وقد دعم الميزاب بعارضتين من المعدن الصلب الذي لايصدأ بسماكة ٤مم، دعمت كل عارضة برباط من الصلب وزنه ٦٦٠ غراماً، إحدى هذه العوارض تحمل سلسلة من الفضة وزنها ٢.٥٠٠ كغم، وطولها ١٩٠ سم، وعدد العقد ٩٠ عقدة بكل عقدة حلقتان ملحومتان مع بعضهما بعكس إتجاه الفتحة، الغرض من هذه السلسلة تدعيم الميزاب وتثبيته حيث تربط نهايتها في أعلى جدار الكعبة، أما تثبيت الميزاب في الجدار فقد تم تصنيع صندوق من خشب " التك " الصلب المصفح على هيئة (جلبة) يثبت فيها الميزاب في جدار الكعبة بعمق ٥٨سم، وينفذ للسطح بميل من ٢ ٣%، بواسطة ثمانية براغي (مسامير حلزونية) من نوع المعدن نفسه، أما حواف جنوب الميزاب فثبت بها مائتين وأربعة عشر مسماراً (١٨) ، الذي يتسرب منه الماء فقد تم تغليفه بصفائح الفضة عيار ٩٩.٩% بما يزيد وزنه على عشرين كغم، كما ثُبَّت بسطح حافتي الجانبين الأيمن والأيسر من هذا الميزاب مسامير رؤوسها مما يلي السماء بغرض منع وقوف الحمام على الميزاب (١٩) ، لكي لاتتراكم فضلاته داخل مجرى الماء فتسده.
ومن الملاحظ في تصميم هذا الميزاب أنه يأخذ شكل ميزاب السلطان أحمد المؤرخ عام ١٠٢١هـ / ١٦١٢م (٢٠) (لوحة رقم ٦) ، مع بعض التعديلات في النهاية السفلية
стр. 562
للسان، وكذلك في طريقه كتابة البسملة، ولفظ الجلالة (الله) الذي كتب بصيغة المنادى، فقد جاء تقويس النهاية السفلية للسان بشكل دائري، بينما كان في ميزاب السلطان أحمد مفصصاً، أما الكتابات التي في وجه اللسان فقد نفذت في ميزاب السلطان عبد المجيد بشكل رأسي، وياء المنادى في (ياالله) رسمت تحت لفظ الجلالة (الله) ، وليس لدينا أي تصور عن أشكال الميازيب التي عملت للكعبة المشرفة قبل ميزاب السلطان أحمد، وإن كنا نعتقد أنها في الإطار العام تأخذ شكلاً موحداً تقريباً،وهو الشكل الذي رأيناه في ميزابي السلطان أحمد، والسلطان عبد المجيد مع بعض الاختلافات في التفاصيل الدقيقة، والمواد الخام، وأشكال الزخارف، والنصوص الكتابية.
أما الكتابات (اللوحات ٢٤، الأشكال ٨ ١١) فقد نفذت بطريقة الدق أو الدفع (الريبوسي) بخط ثلث جميل في جُنُوبِ الميزاب الثلاثة، وكذلك في اللسان وذلك على النحو التالي:
لسان الميزاب:
السطر الأول بسم الله الرحمن الرحيم
السطر الثاني ياالله
(الجنب الأيمن)
جدد هذا الميزاب المنير لوجه الله الكريم الخبير سلطان البرين والبحرين المفتخر بخدمة الحرمين الشريفين السلطان الغازي عبد المجيد خان بن السلطان الغازي
(الجنب الأيسر)
محمود خان ابن السلطان عبد المجيد خان بعد ماوهن الميزاب الذي جدده جده السلطان الأعلى أحمد خان عليه رحمة المنان سنة ١٠٢١ اللهم رب هذا
(الجنب السفلي)
البيت الحرام أيد ببقاء دولته الإسلام ماطاف ببيتك الأنام وأحفظه من جميع الآلام بجاه نبينا محمد ﵊ وهذا التجديد في سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف هجرية.
ثانياً: المواد الخام وطرق الصناعة:
стр. 563
صنع هذا الميزاب من خشب التك بسمك ٢ سم (٢١) ، ويعرف باسم: (بلوط جزر الهند الشرقية، أو (دلب هندي) ، وهو من الأخشاب ذات اللون البني الضارب إلى الحمرة (٢٢) ، وأليافه من النوع المتراكم (٢٣) ، وينتشر هذا النوع من الأخشاب في المناطق الحارة مثل: الهند، وأفريقيا الجنوبية، ويتميز بصلابة لاتتوفر في كثير من غيره من الأخشاب، فضلاً عن تحمله للتأثيرات المناخية، ومقاومته للحشرات من أن تنخر فيه، لوجود مادة زيتية دهنية فيه تحول دون تسوسه (٢٤) ، ولذلك صنع ميزاب الكعبة المشرفة موضوع هذه الدراسة من هذا النوع من الأخشاب، نظراً لتعرض ميزاب الكعبة للمياه، سواء الناتجة عن الأمطار، أو تلك التي تنتج عن غسيل الكعبة.
كما استخدم الذهب في صناعة ميزاب الكعبة المشرفة المؤرخ عام ١٢٧٣ هـ، حيث صفح به عيار ٢٤ قيراط بنقاوة عالية تقدر بنسبة ٩٩.٩% بما وزنه ٢٤.٩٥٥ كغم (٢٥) .
وفضلاً عن ذلك فقد استخدمت الفضة في صناعة هذا الميزاب بما وزنه ٢.٥٠٠ كغم، حيث عملت منها السلاسل التي تربط في العوارض، زيادة في تثبيت الميزاب والحؤول دون سقوطه (٢٦) .
وأخيراً استخدم الصلب في صناعة عوارض الميزاب، وكذلك المسامير الحلزونية (البراغي) بوزن إجمالي يزيد عن ٦٦٠ غراما، ً ويعرف هذا النوع من الصلب باسم (الصلب المسبوك) ، أو (صُلْبُ العدد) ، أو (الصلب الكربوني) ، أو (صلب البواتق) ، وهو من الحديد الخالص الذي سبق صهره مضافاً إليه نسبة معينة من الكربون تتراوح بين ٥% إلى ١.٥% (٢٨) ، كما استخدم الرصاص في تصفيح الصندوق الخشبي الذي يدخل في جدار الكعبة ليثبت فيه الميزاب.
وقد أشار محمد طاهر الكردي إلى عمليات إصلاح تمت في هذا الميزاب عام ١٣٧٧هـ / ١٩٥٧ م، حيث قال (٢٩) : " وهذا الميزاب كما قلنا إنه قوي متين للغاية ليس في ذاته أي خراب، ولكن مايحتاج فيه للإصلاح هو المسامير التي من الفضة
стр. 564
الخالصة، الواقفة على أطراف الميزاب من الأعلى لمنع جلوس الحمام عليها، فقد إعوجت من طول الزمان فأخرجوها وعملوا مسامير مثلها من الفضة أيضاً، ووضعوها في محلها الأصلي من الميزاب، وأخرجوا أيضاً الخشب الذي على قاعدة الميزاب وبطنه، لأنه تلف من طول الزمان واستبدلوه بخشب قوي جديد، ولم يعملوا في الميزاب من الإصلاح شيئاً غير ماذكرناه من استبدال الخشب والمسامير، وذلك في اليوم التاسع من شهر شعبان من السنة المذكورة، والذي قام بإصلاح الميزاب صائغ محترم من أهل مكة اسمه الشيخ محمد نشار ".
أما فيما يتعلق بطرق الصناعة التي استخدمت في صناعة ميزاب الكعبة المشرفة الذي أمر بصنعه السلطان عبد المجيد الأول عام ١٢٧٣هـ / ١٨٥٦م، فيمكننا حصرها في خمس طرق رئيسة هي: السبك، والتصفيح، والطرق، والبرشمة، والتلحيم، ففيما يتصل بطريقة السبك فتعرف أيضاَ باسم (صهر) أو (صب) ، ويطلق عليها الأتراك اسم (دوكمه dokum) (٣٠) ، وقد عملت جنوب الميزاب ولسانه وفق هذه الطريقة بعمل قوالب تجويفاتها الداخلية مماثلة للشكل الخارجي للجنوب الثلاثة واللسان (٣١) ، كأن تكون هذه القوالب من الفخار المتماسك الصلب (٣٢) ، ثم توضع السبائك الذهبية في بوادق مصنوعة من طينة خاصة لاتذوبها النار مهما بلغت درجة حرارتها، ويوقد عليها حتى ينصهر المعدن تماماً، ثم ترفع هذه البوادق من على النار بواسطة حمالات (٣٣) ، ويصب مابداخلها من معدن في القوالب المعدة لذلك سلفاً، وبعد أن يجمد يقوم الصانع بكسر القالب (٣٤) ، وتعتبر هذه الطريقة من أكثر طرق صناعة المعادن ملائمة للخامات المعدنية التي لاتخرج منها غازات أو فقاعات (٣٥) .
стр. 565
وبالنسبة للطريقة الصناعية الثانية التي استخدمت في صناعة ميزاب الكعبة المشرفة الذي أمر بصنعه السلطان عبد المجيد الأول عام ١٢٧٣هـ / ١٨٥٦م فتعرف باسم: التصفيح أو التدريع (٣٦) ، ويقصد بذلك تثبيت صفيحة معدنية على جسم يختلف عنها في النوع، مثل: تغطية الخشب بصفائح المعدن لحفظه أو زخرفته (٣٧) ، وقد استخدمت هذه الطريقة في ميزاب الكعبة المشرفة لحفظ الألواح الخشبية من التآكل، فضلاً عن تزيين الميزاب بها، وإظهاره بمظهر فخم يعكس أهمية المكان الذي صنع من أجله ومكانته في نفوس المسلمين.
