وهذا مخالفٌ لمذهب الخليل، إذْ جعل بعد مخرج الضاد، مخرج الحروف الأسليّة، ثم النطعيّة، ثم اللّثويّة، ثم بعدها مخارج الحروف الذلقيّة، ورتبها كما يلي: مخرج الراء، ثم مخرج اللام، ثم مخرج النون.
ثالثاً: ذهب سيبويه إلى أنّ ترتيب مخارج طرف اللسان الثلاثة، تأتي بعد مخارج الحروف الذلقيّة، وأنّ ترتيبها حسب مخارجها، هو: مخرج الحروف النطعية، ثمّ مخرج الحروف الأسليّة أو الصفيريّة، ثم مخرج الحروف اللثويّة.
وهذا مخالفٌ لمذهب الخليل، إذْ جعلها بعد مخرج الضاد، ورتّبها خلاف ترتيب سيبويه، وقد وضّحت ذلك في ثانياً (١) .
والرّاجح في ترتيب مخارج الحروف هو قول سيبويه، وهو مذهب جمهور القُرّاء والنّحويين، وبه قال ابن الجزريّ (٢) .
المطلب الثالث: الخلاف بينهما في ترتيب حروف بعض المخارج أو زيادتها.
اعلم أنّ الاختلاف بين سيبويه والخليل لم يقتصر على الخلاف في عدد مخارج الحروف، أو في ترتيب المخارج، بل تعداه إلى الخلاف بينهما في الترتيب الداخلي لحروف بعض المخارج، أو زيادتها، وإليك بيان ذلك:
أولاً: اختلفا في ترتيب حروف أدنى الحلق مما يلي الفم، فذهب الخليل إلى أنّ ترتيبها: (خ، غ) ، وذهب سيبويه إلى أنّ ترتيبها: (غ، خ) .
ثانياً: اختلفا في حروف وسط اللسان ووسط الحنك الأعلى، فذهب الخليل إلى أنّها: (ج، ش) ، وذهب سيبويه إلى أنّها: (ج، ش،ي) ، وهي ماتُسمّى بالحروف الشجْريّة.
ثالثاً: اختلفا في ترتيب الحروف التي تخرج مابين طرف اللسان وفُويق الثنايا السُّفلى، وهي ماتُسمّى بالحروف الأسليّة، أو الصفيريّة، فذهب الخليل إلى أنّ ترتيبها: (ص، س، ز) ، وذهب سيبويه إلى أن ترتيبها: (ز، س،ص) ، وفي سرده لحروف العربية وفق مخارجها رتبها هكذا: (ص، ز، س) ، وكلا الترتيبين مخالفٌ لترتيب الخليل.
стр. 5392
رابعاً: اختلفا في الحروف التي تخرج من بين الشفتين، فذهب الخليل إلى أنّها: (ب، م) ، وذهب سيبويه إلى أنّها: (ب، م،و) (١) .
هذا وقد بيّنت في المطلب السابق ترتيب الخليل لحروف العربية الأصول وفق مخارجها، وأمّا ترتيبها على مذهب سيبويه وفق المخارج – أيضاً – فهو:
(ء، ا،هـ*ع، ح*غ، خ*ق*ك*ج، ش،ي*ض*ل*ن*ر*ط، د،ت*ز، س،ص*ظ، ذ،ث*ف*ب، م،و) (٢) .
والصّواب هو ماذهب إليه سيبويه، وهو مذهب أصحابه من جمهور القُرّاء والنّحويين (٣) .
قال ابن جنيّ بعد ترتيبه للحروف وفق منهج سيبويه: (فهذا هو ترتيب الحروف على مذاقها وتصعُّدها، وهو الصحيح، [فأمّا] ترتيبها في كتاب العين ففيه خَطَلٌ، واضطرابٌ، ومخالفةٌ لما قدمناه آنفاً ممّا رتبه سيبويه، وتلاه أصحابه عليه، وهو الصّواب الذي يشهد التأمّل له بصحته) (٤)
стр. 5393
الخاتمة
أَحْمدُ الله حمد الشاكرين، وأصلّي وأسلّم على سيّدنا محمد سيّد الأولين والآخرين، وبعد:
فهذه خلاصةٌ موجزةٌ أُورد فيها خلاصة البحث وأهم نتائجه، فأقول:
أولاً: (الكتاب) لسيبويه أعظم كتاب أُلّف في فنّه، اشتمل على علميّ النّحو والصرف، وأحاط بجميع أجزائهما، ولم يشِذّ عنه من أصول فنّه إلاّ مالا خَطر له، سمّاه النّاس "قرآن النّحو"، ولقّبوه بالبحر استعظاماً له، واستصعاباً لما فيه.
جَمَع فيه سيبويه ماتفرّق من أقوال من تقدمه من العلماء، فكان كما قيل: لم يسبقه أحدٌ إلى مثله، ولا لحقه أحدٌ من بعده.
ثانياً: عقد سيبويه أبواب (الكتاب) بلفظه ولفظ الخليل، وكان كثيراً ما يحكي عنه بقوله: "وسألته" أو: "قال".
فكان (الكتاب) سجلاًّ حافلاً لآراء الخليل في النّحو والصرف؛ وافقه سيبويه في معظم ماحكاه، أو سأله عنه، وخالفه في بعضٍ منها، إلاّ أنّ الخلاف بينهما فرعٌ، والاتفاق هو الأصل في معظم المسائل.
ثالثاً: اختلف الخليل مع سيبويه في النّسب إلى (ظَبْيةٍ، ودُمْيةٍ، وفِتْيةٍ) ، فسيبويه ينسب إليها بدون تغييرٍ، والخليل يجيز الوجهين: ماذهب إليه سيبويه، ويجيز مذهب يُونُس وهو إبدال الياء واواً، وهو مذهب الجمهور.
رابعاً: أجاز سيبويه في النّسب إلى "رَايةٍ" ثلاثة أوجهٍ، وأجاز الخليل فيها قلب الياء همزة، وهو الأجود، وعليه الجمهور.
خامساً: اختلف الخليل مع أبي عمروٍ وسيبويه في الهمزتين المتحركتين إذا اجتمعتا في كلمتين، فالخليل يرى تحقيق الأولى وحذف الثانية، أما أبو عمروٍ فيرى عكس الخليل، وذهب سيبويه إلى جواز الوجهين، ورجّح المبرد مذهب الخليل.
سادساً: ذهب الخليل إلى أنّ النّبر دون الهمز، وذهب سيبويه إلى أنّهما مترادفان أي: كلاهما بمعنى واحدٍ، وهو الراجح، وهو قول الجمهور.
سابعاً: اختلف سيبويه مع الخليل في "خطايا" ونحوها، فذهب الخليل إلى القول بالقلب المكانيّ فيها؛ لأنّ تركه يؤدي إلى اجتماع همزتين.
стр. 5394
وذهب سيبويه – وهو قول الجمهور – إلى عدم ارتكاب القلب الذي هو خلاف الأصل.
ثامناً: اختلف سيبويه مع الخليل في اسم الفاعل من الفعل الثلاثي الأجوف المهموز اللام، فذهب سيبويه إلى الحذف وعدم القلب، وذهب الخليل إلى تقديم اللام على العين.
تاسعاً: اختلف الخليل وسيبويه في جمع اسم الفاعل، نحو "جائية" على "فواعل"، فذهب الخليل إلى القلب المكانيّ فيها، والراجح وهو مذهب سيبويه عدم القلب.
عاشراً: ذهب الخليل إلى أنّ القلب المكانيّ قياسيٌّ في ثلاث صورٍ، وخالفه سيبويه ومن تابعه؛ كما أن الكوفيين توسّعوا في القلب، وردَّ البصريون عليهم؛ كما أنّ ابن دُرستويه أنكر القلب المكانيّ وجعله لغة أخرى ولم يوافقه العلماء على ذلك؛ كما أنّ ابن فارس نفى وجود القلب في القرآن الكريم، وأثبته غيره.
حادي عشر: ذهب سيبويه، وأيّده جماعة من النّحويين واللُّغويين إلى أنّه لايوجد تداخُلٌ في اللّغات، وماورد من الأفعال يخالف القياس فهو شاذٌّ.
أما الخليل ومن تبعه – وهو الصّواب – فيرون ماجاء على خلاف القياس، إنّما هو لغاتٌ تداخلت فتركّبت.
