١٨ مُحَمَّد بن عُرَيب بن عبد الرحمن بن عُرَيب العبسي (١) ،لم أعثر على سنة وفاته.
آثاره
اتَّسَم عصرُ أبي الحسن بكثرةِ الشروحِ والتعليقاتِ على كتبِ أهل المشرق، فاهتموا كثيراً بكتابِ سِيْبَوَيْه وبمؤلَّفاتِ أبي علي الفَارِسِيّ وابن جِنِّي وبجمل الزجاجي،ولم يخرج ابنُ الباذِش عن هذا النهجِ، وقد نَسَبَ المترجمون له مجموعةً من الكتب، وللأسفِ لم يصلنا أيُّ كتابٍ منها، وهذه الكتب هي:
١ شرح كتاب سِيْبَوَيْه (٢) .
٢ شرح الأصول لابن السراج (٣) .
٣ شرح المُقْتَضَبِ من كلام العرب (٤) ،وهو كتاب لابن جِنِّي في اسم المَفْعُول من معتلِّ العين،وذكر ابن فَرْحُون أن له كلاماً على المقتضب (٥) ، فيُحتمَلُ أن يكون تعليقة على كتاب المُبَرّد.
٤ شرح الجمل للزجاجي (٦) ،وقد وَصَلَنا بعضُ الصفحاتِ من هذا الكتاب، نَقَلَها أبو حيَّانَ الأندلسي في تذكرته (٧) .
٥ شرح الإيضاح لأبي علي الفَارِسِيّ (٨) ، ولابن الباذِش أبياتٌ في إعجابِه بالإيضاحِ ومؤلِّفِه.
٦ شرح الكافي لأبي جعفر النحاس (٩) ، وذكر ابن فَرْحُون أن ابن الباذِش خَطَّأ النحّاسَ في نحو مئةِ موضع (١٠) .
٧ برنامج شيوخ ابن الباذِش (١١) .
شعره
стр. 5462
لم يصلنا من شعر أبي الحسن بن الباذِش إلاّ أبياتٌ قليلة يمدح فيها أبا علي الفَارِسِيّ ويبدي إعجابه بكتابه الإيضاح العضدي، قال (١) :
أضِعِ الكَرى لِتَحَفُّظِ الإيضاحَ وصِلِ الغُدُوَّ لِفهمِه بِرَواحِ (٢)
هو بُغْيَةُ المُتَعَلِّمين ومن بَغى حَمْلَ الكتابِ يَلِجْه بالمفتاحِ
لأبي علي في الكتابِ إمامَةٌ شَهِدَ الرواةُ لَها بفَوزِ قِداحِ
يَقضي على أسراره بنَوافِذٍ مِنْ علمِه بَهَرَت قُوى الأمْداحِ (٣)
فيُخاطِبُ المُتَعَلمينَ بلفظِه ويحلُّ مُشْكِلَه بوَمْضَةِ واحِ
مَضَت العصورُ وكلُّ نَحْوٍ ظلمةٌ وأتى فكان النحْوُ ضوءَ صباحِ
أوصى ذوي الإعراب أن يتذاكروا بحروفه في الصُحُفِ والألواحِ
وإذا همو سَمِعوا النصيحة أنْجَحوا إن النَّصيحة غِبُّها لنجاحِ (٤)
كما ذكر له المترجمون بيتين من الشعر في الزهد، قال (٥) :
أصبحتَ تَقعُدُ بالهَوى وتقومُ وبه تَقْرِظُ معشراً وتذيمُ (٦)
تَعْنيكَ نفسُك فاشْتَغِل بصَلاحِها أنّى يُعيِّر بالسَّقامِ سقيمُ (٧)
وفاته
стр. 5463
أجمعَ المُتَرجِمون لأبي الحسن بن الباذِش على أنَّ وفاتَه كانت ليلةَ الاثنين الثالثة عشرة من المحرم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة هجرية، وعمره أربعٌ وثمانون سنةً، قال ابن الأبار يصِفُ يومَ وفاتِه (١) : " وصَلَّى عليه ابنُه أبو جعفر عصرَ ذلك اليوم بالمسجد الجامع وشَهدَه جَمْعٌ عظيمٌ، وما وَصَلَ إلى قبره إلاّ مع الأصيل لازدحام الناس عليه حتى كَسَروا النعشَ،وانصرفوا من دفنه بين العشاءين، وجمع به الخاص والعام، قال ابنه: فلم أرَ يوماً أكثرَ باكياً منه " ٠
وقال أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السعدي في رثاء عالمنا أبي الحسن بن الباذِش (٢) :
أبا حَسَنٍ ظَعَنْتَ وكُلُّ حيّ سيَظعَنُ بالبعادِ أو الحِمامِ
بعثت إلى خَليلِكَ من أساه بما بعث الهديل إلى الحَمامِ
فإن عَجِلتْ ركابك فاستقلّت ... إماماً والفَضيلةُ للأمامِ
فإنا سوف نلحق كيف سارت ... على تَعَبٍ هنالك أو جُمامِ
الفصل الثاني: آراؤه واختياراته وتوجيهاته النحوية
آراؤه واختياراته وتوجيهاته النحوية
نَقَلَ لنا أبوحيَّانَ الأندلسي في تذكرتِه مقطوعاتٍ عدّة من كتبٍ نَحْويةٍ مُهمّةٍ لايكادُ يوجدُ من هذه الكتب إلا القليلُ، ومن ضمن هذه المقطوعاتِ جزءٌ ليسَ باليَسيرِ من شرح أبي الحسن بن الباذِش على كتاب الجمل للزجاجي (٣) ،والذي رواه لنا أحدُ تلامِذَتِه وهو علي بن موسى بن حَمّاد،ويمكن من خلال هذا الجزء من الكتاب وما نَقَلَه النُّحَاة في كتبهم من آراء لابن الباذِش التعرف على ملامح نحوه، وسأحاول في هذا البحث تناول هذه الملامح عسى أن أوفي هذا العالم حقّه.
أوّلاً:آراء واختيارات وتوجيهات نحوية متفرقة
الفرق بين الإعراب وعلاماته
стр. 5464
يَرى ابنُ الباذِش أنّ الإعرابَ وعلاماتِه تغييران لآخِرِ المعربِ بالعامِلِ (١) ، والفرقُ بينَهما كما يرى ابن الباذِش أنّ زوالَ الإعرابِ عن الكلمةِ بالوقفِ أو غيره لا يُغَيّرُ من بناءِ الكلمةِ ومَعْناها، أمّا زَوالُ العلامةِ فيَتَرَتّبُ عليه انتقالُ الكلمةِ من بناء إلى آخرَ وتغييرُ المَعْنى، ويمثّل ابن الباذِش على ذلك بالتثنيةِ والجَمْعِ والأسماء الستة، فالملاحظ أنّ بناءَ (رجل) يختلفُ عن بناءِ (رجلان) ، وكذلك (أخوك) و (أخ) و (زيدون) و (زيد) ، فكُلّ بناءٍ من هذه الأبنية يختلفُ عن الآخرِ، كما أنّ المَعْنى في البناءِ الأوّل يختلفُ عن المعنى في البناء الثاني، ويرى ابن الباذِش أنّ اختلافَ المَبْنى والمَعْنى مَرَدُّه إلى زَوالِ علامةِ الإعرابِ عن البناءِ الأوّل.
تفسير معنى المضارعة
يَذهبُ ابن الباذِش إلى أنّ صَلاحَ المُضارِعِ لِزَمَانِ الحالِ والاستقبالِ هو المَعْنى الذي ضارَعَ به اسمَ الفاعلِ، فالفِعْل المُضارعُ يَدلُّ على جزءٍ مما يدلُّ عليه اسمَ الفاعلِ الذي يصلحُ للأزمنة كلها، ويرى ابنُ الباذِش أنّ هذا هو رأيُ سِيْبَوَيْه (٢) .
ويَرى أنّ الفِعْل يُضارعُ اسمَ الفاعل وغيرَه من الأسماء، ويَستند في هذا إلى أنّ بعضَ حُروفِ المَعاني تدخلُ على المُضارع فتُخَصّصُه وتَرْفَعُ الصلاحَ عنه،كما تدخل هذه الحروف على الأسماء الصالحة لذلك، ومثال ذلك أنّك إذا قلت: (يقوم) فهو صالحٌ للحال والاستقبال، فإذا قلت: (سوف يقوم) فقد خصَّصْت الفِعْل للاستقبال فتَقْصرُ الفِعْل على شيءٍ محدّدٍ (٣) .
стр. 5465
أمّا عبارةُ سِيْبَوَيْه فالمفهومُ الظاهرُ منها أنّ اجتماعَ الفِعْل والفاعلِ في المَعْنى هو السببُ في حُصولِ معنى المُضارعَةِ، يقول (١) : " وإنّما ضارعت أسماء الفاعلين أنّك تقول: (إنّ عبد الله ليفعل) فيوافق قولك: (لفاعل) حتّى كأنّك قلت: (إنّ زيداً لفاعل) فيما تريد من المعنى "، ويقول: " إلا أنّها ضارعت الفاعل لاجتماعهما في المعنى "،فالمقصودُ من هذا أنّ مُضارعةَ الفِعْل لاسم الفاعِل إنّما كانت لاتّفاقهما في المعنى حتّى إنّ كلَّ كلمةٍ منهما يمكن أن تسدَّ مسدّ الأخرى، ولم تكن المضارَعةُ لمُجَرَّد اتفاقهما في وقوعهما خبراً،أو في دخول اللام عليهما.