وقد عرفت طريقة التصفيح قبل الإسلام، ثم استخدمت في العصر الإسلامي، وبلغت أوجها في العصر المملوكي (٣٨) ، وظلت مستخدمة في العصر العثماني (٣٩) .
وبالنسبة للطريقة الصناعية الثالثة، فتعرف باسم: (الطرق) ، أو (الضرب) ، كما يطلق عليها في التركية اسم: (Dovme) (٤٠) ، وتعد هذه الطريقة إحدى الطرق الرئيسة في تشكيل المعادن، حيث يضرب على الصفيحة المعدنية بالمطرقة وهي حامية، مما يعمل على تمدد العمل المعدني، والإقلال من سمكه بالشكل المرغوب (٤١) .
وفيما يتصل بالطريقة الرابعة التي استخدمت في صناعة ميزاب الكعبة المشرفة موضوع الدراسة فهي طريقة البرشمة، وهي من طرق توصيل الأجزاء المعدنية ببعضها، وتعد هذه الطريقة من أسهل أساليب التوصيل وأرخصها (٤٢) حيث توصل بواسطتها الأجزاء التي تقتضي طبيعة عملها أن تكون متصلة، مثل: لسان الميزاب (٤٣) ، وتتم هذه الطريقة بعمل الثقوب اللازمة في طرفي الجزئين المراد وصلهما ببعضهما باستخدام آلة حادة أثناء عملية السبك، ويتم تركيبهما بحيث تكون الثقوب في الجزئين موازية لبعضهما، ثم يدخل المسمار ويشد تبعاً للطول والعرض المطلوبين (٤٤) .
أما الطريقة الخامسة فتعرف باسم: (التلحيم) ، وقد تم تنفيذها وفق أسلوب الضغط الساخن للعوارض، والضغط البارد للسلسلة التي تربط فيها.
стр. 566
وبالنسبة لأسلوب تنفيذ الكتابات في هذا الميزاب فقد تم تنفيذها وفق أسلوب الدق، أو الدفع (٤٥) ، الذي يعرف في التركية باسم:
(Kabartma) (٤٦) ، كما يعرف في المصطلح العلمي باسم: (ريبوسي Rebousse’e) (٤٧) ، وهي كلمة فرنسية تعني إبراز الكتابات والزخارف عن طريق الدق أو الدفع بواسطة أدوات غير حادة معدة لهذا لغرض سواء كان الدق من الداخل إلى الخارج أو العكس (٤٨) .
ويماثل هذا الأسلوب أسلوب النقش البارز من حيث بروز الزخرفة في كل منهما، ولكن يختلف عن النقش البارز في كون البروز في
(الريبوسي) يتم عن طريق الدق أو الدفع من الخلف لإبراز الكتابات والزخارف في الوجه على عكس النقش البارز، الذي يتم تنفيذه بحفر مناطق الفراغ فيما بين الكتابات والزخارف على سطح العمل المراد زخرفته، كما يختلف (الريبوسي) عن أسلوب الحفر الغائر (العميق) في أن (الريبوسي) يظهر الكتابات والزخارف من الوجهين في آن واحد، في حين أن الحفر الغائر لايظهر الكتابات والزخارف إلا في الوجه الذي تم الحفر فيه (٤٩) .
ثالثاً: الكتابات: (اللوحات ٢ ٤، الأشكال ٨ ١١)
نفذ النص التأسيسي في ميزاب الكعبة المشرفة الذي أمر بصنعه السلطان العثماني عبد المجيد الأول عام ١٢٧٣هـ / ١٨٥٦م بخط الثلث، ويرى محمد طاهر الكردي أن الذي قام بتنفيذ هذا النص المهم هو الخطاط التركي الشهير عبد الله زهدي رغم عدم ورود اسمه في الميزاب (٥٠) ، وهو غير صحيح لأن هذا الخطاط كان متواجداً في الحجاز ومصر أثناء صناعة الميزاب في استامبول، كما أشار الكردي نفسه في كتاب آخر له على النحو الذي أشرنا إليه في حاشية رقم ٥٠.
стр. 567
ومن حيث مضمون النص فقد ابتدأه من كلف بصياغته بالبسملة على وجه لسان الميزاب، ثم أكمل النص في الجنب الأيمن، ثم الأيسر،فالسفلي مما يلي حجر إسماعيل ﵇، وقد أشير في النص إلى تجديد هذا الميزاب في عهد السلطان عبد المجيد، وذكر في النص أن السبب الذي جعل السلطان يأمر بصنعه ميزاب جديد للكعبة المشرفة يكمن في ماأصاب الميزاب السابق الذي أمر بصنعه السلطان أحمد الأول عام ١٠٢١هـ / ١٦١٢م من وهن، ثم اختتم النص بعبارات دعائية لبقاء الدولة العثمانية، وحفظ السلطان من جميع الآلام، منهياً هذا النص بذكر تاريخ التجديد بالحروف.
وفي ضوء النص التأسيسي فقد ورد اسم السلطان عبد المجيد الأول الآمر بصنع الميزاب، وهو السلطان عبد المجيد الأول بن محمود الثاني بن عبد المجيد الأول بن أحمد الثالث بن محمد الرابع بن إبراهيم الأول بن أحمد الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث ابن سليم الثاني بن سليمان الأول بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن مراد الأول بن أورخان بن غازي بن عثمان بن أرطغرل (٥١) .
ولد في ١٤ شعبان ١٢٣٧هـ الموافق ٦ مايو ١٨٢٢م (٥٢) وتولى الخلافة في عام ١٢٥٥هـ وهو في الثامنة عشرة من عمره (٥٣) وكانت الدولة العثمانية آنذاك في غاية الإضطراب، بسبب انتصارات محمد علي باشا عليها، كما واجهت الدولة العثمانية في عهده العديد من الحروب، من أهمها الحرب مع روسيا التي نتج عنها معاهدة باريس عام ١٢٧٣هـ/ ١٨٥٦م (٥٤) ، ثم تفرغ السلطان عبد المجيد بعد ذلك لسن الأنظمة المتصلة بالتجارة والصناعة والزراعة، وقام بتشكيل محاكم التجارة، وأسس المكاتب الرشيدية، واعتنى بنشر المعارف والعلوم، وبسط العدل والأمن (٥٥) .
стр. 568
ومن مآثره في الحرمين الشريفين إجراء العديد من الإصلاحات والتجديدات في المسجد الحرام، واستحداث طريق موصل بين المسجد الحرام والمدرسة السليمانية، وحوَّل قبة سقاية العباس إلى مكتبة، وزودها بنفائس المخطوطات من استامبول، كما حوَّل القبة الواقعة خلف مبنى بئر زمزم إلى دار للتوقيت والرصد، وأمر بتثبيت القناديل في قباب الحرم المكي الشريف لتضاء في ليالي شهري رمضان والحج، وأمر بركز أعمدة جديدة لتحديد حدود الحرم (٥٦) ، غير أن أعظم الأعمال التي قام بها عمارة المسجد النبوي (٥٧) وبالاضافة إلى ماسبق فقد قام باجراء العديد من الترميمات والإصلاحات لبعض المنشآت المائية في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة (٥٨) ، وقد وافته المنية في ١٧ ذي الحجة ١٢٧٧هـ الموافق ٦ يونيو ١٨٦١م، ودفن ﵀ في قبر أعد له في حياته بجوار جامع السلطان سليم، وعمره يزيد عن الأربعين سنة بقليل بعد أن حكم إثنين وعشرين عاماً وستة أشهر (٥٩) .
أما الألقاب الواردة في هذا النص فهي: خان، والسلطان، وسلطان البرين والبحرين، والغازي، والمفتخر بخدمة الحرمين الشريفين، وفيما يلي تعريف بكل لقب من هذه الألقاب:
(خان)
كلمة فارسية تركية تعني الأمير والسيد (٦٠) والرئيس، وقد أطلقت على شيوخ الأمراء من قبائل الترك منذ القرن الأول الهجري أو الثاني ثم دخل اللقب إلى بعض الأقاليم الإسلامية عن طريق خانات التركستان، ثم انتقل إلى أقاليم إسلامية أخرى مع الترك والتتار كعلم على السلطنة (٦١) ، ثم أصبح لقباً رسمياً للسلطان العثماني، ولاسيما في المكاتبات الرسمية لاحقاً لاسمه، لايزال هذا اللقب (لفظ التشريف) في أفغانستان والهند وباكستان (٦٢) .
(السلطان)
стр. 569
من السلاطة بمعنى القهر، ومن هنا أطلق على الوالي، وقد ورد اللفظ في آيات قرآنية عديدة بمعنى الحجة والبرهان، ثم أطلق على عظماء الدولة، ولكنه لم يصبح لقباً عاماً إلابعد أن تغلب الملوك بالشرق على الخلفاء، ثم صار يطلق على الولاة المستقلين تمييزاً لهم عن غيرهم من غير المستقلين (٦٣) أما في العصرين المملوكي والعثماني فقد أصبح هذا اللقب يطلق على رئيس الدولة سابقاً لاسمه على النحو المشاهد في هذا الميزاب.
(سلطان البرين والبحرين)
لقب مركب يتكون من ثلاث كلمات، سلطان معروفة، والبرين التي يقصد بها آسيا وأوروبا، والبحرين وهما: البحرين الأسود وبحر الروم، وقد ظهر هذا اللقب في القرن السابع الهجري، إذ يعتقد أن سلاطين السلاجقة أول من تلقب به (٦٤) .