ثاني عشر: اختلف سيبويه والخليل في حقيقة ألف المقصور المنوّن الموقوف عليه، فذهب سيبويه إلى أنّها في النصب بدلٌ من التنوين وفي غيره بدلٌ من لام الكلمة، وهو المشهور عنه، أما الخليل فيرى أنّها الألف المنقلبة عن لام الكلمة في الأحوال الثلاث وهو الراجح؛ لأنّه قول جمهور العلماء.
ثالث عشر: ذهب يُونُس وسيبويه إلى أنّه يوقف بحذف الياء على المنادى المنقوص غير المنوّن، وذهب الخليل إلى أنّه يوقف عليه بإثبات الياء، وهو اختيار جماعة من النّحويين؛ لأنّه أقيس وأجود.
رابع عشر: اختلف الخليل ويونس وسيبويه في الحرف الزائد في مضعف العين، نحو "قطّع"، ومضعف اللام، نحو "جلبب"، فذهب الخليل إلى أنّه الأول، وذهب يونس وسيبويه إلى أنّه الثاني، قال سيبويه وكلا: القولين صوابٌ ومذهبٌ.
стр. 5395
خامس عشر: ذهب الخليل إلى أنّ مخارج الحروف سبعة عشر مخرجاً وذلك بإثبات مخرج الحروف الجوفية، وذهب سيبويه – وهو الراجح – إلى أنّها ستة عشر مخرجاً، وذلك بإسقاط مخرج الحروف الجوفية، وتوزيعها على مخارجها.
سادس عشر: اختلف الخليل وسيبويه في ترتيب مخارج الحروف، والرّاجح هو مذهب سيبويه، وبه قال الجمهور من القُرّاء والنّحويين.
سابع عشر: اختلف سيبويه مع الخليل في الترتيب الداخلي لحروف بعض المخارج، والصّواب ماذهب إليه سيبويه، وهو مذهب جمهور القُرّاء والنّحويين.
والحمد لله أوّلاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، وصلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليماً كثيراً.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين
стр. 5396
قضايا لن في النحو العربي
د/إبراهيم بن سليمان البعيمي
الجامعة الإسلامية / كلية اللغة العربيه
ملخص البحث
البحث يتناول بالدرس المسائل النحوية المتعلقة ب (لن) من حيث القول ببساطتها أو تركبها، وكذلك القول بأصالة نونها أو إبدالها من الألف، ودرس البحث أحكام لن من حيث معاقبلة لن ل (لم) في الجزم، وإفادة لن الدعاء، والفصل بين لن ومعمولها، وتلقي القسم بها، ثم درس البحث معاني لن في إفادتها التوكيد أو التأييد، ومدة زمن النفي بلن.
وكان يشيع عند بعض النحاة أن الزمخشري هو أول من قال بأن لن تفيد توكيد النفي، بناء على ما يفهم من عبارات ابن هشام في كتبه النحوية التي يقول فيها (لن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق، ولا يقتضي تأييداً للزمخشري في أنموذجه، ولا تأكيداً خلافاً له في كشافه) ، والباحث أوضح أن أول من قال بإفادة لن توكيد النفي هو الخليل بن أحمد في العين.
وكذلك شاع عند طلبة العلم أن الزمخشري هو أول من قال بتأييد النفي بلن، بناء على عبارة ابن مالك في شرح الكافية، والباحث أبان أن المعتزلة قبل الزمخشري بزمن طويل بقولون بتأييد النفي بلن ونقل نصوصاً من كتبهم.
نتائج البحث:
درس الباحث كثيراً من الشواهد النحوية، ورجح في بعضها رواية غير النحاة المبنية على سلامة المعنى.
أشار إلى أن الخليل هو أول من قال بتأكيد النفي بلن.
أوضح أن المعتزلة في القرن الرابع الهجري كانوا يقولون بتأييد النفي بلن.
تمهيد:
стр. 5397
الحمد لله رب العالمين الذي شرّف اللغة العربية بالقرآن فأنزل بها أفضل كتبه، وأرسل من أبنائها أشرف رسله، وجعل على المسلمين تعلُّمَها فرضاً كفائياً، وأصلي وأسلم على نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب سيد ولد آدم قاطبة، وعلى آله وأصحابه مصابيح الدجى، حملوا الأمانة وأدوا الرسالة ونصحوا الأمة اللهم ارض عنهم أجمعين، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه واعصمنا اللهم من مضلات الفتن ٠
أما بعد: فأن في اللغة العربية مسائلَ دقيقة تحتاج إلى إيضاح وتتبع لقضاياها وتبيان لوجه الحق فيها حتى يظهر جلياً للعيان، دون التباس أو غموض في تلك القضايا، وهي كثيرة مبثوثة في بطون أمَّات الكتب، ومن هذه المسائل الدقيقة: قضايا ((لن)) في مبناها ومعناها؛ إذ يشيع الخلاف فيها بين الزمخشري ومعارضيه، في إفادتها تأكيد النفي كما صرّح به الزمخشري في كتبه كالكشاف والمفصل وفي بعض نسخ الأنموذج، أو في إفادتها تأبيد النفي كما نسب إليه في الأنموذج، وقد كان شيخي الأستاذ الدكتور أحمد عبد اللاه هاشم كتب رسالة سمّاها (قضية لن بين الزمخشري والنحويين) نشرها في مصر عام ١٣٩٩هـ في دار التوفيقية، ردَّ فيها على من اتَّهم الزمخشري بالقول بتأبيد النفي بلن، واستدل على ما ذهب إليه بأدلة ذكرها في تلك الرسالة مُفادها أن الزمخشري لم يقل بتأبيد النفي بلن، وإنما هو شيء تصحَّف على بعض نسَّاخ الأنموذج إذ تلتبس كتابة (تأبيد) ب (تأكيد) في المخطوطات القديمة، فالكلمتان بينهما جناس لاحق، ولا سيما إذا ظُنَّ أن شرطة الكاف فتحة على الباء، فحمل القومُ قولَه على الأسوأ بسبب معتقده الاعتزالي في قضية رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، ولمواقفه المتشددة في مسائل الاعتزال وتشدده في الانتصار لهذه الفرقة الضالة ووسمه أهل السنة والجماعة بالحُمُرِ المُوْكَفَةِ في قوله (١)
стр. 5398
:
لجماعة سمَّوا هواهم سُنَّةً وجماعةٌ حُمْرٌ لعمري مُوكَفَهْ
قد شبَّهوه بخلقه وتخوَّفوا شنع الورى فتستروا بالبَلْكَفَهْ
ومراده بالبلكفة هو قول أهل السنة والجماعة (صفات الله نؤمن بها ونمرُّها كما جاءت بلا كيف) ، وكان يدعو إلى مذهبه الاعتزالي فيقول لمن يأخذله الأذن عند أبواب من يزورهم قل له أبو القاسم المعتزلي بالباب ٠
اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن، ونسألك أن ترينا الحق حقاً وترزقنا اتباعه، وترينا الباطل باطلا وتوفقنا لاجتنابه، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كما نسألك أن ترزقنا رؤيتك يوم القيام لا نضام في ذلك كما نرى البدر ليلة تمامه٠
стр. 5399
ولكن ظهرت بعد رسالة (قضايا لن) كتب في النحو واللغة والتفسير وهي مهمة جداً، يتغيّر بسببها كثير من الأحكام التي أصدرها الدكتور أحمد هاشم فلهذا رأيت أن أعيد النظر والكتابة في هذه القضية على حسب ما استجد فيها، وأحببت أن يكون الموضوع مستوفياً جميع قضاياها في المبنى والمعنى، متضمناً كلَّ مسائلها، شاملاً ما قيل فيها من النزاع والخلاف، محتوياً جميع مسائلها ومشاكلها في ذاتها وفي معناها وألا ينحصر البحث في قضيّتي التأكيد والتأبيد، ولست أدعي أن القارئ سيرى في هذا البحث مالم يره أحد من قبل، أو أنني جئت بشيء غير مسبوق ولكنني أقول: استطعت في هذا البحث تصحيح نسبة القول بتأكيد النفي بلن للخليل بن أحمد ﵀ -وليس للزمخشري كما هو متداول في كتب حروف المعاني، وكتب كثير من النحاة منهم ابن هشام الذي دأب في كتبه على مخالفة الزمخشري في قضية توكيد النفي بلن، وكتب ابن هشام تدرّس في الجامعات السعودية، كما توصَّلت إلى أن القول بتأبيد النفي بلن كان معروفاً قبل ميلاد الزمخشري بزمن بعيد، وذكرت أن الزمخشري ما هو إلا حاكٍ لأقوال من تقدمه سواء في ذلك تأكيد النفي بلن أو تأبيده، كما رجّحت نسبة القول بتأبيد النفي بلن للزمخشري -خلافاً لشيخي الدكتور أحمد هاشم-، كما جمعت في مكان واحد ما تشتت في بطون أمَّات الكتب النحوية، ولممت شمل الأسرة الواحدة التي كانت متفرقة من قبل في كتب النحو وكتب حروف المعاني وكتب التفسير وكتب المعاجم، وحسبي الجمع والترتيب والتنسيق، وجعلت البحث في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دراسة مبنى لن