حدّ الفِعْل الماضي والمستقبل
عَرَّفَ الزَّجّاجيُّ الفِعْل الماضي بقوله (٢) :" ما حَسُنَ فيه أمسُ " وعَرَّفَ المستقبلَ بقوله (٣) :"ما حَسُن فيه غد "، ويَرى ابنُ الباذِش أنّ هذا الحدَّ غيرُ سديدٍ مستنداً إلى لفظِ سِيْبَوَيْه، فَحَدُّ الزَّجّاجي يوجبُ أن يكونَ قولُكَ: (قامَ زيدٌ غداً) و (يقومُ زيدٌ أمس) قبيحاً (٤) ،والصحيحُ أنّه مُحالٌ كما هو رأيُ سِيْبَوَيْه، يقول سِيْبَوَيْه (٥) :"وأمّا المُحالُ فأن تنقضَ أوَّلَ كلامِك بآخِرِه فتقول: (أتَيتُك غداً) و (سآتيك أمس) ".
وهذا الاعتراضُ اعتراضٌ لفظيٌّ على استعمالِ الزَّجّاجي لكلمةِ (حَسُن) ، والصَّحيحُ أنّه يُفْتَرَضُ استعمالُ كلمةِ (استقام) ،فالمُحال ضدّه المُستقيم، والتحقيق في حدّ الفِعْل الماضي عند ابن الباذِش (٦) : (ما استَقامَ فيه أمس) والمستقبل: (ما استَقامَ فيه غد) .
ويرى ابنُ الباذِش أنّ الكلامَ قد يكون مُستقيماً حَسَناً كقولك: (قد قامَ زيدٌ) ،وقد يكون مستقيماً غيرَ حَسَن نحو: (قد زيدٌ قامَ) (٧) .
الفِعْل الدائم نقد للزجّاجي
стр. 5466
ذكَرَ الزَّجّاجي في جُمَلِه أنّ فعلَ الحالِ يُسَمّى الدائمَ (١) ،ويَبْدو أنّه أخَذ هذه التسميةَ من الكوفيين، إلاّ أنّ الكوفيين يُطْلِقون (الدائم) على اسمِ الفاعلِ دون الفِعْل المُضارعِ لكونه يَصْلُحُ للأزمنَةِ الثلاثةِ، ويرى ابنُ الباذِش أنّ إطلاقَ الزجّاجي مُصْطلحَ (الدائم) على الفِعْل فاسِدٌ، قال (٢) : "فأتى به أبو القاسم على أنّه الفِعْل البتةَ فأفسده ".
انتصاب (غير) في الاستثناء
شَبَّهَ ابنُ الباذِش انْتِصابَ (غَيْر) إذا كانَتْ بمَعْنى الاسْتِثْناءِ بانْتِصابِ الظَّرْفِ المُبْهَمِ،وناصِبُه هو الفِعْلُ، فكَما يَصِلُ الفِعْلُ إلى الظَّرْفِ المُبْهَمِ بنَفْسِه فكَذلِك (غَيْر) يَصِلُ إِلَيْها الفِعْلُ بنَفْسِه دونَ واسِطةٍ، وهو مُشَبَّهٌ بظَرْفِ المَكانِ في نَحْوِ قولك: (وَقَفوا أَمامَكَ) و (خَلفَكَ) ، فالظَّرْفُ هاهنا مُنْتَصِبٌ بالفِعْلِ دونَ واسِطَةٍ، ونُسِبَ هذا الرأيُ للسِّيرافِيِّ (٣) .
ورَأى ابنُ عُصْفور والمَغارِبَةُ أنَّ (غَيْرَ) تُنْصَبُ كَمَا يُنْصَبُ الاسْمُ بَعْدَ (إلاّ) في الاسْتِثناءِ، والمُشابَهَةُ بَيْنَهما أَنَّ (غَيْر) جاءَتْ فَضْلةً بَعْدَ تَمَامِ الكَلامِ كما أَنَّ المُسْتَثْنى فَضْلةٌ جاءَ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ (٤) .
стр. 5467
واخْتارَ ابنُ مالِك نَصْبَ (غَيْر) عَلى الحالِ (١) ، وأجَازَ أَصْحابُ هذا الرأيِ تأويلَ (غَيْر) بمُشْتَقٍّ، فقيلَ في قولك: (قَامَ القَوْمُ غَيْرَ زَيْدٍ) : قَامَ القومُ مُغَايِرينَ لِزَيدٍ، ولم يُنْكرْ هؤلاء مَعْنى الاسْتِثناءِ المَوْجُودِ فيها، فقالوا: هي مَنْصُوبةٌ عَلى الحالِ وفيها مَعْنى الاسْتثناءِ (٢) ، ونُسِبَ هذا الرأيُ لسِيْبَوَيْه (٣) ، وهو مَنْسُوبٌ عِندَ أكْثرِ النُّحَاةِ إلى الفَارِسِيِّ، قالوا: ذَكَرَه في التَّذْكِرةِ (٤) ، ولم أجِدْ هذا الرأيَ في كُتُبِ الفَارِسِيِّ التي تَيَسَّرَ لي الاطلاعُ عليها.
وأرى أنّ الرأيَ الذي ذَهَبَ إليه ابنُ مالِك لا يَقْبَلُه المَنْطِقُ اللُّغَوي، إذ كيف يمْكِنُ للاسمِ أنْ يَحْملَ دَلالتين في وَقتٍ واحِدٍ، ف (غَيْر) عِنْدَه مَنْصُوبةٌ على الحالِ وتَحْمِلُ معنى الاسْتثناء،كَما أَنَّ تأويلَهُم للجُمْلةِ لا يُساعدُ على فَهمِ المَعْنى،وأرى أَنَّ تَوجيهَ ابنِ الباذِشِ هو الصَّوابُ، وأمّا رأيُ ابنُ عُصْفور والمَغاربة فرَأي صحيح لو ذَهَب إلى رأيِ الجُمْهورِ في نصب المُسْتثنى، ولكنَّه يرى أنَّه مَنْصوبٌ عن تَمامِ الكلامِ،وكذلك (غَيْر) .
إضافة (بينا) إلى الجملة
стр. 5468
تابَعَ أبو الحَسَن بنُ الباذِش أبا عليٍّ الفَارِسِيِّ وابنَ جِنِّي في مَسْأَلَةِ إِضَافَةِ (بَيْنا) إلى الجُمْلَةِ، وهم يَرَونَ أَنَّ (بَيْنا) في حَقيقَتِها مُضافَةٌ إلى زَمَانٍ مُضَافٍ إلى الجُمْلَةِ، وأَضَافُوهَا إلى ظَرْفِ الزَّمَانِ دُونَ ظَرْفِ المَكَانِ لِغَلبَةِ إِضَافَةِ الأزْمِنَةِ إلى الجُمَلِ دونَ الأمْكِنَةِ،ويَكُونُ تَقْديرُ قَوْلِكَ: (بَيْنا زَيْدٌ قائِمٌ إذْ أَقْبَلَ عَمْروٌ) : بَيْنا أوقاتِ زَيْدٌ قائِمٌ أَقْبَلَ عَمْرو (١) .
وهذا يُؤَكِّدُ أنَّ الزَّمَانَ الذي رَآهُ ابنُ جِنِّي وغَيْرُه مِنْ العُلَماءِ في (إذ) الفُجَائِيَّةِ هو في الحَقيقَةِ مَفْهُومٌ مِنْ (بَيْنا) ، فلا شكَّ أَنَّ (بَيْنَ) تَدُلُّ عَلى الزَّمَانِ والمَكَانِ، لكنّ (بَيْنا) و (بَيْنَما) تَدُلُّ عَلى الزَّمَانِ -غالبا- لِكَوْنِهِما تُضَافَان إلى الأزْمِنَةِ.
تَعَلُّقُ لامِ المُسْتَغاثِ لَه
اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في لامَيْ الاسْتِغَاثَةِ في نَحْوِ قولِ الشاعِرِ:
تَكَنَّفَني الوُشَاةُ فَأزْعَجُونِي فَيَا لَلَّه لِلوَاشِي المُطَاعِ (٢)
ففي لامِ المُسْتَغَاثِ بِهِ أَقْوَالٌ،مِنْها أنَّها زَائِدَةٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِشَيءٍ، ومِنْها أَنَّها تَتَعَلَّقُ بفِعْلِ النِّداءِ، ومِنْها أَنَّها تَتَعَلَّقُ بِحَرْفِ النِّداءِ (٣) .
стр. 5469
أَمَّا لامُ المُسْتَغَاثِ لَهُ ففي تَعَلُّقِها عِدَّةُ أَقْوَالٍ، فمِنْهُم مَنْ عَلَّقَها بفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، ومِنْهُم مَنْ عَلَّقَها باسْمٍ،وقد ذَهَبَ جُمْهورُ النُّحَاةِ إلى أَنَّ هذه اللامَ مُتَعَلِّقَةٌ بفِعْلٍ مَعْ اخْتِلافِهِم في هذا الفِعْلِ، فالفَارِسِيُّ يَرى أَنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بفِعْلٍ فيه مَعْنى الدُّعاءِ، فعَنْ ابنِ جِنِّي أنَّه قالَ (١) : " سَأَلَ أبو عليٍّ فقالَ: اّللامُ الثانِيَةُ مِنْ قَوْلِه:
............................ فيَا لَلنَّاسِ لِلوَاشِي المُطَاعِ
بأَيِّ شَيءٍ تَتَعَلَّقُ؟ فقلتُ: لا يَجوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بالَّلامِ الأولى؛ لأنَّ الأولى مُتَعَلِّقةٌ ب (يا) ، ولا ضَمِيرَ فيها، فيَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِها شَيءٌ،فقالَ: تَتَعَلَّقُ بمَعْنى الدُّعَاءِ؛ لأنَّ: (يَا لَزَيدٍ) في مَعْنى: يا زَيْدُ، أيْ:أدْعُو،فَكَأَنَّها مُتَعَلِّقَةٌ ب (أَدْعُو) الذي دَلَّ عَلَيْه (يَا لَلنَّاسِ) ".