(الغازي)
من الغزو، وهو اسم للحرب التي كان يشترك فيها النبي ﷺ ، ولذلك سميت حروبه مغازي، ولم يعرف هذا اللقب في الدول الشيعية، مثل: الفاطميين، لأنه من الألقاب السنية، وشاع استعمال هذا اللقب في المناطق المتاخمة لحدود الدولة الإسلامية مع الدول الآخرى، وفي العصر المملوكي صار من الألقاب التي تطلق على الرجال من العسكريين (٦٥) .
أما في العصر العثماني فتلقب به السلاطين، كما هو منفذ في هذا الميزاب، وقد ورد اللقب فيه سابقاً لاسم كل من السلطان عبد المجيد، ووالده السلطان محمود.
(المفتخر بخدمة الحرمين الشريفين)
من الألقاب المركبة المحببة لدى السلاطين والملوك، ويقصد هنا بالحرمين الشريفين المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة لأن قيام الخليفة أو السلطان بأي أعمال إصلاح، أو تجديد، أو تعمير، أو توسعة فيهما يعد من الأعمال التي تبعث على الفخر، باعتبار خدمة الحرمين الشريفين من أجل الأعمال عند المسلمين وأعلاها.
стр. 570
أما أشكال الحروف في هذا الميزاب فتبين لنا من خلال الجدول المرفق بهذه الدراسة أن الخطاط أظهرها بمستوى فني ممتاز، من مراعاة لنسب الحروف، وإحداث للتوازن فيما بين الحروف والكلمات، واستقامة الأسطر، ممايدلل على أن الخطاط الذي قام بتنفيذ هذا النص على دراية كبيرة بفن الخط، وهذا أمر طبيعي إذ أن خلفاء المسلمين وسلاطينهم كانوا يحرصون أشد الحرص على إختيار أمهر الخطاطين لتنفيذ النصوص التاريخية المتصلة بأغلى الأعمال على نفوسهم، وبخاصة مايتعلق بالكعبة المشرفة، والحرمين الشريفين، لما تحتله من مكانة عظيمة في نفوس المسلمين.
الخاتمة:
أوضحت هذه الدراسة أن عدد الميازيب التي عملت للكعبة المشرفة حتى نهاية العصر العثماني عشرة ميازيب، يشكل الميزاب موضوع الدراسة آخر الميازيب التي صنعت للكعبة المشرفة حتى نهاية العصر العثماني، وقد جاء تصميم هذا الميزاب مستطيلاً، مفتوح من أعلاه بطول ٢.٥٨ م، وعرض ٢٥سم، وارتفاع ٢١ سم، وأوضحت الدراسة أنه من خشب التك المصفح بالذهب عيار ٢٤ قيراطاً، بنقاوة نسبتها ٩٩.٩ %، وأنه يأخذ شكل ميزاب السلطان أحمد المؤرخ عام ١٠٢١هـ / ١٦١٢م، مع بعض التعديلات في النهاية السفلية للسان، وكذلك في طريقة كتابة البسملة، ولفظ الجلالة (الله) ، وقد نفذت الكتابات في هذا الميزاب سواء في الجنوب أو اللسان بخط ثلث جميل، وقد استخدمت في صناعته عدة طرق صناعية هي: الصب أو السبك، والطرق، والتصفيح، والتلحيم، والبرشمة، أما أساليب تنفيذ الكتابات والزخارف فتم وفق أسلوب الدق أو الدفع المعروف في المصطلح العلمي باسم (ريبوسي) .
стр. 571
وبالنسبة لمضمون النص فهو من النصوص التأسيسية المهمة، حيث أشير فيه إلى الميزاب السابق الذي أمر بصناعته السلطان أحمد الأول عام ١٠٢٨هـ، والسبب الذي دعى السلطان عبد المجيد الأول لتجديده، حين وردت إشارة " بعدما وهن ... "، كما ورد في هذا النص التأسيسي خمسة ألقاب ونعوت، هي: خان، والسلطان، وسلطان البرين والبحرين، والمفتخر بخدمة الحرمين الشريفين.
كما تبين من دراسة أشكال الحروف أن الخطاط أظهرها بمستوى فني ممتاز، من مراعاة لنسب الحروف، وإحداث للتوازن فيما بين الكلمات والحروف، واستقامة الأسطر، ممايعكس أن الخطاط الذي قام بتنفيذ النص على دارية كبيرة بفن الخط.
الحواشي والتعليقات
وزب الشيء، يزب وزوباً إذا سال، ويقال له المثعب، والميزاب، والمئزاب بهمزة ساكنة المثعب، أو القناة يجري فيها الماء وجمع الأول ميازيب، وجمع الثاني مأزيب، وربما قيل: موازيب، ويقال أيضاً المزراب والجمع مرازيب، كما يعرف باسم مزرأب، والميزاب،، أو المئزاب، أو المزراب أو المزراب أو المثعب مصطلحات تطلق عل أنبوبة أو خشبة مقعرة توضع في أعالي جدران المباني ليجري فيها ماء المطر، والميزاب كلمة فارسية معربة تتألف من (مرز) أي حد، و (آب) أي ماء انظر أبا الفضل جمال الدين بن مكرم الشهير بابن منظور، لسان العرب، المجلد الأول (بيروت: دار الفكر ودار صادر، (د. ت) ، مادة (وزب) ، ص ٧٩٦، ومحب الدين أبا الفيض السيد محمد مرتضي الحسيني الواسطي الزبيدي، تاج العروض من جواهر القاموس، المجلد الأول (بيروت: مكتبة
стр. 572
الحياة، نسخة مصورة عن الطبعةالأولى بالمطبعة الخيرية، ١٣٠٦هـ) مادة (وزب) ص ٥٠٢، والسيد أدى شير، كتاب الألفاظ الفارسية المعربة، ط٢ (القاهرة: دار العرب للبستاني، ١٩٨٧ ١٩٨٨م) ، ص ١٤٩، ومحمد عبد الستار عثمان، الإعلان بأحكام البنيان لابن الرامي دراسة أثرية معمارية، ط١ (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ١٤٠٨هـ، ١٩٨٨م) ، ص ٢١٤.
محمد طاهر الكردي، كتاب التاريخ القويم لمكة وبيت الله الحرام، ج٥، ط١ (بيروت: مؤسسة حسيب درغام وأولاده، ١٤١٢هـ / ١٩٩٢م) ، ص ص ٤٨ ٥١.
إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين أو الرحلات الحجازية والحج ومشاعره الدينية محلاة بمئات الصور الشمسية، ج١ (بيروت: دار المعرفة د. ت) ، ص ٢٧٥.
أحمد بن إسحاق اليعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج٢ (بيروت: دار صادر، ١٩٦٠م) ص ٢٨٤.
محمد بن أحمد بن سالم الصباغ، تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام، مخطوط بمكتبة الحرم المكي الشريف، رقم ١١ تاريخ، دهلوي، ورقة ٤٩.
أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق رشدي الصالح ملحس، ج١، ط٣ (مكة المكرمة: مطابع دار الثقافة، ١٣٩٨هـ / ١٩٧٨م) ، ص ١٦٤.
الأزرقي، أخبار، ج١، ص ٢٠٩.
حسين عبد الله باسلامة، تاريخ الكعبة المعظمة عمارتها وكسوتها وسدانتها، ط٢ (جدة، تهامة، سلسلة الكتاب العربي السعودي رقم ٤٧، ١٤٠١هـ / ١٩٨٢م) ، ص ١٩١.
النجم عمر بن فهد بن محمد بن محمد بن محمد بن فهد، إتحاف الورى بأخبار أم القرى، ج٢، تحقيق فهيم محمد شلتوت، ط١ (جدة: دار المدني، سلسلة رقم ٢٠ من سلسلة التراث الإسلامي، التي يصدرها مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة جامعة ام القرى، د. ت) ، ص ٥٠٥.
стр. 573
الحافظ أبو الخطيب تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، حققه ووضع فهارسه عمر عبد السلام تدمري، ج١، ط١ (بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م) ، ص ١٦٧.
الفاسي، شفاء، ج١، ص ١٦٧، وقد ذكر الكردي، كتاب، ج٥، ص ٤٩، أن تاريخه ٧٨١هـ /١٣٧٩ م، وهذا غير صحيح لأن مدة حكم الخليفة أبي العباس أحمد الناصر لدين الله بن المستضيء الذي أمر بصنع الميزاب تمتد من ٥٧٥ هـ الى ٦٢٢هـ، أما التاريخ الذي ذكره الكردي فيقصد به تحلية الميزاب نفسه في عام ٧٨١هـ، كما ذكر الفاسي، شفاء، ج١، ص ١٦٧.
الصباغ، تحصيل، ورقة ٦٢.
الكردي، كتاب، ج٥، ص٤٩.
علي عبد القادر الطبري، الأرج المسكي في التاريخ المكي وتراجم الملوك والخلفاء، تحقيق وتقديم أحمد الجمال، إشراف سعيد عبد الفتاح، ط١، (مكة المكرمة: المكتبة التجارية، ١٤١٦هـ / ١٩٩٦م) ، ص ١٥١.
باسلامة، تاريخ، ص ١٩٣.
الكردي،كتاب، ج٤، ص ٨١.
أحمد إبراهيم بدر، " تقرير عن تصنيع الميزاب الجديد للكعبة المشرفة " تقرير غير منشور، مؤرخ في ١٨/٥/١٤١٧هـ، ص ٢، وأنظر: ص ٦ من هذا البحث.
بدر، تقرير، ص٣ ٥.
