← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

في مقدمة هذه لدول (١) . وبالنسبة للتضامن في المجال المالي توجد بعض المؤسسات المالية العربية والأفريقية - العربية المشتركة، وقد ساهمت هذه المؤسسات في تمويل مشاريع التنمية في عدد من الدول الأفريقية وأهم هذه المؤسسات هي: الصندوق الكويتي للتنمية تأسس عام ١٣٨١هـ الموافق ١٩٦١م برأسمال ٦٨٠ مليون دولار أمريكي، وهو بنك ائتماني يقوم بتمويل المشروعات الاقتصادية في الدول النامية بشروط ميسرة. البنك العربي الأفريقي، تأسس في القاهرة عام ١٣٨٤هـ الموافق ١٩٦٤م وساهمت فيه الكويت ومصر بنسبة ٣٤% من رأسماله للأولى و٣٣% للثانية، واشترك فيه مصرف الرافدين العراقي والبنك المركزي الجزائري ووزارة المالية الأردنية ووزارة المالية القطرية ومجموعة أفراد ومؤسسات بنسبة ٣٣% وقدم البنك قروضاً تنموية للدول الأفريقية التالية: - تشاد (١٦٠) ألف جنية استرليني لصناعة مواد البناء. - أثيوبيا (١٩٣) ألف جنية استرليني لصناعة النسيج. - كينيا (٢١٠) ألف جنية استرليني لصناعة الورق. - زامبيا (١٠٤) ألف جنية استرليني لصناعة الجلود. وقد بلغ رأسمال البنك عام ١٩٧٤م حوالي (٢٠) مليون جنية استرليني.

стр. 597

البنك الأفريقي للتنمية: تأسس عام ١٣٨٤ هـ الموافق ١٩٦٤ م على مستوى القارة الأفريقية وتساهم فيه الدول العربية بنسبة ٤٧% من رأسماله وتمثل مصر والجزائر وليبيا المراكز الأولى من حيث مساهماتها في رأس المال (١) . وبالإضافة إلى ذلك في عهد المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز قدمت بعض الدول العربية مساعدات لعدد من الدول الأفريقية حيث قدمت المملكة العربية السعودية للنيجر مبلغ خمسة ملايين دولار كمنحة لخطة التنمية عام ١٣٩١هـ الموافق ١٩٧١م ولأفريقيا الوسطى مليون دولار، لأوغندا مبلغ مليونين ونصف المليون دولار ولتشاد ثمانية ملايين دولار، كما ساهمت في إقامة مشاريع صناعية مختلفة في أفريقيا مثل مصفاة البترول في توجو ومصنع للألمنيوم في مالي، ويرجع البعض تغيير مواقف عدد من هذه الدول الأفريقية خلال عام ٧١-١٩٧٢م تجاه إسرائيل إلى تاثير هذه المساعدات (٢) . إن الحقيقة المعروفة من مراجعة جميع القرارات التي صدرت عن حركة عدم الانحياز منذ قيامها عام ١٣٨١ هـ الموافق ١٩٦١م، تؤكد استمرار تأييدها للقضية الفلسطينية، ولكن ظروف الدول الأفريقية السياسية والاقتصادية وعلاقاتها الخارجية خاصة مع الدول الغربية وأسرائيل قبل ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣م، لم تكن تسمح لها بأتخاذ موقف واضح من هذه القضية، ولذا لايمكن القول بأن مواقف جميع الدول الأفريقية كانت متفقة مع

стр. 598

قرارات مؤتمرات عدم الانحياز حتى انعقاد المؤتمر الرابع في الجزائر في سبتمبر ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣م. أما بعد هذا التاريخ وبعد ظهور التضامن بين الدول العربية والأفريقية، فإنه يبدو من الواضح أن هذا التضامن قد امتد إلى ساحة هذه الحركة، حيث يلاحظ أن قرارات مؤتمر القمة لعدم الإنيحاز الذي عقد في هافانا (كوبا) ١٣٩٩هـ الموافق ٣-٩ سبتمبر ١٩٧٩م (١) مطابقة لقرارات مجلس وزراء منظمة الوحدة الأفريقية في ذلك العام، في تأييدها للحقوق الشرعية الثابتة للشعب الفلسطيني ولممثله الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية وفي التأكيد على أن القضية الفلسطينية هي جوهر مشكلة الشرق الأوسط وأنه لايمكن إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط إلا على أساس الأنسحاب الكامل للجيوش الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية والأعتراف بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وخاصة حقه في العودة والسيادة وإقامة دولته المستقلة على أرضه وتقرير مصيره بنفسه. والتي نصت عليها قرارات الأمم المتحدة وعدم الإنحياز ومنظمة الوحدة الأفريقية. ولكن يلاحظ أيضاً أن المؤتمر أدان في قراراته اتفاقيات كامب ديفيد واتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية واعتبرها اتفاقيات جزئية تجاهلت القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني التي هي جوهر ما هو معروف بمشكلة الشرق الأوسط. بينما اشارت قرارات المجلس الوزاري الأفريقي إلى هذه الاتفاقيات بصياغة غامضة، حيث جاء في الفقرة (٤) من القرار رقم (٧٢٥ (د -٣٣) مايلي (٢) :

стр. 599

" يدين المجلس بشده كل الاتفاقات الجزئية والمعاهدات المنفصلة التي تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الشعب الفلسطيني ومبادئ ميثاقي منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة والقرارات المتخذة في مختلف المحافل الدولية بشأن قضية فلسطين والتي تحول دون تحقيق أماني الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه وتقرير مصيره وممارسة سيادته الكاملة على أراضيه " وقد تكررت هذه الصياغة في قرارات المنظمة في دوراتها التالية وآخرها الدورة رقم (٣٧) للمجلس. ومن الجدير بالإشارة إلى أن هذه الصياغة تعود إلى وجود عدد قليل من الدول الأفريقية المحافظة التي أيدت مبادرة السلام المصرية ومن هذه الدول زائير وليبيريا (١)

стр. 600

، وتلافياً للأحراج في علاقات هذه الدول مع مصر، ولقناعتها بوجهة النظر المصرية التي ترى بأن هذه المبادرة ماهي إلا خطوة على طريق تحقيق السلام الشامل، وأنه ليس هناك ما يمنع من إعطاء الفرصة لإثبات ذلك، لذا فقد جاءت الصياغة السابقة لقرارات مجلس وزارء المنظمة غير محددة كما وردت في قرارات قمة عدم الإنيحاز، وعلى الرغم من هذا فإنه يصح القول بأن الدول الأفريقية بأغلبيتها العظمى إن لم يكن جميعها متضامنة مع الدول العربية حول الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني السابقة الذكر ومع ممثله الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، مثلما هو الحال بالنسبة لتضامن الدول العربية مع القضايا الأفريقية وخاصة بالنسبة للنظام العنصري في جنوب أفريقيا، وذلك في إطار حركة عدم الإنحياز، يؤكد ذلك الإدراك الواعي لحقيقة قضايا التحرير العربية والأفريقية التي عبر عنها مؤتمر وزراء خارجية عدم الإنحياز الذي عقد في بلغراد من ٢٥-٢٩ يوليو ١٩٧٨، حيث جاء في قراراته (١) أن المؤتمر يؤكد من جديد أن الحكم العنصري في فلسطين المحتلة وناميبيا وجنوب أفريقيا ينبع من مصدر إمبريالي واحد، ويرتبط ارتباطاً عضوياً بالسياسات والممارسات العنصرية التي تستهدف قمع حريات الإنسان وإهدار كرامته، وإذ يعتبر الأبقاء على العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية وغيرها من العلاقات مع إسرائيل يساعدها على استمرار اغتصابها لفلسطين وعلى التمادي في تنكرها لإرادة المجتمع الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويشجعها على الاستمرار في سياستها التوسعية الاستعمارية العنصرية القائمة أصلاً على العدوان، وإذ يعرب عن أسفه الشديد لعدم تنفيذ قراري مؤتمري القمة الرابع واالخامس لرؤساء دول وحكومات البلدان غير المنحازة اللذين دعيا الدول الأعضاء التي لاتزال تحتفظ بعلاقات مع إسرائيل إلى قطع هذه

стр. 601

العلاقات في مختلف المجالات وذلك طبقاً للفصل السابع من الميثاق. ومن الواضح أن موقف حركة عدم الإنحياز تجاه القضية الفلسطينية مطابق للموقف العربي على المستوى الدولي، وهو موقف لم تسجله أي هيئة دولية أخرى غير عربية أو إسلامية. ويمكن القول أن التضامن بين الدول العربية والأفريقية وإلى جانبها الدول الإسلامية داخل إطار هذه الحركة كان وراء تمايز هذا الموقف لحركة عدم الانحيازعن مواقف هيئات ومنظمات دولية أخرى، خاصة إذا عرفنا أن مجموع الدول العربية والأفريقية فقط إلى مجموع عضوية الحركة في مؤتمر هافانا بلغ على التوالي واحد وسبعين دولة إلى أثنين وتسعين دولة، ومن هنا فإن حضور أعضاء الحركة داخل هيئة الأمم المتحدة يكسب قضايا النضال الوطني والتحرري لبلدان العالم الثالث أهمية أكبرى سجلتها محاضر التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعزلها لأصوات القوى المضادة لتحرر شعوب البلدان النامية والشعوب المستعمرة، والممثلة للامبريالية العالمية والصهيونية والعنصرية. منظمة المؤتمر الإسلامي: في عام ١٣٨٩ هـ الموافق ١٩٦٩ م وعلى أثر حريق المسجد الأقصى على أيدى الأسرائيلين، انعقد المؤتمر الإسلامي الأول في الرباط وانبثقت عنه لجنة يرأسها ملك المغرب دعيت آنذاك باسم (لجنة القدس) وقد ضم هذا المؤتمر خمسة وعشرين دولة وحضرته منظمة التحرير الفلسطينية كمراقب أكد المؤتمر قرارات الأمم المتحدة لعام ١٩٦٧ م الخاصة بوضع القدس وإنسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة.