وفق المباحث التالية
المبحث الأول: لن بسيطة أومركبة
وانتظم المطالب التالية:
المطلب الأول: رأي الخليل بن أحمد
المطلب الثاني: رأي المعارضين له،
المطلب الثالث: رأي المنتصرين له
المبحث الثاني: نون لن أصيلة أومبدلة
الفصل الثاني: أحكام لن
المبحث الأول معاقبة لن ل (لم) في الجزم ٠
стр. 5400
المبحث الثاني: إفادة لن الدعاء
المبحث الثالث: الفصل بين لن ومعمولها ٠
المبحث الرابع: تلقي القسم بلن
والفصل الثالث: معانى لن
واحتوى المباحث التالية
المبحث الأول: تأكيد النفي بلن:
وشمل المطالب التالية:
المطلب الأول: رأي الزمخشري ٠
المطلب الثاني: رأي المخالفين له ٠
المطلب الثالث: رأي المؤيدين له
المبحث الثاني: لن الزمخشرية
وفيه المطالب التالية:
المطلب الأول: القول بتأبيد النفي بلن
المطلب الثاني رأي الزمخشري
المطلب الثالث: رأي المعارضين له
المبحث الثالث: لن عند أصحاب المعاني
وأسأل الله لي ولأخواني المسلمين الثبات على الحق وحسن الختام، والعصمة من الضلال بعد الهدي، والتوفيق والسداد في الدارين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وسار على نهجه إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ٠
الفصل الأول: مبنى لن
المبحث الأول: لن بسيطة أو مركبة ٠
واشتمل على المطالب التالية
المطلب الأول: رأي الخليل
روي عن الخليل بن أحمد في لن روايتان الأولى (١) ليست مشهورة عنه وهي: موافقة الجمهور في القول ببساطة لن ٠
стр. 5401
والرواية الأخرى (١) عن الخليل هي المشهورة عنه عند النحاة، ووافقه عليها الكسائي (٢) ، والخازنجي (٣) وهي القول بتركب لن من حرفين (لا) النافية، و (أن) المصدرية، ثم حذفت الهمزة من (أن) إمّا تخفيفاً، أو اعتباطاً فالتقى ساكنان: الألف، والنون؛ فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فآلت إلى (لن) ويرى الرضي (٤) أنها جاءت على الأصل في قول الشاعر:
стр. 5402
يُرَجِّي المرءُ ما لا أنْ يُلاقي وتَعْرضُ دون أدناه الخطوبُ (١)
إذ المراد ما لن يلاقي
ورُدَّ عليه بأن البيت مروي ب (ما إنْ لا يلاقي) بتقديم (إن) وكسر همزتها على لا وبه يزول الشاهد
وذهب الشَّلَوْبينُ (٢) إلى أن الحامل للخليل على القول بالتركيب إنما هو إرادة تقليل الأصول العاملة في الأفعال ما أمكن لتكون عوامل نصب المضارع عنده أداةً واحدة فقط هي (أن) إذ يرى الخليل أن (لن) مركبة من (لا أن) و (إذن) مركبة من (إذ أن) و (كي) ليست ناصبة بنفسها بل المضارع بعدها منصوب بأن مضمرة فلم يبق إلا (أن) وحدها تنصب المضارع ٠
واجتمع للمضارع في (لن) ما افترق في لا أن النفي والنصب؛ إذ إنّ (لا) نافية غير ناصبة للمضارع، و (أن) ناصبة غير نافية
стр. 5403
قال سيبويه عن (لن) : ((فأما الخليل فزعم أنها لا أن، ولكنهم حذفوا لكثرته في كلامهم كما قالوا: وَيْلِمِّه يريدون وي لأمه، وكما قالوا يومئذٍ وجعلت بمنزلة حرف واحد كما جعلوا هلاَّ بمنزلة حرف واحد فإنما هي هل ولا، وأما غيره فزعم أنه ليس في لن زيادة، وليست من كلمتين، ولكنها بمنزلة شيء على حرفين ليست فيه زيادة، وأنها في حروف النصب بمنزلة لم في حروف الجزم في أنه ليس واحد من الحرفين زائداً، ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت: أمَّا زيداً فلن أضرب؛ لأن هذا اسم والفعل صلة فكأنة قال: أمَّا زيداً فلا الضرب له)) (١)
المطلب الثاني: رأي المعا رضين له
اُعتُرِض على الخليل باعتراضات عدة؛ فاعتَرَض سيبويه عليه بأنه يجوز أن يتقدم عليها معمول فعلها نحو:أما زيداً فلن أضرب، فلو كانت مركبة من لا وأن لما جاز أن يتقدم معمول فعلها عليها لأن (أن) لها الصدارة، وما كان له الصدارة فلا يتقدم عليه شيء من معمولات جملته، وتقدُّمُ معمول فعل لن عليها دليل على عدم تركبها ٠
كما اُعْتُرِضَ (٢) عليه بأن نحو لن يقوم زيد كلام تام، لا يحتاج إلى تقدير، ولو كانت مركبة من لا وأن لكان الكلام ناقصاً لأن المصدر المنسبك حينئذٍ من أن المصدرية والفعل يعرب مبتدأ يحتاج إلى خبر مقدّر، وجملة لن يقوم زيد كلام تام ليس محتاجاً إلى تقدير، وهذا دليل على بساطة لن ٠
كما اُعتُرض (٣) عليه بأن (لاأن) لم يُسمَع من العرب في نظم أو نثر، فلو كان أصلها (لا أن) لسمع ذلك منهم في المنظوم أو المنثور، ويمكن الإجابة عن الشاهد السابق: بأن الرواية الراجحة فيه هي (ما إن لا يلاقي) بتقديم (إن) وكسر همزتها على (لا) النافية ٠
стр. 5404
كما اُعْتُرض (١) على الخليل بأن الأصل في الكلمات البساطة، والتركُّب فرع عنها، ولا يعدل عن هذا الأصل إلابثَبَتٍ قاطع ٠
كما اُعْتُرض (٢) عليه بأن لفظ (لنْ) ليس موافقاً للفظ (لاأن) ولا معناها كمعناها
المطلب الثالث: رأي المنتصرين له
انتصر المازنيُّ (٣) للخليل في الاعتراض الأول بأن الحروف إذا رُكِّبت حصل لها من الاختصاص ما لم يكن لها قبلُ ألا ترى أن الحرف (لو) حرف امتناع لامتناع فإذا تركَّب مع (لا) صار حرف امتناع لوجود
وأجاب المبرد (٤) عن الاعتراض الثاني بأن الخبر محذوف ملتزم الحذف تقديره: (لا أن تقوم حاصل) أي لا القيام حاصل ٠
ولكن يَرُدُّ هذا التوجيه أمران:
أ- أن العطف على فاعل مدخول لن جائز دونما تكرار (لا) نحو: لن يقوم زيد وعمرو ولو كانت (لن) أصلها (لاأن) ومنفيها كما يقولون مؤول بالمفرد لوجب تكرار الجملة الاسمية المنفية ب (لا، أن) كما في قوله تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ((٥) وقوله تعالى (ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ((٦)
وقول الشاعر:
فلا الجارةُ الدنيا لها تَلْحَيَنَّها ولا الضيفُ عنها إنْ أناخ محوّلُ (٧)
стр. 5405
وقول الآخر:
سُئلت فلم تبخل ولم تعط طائلاً فسيَّان لا ذمٌّ عليك ولا حمدُ (١)
وقول الشاعر:
إذا الجودُ لم يُرزق خلاصاً من الأذى فلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا (٢)