الكردي، كتاب، ج٤، ص ٨٥.
وزارة الثقافة والسياحة للجمهورية التركية، معرض الفنون الإسلامية بمناسبة مرور ١٤٠٠ عاماً على الهجرة النبوية معرض الأمانات المقدسة، الذي أقيم فيما بين ٧ ١٣ ذي الحجة ١٤٠٣ هـ / ٢٠ ابريل ٢٠ سبتمبر ١٩٨٣م، ط١ (استامبول: د. م. د. ت) ، ص ١٠.
بدر، تقرير،ص ٢.
مصطفى أحمد، خامات الديكور ط١ (د. م: دار الفكر العربي ١٩٨١م) ، ص ٧٠.
عبد القادر عابد وفتحي السباعي، الحفر للمدارس الثانوية الصناعية، ط١، (القاهرة: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م) ص٣١.
مصطفى، خامات، ص ٧٠.
بدر، تقرير، ص ٢.
بدر، تقرير ص ٣.
بدر،تقرير، ص ٤.
стр. 574
محمد أحمد زهران، فنون أشغال المعادن والتحف سمكرة تطويع مينا لحامات تطعيم تلوين ط١ (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،
١٩٦٥م) ص ٩.
الكردي،كتاب، ج٤، ص٨٥.
شمس الدين سامي، قاموس تركي، ط١ (استامبول: أقدام مطبعة سي، ١٣١٧هـ) ، ص٦٣١.
ناصر بن علي الحارثي " تحف الأثاث المعدني في العصر العثماني دراسة فنية حضارية " رسالة دكتوراه غير منشورة، قسم الدراسات العليا التاريخية والحضارية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى (١٤١٩هـ /١٩٨٩م) ، ص ٤٥.
Calal Esad Arseven, Turk Sanati, Azkar Ofset Istanbul , (١٩٨٤) , P.٢٣.
عبد المنعم المليجي النقيب، مجمع البدائع في الفنون والصنائع، ج١، (مصر: مطبعة التوفيق، ١٢٣٢هـ / ١٩١٤ م) ، ص٥٢.
Ulker Erginsoy. Islam maden Sanatinin Gelismesi Baslan gicind An Anadolu Selcuklarnin Sonuna Kadar. Kultur Bakanligi Yayonlari:٢٦٥ Turk Sanat Eserlri Dizisi: ٤, Istanbul, (١٩٧٨) ,P.٢٧
عبد العزيز مرزوق، الفنون الزخرفية الإسلامية في العصر العثماني، ط١، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٨م) ، ص١٤٩.
طه عبد القادر يوسف عماره، الأبواب المصفحة في عهد السلطان حسن في القاهرة دراسة أثرية، رسالة دكتوراة غير منشورة بقسم الآثار الإسلامية، كلية الآثار، جامعة القاهرة (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) ، ص٣.
عمارة، الأبواب، ص ص ٣ ٥.
عمارة، الأبواب، ص ص ٣ ٥.
الحارثي، تحف، ص ٢٩.
Erginsoy. Islam. P. ١٨.
زهران،فنون، ص ١٠٤.
زهران، فنون، ص٩٤.
هاينزجراف، أشغال المعادن، ترجمة م، عبد المنعم عاكف (القاهرة، مؤسسة الأهرام والمؤسسة الشعبية للتأليف بليبزج، سلسلة الأسس التكنولوجية، د. ت) ، ص ١١٥.
Erginsoy. Islam. P. ٢٩.
الحارثي، تحف، ص٧٢.
Erginsoy. I slam. P. ٣٤.
زهران، فنون، ص٢٠٢.
Herbert Maryon And Others , Metal Work And EnamelLing
стр. 575
Apractical Treatise on Gold and silversmiths Work And Their
Allied Carfts , Dover Pulications, ING. New York (١٩٧١) P. ١١٣.
الحارثي، تحف، ص٧٢.
الكردي، كتاب، ج٥، ص٥٠، ولد عبد الله زهدي بالآستانة ونشأ بها وتلقى الخط على مشاهير عصره، أمثال: أدنال حافظ راشدي أفندي الشهير بأيوب علي، ومصطفى أفندي عزب، الذي حصل على إجازة الخط منه، عين معلماً بجامع نور عثمانية بالآستانة، ثم ندبه السلطان عبد الحميد لكتابة النصوص الكتابية بالحرم المكي الشريف، عام ١٢٧٠ هـ، فمكث ثلاث سنوات، وفي طريق عودته مجتازاً مصر أبقاه إسماعيل باشا وعينه مدرساً للخط في المدرسة الخديوية، ثم كلفته الحكومة المصرية آنذاك بكتابة الآيات القرآنية وغيرها على كسوة الكعبة المشرفة، وتخرج على يديه كثيرون، توفي ﵀ بمصر عام ١٢٩٦هـ لمزيد من الإطلاع أنظر: محمد طاهر الكردي، تاريخ الخط العربي وآدابه، (الرياض: الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، د. ت) ، ٣٨٤.
محمد ثريا، سجل عثماني يأخوذ تذكرة مشاهير عثمانية، ج١، ط١ (استامبول: معارف نظارت جليلة سنك رخعتيلة طبع اولنمشدر، مطبعة عامرة، ١٣٠٨هـ) ، ص ص ٥٣، ٥٤.
محمد فريد المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق إحسان حقي، ط٢، (بيروت: دار النفائس، (١٤٠٣هـ /١٩٨٣م) ، ص٤٥٥.
يوسف أصاف، تاريخ سلاطين آل عثمان، تحقيق بسام عبد الوهاب الجالي، ج٢، ط٢ (دمشق: دار البصائر، ١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م) ص١٤٩.
المحامي، تاريخ، ص ص ٤٥٥ ٥٢٩.
أصاف، تاريخ، ص١٥١.
محمد عبد اللطيف هريدي، شئون الحرمين الشريفين في العهد العثماني في ضوء الوثائق التركية العثمانية، ط١ (القاهرة: دار الزهراء للنشر، ١٤١٠هـ / ١٩٨٩م) ، ص ص ٥٢، ٥٣.
стр. 576
محمد هزاع الشهري، " المسجد النبوي في العصر العثماني دراسة معمارية حضارية " رسالة دكتوراة غير منشورة بقسم الدراسات العليا التاريخية والحضارية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى (١٤٠٧هـ/١٩٧٨م) ، ص ص ٩٣ ١٤٣.
عادل محمد نور غباشي، المنشآت المائية لخدمة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة في العصر العثماني دراسة حضارية، رسالة دكتوراه غير منشورة بقسم الدراسات العليا التاريخية والحضارية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أم القرى (١٤١٠هـ) ، ص ص ٢٢٩، ٢٣١، ٢٥٥، ٢٦٦، ٢٨٥.
ثريا،سجل، ج١، ص ص ٥٣، ٥٤.
طوبيا العنيسي، تفسير الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية مع ذكر أصلها بحروفه، ط١ (القاهرة، دار العرب للبستاني، ١٩٦٤ ١٩٦٥م) ، ص٢٣.
حسن الباشا، الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار، ط١ (القاهرة: دار النهضة العربية، ١٩٧٨م) ، ص٢٧٤.
المحامي، تاريخ، ص١١٣.
الباشا، الألقاب، ص ص ٣٢٣ ٣٢٩.
الباشا، الألقاب، ص ٣٣٤.
الباشا، الألقاب، ص ص ٤١١، ٤١٢.
стр. 577
التضامن العربي الأفريقي
تجاه القضية الفلسطينية
١٣٦٧هـ - ١٤٠١هـ - ١٩٤٧ - ١٩٨١م
د. عمر سالم عمر بابكور
الأستاذ المشارك بقسم التاريخ الإسلامي بكلية الشريعة جامعة أم القرى
ملخص البحث
لم يكن هناك موقف أفريقي متميز تجاه القضية الفلسطينية قبل عام ١٣٩٣هـ / ١٩٧٣م بل ظهرت مواقف فردية لبعض الدول الافريقية في البداية وإبان مرحلة الاستقلال مثل موقف أثيوبيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة من قراري التقسيم رقم (١٨١) وقبول عضوية إسرائيل رقم (٢٧٣) هذا الموقف المؤيد لموقف الدول العربية، وهو عكس موقف ليبريا التي أيدت القرارين. وكذلك الأمر بالنسبة لمواقف كل من غينيا - غانا - مالي في مؤتمر الدار البيضاء التي أدانت إسرائيل من خلال البيان الذي صدر عن المؤتمر، والذي وصفها بأداة الامبريالية والاستعمار ليس في الشرق الأوسط فحسب بل في افريقيا أيضاً.
وهذه مواقف متميزة تعبر عن ظروف دولية واقليمية مر بها الموقف الافريقي خلال مراحل تطوره، إذا أنه تجمد بعد ذلك منذ قيام منظمة الوحدة الافريقية عام ١٣٨٣هـ الموافق عام ١٩٦٣هـ، حتى نشوب حرب يونيو عام ١٣٨٧هـ الموافق ١٩٦٧م، حيث بدأ يتحرك بإتجاه الأزمة التي نتجت عن هذه الحرب، وقد ارتكز الموقف الافريقي بعد حرب يونيو على قرارات الأمم المتحدة منذ البداية وبصورة رئيسية على تأييده لقرار مجلس الأمن رقم (٢٤٢) . وكان المحرك الأول لهذا الموقف هو احتلال قوات أجنبية لأراضي إحدى الدول الأعضاء المؤسسة لمنظمة الوحدة الافريقية (مصر) .