стр. 602

وفي فبراير ١٣٩٤هـ الموافق ١٩٧٤م عقد في لاهور (باكستان) مؤتمر القمة الإسلامي الثاني بعد نشوب حرب أكتوبر ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣م، وكان هذا المؤتمر أول تجمع حقيقي للزعماء العرب والمسلمين وقد تقرر فيه تقديم المساعدات الاقتصادية للبلدان النامية، وأيد في بيانه الختامي حق الشعب الفلسطيني في استعادة كافة حقوقه الوطنية معتبراً ذلك الشرط الأساسي للتوصل إلى حل دائم في الشرق الأوسط. وعادة يعقد اجتماع لوزراء خارجية الدول الإسلامية كل عام خارج نطاق مؤتمرات القمة الإسلامية وقد قرر مؤتمرهم عام ١٣٩٠هـ الموافق ١٩٧٠ م في أول اجتماع له في مارس إنشاء أمانة دائم يكون مقرها المؤقت (جدة) لحين إتمام تحرير القدس (١) . وتضم المنظمة في عضويتها حالياً ست وثلاثين دولة إسلامية منها احدى عشر دولة أفريقية غير العربية وهي: تشاد - النيجر - جامبيا - السنغال - غنينا - مالي - غينيا بيساو - نيجيريا - الكاميرون - أوغندا - جبيوتي. وقد عقد مؤتمر القمة الإسلامية الثالث في الطائف بالمملكة العربية السعودية وسميت هذه الدورة ب (دورة فلسطين والقدس) حيث تصدرت القضية الفلسطينية وموضوع القدس جدول الأعمال إلى جانب قضايا أخرى كالحرب الإيرانية العراقية (٢) ومشكلة افغانستان. وأهم ما خرج به المؤتمر بصدد القضية الفلسطينية إضافه إلى تأكيده على الحقوق الشرعية والثابته للشعب الفلسطيني أمران أساسيان هما:

стр. 603

رفض قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٤٢ على أساس أنه غير صالح لحل القضية الفلسطينية: وهذا ما لم تشر إليه مؤتمرات عدم الإنحياز أو غيرها، بل أن منظمة الوحدة الأفريقية على النقيض فمن ذلك تعتبره الأساس الذي يصلح لحل مشكلة الشرق الأوسط وهذا ماتؤكد عليه جميع القرارات الصادرة عنها بشأن هذا الموضوع. رفض اتفاقايت كامب ديفيد ورفض تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل وادانه السياسة الأمريكية التي دعمت هذه الاتفاقيات، وجرى التشديد بهذا الصدد على دور منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وعلى مسؤوليتها في التفاوض باسم الشعب الفلسطيني لتأمين حقوقه وخاصة حقه في إقامة دولته المستقلة (١) . والشق الأول من هذا البند لم تشر إليه قرارات المنظمة الأفريقية بهذه الصورة المحددة. وقد اتفق المؤتمرون على بذل المساعي على النطاق الدولي لتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة. إن وجود هذا العدد المحدود من الدول الأفريقية إلى جانب الدول العربية داخل منظمة المؤتمر الإسلامي يعتبر أحد إمتدادات التضامن العرببي - الأفريقي على الساحة الدولية. وأن موافقة زعماء هذه الدول على ماجاء في قرارات مؤتمر الطائف، وهو موقف مطابق لمواقف الدول العربية التي حضرت المؤتمر، يلتقي مع مواقف مجموعة من الدول الأفريقية المتطرفة مثل: أنجولا - موزمبيق - بنين - تنزانيا - أثيوبيا - وزيمبابوي (بعد استقلالها عام ١٤٠٠ هـ الموافق ١٩٨٠م) وغيرها والتي تساند وتدعم القضية الفلسطينية على أساس مبدئي ينطلق من أعتبارات أيديولوجية تضعها داخل إطار حركة التحرر العالمية المناهضة لكل وجوة الاستعمار القديم والحديث وهو الأمر الذي يعتبر من الأسس القوية التي قام عليها التضامن العربي - الأفريقي. (( (( (( الخاتمة:

стр. 604

أهم النتائج التي توصل إليها الباحث. أولاً: لم يكن هناك موقف أفريقي متميز تجاه القضية الفلسطينية قبل عام ١٣٩٣هـ ١٩٧٣م بل ظهرت مواقف فرديه لبعض الدول الأفريقية في البداية وإبان مرحلة الاستقلال مثل موقف أثيوبيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة من قراري التقسيم رقم (١٨١) وقبول عضوية إسرائيل رقم (٢٧٣) هذا الموقف المؤيد لموقف الدول العربية، وهو عكس موقف ليبريا التي أيدت القرارين. وكذلك الأمر بالنسبة لمواقف كل من غينيا -غانا - مالي في مؤتمر الدار البيضاء التي أدانت إسرائيل من خلال البيان الذي صدر عن المؤتمر، والذي وصفها بأداة الأمبريالية والأستعمار ليس في الشرق الأوسط فحسب بل في أفريقيا أيضاً. وهذه مواقف متميزة تعبر عن ظروف دولية وأقليمية مر بها الموقف الأفريقي خلال مراحل تطوره، إذا أنه تجمد بعد ذلك منذ قيام منظمة الوحدة الأفريقية عام ١٣٨٣هـ الموافق عام ١٩٦٣هـ، حتى نشوب حرب يونيو عام ١٣٨٧هـ الموافق ١٩٦٧ م، حيث بدأ يتحرك بإتجاه الأزمة التي نتجت عن هذه الحرب، وقد ارتكز الموقف الأفريقي بعد حرب يونيو على قرارات الأمم المتحدة منذ البداية وبصورة رئيسية على تأييده لقرار مجلس الأمن رقم (٢٤٢) . وكان المحرك الأول لهذا الموقف هو احتلال قوات أجنبية لأراضي إحدى الدول الأعضاء المؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية (مصر) . وبالنسبة للموقف الأفريقي داخل مؤتمرات الشعوب الأفريقية والأفرو-أسيوية ومؤتمرات عدم الإنحياز، فقد كان في الأولى يعبر عن مواقف الشعوب الأفريقية المتمثلة في حركات التحرير والتنظيمات الشعبية، ولهذا كان التأييد الأفريقي للقضية الفلسطينية داخل هذه المؤتمرات أقوى منه في مؤتمرات عدم الإنحياز التي تعكس وجهة نظر

стр. 605

الحكومات، نظراً لتعرض هذه الأخيرة لضغوط مختلفة داخلية وخارجية من جانب القوى الدولية الحليفة للاستعمار والصهيونية. ولهذا فإن أهمية هذه المؤتمرات لاتأتي من كونها تكشف عن طبيعة الموقف الأفريقي باطرافه المتمايزة في مواقفها واتجاهاتها السياسية وإنما باعتبارها عوامل مؤثرة في الرأي العام الأفريقي، وذلك من خلال نقل وسائل الإعلام لأخبار هذه المؤتمرات والقضايا التي تناقشها ومنها القضية الفلسطينية والقرارات التي تصدر بشأنها، وقد ساعد ذلك على تفهم الدول الأفريقية لطبيعة القضية الفلسطينية وتطوراتها، مما أدى إلى تأثر مواقف هذه الدول تدريجياً مع تطور العلاقات العربية الأفريقية، وبصفة خاصة منذ بداية السبعينات، حيث دخلت متغيرات دولية جديدة تمثلت بالأنفراج الذي طرأ على العلاقات بين القوتين الأعظم - الولايات المتحدة والأتحاد السوفيتتي - مما سمح للدول الصغيرة بممارسة دورها في السياسية الدولية والقضايا العالمية بحرية أكبر، وتصاعد نشاط حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا، كل هذه العوامل كان لها آثارها على تطور الموقف الأفريقي تجاه أزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، من السلبية التي كان عليها قبل حرب ١٣٨٧ هـ الموافق ١٩٦٧ م، إلى التعاطف ثم التفاعل الذي تمثل في المبادرة الأفريقية عام ١٣٩١هـ الموافق عام ١٩٧١م، والتي كان لها أثر كبير في تحول موقف منظمة الوحدة الأفريقية إلى موقف مؤيد للدول العربية ضد إسرائيل، بسب موقفها السلبي من المبادرة وجميع المبادرات السلمية التي كانت مطروحة في تلك الأونة وقد ظهر هذا التحول في موقف المنظمة عام ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣م، عندما أصدر مؤتمر القمة الأفريقي العاشر قراره حول الشرق الأوسط، الذي تضمن إنذاراً لإسرائيل بإتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية ضدها من جانب الدول الأعضاء، إذا ما استمرت في سياستها العدوانية ضد الشعوب العربية، ولم تنفذ قرارات - الأمم

стр. 606

المتحدة، كما تضمن القرار أيضاً اعتراف المنظمة بحقوق الشعب الفلسطيني وكانت هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها مثل هذا الأعتراف من جانب منظمة الوحدة الأفريقية، وكان هذا الموقف مسايراً للمكانة التي تبؤتها القضية الفلسطينية على الساحة الدولية، حيث اعترفت الأمم المتحدة عام ١٣٨٩ هـ الموافق عام ١٩٦٩م بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وتلاها اعتراف حركة عدم الإنحياز بهذه الحقوق عام ١٣٩٠ هـ الموافق ١٩٧٠م. ومن الجدير بالإشارة أن ثماني دول افريقية كانت قد بادرت خلال عام ١٣٩٢-١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٢-١٩٧٣م بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، بالإضافة إلى غينيا التي قطعت علاقاتها معها منذ حرب يونيو ١٩٦٧م ,. ثانياً: عندما وقعت حرب أكتوبر كان المناخ السياسي الأفريقي مهيئاً لظهور موقف أفريقي جديد، وقد عجلت هذه الحرب بظهوره حيث أخذت الدول الأفريقية - واحدة تلو الأخرى - تعرب عن تضامنها مع الدول العربية والشعب الفلسطيني في حربها مع إسرائيل، وذلك من خلال اعلانها عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وقد قطعت جميع الدول الأفريقية هذه العلاقات باستثناء ثلاث منها هي ملاوي وسولزيلاند وليسوتو، بقيت خارج إطار التضامن لإعتبارات سياسية واقتصادية وجغرافية تربطها بجنوب أفريقيا، وتجعلها خاضعة لنفوذها.