ب- لو كانت لن مع مدخولها في تأويل مفرد كما قيل لظهر الخبر في شعر العرب أو نثرهم ولو في بيت نادر أو قول محكي، فلما لم يسمع من العرب مثل هذا دلَّ على أن لن مع مدخولها كلام تام لا يحتاج إلى تأويل، وهذا يؤكد عدم التركيب من لا النافية وأن المصدرية ٠
وأجيب (٣) عن الاعتراض الثالث بأن المحذوف عند العرب قسمان: قسم يجوز استعمال الأصل فيه كما في قول العرب أيُّ شيء؟ ويلٌ لأمه، كما يجوز استعمال الفرع أيضاً نحو: أيْشٍ؟ ويلمِّه، وقسم متروكٌ استعمالُ الأصل فيه كانتصاب المضارع بعد فاء السببية إذ لم يسمع من العرب إظهار أن بعدها ٠
المبحث الثاني: نون لن أصيلة أو مبدلة:
روى ابنُ كَيْسانَ عن الفراء (٤) أن لن ولم أصلهما لا فأبدلت الألف نوناً في لن وميماً في لم قال السيرافي: ((وزعم الفراء أن لن ولم أصلهما واحد، وأن الميم والنون مبدلتان من الألف في لا، وهذا ادعاء شيء لا نعلم فيه دليلاً، فيقال للمحتج عنه، ما الدليل على ما قلت؟ فلا يجد سبيلاً إلى ذلك)) (٥)
стр. 5406
وقال ابن يعيش: ((وكان الفراء يذهب إلى أن الأصل في (لن) و (لم) لا، وإنما أُبدل من ألف لا النون في لن والميم في لم؛ ولا أدري كيف اطَّلع على ذلك؛ إذ ذلك شيء لا يطلع عليه إلا بنص من الواضع)) (١)
وقال في موضع آخر عن لن: ((وكان الفراء يذهب إلى أنها لا والنون فيها بدل من الألف وهو خلاف الظاهر، ونوع من علم الغيب)) (٢)
واعترض (٣) على الفراء بأن إبدال الألف نوناً خلاف الأصل، وحمْلٌ على ما لا نظير له في العربية إذ الأصل إبدال النون ألفاً كإبدال نون التوكيد الخفيفة ألفاً حال الوقف عليها كما في قوله تعالى: (القيا في جنهم كلّ كفّار عنيد ((٤) ،قيل الخطاب لمالك ﵇ خازن النار وهو واحد، وقيل الخطاب للسائق والشهيد وعليه فلا شاهد في الآية وكقول الشاعر:
وذا النُّصُب المنصوب لا تنسكنّه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
وصلِّ على حين العشيّات والضحى ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا (٥)
إذ الأصل: فاعبدن، واحمدن بنون التوكيد الخفيفة، فأبدل من النون ألفاً مراعاة للقوافي المطلقة، وقول الآخر
يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخاً على كرسيه معمما (٦)
أي ما لم يعلمن، ومثله قول الآخر:
стр. 5407
بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى (١)
أي لم تصبرن، وأمثال هذا كثير جداً في العربية ٠
وكذلك اعترض عليه بأن إبدال النون ألفاً إنما هو في حال الوقف، فإذا وصل الكلام صحّت النون، ولن لا يوقف عليها بل لا بدّ من وصلها بما بعدها ولا يجوز قطعها مما يبطل القياس ٠
وكذلك اعترض عليه بأن مذهبه خلاف قواعد التصريف ومفارق لسنن العربية في الانتقال من الثقيل إلى الخفيف إذ النون مقطع، والألف صوت، والصوت أخف من المقطع، فلا ينتقل من الخفيف إلى الثقيل، ومذهبه يؤدي إلى هذا
واعترض عليه أيضاً بأن الحرف لا حرف مهمل، ولن حرف عامل فكيف يحمل الحرف العامل على حرف مهمل
الفصل الثاني: أحكام لن
المبحث الأول: معاقبة لن ل (لم) في الجزم:
ذهبت طائفة من العلماء إلى أن لن عاقبت لم في الجزم، وأن ذلك لغة لبعض العرب، فيما رواه أبو عبيدة (٢) -وهو من النوادر- وساقوا على ذلك طائفة من الشواهد منها قول الشاعر:
стр. 5408
أيادي سبا يا عزَّ ما كنت بعدكم فلن يَحْلَ للعينين بعدكِ منظر (١)
ومنها قول الشاعر:
هذا الثناء فإن تسمع به حسناً فلن أعرِّضْ أبيت اللعن بالصفد (٢)
وقول أعرابي في مدح الحسين بن عليٍّ ﵄:
لن يخب الآن مِنْ رجائك مِنْ حرَّك من دون بابك الحلقه (٣)
стр. 5409
ومنها ما رواه الإمام القرطبي في تفسيره (١) ، وابن مالك (٢) ، من قول الملَك في النوم لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((لن ترع لن ترع)) (٣) بجزم المضارع بلن قال ابن مالك: ((وفي لن ترع لن ترع إشكال ظاهر؛ لأن لن يجب انتصاب الفعل بها، وقد وليها في هذا الكلام بصورة المجزوم ٠٠٠ ويجوز أن يكون السكون سكون جزم على لغة من يجزم بلن، وهي لغة حكاها الكسائي)) (٤)
стр. 5410
وبتمحيص هذه الشواهد التي ساقوها دليلاً على ما ذهبوا إليه نجد أن بيت كثيِّر مرويٌّ في جلّ المصادر ب (لم يَحْلَ) وهي رواية أحسن في المعنى؛ لأنه يشكو لعزة حاله فيما مضى بعد فراقها إياه وأنه كان مشتتاً كأيادي سبا، ولم يَحْلَ له منظر منذ ذلك الفراق، وهذا المعنى عذب في عرف المتصافين، دالٌّ على ثبات الود، و (لم يحلَ) هي المتسقة مع هذا المعنى لإحالتها زمن المضارع للمضي، أما رواية (لن يحلَ) فهي غير متسقة مع المعنى؛ لأن فيها إقراراً بأنه قد حلي له فيما مضى منظر، وكأنها تعاتبه على ذلك، وهو يأسف على ما بدر منه، ويؤكد لها أنه فيما بعدُ لن يَحْلَى له بعدها منظر إنْ هي سامحته٠
وكذلك بيت النابغة (لن أُعَرِّضْ) مرويٌّ في المصادر القديمة ب (فلم أُعرِّضْ) ،أو (فما عَرَضْتُ) ، ورواية (لم أعرّض) وكذلك (فما عرَّضت) أقوى في المعنى من رواية (فلن أعرِّض) لأن الرجل ينفي عن نفسه تهمةً رُمِيَ بها عند النعمان في شأن المتجرّدة، وينكر تلك التهمة من أساسها، ورواية (لن أعرِّضْ) فيها إقرار منه بما رُمي به، ومعاهدةٌ بعدم العود مستقبلاً، وفرق شاسع بين نافٍ ما اتهم به، ومقرٍّ معترف معتذر معاهد بعدم العود ٠
أما بيت الأعرابي في مدح الحسين ﵄ فقال عنه البغدادي: ((البيت أنشده أبو الحسين بن الطراوة، وأقول: كيف يصح اجتماع لن مع الآن، ولا يصح ذكر الآن إلا مع لم، فإن قلت اجعل الخيبة المقيَّدة بالآن منفية بالمستقبل قلت: الخيبة المنفية إنما هي المقيدة بالآن ٠٠٠ قال البَطَلْيَوْسي: وجزم الأعرابي بلن، وذكر اللِّحياني أن ذلك لغة لبعض العرب يجزمون بالنواصب، وينصبون بالجوازم)) (١)
والرواية المشهورة لحديث ابن عمر هي (لم ترع لم ترع) ، ولكن رواية (لن ترع لن ترع) أحسن من حيث المعنى فقط؛ لأن فيها بشارةً لابن عمر ﵄ بأنه لن يراع في قادم الأيام ٠
стр. 5411
وعلى هذا فالجزم بلن لغةٌ لبعض العرب كما ذكر اللِّحياني (١) ، ولكنها لغة ضعيفة، لا ترقى لأن تتخذ قاعدة، وشواهدها لم تسلم من الاعتراض عليها كما رأينا ٠
كما لا يمكن من خلال الشواهد التي سيقت عزوها لقبيلة بعينها، لأن الشاهد الأول لخزاعي، والثاني لغطفاني، والثالث لأعرابي دون تخصيص، والرابع لقرشي ٠
قال السهيلي عن لن: ((كان ينبغي أن تكون جازمة؛ لأنها حرف نفي مختص بالأفعال، فوجب أن يكون إعرابه الجزم الذي هو نفي الحركة وانقطاع الصوت ليتطابق اللفظ والمعنىكما تقدم في باب الإعراب)) (٢)
المبحث الثاني: إفادة لن الدعاء:
لايُعرف خلاف بين النحاة في جواز الدعاء ب (لا) النافية على المخاطب، أوعلىالغائب، أما الدعاء على النفس فقد منعه طائفة من النحاة منهم أبو حيان (٣) ، وأجازه ابن عصفور، وابن هشام واستدلَّ الأخير بقول الشاعر:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زل تُ لكم خالداً خلود الجبال
بضمير المتكلم في (زلتُ) وبضمير المخاطب في (لكم) وستأتي مناقشة هذا البيت
أما الدعاء ب (لن) فمحل نزاع عند النحاة؛ إذ نقل ابن السراج عن قوم تجويزه فقال ((وقال قوم يجوز الدعاء بلن مثل قوله (فلن أكون ظهيراً للمجرمين ((٤) وقال الشاعر:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زل تَ لهم خالداً خلود الجبال (٥)
والدعاء بلن غير معروف، إنما الأصل ما ذكرنا أن تجيء على لفظ الأمر والنهي، ولكنه قد يقصد بها الدعاء إذا دلّت الحال على ذلك)) (٦)
وفسَّر من أجاز الدعاء بلن في الآية الكريمة بأن المعنى: (رب لا تجعلني أكون ظهيراً للمجرمين)
стр. 5412
ووافقه على ذلك ابن عصفور (١) ، وابن هشام في المغني (٢) ، وخالفه في التوضيح (٣) وشرح القطر (٤) ، وشرح اللمحة البدرية (٥)
ومنعه أبو حيان (٦) واحتجَّ بأن فعل الدعاء لا يسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب أو الغائب
ورد عليه ابن هشام (٧) فزعم جواز إسناد فعل الدعاء إلى المتكلم، محتجاً بأن الشاعر عطف جملة (لازلتُ) وهي جملة إنشائية علىجملة لن تزالوا ولو كانت الأولى خبرية لما صح عطف الإنشائية عليها، وعنده إن جملة (لازلتُ لكم) بتاء المتكلم وكاف المخطاب، وهذه هي رواية بعض النحاة، ورواية الديوان (لا زلتَ لهم) بفتح التاء وضمير الغيبة، أي (لازلتَ) أيها الممدوح خالداً لهم خلود الجبال قال البغدادي: ((وقوله لن يزالوا إلى آخره بالياء التحتية بضمير الغيبة الراجع لمجموع مَن ذَكر ممن قَتلوا وأَسروا وسَبوا ونَهبوا من الأعداء وممن غَزا معه وقَتل وغَنِمَ من الأولياء، وقوله ولازلتَ بالخطاب للمدوح، ولهم بضمير الغيبة، فظهر مما ذكر أن البيت قد روي في كتب النحو على خلاف الرواية الصحيحة)) (٨)
وإليك هذا الشاهد الذي ورد فيه الدعاء على النفس اصطدته من كتب المعاجم ٠
لا ذعرتُ السوَام في فلق الصب ح مغيراً ولا دُعيتُ يزيدا (٩)
ويجوز أن يكون منه أيضاً قول النابغة:
ما قلتُ من سيِّء مما رميت به إذن فلا رفعت سوطي إليَّ يدي (١٠)
стр. 5413
ويحتمله قول الآخر:
لا درَّ درِّي إن أطعمت نازلكم قِرْفَ الحَتِيِّ وعندي البُرُّ مكنوز (١)
المبحث الثالث: الفصل بين لن ومعمولها
الأصل في الإعمال للأفعال؛ فلهذا تعمل متقدمة، ومتأخرة، ومذكورة ومحذوفة، ومتصلة بمعمولاتها، ومفصولة عنها ٠
أما الحروف فهي عوامل ضعيفة لاتعمل في متقدم أبداً، ولا يفصل بينها وبين ومعمولاتها بأجنبي في سعة الكلام، فإن فصل بينها وبين معمولاتها بأجنبي أهملت ك (إذن) الداخلة على المضارع نحو إذن زيد يكرمُك بإهمال إذن بسبب الفصل بالأجنبي٠
ولن حرف ينصب المضارع بنفسه، ولا يعمل في متقدم أبداً إذ لا يقال يقومَ لن زيد، ولا يفصل بينه وبين معموله فلا يقال: لن زيدٌ يقومَ ولكن العرب يتوسعون في الظرف والجار والمجرور والقسم فيفصلون بهن بين الحرف ومعموله مع بقاء الإعمال سمع من العرب قولهم:
فلا تلحني فيها فإن بحبها أخاك مصاب القلب جَمٌّ بلابلُهْ (٢)
إذ فصل بين إن واسمها وخبرها بالجار والمجرور الذي هو معمول الخبر، والأصل: فإن أخاك مصاب بحبها، كما سمع من العرب قولهم:
إذن والله نرميَهم بحرب تشيب الطفل من قبل المشيب (٣)
стр. 5414
ففصل بين إذن ومعمولها بالقسم، وأعملها فنصبت نرميهم
وسمع من العرب في ضرورة الشعر قولهم:
لن ما رأيتُ أبا يزيد مقاتلاً أدعَ القتال وأشهدَ الهيجاء (١)
إذ المعنى لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلاً، ف (ما) مصدرية ظرفية تسبك مع ما بعدها بمصدر أي لن أدع القتال مدة رؤيتي أبا يزيد مقاتلاً قال ابن جني: ((وقد شُبِّه الجازم بالجارّ ففصل بينهما كما فصل بين الجارّ والمجرور؛ وأنشدنا لذي الرمة:
فأضحت مغانيها قفاراً رسومها كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهلِ (٢)
وجاء هذا في ناصب الفعل ٠أخبرنا محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى بقول الشاعر:
لمَّا رأيت أبا يزيد مقاتلا أدعَ القتال ٠٠٠
أي لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلاً، كما أراد الأول: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، وكأنه شبّه لن بأنَّ فكما جاز الفصل بين أنّ واسمها بالظرف في نحو قولك:بلغني أنّ في الدار زيداً، كذلك شبَّه لن مع الضرورة بها ففصل بينها وبين منصوبها بالظرف الذي هو:ما رأيت أبا يزيد أي مدة رؤيتي)) (٣)
وقال ابن عصفور فيما يخص ضرورة الفصل بين المتلازمين: ((ومنه الفصل بين الحروف التي لا يليها إلا الفعل في سعة الكلام وبين الفعل نحو قول الشاعر:
لن - ما رأيت أبا يزيد مقاتلا- أدعَ القتال وأشهدَ الهيجاء
يريد لن أدع القتال وأشهد الهيجاء ما رأيت أبا يزيد مقاتلاً ففصل بين لن والفعل المتصل بها)) (٤)
أما تقديم معمول فعلها عليها فجائز في السعة قال الشاعر:
стр. 5415
مه عاذلي فهائماً لن أبرحا بمثل أو أحسن من شمس الضحى (١)
إذ قدم خبر أبرح على لن مع منفيها ٠
وكان مما احتج به سيبويه على الخليل بعدم تركب لن من لا وأن قوله أما زيداً فلن أضرب، فقدم معمول فعلها عليها في السعة ٠
المبحث الرابع: تلقي القسم بلن
العرب توقع المضارع المنفي في جواب القسم (٢) ، والمشهور عندهم نفيه ب (لا) ،أو (إنْ) أو (ما) فمثال تلقي القسم ب (لا) النافية قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ((٣)
وقول الشاعر:
لئن عاد لي عبدُ العزيز بمثلها وأمكنني منها إذن لا أقيلُها (٤)
ومثال النفي ب (ما) قول الشاعر:
стр. 5416
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع (١)
ومثال النفي بإن قولك: والله إن يعلم بهذا إلا زيد، ولم أقف له على شاهد، ولكنّ النحاة يجيزونه (٢)
ويجوز حذف النافي مع الفعل المضارع إن كان أحد هذه الحروف (لا أو ما أو إن) ؛ لأنهن مهملات أصالة كما في قوله تعالى: (تالله تفتأ تذكر يوسف ((٣) أي لا تفتأ ٠
وذهبت طائفة كبيرة من النحاة إلى عدم جواز تلقي القسم ب (لن ولم) من أدوات النفي؛ وعلل الرضي ذلك بأن العامل الحرفي لا يحذف مع بقاء عمله، وإن أبطلوا العمل لم يتعيّن النافي المحذوف (٤)
وقد سمع من العرب تلقي جواب القسم بلن قال الشاعر:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسَّد في التراب دفيناً (٥)
كما سمع منهم تلقي الجواب بلم حكى الأصمعي أنه قيل لأعرابي:ألك بنون؟ قال: (نعم وخالِقِهِمْ لم تَقُمْ عن مِثْلِهِمْ مُنْجِبَةٌ) (٦) ومنه قول الأعشى:
لئن مُنيْتَ بنا عن غِبِّ معركة لم تلفنا من دماء القوم ننتفل (٧)
стр. 5417
الفصل الثالث: معنى لن
المبحث الأول: تأكيد النفي بلن (١)
تمهيد
لن حرف نفي واستقبال ينصب المضارع بنفسه كما يقول الجمهور، وهو ينفي المضارع الذي دخلت عليه السين قال سيبويه: ((ولن أضرب نفي لقوله سأضرب، كما أن لاتضرب نفي لقوله اضربْ ولم أضربْ نفي لضربْتَ)) (٢) ، وقال: ((ولم: وهي نفي لقوله فعل، ولن وهي نفي لقوله: سيفعل)) (٣) وقال أيضاً: ((والسين التي في قولك سيفعل، وزعم الخليل أنها جوابُ لن يفعل)) (٤)
وقد اختلف العلماء في مسألتين مهمتين حيال إفادة لن توكيد النفي أو تأبيده أو عدم دلالتها على شيء من ذلك البتة ٠
وسنرجيء الحديث عن قضية تأبيد النفي بلن للمبحث التالي (لن الزمخشرية)
وفي هذا المبحث سنحاول لمَّ شتات مسألة توكيد النفي بلن وِفْقَ المطالب التالية ٠
المطلب الأول: رأي الزمخشري
стр. 5418
يكرر الزمخشري في جلّ كتبه القول بتأكيد النفي بلن قال: ((ولن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل، تقول لا أبرح اليوم مكاني فإذا وكَّدت وشدَّدت قلت لن أبرح اليوم مكاني)) (١) ، وقال أيضاً: ((ولن نظيرة لا في نفي المستقبل ولكن على التأكيد)) (٢) ، وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ((٣) : ((فإن قلت ما حقيقة لن في باب النفي قلت لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أنَّ في لن توكيداً وتشديداً تقول لصاحبك: لا أقيم غداً فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً كما تفعل في أنا مقيم وإني مقيم)) (٤) ، وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: (قال ربي أرني أنظرْ إليك قال لن تراني ((٥) : ((فإن قلت ما معنى لن؟ قلت تأكيد النفي الذي تعطيه لا، وذلك أن لا تنفي المستقبل تقول لا أفعل غداً، فإذا أكَّدت نفيها قلت: لن أفعل غداً)) (٦) ، وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ((٧) : ((لن أخت لا في نفي المستقبل إلا أن لن تنفيه نفياً مؤكداً)) (٨) ، وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: (ولا يتمنونه أبداً بما قدّمت أيدهم ((٩) : ((ولا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل،إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا)) (١٠)
والنحاة الذين جاؤوا بعد الزمخشري انقسموا بين معارض له، ومؤيد في دعواه إفادة لن تأكيد النفي وسأدرس إن شاء الله في المطلبين التاليين هذين المذهبين ٠
المطلب الثاني:رأي المعارضين له
стр. 5419
انبرى للرد على الزمخشري في قضيَّة توكيد النفي بلن طائفة ممن أتي بعده من النحاة منهم ابن عصفور، وأبو حيان، وابن هشام، والمرادي، وغيرهم من تلامذة ابن مالك شراح التسهيل ومن تلامذة أبي حيان٠ قال ابن عصفور في رده على الزمخشري: ((ما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها بل قد يكون النفي ب (لا) آكد من النفي ب (لن) ؛لأن المنفي ب (لا) قد يكون جواباً للقسم، والمنفي ب (لن) لا يكون جواباً له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد)) (١)
فابن عصفور بنى اعتراضه على الزمخشري بأن لا النافية تقع جواباً للقسم ولن لا تقع جواباً للقسم، ونفي الفعل المقسم عليه آكد من غير المقسم عليه ٠
ولكن رُدَّ عليه بالشاهد السابق وهو:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسّد في التراب دفيناً
إذ وقعت لن فيه في جواباً للقسم ٠
وقال أبو حيّان: ((ونقل ابن مالك (٢) أن الزمخشري خصَّ النفي بالتأبيد، ونقل ابن عصفور عنه أنه زعم أن لن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل، وأن مذهب سيبويه والجمهور أن لن لنفي المستقبل من غير أن يشترطا أن يكون النفي بها آكد من نفي لا)) (٣) ، فأبو حيّان إذن يذكر أن ابن عصفور نقل عن الزمخشري القول بتأكيد النفي بلن، ونقل عن ابن مالك أن الزمخشري يرى تأبيد النفي بلن، ثم اعترض عليه بأن مذهب سيبويه والجمهور أن لن لنفي المستقبل ولم يشترطوا أن يكون النفي بها آكد من النفي بلا ٠
стр. 5420
وكرر هذا المعنى تلامذة أبي حيان كالمرادي (١) ، وابن عقيل (٢) ، والسمين الحلبي (٣)
ولهج ابن هشام في مخالفة الزمخشري فقال: ((ولا تفيد لن توكيد النفي خلافاً للزمخشري في كشافه ولا تأبيده خلافاً له في أنموذجه وكلاهما دعوى بلا دليل)) (٤) ، وقال أيضاً: ((لن وهي لنفي سيفعل ولا تقتضي تأبيد النفي ولا تأكيده خلافاً للزمخشري)) (٥) ، وقال أيضاً: ((ولن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق، ولا تقتضي تأبيداً خلافاً للزمخشري في أنموذجه، ولا تأكيداً خلافاً له في كشافه)) (٦) ، وقال الأشموني: ((ولا تفيد تأبيد النفي ولا تأكيده خلافاً للزمخشري: الأول في أنموذجه والثاني في كشافه)) (٧)
وشرح الشيخ خالد الأزهري (٨) كلام ابن هشام دون أن يعترض عليه مما يدلُّ على موافقته له فيما قال ٠
وسبق ابنَ هشام في مخالفة الزمخشري في توكيد النفي بلن ابنُ عصفور كما زعم أبو حيّان، والمرادي، ولم أجد في كتب ابن عصفور المطبوعة الآن التي اطلعت عليها (٩) شيئاً من ذلك، ولعله في كتبه التي لمّا تطبع بعد ٠
وفي الحق أن الزمخشري محظوظ في هذه القضية؛ إذ نَسَبَ له القوم ماليس له، وخالفوه فيما هو تابع فيه غيره، وزادوه شهرة من حيث أرادوا أن يغضُّوا منه؛ إذ أخذ اسمه يتردد في كتبهم، وكتب من جاء بعدهم من النحاة على أنه مؤصِّل مسألةٍ ومبتكرها، وما هو إلا تابع لسواه ليس غير ٠
стр. 5421
ولو تتبع المرء مسألة القول بتوكيد النفي بلن من أصلها لوجد الخليل بن أحمد هو ابنُ بجدتها وهو أول من قال بها، قال في العين: ((وأما لن فهي: لا أن وصلت في الكلام، ألا ترى أنها تشبه في المعنى لا، ولكنها أوكد تقول: لن يكرمَك زيد معناه: كأنه يطمع في إكرامه فنفيت عنه ووكدت النفي بلن فكانت أوكد من لا)) (١)
وقال الأزهري: ((الليث عن الخليل في لن أنه لا أن فوصلت لكثرتها في الكلام،ألا ترى أنها تشبه في المعنى لا ولكنها أوكد تقول: لن يكرمك زيد معناه:كأنه كان يطمع في إكرامه فنفيت ذاك ووكَّدت النفي بلن فكانت أوجب من لا)) (٢)
فالخليل بن أحمد هو أول من قال بتأكيد النفي بلن وأبان بأنها تشبه لا في إفادة النفي ولكنها تتميَّز عن لا بأنها آكد من أختها لا في هذا الباب، وكرر هذا المعنى ثلاث مرات ((ولكنها أوكد)) ((فنفيت عنه ووكدت النفي)) ((فكانت أوكد من لا))
فكان الحق على متأخري النحاة أن يخالفوا الخليل في القول بتوكيد النفي بلن كما خالفوه في القول بتركيبها من لا وأن، وينسبوا الخلاف له وليس للزمخشري المتابع للخليل
