← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

الخباز، وما ادعاه من التأكيد حسن قريب، وربما أعطاه كلام سيبويه حيث قال: لا نفي لقولك يفعل، ولن نفي لقولك سيفعل)) (١) ، ومنهم الزركشي قال: ((وهي في نفي المستقبل آكد من لا وقوله تعالى (فلن أبرح الأرض (آكد من من قوله (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ()) (٢) ، ومنهم السيوطي قال: ((ووافقه على إفادة التأكيد جماعة منهم ابن الخباز بل قال بعضهم إن منعه مكابرة؛ فلذا اخترته دون التأبيد)) (٣) وقال أيضاً: ((وذكر الزمخشري في المفصل وغيره أن النفي بها آكد من النفي بلا)) (٤) ، ومنهم أبوالسعود الحنفي الذي قال: ((كلمة لن لنفي المستقبل ك (لا) ، خلا، أن في لن زيادة تأكيد وتشديد)) (٥) ومنهم الصبان قال: ((وافقه على التأكيد كثيرون)) (٦) المبحث الثاني: لن الزمخشرية كثيراً ما يسمع المرء عبارة (لن الزمخشرية) ، والمراد بها في اعتقاد قائلها -والله أعلم - النفي المستمر أو الدائم، وهنا سنحاول بحث هذه الفكرة من جميع جوانبها وفق المطالب التالية: المطلب الأول: القول بتأبيد النفي بلن في الحق أن مسألة تأبيد النفي بلن كانت متداولة عند المعتزلة قبل ميلاد الزمخشري بزمنٍ إذ وجدت أقوالاً عديدة لرؤسائهم يذهبون فيها إلى القول بتأبيد النفي بلن منهم الجبّان، والخطيب الإسكافي، والقاضي عبد الجبار، والشريف المرتضى، وهؤلاء عاشوا في القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس، والذي يظهر لي أن الزمخشري تلقفها منهم، ولم يكن ابن بجدتها كما مفهوم عند كثير الناس ٠ قال الجبَّان في تفسير قول الشاعر:

стр. 5427

ولن يراجعَ قلبي حبَّهم أبداً زَكِنْتُ من بغضهم مثلَ الذي زَكِنُوا (١) ((أي نحن متباغضون، يبغضوننا ونبغضهم، ويعادوننا ونعاديهم، وأكد أمر العداوة بأن وصفها بأنها لا تزول أبداً؛ لأن لن تفيد نفي الشيء في المستقبل أبداً)) (٢) فهو هنا يصرَّح بأن لن تنفي المستقبل أبداً، والجبَّان من أصحاب أبي علي الفارسي، وهو من ندماء الصاحب بن عباد وقرناء ابن جني، وأبي علي المرزوقي شارح الحماسة، ولم تعيِّنْ كتب التراجم سنة وفاته، وإنما تذكر أنه كان حياً عام ٤١٦هـ، قال الصاحب ابن عبّاد: ((فاز بالعلم من أصبهان ثلاثةٌ: حائكٌ وحلاَّجٌ وإسكافٌ)) (٣) فالحائك أبو عليّ المرزوقي، والإسكاف هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب، والحلاّج هو أبو منصور بن ماشدة وهو الجبّان ٠ والصاحب ابن عباد توفي عام ٣٨٦هـ، وأبو منصور الجبان في ذلك التاريخ كان فائزاً بالعلم، وكان رأساً من المعدودين المشار إليهم وكان يوازن بالمرزوقي وقال الخطيب الإسكافي - المتوفي سنة -٤٢٠-في شرح قوله تعالى (ولن يتمنوه أبداً بما قدَّمت أيديهم (: ((ووجب أن يكون ما يبطل تمني الموت المؤدي إلى بطلان شرطهم أقوى ما يستعمل في بابه وأبلغه في معنى ما ينتفي شرطهم به، وكان ذلك بلفظ لن التي هي للقطع والبتات ثم أكَّد بقوله أبداً ليبطل تمني الموت الذي يبطل دعواهم بغاية ما يبطل به)) (٤)

стр. 5428

وقال الشريف المرتضى في تأويل آية الأعراف: ((وقد استدلَّ بهذه الآية كثير من العلماء الموحدين على أنه لايرى بالأبصار من حيث نفى الرؤية نقياً عاماً بقوله (لن تراني (ثم أكَّد ذلك بأن علَّق الرؤية باستقرار الجبل الذي علمنا أنه لم يستقر)) (١) وقال أيضاً ((فأما قوله في قصة موسى ﵇: (إنك لن تستطيع معي صبراً (فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل، ولا يدل على أنه غير مستطيع للصبر في الحال)) (٢)) والزمخشري مولود عام: ٤٦٧ هـ، وتوفي عام ٥٣٨هـ أي أن الزمخشري ولد بعد وفاة هؤلاء بما يقارب نصف قرن ٠ فعلى هذا يكون القول بتأبيد النفي بلن معروفاً عند أهل المشرق الإسلامي في القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس قبل أن يولد الزمخشري بما يزيد على نصف قرن من الزمان، وقد يكون الجبّان وأقرانه مسبوقين أيضاً بهذه الفكرة، ولا سيما أن طغيان الاعتزال كان قبل هذا الوقت أيام المأمون والمعتصم، ورؤساؤهم الكبار المعدودين فيهم عاشوا قبل زمن الجبّان والمرتضي ٠ واستمر القول بهذه العبارة في زمن الزمخشري، وعند طلابه أيضاً؛ إذ نجد الطَّبَرْسِيَّ يقول بتأبيد النفي بلن وهو من أقران الزمخشري سناً وعلماً، قال في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ((٣) : ((أي ولن تأتوا بسورة مثله أبداً؛ لأن لن تنفي على التأبيد في المستقبل)) (٤) وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: (قال لن تراني ((٥) : ((هذا جواب من الله تعالى، ومعناه لا تراني أبداً؛ لأن لن ينفي على وجه التأبيد كما قال (ولن يتمنّوه أبداً ((٦) وقال (ولن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ((٧)) ) (٨)

стр. 5429

فالطبرسي يؤكد أن لن حرف ينفي المستقبل على وجه التأبيد، والطَّبَرْسِيُّ شيعي إمامي، كان في زمن الزمخشري إذ ولد عام ٤٦٢ هـ في طَبَرْستان، وتوفي عام ٥٤٨هـ على الأرجح، والزمخشري كما سبق ولد عام ٤٦٧ هـ، وتوفي عام ٥٣٨هـ، وألف الطبرسيُّ كتابه هذا قبل أن يطلَّع على الكشاف؛ إذ فرغ من تأليفه عام ٥٣٦ هـ وكتابه مجمع البيان مستمدٌّ من كتاب البيان لمحمد بن الحسن بن علي الطوسي، ثم لمَّا اطلع الطَّبَرْسِيُّ على كشاف الزمخشري أعجبه أيَّما إعجاب فصنَّف كتاباً آخر أسماه: جامع الجوامع ليكون جامعاً بين فوائد البيان للطوسي والكشاف للزمخشري ولو قال قائل: إن هذه المسألة - أعني القول بتأبيد النفي بلن - كانت منتشرةً عند الشيعة الإمامية، وعند المعتزلة في عصر الزمخشري لم يكن مجانباً للصواب ٠ ويقول الخاروني الشوكاني وهو أحد تلامذة الزمخشري: ((لن وهي للنفي على التأبيد، ولردّ قول من يقول: سيقوم زيد، وسوف يقوم زيد، نحو لن يقوم زيد)) (١) فهذا الخاروني تلميذ الزمخشري ينصُّ علىأن لن تفيد تأبيد النفي، وليس بمستغرب أن يكون تلقَّفها من شيخه الزمخشري في دروسه التي كان يلقيها على تلامذته، ولا سيما أن فكرة تأبيد النفي بلن كانت معروفة عند أهل المشرق الإسلامي كما رأينا قبل قليل وكانوا على علم وبصيرة سابقة بها ٠

стр. 5430

ويقول صدر الأفاضل - وهو أحد شرَّاح المفصل-: ((قال الشيخ ينبغي أن تعلم أن النفي بها لا يكون للتأبيد، لكنه يكون أشد وأبلغ منه في لا، واستدلَّ لذلك باستعمالهم إيَّاها مع التقييد واستشهد بقوله تعالى (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ((١) ولك أن تقول: ما المانع من أن تكون للتأبيد، ويستعمل مع التقييد؟ ألا ترى أنك لو قرنتها بلفظة التأبيد لم يمنع من التقييد أيضاً مثاله قولك:لن أخرج أبداً حتى يأذن لي الأمير، وقال تعالى: (إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها ((٢) وهذا تقييد مع التأبيد)) (٣) فصدر الأفاضل ينقل نصّاً من الشيخ ولا أعلم من هذا الشيخ الذي أومأ إليه، أهو عبد القاهر الجرجاني الذي يقوم صدر الأفاضل في النص السابق بشرح كتابه الجمل في النحو، أم يريد شيخاً آخر غيره من علماء المشرق، فصدر الأفاضل ينافح عن فكرة تأبيد النفي بلن ويرد قول الشيخ المانع من تأبيد النفي بلن، ويجيز مجيء لن للتأبيد مع التقييد، ويجب ألا يغيب عن البال أن صدر الأفاضل أحد شرّاح المفصل ونقل محقق التخمير عن حاشية كُتبتْ على إحدى نسخه الخطية ما يلي: ((جاء في هامش نسخة ب: (ح) ابن الدهان أبو الحسن عن الخليل في كتاب الأدوات أن لن كلمة تؤكد الجحد في المستقبل، فإذا قلت: لن أفعل فقد أكدت على نفسك أنك لا تفعله أبداً، وقال في تفسير لن إنه يخلِّص الفعل للمستقبل وينفيه، وذلك في قولك لن يذهب زيد أبداً إذا قال قائل: سيذهب زيد غداً)) (٤) من خلال النص السابق نلمح أن كلمة (أبداً) تكررت مرتين، الأولى منهما تُشْكِلُ؛ لأنها جاءت في سياق تفسير معنى لن من غير أن يكون المتكلم قد نصَّ على الأبد في كلامه، بخلاف كلمة (أبداً) الثانية إذ جاء ت منصوصاً عليها في المثال من المتكلِّم ٠