стр. 607

وكنتيجة لمبادرات الدول الأفريقية هذه، وبعد صدور قرارات الاجتماع الطارئ لمجلس وزراء منظمة الوحدة الأفريقية في نوفمبر عام ١٣٩٣هـ الموافق ١٩٧٣م، وقرارات القمة العربية السادسة في الجزائر التي تلت اجتماع المنظمة الأفريقية مباشرة، شهدت العلاقات العربية الأفريقية انطلاقة جديدة تطورت إلى تضامن وتعاون بين الدول العربية والأفريقية على المستويات الثنائية والجماعية والدولية، فقد تزايد على المستوى الثنائي الزيارات المتبادلة بين قيادات الدول العربية والدول الأفريقية، وعدد الاتفاقيات الثنائية، وحجم المعونات المالية المقدمة من الصناديق الوطنية التابعة للدول العربية المصدرة للبترول منها بصفة خاصة إلى الدول الأفريقية. وعلى المستوى الجماعي تكونت لجان وزارية عربية وأفريقية تابعة لجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية للحوار حول التعاون. كما أنشأت كل من المنظمتين إدارة خاصة بالتعاون، وتأسست أجهزة مالية لتقديم المعونات للدول الأفريقية كما أسفر الاتصال والتشاور على مستوى الأمانتين العامتين واللجان الوزارية إلى الاتفاق مبدئياً على عقد مؤتمر قمة عربي أفريقي بموافقة مؤتمرات القمة العربية والأفريقية يسبقه مؤتمر وزراء الخارجية المشترك للأعداد له. وقد عقد المؤتمر الوزاري المشترك في داكار عاصمة السنغال عام ١٣٩٦ هـ الموافق ١٩٧٦ م ووافق على أعلان وبرنامج عمل التعاون العربي الأفريقي الذي أقره مؤتمر القمة العربي الأفريقي الذي عقد في القاهرة عام ١٣٩٧هـ الموافق مارس ١٩٧٧م مع الوثائق الثلاث الأخرى التي أعدتها اللجنة الوزارية المشتركة في يناير من نفس العام. ووفقاً لهذه الوثائق تم تكوين اللجنة الدائمة ولجنة التسنيق واللجان المتخصصة، إضافة إلى مؤتمر القمة وهو الجهاز الأعلى في الهيكل التنظيمي للتعاون، ويليه المجلس الوزاري المشترك مباشرة.

стр. 608

وتجدر الإشارة إلى أن المعونات المالية العربية للدول الأفريقية قد تزايدت بصورة ملحوظ منذ عام ١٣٩٧ هـ الموافق ١٩٧٧م، فقد بلغ إجمالي التعهدات المقدمة من البلدان العربية ومؤسسات التنمية الممولة أساساً من هذه البلدان (٦) مليار دولار حتى عام ١٤٠١هـ الموافق ١٩٨١م، تستأثر الصناديق الوطنية بتوزيع الجزء الأكبر منها. وهذا يعني أن العون المالي العربي لأفريقيا لم يتوقف على الرغم من توقف أجهزة التعاون الجماعي التي نشأت بموجب الوثائق الصادرة عن مؤتمر القمة العربي الأفريقي المشترك الذي عقد في القاهرة عام ١٣٩٧هـ الموافق ١٩٧٧م، إذ إن المؤسسات المالية العربية التابعة لجامعة الدول العربية، أستمرت في تقديم المعونات المالية والقروض للدول الأفريقية بالإضافة إلى مساهماتها في مشاريع التنمية في اكثر من ست وثلاثين دولة من هذه الدول. وهذه المؤسسات تتمثل حالياً في المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا والصندوق العربي لتقديم المعونة الفنية لأفريقيا، وهذا الأخير يساهم في تقديم الخبرات الفنية والثقافية للدول الأفريقية، كما أستمرت الصناديق الوطنية بتأديه دورها في مجالات التعاون المالي والمساهمة في المشاريع التنموية. وعلى المستوى الدولي فقد ظهر التضامن والتعاون بين الدول العربية والدول الأفريقية في إطار التعاون بين الدول النامية في الأمم المتحدة وأجهزتها المتخصصة وفي المؤتمرات الدولية المختلفة مثل مؤتمرات التجارة والتنمية أو مايطلق عليه (الحوار بين الشمال والجنوب) ومؤتمرات عدم الإنحياز ومؤتمرات منظمة المؤتمر الإسلامي ... كما ساهمت الدول العربية أيضاً بأموالها في المؤسسات الدولية التي تقدم القروض للدول النامية، مثل المملكة العربية السعودية.

стр. 609

ثالثاً: أن التضامن العربي الأفريقي ليس عملية مقايضة للتأييد السياسي بالدعم المالي أو الأقتصادي، بل هو تعاون متبادل تتشابك وتتداخل فيه أوجه التعبير بين تأييد سياسي أفريقي للعرب يقابله - بل يسبقة تاريخياً - تأييد سياسي عربي لأفريقيا، وبين إمكانيات اقتصادية ومالية عربية يمكن أن تستفيد منها أفريقيا، يقابله إمكانيات اقتصادية أفريقية يمكن أن تستفيد منها العالم العربي. رابعاً: إن الموقف الأفريقي تجاه القضية الفلسطينية - كما اتضح - موقف غير متماسك تتخلله تيارات عديدة تسير في الاتجاه المعاكس للتضامن العربي الأفريقي، وتيارات تحاول أن تستفيد مادياً من هذا الموقف، ولهذا نلاحظ تذبذب مواقف دول هذه التيارات في الأمم المتحدة أثناء التصويت على القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية، وهذه التيارات - هي التى تناولها التحليل السابق - تمثل اقلية من الدول الافريقية، ولذا فهي لا تملك القدرة في التأثير على الاتجاه العام للموقف الافريقي المؤيد للقضية الفلسطينية. وقد اثبت البحث صحة هذه الحقيقة التى تجلت في استمرار هذا الموقف حتى بعد عملية السلام المصرية - الاسرائيلية، التى انعكست آثارها على مواقف الدول التي تسود فيها تلك التيارات وخاصة تلك المسماه بتيارات التحفظ الاستراتيجي فقد اعادت احدي هذه الدول (زائير) علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل على أثر انسحاب الجيوش الاسرائيلية من شبه جزيرة سيناء المصرية وعللت بأن قرار قطع العلاقات مع اسرائيل عام ١٩٧٣ كان مبنيا على أساس التضامن مع دولة عضو في منظمة الوحدة الافريقية احتلت جزءاً من اراضيها، ولما كانت اسرائيل قد انسحبت منها فلم يعد هناك مبرر لاستمرار قطع العلاقات معها.

стр. 610

علما بأن بقية الدول الافريقية لا يزال التزامها بالتضامن مع القضية الفلسطينية قائماً على استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل لحين حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة. وذلك وفقا لما نصت عليه قرارات منظمة الوحدة الافريقية منذ عام ١٣٩٣هـ على الرغم من أن عدداً كبيراً من هذه الدول لا تزال تقيم علاقات تجارية وثقافية وفنية مع إسرائيل. ومن الجدير بالذكر أن كثيراً من الدول الافريقية التى كانت لها علاقات مع اسرائيل ويعتبر بعض قادتها اصدقاء لها تتعرض من فترة لضغوط خارجية لاعادة علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل. وبناء على ما تقدم فانه من الواضح أن التطورات التي شهدتها العلاقات العربية الافريقية منذ حرب اكتوبر ١٩٧٣ ارتبطت بشكل مباشر بالتطور الذي طرأ على مواقف الدول الافريقية تجاه اسرائيل، وبالتالي على موقف منظمة الوحدة الافريقية والموقف الافريقي بصفة عامة من القضية الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة. وما ترتب على ذلك من قيام تضامن فعلى بين الدول العربية والدول الافريقية تجاه قضايا النضال المشترك في فلسطين وجنوب افريقيا رافقه ولازمة تعاون اقتصادي ومالي وثقافي بين الجانبين. وهذا يعنى أن استمرار الموقف الافريقي المتضامن مع القضايا العربية يتناسب عكسيا مع الموقف العربي المتضامن مع قضايا التحرر السياسي والاقتصادي الافريقية، لان كثيرا من الدول الافريقية كانت ستعيد علاقاتها مع اسرائيل بعد ثلاث أو اربع سنوات على اكثر تقدير - خاصة بعد مبادرة السلام المصرية مع اسرائيل - لو لم تجد الدول الافريقية استجابة من الجانب العربي لموقفها هذا.

стр. 611

أي أن الموقف الافريقي يتأثر مباشرة باتجاه سير العلاقات العربية الافريقية وليس في استمرارها، وعلى هذا الاساس تصبح القضية الاولى في المستقبل هي تحديد أهداف ومستوي هذه العلاقات وما تثيره من قضايا مختلفة تتعلق بالامن القومي العربي والافريقي، والصراع الدولي المعاصر، وقضايا الاتصال والتبادل، وقضايا المصالح المشتركة. (( (( (( الملاحق الملحق الأول: قرار بشأن القضية الفلسطينية (١)

стр. 612

: أن مجلس وزراء منظمة الوحدة الافريقية المنعقد في دورته العادية الثالثة والثلاثين في منروفيا - ليبريا - خلال الفترة من عام ١٣٩٩هـ الموافق ٦- ١٨ يوليو سنة ١٩٧٩م. بعد أن تدارس تقرير الأمين العام لمنظمة الوحدة الافريقية بشأن القضية الفلسطينية. وبعد أن استمع إلى بيانات مختلف الوفود ولا سيما بيان ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية. لذا يذكر ايضا بتقرير اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة بشأن فلسطين وهو التقرير الذي يؤكد من جديد الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني في وطنه بما في ذلك حقه في العودة وتقرير المصير والسيادة واقامة دولته المستقله على ارضه. وأذ يسترشد بمبادئ وأهداف ميثاق منظمة الوحدة الافريقية ومنظمة الأمم المتحدة والمصير المشترك للشعوب الافريقية والعربية ونضالها المشترك ضد الصهيونية والعنصرية من أجل قضية الحرية والاستقلال والسلام. واذ يذكر بأن قضية فلسطين هي جوهر النزاع في الشرق الاوسط وأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وأذ يدرك أن قضية فلسطين هي قضية عربية وافريقية. وأذ يدرك خطورة الوضع السائد حالياً من جراء استمرار الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والاراضي العربية ورفض اسرائيل الالتزام بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وامعانها في بناء المستعمرات الاستيطانية وتغيير المعالم الجغرافية والثقافية والاجتماعية في فلسطين والاراضي العربية المحتلة الاخري وخاصة في مدينة القدس. واذ يؤكد مجدداً شرعية النضال الذي يخوضه الشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية لاستراداد ارضه وممارسة حقوقه الوطنية. وإذ يؤكد من جديد أنه لا يمكن تحقيق سلام عادل ودائم إلا بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية الثابته وبشكل خاص حقه في العودة وطنه وحقه في السيادة الوطنية وتقرير مصيره بنفسه دون أي تدخل خارجي واقامة دولة مستقله على أرضه.

стр. 613

وأذ يعتبر أن جميع الاتفاقيات الجزئية والمعاهدات المنفردة تلحق ابلغ الضرر بالقضية الفلسطينية وتشكل انكاراً لحقوق الشعب الفلسطيني المعترف بها عالمياً. وانتهاكاً لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها وفي الاستقلال ايضاً. وأذ يلاحظ بقلق أن التحالف بين نظام الحكم الصهيوني في اسرائيل ونظام الحكم العنصري في جنوب افريقيا انما يهدف إلى تصعيد حرب الارهاب والابادة ضد شعوب فلسطين والجنوب الافريقي. يؤكد مجدداً جميع القرارارت السابقة بخصوص قضية فلسطين ومساندته الكاملة والفعالة للشعب الفلسطيني بقيادة ممثله الشرعي الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية في نضاله لاسترداد حقوقه الوطنية المغتصبه وخاصة حقه في العودة إلى وطنه والسيادة - وتقرير المصير واقامة دولته المستقله على أرضه. يشجب المحاولات الرامية إلى منع الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير والحيلولة دون تحقيق تطلعاته الوطنية في الحرية والسيادة الكاملة وفرض حلول تتناقض مع هذا الحق ومع قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية كما يشجب سعي بعض الاطراف لاتخاذ اجراءات وابرام اتفاقيات تتجاهل تطلعات الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية وذلك على حساب حقه في تقرير مصيره بنفسه. يدين بشدة المخططات والاطماع التوسعية الاستعمارية العنصرية التى تمارسها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الاخري وخاصة الشعب اللبناني. يدين بشدة جميع الاتفاقيات الجزئية والمعاهدات المنفردة التى تشكل اعتداءاً خطيراً على حقوق الشعب الفلسطيني وانتهاكاً لميثاقي الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية والقرارات الصادرة عن مختلف المحافل الدولية بشأن قضية فلسطين كما تحول دون تحقيق التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه وتقرير مصيره بنفسه واستعادة السيادة الكاملة على أرضه.

стр. 614

يدين من جديد التحالف القائم بين نظام الحكم الصهيوني ونظم الحكم العنصرية في الجنوب الافريقي ويهيب بكل الدول الاعضاء التصدي لهذا التحالف ودعم الكفاح. يناشد المجتمع الدولى أن يشدد من ضغطه على اسرائيل لارغامها على الانصياع لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها المتعلقه بقضية فلسطين. يدين بشدة امعان اسرائيل في تهديد مدينة القدس المقدسة بما يشكل انتهاكاً صارخاً للقرارات الدولية الخاصة بمدينة القدس والصادرة عن جميع الهيئات الدولية. يطالب مجلس الأمن باتخاذ الاجراءات الفعالة لضمان ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية الثابتة التى أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة. يطلب إلى الأمين العام لمنظمة الوحدة الافريقية متابعة تطورات قضية فلسطين وتقديم تقرير عنها إلى الدورة العادية القادمة لمجلس الوزراء. الملحق الثاني: قرار بشأن قضية فلسطين: أن مجلس وزراء منظمة الوحدة الافريقية المنعقد في دورته العادية السابعة والثلاثين في نيروبي (كينيا) عام ١٤٠١هـ في الفترة من ١٥ إلى ٢٦ يوليو ١٩٨١. اذ بحث تقرير الامين العام لمنظمة الوحدة الافريقية بشأن قضية فلسطين وثيقة مجلس الوزراء رقم ١١٢٦ (دورة - ٣٧) . واذ استمع إلى كلمات مختلف الوفود وخاصة كلمة ممثل منظمة التحرير الفلسطينية. واذ يذكر بالقرارات الصادرة عن الدورات السابقه لمؤتمر رؤساء الدول والحكومات بشأن مشكلة الشرق الاوسط وقضية فلسطين. واذ يذكر ايضا بتقرير اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين الذي يؤكد مجدداً الحق الوطني الثابت للشعب الفلسطيني في أن يكون له وطن، بما في ذلك حقوقه في العودة إلى اراضية وفي تقرير المصير وفي السيادة وايضا في اقامة دولة مستقلة على ترابه.

стр. 615

واذ يستلهم بمبادئ واهداف ميثاقي منظمة الوحدة الافريقية ومنظمة الامم المتحدة والمصير المشترك للشعوب الافريقية والعربية في نضالها المشترك ضد الصهيونية والعنصرية من أجل قضية الحرية والاستقلال والسلام. واذ يذكر بأن قضية فلسطين، بما في ذلك القدس، تمثل جوهر النزاع في الشرق الاوسط وبأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. واذ يؤكد من جديد على القرارات ذات الصلة الصادرة من منظمة الوحدة الافريقية والتى تعتبر القضية الفلسطينية قضية افريقية وليست قضية عربية فقط. واذ يعي خطورة الوضع الحالي الناجم عن استمرار اسرائيل في احتلال الاراضي الفلسطينية والعربية ورفضها احترام قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وعزمها الجاد على اقامة مستوطنات في الاراضي العربية المحتلة وخاصة في القدس، الامر الذي يترتب عليه تغيير المسميات الجغرافية الديموغرافية والثقافية والاجتماعية لفلسطين. واذ يؤكد مجدداً شرعية نضال الشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية بغية استراداد اراضية وممارسة حقوقه الوطنية. واذ يؤكد مرة أخري أن السلام العادل والدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابته ولا سيما حقه في العودة إلى وطنه واستعادة سيادته الوطنية وحقه في تقرير المصير بدون أي تدخل اجنبي مهما كان نوعه، وحقه في اقامة دولة مستقله على اراضيه. واذ يأخذ في الاعتبار أي اتفاق جزئي واي معاهدة منفصله تضر ضرراً بالغاً بالشعب الفلسطيني وتشكل انتهاكاً لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير والاستقلال. واذ ينظر بعين الاعتبار إلى القرارات التى اعتمدتها الدورة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن قضية فلسطين في ١٥ يوليو ١٩٨٠. واذ يأخذ في الحسبان النتائج التى توصلت إليها لجنة الأمم المتحدة حول ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابته.

стр. 616

واذ يلاحظ بقلق بالغ أن التحالف القائم بين النظام الصهيوني في اسرائيل والنظام العنصري في جنوب افريقيا يستهدف تصعيداً لأعمال الارهاب والابادة التي ترتكب ضد شعبي فلسطين وجنوب افريقيا. يؤكد مجدداً كل القرارات السالفة بشأن قضية فلسطين ويعلن مرة أخري مساندته الثابته للشعب الفلسطيني بقيادة ممثلة الشرعي الوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية، كما يؤكد من جديد حق الشعب الفلسطيني في مواصلة نضاله بجميع اشكاله السياسية والعسكرية وكذلك حقه في استخدام حقوقه الوطنية الثابته وخاصة حقه في العودة إلى وطنه وممارسة حقه في تقرير المصير واقامة دولة مستقله على ارضه. يدين بقوة مشروع الحكم الذاتي وكل المناورات والصيغ الرامية إلى الحيلولة بين الشعب الفلسطيني وبين ممارسة حقه في تقرير مصيره ومنعه من تحقيق آماله الوطنية ومن العودة إلى وطنه والتمتع بحريته وسيادته الكاملة. يدين ايشدة مبادرات بعض الاطراف التى تتخذ تدابير وتبرم اتفاقيات لم تأخذ في اعتبارها تطلعات الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية ويري أن أية اتفاقية بشأن قضية فلسطين لا تشارك فيها منظمة التحرير الفلسطينية تكون لاغيه وكأنها لم تكن. يشجب بقوة الاغراض التوسعية والاستعمارية والارهابية التى تستهدف فرض الامر الواقع في الاراضي المحتلة، كما يشجب سياسة التوسع واقامة المستوطنات ومصادرة الاراضي وتصفية الاهالي فرادى أو جماعات بغية دفعهم إلى الهجرة وتغيير السمات الديموغرافية وطرد قادة ومفكري ومواطني الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الاخري وخاصة الشعب اللبناني

стр. 617

يدين بقوة ايضا جميع الاتفاقيات الجزئية والمعاهدات المنفصلة التي تشكل انتهاكاً خطيراً لحق الشعب الفلسطيني ومبادئ ميثاقي منظمة الوحدة الافريقية والامم المتحدة وللقرارات الصادرة عن مختلف المحافل الدولية بشأن القضية الفلسطينية والتى تحول دون تحقيق الشعب الفلسطيني لآماله في العودة إلى وطنه وتقرير مصيره وممارسة سياسته الكاملة على ارضة. يؤكد أن اية محاولة تستهدف حل قضية فلسطين التى تمثل جوهراً مشكلة الشرق الاوسط لا سبيل لها لأن تحقق السلام بدون الاشتراك الفعلي لمنظمة التحرير الفلسطينية وبدون الاعتراف بالحقوق الثابته والشمروعه للشعب الفلسطيني. يشجب التواطؤ القائم فيما بين نظام الحكم الصهيوني ونظام الحكم العنصري في جنوب افريقيا ويناشد جميع الدول الاعضاء تكثيف جهودها بغية التصدي لهذا الخطر بتدعيم النضال المسلح ضد الصهيوينية والعنصرية والامبريالية ويطلب في هذا الصدد من الدول الافريقية الاعضاء بجامعة الدول العربية أن تدرج في جدول اعمال دورتها القادمة بنداً بعنوان " التواطؤ بين جنوب افريقيا واسرائيل ". يوجه نداء إلى الجماعة الدولية يناشدها فيه مزيداً من تكثيف ضغوطها على اسرائيل في مختلف المجالات بغية ارغامها على الامتثال لميثاق منظمة الأمم المتحدة وللقرارات الصادرة عنها بشأن قضية فلسطين وينوه بالجهود التي تبذلها لجنة الأمم المتحدة المختصه لقضية فلسطين ويدعو مجلس الأمن إلى تطبيق توصيات هذه اللجنة التى اعتمدتها الجمعية العامة ولا سيما القرار رقم ٣٥/١٦٩ الصادر في ١٥ ديسمبر ١٩٨٠. يهيب بمجلس الأمن أن يتخذ التدابير الفعالة لكفالة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية الثابته التى اعترفت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة ويري أن القرار رقم ٢٤٢ الصادر عن مجلس الأمن في ٢٢ نوفمبر سنة ١٩٦٧ لا يضمن مستقبل الشعب الفلسطيني وحقوقه الثابته، كما لا يوفر اساسا الحل عادل لقضية فلسطين.

стр. 618

يثني على لبنة الأمم المتحدة لممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابته على ما تبذله من جهود بغية استعادة الحقوق الثابته للشعب الفلسطيني. يطلب إلى الامين العام لمنظمة الوحدة الافريقية تطورت قضية فلسطين وتقديم تقرير في هذا الشأن إلى الدورة العادية المقبلة لمجلس وزراء منظمة الوحدة الافريقية. الملحق الثالث: قرار بشأن القدس: ... أن مجلس وزراء منظمة الوحدة الافريقية المنعقد في دورته العادية السابعة والثلاثين في نيروبي (كينيا) عام١٤٠١هـ في الفترة من ١٥- ٢٦ يونيو سنة ١٩٨١. اذ يذكر بجميع قرارات منظمة الوحدة الافريقية ومنظمة الأمم المتحدة ومؤتمر حركة عدم الانحياز بشان القدس. واذ يضع في الاعتبار أن منظمة الوحدة الافريقية ظلت تعارض دائماً وبشدة مطالبة اسرائيل باعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني. واذ يضع في الاعتبار أن المسألة الفلسطينية بما فيها القدس هي لب مشكلة الشرق الاوسط. واذ يضع فى الاعتبار اصرار اسرائيل على سياستها القائمة على العدوان وضم الاراضي بصورة غير مشروعة والاستعمار الصهيوني وتغيير الطابع الثقافي والديموقرافي لمدينة القدس المقدسة. وإذ يضع في الاعتبار إصرار إسرائيل على الاستمرار في التوسع في تهويد القدس بغية إزالة طابعها العربي منتهكة بذلك احكام اتفاقية جنيف الرابعة المبرمة في ١٢ أغسطس سنة ١٩٤٩ والخاصة بحماية المدنتين في وقت الحرب. يؤكد مجدداً أن مدينة القدس تعد جزءاً لا يتجزأ من الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. يؤكد مجدداً ضرورة الحفاظ على الطابع الاصلي والتاريخي لمدينة القدس. يدين إسرائيل لرفضها المستمر احترام القرارات ذات الصلة الصادرة عن منظمة الوحدة الافريقية ومنظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الاخري بشأن مدينة القدس المقدسة. ملحق رقم (٤) : المعونات العربية للدول الافريقية للفترة (١٩٧٣/١٩٧٨) (بملايين الدولارات) المجموع

стр. 619

لدول غير محددة في شرق وغرب القارة لدول شرق أفريقيا لدول غرب أفريقيا السنوات ١٥٩.٥ ١٣.٥ ٦١.١ ٨٤.٩ ١٩٧٣ ٥٣٣.٨ ٢٦.٧ ٢٤٠.٢ ٢٦٦.٩ ١٩٧٤ ٩٩١.٥ ٦.٠١ ٥٣١.٤ ٤٠٠.٠ ١٩٧٥ ٩٠٢.٩ ٩٣.٣ ٣٠٦.٧ ٥٠٢.٩ ١٩٧٦ ٥٩٢.٨ ٩٦.٥ ١٤٤.٣ ٣٥٢.٠ ١٩٧٧ ٦٩٣.٢ ١١١.٩ ٢٦٢.٥ ٣١٨.٨ ١٩٧٨ ٣٨٧٤ ٤٠٢ ١٥٤٦.٢ ١٩٢٥.٥ المجموع المصدر: المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا / نوفمبر ١٩٧٩. ... أما بالنسبة لعدد البلدان المستفيدة من العون العربي فقد بلغ أحد عشر بلداً خلال عام ٧٣، اثنان وثلاثون بلداً في عام ١٩٧٤، سبعة وثلاثون بلداً في عام ١٩٧٥، ثمان وثلاثون بلدا في عام ١٩٧٦م، أربعون بلدا في عام ١٩٧٧، أي أن العون العربي قد غطى القارة الأفريقية بنسبة ١٠٠% خلال الفترة المذكورة ومنذ دخول البلدان العربية المصدرة للبترول محفل البلدان المانحة للعون. ... (( (( (( الهوامش والتعليقات

стр. 620

إيصال مياه العيون إلى مدينة جدة منذ القرن العاشر حتى نهاية القرن الثالث عشر للهجرة د. عادل بن محمد نور غباشي الأستاذ المشارك بقسم الحضارة والنظم الإسلامية - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة أم القرى ملخص البحث نظراً لعدم وجود أنهار جارية في مدينة جدة وحاجتها المتزايدة للمياه؛ لتفي باحتياجات سكانها والوافدين إليها للعبور إلى مكة المكرمة؛ اعتمد سكان جدة على جلب مياه الأبار وحفظ مياه الأمطار في خزانات. وفي القرن العاشر الهجري في عهد السلطان سليمان القانوني (ت ٩٧٤هـ/١٥٦٦م) جرت محاولة لإيصال مياه عين (حدة) إلى جدة ولم تتحقق. وفي حدود عام ١٠٩٥هـ /١٦٨٣م تم إيصال مياه عين (وادي قوز) إلى جدة، ثم جرت لقناة العين أعمال إصلاح وترميم في سنين مختلفة إلى نهاية القرن الثالث عشر للهجرة (١٩هـ) . وقد تم الكشف عن بقايا آثار القناة في وادي قوز والتعرف على طراز بنائها مشفوعاً بخارطة ولوحات ورسمين توضيحيين. • • • أولاً: موقع جدة وحاجتها إلى الماء: تقع مدينة جدة على السهل الساحلي الشرقي للبحر الأحمر الذي يحدها من الغرب، في حين تحدها مجموعة من التلال الصغيرة تليها سلاسل غير متصلة من الجبال الموازية لسلسلة جبال الحجاز العالية من الشرق. وتمتد ما بين الرأس الأسود عند (الخمرة) جنوبا وشرم أبحر شمالا، وتقع في منطقة تلتقي عندها طرق المواصلات البرية والبحرية؛ فهي تمثل حلقة الوصل بين اليابسة والماء، ونظرا لبعدها بحوالي ٦٨ كم عن مكة المكرمة؛ فقد أصبحت البوابة التقليدية للدخول إلى مكة المكرمة (١) ، فحلت بذلك محل مرفأ (الشعيبة) منذ عام ٢٦هـ / ٦٤٦م عندما أمر الخليفة عثمان بن عفان ﵁ باتخاذ جدة ميناءً لمكة المكرمة (٢) .

стр. 621

ويقع في شرق جدة سلسلة تلال جبلية يقطعها عدد من الأودية شديدة الانحدار، يظهر أثرها في تكوين الطبقات الرسوبية خاصة تجاه البحر. وأهم هذه الأودية الموجودة في جدة (وادي مريخ) الذي يصب في شرم أبحر، ووادي (دغبش) ، ووادي (بنى مالك) ، ووادي (عشير) ، ووادي (قوز) ، ووادي (غليل) ، ثم وادي (فاطمة) الذي يعد أطول هذه الأودية وأكثرها أهمية، فإليه يرجع الفضل في تحرر أجزاء من الساحل المقابل لمدينة جدة من الشعب المرجانية. وأثر المجاري المائية القديمة ليس وقفا على خطوط الأعماق والتكوينات المرجانية بل يتعدى البحر إلى اليابسة، ذلك أن مناسيب المياه الجوفية تكون قريبة من قيعان هذه الأودية فقد تصل إلى عمق نصف متر تحت السطح كما في قاع وادي (عشير) مما يسهل الإفادة من هذه المياه (٣) . وينقسم السهل الساحلي في جدة إلى قسمين رئيسين: قسم غربي منخفض قد لايتجاوز الارتفاع به عن مستوى سطح البحر ثلاثة أمتار، وقد ينخفض إلى ٨, ٠ م كما هو الوضع في جنوب جدة عند منطقة الميناء، ويتكون من إرسابات مرجانية إضافة للرمال والحصى والحجر البحري. أما القسم الآخر فيقع في الشرق مرتفعا عند التلال (٤) . وبالنظر إلى موضع التجمع السكاني في جدة منذ نشأتها إلى نهاية العصر العثماني نجد أنها أخذت منطقة مسطحة نسبياً بانحدار من الشرق إلى الغرب، وتحوي بعض المنخفضات التي تسهل ركود الأمطار فيها، وتشكل مستنقعات لاتجف مياهها إلا بعد بضعة أيام، وكانت تأتيها السيول قديما غزيرة بعض الأحيان (٥) .

стр. 622

ونخلص مما سبق إلى أن جدة اعتمدت في نشأتها على ما توافر في بيئتها الطبيعية، فقيامها على ساحل البحر الأحمر يسر فرصة عمل لسكانها في البحر وفي التجارة وفي استقبال مراكب الحجاج في العصر الإسلامي، وكان لوجود الأودية دور كبير في ربطها بمكة المكرمة وفي الحصول على حاجتها من الماء لعدم وجود أنهار كما أن الجبال الواقعة في شرق المدينة تعد خزانات طبيعية لمياه الأمطار المتساقطة عليها، وهذا يفسر لنا اتجاه القائمين على جلب مياه العيون إلى شرق جدة، كما أن نسبة الانحدار الطبيعية من الشرق إلى الغرب ساهمت بدور كبير في تيسير حركة انسياب المياه بشكل طبيعي عبر القنوات لتغذية سكان جدة والوافدين إليها، علاوة على أن وجود المنخفضات التي كانت تتجمع فيها مياه الأمطار والسيول تعد موردا مائيا لسكان جدة، وهذا يفسر لنا أساليب سكان جدة في بناء الخزانات لتجميع المياه داخل وخارج النسيج العمراني. كما أن مناسيب المياه الجوفية القريبة من قيعان الأودية أسهمت بدور كبير في الحصول على المياه من أعماق يسيرة، إلا أننا سنعرف فيما بعد أن هذه المياه تشوبها الملوحة وتكون في أماكن غير صحية؛ وهذا يفسر لنا وصف الكثير من المؤرخين والرحالة لقلة المياه في جدة، واعتماد سكانها والوافدين إليها في الحصول على المياه من أماكن بعيدة قد تكون في المنطقة المرتفعة شرق جدة، حيث يقل تأثير البحر وتتكون المياه مما جلبته الأمطار على الجبال الواقعة شرق جدة (٦) .

стр. 623

كما أن التعرف على الظروف المناخية بجدة يعزز القول بحاجتها المتزايدة إلى المياه، ويفسر اعتماد السكان على تخزين المياه بعد سقوط الأمطار؛ فتشير جداول درجة الحرارة في مدينة جدة للمدة ١٣٩٠ - ١٤٠٠هـ /١٩٧٠ - ١٩٧٩م إلى أن درجات الحرارة تميل إلى الارتفاع على مدار السنة، وتبلغ هذه الدرجات أعلاها في شهري مايو ويونيو إذ وصلت درجة الحرارة في مايو عام ١٩٧٠م إلى ٤٨.٢ْ م، وفي سنة ١٩٧٩م سجلت أعلى درجة حرارة في يونية ٤٩ م، كما ترتفع درجات الحرارة القصوى أيضا في شهور يوليه وأغسطس وسبتمبر واكتوبر، إذ كثيرا ماتتجاوز النهايات القصوى للحرارة درجة ٤٠ْ م ومع بداية اكتوبر تأخذ درجات الحرارة العظمى في الانخفاض التدريجي. أما الأمطار فإنها قليلة وغير منتظمة الهطول، وإن كانت احتمالات سقوطها في الشتاء أقوى لارتباطها بأعاصير البحر المتوسط أكثر من ارتباطها بالاقليم الموسمي (٧) . وعلى هذا فإن سكان جدة والوافدين إليها إما للعبور إلى مكة أو للتجارة أو للتموين منها؛ بحاجة ماسة إلى كمية متزايدة من الماء للشرب، لمواجهة الحرارة المرتفعة، أو للاغتسال لترطيب أجسامهم، علاوة على احتياجاتهم المختلفة الأخرى إلى الماء، ونظرا لما تميز به موقع هذه المدينة من الناحية الدينية والاقتصادية والاستراتيجية (٨) ؛ كان لزاماً أن يوازي ذلك تطور في مواردها المائية. ثانيا: أساليب توفير المياه لمدينة جدة:

стр. 624

نشأت جدة على شاطئ بحر شديد الملوحة، هو البحر الأحمر، وليس بها عيون جارية، ولا أنهار متدفقة (٩) ، ومياهها الجوفية قريبة من سطح الأرض كما سبق ذكره إذ يمكن الوصول إليها على عمق نصف متر في بعض الأماكن؛ إلا أنه تشوبها الملوحة، لتشبّع تربتها بماء البحر؛ مما يعني أن على سكانها البحث عن مصدر للماء، فهو السبيل الوحيد لحياتهم؛ ولذا لجأ سكان جدة إلى حفظ مياه الأمطار في خزانات، ونقل مياه الآبار البعيدة، ثم اتجهوا إلى جلب مياه العيون عبر القنوات منذ نهاية القرن الحادي عشر للهجرة (١٧م) . وقد أدرك المؤرخون والرحالة هذه الحقيقة، وهي خلو جدة من مياه عذبة جوفية أو واردة تعين أهلها على الحياة (١٠) . ولعل في الوصف التالي مايوضح طريقة سكان جدة في مواجهة مشكلة نقص المياه عند نشأة المدينة؛ فقد ورد أنها " بلدة قديمة على ساحل البحر: يقال إنها من عمارة الفرس، وبخارجها مصانع قديمة، وبها جباب للماء منقورة في الحجر الصلد يتصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة (١١) ." وورد أن بجدة آثاراً قديمة تدل على قدم اختطاطها، وأنها كانت مدينة كبيرة منذ زمن الفرس، وسكنها سلمان الفارسي وأهله، وقد وُفِّر الماء لسكان المدينة من خلال بناء ثمانية وستين صهريجا داخل المدينة وبنوا بظاهرها مثلها، ويقال: إن العدد كان ثلاثمائة داخلها، ومثل ذلك خارجها " (١٢) . وبناءً على ماسبق فقد اعتمد أهل جدة على المصانع والجباب والصهاريج لتوفير المياه العذبة، وهذا يشير إلى احتمال اعتمادهم على مصدرين في حصولهم على الماء: المصدر الأول حفظ مياه الأمطار في الخزانات، أما الثاني فهو الاعتماد على مياه الآبار؛ ويؤيد ذلك عرض التعريفات التالية:

стр. 625

مصنع: مايصنعه الناس من الآبار والأبنية وغيرها، وورد "أنها مساكات لماء السماء يحتفرها الناس فيملؤها ماء السماء يشربونها" وورد أن " المصنعة كالصنع الذي هو الحوض أو شبه الصهريج يجتمع فيه ماء المطر" (١٣) . صهريج: واحد صهاريج، وهي كالحياض يجتمع فيها الماء، وورد أن الصهريج مصنعة يجتمع فيها الماء وأصله فارسي (١٤) . جب: البئر، مذّكر وقيل: هي البئر لم تطو، وقيل هي البئر الكثيرة الماء البعيدة القعر، وقيل لاتكون جبا حتى تكون مما وُجِد لامما حفره الناس، والجمع أجباب وجباب وجببه (١٥) . وعند تتبع تاريخ الماء في جدة بعد اتخاذها مرفأ لمكة بدلا من الشعيبة في عهد عثمان ابن عفان - رضى الله عنه - سنة ٢٦هـ/٦٤٦م لانجد إشارة إلى توفير المياه فيها في مصدرين من أهم مصادر تاريخ مكة في القرن الثالث الهجري (٩م) وهما كتابا الأزرقي والفاكهي (١٦) ، إلا أننا نرجح استمرار الاعتماد على نقل مياه الآبار، وحفظ مياه الأمطار في خزانات، لسد احتياجات السكان والوافدين؛ فالماء هو وسيلة الحياة، ولايمكن اتخاذ قرار تحويل المرفأ من الشعيبة إلى جدة دون تحديد مصدر للحصول منه على الماء، وبما أنه كانت هناك مصادر قديمة ممثّلة في الخزانات والآبار؛ فمن الأولى الاعتماد عليها، وربما زيادة عددها ليتفق ذلك مع احتياجات جدة. وفي سنتي ٣٥٤هـ/٩٦٥م، ٣٦٧هـ /٩٧٧م، زار المقدسي جدة، وأشار إلى ازدهار عمرانها ومشكلة نقص المياه فيها بقوله: "غير أنهم في تعب من الماء مع أن فيها بركا كثيرة ويحمل إليهم الماء من البعد" (١٧) .

стр. 626

وبما أن المقدسي ليس مقيما في جدة؛ فمن المحتمل أن ما أورده عن ذلك لم يكن أمرا دائما، وإنما لمدة مؤقته تزامنت مع قدومه لها، ويؤيد هذا الاحتمال إشارته إلى ازدهار عمران جدة ووجود برك كثيرة؛ فمن غير المتوقع أن يزدهر عمران جدة مع وجود نقص كبير في مواردها المائية، علاوة على أن وجود البرك الكثيرة يدل على وجود علاقة بين نمو عمران المدينة، وحصولها على المياه من هذه البرك، وربما تكون الأمطار قليلة في ذلك الوقت، فأدت إلى قلة أو انعدام مياه البرك؛ فاعتاضوا عن ذلك بحمل الماء من أماكن بعيدة عن جدة. وقد استمر هذا الوضع عبر القرون الإسلامية المختلفة (١٨) . إلى أن بدأت محاولة الاعتماد على مياه العيون، وهذا ماسنتحدث عنه فيما يلي: ثالثاً: الأعمال المبكرة لإيصال مياه العيون إلى جدة:

стр. 627

ورد في بعض الدراسات الحديثة أن السلطان قانصوه الغوري (٩٠٦ - ٩٢٢هـ/ ١٥٠٠ - ١٥١٦م) عالج مشكلة نقص المياه في جدة؛ وذلك بدراسة إمكانية جلب مياه العيون إليها؛ لإحلال ذلك محل سقيا الناس من الصهاريج والآبار، وعندما ظهرت إيجابية الدراسة أمر بتنفيذ المشروع، وكلل مسعاه بالنجاح، فجلب ماءً من عين وادي قوص (قوز) الواقع شمال الرغامة (١٩) . ونظرا لعدم ورود مصدر لهذه الرواية، فقد بحثت عنها فيما توافر لي من مصادر معاصرة أو قريبة عهد من مدة حكم السلطان قانصوه الغوري، فلم أجد مايشير إلى ذلك (٢٠) ؛ ولعل في عرض النصوص التالية مايؤيد ذلك، ويوضح أسلوب سكان هذه المدينة في حصولهم على المياه في ذلك العهد، فقد ذكر ابن إياس أنه في سنة ٩١٥هـ/١٥٠٩م، فعل السلطان قانصوه الكثير من وجوه الخير منها " أصلح عدة مناهل بطريق مكة، وبنى هناك أشياء كثيرة من هذه النمط، وحصل بها غاية النفع " (٢١) ؛ وهذا النص عام في مدلوله، ولم يرد فيه تحديد لإيصال مياه عين إلى جدة. وبما أن ابن إياس كان معاصرا لمدة حكم السلطان قانصوه الغوري ورصد أعمال الغوري في بناء سور جدة، وغيره من المنشآت (٢٢) ؛ فإن عدم ذكره لمشروع إيصال ماء عين وادي قوز إلى جدة، يعد حجة بعدم تنفيذ هذا المشروع. وأشار عز الدين بن فهد إلى حصول سيل عظيم في جدة في أوائل سنة ٩٢٥هـ / ١٥١٩م، امتلأت منه الصهاريج جميعها وانتفع به أهل البلد (٢٣) . وعلى هذا فإن سكان جدة بعد ثلاث سنوات من حكم الغوري، لازالوا مستمرين على أساليبهم السابقة في الحصول على المياه، المتمثل منها في هذه الرواية حفظ مياه الأمطار في الصهاريج، فلو كانت مياه عين وادي قوص (قوز) ترد إليهم؛ فما الذي يدفعهم إلى شرب مياه الصهاريج الراكدة. كما ذكر الجزيري أنه في سنة ٩٤٥هـ /١٥٣٨م وصل إلى جدة - عبر البحر - جيش عثماني أمر قائده: "بطلب الماء العذب والحطب ... ونجلت له الصهاريج التي هي داخل جدة وخارجها (٢٤) ".

стр. 628

وبما أن قائد الجيش كان بحاجة إلى الماء العذب لإرواء جيشه، فكان مصدره الصهاريج؛ لأن مياه العين لو كانت متوافرة لعمد إليها بدلا من تنجيل (نزح) مياه الصهاريج التي قد يكون في قاعها بعض الشوائب علاوة على أنها راكدة. محاولة إيصال مياه عين حَدَّة إلى جدة: انفردت وثيقة مؤرخة بشهر رجب عام ٩٨١هـ (٢٥) /١٥٧٣م، بمعلومات لم نجد لها ذكرا فيما أورده المؤرخون، وأهم ماجاء فيها أن السلطان سليمان القانوني (ت٩٧٤هـ/١٥٦٦م) أمر بتشكيل لجنة مكونة من أحمد بيك والي جدة (٢٦) ، وقاضي مكة وشيخ الحرم القاضي حسين (٢٧) والمعمار كرم مصطفى وثلاثون شخصاً من أهل الخبرة والرأي، لدراسة إمكانية إيصال مياه عين قرية حدة إلى جدة، وتقدير طول الطريق الذي ستبنى فيه قناة الماء؛ فتوصلت اللجنة إلى مايلي: قدرت المسافة بين حده وجدة ب ٧٩٩١٠ ذراعا بذراع البناء (حوالي ٣٩٩٥٥م) ، منها ٢٥٠٠ ذراع (حوالي ١٢٥٠م) منطقة صخرية، يلزم تكسيرها بعمق ١٥ ذراعا (حوالي ٥, ٧ م) حتى يمكن الوصول إلى مستوى ميزان الماء. يوجد تلال جبلية كثيرة في طريق مد القناة مما يعوق بناءها. تتصف صحراء جدة بملوحتها؛ مما يحتمل معه ضياع المياه في رمالها. وبعد عرض الأمر على السلطان سليم بن سليمان القانوني، ذكر أن والده أوصى بإيصال مياه عين حدة إلى جدة - بمشيئة الله - وأن فيما أوردته اللجنة يدل على وجود موانع كثيرة في سبيل تحقيق الوصية باستثناء المنطقة الصحراوية في جدة. وبناءً على ذلك أصدر أمره بالعدول عن تنفيذ المشروع واستبدل به إنشاء صهاريج في أماكن مناسبة، وأمر اللجنة السابقة بتحديد أماكن بناء الصهاريج وأبعادها، وتقدير مصاريف بنائها، لتعرض عليه فيما بعد.

стр. 629

ونخلص مما سبق أن السلطان سليمان القانوني، قد وفق في أمره بإجراء دراسة ميدانية قبل البدء في تنفيذ المشروع، وهذا الأسلوب وفر الوقت والجهد والمال، وأن السلطان سليم الثاني لم يأخذ بكل الأسباب المانعة لإقامة المشروع، فقد استثنى منها المنطقة الصخرية، مما يدل على أن لديه لجنة فنية لمراجعة مايرد إليه، كما أن ماورد في هذه الوثيقة يعزز ماسبق إيضاحه عن عدم وصول مياه عين وادي قوص (قوز) إلى جدة في عهد قانصوه الغوري (٩٠٦- ٩٢٢هـ / ١٥٠٠ - ١٥١٦م) ، واستمر هذا الوضع حتى تاريخ إعداد الوثيقة وهو شهر رجب عام ٩٨١هـ / ١٥٧٣م. رابعاً: إيصال مياه عين وادي قوز إلى جدة:

стр. 630

في سنة ١٠٨٤هـ / ١٦٧٣م أثناء أعمال العثمانيين في إصلاح عين عرفة بمكة المكرمة تم توجيه معمار عين عرفة إلى جدة "للإشراف على عين هناك بلغ السلطنة أنها إن عمرت دخلت جدة" وقد نتج عن ذلك التعرف من أصحاب المعرفة على أن تحقيق ذلك المشروع يحتاج إلى أربعين ألف شريفي أحمر (٢٨) وقد سجل عبد الملك العصامي المتوفى سنة ١١١١هـ / ١٦٩٩م تاريخ أول عمل تحقق لإمداد جدة بمياه العيون وذلك في سياق حديثه عن (كرد أحمد المعمار) فقد ذكر أنه في سنة ١٠٩٥هـ/١٦٨٣م "تاسع ربيع الأول ورد أغا من صاحب مصر بقفطان للشريف سعيد، وبطلب كرد أحمد المعمار، وهذا كرد أحمد قد وصل قبل هذه السنة، أرسله الوزير الأعظم مصطفى باشا إلى عمارة المسجد الحرام وجدة، وكانت عمارته في المسجد فرش أروقته بالحجر الشبيكي، وعمارته بجدة إجراء عين إليها استمر فيها نحو ثلاث سنوات، ابتدأها من المحل المعروف بالقوز وعمر بها أيضا مسجداً ومنارة وحماما ووكالة.. وأحضروا المهندسين فخمنوا العمارة فخمنواكل ذراع بقرش ريال بعد أن ذرعوا من الابتداء إلى البلد فبلغ كذا وكذا الف ذراع، وكذلك ضمنوا ماصرف على فرش المسجد، وحسبوا جميع ذلك، وكتبوا حجة شرعية، وخرج من مكة إلى جدة في شهر ربيع الآخر فذهب إلى من طلبه (٢٩) ". ويظهر من هذا النص أن أمر إجراء مياه عين وادي قوز إلى جدة، قد صدر من الوزير الأعظم مصطفى باشا الذي كان صدراً أعظما في المدة من ١٠٨٧- ١٠٩٤هـ / ١٦٧٦ - ١٦٨٣م في عهد السلطان محمد الرابع (٣٠) .

стр. 631

ومن المرجح أن الصدر الأعظم عرض مشروع المياه على السلطان لإصدار أمره كما مر بنا في عهد كل من السلطان سليمان القانوني وعهد ابنه السلطان سليم الثاني. أما الشريف سعيد الذي ورد اسمه في النص،فقد كان أميرا على مكة، ولم ترد أخبار عن دوره في الإشراف، أو الإنفاق على أعمال البناء (٣١) ، إنما اقتصر فقط على استدعاء كرد أحمد المعمار، وإرساله إلى مصر كما أننا لانستطيع من خلال هذا النص، أن نجزم بتحديد بدء أو تمام العمل في المشروع آنف الذكر، لأنه ربما يكون قد بدأ العمل قبل ثلاث سنوات من عام ١٠٩٥هـ / ١٦٨٣م، فكانت البداية عام ١٠٩٢هـ /١٦٨١م وتمام العمل ١٠٩٥هـ /١٦٨٣م. وربما يكون قد بدأ العمل قبل عام ١٠٩٢/١٦٨١م واستمر ثلاث سنوات في عمل القنوات، ثم استكمل أعماله في بناء المنشآت الأخرى كالمسجد والمنارة والحمام والوكالة، ويمكن التأكيد على أنه في عام ١٠٩٥هـ /١٦٨٣م كانت مياه عين وادي قوز تغذي جدة بالمياه، ويؤيد ماذهبنا إليه عن تاريخ العمل ما أورده الغازي حيث أشار إلى هذه العين بقوله "أدخلها إلى جدة في حدود سنة تسعين وألف معمار يقال له أحمد كرد". كما ورد عن هذه العين أيضا: "أنها وصلت إلى جدة في حدود سنة تسعين وألف" (٣٢) . ونخلص من ذلك إلى القول بأن هذا المشروع يعد أول مشروع تحقق - بمشيئة الله - لإيصال مياه عين وادي قوز إلى جدة، وينفي نسبته إلى السلطان قانصوه الغوري، ويجيب على تساؤل ورواية ذكرها أيوب صبري باشا عندما قال مانصه: "يروى أن المياه أوصلت إلى المدينة قديما فهل حدث ذلك من قبل أرباب الخير، أم من قبل الحكومة؟ " لانعرف بالتحديد. يقال - حسب رواية - أن الصدر الأعظم قره مصطفى باشا هو الذي أوصل المياه إلى المدينة سنة ١٠٥٠هـ، إلا أن المجرى وصل إلى مشارف المدينة فقط بسبب وفاة هذا الرجل " (٣٣) . خامساً: الترميمات والإصلاحات للعين وأثرها في سقيا سكان جدة:

стр. 632

يبدو أن وصول مياه العين لسقيا جدة لم يستمر طويلا؛ لأنه في سنة ١١٣٥هـ / ١٧٢٢م أي بعد مايقرب من أربعين عاما على إنشائها انقطعت مياه العين، وظهرت الحاجة إلى إصلاحها؛ فأمر علي باشا (والي جدة) بتوجيه المعلمين للحفر حول مسار القناة لمعرفة الخلل وإصلاحه، وطلب شراء (برابخ) لاستخدامها في أعمال الإصلاح، فحصل على مائتي (٣٤) بربخ. ويحتمل أن خراب القناة نتج من الحريق الذي شب في مدينة جدة سنة ١١٣٣هـ/١٧٢٠م، ووصف بأنه كان ضخما بدأ من باب مكة، وشمل عدة حارات وأدى إلى وفاة ثمانين شخصا (٣٥) ، ويؤيد هذا الاحتمال أن المدة الزمنية بين وقوع الحريق وإصلاح القناة قصيرة جدا لاتتجاوز السنتين، كما يبدو أن الخلل وقع في منطقة توزيع المياه، فالبرابخ تكون في العادة من الفخار (٣٦) ، ويظهر من عددها البالغ مائتي بربخ مايدل على أن المسافة التي تم إصلاحها لم تكن كبيرة، وذلك مقارنة ببعد موقع العين في وادي قوز عن داخل البلد (٣٨) (خارطة رقم١) . وفي سنة ١١٧٦هـ / ١٧٦٢م زار نيبور (Neibuhr) جدة، وأشار إلى أن المياه تخزن قرب الينابيع في التلال، ثم تنقل إلى البيوت على ظهور الجمال (٣٧) ، مما يدل على أن قناة المياه كانت معطلة في ذلك الوقت أي بعد نحو ٤١ سنة من إصلاحها. فهي مدة قصيرة تجعلنا نتساءل عن الأسباب التي أدت إلى تعطلها عن أداء وظيفتها؟ وبالرجوع إلى ما توافر لنا من مصادر - في الوقت الحاضر - لانجد تعليلا لذلك، إلا أنه يمكننا احتماله بالمقارنة بأهم أسباب تعطل قنوات المياه في مكة المكرمة، حيث أشارت وثيقة إلى ذلك بما يلي (٣٨) . إن قنوات المياه تحوي فتحات لتسهل للبدو المجاورين أخذ ما يحتاجونه منها لسقياهم وسقيا مواشيهم، وكانوا يعمدون إلى تخريب القناة لمجرد جهلهم، علاوة على أن هذه الفتحات كانت تسهل وقوع المواشي إلى داخل القناة مما يؤدي إلى انسدادها وفساد الماء.

стр. 633

كانت تنمو مجموعة من الأشجار حول القناة؛ مما يؤدي إلى تهدم جدرانها؛ بسبب عروق الأشجار التي تخترقها. تزداد حالة القناة سوءا إذا تأخر إصلاحها وإهمالها لمدة طويلة. تعتبر السيول من العوامل المؤدية إلى دمار القنوات، وسدها بالأتربة. وإضافة إلى ماسبق قد يكون لبعض تجار الماء في جدة أو عمال المياه دور في تخريب القناة؛ ليحققوا بذلك أرباحا من بيع المياه من صهاريجهم، أو الحصول على المال أجراً لنقل المياه على ظهور الدواب، ويؤيد هذا الرأي قول أيوب صبري باشا: "لايحتاج أكثر الأغنياء لهذه المياه - مياه العين - لوجود صهاريج لديهم يحققون من ورائها مكاسب كبيرة ... وإذا كان الأمر بأيديهم، لعملوا بكل ماوسعوا على منع المياه أن تأتي" (٣٩) ، كما أفادت وثيقة عن عدم رضى بعض الأعراب عن توفر المياه في جدة؛ لأن ذلك في اعتقادهم يعد من أسباب حرمانهم من الرزق (٤٠) .

стр. 634

وفي سنة ١٢٣٠هـ /١٨١٤م زار بوركهارت (Burckhardt) جدة، وأشار إلى أن سكان جدة يحصلون على المياه، بتوجيه مياه الأمطار التي تهطل على أسطح المنازل إلى خزانات سفلية (يتم ذلك عن طريق الميازيب) ، ويعوضون النقص الحاصل من قلة الأمطار، وعدم انتظامها باللجوء إلى ملء الخزانات بمياه البرك التي تتشكل خارج المدينة أثناء الفصول الماطرة، ويسحبون مياه الشرب من آبار على مسافة ميل ونصف الميل إلى الجنوب (٤١) . وبناءً على هذا فإن بوركهارت لم يشر إلى استمرار وصول مياه عين قوز إلى جدة في عهده، مما يعني أنها كانت معطلة، ووصف نقص المياه في جدة بقوله: "المياه في جدة غير كافية للاستهلاك، وهي تعد ترفا،ً والكثير من مياه الشرب يسحب من آبار على مسافة ميل ونصف الميل إلى الجنوب، والحقيقة أن المياه موجودة في كل مكان على عمق ١٥ قدما؛ لكنها رديئة المذاق بوجه عام، تكاد لا تصلح للشرب في أمكنة عديدة هناك بئران فقط تؤمنان مياها يمكن أن تسمى عذبة ولكنها تعد ثقيلة، ثم إنها تصبح مليئة بالحشرات إذا مابقيت في الوعاء ٢٤ ساعة على أن المياه الجيدة في هاتين البئرين لايمكن الحصول عليها دائما لندرتها وغلائها بدون مساعدة أصدقاء أقوياء، والواقع أنه لاأكثر من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ شخص يتمكنون من الحصول عليها، فيما يكتفي بقية السكان بالمياه التي تتوفر من الآبار الأخرى وإلى هذا وبالدرجة الأولى يمكن أن يعزى سوء الحالة الصحية للسكان " (٤٢) . ويفسر ماقاله بوركهارت عن توافر المياه على أعماق قريبة؛ ماسبق بيانه عن تشبع تربة جدة بمياه البحر.

стр. 635

وفي سنة ١٢٧٠هـ / ١٨٥٣م قام تاجر من جدة اسمه "فرج يسر" بإعادة إجراء مياه العين، وذلك بإصلاحها عن طريق جمع التبرعات من تجار جدة وموسريها (٤٣) ، وبطبيعة الحال لايشمل ذلك من لهم مصلحة في بيع الماء، وحسب ماذكره الأنصاري فإن مياه العين "استمر جريانها بعد ذلك مع ضعف كامن فيها إلى سنة ١٣٠٤هـ/ ١٨٨٦م (٤٤) . ... " إلا أننا نرجح توقف وصول مياه العين بعد مدة لاتتجاوز أربع سنوات من إصلاحها؛ لأن شارل ديديه (charles Didie) زار جدة عام ١٢٧٤هـ / ١٨٥٧م وذكر: "أن ماء الشفة نادرة فيها" (٤٥) ، وبعد ذلك بعام أي في سنة ١٢٧٥هـ / ١٨٥٨م بعث القنصل البريطاني في جدة جميز زوهراب (JAMES ZOHRAB) تقريراً إلى وزير الخارجية البريطاني، أخبره فيه عن خطاب أرسله إلى والي الحجاز يطلب فيه الاجتماع به في جدة، فلبى الوالي الدعوة وجرت مباحثات مطولة تم خلالها الإشارة إلا الاهتمام بمصادر المياه في جدة (٤٦) . وتشير وثيقة مؤرخة في ٢٠/١/١٢٨٥هـ /١٣/٥/١٨٦٨م إلى قيام نوري أفندي قائم مقام جدة، بجهود مميزة لإيصال المياه العذبة إلى جدة، فتمت مكافأته بترقيته إلى رتبة أمير الأمراء (٤٧) ؛ ويحتمل أن ذلك يشير إلى أن أعمالاً معمارية تمت لإصلاح قناة عين وادي قوز، فهي مصدر المياه العذبة. وفي سنة ١٢٩٨هـ /١٨٨٠م قام صفوة باشا والي الحجاز، بجهود كبيرة لإيصال مياه العين إلى جدة (٤٨) . وعلى الرغم من كل أعمال الإصلاح والترميم سابقة الذكر فإن مياه العين لم تستمر في عطائها كثيرا، لتعطل القناة في نهاية القرن الثالث عشر للهجرة؛ لقدمها وخرابها من وقوع الأتربة والقش في داخلها، وظهر من كشف ميداني على مبانيها أن إصلاحها بشكل جيد تطلب مبلغ يتراوح بين ٤٠٠٠ أو ٥٠٠٠ ليرة؛ لهذا لجأ السكان إلى الحصول على مياه الأمطار المتجمعة في الحفر والصهاريج، وأخذ تجار الماء في بيعه على الناس بمبلغ ثلاثين أو أربعين قرشا لحمل الجمل (٤٩) .
следующие страницы →