ، فإنّه عنده قياسيٌّ ... ، وليس ما ذهب إليه الخليل بمتينٍ، وذلك لأنّه إنّما يُحترز عن مكروهٍ إذا خيف ثباتُه وبقاؤه، أمّا إذا أدّى الأمر إلى مكروهٍ وهناك سببٌ لزواله، فلا يجب الاحتراز من الأداء إليه، ... وإنّما دعا الخليلَ إلى ارتكاب وجوب القلب في مثله، أداء ترْك القلب إلى إعلالين كما هو مذهب سيبويه، وكثرةُ القلب في الأجوف الصحيح اللام، نحو: شاكٍ وشواعٍ، في: شائك وشوائع، فلمّا رأى فرارَهم من الأداء إلى همزةٍ في بعض المواضع، أوجب الفرار ممّا يؤدي إلى همزتين) (١) .
الوقفة الثانية: توسّع الكوفيّون في إطلاق القلب على كلّ كلمتين اتحد معناهما، ووُجد بينهما خلافٌ في تقديم بعض الحروف على بعضٍ، مع وجود المصدرين لكلٍّ من الفعلين، نحو: جَبَذ، وجذب.
أمّا البصريّون فلا يرون القلب إن وُجد المصدران لكلّ واحدٍ من الفعلين، بل هما أصلان، وليس أحدهما مقلوباً من الآخر (٢) .
قال سيبويه: (وأمّا جَذَبت وجَبَذت ونحوه فليس فيه قلبٌ، وكلّ واحدٍ منهما على حِدَته؛ لأنّ ذلك يطّرد فيهما في كلّ معنىً، ويتصرّف الفعل فيه، وليس هذا بمنزلة مالا يطّرد ممّا إذا قلبتَ حروفه عمّا تكلّموا به، وجدتَ لفظه لفظَ ماهو في معناه من فعلٍ، أو واحدٍ هو الأصل الذي ينبغي أن يكون ذلك داخلاً عليه كدخول الزوائد) (٣) .
стр. 5370
وقد عقد ابن جنّي في كتاب الخصائص باباً لهذه المسألة، سمّاه: "بابٌ في الأصلين يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير"، قال فيه: (اعلم أنّ كلّ لفظين وُجد فيهما تقديمٌ وتأخيرٌ فأمكن أن يكونا جميعاً أصلين ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه فهو القياس الذي لا يجوز غيره، وإن لم يمكن ذلك حكمت بأنّ أحدهما مقلوبٌ عن صاحبه، ثم أريتَ أيّهما الأصل، وأيّهما الفرع، وسنذكر وجوه ذلك: فمّما تركيباه أصلان لا قلب فيهما، قولهم: جَذَب، وجَبَذ، ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه، وذلك أنّهما جميعاً يتصرّفان تصرّفاً واحداً، نحو: جذَب يَجْذِب جَذْباً فهو جاذب، والمفعول مجذوب؛ وجَبَذ يَجْبِذ جبذاً فهو جابذ، والمفعول مجبوذ.
فإنَ جعلت مع هذا أحدهما أصلاً لصاحبه فسد ذلك؛ لأنّك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعدَ بهذه الحال من الآخر، فإذا وُقفتِ الحالُ بينهما ولم يُؤثَر بالمزيّة أحدهما وجب أن يتوازيا وأن يمثُلا بصفحتيهما معاً، وكذلك ما هذه سبيله) (١) .
الوقفة الثالثة: أنكر ابن دُرُستويه القلب المكانيّ، وذهب إلى أنّه لغةٌ أُخرى، قال السيوطيّ: (ذهب ابن دُرُستويه إلى إنكار القلب، فقال في شرح الفصيح: في البطّيخ لغةٌ أُخرى: طبّيخ بتقديم الطاء، وليست عندنا على القلب كما يزعم اللُّغويُّون، وقد بيّنا الحجّة في ذلك في كتاب إبطال القلب) (٢) .
ولم يوافقه العلماء على ذلك، قال ابن دُريد: (باب الحروف التي قُلبت، وزعم قومٌ من النحويين أنّها لغاتٌ، وهذا القول خلافٌ على أهل اللغة، يقال: جبذ وجذب، وما أطيبه وأيْطبه، وربض ورضب ... ) (٣) .
стр. 5371
الوقفة الرابعة: ذهب أحمد بن فارس إلى أنّ القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ من القلب المكانيّ فيما يظنّ، وهو نحْويٌّ على مذهب الكوفيين، وهم توسعوا في إثبات القلب المكانيّ، كما بيّنته سابقاً، قال ابن فارس: (ومن سُنن العرب القلب، وذلك يكون في الكلمة، ويكون في القصّة، فأمّا الكلمة فقولهم: جَذَب وجَبَذ، وبَكَل ولَبَك، وهو كثيرٌ، وقد صنّفه علماء اللّغة.
وليس من هذا فيما أظنّ من كتاب الله – جلّ ثناؤه – شيءٌ) (١) .
قال عضيمة معلّقاً على قول ابن فارس: (وقد رجعت لما أحصيته من قراءاتٍ للقرآن الكريم، فوجدت قراءاتٍ سبعيّة متواترة يتعيّن فيها القلب المكانيّ، وأُخرى تحتمل القلب المكانيّ وغيره، أو يكون فيها قلبٌ عند بعض الصرفيين ولا يكون عند الآخرين، كما وجدت قراءاتٍ أُخرى غير سبعيّة تجرى هذا المجرى) (٢) .
المبحث الرابع: اختلافهما في باب تداخل اللُّغات.
وفيه مطلبٌ هو: الخلاف بينهما في حكم تداخل اللُّغات.
من الظواهر اللُّغويّة والصرفية ظاهرة تداخل اللّغات، وذلك بأن يُؤخذ الماضي من لغةٍ، والمضارع أو الوصف من أُخرى لا تنطق بالماضي كذلك، فيحصل التَّداخُل والجمعُ بين اللغتين (٣) .
قال ابن يعيش: (والمراد بتداخل اللّغات أنّ قوماً يقولون: "فَضَل" بالفتح "يَفضُل" بالضّمّ، وقوماً يقولون: "فَضِل" بالكسر "يَفضَل" بالفتح، ثم كَثُر ذلك حتى استُعمِل مضارع هذه اللغة مع ماضي اللغة الأُخرى، لا أنّ ذلك أصلٌ في اللُّغة) (٤) .
إذاً: فما مفهوم التّداخُل في اللُّغة والاصطلاح؟
стр. 5372
التّداخُل لغة: قال ابن منظور: (تداخُلُ الأمور: تشابُهها والتباسُها، ودخولُ بعضها في بعض. والدَّخْلةُ في اللّون: تخليطُ ألوانٍ في لونٍ) (١) .
أمّا في الاصطلاح فقد عرّفه ابن الحاجب، فقال: (ومعنى تداخل اللغتين: أنْ يَثبتَ للماضي بناءانِ، والمضارعُ لكلّ واحدٍ منهما بناءٌ واحدٌ، ثمّ يتكلّم العربيّ بأحد بناءي الماضي مع بناءِ المضارع الذي ليس له، فيتوهم أنّه جارٍ عليه، وليس كذلك) (٢) .