стр. 5431

ومن هنا فإن ما ذكره أبو الحسن عن الخليل في كتاب الأدوات مشكل أيضاً،إذ يجوز أن تكون هذه العبارة هي التي استقى منها القائلون بتأبيد النفي بلن مذهبهم وساروا عليه ولا نعلم من أبو الحسن هذا؟ أهوأحد الأخافشة؟ أم هو الرماني؟ أم غيرهم، ثم يقال هل للخليل كتاب يقال له الأدوات؟ كلُّ ذلك لا نجد له إجابة الآن، وإنما نقول: إن القوم قبل الزمخشري كانوا على علمٍ ودراية بمقولة تأبيد النفي بلن ٠ ويقول ابن يعيش: ((اعلم أن لن معناها النفي، وهي موضوعة لنفي المستقبل، وهي أبلغ في نفيه من لا؛ لأن لا تنفي يفعل إذا أريد به المستقبل، ولن تنفي فعلاً مستقبلاً قد دخل عليه السين أو سوف، وتقع جواباً لقول القائل سيقوم زيد، وسوف يقوم زيد، والسين وسوف تفيدان التنفيس في الزمان؛ فلذلك يقع نفيه على التأبيد وطول المدة نحو قوله تعالى (ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم ((١) ، وكذلك قول الشاعر: ولن يراجع قلبي حبَّهم أبداً زَكِنْتُ من بغضهم مثل الذي زَكِنُوا (٢) فذكر الأبد بعد لن تأكيداً لما تعطيه لن من النفي الأبدي، ومنه قوله تعالى: (لن تراني ((٣) ولم يلزم منه عدم الرؤية في الآخرة؛ لأن المراد:إنك لن تراني في الدنيا؛ لأن السؤال وقع في الدنيا، والنفي على حسب الإثبات)) (٤) ويقول السكاكي: ((ولن وهو لنفي سيفعل، وأنه لتأكيد النفي في الاستقبال، وقد أشير إلى أنه لنفي الأبد)) (٥) ، فالسكاكي يقطع بالتأكيد، ويلّمح بالتأبيد؛ لأنه لم يعترض عليه، وكأنه يقول لامانع من أن يجتمع في لن التأكيد والتأبيد فيكون النفي أبداً مؤكداً٠

стр. 5432

ويقول ابن عطية: ((وقوله (لن تراني (نصٌّ من الله تعالى على منعه الرؤية في الدنيا، ولن تنفي الفعل المستقبل، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده لقضينا أنه لا يراه أبداً ولا في الآخرة، لكن وَرَدَ من جهة أخرى بالحديث المتواتر أن أهل الجنة يرون الله تعالى يوم القيامة فموسى ﵇ أحرى برؤيته)) (١) فابن عطية يرى أن البقاء على أصل الوضع اللغوي في لن يمنع رؤية المؤمنين ربهم مطلقاً؛ لأنها -كما فهم - للنفي المؤبد، ولكنه يقرر أن رؤية المؤمنين ربهم في الآخر ثابتة بسبب أمر خارج عن الوضع اللغوي ل (لن) وهو الحديث المتواتر ٠ ويقول الفاكهي: ((محل الخلاف في أنها هل تقتضي التأبيد أم لا فيما إذا أُطلق النفي أو قُيِّد بالتأبيد، أما إذا قيّد بغيره نحو (فلن أكلم اليوم أنسياً (فلا خلاف بينهم في أنها لاتفيده، فقد ظهر أن من ردَّ على الزمخشري في قوله بتأبيد النفي بهذه الآية وشبهها مما قيّد فيه نفيها منفيها بغير التأبيد ليس على تحقيق المسألة)) (٢) ويقول يس العليمي: ((وانتصر الحفيد للزمخشري فقال: واعلم أن قول النحويين لن ليست لتأبيد النفي مع أنها لنفي سيفعل متناقض؛ وذلك لأن سيفعل مطلق، ونقيضه لن يفعل الدائمة، فلو لم تكن لتأبيد النفي لم يكن قولنا لن يفعل نقيضاً لقولهم سيفعل؛ لأنه على ما قالوه من عدم التأبيد يجوز أن يكون النفي على حالةٍ والإثبات على أخرى، فالحق أنها لتأبيد النفي كما ذكره الزمخشري لاسيما ومدلولات الألفاظ ليست راجعة إلى اعتقاد أحد)) (٣) ثم ردّ يس العليمي على الحفيد بما يطول ذكره فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه في موضعه ٠

стр. 5433

ويقول الأسفندري - وهو أحد شرّاح المفصل-: ((قال ﵁: فصل ولن لتأكيد ما تعطيه لا إلى آخره (حم) قال صاحب الكتاب: لن ك (لا) في النفي إلا أن في لن معنى التأكيد وليس كما يزعم القوم أنها للتأبيد؛ إذ لو كانت كذلك لما جاز فيه التحديد كما في الآية التي تليت عليك)) (١) والأسفندري يرمز ب (حم) لحاشيةٍ على المفصل منسوبةٍ للزمخشري نفسه، فلئن صحَّت نسبة الحاشية إليه فذلك إما براءةٌ مما نسب إليه، أو رجوع منه عما كان يعتقده٠ وقدكتب الأستاذ الدكتور أحمد عبد اللاه هاشم بحثاً عنوانه (قضية لن بين الزمخشري والنحويين) في ستٍ وأربعين صحيفة من القطع المتوسط ونشره في دار التوفيقيةبمصر عام ١٩٧٩م ذهب في بحثه إلى أن تحريفاً وقع في بعض نسخ الأنموذج للزمخشري إذ يرى أن كلمة تأكيد تحرفت إلى تأبيد في بعض النسخ، لاسيما أن رسم الكلمتين متقارب، فبينهما ما يسمّى الجناس اللاحق، ثم حمل عليه معارضوه، وساعدهم على ذلك سوء معتقد الرجل ٠ وأقول: الذي يظهر لي -والله أعلم - أن الرجل قد كتبها في النسخ القديمة من أنموذجه (التأبيد) ولم يقع في بعض النسخ تحريف، كما ذهب إليه الدكتور أحمد هاشم، ثم طارت تلك النسخ مع تلامذتة في الآفاق، وعزاها إلية ابن مالك وغيره بناء على تلك النسخ، والمعروف عن الزمخشري أنه كان باقعة في الدهاء فخشي ألا يُنْظَرَ في كتابه إن أبقاها، فغيَّرها في النسخ اللاحقة إلى تأكيد، ولاسيما أنَّ له في مثل هذا العمل سابقةً، إذ يُرْوَى أنه افتتح كتابه الكشاف بقوله: ((الحمد لله الذي خلق القرآن)) (٢) فقيل له: إنْ أبقيتها لم ينظر أحد في كتابك فغيّرها المطلب الثاني رأي الزمخشري

стр. 5434

يُنسب إلى الزمخشري - كما ذكرنا في المبحث السابق- القولُ بتأبيد النفي بلن في إحدى نسخ الأنموذج قال الأربلي (١) : ((قال -أي الزمخشري في الأنموذج- ولن نظيرة لا في نفي المستقبل ولكن على التأكيد، أقول: إذا أردت نفي المستقبل مطلقاً قلت:لا أضرب مثلاً، وإذا أردت نفيه مع التأكيد قلت لن أضرب مثلاً، وفي بعض النسخ للتأبيد بدل قوله للتأكيد)) (٢) وقال الموستاري (٣)

стр. 5435

وهو من شرّاح الأنموذج المتأخرين: ((تقول لا أبرح اليوم مكاني، فإذا وكَّدت وشددت قلت: لن أبرح اليوم مكاني قال تعالى: (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ((١) وقال: (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ((٢) ، وقد وقع في بعض النسخ التأبيد بدل التأكيد وهو مبني على مذهب أهل الاعتزال)) (٣) وقال ابن مالك: ((ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأبيد النفي بلن وهو الزمخشري في أنموذجه)) (٤) ، وقال ابنه بدر الدين: ((وذكر الزمخشري في أنموذجه أن لن لنفي التأبيد)) (٥) هكذا جاء في شرح التسهيل بتقديم كلمة نفي على كلمة تأبيد مما جعل المعنى ينعكس. وقال أبو حيّان: ((ونقل ابن مالك أن الزمخشري خصَّ النفي بالتأبيد)) (٦) وقال ابن هشام: (لن وهي لنفي سيفعل ولا تقضي تأبيداً ولا تأكيداً خلافاً للزمخشري)) (٧) ، وقال أيضاً ((لن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق، ولا يقتضي تأبيداً، خلافاً للزمخشري في أنموذجه، ولا تأكيداً خلافاً له في كشافه)) (٨) ،وقال أيضاً: ((ولا تقتضي تأبيداً ولا تأكيداً خلافاً للزمخشري)) (٩) والذي بين أيدنا من الأنموذج ليس فيه ذكر للتأبيد قال: ((ولن نظيرة لا في نفي المستقبل ولكن على التأكيد)) (١٠)