ومِنْ النُّحَاةِ مَنْ ذَكَرَ أنَّها تَتَعَلَّقُ بفِعْلِ النِّداءِ (٢) ،ومِنْهم مَنْ قَدَّرَ (أَدْعُو) غَيرَ الفِعْلِ الأوَّلِ المَفْهُومِ مِنْ النِّداءِ فكَأَنَّه قالَ: أَدْعُوك لِزَيدٍ (٣) ، ومِنْهُم مَنْ اشْتَقَّ فِعْلاً مِنْ الاسْتِغاثةِ،ورَأى أَنَّ الَّلامَ الثانِيَةَ تَتَعَلَّقُ بفِعْلٍ مَحْذوفٍ تَقْديرُه (اسْتَغَثتُ) (٤) ،وذَهَبَ الرَّضيُّ إلى أَنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بمَا تَعَلّقَتْ به الَّلامُ الأولى (٥) ، واللامُ الأولى مُخْتَلَفٌ في تَعَلُّقِها، فالرّضيُّ لمْ يُحَدِّدْ مَا تَعَلَّقَتْ به الَّلامُ الأولى.
стр. 5470
هذه آراءُ مُعْظمِ النُّحَاةِ في هذِه المَسْألَةِ، فأَكْثَرُهُم يَذْهَبُ إلى تَقْديرِ الفِعْلِ، ولمْ أَرَ أَحَداً مِنْ النُّحَاةِ يُقَدِّرُ اسْماً في هذا المَوْضِعِ سِوى أبي الحَسَنِ بنِ الباذِش الغَرْناطيّ، فقد تَفَرَّدَ في هذا الرَّأيِ، وذَهَبَ إلى أَنَّ لامَ المُسْتَغاثِ لَه مُتَعَلِّقةٌ باسْمٍ مَحْذوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّقْديرُ عِنْدَه: يا لَلّهِ مَدْعوّاً لِلواشي (١) .
وأَرَى أَنَّ مَا ذَهَبَ إليه ابْنُ الباذِش الغَرْناطيُّ في تَقْديرِه لا يختَلِفُ كثيراً عَنْ الجُمْلَةِ الفِعْليَّةِ التي قَدَّرَها الجُمْهورُ، فلا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْديرَينِ مِنْ جِهَةِ المَعْنى، لكنّ تَقْديرَ الجُمْهورِ يَجْعَلُك تَتَعامَلُ مَع جُمْلَتَين، وتَقْديرُ ابنِ الباذِش تَتَعامَلُ فيه مَع جُمْلةٍ واحِدَةٍ،ولِذلِكَ أَرى أَنَّ رَأيَ ابنِ الباذِش أَقْرَبُ إلى الذِّهْنِ مِنْ رَأيِ الجُمْهورِ.
مَسألة في التنازع
مِنْ شَرْطِ التَّنَازُعِ عِندَ ابنِ مَالِك ألاّ يَكُونَ المُتَنَازَعُ فيه سَبَبِيّاً مَرْفُوعَاً، فليسَ مِنْ التَّنازُعِ قَوْلُكَ: (زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ مُسْرِعٌ أَخُوه) ، قالَ (٢) : " لأنّكَ لو قَصَدْتَ فيه التَّنازُعَ أَسْنَدْتَ أَحَدَ العَامِلَيْن إلى السَّبَبَيَّ،وهو الأخُ، وأَسْنَدْتَ الآخَرَ إلى ضَمِيرِه، فيَلزَمُ عدمُ ارْتِباطِه بالمُبْتدأ؛ لأنّه لمْ يَرْفَعْ ضَمِيرَه ولا مَا التَبَسَ بِضَمِيرِه"، وهذا حَاصِلٌ أَيْضاً في قَوْلِ كُثَيّر (٣) :
قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فوَفَّى غَرِيْمَه وعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنَّىً غَرِيمُها
стр. 5471
وقد أَشَارَ ابنُ مَالك في شَرْحِ الكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ إلى جَوازِ التَّنازُعِ عِندَ بَعْضِهِم (١) ،وهذا هو رَأيُ أبي الحَسَنِ بنِ الباذِش وابنِ طاهِر، واحْتَجَّ السُّيوطي لهذا الرَّأيِ بِقَوْلِه (٢) : " تَعْليقُ المَنْعِ بِكَوْنِ المِعْمُولِ سَبَبِيّاً تَعْميمٌ فاسِدٌ؛لأنَّهم أَسْنَدوا المَنْعَ لِعَدَمِ الارْتِباطِ، وذلكَ ليسَ مَوْجُوداً في كُلِّ سَبَبِيّ على تقديرِ التَّنازُعِ فيهِ ".
وأَرَى أَنَّ الإضْمَارَ في مِثلِ هذه التَّراكِيبِ لا يُؤَيِّدُه المَعْنى، وكَانَ بالإمْكَانِ الاسْتِغْناءُ عنه،وذلكَ مَوْجُودٌ في تَخْرِيجِ ابنِ مَالِك،فهو يَرَى أَنَّ (مَمْطُول) و (مُعَنَّى) خَبَران، و (غَرِيمُها) مُبْتَدأ، فالمَعْنى: وعَزَّةُ غَرِيْمُها مَمْطُولٌ مُعَنّىً (٣) ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وعَزَّةُ مَمْطُولٌ غَرِيمُها مُعَنّىً هو، والضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلى المُتَنازَعِ فيه كَمَا هو رَأي ابنِ الباذِش.
الاستفهام والتسوية
يَرَى ابنُ الباذِش أَنَّ الهَمْزَةَ في قَوْلِكَ: (عَلِمْتُ أَزَيْدٌ عِندَكَ أمْ عَمْروٌ) لَيْسَتْ للاسْتِفْهامِ، وكَذلكَ أَدَاةُ الاسْتِفْهامِ في قَوْلِه تَعالَى: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ ( ﴿الكهف ١٢﴾ ،وأَخَذَ بِهذا الرَّأيِ مُنْطَلِقاً مِنْ المَعْنى، فوُجُودُ مَعْنى الاسْتِفْهامِ في مِثلِ هذا المَوْضِعِ يُؤَدِّي إلى تَنَاقُضٍ، فقد تَقَدَّمَ العِلمُ عَلى طَلَبِ الفَهْمِ، فيَسْتَحِيلُ أنْ يَسْتَفْهِمَ المُتَكَلِّمِ عَمَّا أَخْبَرَ أنَّه يَعْلَمُه.
стр. 5472
وهو يَرَى أَنَّ المَعْنى الذي أَفَادَتْهُ الهَمْزَةُ في هذا التَّرْكِيبِ هو التَّسْوِيَةُ عِنْدَ المُخَاطَبِ؛ لأنّكَ لمْ تُبَيَّنْ لَهُ مَنْ المَقْصُودُ، وأَبْهَمْتَ عَلى المُخَاطِبِ،فنَقَلْتَ مَعْنى التَّسْوِيَةِ مِنْ نَفْسِكَ إلى المُخَاطَبِ، وهو يَرَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ أَخَصُّ مِنْ الاسْتِفْهامِ، فالاسْتِفْهامُ لا يَخْلو مِنْ التَّسْوِيَةِ، والتَّسْوِيَةُ تَخْلو مِنْ الاسْتِفهامِ.
وقد نَقَلَ أبو حيَّانَ في تَذْكِرَتِه نَصّاً لابنِ الباذِش في هذا المَعْنى، وهو (١) : " قال: (عَلِمْتُ أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْروٌ) و (لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ ( ﴿الكهف ١٢﴾ ليسَ حَرْفُ الاسْتِفْهامِ هُنا لِمَعْنى الاسْتِفْهامِ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْتَفْهِمَ عَمَّا أَخْبرَ أَنَّه يَعْلَمُه، وإِنَّمَا مَعْناهُ التَّسْوِيَةُ عِنْدَ المُخَاطَبِ؛ لأنّكَ لمْ تُبَيِّنْ لَهُ مَنْ ثمَّ، وأَبْهَمْتَ عَلَيْه، فنَقَلتَ ب (عَلِمْت) مَعْنى التَّسْوِيَةِ مِنْ نَفْسِك إلى المُخَاطبِ؛ لأنّك حِينَ قُلْتَ: (أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْروٌ) فهُما مُسْتَوِيَانِ عِنْدَك، وإنَّمَا تَطْلُبُ بالاسْتِفْهامِ العِلمَ بأَحَدِهِما، فالتَّسْوِيَةُ أَمْلَكُ مِنْ الاسْتِفْهامِ وأَخَصُّ؛ لأنّ الاسْتِفْهامَ لا يَخْلو مِنْ التَّسْوِيَةِ، والتَّسْوِيَةُ تَخْلو مِنْ الاسْتِفهامِ، ويُبَيِّنُ أَنَّ المُرَادَ بِه التَّسْوِيَةُ المُجَرَّدَةُ قولُه تَعَالَى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لمْ تُنْذِرْهُمْ ( ﴿البقرة ٦﴾ و (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُون ( ﴿الأعراف١٩٣﴾ انتهى كلامه ".