وقريبٌ منه قولُ ابن جنِّي، إذْ قال ( ... ، ثم تلاقى أصحاب اللغتين، فسمع هذا لغةَ هذا، وهذا لغة هذا، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما من صاحبه ماضمّه إلى لغته، فتركبت هناك لغةٌ ثالثة) (٣) .
وقد وضّح ابن جنّي أسباب تداخُل اللّغات، وهو أن يَتلَقّى الواحد لغة غيره فيُسرع إلى قبولها، أو رفضها والاستعصام بلغته؛ أو أنّ طول تكرر سماعه للغة غيره تلصق به وتُوجد في كلامه، فقال: (واعلم أنّ العرب تختلف أحوالُها في تلقِّي الواحد منها لغةَ غيره؛ فمنهم: من يخفّ ويسرع قبولَ مايسمعه؛ ومنهم: من يستعصم فيقيم على لغته البتّة؛ ومنهم: من إذا طال تكرر لغةِ غيره لصِقت به، ووُجدت في كلامه) (٤) .
واعلم أنّ النّحويّين واللّغويّين قد اختلفوا في إثبات أو نفي التّداخُل في اللّغات على مذهبين: (٥)
الأول: ذهب إلى إثبات التّداخُل، وهم على فريقين:
فريق أجازه مطلقاً، وفريق أجازه بشرط ألاّ يؤدي إلى استعمال لفظٍ مهملٍ.
ومن المجوزين: الخليل بن أحمد.
الثاني: ذهب إلى عدم إثباته، وحكم على ماجاء منه بالشّذوذ، أو النّدور، أو القلّة، أو الضّعف، أو أنّها لُغيّة. ومن هؤلاء: سيبويه.
стр. 5373
والحديث عن موضوع التّداخُل في اللّغات مطلقاً، يحتاج إلى بحثٍ مستقلٍ، إلاّ أنّني سأقتصر في هذا المبحث على الأفعال التي اختلف فيها سيبويه والخليل، هل هي من باب تداخل اللُّغات أو أنّها شاذّةٌ؟ مبيّنا موقف العلماء من الخلاف بينهما، فأقول: قال سيبويه: (وقد بنوا "فَعِل" على "يَفْعِلُ" في أحرفٍ، كما قالوا: "فَعُل يَفعُلُ"، فلزموا الضمّة، وكذلك فعلوا بالكسرة فشُبّه به، وذلك: حَسِب يَحْسِبُ، ويَئِس يَيْئسُ، ويَبِس يَيْبِسُ، ونَعِم يَنْعِمُ ... ، والفتح في هذه الأفعال جيّدٌ، وهو أقيس.
وقد جاء في الكلام "فَعِل يَفْعُلُ" في حرفين، بنوه على ذلك كما بنوا "فَعِل" على "يَفْعِلُ"؛ لأنّهم قد قالوا: "يَفْعِلُ" في "فَعِل"، كما قالوا في "فَعَل"، فأدخلوا الضمة كما تدخل في "فَعَل"، وذلك: فَضِل يَفْضُلُ، ومِتَّ تَمُوتُ؛ وفَضَل يَفْضُل، ومُتَّ تَمُوتُ أقيسُ.
وقد قال بعض العرب: كُدتَ تكادُ، فقال: "فَعُلْتَ تَفْعَلُ"، كما قال: "فَعِلْتُ أَفْعَلُ"، وكما ترك الكسرة كذلك ترك الضمّة.
وهذا قول الخليل، وهو شاذٌٌّّ من بابه، كما أنّ "فَضِل يَفْضُل" شاذٌّ من بابه.
فكما شَرِكَتْ "يَفْعِل يَفْعُل"، كذلك شَرِكَتْ "يَفْعَل يَفْعُل". وهذه الحروف من "فَعِلَ يَفْعِلُ" إلى منتهى الفصل شواذٌّ) (١) .
وقال في موضعٍ آخرَ: (وأما "مِتَّ تَمُوت" فإنّما اعتَّلت من "فَعِل يفْعُل"، ولم تحوّل كما يحوّل "قُلت، وزُدت"؛ ونظيرها من الصحيح "فَضِل يَفْضُل".
وكذلك: "كُدتَ تكاد"، اعتلَّت من "فَعُل يَفْعَل"، وهي نظيرة "مِتَّ" في أنّها شاذّةٌ، ولم يجيئا على ماكثُر واطّرد من "فَعُلَ" و"فَعِلَ") (٢) .
وخلاصة كلام سيبويه: هو أنّ الخلاف بينه وبين الخليل يتركّز في ثلاثة محاور:
стр. 5374
الأول: الخلاف بينهما فيما جاء من الأفعال على (فَعِل يَفْعِل) ، نحو: حَسِب يَحْسِب، ويَئِس يَيْئِس، ويَبِس يَيْبِس، ونَعِم يَنْعِم.
الثاني: ماجاء على (فَعِل يَفْعُل) من الصحيح، نحو: فَضِل يَفْضُل؛ ومن المعتلّ، نحو: مِتَّ تَمُوت.
الثالث: ماجاء على (فَعُل يَفْعِل) ، نحو: كُدتَ تكاد.
فقد حكم عليها سيبويه بأنّها شواذٌّ، وحكم عليها الخليلُ بأنّها من تداخُلِ اللُّغات.
هذا موقف الإمامين من التداخُل فيما سبق ذكره، وأمّا موقف النّحاة واللُّغويين منهما، فقد اختلفوا في ذلك – أيضاً – على مذهبين:
المذهب الأول: ذهب بعض النّحاة واللُّغويين إلى القول بما قاله سيبويه، وحكموا على ماجاء من الأفعال مخالفاً للقياس والاطّراد بأنّه شاذٌّ، وممّن ذهب إلى ذلك: المازنيّ، وابن قتيبة، والسيرافيّ، والجوهريّ، والصّيمريّ، واللَّبليّ، وابن عصفور، وابن منظور، والسيوطيّ، وغيرهم (١) .
ووافقهم ابن مالك في (حَسِب يَحْسِب) وأمثالها؛ والرضيّ في (كُدتَ تكاد) ؛ وأبو زيد، وأبو الحسن الأخفش، وابن الشجريّ في (فَضِل يَفْضُل) وأمثالها (٢) .
стр. 5375
المذهب الثاني: أجازوا التَّداخُل فيها وفي غيرها، وهم: أبوعمرو، وابن السكيت، والفراء، وثعلب، والزجاجيّ، وابن خالويه، وابن جنّى، والزمخشريّ، وابن يعيش، وابن الحاجب، وابن مالك، والرضيّ، وأبو حيّان، وابن عقيل، والسّلْسيليّ، والجاربرديّ، وغيرهم (١) .
والصّواب هو ماذهب إليه الخليل، وغيره - وهو المختار عندي - أنّ التَّداخُل يوجد في اللُّغات، وهو ضرْبٌ من ضروب التوسع في اللغة العربية، ولا يصح إطلاق الشذوذ دون رويةٍ وإمعانٍ؛ كما أنّه لايجوز تضييق واسعٍ؛ لأنّ العربيّ له لغة يرثها ويتكلم بها، وله أُذْنٌ يتلقى بها، فيسمع لغة غيرهِ، وغيُره يسمع لغته، فينشأ عن ذلك الاستماع تركُّبُ لغة ثالثة.