стр. 5422
وبما أن سيبويه لم يشر في كتابه إلى قضية توكيد النفي بلن من عدمه، فلذلك أظنُّ -والله أعلم- أن ابن عصفور وأبا حيان لم يعلما برأي الخليل فيها، وأظن أنهما لم يطّلعا على مادة (لن) في كتابي العين، وتهذيب اللغة، واطّلع عليها الزمخشري في أحدهما، أو في كليهما؛ فلذلك أفاد منها الزمخشري، ولم يفد منها الأندلسيون، ولعل مما يؤيد ما ذهبتُ إليه أن ابن سيده -الأندلسي -لم يشر إلى رأي الخليل في كتابيه المحكم (١) ، والمخصص (٢) بل نقل في المحكم كلام ابن حني في سر صناعة الإعراب عن لن بنصّه (٣) وهما من أهم الكتب المعاجم المتداولة في بلاد الأندلس
стр. 5423
ثم إن أبا حيان لم يكن مصرّاً على مخالفة الزمخشري في قضية توكيد النفي بلن بل كان في البحر المحيط كثيراً ما يوافقه على ذلك قال: ((لن نفي لما دخلت عليه أداة الاستقبال، ولا نفي للمضارع الذي يراد به الاستقبال فلن أخص؛ إذ هي داخلة على ما ظهر فيه دليل الاستقبال لفظاً؛ ولذلك وقع الخلاف في لا هل تختص بنفي المستقبل أم يجوز أن تنفي بها الحال، وظاهر كلام سيبويه ﵀ هنا أنها لا تنفي الحال ٠٠٠فإذا تقرر هذا الذي ذكرناه كان الأقرب من هذه الأقوال قول الزمخشري أوّلاً من أن فيها توكيداً وتشديداً؛ لأنها تنفي ما هو مستقبل بالأداة، بخلاف لا فإنها تنفي المراد به الاستقبال مما لا أداة فيه تخلصه له؛ ولأن لا قد ينفى بها الحال قليلاً فلن أخص بالاستقبال، وأخصّ بالمضارع؛ ولأن (ولن تفعلوا (أخصر من ولا تفعلون؛ فلهذا كله ترجّح النفي بلن على النفي بلا)) (١) فهو هنا وافق الزمخشري صراحة ((فإذا تقرر هذا الذي ذكرناه كان الأقرب من هذه الأقوال قول الزمخشري أوّلاً من أن فيها توكيداً وتشديداً)) وعللّ ذلك باختصاص لن بنفي ما هو مستقبل بالأداة، وباختصاصها بالمضارع بخلاف لا التي لايختص بها المضارع، وقد ينفى بها المضارع المراد به الحال أيضاً ٠
وقال أيضاً ((وكان حرف النفي لن الذي هو أبلغ في الاستقبال من لا إشعاراً بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم وشوكتهم كالآيسين من النصر)) (٢) ، وقال أيضاً: في قوله تعالى: (قال إنك لن تستطيع معي صبراً ((٣) : ((ونفى الخضر استطاعة الصبر معه على سبيل التأكيد)) (٤)
وقال أيضاً (( (لن تتبعونا (وأتى بصيغة لن وهي للمبالغة في النفي)) (٥)
стр. 5424
وكذلك الحال مع ابن هشام إذ أومأ إلى توكيد النفي بلن في المغني في أثناء حديثه عن السين قال: ((وزعم الزمخشري أنها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ولم أر من فهم وجه ذلك، ووجه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتضٍ لتوكيده وتثبيت معناه، وقد أومأ إلى ذك في سورة البقرة فقال: (فسيكفيكهم الله ((١) ومعنى السين إن ذلك كائن لا محالة، وإنْ تأخر إلى حينٍ، وصرّح به في سورة براءة فقال في: (أولئك سيرحمهم الله ((٢) السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة؛ فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد إذا قلت: سأنتقم منك)) (٣)
وقال أيضاً: ((إن الزمخشري قال في (أولئك سيرحمهم الله (أن السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة فهي مؤكدة للوعد، واعترضه بعض الفضلاء (٤) بأن وجود الرحمة مستفاد من الفعل لا من السين، وبأن الوجوب المشار إليه بقوله لا محالة لا إشعار للسين به، وأجيب بأن السين موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخر، فإذا كان المقام ليس مقام تأخر لكونه بشارة تمحَّضت لإفادة الوقوع، وبتحقق الوقوع يصل إلى درجة الوجوب)) (٥)
стр. 5425
فابن هشام يميل إلى رأي الزمخشري في أن السين الداخلة على المضارع تفيد توكيده، والسين إنما تدخل على المضارع وهو مثبت؛ وبما أن لن نقيضة السين، والسين تفيد التوكيد في حال الإثبات فلا بدَّ أن يكون نفي المؤكد مؤكداً أيضاً، ودفاع ابن هشام عن الزمخشري ضد أبي حيّان دليل على قناعته بقول الزمخشري في أن السين تؤ كد الفعل المضارع الذي اتصلت به في المحبوب والمكروه٠
المطلب الثالث:رأي المؤيدين له:
وافق الزمخشري على القول بتأكيد النفي بلن طائفة عريضة من النحاة منهم ابن الخباز قال: ((وأما لن فمعناها: النفي المؤكّد تقول: لا أبرح مكاني فإذا بالغت قلت: لن أبرح، وفي التنزيل: (لن تراني (؛ لأنه لم يره)) (١) ، ومنهم المنتجب الهمداني قال: ((لن ولا أختان في نفي المستقبل غير أن لن موضوع للتوكيد والتشديد يقول القائل: لا أفعل كذا، فإن أنكر عليه قال لن أفعل)) (٢) ، ومنهم الرضي إذ قال: ((قوله ولن معناها نفي المستقبل هي تنفي المستقبل نفياً مؤكداً وليس للدوام والتأبيد)) (٣) ،ومنهم القواس الذي قال عن لن: ((النفي بها أبلغ من النفي بلا، وإن اشتركا في نفي المستقبل؛ لأنه إذا قيل: لا أكرمك،فإذا قصد التوكيد قيل: لن أكرمك)) (٤) ، ومنهم الأسفراييني قال: ((لن ومعناها نفي المستقبل نحو: (لن أبرح الأض (وهي أوكد من لا)) (٥) ، ومنهم الإربلي قال: ((هي للتأكيد؛لأنها آكد في النفي من لا لقوله تعالى في مجرد النفي (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ((٦) وفي المبالغة والتأكيد (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ((٧)) ) (٨) ، ومنهم الموزعي: ((وزعم في المفصل والكشاف أنها تفيد تأكيد النفي، وبه قال ابن
стр. 5426
الخباز، وما ادعاه من التأكيد حسن قريب، وربما أعطاه كلام سيبويه حيث قال: لا نفي لقولك يفعل، ولن نفي لقولك سيفعل)) (١) ، ومنهم الزركشي قال: ((وهي في نفي المستقبل آكد من لا وقوله تعالى (فلن أبرح الأرض (آكد من من قوله (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ()) (٢) ، ومنهم السيوطي قال: ((ووافقه على إفادة التأكيد جماعة منهم ابن الخباز بل قال بعضهم إن منعه مكابرة؛ فلذا اخترته دون التأبيد)) (٣) وقال أيضاً: ((وذكر الزمخشري في المفصل وغيره أن النفي بها آكد من النفي بلا)) (٤) ، ومنهم أبوالسعود الحنفي الذي قال: ((كلمة لن لنفي المستقبل ك (لا) ، خلا، أن في لن زيادة تأكيد وتشديد)) (٥)
ومنهم الصبان قال: ((وافقه على التأكيد كثيرون)) (٦)
المبحث الثاني: لن الزمخشرية
كثيراً ما يسمع المرء عبارة (لن الزمخشرية) ، والمراد بها في اعتقاد قائلها -والله أعلم - النفي المستمر أو الدائم، وهنا سنحاول بحث هذه الفكرة من جميع جوانبها وفق المطالب التالية:
المطلب الأول: القول بتأبيد النفي بلن