стр. 578
وبالنسبة للموقف الافريقي داخل مؤتمرات الشعوب الافريقية والأفرو - اسيوية ومؤتمرات عدم الإنحياز، فقد كان في الأولى يعبر عن مواقف الشعوب الافريقية المتمثلة في حركات التحرير والتنظيمات الشعبية، ولهذا كان التأييد الافريقي للقضية الفلسطينية داخل هذه المؤتمرات أقوى منه في مؤتمرات عدم الانحياز التي تعكس وجهة نظر الحكومات، نظراً لتعرض هذه الأخيرة لضغوط مختلفة داخلية وخارجية من جانب القوى الدولية الحليفة للاستعمار والصهيونية.
(( (( ((
стр. 579
حينما تم التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة عام ١٣٦٥هـ الموافق ١٩٤٥م، كان من بين اثنين وخمسين دولة موقعة على هذا الميثاق، ثلاث دول من قارة أفريقيا هي: مصر، إثيوبيا، ليبيريا. وفي عام ١٣٧٦هـ الموافق ١٩٥٦م وهو العام الذي وقع فيه العدوان الثلاثي (الإسرائيلي - الفرنسي - الإنجليزي) على مصر، كان عدد الدول الأفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة قد وصل إلى سبع دول، ثم ازداد هذا العدد إلى تسع دول عام ١٣٧٩هـ الموافق ١٩٥٩م ثم إلى خمسة وعشرون دولة عام ١٣٨٠هـ الموافق ١٩٦٠م، ووصل عام ١٣٨٣هـ الموافق ١٩٦٣ م إلى ثلاث وثلاثون دولة أفريقية وهي الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية وفي عام ١٣٨٧ هـ الموافق ١٩٦٧م وصل عدد الدول الأفريقية الأعضاء في المنظمة الدولية إلى ثمان وثلاثين دولة وازداد هذا الرقم إلى واحد وأربعين دولة عام ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣م، ثم إلى واحد وخمسين دولة في عام ١٩٨٠م، بعد حصول زيمبابوي على استقلالها، وقد كان من بين هذه الدول، (دول شمال أفريقيا) ، وكانت دولة واحدة عام ١٣٦٥هـ الموافق عام ١٩٤٥ م ثم وصلت إلى خمس دول عام ١٣٧٦ هـ الموافق ١٩٥٦ م ثم إلى ثمان دول عام ١٣٨٢هـ الموافق ١٩٦٢م، ست منها أعضاء في جامعة الدول العربية، وتأخر انضمام كل من موريتانيا والصومال لعضوية الجامعة حتى عام ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣م بالنسبة للأولى، عام ١٣٩٤هـ الموافق ١٩٧٤م بالنسبة للثانية.
стр. 580
إن مراجعة تاريخ مناقشة القضية الفسلطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة وتاريخ منح العضوية للدول الأفريقية يفيد بأن بداية مناقشة القضية كان في عام ١٣٦٧هـ الموافق ١٩٤٧ م، وإن الدول الأفريقية لم تعاصر هذه القضية وتطوراتها منذ البداية، وهذا يترتب عليه تباين في منظور كل دولة من هذه الدول نحو القضية، كما يفيد أيضاً في توضيح بدايات تضامن هذه الدول مع القضية الفلسطينية، إذ أن هذا التضامن بدأ في الجمعية العامة قبل بدايته في منظمة الوحدة الأفريقية، وهذا يعني إن اللقاء العربي الأفريقي للتفاهم والحوار حول هذه القضية لم يبدأ إلا في مراحل متأخره، ومن الجدير بالذكر أن هذا التضامن كان قد تم في وقت شهد فيه المناخ الدولي تصاعداً في الحرب الباردة والأستقطاب الدولي، وامتداداً واسعاً لحركة التحرر الوطني في أسيا وأفريقيا، وصراعا ضد الأحلاف العسكرية، كما شهد ظهور حركة عدم الإنحياز (١) وفيما يلي توضيح لأهم وجوه هذا التضامن:
أولاً: التضامن العربي الأفريقي على مستوى المؤتمرات:
стр. 581
في ظل الظروف السابقة انعقد مؤتمر باندونج للدول الأفريقية والآسيوية خلال عام ١٣٧٥هـ الموافق إبريل ١٩٥٥ م، وكان هذا هو اللقاء الأول بين الدول العربية والدول الأفريقية، حيث حضرت من الدول العربية كل من المملكة العربية السعودية، سوريا، العراق، الأردن، لبنان، واليمن من قارة آسيا، ومن الدول الأفريقية مصر، السودان، أثيوبيا، ليبيريا وغانا، كما حضره ممثلون عن حركات التحرير من كلتا القارتين بصفة مراقبين، وقد ضم هذا المؤتمر تسع وعشرين دولة ولم يشمل كل دول النطاق الذي أخذ اسمه، وقد استبعد المؤتمر دعوة كل من الكيان الصهيوني وجنوب أفريقيا، وناقش القضية الفلسطينية إلى جانب قضايا الاستقلال ومكافحة الاستعمار في كل من القارتين، واصدر قرار بشأنها جاء فيه: نظراً للتوتر القائم في الشرق الأوسط بسبب الحالة في فلسطين، ونظراً إلى ماينطوي عليه ذلك من خطر على السلام العالمي يعلن المؤتمر الآسيوي الأفريقي تأييده الكامل لحقوق شعب فلسطين العربي ويدعو إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة والتي تحقق تسويه سلمية لمسألة فلسطين (١) .
كانت هذه بداية التضامن العربي الأفريقي حول قضية فلسطين ومنها امتد هذا التضامن إلى المؤتمرات الأخرى مثل مؤتمرات تضامن الشعوب الأفروآسيوية والمؤتمرات الأفريقية ومؤتمرات عدم الإنحياز.
١- مؤتمرات تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية:
عقد المؤتمر الأول لتضامن الشعوب الأفروآسيوية في القاهرة خلال الفترة من ١٣٧٨هـ الموافق ٢٦ ديسمبر ١٩٥٧م إلى أول يناير ١٩٥٨م، وحضره أكثر من مائة وخمسين مندوبا يمثلون ثمان وأربعين شعباً من شعوب القارتين.
стр. 582
ناقش المؤتمر القضايا التي تهم القارتين الآسيوية والأفريقية في تلك المرحلة، وكان من بينها قضية فلسطين، وقد أفرد لها المؤتمر قراراً خاصاً أعلن فيه: (إن إسرائيل قاعدة استعمارية تهدد تقدم الشرق الأوسط وسلامته وأكد حقوق عرب فلسطين في عودتهم إلى وطنهم (١) . وقد ذكر بعض الكتاب أن هذا المؤتمر كان رداً على العدوان الثلاثي على مصر ١٣٧٦هـ الموافق ١٩٥٦ م وتضامناً معها (٢) .
- المؤتمر الثاني لتضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية في كوناكري ١٣٨٠هـ (١١-١٥ أبريل ١٩٦٠م) .
في هذا المؤتمر احتلت القضية الفلسطينية مكانة هامة، حيث شكل لها لجنه خاصة لدراستها، لأنها كما ذكر المؤتمر في قراره - مشكلة فريده من نوعها ومأساة من أكبر المآسي الإ نسانية وقد أشار المؤتمر في قراره بشأنها إلى أن إسرائيل تنفذ سياسة استعمارية وتشترك في تحقيق أهداف الاستعمار الجديد عن طريق التسرب الاقتصادي داخل البلاد المستقلة.وتجعل من نفسها عميلاً للاحتكارات الدولية الضخمة تحت شعار إنها بلد صغير لامطمع له (٣) ، كما أيد المؤتمر جميع الحقوق الشرعية لشعب فلسطين وحقه في العودة إلى وطنه (٤) .
- المؤتمر الثالث لتضامن الشعوب الأفروآسيوية:
عقد في موشي بتنجانيقا في عام ١٣٨٣هـ الموافق ١٩٦٣م (٥) .
стр. 583
- المؤتمر الرابع للتضامن الأفرو آسيوي عقد في (غانا) عام ١٣٨٥ هـ الموافق ١٩٦٥م (١) .
كما عقدت مؤتمرات داخل هذا الأطار مثل:
- مؤتمر الشباب الأفريقي الآسيوي الذي عقد في القاهرة في فبراير عام ١٣٧٩هـ الموافق ١٩٥٩م.
- مؤتمر تضامن المرأة الأفريقي الآسيوي، عقد في دمشق والقاهرة (الجمهورية العربية المتحدة) يناير ١٣٨١هـ الموافق ١٩٦١م.
بحثت هذه المؤتمرات قضايا النضال في سبيل الحرية في الأقطار الأفريقية والأسيوية المختلفة، وقررت مؤازرة الحركات الوطنية ومساعدة حركات الكفاح الوطني في هذه البلاد بمختلف الطرق والوسائل، وكان من ضمن هذه القضايا التي ناقشتها هذه المؤتمرات القضية الفلسطينية (٢) .
٢- مؤتمرات الشعوب الأفريقية وهي (٣) .
- مؤتمر الشعوب الأفريقية، عقد في أكرا عاصمة غانا في ديسمبر ١٣٧٨هـ الموافق ١٩٥٨م.
- مؤتمر الشعوب الأفريقية، عقد في تونس يناير ١٣٨٠هـ الموافق ١٩٦٠م.
- مؤتمر الشعوب الأفريقية عقد في القاهرة عام ١٣٨١ الموافق مارس ١٩٦١م.