وما أحسن قولَ ابن جنّي: (اعلم أنّ هذا موضعٌ قد دعا أقواماً ضَعُفَ نظرهم، وخفّت إلى تلقّى ظاهر هذه اللغة أفهامُهم، أن جمعوا أشياء على وجه الشذوذ عندهم، وادّعوا أنّها موضوعة في أصل اللغة على ماسمعوه بأَخَرةٍ من أصحابها، وأُنْسُوا ماكان ينبغي أن يذكروه، وأضاعوا ماكان واجباً أن يحفظوه.
ألا تراهم كيف ذكروا في الشذوذ ماجاء على (فَعِل يفعُل) ، نحو: نَعِم ينعُم، ودِمْتَ تدوم، ومِتَّ تمُوت ...
واعلم أنّ أكثر ذلك وعامّته إنّما هو لغاتٌ تداخلت فتركّبت،.... هكذا ينبغي أن يُعتقد، وهو أشبه بحكمة العرب) (٢) .
المبحث الخامس: اختلافهما في باب الوقف، وفيه مطلبان:
стр. 5376
المطلب الأول: الخلاف بينهما في حقيقة ألف المقصور المنوّن الموقوف عليه.
ذهب ابن الحاجب إلىأنَّ الوقف في الاصطلاح، هو: (قطع الكلمة عمّا بعدها) (١) .
وعرّفه أبو حيّان، فقال: (الوقف: قطع النطق عند إخراج آخر اللفظة) (٢) .
والعلّة في الوقف: هو أن يكون للاستراحة، أو تمام المقصود من الكلام، أو النظم في الشعر، أو تمام السجع في النثرِ (٣) .
قال ابن الباذش: (الحرف الذي يوقف عليه لايكون إلاّ ساكناً؛ لأنَّ الوقف أولُ السكوت الذي ينقطع فيه عملُ اللسان ويسْكُن، كما كان الذي يُبتدأ به لايكون إلاّ متحركاً؛ لأنّ الابتداءَ أولُ الكلام الذي هو بحركة اللسان وتصرُّفه، فأجرَوْا أول الطرفين مُجرى سائرهما) (٤) .
والوقف له أنواعٌ، ومحالٌّ (٥) ، منها: الوقف على الاسم المقصور المنوّن، نحو: "فتىً"، فقد اتفق الجمهور على أنهّ يوقف عليه بالألف في جميع أحواله الثلاث، أي: إن كان مرفوعاً، أو مجروراً، أو منصوباً، فيقال: "هذا فتى، سلّمت على فتى، وأكرمت فتى"، فيوقف عليه بالألف في الأحوال الثلاث.
стр. 5377
وقد اختلف النّحويّون في حقيقة ألف المقصور المنوّن الموقوف عليه، على ثلاثة مذاهب: (١)
المذهب الأول: أنّ الألف بدلٌ من التنوين المحذوف مطلقاً في الأحوال الثلاث: رفعاً وجراً ونصباً. وهو مذهب المازنيّ، والأخفش، والفراء، واختاره الفارسيّ.
وعلّة القائلين بهذا المذهب: أنّ التنوين في الأحوال كلّها قبله فتحة، فأشبه التنوين في "رأيت زيداً"؛ لأنّهم إنّما وقفوا على "رأيت زيدا" بالإبدال ألفا؛ لأنّ الألف لاثِقلَ فيها، بخلاف الواو والياء، وهذه العلة موجودة في المقصور المنوّن (٢) .
وهو الظاهر من كلام ابن مالك في الألفية، فقال: (٣)
تنويناً اثْرَ فتْحٍ اجْعَلْ أَلِفَا ... ... وقْفاً، وتِلْوَ غَيْرِ فتْحٍ احْذِفَا
إذْ كلامه في النظم يحتمل موافقة المازنيّ؛ لأنّ الألف وقعت بعد فتح.
المذهب الثاني: هو أنّ الألفَ هي الألفُ المنقلبة عن لام الكلمة في الأحوال الثلاث.
وعلتهم: أنّ التنوين حُذف بسبب الوقف، فلّما حُذف عادت الألف في الأحوال كلّها؛ لأنّ الألف إنّما حُذفت لسكونها وسكون التنوين، فلمّا حُذف التنوين للوقف لم يبق سببٌ لحذفها فعادت.
وهذا المذهب مرويٌّ عن أبي عمرو، والخليل بن أحمد، والكسائيّ، ونسبه السيرافي وابن الباذش لسيبويه (٤) .
стр. 5378
المذهب الثالث: أنّ الألف في النّصب بدلٌ من التنوين، وفي الرفع والجرّ بدلٌ من لام الكلمة. أي: عُومل المقصور المنوّن في الوقف عليه معاملة الاسم الصحيح.
وعلّتهم: أنّ الألف في "فتى" في حالتيّ الرفع والجر، عند الوقف عليها هي الألف الأصليّة (أي: لام الكلمة) ، وهي نظيرة الدّال من "زيد"، وأمّا في حالة النصب فإنّها مبدلةٌ من التنوين، نظير الألف في "رأيت زيدا"، حُذفت الألف الأصلية لاجتماع الساكنين.
وهذا مذهب سيبويه فيما نقله أكثر النّحويّين؛ وقيل: ومعظم النّحويين عليه (١) .
وهو مذهب ابن السّراج، وأبي عليّ الفارسيّ في أحد قوليه (٢) ؛ وابن مالك في (التسهيل) ، فقال: (وكالصحيح في ذلك المقصور، خلافاً للمازنيّ في إبدال الألف من تنوينه مطلقاً، ولأبي عمروٍ والكسائيّ في عدم الإبدال منه مطلقاً) (٣) .
تلك أقوال العلماء في حقيقة ألف المقصور المنوّن إذا وُقف عليه، وبقي أنْ أُبيّن وجه الخلاف بين سيبويه وشيخه الخليل في المسألة، فأقول:
إنّ الخليل يذهب إلى مذهب أبي عمروٍ، وتبعهما الكسائي وغيره، وهو أنّ الألف هي المنقلبة في الأحوال الثلاث، ولمّا حذف التنوين للوقف عادت الألف مطلقاً.
أمّا سيبويه فله في حقيقة الألف رأيان:
أولهما: أنّه يُعامل المقصور المنوّن في الوقف معاملة الصحيح، وقد بيّنته في المذهب الثالث، وهو أشهر رأييه، إذْ نسبه أكثر النّحويين إليه.
وثانيهما: أنّه يذهب إلى مذهب أبي عمروٍ، والكسائيّ كشيخه الخليل.
стр. 5379
ولم يَنسب له هذا المذهب إلاّ السيرافيّ، ثم تبعه الأعلم الشنتمريّ، وابن الباذش، وذهب إليه الرضيُّ (١) ؛ لأنّ سيبويه قال: (وأمّا الألفات التي تذهب في الوصل فإنّها لاتُحذف في الوقف؛ لأنّ الفتحة والألف أخفُّ عليهم، ألا تراهم يفرّون إلى الألف من الياء والواو إذا كانت العين قبل واحدة منهما مفتوحة، وفرّوا إليها في قولهم: قد رُضَا، ونُهَا) (٢) .