стр. 5436

ويرى الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة ﵀ أن الزمخشري ذكر في كشافه تأكيد النفي بلن، كما ذكر تأبيده أيضاً، وألمح الشيخ عضيمة إلى أن أبا حيان في البحر المحيط قد وقع في مزالق الكشاف في بعض المواضع فتابع الزمخشري في ألفاظه الدالة على القول بتأكيد النفي بلن أوالدالة على القول بتأبيده، وهوما يخالف ما حذَّر منه في كتبه النحوية، قال الشيخ عضيمة: ((في الكشاف لن أخت لا إلا أن لن تنفيه نفياً مؤكداً وتأكيده هاهنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل منافٍ لأحوالهم كأنه قال محال أن يخلقوا)) (١) ثم نقل الشيخ عضيمة عبارة أبي حيان وهي: ((وهذا القول الذي قاله في لن هو المنقول عنه أن لن للنفي على التأبيد)) (٢) ، ومن العبارات التي وردت في الكشاف وفَهِمَ منها الشيخ عضيمة تأبيد النفي بلن ما يلي (كأنه محال أن يخلقوا) ، وعبارة: (إقناط من إيمانهم، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به للتوقع) وعبارة (فلا يكون منهم اهتداء البتة كأنه محال منهم لشدة تصميمهم) وعبارة: (وإنما جيء بلن الذي هو لتأكيد النفي للإشعار بأنهم لقلتهم وضعفهم، وكثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من النصر) وعبارة: (نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس) وأمثال هذه العبارات ٠ ومن العجب أن أبا حيان كثيراً ما كان يقع في مزالق الكشاف وينقل منه أمثال تلك العبارات السابقة الدالَّة على القول بتأبيد النفي بلن وقد تتبعه الشيخ عضيمة (٣) رحمه الله تعالى المطلب الثالث: رأي المعارضين

стр. 5437

نسب ابن مالك وأبو حيّان وغيرهما للزمخشري (١)

стр. 5438

القول بتأبيد النفي بلن قال ابن مالك: ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقولَه اردد وخلافَه اعضدا وشرح هذا البيت فقال: ((ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأبيد النفي بلن وهو الزمخشري في أنموذجه، وحامله على ذلك اعتقاده أن الله تعالى لا يرى، وهو اعتقاد باطل بصحة ذلك عن رسول الله ﷺ أعني ثبوت الرؤية جعلنا الله من أهلها، وأعاذنا من عدم الإيمان بها)) (١) وقال أيضاً: ((وينصب المضارع بلن مستقبلاً بحدٍّ وغير حدٍّ خلافاً لمن خصَّها بالتأبيد)) (٢) وردَّ ابن الجوزي على من يرى تأبيد النفي ب (لن) دون أن يعين القائل قال: ((قوله (لن تراني (تعلق بهذا نفاة الرؤية، وقالوا لن لنفي الأبد، وذلك غلط؛ لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله (ولن يتمنّوه أبداً بما قدّمت أيديهم ((٣) ثم أخبر عنهم بتمنيه في النار بقوله (يا مالك ليقض علينا ربّك ((٤) ؛ ولأن ابن عباس قال في تفسيرها: لن تراني في الدنيا)) (٥) ويقول القواس: ((وأما لن فلنفي المستقبل، وقيل:إنها لتأبيد النفي، ويبطله قوله تعالى: (ولن يتمنوه أبداً (لأنها لوكانت موضوعة للتأبيد لما احتيج إليه؛ ولأنها نزلت في حق اليهود، ونفي تمني الموت مختص بالدنيا؛ لأنهم يتمنونه في الآخرة بدليل قوله: (ليقض علينا ربك ()) (٦) ويقول أبو حيّان: ((ونقل ابن مالك أن الزمخشري خص النفي بالتأبيد)) (٧)

стр. 5439

ويقول ابن هشام: ((ولا تفيد لن توكيد النفي خلافاً للزمخشري في كشافه ولا تأبيده خلافاً له في أنموذجه وكلاهما دعوى بلا دليل)) (١) ، وقال أيضاً: ((لن وهي لنفي سيفعل ولا تقتضي تأبيد النفي ولا تأكيده خلافاً للزمخشري)) (٢) ، وقال أيضاً: ((ولن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق، ولا تقتضي تأبيداً خلافاً للزمخشري في أنموذجه، ولا تأكيداً خلافاً له في كشافه)) (٣) ويقول المرادي: ((ولا يلزم أن يكون نفيها مؤبداً خلافاً للزمخشري)) (٤) ، وقال أيضاً: ((فأما لن فحرف نفي ينصب المضارع، ويخلصه للاستقبال، ولا يلزم أن يكون مؤبداً خلافاً للزمخشري ذكر ذلك في أنموذجه)) (٥) ويقول ابن عقيل في شرح هذه العبارة ((وينصب المضارع بلن مستقبلاً بحد وبغير حد خلافاً لمن خصها بالتأبيد)) قال: ((وهو الزمخشري ذكر ذلك في الأنموذج)) (٦) وقال ابن الناظم: ((وذكر الزمخشري في أنموذجه أن لن لنفي التأبيد)) (٧) ، هكذا بتقديم كلمة نفي على كلمة التأبيد، والمعنى ينعكس حينئذٍ تماماً، ولعل المراد تأبيد النفي كما ذكر ذلك والده، ووردت هذه العبارة أيضاً بتقديم كلمة نفي على كلمة تأبيد عند ابن كثير في تفسير قوله تعالى (لن تراني (قال: ((وقد أشكل حرف النفي ههنا على كثير من العلماء؛لأنها موضوعة لنفي التأبيد ٠٠٠ وقيل إنها لنفي التأبيد في الدنيا)) (٨) ، بتكرار عبارة (نفي التأبيد) مرتين، وهذا أمر مشكل لو بقي على وضعه، ولكن يقال لعله خطأ طباعيٌّ أو سبق لسان من المصنف، أو تحريف من الناسخ ٠

стр. 5440

وكأن ابن كثير في استشكاله هذا يرى تأبيد النفي بلن؛ لأنه علل وجه الاستشكال بأن لن (موضوعة لنفي التأبيد) أي لتأبيد النفي، إذ لو كان على حسب عبارته (نفي التأبيد) لم يكن هناك إشكال، فأهل السنة -ومنهم ابن كثير - يرون أنها لا تفيد تأبيداً ٠ وحاول الزركشي الجمع بين الأقوال المتعارضة في مسألة إفادتها التأبيد من عدمه، إذ يرى أن التأبيد لا يدلُّ على الدوام فقال: ((وأما التأبيد فلا يدل على الدوام تقول: زيد يصوم أبداً، ويصلي أبداً، وبهذا يبطل تعلق المعتزلة بأن لن تدل على امتناع الرؤية، ولو نفى بلا لكان لهم فيه متعلق)) (١) ، وقال أيضاً: ((وليس معناها النفي على التأبيد خلافاً لصاحب الأنموذج بل النفي مستمر في المستقبل إلا أن يطرأ ما يزيله)) (٢) من خلال النصوص السابقة يمكننا القول إن النحاة قد انقسموا في مسألة تأبيد النفي بلن إلى مذهبين: أحدهما: وعليه ابن مالك وأبو حيان أن لن لا تقتضي تأبيد النفي إطلاقاً سواء أقيِّد منفيها بالأبد أم لم يقيد ٠ والثاني: أن لن تفيد تأبيد النفي بذاتها، ولكنهم خصُّوا الأبد في الدنيا فقط دون الآخرة، ومنهم ابن عطية، وابن يعيش، والزركشي وحفيد ابن هشام وغيرهم المبحث الثالث: لن عند أصحاب المعاني:

стр. 5441

ذهبت طائفة من أصحاب المعاني إلى أن (لن) تنفي الزمن القريب فقط، ولا يمتدُّ زمن منفيها؛ وعللوا ذلك بأن لها نصيباً من حروفها؛ إذ الحرف الأخير فيها نون؛ وهو مقطع أي: حرف صامت فكان لها نصيب منه، أما أختها في النفي (لا) فهي تنفي الزمن القريب والبعيد على السواء؛ وذلك لأن الحرف الأخير منها ألف؛ وهو حرف صائت يمتد به النفس عند النطق، فكان لها منه نصيب أيضاً قال السهيلي عن لن: ((ومن خواصها أنها تنفي ما قرب لا يمتدّ معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف (لا) إذا قلت:لا يقوم زيد أبداً ٠٠٠ فحرف (لا) لام بعدها ألف يمتد بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، ولن بعكس ذلك فتأمّله فإنه معنى لطيف، وغرض شريف)) (١) ، وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية: ((قلت لشيخنا أبي العباس ابن تيمية قدّس الله روحه: قال ابن جني مكثت برهة إذا ورد عليّ لفظ آخذ معناه من نفس حرفه وصفاته وجرسه وكيفية تركيبه، ثم أكتشفه كما ظننته أو قريباً منه فقال ﵀: وهذا كثيراً ما يقع لي، وتأمل حرف (لا) كيف تجدها لاماً بعدها ألف يمتدّ بها الصوت مالم يقطعه ضيق النفس فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و (لن) بعكس ذلك فتأمله فإنه معنى بديع)) (٢) ٠، وإلى هذا المعنى ذهب عبد الواحد الزَّمْلَكاني (٣)