стр. 5473
ومَا أَرَاهُ أَنَّ جَمِيعَ الشَّواهِدِ القُرآنيَّةِ التي سَاقَها لا يُفْهَمُ مِنْها إلا الخَبَرَ، وهذا الخَبَرُ هو معنى التسوية الذي يتكلّم عنه ابن الباذِش، فلا أُخَالِفُه في هذا، وأَخْتَلِفُ مَعَه في نَقْلِ مَعْنى الاسْتِفْهامِ إلى مَعْنى التَّسْوِيَةِ،فالذي أَراهَ أَنَّ الأصْلَ في الهَمْزَةِ الاسْتِفْهامُ،وخُرُوجُها إلى مَعْنى التَّسْوِيَةِ أَمْرٌ طارِىءٌ سَبَّبَه وُجُودُ النَّقيضِ، وهو (عَلِمْت) و (سَوَاء) وغَيْرُهما مِنْ الألْفاظِ التي تُناقِضُ مَعْنى الاسْتِفْهامِ،فلمْ نَكُنْ لِنَفْهَمَ مَعْنى التَّسْوِيَةِ دونَ وُجُودِ (عَلِمْت) ، فقولك: (أَزَيْدٌ عِندَكَ أمْ عَمْروٌ) ليست التَّسْوِيَةُ واضِحَةً فيه، فالمَعْنى هو الاسْتِفْهامُ،وهو مَا أَفَادَتْه الهَمْزَةُ و (أم) عِندَ مَنْ عَدَّها مِنْ حُرُوفِ الاسْتِفهامِ.
(سَمِعَ) يتعدّى إلى مفعول واحد
ذَهَبَ الفَارِسِيُّ في الإيضَاحِ إلى أنَّ (سَمِعَ) مِنْ الأفْعَالِ التي تَتَعدَّى إلى مَفْعُولَيْن، قالَ (١) : " إلاّ أَنَّ (سَمِعْتَ) يَتَعَدَّى إلى مَفْعُولَيْن، ولا بُدَّ مِنْ أنْ يَكُونَ الثاني مِمّا يُسْمَعُ كَقَوْلِكَ: سَمِعْتُ زَيداً يَقُولُ ذاك "، ونَسَبَ ابنُ مَالِك هذا الرَّأيَ للأخْفَشِ والفَارِسِيِّ، وأَخَذَ بِه (٢) ، كَمَا أَخَذَ بِه العُكْبُري (٣) وابنُ القَوَّاسِ (٤) وابنُ الضَّائِعِ (٥) ،واحْتَجُّوا بأنَّ هذا الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ فَهْمُه عَلى سَمَاعِ سَامِعٍ، فقد دَخَلَ الفِعْلُ عَلى مَا لا يُسْمَعُ،فاحْتَاجَ عِنْدَها إلى مَعْنى المَسْمُوعِ (٦) .
стр. 5474
أَمَّا ابنُ الباذِش الغَرْناطي فهو يَرَى أَنَّ هذا الفِعْلَ مِنْ الأفْعَالِ التي تَتَعَدَّى إلى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ (١) ،واحْتَجَّ لِهذا الرَّأيِ بالقِياسِ عَلى سَائِرِ أَخَواتِها مِنْ أَفْعَالِ الحَوَاسِ، فهي جَمِيعاً تَتَعَدَّى إلى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ (٢) ، واحْتَجَّ أَيْضاً بأَنَّه لَوْ كَانَ مِمّا يَنْصِبُ الاثنَيْن لَسُمِعَ الثاني غَيْرَ جُمْلَةٍ نَكِرِةً ومَعْرِفَةً، فكَوْنُهُم لمْ يُسْمَعْ عَنْهم ذلك دَلَّ عَلى أَنَّ الفِعْلَ المَسْمُوعَ في مَوْضِعِ الحَالِ، فالجُمْلَةُ في نَحْوِ قَوْلِكَ: (سَمِعْتُ زَيْداً يَتَكَلَّمُ) لَيْسَتْ مَفْعُولاً بِه، وإِنَّما في مَوْضِعِ الحَالِ (٣) ، والمَسْمُوعُ في الحَقِيقَةِ هو الصَّوْتُ،وهو عَلى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُه:سَمِعْتُ صَوْتَ زَيْدٍ في حَالِ كَلامِه، فصَوْتُ زَيْدٍ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلاماً أو غَيْره، واحْتَجُّوا لِهذا بِقَولِه تَعَالى: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( ﴿الشعراء٧٢﴾ فالمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعَاءَكُم،عَلى حَذْفِ الدُّعَاءِ بدَليل (إذْ تَدْعُونَ) عَليه (٤) ، وقَالوا في قَولِ الشاعِرِ:
سَمِعْتُ النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْثاً فَقُلْتُ لِصَيْدَحَ انْتَجِعِي بِلالا (٥)
стр. 5475
المَعْنى: سَمِعْتُ هذا الكَلامَ الذي هو: (النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْثاً) ، وهذا عَلى الحِكَايَةِ (١) ،وهناكَ أدِلَّةٌ كَثيرةٌ تَدُلُّ عَلى هذا الرَّأيِ (٢) .
وقد أَشَارَ إلى هذا الرَّأيِ الجُرْجَانيُّ (٣) ،ونُسِبَ إلى الرُّمَّانيِّ (٤) وابنِ السّيدِ (٥) ،وأَخَذَ به ابنُ عُصْفور (٦) ، وأَرَى أَنَّ أَدِلَّةَ ابنِ الباذِش تُقوّي رَأيَ مَنْ أَخَذَ بهذا المذهبِ،فهي أَدِلَّةٌ يَقْبَلُها المَعْنى،ويُسَانِدُها العَقْلُ،فالسَّمعُ حَاسَّةٌ، وهذا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ المَسْمُوعُ صَوْتاً لا جِسْماً فقولكَ: سَمِعْتُ زَيْداً،تُريدُ بِه: صوتَ زَيدٍ.
حذف مفاعيل (أعلم) اقتصاراً
تَحَدَّثَ النُّحَاةُ عَنْ نَوْعَيْن مِنْ الحَذْفِ هُما الاقْتِصارُ والاخْتِصارُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما عِنْدَهُم أَنَّ حَذْفَ الاخْتِصَارِ يَكُونُ بِدَليلٍ،والاقْتِصارُ حَذْفٌ مِنْ غَيْرِ دَليلٍ، وفي حَذْفِ مَفَاعِيلِ (أَعْلَمَ) اقْتِصَاراً خِلافٌ بَيْنَ النُّحَاةِ (٧) ،وفيه رَأيان:
стр. 5476
الأوَّلُ: مَنْعُ الحَذْفِ، وهو الرَّأيُ الذي أَخَذَ بِهِ أبو الحَسَن بنِ الباذِش (١) ، وقد تابَعَ فيه سِيْبَوَيْه، قالَ في الكِتابِ (٢) : " ولا يَجُوزُ أَنْ تَقْتَصِرَ عَلى مَفْعُولٍ مِنْهُم واحِدٍ دونَ الثلاثةِ "، وأَخَذَ كَثيرٌ مِنْ النُّحَاةِ بِهذا الرَّأيِ، مِنْهُم المُبَرَّدُ (٣) ،وابنُ بابْشاذَ (٤) ،وابنُ عُصْفور (٥) ، وابنُ طاهِرٍ (٦) ، والسُّهيلي (٧) ،قالَ في نَتَائِجِ الفِكْرِ (٨) : " لأنّك لا تُريدُ بِقَوْلِكَ: (أَعْلَمْتُ زَيْداً) أيْ: جَعَلْتَهُ عَالِماً عَلى الإطلاقِ، هذا مُحَالٌ، إِنَّما تُريدُ: أَعْلَمْتُهُ بِهذا الحَدِيثِ، فلا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الحَدِيثِ الذي أَعْلَمْتَهُ به ".
هذه آراءُ النُّحَاةِ في هذه المَسْأَلَةِ، والمُلاحَظُ فيها وُجُودُ التَّناقُضِ في الآراءِ الكَثيرَةِ التي أَجازت الحذَْفَ، فهناك سبعة آراء، وكلُّ رَأيٍ مِنْها يتَعارض مع الآخر،والذي أَراهُ أَنَّ العَرَبِيَّ لا يَرْتَضِي أَنْ يَكونَ كَلامُه مُبْهَماً، فإِذا حَذَفَ كانَ هُناكَ مَا يَدُلُّ عَلى الحَذْفِ لَفْظاً أو مَعْنىً،حَيْثُ يُدْرِكُ أَنَّ السَّامِعَ قد أَدْرَكَ مَا يَرْمِي إليه المُتَكَلَّمُ، أَمَّا أَنْ يَحْذِفَ دونَ تَرْكِ دَليلٍ عَلى المَحْذُوفِ فهذا ليسَ مِنْ سَمْت لُغَةِ العَرَبِيِّ، فالذي يَظْهَرُ لي هو مَنْعُ الحَذْفِ، وهذا مَا اخْتَارَه ابنُ الباذِش
إفراد كافِ الخِطابِ
تَلْحَقُ بِأَسْمَاءِ الإشَارَةِ في العَرَبِيِّةِ كافُ الخِطَابِ، وهو حَرْفٌ يُبَيِّنُ أَحْوالَ المُخَاطَبِ مِنْ إِفْرَادٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعِ وتَذْكِيرٍ وتَأْنِيثٍ، فتَقولُ: (ذلكَ) (ذلكُمَا) (ذلكُمْ) (ذلكُنَّ) ...الخ،وقد جَاءَ في العَرَبِيَّةِ خِطَابُ الجَمْعِ بِكَافِ الخِطَابِ للمُفْرَدِ،ومِنْ ذلكَ قولُه تَعَالى: (ذلِكَ يُوعَظُ بِه ( ﴿البقرة ٢٣٢﴾ وفي آيةٍ أُخْرَى: (ذلِكُمْ يُوْعَظُ بِهِ ( ﴿الطلاق ٢﴾ والخِطَابُ في الآيَتَيْن للجَمَاعَةِ.