قال السيرافي: (ومُؤدّى كلام سيبويه: أنّ الألفات التي تذهب في الوصل لاتُحذف في الوقف، نحو ألف "رَحَا، وقَفَا، ومُثَنَّى، وموْلَى" وما أشبه ذلك، فهي تذهب عند الوصل لاجتماع الساكنين: الألف، والتنوين، وعند الوقف يذهب التنوين فتعود الألف: فتقول: "عَصَا، ورَحَا، ومَوْلَى"، وليس كقولك: "هذا قاضٍْ"؛ لخفة الألف؛ وهذا الموضع يدلّ على مذهب سيبويه، وهو أنّ الألف التي تثبت في الوقف هي الألف التي كانت في الحذف ... ) (٣) .
قلت: ماعزاه السيرافيّ، والشنتمريّ، وابن الباذش، والرضيّ لسيبويه، هومخالفٌ لما نسبه معظم النّحويين له.
وربما قال سيبويه بهما، إلاّ أنّه اُشتُهر عنه رأيُه الذي بيّنته في المذهب الثالث آنفاً، وقد رجّحه ابن عصفور، وابن مالك في (التسهيل) (٤) .
والصّواب: هو ما نُسب للخليل بن أحمد، وهو مذهب أبي عمروٍ، والكسائي، وهو أنّ الألف منقلبة عن لام الكلمة في الأحوال الثلاث، ولمّا حُذف التنوين للوقف عادت الألف.
стр. 5380
وعُزي هذا المذهب إلى الكوفيين، وقال به ابن كيسان، والسيرافيّ، والأعلم، وابن برهان، والجزوليّ، وأبو عليّ الشلوبين، والرضيّ، ورجّحه أبو حيّان، وقوّاه ابن عقيل (١) ، ومال إليه ابن مالك في (الكافية الشافية، وشرحها) وقوّاه، فقال: (وهذا المذهب أقوى من غيره، وهذا موافقٌ لمذهب ربيعة في حذفهم تنوين الصحيح دون بدلٍ، والوقف عليه بالسكون مطلقاً.
وتُقوي هذا المذهبَ الروايةُ بإمالة الألف وقفاً، والاعتداد بها رويّا، وبدلُ التنوين غيرُ صالحٍ لذلك، ... وهو اختيار السيرافيّ، وبه أقول) (٢) .
قال الصّبّان: (ثمرة هذا الخلاف تظهر في الإعراب: فعلى أنّها بدلُ التنوين يُعرب بحركاتٍ مقدرةٍ على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين؛ وعلى أنّها المنقلبة عن الياء يُعرب بحركاتٍ مقدرةٍ على الموجودة؛ لأنّها حينئذٍ محل الإعراب، فاحفظه) (٣) .
المطلب الثاني: الخلاف بينهما في الوقف على المنادى المنقوص غير المنوّن.
اعلم أنّ المنقوص على نوعين: منقوص منوّن؛ ومنقوص غير منوّنٍ.
وكلّ نوعٍ منهما له أحكام تخصّه في الوقف عليه، هذا بيانها: (٤)
стр. 5381
أولاً: إذا وُقف على المنقوص المنوّن، إمّا أن يكون منصوباً، وإمّا أن يكون مرفوعاً أو مجروراً؛ فإن كان منصوباً، نحو: "رأيت قاضياً"، وجب إثبات يائه، وأُبدل من تنوينه ألفا.
وإن كان مرفوعاً أو مجروراً، فالأفصح والأجود والأكثر حذْفُ التنوين والياء، فتقول "هذا قاضْ، ومررت بقاضْ"، ويجوز إثبات الياء، لكنّ الأرجح هو الحذف.
وقد جاء الوقف بالياء عن ابن كثير، وورش في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: (ولِكُلِّ قَوْمٍ هَادِى) [الرعد: ٧] ، وكقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالِى) [الرعد: ١١] (١) .
قال ابن مالك: (والمنقوصُ غَيرُ المنصوب، إن كان منوّناً فاستصحابُ حذف يائه أجود) (٢) .
ثانياً: إذا وُقف على المنقوص غير المنوّن، جاز فيه الوجهان: بقاء الياء وحذفها، والأكثر والأجود بقاء الياء، قال ابن مالك: (وإن لم يكن منوّناً فالإثباتُ أجود) (٣) .
وحُكْم ابن مالك على إثبات ياء المنقوص غير المنوّن يقع في أربعة أنواع:
الأول: ما سقط تنوينه لأجل "أل": فإن كان منصوباً وقف عليه بإثبات الياء قولاً واحداً، نحو: "رأيت القاضي"؛ وإن كان مرفوعاً أو مجروراً فإقرار الياء أقيس وأكثر من حذفها، فتقول: "هذا القاضِي، ومررت بالقاضِي) بالإثبات، ويجوز الحذف فتقول: "هذا القاضْ، ومررت بالقاضْ".
الثاني: ماسقط تنوينه لمنع الصرف: فيُوقف عليه بإثبات الياء، نحو: "رأيت جواري" نصباً.
الثالث: ماسقط تنوينه للإضافة: فيجوز فيه الوجهان إذا وُقف عليه كالمنوّن، نحو: "قاضِي مكة".
الرابع: ماسقط تنوينه للنداء، نحو: "ياقاضِي أَقْبِلْ"، فيجوز الوقف عليه بإثبات الياء، ويجوز حذفها.
стр. 5382
وهذا الموضع هو محلّ الخلاف بين سيبويه وشيخه الخليل، فالخليل يختار أن يُوقف عليه بالياء، وسيبويه اختار مذهب يُونُس ورجّحه، وهو حذف الياء، فتقول: "ياقاضْ"؛ لأنّ المنادى محلُّ حذْفٍ وتخفيفٍ، قال سيبويه: (وسألت الخليل عن "القاضِي" في الندّاء، فقال: أختار "ياقاضِي"؛ لأنّه ليس بمنوّنٍ، كما أختار "هذا القاضي".
وأمّا يُونُس فقال: "ياقاضْ"؛ وقولُ يُونُس أقوى؛ لأنّه لمّا كان من كلامهم أن يحذفوا في غير النّداء كانوا في النّداء أجدرَ؛ لأنّ الندّاء موضعُ حذْفٍ، يحذفون التنوين ويقولون: ياحَارِ، وياصَاحِ، وياغُلامُ أَقْبلْ) (١) .
وقد انقسم النّحويوّن في اختيارهم أحد المذهبين – أعني: مذهب الخليل وهو إثبات الياء، أو مذهب سيبويه ويونس وهو حذف الياء – على فريقين:
الفريق الأول: ذهب إلى جواز الوجهين، دون تحديدٍ للمختار منهما، وهو الظاهر والمفهوم من كلامه، وهو قول ابن السراج، والأعلم الشنتمريّ، وابن عصفور، والرضيّ، وأبي حيّان، والمراديّ، وابن عقيل، والأزهريّ، وغيرهم (٢) .
الفريق الثاني: اختار مذهب الخليل بن أحمد، وصرّح بأنّ إثبات الياء هو الأجود والأقيس؛ ومن القائلين بهذا المذهب المبرد، والصَيمريّ، والزمخشريّ، وابن يعيش، والجزوليّ، وابن الحاجب، وأبو عليّ الشلوبين، وابن مالك، والجاربرديّ، والسيوطيّ، والأشموني، وغيرهم (٣) .