стр. 584
جاءت مؤتمرات الشعوب الأفريقية هذه لتعبر عن آمال ومشاعر الأفريقيين في التحرر والاستقلال والسيادة دون التقيد بمواقف حكوماتهم، وقد استوحت هذه المؤتمرات قراراتها من مؤتمرات باندونج والشعوب الأفروأسيوية والتي استهدفت محاربة جميع أشكال الاستعمار القديم والجديد، وكانت الموضوعات التي تناقشها هذه المؤتمرات تخص القضايا الأفريقية فقط، ولم تتعرض للقضية الفلسطينية بصورة مباشرة، ولكن وفود الدول العربية الأفريقية بمشاركتها في هذه المؤتمرات كانت تطرح القضية للنقاش من خلال قضايا التحرير ومحاربة الاستعمار وخاصة الاستعمار الجديد، الذي اصدر بشأنه مؤتمر القاهرة قرارا خاصاً (١) اتهم فيه الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الفيدرالية وإسرائيل وبلجيكا وهولندا وجنوب أفريقيا وفرنسا بأنهم الجناة الرئيسيون للأستعمار الجديد.
стр. 585
إن أهم ما ترتب على العمل العربي في داخل هذه المؤتمرات هو أن وجهة النظر العربية والصورة العربية للصراع العربي - الأسرائيلي قد طرحت للنقاش ونما حولها التأييد، علماً بأن أعضاء هذه المؤتمرات كانوا يمثلون منظمات شعبية وغير حكومية واحيانا كان يحضرها رسميون بصفتهم الشخصية، وقد تولت وسائل الأعلام المتنوعة في العديد من الدول الأفريقية نقل أخبار وقرارات هذه المؤتمرات، الأمر الذي ساعد على وصول وجهة النظر العربية إلى المواطن الأفريقي عبر قنوات غير حكومية، ويأتي الاهتمام بهذا الاتجاه من سرعة التغييرات في شاغلي المناصب الحكومية والسياسية، وكثرة الانقلابات العسكرية التي فتحت الطريق أمام ظهور قيادات وفئات اجتماعية جديدة على مستوى السلطة، وكان من بين هؤلاء القادة الجدد كثير ممن حضروا هذه الاجتماعات، ومن ناحية اخرى نجد أن نمو صورة الصراع العربي - الإسرائيلي أخذ المسار الطبيعي، ففي المؤتمرات الأولى أبدى الأعضاء اهتماهم بالقضية واستنكروا العدوان، ثم تلا ذلك قرارات الأدانه وتأييد تنفيذ قرارات الأمم المتحدة وبعد ذلك تم تبنى وجهة النظر العربية وربط إسرائيل بالاستعمار الجديد (١) .
٣- مؤتمرات الدول الأفريقية المستقلة (٢) :
стр. 586
منذ حصول غانا على استقلالها عام ١٣٧٧هـ الموافق ١٩٥٧م، بدأت الدول الأفريقية محاولاتها من إجل إظهار شخصيتها على المسرح الدولي خاصة في الأمم المتحدة، حيث تم تكوين المجموعة الأفريقية على إثر انعقاد مؤتمر أكر للدول الأفريقية المستقلة عام ١٣٧٨هـ عام ١٩٥٨م، وقد عقدت مؤتمرات عديدة للدول الأفريقية استمرت حتى قيام منظمة الوحدة الأفريقية عام ١٣٨٣هـ الموافق ١٩٦٣م. وفي كل هذه المؤتمرات كان الحضور العربي يتمثل في مشاركة الدول العربية الأفريقية، وبواسطتها كانت قضية فلسطين تناقش في هذه المؤتمرات، نظراً لكونها تمثل القضية الأولى بالنسبة للدول العربية عموماً.
وفيما يلي أهم مؤتمرات الدول الأفريقية المستقلة:
- مؤتمر أكرا للدول الأفريقية المستقلة ١٣٧٨ هـ (١٥-٢٢ إبريل ١٩٥٨م) وقد حضرته وفود ثمانية دول هي: أثيوبيا، ليبريا، غانا، ومصر، السودان، ليبيا، تونس، المغرب (١) ولم تستطيع الدول العربية المشتركة استصدار قراراً خاص بفلسطين وإنما جاءت الإشارة إليها في البند التاسع من وثيقة السلام والأمن الدوليين التي اصدرها المؤتمر وفيها يعبر: عن شديد قلقه بالنسبة للمشكلة الفلسطينية التي تعتبر من العوامل التي تهدد السلام والأمن العالميين ويحث على إيجاد تسوية عادلة لها (٢) .
- مؤتمر أديس أبابا عام ١٣٨٠هـ الموافق ١٥-٢٤ يونيو عام ١٩٦٠ م حضرته الدولة التالية:
أثيوبيا، الكاميرون، غانا، ليبيريا، نيجيريا، الصومال، الجمهورية العربية المتحدة، ليبيا، تونس، المغرب والحكومة الجزائرية المؤقته (٣) .
стр. 587
وقد أصدر المؤتمر قراره التالي بشأن فلسطين جاء فيه: (يعبر المؤتمر عن اهتمامه بعدم تنفيذ قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وقرارات مؤتمر باندونج وقرارات مؤتمر أكرا الخاصة بحل مشكلة فلسطين، والتي تعتبر من العوامل التي تهدد السلم والأمن الدوليين في شمال شرقي القارة الأفريقية (١) .
- مؤتمر الدار البيضاء:
عقد هذا المؤتمر في المغرب في عام ١٣٨١هـ الموافق يناير ١٩٦١م وحضره ملوك ورؤساء كل من الجمهورية العربية المتحدة، المملكة المغربية، ليبيا، الحكومة الجزائرية المؤقته - مالي - غانا - غينيا - وقد أصدر المؤتمر قراراً (٢) حول القضية الفلسطينية جاء فيه:
يحذر المؤتمر من الخطر الناتج عن هذه الحالة (القضية الفلسطينية) التي تهدد السلام والأمن في الشرق الأوسط، ويحذر من خطر التوتر الدولي المترتب على ذلك.
يتمسك المؤتمر بضرورة حل هذه القضية حلاً عادلاً يتمشى مع قرارات الأمم المتحدة وقرارات المؤتمر الأفريقي الآسيوي في باندونج الخاصة بإعادة حقوق عرب فلسطين الشرعية الكاملة.
يؤكد المؤتمر على استنكاره الشديد لسياسة إسرائيل المستمرة في مناصرة الاستعمار وكلما اقتضى الأمر اتخاذ موقف إيجابي بشأن المشاكل الحيوية المتعلقة بأفريقيا وخاصة بالنسبة للجزائر والكونغو والتجارب الذرية في الصحراء الكبرى.
يندد المؤتمر بإسرائيل بوصفها أداة في خدمة الاستعمار ليس فقط في الشرق الأوسط بل في أفريقيا وآسيا.
стр. 588
ومع بداية عام ١٣٨٠ هـ الموافق ١٩٦٠م شهدت القارة الأفريقية أحداثاً كبيرة أدت إلى ظهور انقسامات في المواقف السياسية بين الدول المستقلة، ومن هذه الأحداث أوضاع الكونغو كينشاسا (زائير) والعلاقات بين المغرب وموريتانيا وتطورات حرب الاستقلال الجزائرية، وقد اجتمعت الدول الأفريقية الناطقة باللغة الفرنسية (١) . بعد حصولها على الاستقلال في ابيدجان عاصمة ساحل العاج في أكتوبر ١٩٦٠ للتنسيق بين مواقفها، ولكن الخلاف ازداد بين الدول الأفريقية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٦٠ ومن ثم تكتلت مجموعة من الدول الأفريقية في ١٥ ديسمبر ١٩٦٠م وعقدت مؤتمر برازافيل في الكونغو، وعلى الجانب الآخر اجتمعت مجموعة أخرى من الدول الأفريقية في مؤتمر الدار البيضاء (المغرب) ١٣٨١هـ الموافق في يناير ١٩٦١م، وفي مايو من عام ١٩٦١م جرت محاولة إعادة تجميع الدول الأفريقية في مؤتمر مونروفيا (ليبيريا) ولكنه فشل في التوصل للوحدة الشاملة واعقب ذلك مؤتمر لاجوس (نيجيريا) الذي قاطعته مجموعة الدار البيضاء وبعض الدول الأخرى. وعلى الرغم من هذا الإنقسام ظلت الاتصالات تدور بين الدول الأفريقية حتى تم الإتفاق على حضور مؤتمر أديس أبابا (أثيوبيا) ١٣٨٣هـ الموافق مايو ١٩٦٣م وتمت دعوة أثنين وثلاثين دولة أفريقية مستقلة بالإضافة إلى الدولة صاحبة الدعوة لحضور مؤتمر على مستوى وزراء الخارجية ثم مؤتمر على مستوى رؤساء الدول والحكومات الأفريقية، وفي عام ١٣٨٣هـ الموافق ٢٥ مايو ١٩٦٣م صدر عن هذه الاجتماعات ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية (٢) .
стр. 589
لقد انعكست هذه الأحداث على مواقف الدول الأفريقية نفسها تجاه القضية الفلسطينية، فبينما كان موقف مجموعة الدار البيضاء واضحاً من خلال القرار الخاص الذي أصدره المؤتمر حول هذه القضية، كانت هذه الأخيره تثير حساسية دول مؤتمر مونروفيا وطريقة الرئيس الراحل عبد الناصر في عرضها بالصورة التي يعتبر فيها إسرائيل أداة إمبريالية ليس في الشرق الأوسط فحسب وإنما في أفريقيا أيضاً (١) وقد علق أحد المسؤولين الأفارقة (٢) على النجاح الذي حققه الرئيس عبد الناصر في مؤتمر الدار البيضاء حينما ربط قضية فلسطين بقضايا الاستعمار في أفريقيا قائلاً: (إن الرئيس العربي عرض قضيته بمنتهي البراعة وقوة التأثير، فقد ربط بين مشكلة فلسطين وبين الفكرة العامة المتعلقة بالدفاع عن القارة الأفريقية وتأمين سلامتها (٣) .