стр. 5442

في كتابه التبيان في علم البيان (١) ، والزركشي (٢) وذهبت طائفة عريضة من النحاة إلى أن (لن) و (لا) أختان في نفي المستقبل القريب والبعيد على حد سواء، ولا فرق بينهما في امتداد زمن النفي، وليس لأحدهما فضل على الآخر في ذلك، وأن ما ذكره السهيلي ومن تابعه من التفريق بينهما في زمن النفي، وأن لكل واحد من الحرفين نصيب من حروفه ما هو إلا من خيالات البيانيين قال ابن عصفور: ((وهذا الذي ذهب إليه باطل، بل كل منهما يستعمل حيث يمتد النفي، وحيث لا يمتد، فمن الأول في لن (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً ((٣) (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ((٤) ، وفي لا: (إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ((٥) ، ومن الثاني: (فلن أكلم اليوم إنسياً ((٦) وفي لا: (أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام ()) (٧) (٨) وقال أبو حيان: ((ودعوى بعض أهل البيان أن لن لنفي ما قرب، ولا يمتد نفي الفعل فيها كما يمتد في النطق بلا من باب الخيالات التي لأهل البيان)) (٩) كما ذهب البيانيون أيضاً إلى أن العرب تنفي المظنون ب (لن) وتنفي المشكوك ب (لا) ، قال ذلك ابن الزملكاني (١٠) ، ولكي نقف على الفرق الدقيق بين الشك والظن لا بدّ من التعريف بهما وتلمس الفوارق الدقيقة بينهما

стр. 5443

فالشك هو: اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما؛ وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتن عنده في النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما، والشك ضرب من الجهل وأخص منه؛ لأن الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيضين رأساً فكل شكٍّ جهل ولا عكس، وإن كان طرف الوقوع وعدمه على السوية فهو الشك ٠ وإن كان أحد الطرفين راجحاً والآخر مرجوحاً، فالمرجوح وَهَماً، والراجح إن قارن إمكان الوقوع سمي ظناً، وإن لم يطابق سمي جهلاً مركباً ٠ والظن: هو: الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك ٠ وقيل الظن: أحد طرفي الشك بصفة الرجحان ٠ (١)

стр. 5444

ومن المعلوم عند البيانيين أن أضرب الخبر ثلاثة: ابتدائي، وطلبي، وإنكاري، وأن النفي أسلوب خبري ٠ وبعد الوقوف على هذه الفوارق بين الظن والشك، أستطيع القول إن ابن الزملكاني -وهو المهتم بعلم البيان - أراد تطبيق هذه القواعد على (لن ولا) فلحظ ما في لن من تأكيد النفي المناسب إلقاؤه على المتردد في تلقيه؛ إذ هي أشدُّ في النفي من لا وأوقع في نفس السامع فناسب جعلها للمظنون؛ لأن السامع كان يترجح في اعتقاده ثبات ما نفته لن؛ فجاءت لتؤكد نفي ما كان معتقِداً ثباته ٠ وأما ((لا)) فليس فيها شيء من التأكيد فناسب جعلها للشك الذي هو اعتدال النقيضين في نفس السامع وتساويهما عنده ٠ الحواشي والتعليقات

стр. 5445

أبو الحسن بن الباذِش الغرناطي وأثره النحوي الدكتور شريف عبد الكريم النجار أستاذ النحو والصرف المساعد في كلية المعلمين بالإحساء ملخص البحث يَتناولُ هذا البحث واحداً مِنْ الشَّخْصيّاتِ النَّحويّة الأندلسيّةِ التي كَانَ لها دورٌ بارزٌ في الحَياةِ العِلميّةِ في الأندلس في مُنتَصفِ القرنِ الخامسِ وأوائلِ القرن السادسِ الهجري، فَقد ساعدت هذه الشخصيّةُ على إثراءِ التراثِ النحوي في الأندلس،وذلك من خلال الصراعِ النحويّ الذي شهدته الأندلس،وكان بين اتجاهين: اتجاه يُنْقص من قيمة الفارسي وكتبِه، ويتزعّم هذا الاتّجاه ابنُ الطراوَةِ النحوي، وآخر يُقَدّرُ الفارسي وكتبه، وهو مَنْ عنى به هذا البحث،وهو أبُو الحَسَن بن الباذِش الغرناطي، وكلُّ اتجاهٍ منْهُما أيضاً يزعم أنّ ما فهمَه من عبارة سيبويه هو الصحيح. لم يَصِلنا مِنْ كتب أبي الحَسَن بن الباذِش سِوى قِطْعَةٍ صغيرةٍ من شَرْحِه على الجُمَلِ، نَقَلَها أبو حَيَّانَ الأنْدلسيّ في تَذْكِرةِ النُّحاةِ، كَما أنَّ هُناكَ مَجموعةً كبيرَةً مِنْ الآراءِ لابن الباذِشِ منثورة في كتب النحو، وقد اقتَصَرَ البَحْثُ على دراسَةِ آراءِ ابنِ الباذِشِ واخْتِياراتِه وتوجيهاتِه النحويّة،ولابن الباذِشِ آراءٌ واخْتِياراتٌ كثيرة في الصرفِ والقراءاتِ مَبْثوثةٌ في كتاب ولدِه أبي جعفر (الإقناع) . تَنَاوَلَ الباحِثُ في البدايةِ الحياة العِلمِيَّة في عصر ابن الباذِش،ثُمَّ عَرَضَ لحياةِ ابن الباذِش، فتَحَدَّث عن نشأتِه وشيوخِه وتلاميذِه وكتبه،وتناول بعد ذلكَ آراءَه واخْتِياراتِه وتوجيهاتِه النحوية، وتَحَدَّثَ عن خِلافِهِ مع ابن الطَّراوَة،وختم البحثَ بالحديث عن أبرز ما توصّل إليه البحث، ويتضمّن ذلك الحديث عن بعض ملامح نحوه.

стр. 5446

ورأى الباحثُ أنّ ابنَ الباذِشِ شخصيّةٌ نحويّةٌ لها آراؤها التي يتفرَّدُ بها، كمَا أنَّ لهذِه الشَّخصيَّةِ محاولاتٍ في فهم عبارة سيبويه،وقد يختلف في فهمه مع غيره من النحاة، كمَا أنَّ لهذه الشخصية اهتِمامٌ خاصّ بالعللِ النحويةِ التي يَرى أنّها تُساعِد على فهم القضية النخوية. مُقدِّمة الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على إمامِ الخَلقِ وسيِّدِ المُرْسَلين وعَلى آله الذين اهْتَدوا بهَدْيِه، وسَلَكُوا نَهْجَه وسُنَّتَه وصَحْبِه الذين اتَّبَعُوه ونَصَروه، وانتَشَروا في الأرْضِ داعين لِدِينِه، وبعد: فقد أَخَذَت العلومُ في الأنْدلسِ تَزْدَهِرُ في عصرٍ تَمزَّقَ فيه الأندلسُ، وتَفرّقَ أهلُه شِيَعاً، وانقسمَت أرضُه إلى مَمالكَ وطوائِفَ عِدّةٍ، وكانَ هذا في القرنين الخامسِ والسادسِ،ففي القرنِ الخامسِ وُجدَ مُلوكُ الطوائِفِ، وفي نهايةِ القرنِ الخامسِ وبِدايَةِ القرنِ السادسِ وُجِد المرابطون،فهي فترةُ انْتِقالٍ وتَحَوُّلٍ سِياسيٍّ لمْ تَخلُ مِنْ الاضطرابِ والفَوضى السياسيةِ وعدمِ الاستِقرارِ. وكانَ أهْلُ الأندلسِ قبلَ هذينِ القرنَيْن قد اهتمّوا بعلومِ أهلِ المَشرقِ، فارْتَحَلوا طلباً لها، وجَلبُوا مَا وَضَعَه علماءُ المشرقِ مَعَهُم، فتَدَارَسُوه ودَرَّسوه لأبنائهم،وكَانَ مِنْ ضِمْنِ هذه العلومِ علمُ النَّحوِ والصَّرْفِ والقراءاتِ والتفسيرِ والفقهِ وأصولِه والحديثِ وعلومِه. ...

стр. 5447

وأخَذَتْ علومُ اللغةِ النَّصيبَ الكَبيرَ مِنْ هذه العلومِ، وكانَ مِنْ أهمِّ الكتبِ النَّحْويَّةِ التي أحْضَروها مَعَهم وتَدَارَسُوها كتابُ سيبويه وإيضاحُ الفارسيِّ وجُمَلُ الزَّجَّاجِيِّ والكافِي للنَّحَّاسِ، فاهْتَمَّ علماءُ الأندلسِ بهذِه الكتبِ وغيرِها، فشَرَحُوها وتَوَسَّعوا في شَرْحِها حَتّى إنّ كتابَ الجُمَلِ شُرِحَ في الأندلسِ أكثرَ ممّا شُرِحَ في الأندلسِ،وممّنْ شَرَحه ابنُ عُصفور، فعُرِفَ له أكثرَ مِنْ شَرْحٍ عَلى كتابِ الجُمَلِ. وكانَ مِنْ أبْرزِ عُلماءِ هذه الفَتْرَةِ عَالِمان كانَ لَهُما الدَّوْرُ الكَبيرُ في ازْدِهارِ الحَياةِ العِلميَّةِ،هما أبُو الحُسين بنُ الطّراوةِ وأبو الحسن بن الباذِشِ الغرناطي، فعلى هذين العَلَمَين أَخَذَ كَثيرٌ مِنْ علماءِ الأندلسِ مَعَارِفَهُم، وكَانا في تَنَافُسٍ ونِدّيّةٍ عِلميَّةٍ دائمةٍ. وقد اختارَ الباحِثُ شَخصيَّةَ ابنَ الباذِشِ الغَرْناطيّ لِتَكونَ مَوْضوعَ هذا البحثِ مَدفوعاً بعِدّةِ أمورٍ: مِنْها أهميَّةُ هذه الشخصيَّةِ،فهي أَبْرَزُ شَخْصيَّةٍ نَحْويَّةٍ في تلكَ الفترةِ، ومِنْها أنَّ هذه الشخصيَّةَ لمْ تَنَل اهتِمَامَ الباحِثين، فلم يكتبوا عنها، والسَّبَبُ في ذلك أنَّه ليسَ لهذِه الشَّخْصيَّةِ كُتُبٌ موجودةٌ، مَخطوطةٌ كانت أو مَطبوعةٌ، فآراؤه واختياراتُه مَبثوثةٌ في بُطونِ الكتبِ، ومِنْ هذِه الدَّوافعِ مُحاولةُ إبرازِ الفِكرِ النَّحْويِّ لِهذِه الشَّخْصِيَّةِ.