стр. 5383
إذاً: المذهب المختار مذهب الخليل، وهو إثبات الياء في الوقف على المنادى المنقوص غير المنوّن، وهو قول معظم النّحويّين؛ لأنّه الأقيس، والأكثر، والأجود.
وقد بيّن الأعلم الشنتمريّ حجّة الخليل وعلّته في إثبات الياء، فقال: (وحُجّته: أنّ المنادى المعرفة لايدخلُه تنوينٌ في وقفٍ ولا وصلٍ، والذي يُسْقطُ الياءَ هو التنوين، فوجب أن تَثبُتَ الياءُ؛ لأنّها لام الفعل، كما تَثبُتُ غيرُها من سائر الحروف) (١) .
- أيضا – بيّن المراديّ حجة كلٍّ منهما، فقال: (ورجّح سيبويه مذهب يُونُس؛ لأنّ النّداء محلُّ حذْفٍ، ورجّح غيره مذهب الخليل، لأنّ الحذف مجازٌ، ولم يكثُر فيُرجّح بالكثرة) (٢) .
المبحث السادس: اختلافهما في باب الزوائد.
وفيه مطلبٌ: الخلاف بينهما في المضاعف أيّهما الزائد الأوّل أو الثاني؟
اعلم أنّ تضعيف حرفٍ وتكريره من حروف الكلمة، وهو من الحروف غير الزوائد، لا يخلو أن يكون التضعيف في العين، نحو: (سُلَّمٍ، وقِنَّبٍ، وتُبَّعٍ، وقَطَّعَ، وعَلَّمَ) ، وإمّا أن يكون في اللام، نحو: (مَهْدَدٍ، وجَلْبَبَ، وخِدَبٍّ، وبَلِزٍّ) .
وقد اختلف الخليل، ويُونُس، وسيبويه، في أيّ الحرفين هو الزّائد في المضعّف؟ أهو الحرف الأول أم الثاني؟ (٣) .
فذهب الخليل بن أحمد إلى أنّ الزّائد هو الأوّل في كلّ مضاعف، نحو: (سُلّم، وقَطّع، وجَلْبَب، وخِدَبّ) ، فالأول في هذه ونحوها هو الزائد عنده.
стр. 5384
وحجّتُه: أنّ الأوّل قد وقع موقعاً تكثر فيه أمّهات الزّوائد، وهو أنّ الواو والياء والألف قد وقعْن ثانيةً زائدةً في (فَوْعَل، وفَيْعَل، وفاعل) ، نحو: (حَوْقل، وصَيْقل، وكاهل) .
وكذلك – أيضاً – قد وقعْن هذه الحروف ثالثةً زائدة، نحو: (جَهُور، وقَضِيب، وكِتَاب) ، فجعل الخليل الحرف الأول من مضعّف العين، نحو (سُلّم، وقَطّع) ، ومضعّف اللام، نحو (جَلْبَب، وخِدَبّ) واقعةً موقع هذه الزوائد وساكنةً مثلها، وقد بيّن سيبويه رأي الخليل، فقال: (سألت الخليل فقلتُ: "سُلّمٌ" أيّتهما الزائدة؟ فقال: الأُولى هي الزائدة؛ لأنّ الواو والياء والألف يقعْن ثوانيَ في (فَوْعل، وفاعل، وفَيْعل) .
وقال في (فَعْلَلٍ وفِعَلّ ونحوهما) : الأُولى هي الزائدة؛ لأنّ الواو والياء والألف يقعْن ثوالثَ، نحو: (جَدْولٍ، وعِثْيرٍ، وشَمَالٍ) .
وكذلك: (عَدَبَّسٌ) ونحوه، جعل الأُولى بمنزلة واو (فَدَوْكَسٍ) ، وياء (عَميْثلٍ) ، وكذلك: (قَفَعْددٌ) ، جعل الأُولى بمنزلة واو "كَنَهْورٍ") .
أمّا يُونُس وسيبويه فيريان أنّ الزائد هو الثاني في نحو: (سُلّم، وقَطّع، وجَلْبَب، وخِدَبّ، ونحوها) .
وقد بيّن سيبويه حجتهم في كون الأواخر هي الزوائد، فقال: (وأمّا غيره فجعل الزوائد هي الأواخر، وجعل الثالثة في (سُلّم) وأخواتها، هي الزائدة؛ لأنّ الواو تقع ثالثةً في (جَدْولٍ) ، والياء في (عِثْيرٍ) ، وجعل الآخرة في (مَهْدَدَ) ونحوه، بمنزلة الألف في (مِعْزىً، وتَتْرىً) ، وجعل الآخرة في (خِدَبٍّ) بمنزلة النون في (خِلْفَنةٍ) ، وجعل الآخرة في (عِدَبَّسٍ) بمنزلة الواو في (كَنَهْورٍ، وبَلَهْورٍ) ، وجعل الآخرة في (قِرْشَبٍّ) بمنزلة الواو في (قِنْدَأوٍ) ، وجعل الخليل الأولى بمنزلة الواو في "فِرْدَوْسٍ) . ثم قال سيبويه: (وكلا الوجهين صوابٌ ومذهبٌ) (١) .
стр. 5385
قال السيوطي (واختُلف في المِثْلينِ في نحو: "اقْعَنْسَسَ وعَلَّمَ" أيّهما الزائد؟ فذهب الخليل إلى أنّ الزّائد هو الأوّل، وذهب يونس إلى أنّ الزّائد هو الثّاني، وأمّا سيبويه فإنّه حكم بأنّ الثاني هو الزّائد، ثمّ قال بعد ذلك: وكلا الوجهين صوابٌ ومذهبٌ) (١) .
وقد اختلف النحويّون في اتباع أحد المذهبين، فذهب ابن السرّاج، وأبو عليّ الفارسيّ إلى اتباع مذهب سيبويه وتصحيحه، وذهب ابن عصفور إلى مذهب الخليل ورجّحه بدليلين (٢) .
أمّا ابن جنّي فقد ذهب إلى تصويب المذهبين بعد الاستدلال لكلٍّ منهما، فقال: (فليس واحدٌ من المذهبين إلاّ وله داعٍ إليه، وحامل عليه، وهذا مما يستوقفك عن القطع على أحد المذهبين إلاّ بعد تأمّله، وإنعام الفحص عنه، والتوفيق بالله (٣) .
وأمّا ابن مالك فقد فصّل في اختياره، فذهب إلى أنّ الثاني هو الزائد في مضعّف اللام، نحو: (اقْعَنْسَسَ، ومَهْدَدَ) ، والأوّل هو الأَوْلى بالزيادة في مضعّف العين، نحو: (عَلّم، وسُلّم) ، فحصل من هذا التفصيل مذهبٌ ثالثٌ له، فقال: (وثاني المثلين أَوْلى بالزيادة في نحو: (اقْعَنْسَسَ) ؛ لوقوعه موقع ألف (احْرَنْبَى) ؛ وأوّلهما أَوْلى في نحو: (عَلّم) ؛ لوقوعه موقع ألف فاعل، وياء فَيْعل، وواو فَوْعل) (٤) .