٤- مؤتمرات عدم الإنحياز (٤) :
تلتقي الدول العربية والدول الأفريقية جميعها داخل إطار هذه الحركة، وتكون الدول الأفريقية في مؤتمراتها أكبر مجموعة من حيث عددها بالنسبة لمجموع الدول أعضاء هذه الحركة. ...
стр. 590
إن التضامن العربي الأفريقي حول القضية الفلسطينية في هذه الحركة بدأ منذ المؤتمر التحضيري الذي عقد في القاهرة خلال الفترة من عام ١٣٨١هـ الموافق عام ١٩٦١م وقد حضر هذا المؤتمر ممثلون عن إحدى وعشرين دولة منها ١٧ دولة أفروأسيوية، وكان هذا المؤتمر قد وضع أول تعريف لمفهوم عدم الإنحياز في حرية اتخاذ القرارات وحرية اختيار الحكم على كل قضية دولية.
عقدت أربعة مؤتمرات لرؤساء دول وحكومات الدول غير المنحازة خلال الفترة ١٣٨١-١٣٩٣هـ الموافق ١٩٦١-١٩٧٣م وهي:
المؤتمر الأول لدول عدم الإنحياز في بلجراد (يوغسلافيا) سبتمر ١٣٨١هـ الموافق ١٩٦١م. حضرة مندوبون عن خمس وعشرون دولة من بينها احدى عشر دولة أفريقية.
المؤتمر الثاني لدول عدم الإنحياز، انعقد في القاهرة في أكتوبر ١٣٨٤هـ الموافق ١٩٦٤ م وحضره مندوبون عن تسع وأربعين دولة من بينها تسع وعشرين دولة أفريقية.
المؤتمر الثالث لدول عدم الإنحياز في لوزاكا عاصمة زامبيا في سبتمبر عام
١٣٩٠ هـ الموافق ١٩٧٠م وحضرة مندوبون عن أربع وخمسين دولة بينها أربع وثلاثين دولة أفريقية.
المؤتمر الرابع لدول عدم الإنحياز في الجزائر سبتمبر ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣، حضره ممثلون عن ست وسبعين دولة بينها ثلاث وثلاثين دولة أفريقية غير عربية، وثمان عشر دولة عربية (١) .
ويلاحظ من دراسة هذه المؤتمرات أن المؤتمرين الأول والثاني لم يتعرضا للقضية الفلسطينية بصورة تقترب من الصورة العربية للصراع العربي الأسرائيلي (٢) .
стр. 591
وإنما أكد على الرغبة في أن يسود السلام في المنطقة، لكن المؤتمرين الثالث والرابع أشار في قرارتهما إلى أزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، حيث طالبت هذه القرارات بتنفيذ قرار ٢٤٢ الذي أصدره مجلس الأمن في ١٣٨٧هـ الموافق ٢٢ نوفمبر ١٩٦٧م في أعقاب حرب يونيو ١٩٦٧ م، وقد أيدت القرارات أيضاً الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في العودة إلى أرضه فقد جاء في الفقرة (ج) من القرار الخاص بالشرق الأوسط الذي أصدره مؤتمر لوزاكا (١) إعلان الاحترام الكامل للحقوق المشروعة لشعب فلسطين في العودة إلى أرضه، وإن صيانة هذه الحقوق شرط أساسي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط وتأكيد ضرورة التمسك بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة.
وفي النهاية يجب التنوية إلى أن حضور الدول الأفريقية أو اشتراكها في هذه المؤتمرات لايعني بالضرورة تأييد جميع هذه الدول للقرارات التي صدرت عنها بشأن القضية الفلسطينية أو أزمة الشرق الأوسط كما تسمى، ولكن يمكن القول أن التضامن العربي الأفريقي حول هذه القضية في جميع المؤاتمرات السابقة، ساعد على خلق رأي عام دولي متفاعل معها من خلال المناقشات وتبادل الآراء حول التطورات التي مرت بها على طول جولات الصراع العربي - الأسرائيلي، وقد أدى ذلك في مراحل متقدمة إلى تطور مواقف كثير من الدول الأفريقية وذلك من خلال وقوف هذه الدول على طبيعية القضية الفلسطينية والتطورات التي مرت بها.
ثانياً: التضامن العربي الأفريقي على المستوى الثنائي:
١- الاتصالات الثنائية بين الحكومات ورؤساء الدول: ...
стр. 592
يندرج تحت هذا العنوان تبادل التمثيل الدبلوماسي وعقد الاتفاقيات الثقافية وتبادل المواد الإعلامية والبعوث الطلابية، وقد قطعت الدول العربية في هذا المجال شوطاً كبيراً، ولكن أهم ما في هذا الموضوع، الزيارات المتبادلة بين رؤساء الدول والحكومات العربية والأفريقية، والاهتمام بهذا المستوى من الاتصالات يأتي من طبيعة العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية إذ تأكدت فعاليه هذا المستوى من الاتصالات حتى بين رؤساء الدول العظمى واصبح وسيلة لحل كثير من المنازعات وأداة للتوصل لأنواع عديدة من الاتفاقات وقد اسهمت الدول العربية عامة والعربية والأفريقية خاصة في هذا المجال، فقد تم تبادل الزيارات بين العديد من رؤساء الدول العربية والأفريقية ونتج عنها كثير من الاتفاقيات في مجالات مختلفة سياسية واقتصادية وثقافية وتشير إحدى الدراسات (١)
стр. 593
في هذا الموضوع البيانات المشتركة التي صدرت في أعقاب كل زيارة من تلك الزيارات على فقرة أو أكثر تتحدث عن الموقف في الشرق الأوسط والصراع العربي - الإسرائيلي، وقرارات الأمم المتحدة الصادرة في هذا الشأن كما أشارت مصارد أخرى (١) إلى تأثير بعض الزيارات العربية الأفريقية على مواقف عدد من الدول الأفريقية تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي الأسرائيلي ومن هذه الزيارات زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز ﵀ لخمس دول أفريقية في نوفمبر ١٣٩٢هـ الموافق ١٩٧٢م وهي: أوغندا، تشاد، النيجر، السنغال، موريتانيا، وزيارة الرئيس الأوغندي السابق (عيدي أمين) إلى ليبيا في فبراير ١٣٩٢هـ الموافق ١٩٧٢م، والتي على أثرها قطع الرئيس الأوغندي علاقاته مع إسرائيل وطرد الخبراء والفنيين الأسرائيلين وأحل محلهم خبراء فنيين من ليبيا (٢) .
جاء هذا النجاح الذي حققته الجهود الدبلوماسية على الساحة الأفريقية مواكباً للتغيرات التي طرأت على المناخ الدولي منذ بداية السبعينات حيث شهدت العلاقات بين القوتين مرحلة من الإنفراج بينهما، مما سمح للدول الصغيرة بالتحرر قليلاً في علاقاتها الدولية، كما بدأت تظهر آثار الأزمة الاقتصادية العالمية وظهور دور المؤتمر للدول المصدرة للبترول في المجال الدولي. كل ذلك ساعد على تقارب الدول العربية والأفريقية مما أدى في النهاية إلى تعاطف عدد من الدول الأفريقية مع القضية العربية.
٢- التضامن التجاري والمالي بين الدول العربية والدول الأفريقية:
стр. 594
لم تكن المبادلات التجارية بين الدول العربية والأفريقية ذات حجم كبير خلال عقد الستينات خاصة إذا ما قورنت بعلاقات إسرائيل التجارية مع الدول الأفريقية (١) وأسباب ذلك كثيرة تعود إلى عوامل التخلف والتبعية الاقتصادية التي خلفها الاستعمار لشعوب العالم الثالث عموماً (٢) والشعوب الأفريقية بصفة خاصة نظراً لارتباط معظم الدول الأفريقية باتفاقيات مختلفة ومتنوعة مع الدول المستعمرة الأم مثل فرنسا التي ربطت الدول الأفريقية التي كانت تستعمرها (باستثناء غينيا) بعد استقلالها باتفاقيات نقدية واقتصادية وفنيه وعسكرية. كما ربطتها بالسوق الأوروبية المشتركة في وضع الدول المنتسبة التي لارأي لها في رسم سياسة السوق. (٣) هذه التبعية تعتبر من العوامل الرئيسية التي أثرت على مواقف هذه الدول تجاه القضية الفلسطينية من خلال الارتباط بمواقف الدول الأوربية المؤيدة لاسرائيل طيلة عقد الستينات وحتى بداية السبعينات.