وذَكَرَ أبو الحَسَنِ بنُ الباذِش تَأْويلَيْن لإفْرادِ كافِ الخِطابِ عِندَ خِطابِ الجَمَاعَةِ (١) ، أَحَدَهُما أَنْ يَكُونَ الخِطابُ خَاصّاً بِوَاحِدٍ مِنْ الجَمَاعَةِ لجَلالَتِه، والمُرادُ الجَمِيعُ، والثاني تَقْديرُ اسْمٍ مِنْ الأسْمَاءِ (أَسْمَاءِ الجُمُوعِ) التي تَقَعُ عَلى الجَمَاعَةِ،والخِطَابُ فيه للكُلِّ، ويُقَدِّرُه ابنُ الباذِش بقَوْلِه: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ يا فَريقُ ويا جَمْعُ.
стр. 5479
وقد أَشَارَ العُلمَاءُ إلى أَنَّ المُخَاطَبَ في الآيَةِ الأولى إِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولَ- ﷺ أو كُلَّ سَامِعٍ، فَأُفْرِدَت الكَافُ، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ الخِطَابُ للجَمَاعَةِ، وهذا هو الظَّاهِرُ عِنْدَهُم؛ لأنَّ الخِطَابَ في الآيَةِ كُلِّها للجَمَاعَةِ (١) ، ولذلِكَ احْتَاجَ الأمْرُ عِنْدَهُم إلى تَأويلٍ.
стр. 5480
ومَا أَرَاهُ أنَّ اسْمَ الإشَارَةِ تَتَّصِلُ بِهِ كَافُ الخِطَابِ لِتُبَيِّنَ حَالَ المُشارِ إِلَيْهِ لا لِتُبَيِّنَ حالَ المُخَاطَبِ فَقَط، فأَنْتَ تَقُوْلُ: (ذلكَ رَجُلٌ) والمُخَاطَبُ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّساءِ،وتَقُولُ: (ذلكَ أَمُرٌ عَظيمٌ) والمُخَاطَبُ جَمَاعَةٌ مِنْ الرِّجَالِ، فَلَوْ كَانَتْ الكَافُ تُبَيِّنُ أَحْوالَ المُخَاطَبِ فقط لَقُلتَ في الأولى: (ذلكُنَّ رَجُلٌ) ، وفي الثانِيَةِ: (ذلكُمْ أَمْرٌ عَظيمٌ) ،وكُلُّ هذا جَائِزٌ،ولكنَّكَ تَقولُهُ لدَلالَةٍ مُعَيَّنَةٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ولا أَرَى أَمْرَ هاتَيْن الآيَتَيْن يَخْتَلِفُ عَنْ قَوْلِه تَعَالى: (ذلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِر اللهِ ( ﴿الحج ٣٢﴾ ، وقوله تعالى: (هذا فَلْيَذُوْقُوْهُ حَمِيْمٌ وغَسَّاق ( ﴿ص ٥٧﴾ ، فلا يُوجَدُ مُشَارٌ إليه ظَاهِرٌ في هاتَيْن الآيَتَيْن؛ ولِذلكَ ذَهَبَ النُّحَاةُ هُنا إلى التَّأْوِيلِ بِأَنْ قالوا: خَبَرٌ لمُبْتَدأ مَحْذُوفٍ،أو مُبْتَدأ وخَبَرُه مَحْذوفٌ، وقَدَّرُوا المَحْذُوفَ ب (الأمر) ،فالأغْلَبُ عِنْدي أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ في الآيَتَيْن -مَوْضِعِ الخِلافِ-:ذلكَ الأمْرُ يُوعَظُ بِه، وذلكُمْ الأمْرُ يُوعَظُ بِه،فكَافُ الخِطَابِ لا تَتَعَلقُ بحالِ المُخَاطَبِ، وإِنَّما ببَيانِ حَالِ المُشَارِ إليه، أَمَّا السَّبَبُ في الإفْرَادِ في الأولى والجَمْعِ في الثانِيَةِ فهو يَعُودُ إلى قِيمَةٍ بَلاغِيَّةٍ، فإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِتَعْظِيمِ المُشارِ إِليهِ في مَوْضِع دونَ الآخَرِ، وهو مَا أَشَارَ إليه ابنُ الباذِشِ في تأويلِهِ الأوّل،وأَرَاه صَواباً، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُ اسْمِ الإشَارَةِ في هذِه الآياتِ للرَّبْطِ،والمَقصُودُ بِهِ رَبْطُ الَّلاحِقِ بالسَّابِقِ في ذِهْنِ السَّامِعِ،ولا أَرَى حَاجَةً إلى التَّأويلِ في هذا المَوْضِعِ؛ لأنَّ المَعْنى
стр. 5481
مُسْتَغْنٍ عَنْ أيِّ لَفْظٍ جَدِيدٍ.
بدل الاشتمال
تابَعَ أبو الحَسَنِ بنُ الباذِش المُبَرِّدَ في مَعْنى بَدَلِ الاشْتِمَالِ (١) ، فالمُبرِّدُ يَرى أَنَّ المَقْصُودَ في بَدَلِ الاشتِمَالِ هو الثانِي،والاشتِمَالُ عِنْدَه إسْنَادُ الخَبَرِ إلى الأوَّل عَلى إِرَادَةِ غَيْرِه مِمَّا يَتَعَلّقُ بِه، قالَ في المُقْتَضَبِ (٢) : " والضَّرْبُ الثالثُ أَنْ يَكُونَ المَعْنى مُحِيطاً بِغَيْرِ الأوَّلِ الذي سَبَقَ له الذِّكْرُ لالتِبَاسِه بِمَا بَعْدَه، فَتُبْدِلُ مِنْه الثانِي المَقْصُودُ في الحَقِيقَةِ ".
وفي هذا الرَّأْيِ لا يَشْتَمِلُ البَدَلُ عَلى المُبْدَلِ مِنْه أو العكس، وإِنَّما الاشتِمَالُ للخَبَرِ المُسْنَدِ إلى الأوَّلِ، فإذا قُلْتَ: (سُلِبَ زَيْدٌ ثوبُهُ) أو (أَعْجَبَني زَيْدٌ عِلْمُه) فالمَسْلُوبُ هو الثوبُ لا زَيْدٌ، والمُعْجِبُ هو العِلْمُ لا زَيْدٌ، وبِناءً عَلى هذا يَكُونُ إِسْنَادُ المَعْنى إلى الأوِّلِ مَجَازاً وإلى الثانِي حَقيقَةً (٣) .
وأَخَذَ بِهذا الرَّأيِ السِّيْرَافِيُّ والرُّمَّانِيُّ وابنُ مَلْكون وغَيْرُهُم مِنْ النُّحَاةِ (٤) ، ورَدَّه ابنُ مَالِك (٥) ،وابنُ أبي الرَّبيعِ، قالَ في البَسيطِ (٦) : " ويَنْكَسِرُ هذا عَلَيْهِم ببَدَلِ البَعْضِ مِنْ الكُلِّ؛ لأنَّ بَدَلَ البَعْضِ مِنْ الكُلِّ عُلَّقَ فيه الفِعْلُ وهو في المَعْنى طالِب بالثانِي ".
стр. 5482
وفي هذه المَسْأَلَةِ آراءٌ أُخْرى، مِنْها أَنَّ المُبْدَلَ مِنْه مُشْتَمِلٌ عَلى البَدَلِ، والمَقْصُودُ بهذا الرَّأيِ أَنَّه يَجُوزُ لك الاكْتِفاءُ بالأوَّلِ لكَوْنِه مُتَضَمِّناً للثانِي، فيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: (سُرِقَ عَبْدُاللهِ) وأنتَ تُريدُ: (سُرِقَ عَبْدُاللهِ ثَوْبُه) (١) .
ومِنْ هذه الآراءِ أَنَّ البَدَلَ مُشْتَمِلٌ عَلى المُبْدَلِ مِنْه،فالثوبُ في قَوْلِكَ: (سُرِقَ عَبْدُاللهِ ثوبُهُ) مُشْتَمِلٌ عَلى عَبْدِاللهِ (٢) .
وذَهَبَ الجُرجانِيُّ إلى أَنَّه لا خُصُوصِيّةَ لاشْتِمالِ أَحَدِهِما عَلى الآخَرِ (٣) .
وذَهَبَ الزَّجَّاجُ إلى تَسْمِيَةِ هذا النَّوْعِ مِنْ البَدَلِ بِبَدَلِ المَصْدَرِ (٤) .