المبحث السابع: اختلافهما في باب مخارج الحروف، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الخلاف بينهما في عدد مخارج الحروف.
اختلف سيبويه مع الخليل في عدد مخارج الحروف، وانقسم العلماء من القُرّاء والنّحويّين إلى مذهبين: مذهبٌ يُؤيّد الخليل، وهم قلّة؛ ومذهبٌ يؤيّد سيبويه، وهم الجمهور.
стр. 5386
والخلاف بين سيبويه والخليل يدور حول مخرج الحروف الجوفيّة، أو الهوائية، التي تُسمّى حروف المدّ واللّين، وهي: الألف، والواو الساكنة المضموم ماقبلها، والياء الساكنة المكسور ماقبلها.
فالخليل بن أحمد يرى أنّ لها مخرجاً مستقلاً بها، وبذلك يكون عدد مخارج الحروف – عنده – ومن تبعه، سبعة عشر مخرجاً.
قال الخليل: (في العربية تسعة وعشرون حرفاً: منها خمسة وعشرون حرفاً صحاحاً، لها أحيازٌ ومدارج، وأربعة أحرف جُوفٌ، وهي: الواو، والياء، والألف اللينة، والهمزة، وسُمّيت جُوفاً؛ لأنّها تخرج من الجوف، فلا تقع في مدْرجةٍ من مدارج اللسان، ولامن مدارج الحلق، ولا من مدارج اللهاة، إنّما هي هاوية في الهواء، فلم يكن لها حيّزٌ تُنسب إليه إلاّ الجوف) (١) .
وقد تابعه على ذلك الأزهريّ، ومكيُّ بن أبي طالب، وابنُ حيدرة، وأبو القاسم الهذليّ، وأبو الحسن شريح، وأبو علي ابن سينا، وابن الجزريّ، وغيرهم (٢) .
وأمّا سيبويه فيرى أنّ مخارج الحروف ستة عشر مخرجاً، وذلك بإسقاط مخرج الحروف الجوفية، التي هي حروف المدّ واللين، إذْ جعل مخرج "الألف" من أقصى الحلق، وجعل "الواو المدية" من مخرج الواو المتحركة من الشفتين، وجعل "الياء المدية" من مخرج الياء المتحركة من وسط اللسان (٣) .
стр. 5387
والرّاجح هو ماذهب إليه سيبويه؛ لأنّه مذهب الجمهور من القُرّاء والنّحويين، فقد قال به: المبرد، وابن السراج، وابن جني، والزّجاجيّ، والصّيمريّ، والزمخشريّ، وابن الباذش، وابن أبي مريم، وأبو البركات ابن الأنباريّ، والشاطبيّ، وابن الحاجب، وابن يعيش، وابن عصفور، وابن مالك، وابن عقيل، والسلسيليّ، والرضيّ، وأبو حيّان الأندلسيّ، والجاربردي، والسيوطيّ، وغيرهم (١) .
فهؤلاء – جميعاً – يرون أنّ مخارج الحروف ستة عشر مخرجاً، وهو ماذهب إليه سيبويه، فقال: (ولحروف العربية ستةَ عشرَ مخرجاً:
فللحلق منها ثلاثة:
فأقصاها مخرجا: الهمزة، والهاء، والألف.
ومن أوسط الحلق مخرج: العين، والحاء.
وأدناها مخرجا من الفم: الغين، والخاء.
ومن أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى، مخرج: القاف.
ومن أسفلَ من موضع القاف من اللسان قليلا، ومما يليه من الحنك الأعلى، مخرج: الكاف.
ومن وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى، مخرج: الجيم، والشين، والياء.
ومن بين أوّل حافة اللسان ومايليها من الأضراس، مخرج: الضاد.
[ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، مابينها وبين مايليها من الحنك الأعلى، وما فويق الضّاحك والنّاب والرُّباعيّة والثّنية، مخرج: اللام] (٢) .
стр. 5388
ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، مابينها وبين مايليها من الحنك الأعلى، وما فُويق الثّنايا، مخرج: النون.
ومن مخرج النون غير أنّه أَدْخلُ في ظهر اللسان قليلا، لانحرافه إلى اللام، مخرج: الراء.
وممّا بين طرف اللسان وأُصول الثنايا، مخرج: الطاء، والدال، والتاء.
وممّا بين طرف اللسان وفُويق الثنايا، مخرج: الزاي، والسين، والصاد.
وممّا بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، مخرج: الظاء، والذال، والثاء.
ومن باطن الشّفة السُّفلى وأطراف الثنايا العُلَى، مخرج الفاء.
وممّا بين الشفتين، مخرج: الباء، والميم، والواو.
ومن الخياشيم، مخرج: النون الخفيفة) (١) ، أي: النون الساكنة.
انتهى كلام سيبويه في تبيين مخارج حروف العربية الأصول، وهي ستة عشر مخرجاً.
وقد أقره على ذلك جمهور العلماء من القُرّاء والنّحويين، كما بيّنت ذلك سابقاً، قال الرضيّ: (وأحسن الأقوال ماذكره سيبويه، وعليه العلماء بعده) (٢) .
وفي عدد مخارج الحروف ثلاث وقفات:
الوقفة الأولى: ذهب قطرب، والجرميّ، والفراء، وابن دريد، وابن كيسان إلى أنّ مخارج الحروف أربعة عشر مخرجاً، وموضع الخلاف بينهم وبين سيبويه، هومخرج اللام، والنون، والراء، فهو عندهم مخرج واحد، وعند سيبويه والجمهور ثلاثة مخارج، وهو الصحيح (٣) .
قال الإمام الشاطبيّ بعد ذكره مخارج الحروف الثلاثة: (٤)
... ... ... ... ... وكم حاذقٍ معْ سيبويه بهِ اجْتلَى
... ومن طرفٍ هُنّ الثّلاثُ لقُطْرُبٍ ... ويحْيي معَ الجَرْميّ معْنَاهُ قُوِّلا
الوقفة الثانية: ذهب أبو العباس المهدويّ إلى أنّ مخارج الحروف ستة عشر مخرجاً، لكنّه أسقط مخرج الخيشوم، وقسّم الحروف الشفويّة على ثلاثة مخارج:
стр. 5389
الأول: مخرج الفاء؛ والثاني: مخرج الباء، والميم؛ وجعل مخرجيهما وفق مذهب الجمهور.
أما الثالث فجعله مخرج الواو، وهو من بين الشفتين – أيضاً – غير أنّها تهوي حتى تنقطع إلى مخرج الألف. والصحيح مذهب سيبويه والجمهور (١) .
الوقفة الثالثة: ماذهب إليه سيبويه والجمهور من أنّ مخارج الحروف ستة عشر مخرجاً، إِنّما هو على سبيل التقريب، وإلحاقِ مااشتد تقاربُه بمقارِبِه، وجعْلِه معه من مخرجٍ واحدٍ، وإلاّ فالتحقيق أنّ لكلِّ حرفٍ مخرجاً على حِدَةٍ يخصّه، يخالف مخرج الحرف الآخر، وإلاّ لكان إيّاه، قال ابن الحاجب: (والتحقيق أنّ كلّ حرف له مخرجٌ يخالف الآخر، وإلاّ لكان إيّاه) (٢) .