стр. 5448

وارْتَأَى الباحثُ تَقسيمَ هذا البحثِ إلى مُقدِّمَةٍ وثلاثةِ فُصولٍ وخَاتمةٍ، أمّا الفصلُ الأوَّلُ فحَمَلَ عنوانَ"عَصْر ابنِ الباذِش وحياتِهِ "،تَحدّثتُ فيه أولاً عن الفترةِ التي عاشَ فيها ابنُ الباذِش مِنْ ناحِيَةٍ سياسيَّةٍ وعِلميَّةٍ،ثمّ انتقلتُ إلى الحديثِ عَنْ حياةِ ابنِ الباذِش،وقد تَحَدثتُ في هذا المَوضِعِ عن اسْمِه وكنيتِه ومولدِه ولقبِه وأخلاقِه وعلمِه وشيوخِه وتلاميذِه وآثارِه وشعرِه ووفاتِه،ومِنْ الصُّعوباتِ التي واجَهَتني في هذا الفَصْلِ وُجودُ شخصياتٍ غيرِ معروفةٍ،فلمْ أعثرْ على ترجَمَةٍ لها، وأُحبُّ أنْ أُشيرَ هنا إلى أنّ هذا بحثٌ صَغيرٌ وليسَ كِتاباً، ولذلك تَعرّضتُ لشيوخ ابنِ الباذِشِ وتلاميذِه باختصار. وأمّا الفصلُ الثاني فهو بعنوان: " آراؤه واختياراتُه وتوجيهاتُه النحويَّةُ "، وقد ضَمَّنْتُ هذا الفصلَ ما جَمَعْتُه مِنْ أمّهاتِ الكتبِ، وجَعَلْتُ هذا الفصلَ أربَعَة أقسام، الأوّلَ: آراؤه واختياراتُه وتوجيهاتُه في مَسائلَ نحويةٍ عِدّةٍ، والثاني: رأيُه في العاملِ النحويِّ في عِدَّةِ مَسائلَ نحويةٍ،والثالثَ: رأيُه في العلّةِ النحويةِ في بعضِ المَسائلِ، والرابعَ: توجيهاتُه لبعض الآياتِ القرآنيةِ. وأمّا الفصلُ الثالثُ فقد حَمَلَ عنوانَ: " خِلافُه مَعْ ابنِ الطَّراوَةِ "، وهذا هو أصغرُ فصولِ هذا البحثِ،والسببُ في ذلك أنّنا لا نَملكُ تلك الكتبَ التي وَضَعها هذان العالمان أثناءَ تنافُسِهما،فقلّةُ المَعلوماتِ هي السببُ في صِغَرِ هذا الفصلِ. وخَتَمتُ هذا البحثَ بالحديثِ عنْ نتائجِ هذا البحثِ،وقد تَضمّنَتْ هذه الخاتمةُ الحديثَ عنْ منهجِ ابنِ الباذِش النحويّ الذي حاولتُ اسْتِخْلاصَه من المَسائِل النحويةِ التي دَرَسْتُها، ويُضافُ إلى المَنْهَجِ اسْتِخْلاصُ النتائجِ في جَميعِ البحثِ.

стр. 5449

وأرجو أنْ تكونَ هذه المُحاولةُ قد أعطتْ هذا العالِمَ شيئاً مِنْ حَقّه علينا، ولا أدّعي أني قد أعطيتُ هذا العالِمَ كامِلَ حَقِّه، فهو يَحْتاجُ إلى دراسةٍ أكثرَ اتِّساعاً،وخِتاماً هذا جَهْدي قدّمتُ فيه ما أقْدَرَني اللهُ على تقديمِه،كما يَفتَحُ الباحثُ صَدْرَه لأيِّ نقدٍ مفيدٍ،وأرجو أنْ يَفيدَ الباحثون مِنْ هذا البحثِ كما أفادَ الباحثُ مِنْ غيرِه، كمَا أرجو أن يغفرَ لي ربُّ العالمين ما في هذا البحث مِنْ نَقْصٍ وزَلَلٍ. والحمد لله ربّ العالمين الفصل الأول: عصر ابن الباذِشِ وحياته أوّلاً:الحياة السياسية والعلمية في الأندلس في عصر ابن الباذِش وُجِدَ في الأندلسِ في الفترةِ ما بين (٤٤٤٥٢٨هـ) نَمَطان من أَنماطِ الحكمِ، الأولُ ما يُعرَفُ بدولِ ملوكِ الطوائفِ، والثاني دولةُ المُرابطين، أمّا دولُ الطوائفِ فهي ممالكُ صغيرةٌ كانَ بعضُ الملوكِ قد شادها، وهي رمزٌ للفرقةِ والتناحرِ، ومن هذه المَمالك دولةُ بني جَهْوَر في قرطبةَ (٤٢٢٤٦٣هـ) ودولةُ بني زِيْرِي بن مَنَاد في غرناطةَ (٤٠٣٤٨٣هـ) ودولةُ بني عَبَّاد في اشبيليةَ (٤١٤٤٨٤ هـ) ودولةُ بني الأفْطَسِ في بطليوسَ (٤١٣٤٨٨هـ) .

стр. 5450

وبقيت هذه الدولُ في نزاعٍ وفرقةٍ فيما بينها، فكلُّ دولةٍ منها تُحاولُ السيطرةَ على الأخرى، وكانت هذه الدولُ تستعينُ بالنَّصارى في هذه المُنازعاتِ، وبلغت هذه الدولُ من الضعفِ والهوانِ أنْ صارت تُؤدّي الجزيةَ للنَّصارى، واستغلَّ النصارى هذا الضعفَ، فَبَدَأوا بمُناوَشَةِ المسلمين،وبقي الأمرُ على هذه الحالِ حتى سقطت طُلَيْطِلَةُ بأيدي النصارى سنة ٤٧٨هـ،فتنبَّهَ بعضُ المسلمين لهذا الخَطَرِ الداهمِ فَأرسَلوا إلى أمير المسلمين يوسفَ بن تاشفينَ، فدخلَ الأندلسَ سنة ٤٧٩هـ، وبدأ المُرابِطونَ عهدَهم في محاولةِ السيطرةِ على الأندلسِ،واستمروا في حروب طاحنةٍ مع ملوكِ الطوائفِ من جهةٍ ومع النصارى من جهةٍ أخرى،ولم يستقرَّ الأمرُ لهم في الأندلسِ إلاّ في سنة ٥٠٠هـ حيث تمّ الاستيلاءُ على معظمِ دولِ ملوكِ الطوائفِ (١) . هكذا كان الجوُّ السياسيُّ في الأندلسِ في القرنِ الخامسِ الهجري، فهو كما يلاحظ جوُّ تمزّقٍ وفُرقةٍ، فلم تشهد هذه الدولةُ الإسلاميةُ الاستقرارَ في الحياةِ السياسيةِ والعسكريةِ إلا في سنواتٍ قليلةٍ في عهد المرابطين ٠

стр. 5451

والظاهرُ أنّ هذا الاضطرابَ السياسيَّ والعسكريَّ لم يكن تأثيرُه على الحياةِ العلميةِ كبيراً فقد استمرَّ التكوينُ الحضاريُّ لهذه الدولة،وشهدت الأندلسُ ازدهاراً علمياً وفكرياً لم يكن لها من قبلُ، فبقي العلماءُ عاكفين على الدرسِ والتحصيلِ في شتّى الفنون، وذلك يرجعُ إلى الرعايةِ التي حظيَ بها العلماءُ من حكامِ الأندلسِ، فقد كان ملوكُ الطوائفِ حَريصين على استقطابِ العلماءِ وتكريمهم، والظاهر أنهم كانوا يرون في العلماءِ عوناً لهم في نِزاعاتِهم، ولا يُنْسى أنّ بعضَ هؤلاء الملوكِ كان من المعروفين في العلوم والآداب كالمعتمدِ بن عبَّاد والمظفّرِ بن الأفطس. وشهد الأندلسُ نشاطاً علمياً في شتّى العلوم،فبرزت مجموعات كثيرة من العلماء، ففي العلوم الشرعية أذكر منهم: أبا مُحَمَّد بن حَزم الأندلسي الظاهري (١) (ت ٤٥٦هـ) ،وأبا جعفر أحمد بن علي بن أحمد بن الباذِش (٢) (٥٤٠ هـ) صاحبَ الإقناع في القراءاتِ السبع، وابنَ عطية الأندلسي (٣) (ت ٥٤٢هـ) صاحبَ المحرِّرِ الوجيزِ في التفسير،وأبا بكر بن العربي (٤) (ت ٥٤٣هـ) والقاضي أبا الفضلِ عياض بن موسى (٥) (ت ٥٤٤هـ) ، وغيرهم كثير. وبرزَ في الشعرِ والأدبِ جملةٌ من الأدباءِ، أبرزُهم ملكُ دولةِ بني عبَّاد المُعْتَمدُ بن