стр. 5483
وأَرى أَنَّ هذا الخِلافَ ليسَ بِذي فَائِدَةٍ كَبيرَةٍ، فالنُّحَاةُ لمْ يَخْتَلفوا في إعْرابِ البَدَلِ، وإنّما الخِلافُ في تَحْديدِ المَقْصُود ببَدَلِ الاشْتِمَالِ،فهو خِلافٌ في حَدِّ المصْطَلَحِ،وأرَى أنَّ هذا التَّحْديدِ يَدْخُلُ في الجَانِبِ الفَلْسَفِيِّ للنَّحْو، وأَرَى أنّهُ يُمْكِنُ القَوْلُ: كُلُّ مُبْدَلٍ يَشْتَمِلُ عَلى البَدَلِ ولكنْ ليسَ كُلُّ بَدَلٍ يَشْتَمِلُ عَلى المُبْدَلِ مِنه، ومِثالُ ذلكَ أنَّكَ إذا قلتَ: (أَعْجَبَتْني الزَّهْرَةُ رَائِحَتُها) تَسْتَطِيعُ القَوْلَ إِنَّ الزَّهْرَةَ تَشْتَمِلُ عَلى الرَّائِحَةِ،ولكنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقولَ إنَّ الرَّائِحَةَ تَشْتَمِلُ عَلى الزَّهْرَةِ،فبينَهُما مَا يُشْبِه العُمُومَ والخُصُوصَ، فالعامُّ يَشْمَلُ الخاصَّ ولكِنَّ الخَاصَّ لا يَشْمَلُ جَميعَ العامِّ،كَمَا أَنَّك إذا قلت: (سُرِقَ زَيْدٌ ثوبُه) جَازَ لكَ أنْ تَقولَ إنَّ البَدَلَ يَشْتَمِلُ على المُبْدَلِ مِنْه، وجازَ العَكْسُ، وهذا الذي أَرَاهُ هو الذي دَفَعَ النُّحَاةُ إلى القوْلِ بأكثر من رأي.
إعراب المخصوص بالمدح
نُسِبَ لسِيْبَوَيْه في إِعْرابِ المَخْصُوصِ بالمَدْحِ قَوْلان:
ويَرى ابنُ خَروف أَنَّ في عِبَارَةِ سِيْبَوَيْه غُمُوضاً (١) ، وهذا هو الحَاصِلُ، فعِبَارَةُ سِيْبَوَيْه تَحْتَمِلُ الرَّأْيَيْن، قالَ في كِتابِه (٢) : " وإِذا قالَ: (عَبْدُ اللهِ نِعْمَ الرَّجُلُ) فهو بمَنْزِلَةِ: (عَبْدُ اللهِ ذَهَبَ أَخُوه) ،كَأَنَّه قَالَ: (نِعْمَ الرَّجُلُ) فقِيْلَ لَه: مَنْ هو؟ فقالَ: (عَبْدُ اللهِ) ، وإذا قالَ: (عَبْدُ اللهِ) فكَأَنَّه قيلَ له: مَا شَأْنُه؟ فقالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ ".
فإِذا أَرَدْتَ المَعْنى العامَّ لِنَصِّ سِيْبَوَيْه فرَأْيُه مَا ذَهَبَ إليه ابنُ الباذِش، وإِذا أَرَدْتَ أَنْ تُفَسِّرَ كَلامَ سِيْبَوَيْه مَقْطَعِيّاً، فالمَقْطَعُ الثانِي مِنْ كَلامِه يَدُلُّ عَلى ما ذَهَبَ إليه الجُمْهورُ، وهو قَوْلُه: " كَأَنَّه قالَ: (نِعْمَ الرَّجُلُ) ،فقِيلَ له: مَنْ هو؟ فقالَ: عَبْدُ اللهِ "، فالمَعْنى عَلى أَنَّ التَّقْديرَ: هو عَبْدُ اللهِ.
ونَقَلَ لَنا أبو حَيَّانَ اسْتِدلالَ ابنِ الباذِش عَلى مَذْهَبِه، فذَكَرَ أنّه اسْتَدَلَّ بوَجْهَيْن (٣) :
الأوَّلِ: جَوازُ حَذْفِ المَخْصُوصِ كَقَوْلِهِ تَعَالى: "نِعْمَ العَبْدُ " فحُذِفَ للعِلْمِ، ولَوْ كَانَ مُبْتَدأ مَحْذُوفَ الخَبَرِ أو عَكْسَه للزِمَ مِنْ ذلكَ حَذْفُ الجُمْلَةِ بأَسْرِها، والعَرَبُ لا تَفْعَلُ ذلك.
الثانِي: إِنَّ جَعْلَ جُمْلَةِ المَدْحِ جُمْلَتَيْن يُؤَدِّي إلى ارْتِبَاطِهِمَا مِنْ غَيْرِ رَابِطٍ؛ لأنَّ (نِعْمَ الرَّجُلُ) جُمْلَةٌ، و (زَيْدٌ) المَمَدُوحُ جُمْلَةٌ، ولا تَعَلُّقَ بَينَهما بِخِلافِ المَذْهَبِ الذي يَجْعَلُ جُمْلَةَ المَدْحِ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
وفي هذه المَسْأَلَةِ رَأيان آخَران:
стр. 5486
الأوّل: أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ مُبْتَدأ خَبَرُه مَحْذُوفٌ تقديره: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ المَمْدوحُ، ذَكَرَهُ ابنُ عُصْفور في المُقَرّبِ (١) .
الثاني: المَخْصُوصُ بَدَلٌ مِنْ الفاعِلِ، وهو رَأيُ ابنِ كَيْسان (٢) ، ويَرُدُّه أَنَّ المَخْصوصُ لازِمٌ،وليسَ البَدَلُ بلازِمٍ في الكَلامِ، كَمَا يَرُدُّه أنَّه لا يَصْلُحُ لمُباشَرَةِ "نِعْمَ".
يُلاحَظُ في هذه المَسْألةِ تَعَدُّدّ وُجُوه الإعْرابِ،وسَبَبُ هذا التَّعَدُّدِ هو عِبَارَةُ سَيْبَوَيْه الغامِضَةُ، وأَرَى أَنَّ الاسْتِدلالَ الذي قَدَّمَه ابنُ الباذِشِ اسْتِدْلالٌ يَدُلُّ عَلى فَهْمٍ سَديدٍ لِعَبارَةِ سِيْبَوَيْه،ويُضَافُ إلى اسْتِدْلالِه أَنَّ جُمْلَةَ المَدْحِ تامَّةُ المَعْنى، فلا تَحْتاجُ إلى التَّقْديرِ الذي ذَهَبَ إليه أَكْثرُ النُّحَاةِ في الرَّأْيِ الأوَّلِ.
دلالة (ربّ)
اسْتَعْمَلَتْ العَرَبُ (رُبَّ) للدّلالَةِ عَلى العَدَدِ،والمَقْصُودُ بالعَدَدِ هو القِيْمَةُ التي تَدُلُّ عليه مِنْ حيث القلَّةِ والكَثرَةِ، وهذا الاسْتِعْمالُ ثابِتٌ في أشْعَارِهم وأقوالِهم، واخْتَلَفَ النُّحَاةُ في القِيمَةِ التي تَدُلُّ عَلَيهِ (رُبَّ) ،واخْتِلافُهُم مَحْصُورٌ في دَلالَتِها على القَلِيلِ أو الكَثيرِ (٣) .
وذَهَبَ ابنُ الباذِش إلى أنَّه لا يُمْكِنُ تَحْديدُ القِيمَةِ التي تَدُلُّ عَليه سَواء كانت قلَيلَةً أو كثيرةً، فهي مَجْهولَةٌ مُبْهَمَةٌ مِنْ هذه الناحِيَةِ (٤) ،وتَابَعَه في هذا الرَّأيِ ابنُ طَاهِر (٥) .
стр. 5487
وبَعْدَ اسْتِعْراضِ مَجْمُوعَةٍ مِنْ شَواهِدِ النُّحَاةِ الشِّعْرِيَّةِ على الكَثرَةِ أو القِلَّةِ رَأَيْتُ أَنَّها لا تَدُلُّ عَلى أَنَّ هناك قيمَةً مَحْدودَةً يُمْكن قِياسُها مِنْ خِلالِ السِّياقِ، فحَقِيقَةُ هذه القِيمَةِ مَجْهُولَةٌ لا يُمْكِنُ إِدْرَاكُها إلاّ بقَرينَةٍ لفظية أو مَعْنَويّة، ومِمّا يُذْكَرُ في هذا المَوْضع أَنَّ كثيراً مِنْ الشَّواهِدِ التي اسْتَدَلُّوا بِها عَلى الكَثْرَةِ قد رُدَّتْ واسْتَدَلّوا بها عَلى القِلةِ (١) ، وهذا مِمّا يُقَوِّي رَأيَ أبي الحَسَن بن الباذِش.
اسم وخبر كان إذا كانا معرفتين
اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في تَفْسِيرِ عِبَاراتِ سِيْبَوَيْه، ومِنْ تلك العِبارَاتِ التي اخْتَلَفُوا فيها عِبَارَتان تَتَعَلّقان باسْمِ وخَبَرِ (كانَ) إذا كَانا مَعْرِفَتَيْن،وكانَ لأبي الحَسَنِ بن الباذِش رَأيٌ في تَفْسِيرِ هَاتَيْن العِبَارَتَيْن.
العِبَارةُ الأولى: قَوْلُ سِيْبَوَيْه (٢) : " وإِذا كانا مَعْرِفَةً فأنتَ بالخيارِ: أيَّهُما مَا جَعَلتَه فاعِلاً رَفَعْتَه ونَصَبْتَ الآخَرَ كَما فَعَلْتَ ذلك في ضَرَبَ، وذلك قَوْلُكَ:كَانَ أَخُوكَ زَيْداً، وكَانَ زَيْدٌ صَاحِبَكَ، وكَانَ هذا زَيْداً، وكَانَ المُتَكَلّمُ أَخَاكَ ".