وفي هذا المعنى يقول العلامة إبراهيم بن عبد الرزاق: (٣)
والحصر تقريبٌ، وبالحقيقهْ
لكلِّ حرفٍ بُقْعةٌ دقيقهْ
إذْ قال جمهور الورَى مانصُّهْ
لكلِّ حرفٍ مخرجٌ يُخصّهْ.
لمطلب الثاني: الخلاف بينهما في ترتيب مخارج الحروف.
ذكرت في المطلب السابق أنّ مخارج الحروف عند الخليل سبعة عشر مخرجاً، وعند سيبويه والجمهور ستة عشر مخرجاً؛ لأنّهم أسقطوا مخرج الجوف.
وقد اختلف سيبويه والخليل – أيضاً – في ترتيب مخارج الحروف، فرتبها الخليل وفق مايلي:
بدأ بمخارج حروف الحلق الثلاثة، وحروفها: العين، والحاء؛ والهاء؛ والخاء، والغين.
ثمّ أتبعها بمخرجيّ أقصى اللسان، فما فوقه من الحنك الأعلى: القاف، وهو المخرج الرابع.
ومن أسفله قليلاً: الكاف، وهو المخرج الخامس.
ثم من وسط اللسان والحنك الأعلى للحروف الشجْرية: الجيم، والشين، وهو المخرج السادس.
ثم من إحدى حافتيه وما يحاذيها من الأضراس: الضاد، وهو المخرج السابع.
ثم أردفه بمخرج الحروف الأسلية أو الصفيرية: الصاد، والسين، والزاي، وهو الثامن.
ثم مخرج الحروف النطعيّة: الطاء، والدال، والتاء، وهو التاسع.
стр. 5390
ثم مخرج الحروف اللثويّة: الظاء، والذال، والثاء، وهو العاشر.
ثم مخارج الحروف الذلقيّة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، وحروفها وفق ترتيبه لها مايلي: الراء؛ ثم اللام؛ ثم النون.
ثم أردفها بمخرجيّ الحروف الشفويّة: الفاء، ومخرجه من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا، وهو المخرج الرابع عشر.
ثم من بين الشفتين مخرج: الباء، والميم، وهو الخامس عشر.
ثم مخرج الحروف الجوفية أو الهوائية: الواو، والألف، والياء، وهو السادس عشر.
ثم مخرج الخيشوم: وهو للغنّة، وهو السابع عشر (١) .
وخلاصة مذهب الخليل في ترتيب حروف العربية الأصول وفق مخارجها، هو: (ع، ح* هـ*خ، غ*ق*ك*ج، ش*ض*ص، س،ز*ط، د،ت*ظ، ذ،ث*ر*ل*ن*ف*ب، م*و، ا،ي*الهمزة) (٢) .
وأمّا مذهب سيبويه في ترتيب مخارج الحروف، فقد وافق شيخه الخليل بن أحمد في بداية المخارج، وفي نهايتها، وخالفه في الترتيب فيما بين ذلك، وفي أوّل وثاني مخارج الحلق.
أمّا الموافقة فكانت من المخرج الثالث للحلق، وهو أدنى الحلق مما يلي الفم، وحتى المخرج السابع، وهو مخرج الضاد.
ثمّ وافقه في المخارج الثلاثة الأخيرة، وهما مخرجا الحروف الشفويّة؛ ومخرج الخيشوم للغنّة.
وأمّا المخارج التي خالف فيها سيبويه الخليل، فهي:
أولاً: بدأ سيبويه بأوّل مخرج للحلق من أقصاه، وحروفه: ء، هـ، ا.
ثم أردفه بالمخرج الثاني لوسط الحلق، وحروفه: ع، ح.
وهو مخالفٌ لما بدأ به الخليل، إذْ بدأ بالحروف: ع، ح،هـ.
ثانياً: ذهب سيبويه إلى أنّ مخارج الحروف الذلقيّة تأتي بعد مخرج الضاد، وقبل مخرج الحروف النطعية، وترتيبها حسب مخارجها، هو مخرج اللام؛ ثم مخرج النون؛ ثم مخرج الراء.
стр. 5391
وهذا مخالفٌ لمذهب الخليل، إذْ جعل بعد مخرج الضاد، مخرج الحروف الأسليّة، ثم النطعيّة، ثم اللّثويّة، ثم بعدها مخارج الحروف الذلقيّة، ورتبها كما يلي: مخرج الراء، ثم مخرج اللام، ثم مخرج النون.
ثالثاً: ذهب سيبويه إلى أنّ ترتيب مخارج طرف اللسان الثلاثة، تأتي بعد مخارج الحروف الذلقيّة، وأنّ ترتيبها حسب مخارجها، هو: مخرج الحروف النطعية، ثمّ مخرج الحروف الأسليّة أو الصفيريّة، ثم مخرج الحروف اللثويّة.
وهذا مخالفٌ لمذهب الخليل، إذْ جعلها بعد مخرج الضاد، ورتّبها خلاف ترتيب سيبويه، وقد وضّحت ذلك في ثانياً (١) .
والرّاجح في ترتيب مخارج الحروف هو قول سيبويه، وهو مذهب جمهور القُرّاء والنّحويين، وبه قال ابن الجزريّ (٢) .
المطلب الثالث: الخلاف بينهما في ترتيب حروف بعض المخارج أو زيادتها.
اعلم أنّ الاختلاف بين سيبويه والخليل لم يقتصر على الخلاف في عدد مخارج الحروف، أو في ترتيب المخارج، بل تعداه إلى الخلاف بينهما في الترتيب الداخلي لحروف بعض المخارج، أو زيادتها، وإليك بيان ذلك:
أولاً: اختلفا في ترتيب حروف أدنى الحلق مما يلي الفم، فذهب الخليل إلى أنّ ترتيبها: (خ، غ) ، وذهب سيبويه إلى أنّ ترتيبها: (غ، خ) .
ثانياً: اختلفا في حروف وسط اللسان ووسط الحنك الأعلى، فذهب الخليل إلى أنّها: (ج، ش) ، وذهب سيبويه إلى أنّها: (ج، ش،ي) ، وهي ماتُسمّى بالحروف الشجْريّة.
ثالثاً: اختلفا في ترتيب الحروف التي تخرج مابين طرف اللسان وفُويق الثنايا السُّفلى، وهي ماتُسمّى بالحروف الأسليّة، أو الصفيريّة، فذهب الخليل إلى أنّ ترتيبها: (ص، س، ز) ، وذهب سيبويه إلى أن ترتيبها: (ز، س،ص) ، وفي سرده لحروف العربية وفق مخارجها رتبها هكذا: (ص، ز، س) ، وكلا الترتيبين مخالفٌ لترتيب الخليل.
стр. 5392
رابعاً: اختلفا في الحروف التي تخرج من بين الشفتين، فذهب الخليل إلى أنّها: (ب، م) ، وذهب سيبويه إلى أنّها: (ب، م،و) (١) .
هذا وقد بيّنت في المطلب السابق ترتيب الخليل لحروف العربية الأصول وفق مخارجها، وأمّا ترتيبها على مذهب سيبويه وفق المخارج – أيضاً – فهو:
(ء، ا،هـ*ع، ح*غ، خ*ق*ك*ج، ش،ي*ض*ل*ن*ر*ط، د،ت*ز، س،ص*ظ، ذ،ث*ف*ب، م،و) (٢) .