стр. 595
إن الأرقام الخاصة بالتجارة الداخلية الأفريقية توضح مدى أثار هذه التبعية الاقتصادية، على الرغم من ضآله حجمها بالنسبة للتجارة العالمية خاصة إذا قورنت بالتجارة الداخلية لكل من قارتي آسيا وأمريكا اللاتينية، فقد بلغت نسبة التجارة الداخلية الأفريقية ٦% من تجارة القارة مع العالم الخارجي عام ١٣٩٠ هـ ١٩٧٠م والتي بلغت نسبتها إلى التجارة العالمية ٤%، بينما بلغت نسبة التجارة الداخلية لكل من قارتي آسيا وأمريكا اللاتينية إلى نسبة تجارة كل منهما مع العالم الخارجي في نفس العام على التوالي ٢١.٣% بالنسبة للأولى و ١١.٨% بالنسبة للثانية (١) وهذا يوضح ضالة حجم التبادل التجاري بين بلدان العالم الثالث عموماً؛ لأن معظم صادارات هذه الدول هي من المواد الخام التي تتجه إلى أسواق الدول الصناعية الرأسمالية. ومن هنا يبدو أن التبادل التجاري بين الدول العربية والدول الأفريقية كان محدود الأثر، بل أن حاجة معظم هذه الدول الماسة (خاصة الأفريقية منها) إلى الاستثمارات المالية والخبرات الفنية والتكنولوجيا الحديثة تضيف بعداً آخر لعوامل التأثير على المواقف السياسية للدول الأفريقي، نظراً لاعتمادها في جميع هذه المجالات على الدول الاستعمارية الأم والدول الغربية عموماً المعروفة بتأييدها لأسرائيل. لهذه الأسباب كانت معدلات التبادل التجاري العربي الأفريقي غير مؤثرة في مواقف الدول الأفريقية من القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتجدر الإشارة إلى أن عدد الدول العربية التي كانت تقيم علاقات تجارية مع الدول الأفريقية كان عدداً محدودا ولايشمل كل دول المجموعة العربية في تلك المرحلة، ويكاد ينحصر في المملكة العربية السعودية والعراق من قارة أسيا ومصر والجزائر والسودان وليبيا من قارة أفريقيا وتأتي مصر
стр. 596
في مقدمة هذه لدول (١) .
وبالنسبة للتضامن في المجال المالي توجد بعض المؤسسات المالية العربية والأفريقية - العربية المشتركة، وقد ساهمت هذه المؤسسات في تمويل مشاريع التنمية في عدد من الدول الأفريقية وأهم هذه المؤسسات هي:
الصندوق الكويتي للتنمية تأسس عام ١٣٨١هـ الموافق ١٩٦١م برأسمال ٦٨٠ مليون دولار أمريكي، وهو بنك ائتماني يقوم بتمويل المشروعات الاقتصادية في الدول النامية بشروط ميسرة.
البنك العربي الأفريقي، تأسس في القاهرة عام ١٣٨٤هـ الموافق ١٩٦٤م وساهمت فيه الكويت ومصر بنسبة ٣٤% من رأسماله للأولى و٣٣% للثانية، واشترك فيه مصرف الرافدين العراقي والبنك المركزي الجزائري ووزارة المالية الأردنية ووزارة المالية القطرية ومجموعة أفراد ومؤسسات بنسبة ٣٣% وقدم البنك قروضاً تنموية للدول الأفريقية التالية:
- تشاد (١٦٠) ألف جنية استرليني لصناعة مواد البناء.
- أثيوبيا (١٩٣) ألف جنية استرليني لصناعة النسيج.
- كينيا (٢١٠) ألف جنية استرليني لصناعة الورق.
- زامبيا (١٠٤) ألف جنية استرليني لصناعة الجلود.
وقد بلغ رأسمال البنك عام ١٩٧٤م حوالي (٢٠) مليون جنية استرليني.
стр. 597
البنك الأفريقي للتنمية: تأسس عام ١٣٨٤ هـ الموافق ١٩٦٤ م على مستوى القارة الأفريقية وتساهم فيه الدول العربية بنسبة ٤٧% من رأسماله وتمثل مصر والجزائر وليبيا المراكز الأولى من حيث مساهماتها في رأس المال (١) .
وبالإضافة إلى ذلك في عهد المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز قدمت بعض الدول العربية مساعدات لعدد من الدول الأفريقية حيث قدمت المملكة العربية السعودية للنيجر مبلغ خمسة ملايين دولار كمنحة لخطة التنمية عام ١٣٩١هـ الموافق ١٩٧١م ولأفريقيا الوسطى مليون دولار، لأوغندا مبلغ مليونين ونصف المليون دولار ولتشاد ثمانية ملايين دولار، كما ساهمت في إقامة مشاريع صناعية مختلفة في أفريقيا مثل مصفاة البترول في توجو ومصنع للألمنيوم في مالي، ويرجع البعض تغيير مواقف عدد من هذه الدول الأفريقية خلال عام ٧١-١٩٧٢م تجاه إسرائيل إلى تاثير هذه المساعدات (٢) .
إن الحقيقة المعروفة من مراجعة جميع القرارات التي صدرت عن حركة عدم الانحياز منذ قيامها عام ١٣٨١ هـ الموافق ١٩٦١م، تؤكد استمرار تأييدها للقضية الفلسطينية، ولكن ظروف الدول الأفريقية السياسية والاقتصادية وعلاقاتها الخارجية خاصة مع الدول الغربية وأسرائيل قبل ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣م، لم تكن تسمح لها بأتخاذ موقف واضح من هذه القضية، ولذا لايمكن القول بأن مواقف جميع الدول الأفريقية كانت متفقة مع
стр. 598
قرارات مؤتمرات عدم الانحياز حتى انعقاد المؤتمر الرابع في الجزائر في سبتمبر ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣م. أما بعد هذا التاريخ وبعد ظهور التضامن بين الدول العربية والأفريقية، فإنه يبدو من الواضح أن هذا التضامن قد امتد إلى ساحة هذه الحركة، حيث يلاحظ أن قرارات مؤتمر القمة لعدم الإنيحاز الذي عقد في هافانا (كوبا) ١٣٩٩هـ الموافق ٣-٩ سبتمبر ١٩٧٩م (١) مطابقة لقرارات مجلس وزراء منظمة الوحدة الأفريقية في ذلك العام، في تأييدها للحقوق الشرعية الثابتة للشعب الفلسطيني ولممثله الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية وفي التأكيد على أن القضية الفلسطينية هي جوهر مشكلة الشرق الأوسط وأنه لايمكن إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط إلا على أساس الأنسحاب الكامل للجيوش الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية والأعتراف بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وخاصة حقه في العودة والسيادة وإقامة دولته المستقلة على أرضه وتقرير مصيره بنفسه. والتي نصت عليها قرارات الأمم المتحدة وعدم الإنحياز ومنظمة الوحدة الأفريقية. ولكن يلاحظ أيضاً أن المؤتمر أدان في قراراته اتفاقيات كامب ديفيد واتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية واعتبرها اتفاقيات جزئية تجاهلت القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني التي هي جوهر ما هو معروف بمشكلة الشرق الأوسط. بينما اشارت قرارات المجلس الوزاري الأفريقي إلى هذه الاتفاقيات بصياغة غامضة، حيث جاء في الفقرة (٤) من القرار رقم (٧٢٥ (د -٣٣) مايلي (٢) :
стр. 599
" يدين المجلس بشده كل الاتفاقات الجزئية والمعاهدات المنفصلة التي تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الشعب الفلسطيني ومبادئ ميثاقي منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة والقرارات المتخذة في مختلف المحافل الدولية بشأن قضية فلسطين والتي تحول دون تحقيق أماني الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه وتقرير مصيره وممارسة سيادته الكاملة على أراضيه " وقد تكررت هذه الصياغة في قرارات المنظمة في دوراتها التالية وآخرها الدورة رقم (٣٧) للمجلس. ومن الجدير بالإشارة إلى أن هذه الصياغة تعود إلى وجود عدد قليل من الدول الأفريقية المحافظة التي أيدت مبادرة السلام المصرية ومن هذه الدول زائير وليبيريا (١)
стр. 600
، وتلافياً للأحراج في علاقات هذه الدول مع مصر، ولقناعتها بوجهة النظر المصرية التي ترى بأن هذه المبادرة ماهي إلا خطوة على طريق تحقيق السلام الشامل، وأنه ليس هناك ما يمنع من إعطاء الفرصة لإثبات ذلك، لذا فقد جاءت الصياغة السابقة لقرارات مجلس وزارء المنظمة غير محددة كما وردت في قرارات قمة عدم الإنيحاز، وعلى الرغم من هذا فإنه يصح القول بأن الدول الأفريقية بأغلبيتها العظمى إن لم يكن جميعها متضامنة مع الدول العربية حول الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني السابقة الذكر ومع ممثله الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، مثلما هو الحال بالنسبة لتضامن الدول العربية مع القضايا الأفريقية وخاصة بالنسبة للنظام العنصري في جنوب أفريقيا، وذلك في إطار حركة عدم الإنحياز، يؤكد ذلك الإدراك الواعي لحقيقة قضايا التحرير العربية والأفريقية التي عبر عنها مؤتمر وزراء خارجية عدم الإنحياز الذي عقد في بلغراد من ٢٥-٢٩ يوليو ١٩٧٨، حيث جاء في قراراته (١) أن المؤتمر يؤكد من جديد أن الحكم العنصري في فلسطين المحتلة وناميبيا وجنوب أفريقيا ينبع من مصدر إمبريالي واحد، ويرتبط ارتباطاً عضوياً بالسياسات والممارسات العنصرية التي تستهدف قمع حريات الإنسان وإهدار كرامته، وإذ يعتبر الأبقاء على العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية وغيرها من العلاقات مع إسرائيل يساعدها على استمرار اغتصابها لفلسطين وعلى التمادي في تنكرها لإرادة المجتمع الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويشجعها على الاستمرار في سياستها التوسعية الاستعمارية العنصرية القائمة أصلاً على العدوان، وإذ يعرب عن أسفه الشديد لعدم تنفيذ قراري مؤتمري القمة الرابع واالخامس لرؤساء دول وحكومات البلدان غير المنحازة اللذين دعيا الدول الأعضاء التي لاتزال تحتفظ بعلاقات مع إسرائيل إلى قطع هذه