لمْ تَخْتَلِفْ نَظْرَةُ ابنِ الباذِش وغيرِه مِنْ النُّحَاةِ إلى هذه العِبَارَةِ عَنْ نَظْرَتِهِ إلى العِبَارَةِ السَّابِقَةِ، فَيَنْطَلِقُ في تَفْسِيرِه مِنْ التَّرْكِيبِ مُرْتَبِطاً بِواقِعِ الحَالِ، فهو يَرْبِطُ بَيْنَ االمُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه كَتَرْكِيبٍ وبَيْنَ المُخَاطَبِ مِنْ حَيْثُ عِلْمِه أو جَهْلِه، قالَ أبو حيَّانَ في تَفْسيرِ هذه العِبارَةِ نَقلاً عَنْ السِّيْرَافِيِّ وابنِ الباذِش والشلوبين وابنِ الضَّائِعِ (١) : " مُرَادُ سِيْبَوَيْه أنّكَ لا تُخْبِرُ المُخَاطَبَ فتَجْعَلَ له الخَبَرَ عَنْ (كَانَ) المَجْهُولَ عندَه، إنّما مُرادُه أَنَّهُما إذا كَانَا مَعْرِفَتَيْن والمُخَاطَبُ يَعْرِفُ كُلاً عَلى انْفِرَادِه لا التركيب، فأَرَدْتَ أَنْ تُخْبِرَ بانْتِسَابِ أَحَدِهِمَا إلى الآخَرِ، فأنتَ إذن بالخيارِ، وإِنَّما جَعَلْتَ الاسْمَ والخَبَرَ [بالخيارِ] لأنَّ كُلاً مِنْهُما عِنْدَه في المَعْرِفَةِ سَواء، إذ مَقْصُودُكَ هو أَنْ تُعَرِّفَه تَرْكِيبَهُما ".
(كان) التي فيها ضمير الشأن ناقصة
اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في (كَانَ) التي يُضْمَرُ فيها الأمْرُ والشَّأْنُ نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ (٢) :
إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ:شَامِتٌ وآخَرُ مُثْنٍ بالّذي كُنْتُ أَصْنَعُ
стр. 5490
فقد نَقَلَ لَنا أبو جَعْفَر بنُ الإمَامِ أبي الحَسَنِ بنِ الباذِش عَنْ أبي القاسِمِ الشَّنْتَريني أنّه قال (١) : " مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَانَ التي يُضْمَرُ فيها الأمْرُ والشأنُ هي النَّاقِصَةُ فقد أَخْطَأَ، وإنّما هي غَيْرُها "،والمَقْصُودُ بغَيْرِها تَمَامُها وإَلْغاءُ عَمَلِها في المُبْتَدَأ والخَبَرِ، وهو رَأيُ ابنِ الطَّرَاوَةِ (٢) .
وأَخَذَ أبو الحَسَنِ بنِ الباذِش برَأيِ الجُمْهُورِ، فإِنَّ (كَانَ) التي فيها الأمْرُ والشَّأنُ هي النَّاقِصَةُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقد نَقَلَ لنا رَأيَهُ في هذه المَسْألَةِ وَلَدُه أبُو جَعْفَر، قالَ (٣) : "قالَ أَبي: والصَّحِيحُ أَنَّ (كَانَ) المُضْمَرَ فيها الأمْرُ والشَّأنُ هي (كَانَ) النَّاقِصَةُ، والجُمْلةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، يَدُلُّ عَلى ذلكَ أَنَّ الأمْرَ والشَّأنَ يَكُونُ مُبْتدأ ومُضْمَراً في (إِنَّ) وأَخَواتِها و (ظَنَنْت) وأَخَواتِها والجُمْلةُ المُفَسِّرَةُ الوَاقِعَةُ مَوْقِعَ خَبَرِ هذه الأشْياءِ،ومَا ثبَتَ أنَّه خَبَرُ المُبْتَدأ، ولَمّا ذُكِرَ معه ثبَتَ أنَّه خَبَرٌ لِ (كَانَ) . انتهى ".
وأَرَى أَنَّ الأقْرَبَ إلى الصَّوَابِ في هذِه المَسْألةِ هو مَا ذَهَبَ إليه الشَّنْتَريني، فإنَّ مَا ذَهَبَ إليه الجُمْهُورُ يُنَاقِضُ المَعْنى، فإضْمَارُ الشأنِ في هذا المَوْضِعِ لا دَلالةَ عليه، فلا حَاجَة تَدْعُونا إلى إضْمَارِه،كَمَا أَنَّ في اخْتِيارِ الشَّنْتَريني بُعداً عَنْ التَكَلُّفِ.
العطف على اسم (أنّ)
لَنْ أَخُوضَ في الخِلافِ بَيْنَ النُّحَاةِ في مَسْألةِ العَطْفِ عَلى اسْمِ (إنَّ) وأَخَواتِها، فهذِه مَسْأَلةٌ طَويلةٌ أشبعَ البَحْثُ فيها، وهي مَوْجُودَةٌ في الكُتُبِ حَيثُ يَكادُ لا يَخْلو كِتابٌ مِنْ ذِكْرِها.
стр. 5491
يَنْقُلُ ابنُ عَطِيَّةَ الأندَلُسيّ رَأْيَ أُسْتاذِه أبي الحَسَنِ بنِ الباذِش في إعْرابِ قَولِهِ تَعَالى: (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنْ المُشْرِكينَ ورَسُوْلُه ( ﴿التوبة ٣﴾ فيقولُ (١) : " ومَذْهَبُ الأسْتاذِ يَعْني ابنَ الباذِش عَلى مُقْتَضَى كَلامِ سِيْبَوَيْه أَنَّ لا مَوْضِعَ لِمَا دَخَلَتْ عَليه (أَنَّ) إذْ هو مُعْرَبٌ قد ظَهَرَ فيه عَمَلُ العَامِلِ، وأنَّه لا فَرْقَ بَيْنَ (أَنَّ) وبَيْنَ (لَيْتَ) ،والإجْمَاعُ عَلى أَنْ لا مَوْضِعَ لِمَا دَخَلَتْ عليه هذه " هذا كَلامُ ابنِ عَطِيَّةَ نَقْلاً لمَذْهَبِ ابنِ الباذِش.
ويُفْهَمُ مِنْ هذا الكَلامِ أنَّ عَالِمَنا يَأْخُذُ برَأيِ سِيْبَوَيْه في عَدَمِ جَوَازِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ (أَنَّ) ، وأَنَّ مَا جَاءَ مِنْها مَرْفُوعَاً كَهذِه الآيةِ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، كَأَنَّهُ قالَ: (ورَسُولُه كَذلِكَ) .
ورَفْعُه لا يَكُونُ إلاّ مِنْ ثلاثةِ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ،وثانِيْها أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ، والثالثِ العَطْفُ عَلى مَحَلِّ اسْمِ أَنَّ، وهذا مَا لمْ يُجِزْهُ سِيْبَوَيْه (٢) وغَيْرُه مِنْ المُحَقِّقين، ويَرَوْنَ أَنَّ العَطْفَ في هذِه المَواضِعِ عَلى الجُمَلِ لا عَلى المُفْرَداتِ، أيْ: العَطْفُ عَلى جُمْلةِ (أَنَّ) واسْمِها وخَبَرِها لا عَلى اسْمِ (أَنَّ) (٣) .
стр. 5492
ويَرَى أبُو حيَّانَ أَنَّ العِلَّةَ التي ذَكَرَها ابنُ الباذِش في أنَّ لا مَوْضِعَ لِمَا دَخَلَتْ عَلَيه (أَنَّ) غَيرُ صَحيحَةٍ، فالعِلَّةُ ليْسَت هي ظُهُورُ عَمَلِ العَامِلِ بدَلِيلِ: (لَيْسَ زَيْدٌ بقائِمٍ) فقد ظَهَرَ العَامِلُ، ولَهُمَا مَوْضِعٌ (١) .
ويُعَلِّقُ أَيْضاً عَلى مَا ذَكَرَه مِنْ إِجْمَاعِ النُّحَاةِ عَلى (لَيْتَ) ،وأَنَّه لا مَوْضِعَ لِمَا دَخَلَتْ عَلَيه، فهُناكَ خِلافٌ في هذه المَسْأَلةِ، فقد ذَهَبَ الفَرَّاءُ إلى أَنَّ حُكْمَ (لَيْتَ) حُكْمُ غَيْرِها مِنْ أَخَواتِها، فلَيْسَ في هذا الرَّأيِ إِجْمَاعٌ كَمَا ذَكَرَ ابنُ الباذِش (٢) .
ورَدَّ السَّمينُ الحَلَبي قَوْلَ ابنِ الباذِش: (وأنَّ لا فَرْقَ بَيْنَ أَنَّ وبَيْنَ لَيْتَ) فقال (٣) : "فإِنَّ الفَرْقَ قائِمٌ، وذلك أَنَّ حُكْمَ الابْتِداءِ قد انتَسَخَ مَعْ (لَيْتَ) و (لَعَلَّ) و (كَأنَّ) لفظاً ومعنىً بخِلافِه مَعْ (إِنَّ) و (أَنَّ) فإِنَّ مَعْناه معهما باقٍ "
جواز نصب صفة (أي) في النداء
أَجَازَ المَازِنِيُّ نَصْبَ صِفَةِ (أَيّ) في النِّداءِ،وذلكَ في قَوْلِكَ: (يَا أَيُّها الرَّجُلُ) فأَجَازَ النَّصْبَ في (الرَّجُلِ) (٤) ،ووَجْهُ نَصْبِهِ عِنْدَ المَازِنِيِّ مِنْ جِهَةِ القِياسِ فيهِ قَوْلان:
стр. 5493
أَوَّلُهُمَا: الحَمْلُ عَلى مَوْضِعِ (أَيّ) ، فالأصْلُ في النِّداءِ النَّصْبُ (١) ، ورَدَّ النُّحَاةُ هذا القِياسَ بأنَّ الحَمْلَ عَلى المَوْضِعِ حَمْلٌ عَلى التَّأويلِ،ولا يُحْمَلُ عَلى التَّأويلِ مَا لمْ يَتِمَّ الكَلامُ (٢) ،كَمَا قالُوا: إِنَّ الحَمْلَ عَلى المَعْنى إِنَّما يَكُونُ في المُنَادى المُسْتَغْنِي عَنْ الصَّفَةِ، فأَمَّا (أَيّ) فلا تَسْتَغْنِي عَنْ الصِّفَةِ، فلا تُحمَلُ صِفَتُها عَلى المَعْنى (٣) .