стр. 5452

عبَّاد (١) ، وابن زَيدونَ (٢) ،وابنُ خَفاجَةَ (٣) ، وابنُ حَمديسَ (٤) ، كما ظهرَ مجموعةٌ من العلماءِ في الطب، أشهرُهم ابنُ زُهْر الإشبيلي (٥) ،وكان هناك نشاطٌ في علومِ الرياضياتِ والفلكِ والتاريخِ وغيرها من العلوم. واهتم العلماءُ في هذا العصر بالنحو واللغة،ومن مظاهرِ هذا الاهتمامِ نشاطُ حركةِ التأليفِ في هذين الموضوعين، وكثرة العلماء فيهما، ومن أبرز العلماء الذين كان لهم جهدٌ ملحوظٌ في النحو واللغة: ١ ابنُ سيدَه اللغوي علي بن إسماعيل (ت ٤٥٨هـ) صاحبُ المخصَّص والمحكم وشرح إصلاح المنطق (٦) . ٢ الأعلمُ الشَّنْتَمَري، أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى (ت٤٧٦هـ) ،له تلاميذ كثر، منهم ابن أبي العافِيَة،وابن الطراوة،وغيرهما،وله من الكتب تحصيلُ عينِ الذهبِ والنكت في تفسير كتاب سِيْبَوَيْه وشرح ديوان الشعراء الستة،وغيرها (٧) . ٣ مُحَمَّد بن أبي العافِيَة اللخمي (ت٥٠٩هـ) الإمامُ بجامع إشبيليةَ،أخذ عن الأعلمِ الشَّنتمري، وكان من أهل المَعْرِفَة والأدب، أخذ الناس عنه ذلك (٨) . ٤ أبو مروان عبد الملك بن سراج (ت ٤٨٩هـ) (٩) . ٥ أبو بكر مُحَمَّد بن هشام المَصحَفي (ت٤٨١هـ) (١٠) .

стр. 5453

٦ عبد الله بن مُحَمَّد بن السيد البطليوسي (ت ٥٢١هـ) من كبار علماء الأندلس في اللغة والنحو والفلسفة والفقه، له الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، والحلل في أبيات الجمل وشرح الموطأ وغيرها من الكتب (١) . ٧ ابن الأبرش خلف بن يوسف (ت ٥٣٢هـ) كان إماما في العربية واللغة، له حظ وافر من الفرائض (٢) . ٨ ابن الأخضر، أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن مهدي النحوي الإشبيلي (ت ٥١٤هـ) (٣) . ٩ ابن الطراوة أبو الحسين سليمان بن مُحَمَّد (ت٥٢٨هـ) أخذ النحو عن الأعلم وابنِ سراج، قيل: كان أعلمُ أهلِ عصرِه بالأدبِ والعربيةِ،له الإفصاح والمقدمات على كتاب سِيْبَوَيْه والترشيح،وغيرها من الكتب (٤) . ثانياً: حياته اسمه وكنيته ولقبه ومولده

стр. 5454

هو (١) أبُو الحَسَن عليُّ بنُ أحمدَ بن خَلف بن مُحَمَّد الأنصاري الأندلسي الغرناطي المالكي النحوي،وزاد ابن فَرْحُون لقبَ (الباذِش) في اسمِه،فقالَ: عليٌّ بنُ أحمدَ بن خلف بن مُحَمَّد الباذِش الأنصاري (٢) ،ويبدو لي أنّ هذا هو الصوابُ في اسمِه، فقد عُرفت أسرةُ أبي الحسن في غرناطةَ ببني الباذِشِ (٣) ، فالباذِشُ ليس لقباً لأبي الحسن وحدَه وإنما هو لقبٌ لجميع أسرته. عُرِفَ أبو الحسن بهذا اللقب، وكذلك عُرِفَ به ولدُه أبو جعفر وحفيدُه أبو مُحَمَّد، وكان بعضُ الشيوخ يقول: (البَيْذِش) بكسر الذال، وقيل: معناها بالعربية: (الرجلان) (٤) . وُلِد أبو الحسن سنةَ أربع وأربعين وأربعمائة بغرناطةَ في أسرةٍ أصلُها من (جيان) (٥) في الأندلس، وقد عُرفت بالتديِّن والعفافِ والورعِ،وهي أسرةٌ محبةٌ للعلمِ مجتهدةٌ في تحصيله، قال في الإحاطة عن أبي جعفرالرُّعَيْني (٦) : "هو مِنْ بَيْتِ تَصاونٍ وعَفَافٍ ودين والتزامٍ بالسُّنة كَانوا في غَرناطَة في الأشْعارِ وتَجْويدِ القرآنِ والامْتِيازِ بحَمْلِه وعُكوفِهم عليه نُظراءُ بني عظيمة بإشبيليةَ وبني الباذِش بغرناطة ". أخلاقه وعلمه

стр. 5455

عُرفَ أبو الحَسَن بالتزامِه بالدين مع ورعٍ صادقٍ وزهدٍ في الدنيا خالصٍ طيلةَ حياته (١) ، وكان إمامَ الفريضةِ بجامع غرناطة (٢) ،كما عُرفَ بالتَّواضُعِ، فقد كانَ مُحِبّاً للعلم مجتهداً في طلبه،فيَجْلسُ مُسْتمِعاً أو قارئاً على العلماءِ مَعْ تَلامِذَتِه، يقولُ ابنُ عياض وهو أحَدُ تلامذته (٣) : " كانَ مَعْ تَصَدّرِه وتَقَدّمِه لا يَقطَعُ الطلبَ والسَّماعَ والرِّحْلةَ،سَمِعَ مَعَنا عَلى الشيوخِ، وكانَ يَقرَأ على المُقرِئينَ ما فَاتَه مِنْ رِوايةٍ ". وقيلَ في عِلمِه (٤) : " وكَانَ من أهْلِ المَعْرِفَةِ بالآدابِ واللغاتِ والتَّقدّمِ في علمِ القراءاتِ والضَّبْطِ للرواياتِ، وكانَ حَسَنَ الخَطِّ جَيِّدَ التَّقْييدِ، وله مُشاركةٌ في الحديثِ ومَعرفةٌ بأسْماءِ رجالِهِ ونَقَلَتِه،وكان مِنْ أهلِ الروايَةِ والإتقانِ والدّرايةِ "، فقد جَمَعَ أبو الحَسَن بنُ الباذِش علمَ القرآنِ والحديثِ واللغةِ والشعرِ والنحوِ،فكان من أهل المَعْرِفَة في علومٍ عدّة.

стр. 5456

ويشهدُ على علمِه في القراءاتِ كتابُ ولدِه أبي جعفر حيثُ يحسُّ القارىءُ لكتابِ الإقناعِ في القراءاتِ السبعِ أنَّ أبا الحَسَن مؤلِّفٌ مُشاركٌ في هذا الكتابِ، فقد ذكره ولدُه أكثرَ من خمسين مرّة ناقلاً عنه مستنيراً برأيه، وكانَ ولدُه أبو جعفر مُعجباً به وبعلمِه ونفاذِ رَأيِه حتى إنه قال فيه (١) : " وحقّ على من أوتي بسطةً في اللسان، وبُوِّىء ذروةَ الإحسان، وأخذ عن النقابِ الماهرِ والشهابِ الزاهر، أستاذِ الأستاذين، وجهبذِ الجهابذة الناقدين أبي الحَسَن علي بن أحمد ﵁، بقية الأعلام، وذخيرة الأيام "،وقال أيضا (٢) : " وطالعت أبي أيّده الله في مشكله وعويصه،فلما سَرّه وأرضاه وأقرّه وارتَضاه، وتقلّده وانْتَضاه، كشفت عنه قناعاً مغدَقاً،وأطلعته نوراً يجلو سُدَفاً، ودرّاً فارق من الكتمان صدفاً استناداً إلى عارضتِه الشديدةِ المكينة، وموادّه العتيدةِ المنيعةِ، لأنّه يَغْرفُ من بُحور، ويسعى بين يديه أوضحُ برهان وأسطعُ نورٍ، فدونَك منه فائدةً تُشَدّ الرحالُ فيما دونَها، ويَلقاها الرجال ولا يعدونها ".