في الحق أن مسألة تأبيد النفي بلن كانت متداولة عند المعتزلة قبل ميلاد الزمخشري بزمنٍ إذ وجدت أقوالاً عديدة لرؤسائهم يذهبون فيها إلى القول بتأبيد النفي بلن منهم الجبّان، والخطيب الإسكافي، والقاضي عبد الجبار، والشريف المرتضى، وهؤلاء عاشوا في القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس، والذي يظهر لي أن الزمخشري تلقفها منهم، ولم يكن ابن بجدتها كما مفهوم عند كثير الناس ٠
قال الجبَّان في تفسير قول الشاعر:
стр. 5427
ولن يراجعَ قلبي حبَّهم أبداً زَكِنْتُ من بغضهم مثلَ الذي زَكِنُوا (١)
((أي نحن متباغضون، يبغضوننا ونبغضهم، ويعادوننا ونعاديهم، وأكد أمر العداوة بأن وصفها بأنها لا تزول أبداً؛ لأن لن تفيد نفي الشيء في المستقبل أبداً)) (٢)
فهو هنا يصرَّح بأن لن تنفي المستقبل أبداً، والجبَّان من أصحاب أبي علي الفارسي، وهو من ندماء الصاحب بن عباد وقرناء ابن جني، وأبي علي المرزوقي شارح الحماسة، ولم تعيِّنْ كتب التراجم سنة وفاته، وإنما تذكر أنه كان حياً عام ٤١٦هـ، قال الصاحب ابن عبّاد: ((فاز بالعلم من أصبهان ثلاثةٌ: حائكٌ وحلاَّجٌ وإسكافٌ)) (٣) فالحائك أبو عليّ المرزوقي، والإسكاف هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب، والحلاّج هو أبو منصور بن ماشدة وهو الجبّان ٠
والصاحب ابن عباد توفي عام ٣٨٦هـ، وأبو منصور الجبان في ذلك التاريخ كان فائزاً بالعلم، وكان رأساً من المعدودين المشار إليهم وكان يوازن بالمرزوقي
وقال الخطيب الإسكافي - المتوفي سنة -٤٢٠-في شرح قوله تعالى (ولن يتمنوه أبداً بما قدَّمت أيديهم (: ((ووجب أن يكون ما يبطل تمني الموت المؤدي إلى بطلان شرطهم أقوى ما يستعمل في بابه وأبلغه في معنى ما ينتفي شرطهم به، وكان ذلك بلفظ لن التي هي للقطع والبتات ثم أكَّد بقوله أبداً ليبطل تمني الموت الذي يبطل دعواهم بغاية ما يبطل به)) (٤)
стр. 5428
وقال الشريف المرتضى في تأويل آية الأعراف: ((وقد استدلَّ بهذه الآية كثير من العلماء الموحدين على أنه لايرى بالأبصار من حيث نفى الرؤية نقياً عاماً بقوله (لن تراني (ثم أكَّد ذلك بأن علَّق الرؤية باستقرار الجبل الذي علمنا أنه لم يستقر)) (١)
وقال أيضاً ((فأما قوله في قصة موسى ﵇: (إنك لن تستطيع معي صبراً (فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل، ولا يدل على أنه غير مستطيع للصبر في الحال)) (٢))
والزمخشري مولود عام: ٤٦٧ هـ، وتوفي عام ٥٣٨هـ أي أن الزمخشري ولد بعد وفاة هؤلاء بما يقارب نصف قرن ٠
فعلى هذا يكون القول بتأبيد النفي بلن معروفاً عند أهل المشرق الإسلامي في القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس قبل أن يولد الزمخشري بما يزيد على نصف قرن من الزمان، وقد يكون الجبّان وأقرانه مسبوقين أيضاً بهذه الفكرة، ولا سيما أن طغيان الاعتزال كان قبل هذا الوقت أيام المأمون والمعتصم، ورؤساؤهم الكبار المعدودين فيهم عاشوا قبل زمن الجبّان والمرتضي ٠
واستمر القول بهذه العبارة في زمن الزمخشري، وعند طلابه أيضاً؛ إذ نجد الطَّبَرْسِيَّ يقول بتأبيد النفي بلن وهو من أقران الزمخشري سناً وعلماً، قال في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ((٣) : ((أي ولن تأتوا بسورة مثله أبداً؛ لأن لن تنفي على التأبيد في المستقبل)) (٤)
وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: (قال لن تراني ((٥) : ((هذا جواب من الله تعالى، ومعناه لا تراني أبداً؛ لأن لن ينفي على وجه التأبيد كما قال (ولن يتمنّوه أبداً ((٦) وقال (ولن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ((٧)) ) (٨)
стр. 5429
فالطبرسي يؤكد أن لن حرف ينفي المستقبل على وجه التأبيد، والطَّبَرْسِيُّ شيعي إمامي، كان في زمن الزمخشري إذ ولد عام ٤٦٢ هـ في طَبَرْستان، وتوفي عام ٥٤٨هـ على الأرجح، والزمخشري كما سبق ولد عام ٤٦٧ هـ، وتوفي عام ٥٣٨هـ، وألف الطبرسيُّ كتابه هذا قبل أن يطلَّع على الكشاف؛ إذ فرغ من تأليفه عام ٥٣٦ هـ وكتابه مجمع البيان مستمدٌّ من كتاب البيان لمحمد بن الحسن بن علي الطوسي، ثم لمَّا اطلع الطَّبَرْسِيُّ على كشاف الزمخشري أعجبه أيَّما إعجاب فصنَّف كتاباً آخر أسماه: جامع الجوامع ليكون جامعاً بين فوائد البيان للطوسي والكشاف للزمخشري
ولو قال قائل: إن هذه المسألة - أعني القول بتأبيد النفي بلن - كانت منتشرةً عند الشيعة الإمامية، وعند المعتزلة في عصر الزمخشري لم يكن مجانباً للصواب ٠
ويقول الخاروني الشوكاني وهو أحد تلامذة الزمخشري: ((لن وهي للنفي على التأبيد، ولردّ قول من يقول: سيقوم زيد، وسوف يقوم زيد، نحو لن يقوم زيد)) (١)
فهذا الخاروني تلميذ الزمخشري ينصُّ علىأن لن تفيد تأبيد النفي، وليس بمستغرب أن يكون تلقَّفها من شيخه الزمخشري في دروسه التي كان يلقيها على تلامذته، ولا سيما أن فكرة تأبيد النفي بلن كانت معروفة عند أهل المشرق الإسلامي كما رأينا قبل قليل وكانوا على علم وبصيرة سابقة بها ٠
стр. 5430
ويقول صدر الأفاضل - وهو أحد شرَّاح المفصل-: ((قال الشيخ ينبغي أن تعلم أن النفي بها لا يكون للتأبيد، لكنه يكون أشد وأبلغ منه في لا، واستدلَّ لذلك باستعمالهم إيَّاها مع التقييد واستشهد بقوله تعالى (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ((١) ولك أن تقول: ما المانع من أن تكون للتأبيد، ويستعمل مع التقييد؟ ألا ترى أنك لو قرنتها بلفظة التأبيد لم يمنع من التقييد أيضاً مثاله قولك:لن أخرج أبداً حتى يأذن لي الأمير، وقال تعالى: (إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها ((٢) وهذا تقييد مع التأبيد)) (٣)
فصدر الأفاضل ينقل نصّاً من الشيخ ولا أعلم من هذا الشيخ الذي أومأ إليه، أهو عبد القاهر الجرجاني الذي يقوم صدر الأفاضل في النص السابق بشرح كتابه الجمل في النحو، أم يريد شيخاً آخر غيره من علماء المشرق، فصدر الأفاضل ينافح عن فكرة تأبيد النفي بلن ويرد قول الشيخ المانع من تأبيد النفي بلن، ويجيز مجيء لن للتأبيد مع التقييد، ويجب ألا يغيب عن البال أن صدر الأفاضل أحد شرّاح المفصل
ونقل محقق التخمير عن حاشية كُتبتْ على إحدى نسخه الخطية ما يلي: ((جاء في هامش نسخة ب: (ح) ابن الدهان أبو الحسن عن الخليل في كتاب الأدوات أن لن كلمة تؤكد الجحد في المستقبل، فإذا قلت: لن أفعل فقد أكدت على نفسك أنك لا تفعله أبداً، وقال في تفسير لن إنه يخلِّص الفعل للمستقبل وينفيه، وذلك في قولك لن يذهب زيد أبداً إذا قال قائل: سيذهب زيد غداً)) (٤)
من خلال النص السابق نلمح أن كلمة (أبداً) تكررت مرتين، الأولى منهما تُشْكِلُ؛ لأنها جاءت في سياق تفسير معنى لن من غير أن يكون المتكلم قد نصَّ على الأبد في كلامه، بخلاف كلمة (أبداً) الثانية إذ جاء ت منصوصاً عليها في المثال من المتكلِّم ٠