وثانِيها: القِياسُ عَلى صِفَةِ غَيْرِه مِنْ المُنَادَياتِ المَضْمُومَةِ (٤) ،ورَدَّه النُّحَاةُ، قالَ القوَّاسُ (٥) : " وهو ضَعِيفٌ؛ لأنَّ المَقْصُودَ بِصِفَةِ العَلمِ الإيضاحُ، والمُنَادَى هُناكَ هو العَلَمُ،وها هُنا الصِّفَةُ هي المُنَادَى،و (أيّ) وَصْلةٌ إلى نِدَائِه، ولِذلكَ لا يُوقَفُ عَلى الوَصْلَةِ دونَ الصِّفَةِ بخِلافِ العَلَمِ".
أَمّا وَجْهُ النَّصْبِ مِنْ جِهَةِ السَّمَاعِ فقد أَنْكَرَ النُّحَاةُ وُجودَ سَمَاعٍ في هذا المَوْضِعِ (٦) ، قالَ ابنُ بُرْهان (٧) : " ولمْ يُسْمَعْ في (الرَّجُلِ) النَّصْبُ، كَمَا قالوا: (يَا زَيْدُ الفاضِلَ) ؛لأنَّ (الرَّجُلَ) وإنْ كَانَ صِفَةً في اللَّفْظِ فإِنَّه المَقْصُودُ بالنِّدَاءِ، فأَلزَمُوا (الرَّجُلَ) الرَّفْعَ ليَدُلُّوا عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُما، وسَوَّى بَيْنَهُما أبو عُثمَان قِياساً مِنْ غَيْرِ رِوايَةٍ ".
стр. 5494
ونَقَلَ أبُو حيَّانَ عَنْ أبي الحَسَن بنِ الباذِش أَنَّ النَّصْبَ في هذا المَوْضِعِ مَسْمُوعٌ عَنْ العَرَبِ، ولمْ يَذْكُرْ شاهِداً عَلى ذلك (١) ،وذكر الصَّبَّانُ في حَاشِيَتِه عَلى الأشْمُوني سَمَاعَ ابنِ الباذِش، ونَقَلَ شَاهِداً عَلى ذلكَ عَنْ السّنْدُوبي وهو قِراءَةُ بَعْضِهم: " قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرِينَ " ﴿الكافرون ١﴾ بالنَّصْبِ (٢) ،ولمْ أجِدْ في كُتُبِ القِراءاتِ التي تَيَسَّرَ لي الاطِّلاعُ عَليْها هذه القراءَةَ،ولا يَعْني ذلكَ أَنَّ هذه القراءَةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، فأبو حَيَّانَ يُؤكِّدُ أَنَّ عِنْدَ ابنِ الباذِشِ شَاهِداً عَلى ذلكَ، والصَّبَّانُ يَنْقُلُ هذا الشَّاهِدَ القُرْآنِيّ،ونَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ابنَ الباذِشِ مِنْ أَكابِرِ عُلماءِ القِراءاتِ في عَصْرِه،ويَشْهَدُ عَلى ذلكَ كِتابُ وَلدِه المَوْسُومُ ب (الإقناعِ) ، فمِنْ الصَّعْبِ الشَّكُّ فيما يَنْقُلُ هذا العَالِمُ مِنْ رِواياتٍ عَنْ القرَّاءِ.
والحَقُّ أَنَّ هذه القِراءَةَ إنْ صَحَّت دَعَامَةٌ تُقَوِّي مِنْ رَأيِ المَازِنِيِّ، ومَا نُقِلَ عَنْ ابنِ الباذِش يَدُلُّ عَلى جَوازِ نَصْبِ صِفَةِ (أَيّ) في النِّداءِ عِنْدَه، فلو كَانَ هذا السَّماعُ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ عِنْدَه مَا ذَكَرَه.
الفصل بين نكرتين
стр. 5495
نَقَلَ أبُو حَيَّانَ وغَيْرُه عَنْ أبي الحَسَن بنِ الباذِشِ أَنَّه حَكَى عَنْ قَوْمٍ مِنْ الكُوفِيَّين أَنَّهُم أَجَازُوا الفَصْلَ بَيْنَ النَّكِرَاتِ (١) ، ومِنْ ذلكَ قَوْلُه تَعالى: "أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ " ﴿النحل ٩٢﴾ هذا مَا نَقَلَهُ أبو حَيَّانَ عَنْ ابنِ الباذِش، ولا يَدُلُّ هذا عَلى مُتَابَعَةِ ابنِ الباذِش للكُوفِيِّين،وقد ذَكَرَ رَأيَهُم الزَّجَّاجُ في مَعَانيه ورَدَّه (٢) .
اشتقاق اسم الفاعل من العدد فوق العشرة
أَجَازَ سِيْبَوَيْه وجَمَاعَةٌ مِنْ المُتَقدِّمين اشْتِقَاقَ اسْمِ الفَاعِلِ المُخْتَلفِ في المُرَكَّبَاتِ قِياساً لا سَمَاعاً، فيُجِيزُ: رَابِعُ ثَلاثَةِ عَشْر وخَامِسُ أَرْبَعَةِ عَشْر بمَعْنى التَّصْييرِ،وقاسَ سِيْبَوَيْه ذلكَ عَلى مُتَّفقِ الألفاظِ، قالَ (٣) : "ونَقُولُ: هو خَامِسُ أَرْبَعٍ إذا أَرَدْتَ أَنْ تُصَيِّرَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ خَمْسَةً، ولا تَكادُ العَرَبُ تَكَلَّمُ بِه كَما ذَكَرْتُ لك، وعَلى هذا تَقُولُ: رَابِعُ ثَلاثَةِ عَشْر ".
ومَنَعَ هذا الاشْتِقاق الجُمْهورُ (٤) ،وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّين (٥) والأخْفَشِ (٦) والمَازِنِيِّ (٧) والمُبرِّد (٨) والفَارِسِيُّ، قالَ الفَارِسِيُّ (٩) : " ومَنْ قالَ: خَامِسُ أَرْبَعَةٍ لم يَقلْ: رَابِعُ ثلاثةِ عَشْر، ولا رَابِعُ عَشْر ثلاثةَ عَشْر؛ لأنَّ اسْمَ الفَاعِلِ الجَارِي عَلى الفِعْلِ لا يَكونُ هكذا ".
стр. 5496
وتابَعَ أبو الحَسَن بنُ الباذِش الجُمْهورَ في مَنْعِهِم مِثْلَ هذا الاشْتِقاقِ، قالَ أبو حيَّانَ (١) : " وقد رَدَّ بَعْضُ المُتَأَخِّرينَ عَلى هذا القَوْلِ بأَنَّ العَرَبَ إنّما تَشْتَقُّ مِنْ العَقدِ الأوَّلِ فلا تَرْكِيبَ، ومِنْهُ اشْتَقَّتْ ثالِثَ عَشْرَ ثلاثةَ عَشْرَ، اشْتَقَّتْ ثالِثاً مِنْ ثلاثةٍ ثم رَكَّبَتْه بَعْدُ مَعْ (عَشْر) ، قالَ: والعَرَبُ تَقولُ: رَبَّعْتُ الثلاثةَ عَشْرَ، أيْ: رَدَدْتُهُم أَرْبَعَةَ عَشْرَ، فاشْتَقَّتْ مِنْ الصَّدْرِ ولمْ تُرَكِّبْ، فكَذلكَ تَشتَقُّ اسْمَ الفَاعِلِ مِنْ الصَّدْرِ "،ثمّ يَعْتَذِرُ ابنُ الباذِش لسِيْبَوَيْه فيقول (٢) : " وإنّما قالَ سِيْبَوَيْه: رَابِعُ ثَلاثةَ عَشْر ولمْ يَعْلَمْ أنَّه مَحْذُوفٌ مِنْ تَرْكِيبٍ،واسْمُ الفاعِلِ تابِعٌ للفِعْلِ " قالَ أبو حيَّانَ (٣) : " هكذا قالَ ابن الباذِش "، ومَقْصُودُ ابنِ الباذِشِ أَنَّ (رَابعَ) اسْمُ فَاعِلٍ،وهو مُشْتَقٌّ في هذا المَوْضِعِ (رَابِعُ ثلاثةَ عَشْر) مِنْ التَّرْكِيبِ (أَرْبَعَةَ عَشْر) ، واسْمُ الفَاعِلِ الذي بمَعْنَى المُصيِّر لا بُدَّ لَه مِنْ فِعْلٍ ومَصْدَرٍ، ولمْ يَثْبُتْ فِعْلٌ ولا مَصْدَرٌ مَبْنِيَّان مِنْ عَدَدٍ مُرَكَّب فوقَ العَشْرة.
أمس
تُسْتَعْمَلُ (أَمْس) في العَرَبِيَّةِ ظَرْفاً وغَيْرَ ظَرْفٍ، وفي الاسْتِعْمَالَيْن خِلافٌ، وهو خِلافٌ لَهَجِيٌّ يَتَعَلَّقُ ببِناءِ أو إِعْرَابِ (أمْس) في لُغَةِ الحِجَازِ وتَمِيم.