стр. 5457

ويَشهدُ على علمِه في الحَديثِ ورجالِه وعلومِ القرآنِ والأدبِ مَا ذَكَرَه ابنُ الأبارِ مِنْ مسموعاتِ ابنِ الباذِش في علومٍ عدّة،فيُدرِكُ القارىءُ لهذِه المسموعاتِ مَدى مَعْرِفَةِ ابنِ الباذِش في هذِه العلومِ، قالَ ابنُ الأبارِ (١) : " ومِنْ جُمْلةِ مَسْمُوعاتِه الغَريبان للهَرَويّ والناسخُ والمَنسوخُ لهبةِ اللهِ، ومسندُ البزّارِ، والشَّمائِلُ للترمذي، والمُؤتلِفُ والمُخْتلِفُ للدارقطني ولعبد الغني، ومُشتبَهُ النسبةِ له، ورِياضَة المُتعَلمين لأبي نعيم، وأدبُ الصحبَةِ للسلمي،وحديثُ يونس بن عبد الأعلى،وحديثُ الزعفراني، وعَوالي الزَّيْنبي، وعَوالي ابنِ خيرون،وعدة مجالس من أمالي أبي الفوارس، وأمالي ابن بشران وكثير من الأجزاء سوى ما لم أقف عليه من الدواوين ". أمّا علمُه في النحو فهو العلمُ الذي عُرفَ به، وانفردَ به دونَ غيرِه مِنْ العلومِ التي شارَكَ فيها، قيلَ عنه (٢) : " كان من أحفظِ الناسِ لكتابِ سِيْبَوَيْه وأرفقِهم به "، وكَانَ يَعتَدُّ بنَفْسِه في هذا العِلمِ، قال أبو بكر بن الرّمَاليّة (٣) : "سمعتُ أبا الحَسَن بن الباذِش يقولُ:نُحاةُ الأندلس ثلاثةٌ:أبو عبدِ اللهِ بنُ أبي العافيةِ وأبو مَروانَ بنُ سِراج أو ابنُه أبو الحُسَين شكّ أبو بكر وكانَ يسْكُتُ عَنْ الثالثِ فيَرَونَه يريدُ نفسَه "،كما يشهدُ على تَفرّده بهذا العلم دونَ غيره مُصَنَّفاتُه التي سأُشيرُ إليها، فلم يُذكر عنه أنّ له جُهداً في عِلمِ الحَديثِ أو غَيرِه مِنْ العلومِ. شيوخه

стр. 5458

ذَكَر ابنُ الأبار أنّ لأبي الحَسَن بنِ الباذِش برنامجاً حافلاً في تسميةِ شيوخِه وما أَخَذَ عنهم (١) ، كما ذكر ابنُ خير أنَّ لأبي جعفر بن الباذِش كتاباً جَمَعَ فيه شيوخَ والدِه (٢) ،ويَدلُّ هذا عَلى كَثرةِ الشيوخِ الذين اتصلَ بهم أبو الحَسَن بن الباذِش، وهذا يناسب العصر الذي عاش فيه ابن الباذِش، فهو عصرٌ زاخرٌ بالعُلماءِ الذين قدّموا للبشرية حضارةً راقيةً، وللأسَفِ لم يصلنا شيء من هذا البرنامج الذي ذَكَره ابنُ الأبارِ أو مِنْ مُؤلّفِ وَلدِه،وسأعرض في هذا الموضع بإيجاز لشيوخ ابن الباذِش: ١ أبو بكر مُحَمَّد بنُ هِشَام بن مُحَمَّد القَيْسي المَصْحَفيّ (ت٤٨١هـ) مِنْ كبارِ عُلماءِ قرطبةَ،أَخَذَ عن ابنِ القوطية وصَاعِد بن الحَسن وغيرهما، وتتلمَذ على يديه أبو الحُسَين ابنُ الطَّرَاوَةِ وغَيرُه، ومَرْوِيّاتُه تدلُّ على اهتِمامِه باللغةِ والنحوِ والأدبِ (٣) . ٢ أبو مَروانَ عبدُ الملك بنُ سِراج بن عبد الله (ت٤٨٩هـ) (٤) عَدّه أبو الحَسن بن الباذِش من نُحاةِ الأندلس الذين يُعْتدُّ بهم (٥) ،كان مهتما بكتابِ سِيْبَوَيْه فيُروى أنَّه عَكَفَ على كتابِ سِيْبَوَيْه ثمانية عشر عاما لا يَعْرِفُ سواه،أخذ عن مَكيّ بن أبي طالب وابنِ الإفْلِيْلِيّ. ٣ أبو عَليّ الحُسينُ بن مُحَمَّد بن أحمد الغساني (ت ٤٩٨هـ) رئيسُ المحدثين بقرطبة،وأَخَذَ عنه ابن الباذِش علوم الحديث ذكر ابنُ بشكوال أن ابن الباذِش قد أكثرَ من الأخذِ عنه (٦) .

стр. 5459

٤ أبو عَليّ الحُسَين بن مُحَمَّد بن سَكْرة الصَّدَفيّ (ت٥١٤) كان حافظاً لمصنفات الحديث وأسانيدها ورواتها، له التعليقة الكبرى في الخلاف والمعجم (١) . ٥ أبو الحُسَين سِراجٌ بنُ عبدِ المَلِك بنُ سِراجٍ بنُ عبدِ الله بنُ سَراجٍ (ت ٥٠٨هـ) قالَ فيه أحَدُ العلماءِ: كانَ أبو الحُسَين مِنْ أكمَلِ أَهْلِ عَصْرِه مروءةً وصيانَةً وأوسَعَهم مالاً وجَاهاً وأكْثرَهم مهابَةً يَجْتِمعُ إليه للسَّمَاعِ في الأربعين والخمسين من رُؤساءِ الملثمين ومهرةِ الكُتَّابِ كأبي عبدِ الله بنِ أبي الخِصَالِ وأبي بكر بنِ عبدِ العزيز وجلة أستاذيّ النحو كأبي القاسم بن الأبْرَشِ وأبي الحَسَن بن الباذِش، وكُلُّهُم إليه مفتقرون لِوُقوفِه على مواد النحو من أشعار العرب وحكاياتها ولغاتها وأخبارها (٢) . ٦ أبو القاسم نعم الخلف بن مُحَمَّد بن يحيى الأنصاري (٣) .لم أستطع العثور على ترجمة له. ٧ أبو جعفر بن رزق (٤) .لم أستطع العثور على ترجمةٍ له. تلاميذه أَخَذَ العِلمَ عن ابنِ الباذِش كثيرٌ من التلاميذ،ولم يَأخُذوا عنه علمَ النَّحو دونَ غيرِه مِنْ العلومِ التي يُتْقنُها، فمِنْهم مَنْ أَخَذَ عنه علمَ القراءاتِ، وبعضُهم أَخَذَ عنه في علوم الحديث،وأذكر ها هنا أسماء تلاميذه فقط مختصراً: ١ ابن الأبْرَش خلف بن يوسف (ت٥٣٢هـ) (٥) . ٢ مُحَمَّد بن يوسف بن عبد الله بن إبراهيم التميمي المازني (ت٥٣٨هـ) (٦) . ٣ ولده أبو جعفر أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري المعروف بابن الباذِش (ت٥٤٠هـ) صاحب الإقناع في القراءات (٧) .

стр. 5460

٤ أبو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الخِصال (ت٥٤٠هـ) (١) . ٥ مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن أبي خَيْثَمة الجبائي (ت٥٤٠هـ) (٢) . ٦ عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عبد الرؤوف بن عطية (ت ٥٤١هـ) صاحب المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٣) . ٧ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال (ت ٥٧٨هـ) (٤) . ٨ القاضي عياض بن موسى بن عياض اليَحْصبي (ت٥٤٤هـ) (٥) . ٩ علي بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن الضحاك الفِزاري (ت٥٥٧هـ) (٦) . ١٠ القاضي أبو الإصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي (٧) ،لم أعثر على سنة وفاته. ١١ أبو داوود المقرىء (٨) ،لم أعثر على سنة وفاته. ١٢ القاضي أبو عبد الله بن عبد الرحيم الأنصاري (٩) ،لم أعثر على سنة وفاته. ١٣ مُحَمَّد بن سابق الصِّقِلّي (١٠) ،لم أعثر على سنة وفاته. ١٤ القاضي أبو خالد عبد الله بن أبي زَمَنين (١١) ،لم أعثر على سنة وفاته. ١٥ أبو عبد الله النميري،وهو صهر أبي الحسن (١٢) ، لم أعثر على سنة وفاته. ١٦ أبو الوليد يوسف بن عبد العزيز بن يوسف اللَّخمي المعروف بابن الدبَّاغ (١٣) ،لم أعثر على سنة وفاته. ١٧ علي بن موسى بن حَمَّاد، نقل تعليق ابن الباذِش على كتاب الجمل (١٤) ،لم أعثر على سنة وفاته.

стр. 5461

١٨ مُحَمَّد بن عُرَيب بن عبد الرحمن بن عُرَيب العبسي (١) ،لم أعثر على سنة وفاته. آثاره اتَّسَم عصرُ أبي الحسن بكثرةِ الشروحِ والتعليقاتِ على كتبِ أهل المشرق، فاهتموا كثيراً بكتابِ سِيْبَوَيْه وبمؤلَّفاتِ أبي علي الفَارِسِيّ وابن جِنِّي وبجمل الزجاجي،ولم يخرج ابنُ الباذِش عن هذا النهجِ، وقد نَسَبَ المترجمون له مجموعةً من الكتب، وللأسفِ لم يصلنا أيُّ كتابٍ منها، وهذه الكتب هي: ١ شرح كتاب سِيْبَوَيْه (٢) . ٢ شرح الأصول لابن السراج (٣) . ٣ شرح المُقْتَضَبِ من كلام العرب (٤) ،وهو كتاب لابن جِنِّي في اسم المَفْعُول من معتلِّ العين،وذكر ابن فَرْحُون أن له كلاماً على المقتضب (٥) ، فيُحتمَلُ أن يكون تعليقة على كتاب المُبَرّد. ٤ شرح الجمل للزجاجي (٦) ،وقد وَصَلَنا بعضُ الصفحاتِ من هذا الكتاب، نَقَلَها أبو حيَّانَ الأندلسي في تذكرته (٧) . ٥ شرح الإيضاح لأبي علي الفَارِسِيّ (٨) ، ولابن الباذِش أبياتٌ في إعجابِه بالإيضاحِ ومؤلِّفِه. ٦ شرح الكافي لأبي جعفر النحاس (٩) ، وذكر ابن فَرْحُون أن ابن الباذِش خَطَّأ النحّاسَ في نحو مئةِ موضع (١٠) . ٧ برنامج شيوخ ابن الباذِش (١١) . شعره

стр. 5462

لم يصلنا من شعر أبي الحسن بن الباذِش إلاّ أبياتٌ قليلة يمدح فيها أبا علي الفَارِسِيّ ويبدي إعجابه بكتابه الإيضاح العضدي، قال (١) : أضِعِ الكَرى لِتَحَفُّظِ الإيضاحَ وصِلِ الغُدُوَّ لِفهمِه بِرَواحِ (٢) هو بُغْيَةُ المُتَعَلِّمين ومن بَغى حَمْلَ الكتابِ يَلِجْه بالمفتاحِ لأبي علي في الكتابِ إمامَةٌ شَهِدَ الرواةُ لَها بفَوزِ قِداحِ يَقضي على أسراره بنَوافِذٍ مِنْ علمِه بَهَرَت قُوى الأمْداحِ (٣) فيُخاطِبُ المُتَعَلمينَ بلفظِه ويحلُّ مُشْكِلَه بوَمْضَةِ واحِ مَضَت العصورُ وكلُّ نَحْوٍ ظلمةٌ وأتى فكان النحْوُ ضوءَ صباحِ أوصى ذوي الإعراب أن يتذاكروا بحروفه في الصُحُفِ والألواحِ وإذا همو سَمِعوا النصيحة أنْجَحوا إن النَّصيحة غِبُّها لنجاحِ (٤) كما ذكر له المترجمون بيتين من الشعر في الزهد، قال (٥) : أصبحتَ تَقعُدُ بالهَوى وتقومُ وبه تَقْرِظُ معشراً وتذيمُ (٦) تَعْنيكَ نفسُك فاشْتَغِل بصَلاحِها أنّى يُعيِّر بالسَّقامِ سقيمُ (٧) وفاته

стр. 5463

أجمعَ المُتَرجِمون لأبي الحسن بن الباذِش على أنَّ وفاتَه كانت ليلةَ الاثنين الثالثة عشرة من المحرم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة هجرية، وعمره أربعٌ وثمانون سنةً، قال ابن الأبار يصِفُ يومَ وفاتِه (١) : " وصَلَّى عليه ابنُه أبو جعفر عصرَ ذلك اليوم بالمسجد الجامع وشَهدَه جَمْعٌ عظيمٌ، وما وَصَلَ إلى قبره إلاّ مع الأصيل لازدحام الناس عليه حتى كَسَروا النعشَ،وانصرفوا من دفنه بين العشاءين، وجمع به الخاص والعام، قال ابنه: فلم أرَ يوماً أكثرَ باكياً منه " ٠ وقال أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السعدي في رثاء عالمنا أبي الحسن بن الباذِش (٢) : أبا حَسَنٍ ظَعَنْتَ وكُلُّ حيّ سيَظعَنُ بالبعادِ أو الحِمامِ بعثت إلى خَليلِكَ من أساه بما بعث الهديل إلى الحَمامِ فإن عَجِلتْ ركابك فاستقلّت ... إماماً والفَضيلةُ للأمامِ فإنا سوف نلحق كيف سارت ... على تَعَبٍ هنالك أو جُمامِ الفصل الثاني: آراؤه واختياراته وتوجيهاته النحوية آراؤه واختياراته وتوجيهاته النحوية نَقَلَ لنا أبوحيَّانَ الأندلسي في تذكرتِه مقطوعاتٍ عدّة من كتبٍ نَحْويةٍ مُهمّةٍ لايكادُ يوجدُ من هذه الكتب إلا القليلُ، ومن ضمن هذه المقطوعاتِ جزءٌ ليسَ باليَسيرِ من شرح أبي الحسن بن الباذِش على كتاب الجمل للزجاجي (٣) ،والذي رواه لنا أحدُ تلامِذَتِه وهو علي بن موسى بن حَمّاد،ويمكن من خلال هذا الجزء من الكتاب وما نَقَلَه النُّحَاة في كتبهم من آراء لابن الباذِش التعرف على ملامح نحوه، وسأحاول في هذا البحث تناول هذه الملامح عسى أن أوفي هذا العالم حقّه. أوّلاً:آراء واختيارات وتوجيهات نحوية متفرقة الفرق بين الإعراب وعلاماته

стр. 5464

يَرى ابنُ الباذِش أنّ الإعرابَ وعلاماتِه تغييران لآخِرِ المعربِ بالعامِلِ (١) ، والفرقُ بينَهما كما يرى ابن الباذِش أنّ زوالَ الإعرابِ عن الكلمةِ بالوقفِ أو غيره لا يُغَيّرُ من بناءِ الكلمةِ ومَعْناها، أمّا زَوالُ العلامةِ فيَتَرَتّبُ عليه انتقالُ الكلمةِ من بناء إلى آخرَ وتغييرُ المَعْنى، ويمثّل ابن الباذِش على ذلك بالتثنيةِ والجَمْعِ والأسماء الستة، فالملاحظ أنّ بناءَ (رجل) يختلفُ عن بناءِ (رجلان) ، وكذلك (أخوك) و (أخ) و (زيدون) و (زيد) ، فكُلّ بناءٍ من هذه الأبنية يختلفُ عن الآخرِ، كما أنّ المَعْنى في البناءِ الأوّل يختلفُ عن المعنى في البناء الثاني، ويرى ابن الباذِش أنّ اختلافَ المَبْنى والمَعْنى مَرَدُّه إلى زَوالِ علامةِ الإعرابِ عن البناءِ الأوّل. تفسير معنى المضارعة يَذهبُ ابن الباذِش إلى أنّ صَلاحَ المُضارِعِ لِزَمَانِ الحالِ والاستقبالِ هو المَعْنى الذي ضارَعَ به اسمَ الفاعلِ، فالفِعْل المُضارعُ يَدلُّ على جزءٍ مما يدلُّ عليه اسمَ الفاعلِ الذي يصلحُ للأزمنة كلها، ويرى ابنُ الباذِش أنّ هذا هو رأيُ سِيْبَوَيْه (٢) . ويَرى أنّ الفِعْل يُضارعُ اسمَ الفاعل وغيرَه من الأسماء، ويَستند في هذا إلى أنّ بعضَ حُروفِ المَعاني تدخلُ على المُضارع فتُخَصّصُه وتَرْفَعُ الصلاحَ عنه،كما تدخل هذه الحروف على الأسماء الصالحة لذلك، ومثال ذلك أنّك إذا قلت: (يقوم) فهو صالحٌ للحال والاستقبال، فإذا قلت: (سوف يقوم) فقد خصَّصْت الفِعْل للاستقبال فتَقْصرُ الفِعْل على شيءٍ محدّدٍ (٣) .

стр. 5465

أمّا عبارةُ سِيْبَوَيْه فالمفهومُ الظاهرُ منها أنّ اجتماعَ الفِعْل والفاعلِ في المَعْنى هو السببُ في حُصولِ معنى المُضارعَةِ، يقول (١) : " وإنّما ضارعت أسماء الفاعلين أنّك تقول: (إنّ عبد الله ليفعل) فيوافق قولك: (لفاعل) حتّى كأنّك قلت: (إنّ زيداً لفاعل) فيما تريد من المعنى "، ويقول: " إلا أنّها ضارعت الفاعل لاجتماعهما في المعنى "،فالمقصودُ من هذا أنّ مُضارعةَ الفِعْل لاسم الفاعِل إنّما كانت لاتّفاقهما في المعنى حتّى إنّ كلَّ كلمةٍ منهما يمكن أن تسدَّ مسدّ الأخرى، ولم تكن المضارَعةُ لمُجَرَّد اتفاقهما في وقوعهما خبراً،أو في دخول اللام عليهما. حدّ الفِعْل الماضي والمستقبل عَرَّفَ الزَّجّاجيُّ الفِعْل الماضي بقوله (٢) :" ما حَسُنَ فيه أمسُ " وعَرَّفَ المستقبلَ بقوله (٣) :"ما حَسُن فيه غد "، ويَرى ابنُ الباذِش أنّ هذا الحدَّ غيرُ سديدٍ مستنداً إلى لفظِ سِيْبَوَيْه، فَحَدُّ الزَّجّاجي يوجبُ أن يكونَ قولُكَ: (قامَ زيدٌ غداً) و (يقومُ زيدٌ أمس) قبيحاً (٤) ،والصحيحُ أنّه مُحالٌ كما هو رأيُ سِيْبَوَيْه، يقول سِيْبَوَيْه (٥) :"وأمّا المُحالُ فأن تنقضَ أوَّلَ كلامِك بآخِرِه فتقول: (أتَيتُك غداً) و (سآتيك أمس) ". وهذا الاعتراضُ اعتراضٌ لفظيٌّ على استعمالِ الزَّجّاجي لكلمةِ (حَسُن) ، والصَّحيحُ أنّه يُفْتَرَضُ استعمالُ كلمةِ (استقام) ،فالمُحال ضدّه المُستقيم، والتحقيق في حدّ الفِعْل الماضي عند ابن الباذِش (٦) : (ما استَقامَ فيه أمس) والمستقبل: (ما استَقامَ فيه غد) . ويرى ابنُ الباذِش أنّ الكلامَ قد يكون مُستقيماً حَسَناً كقولك: (قد قامَ زيدٌ) ،وقد يكون مستقيماً غيرَ حَسَن نحو: (قد زيدٌ قامَ) (٧) . الفِعْل الدائم نقد للزجّاجي
следующие страницы →