والصّواب هو ماذهب إليه سيبويه، وهو مذهب أصحابه من جمهور القُرّاء والنّحويين (٣) .
قال ابن جنيّ بعد ترتيبه للحروف وفق منهج سيبويه: (فهذا هو ترتيب الحروف على مذاقها وتصعُّدها، وهو الصحيح، [فأمّا] ترتيبها في كتاب العين ففيه خَطَلٌ، واضطرابٌ، ومخالفةٌ لما قدمناه آنفاً ممّا رتبه سيبويه، وتلاه أصحابه عليه، وهو الصّواب الذي يشهد التأمّل له بصحته) (٤)
стр. 5393
الخاتمة
أَحْمدُ الله حمد الشاكرين، وأصلّي وأسلّم على سيّدنا محمد سيّد الأولين والآخرين، وبعد:
فهذه خلاصةٌ موجزةٌ أُورد فيها خلاصة البحث وأهم نتائجه، فأقول:
أولاً: (الكتاب) لسيبويه أعظم كتاب أُلّف في فنّه، اشتمل على علميّ النّحو والصرف، وأحاط بجميع أجزائهما، ولم يشِذّ عنه من أصول فنّه إلاّ مالا خَطر له، سمّاه النّاس "قرآن النّحو"، ولقّبوه بالبحر استعظاماً له، واستصعاباً لما فيه.
جَمَع فيه سيبويه ماتفرّق من أقوال من تقدمه من العلماء، فكان كما قيل: لم يسبقه أحدٌ إلى مثله، ولا لحقه أحدٌ من بعده.
ثانياً: عقد سيبويه أبواب (الكتاب) بلفظه ولفظ الخليل، وكان كثيراً ما يحكي عنه بقوله: "وسألته" أو: "قال".
فكان (الكتاب) سجلاًّ حافلاً لآراء الخليل في النّحو والصرف؛ وافقه سيبويه في معظم ماحكاه، أو سأله عنه، وخالفه في بعضٍ منها، إلاّ أنّ الخلاف بينهما فرعٌ، والاتفاق هو الأصل في معظم المسائل.
ثالثاً: اختلف الخليل مع سيبويه في النّسب إلى (ظَبْيةٍ، ودُمْيةٍ، وفِتْيةٍ) ، فسيبويه ينسب إليها بدون تغييرٍ، والخليل يجيز الوجهين: ماذهب إليه سيبويه، ويجيز مذهب يُونُس وهو إبدال الياء واواً، وهو مذهب الجمهور.
رابعاً: أجاز سيبويه في النّسب إلى "رَايةٍ" ثلاثة أوجهٍ، وأجاز الخليل فيها قلب الياء همزة، وهو الأجود، وعليه الجمهور.
خامساً: اختلف الخليل مع أبي عمروٍ وسيبويه في الهمزتين المتحركتين إذا اجتمعتا في كلمتين، فالخليل يرى تحقيق الأولى وحذف الثانية، أما أبو عمروٍ فيرى عكس الخليل، وذهب سيبويه إلى جواز الوجهين، ورجّح المبرد مذهب الخليل.
سادساً: ذهب الخليل إلى أنّ النّبر دون الهمز، وذهب سيبويه إلى أنّهما مترادفان أي: كلاهما بمعنى واحدٍ، وهو الراجح، وهو قول الجمهور.
سابعاً: اختلف سيبويه مع الخليل في "خطايا" ونحوها، فذهب الخليل إلى القول بالقلب المكانيّ فيها؛ لأنّ تركه يؤدي إلى اجتماع همزتين.
стр. 5394
وذهب سيبويه – وهو قول الجمهور – إلى عدم ارتكاب القلب الذي هو خلاف الأصل.
ثامناً: اختلف سيبويه مع الخليل في اسم الفاعل من الفعل الثلاثي الأجوف المهموز اللام، فذهب سيبويه إلى الحذف وعدم القلب، وذهب الخليل إلى تقديم اللام على العين.
تاسعاً: اختلف الخليل وسيبويه في جمع اسم الفاعل، نحو "جائية" على "فواعل"، فذهب الخليل إلى القلب المكانيّ فيها، والراجح وهو مذهب سيبويه عدم القلب.
عاشراً: ذهب الخليل إلى أنّ القلب المكانيّ قياسيٌّ في ثلاث صورٍ، وخالفه سيبويه ومن تابعه؛ كما أن الكوفيين توسّعوا في القلب، وردَّ البصريون عليهم؛ كما أنّ ابن دُرستويه أنكر القلب المكانيّ وجعله لغة أخرى ولم يوافقه العلماء على ذلك؛ كما أنّ ابن فارس نفى وجود القلب في القرآن الكريم، وأثبته غيره.
حادي عشر: ذهب سيبويه، وأيّده جماعة من النّحويين واللُّغويين إلى أنّه لايوجد تداخُلٌ في اللّغات، وماورد من الأفعال يخالف القياس فهو شاذٌّ.
أما الخليل ومن تبعه – وهو الصّواب – فيرون ماجاء على خلاف القياس، إنّما هو لغاتٌ تداخلت فتركّبت.
ثاني عشر: اختلف سيبويه والخليل في حقيقة ألف المقصور المنوّن الموقوف عليه، فذهب سيبويه إلى أنّها في النصب بدلٌ من التنوين وفي غيره بدلٌ من لام الكلمة، وهو المشهور عنه، أما الخليل فيرى أنّها الألف المنقلبة عن لام الكلمة في الأحوال الثلاث وهو الراجح؛ لأنّه قول جمهور العلماء.
ثالث عشر: ذهب يُونُس وسيبويه إلى أنّه يوقف بحذف الياء على المنادى المنقوص غير المنوّن، وذهب الخليل إلى أنّه يوقف عليه بإثبات الياء، وهو اختيار جماعة من النّحويين؛ لأنّه أقيس وأجود.
رابع عشر: اختلف الخليل ويونس وسيبويه في الحرف الزائد في مضعف العين، نحو "قطّع"، ومضعف اللام، نحو "جلبب"، فذهب الخليل إلى أنّه الأول، وذهب يونس وسيبويه إلى أنّه الثاني، قال سيبويه وكلا: القولين صوابٌ ومذهبٌ.
стр. 5395
خامس عشر: ذهب الخليل إلى أنّ مخارج الحروف سبعة عشر مخرجاً وذلك بإثبات مخرج الحروف الجوفية، وذهب سيبويه – وهو الراجح – إلى أنّها ستة عشر مخرجاً، وذلك بإسقاط مخرج الحروف الجوفية، وتوزيعها على مخارجها.
سادس عشر: اختلف الخليل وسيبويه في ترتيب مخارج الحروف، والرّاجح هو مذهب سيبويه، وبه قال الجمهور من القُرّاء والنّحويين.
سابع عشر: اختلف سيبويه مع الخليل في الترتيب الداخلي لحروف بعض المخارج، والصّواب ماذهب إليه سيبويه، وهو مذهب جمهور القُرّاء والنّحويين.
والحمد لله أوّلاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، وصلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليماً كثيراً.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين