كنهي أمر يعني بذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قلت: هكذا قرّر الجمهور، لكن مذهبهم يعكر عليه ما ثبت في السنّة الصحيحة مما ظاهره وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كلّ مكلّف، ففي صحيح مسلم في باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان من حديث ابن أَبي شيبة ما نصّه: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (يَقُولُ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)) ، وفيه أَيضًا من حديث عبد الله بن مسعود (أن رسول الله (قال: ((مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ؛ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)) (١) .
стр. 5742
وقد حكى ابن عبد البرِّ الإجماع على وجوب تغيير المنكر على كلّ من قدر عليه، وأَنَّه إذا لم يلحقه بتغييره إِلاَّ اللوم الَّذي لا يتعدى إلى الأذى فإِنَّ ذلك لا يمنعه من تغييره (١) .
وقال ابن العربيّ: إنّ من رجا زوال المنكر وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرجّح زواله فأي فائدة عنده؟ ثُمَّ قال: والَّذي عندي أن النيّة إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي (٢) . وقد قال قبل كلامه هذا بأسطر: قال بعض علمائنا: هذه الآية دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنْ أدّى ذلك إلى قتل الآمر به (٣) .
والمراد بالآية الَّتي ذكر قوله تعالى في آل عمران: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ((٤) .
(قلت) هذا التصريح من النَّبي (بالأمر الصريح الصحيح بصيغته الصريحة الَّتي هي الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (فليغيره) مرتّبًا ذلك على ما في وسع المكلّف وإخباره أن ترك ذلك ما وراءه شيء من الإيمان، وتعبيره ﵊ بمَن الدالة على العموم الشامل لجميع أفراد المكلّفين كل هذا يدل على لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين هما أساس الدعوة إلى الله لزومًا عينيًا بالإضافة إلى ما ذكره ابن عبد البر من الإجماع على أنّ تغيير المنكر واجب على كلّ من قدر عليه، ومع هذا فإِنَّ مذهب الجمهور مخالف
стр. 5743
لهذا، ولفظ الآية على أن (مِن) فيه للتبعيض يؤيّد مذهب الجمهور كما يؤيده الفرق الَّذي جعله علماء الأصول بين فرض العين وفرض الكفاية، وهو أن فرض الكفاية يتميّز عن فرض العين بأنه لا تتكرّر مصلحته إذا فعل، فمثلاً يقولون: إنقاذ الغريق واجب كفاية؛ فإذا غرق غريق ووجد من ينقذه من البحر، فلو غمس المنقذ مرّة أخرى في البحر لم يُحصّل فائدة، بخلاف فرض العين فإِنَّ المصلحة تتكرر من فعله دائمًا كما في تكرير الصلوات الخمس من الخشوع والانكسار أمام الخالق فإِنَّ هذه المصلحة تتكرّر بتكرّر الصلاة.
وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود بقوله:
مزه من العيني بأن قد حظلا
(
تكريرُ مصلحته إن فُعلا
وعلى هذا فيتعذّر كون النهي عن منكر بعينه فرض عين لأنّ ذلك المنكر إذا غيّره أحد وتغيّر بالفعل لم يبق هناك شيء مطالب به ذلك المغيِّر مرّة أخرى ولا غير مطالب به أَيضًا، وعلى هذا فلا بد من تلمّس جمع بين القولين لأنّ إعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإلغاء الآخر، والجمع واجب بين الأدلة متى أمكن.
الجمع بين القولين:
الَّذي يظهر لي والله تعالى أعلم أَنَّه يتعيّن الجمع بين القولين المتقدّمين، ووجه الجمع عندي أنّ الأمر بالمعروف الَّذي هو الدعاء إلى الخير والنهي عن المنكر الَّذي هو الزجر عن الشر وهذا أمران أساسيان للدعوة إلى الله ولاسيما في زمننا هذا ينقسمان إلى قسمين: عام وخاص.
стр. 5744
فالقسم الخاص هو الَّذي يعنيه القائلون بوجوبهما وجوبًا عينيًا، وبيان ذلك أن كلّ إنسان راع ومسئول عن رعيّته مثل الرَّجل في بيته مع أولاده وزوجاته وجيرانه وزملائه في التّعليم والعمل والسفر فيجب على كلّ مكلّف أن يأمر أهله وجيرته وزملاءه بالخير وينهاهم عن الشر امتثالاً لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ ... ((١) ، وتطبيقًا للأحاديث الكثيرة الَّتي ورد فيها التوكيد على الأمّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكلّ فرد لم يتّصف بهاتين الصفتين لم توجد فيه صفة الإيمان الَّتي وصف الله بها المؤمنين في قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... ((٢) بل اتصف بصفات المنافقين الَّتي وصفهم الله بها في قوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ... ((٣) ، ودخل في الذمّ الَّذي ذمّ الله به بني إسرائيل في قوله: (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ((٤) ، وفي قوله فيهم أَيضًا: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((٥) . ولا ريب أن الغالب من المسلمين لا يجهلون وجوب الصلاة والصيام والزكاة ومعنى الشهادتين ومعنى الإسلام في الجملة وذلك كان في القيام بالدعوة على هذا النحو؛ وهو يشمل العالم والمثقّف والعامل والصانع
стр. 5745
ومن دونهم ثقافة وعلمًا، فالمدار على معرفة الداعي ما يدعو إليه، ومن هنا تكون الدعوة إلى الله فرض عين، ويؤيّد ذلك ظاهر قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... ((١) ، فإذا حملنا هذه الآيات الَّتي فيها التوكيد بالأمر بالمعروف والنهْي عن المنكر على خصوص أفراد في خصوص جماعات وأوقات وأماكن كما ذكرنا وأوجبنا عليهم أن يكونوا في جميع حالاتهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر إيجابًا عينيًا في هذه الأوقات وهذه المجتمعات الخاصة بكلّ فرد وجعلنا (مِن) في الآية معناها التبعيض كان المعنى أَنَّه لا بُدّ لمن يلي أمر المسلمين أن يخصص جماعة من علماء الأمّة يعرفون ما يأمرون به ويأتونه، ويعرفون ما ينهون عنه ويبتعدون منه، وأن يجعل في كلّ قطر من الأقطار جماعة بهذا الشكل يدعون إلى دين الله وتوحيده وعبادته والاستقامة على ذلك يعرفون الحلال والحرام ويتخصصون في رسم السبل الَّتي تعيد للأمّة قوّتها ومجدها وللإسلام مكانته في قيادة النّاس إلى الخير، فإذا قامت هذه الطائفة بالدعوة إلى الله كان مَن سواهم من الأمّة غير آثم بتركه هذه المهمة لأَنَّها قام بها من هو أهل لها، لكنَّ بقيّة الأمّة مطالبون بالدعوة في حقّ أهليهم وجيرانهم كما تقدّم، ولا يقول عاقل إن من رأى منكرًا يُرتكب في بيته أو في مقرّ عمله أو في جيرانه يقول لا عليّ لأنّ هناك جماعة ذهبت إلى أوربا وأمريكا دعاة فننتظر قدوم هذه الجماعة ليغيّروا هذا المنكر؛ هذا لا يقوله عاقل، وإن لم يفعل ذلك من يقوم بأمر المسلمين أثم وأثمت الأمّة بسكوتهم على ذلك، إذا فعلنا ما ذكر نكون جمعنا بين القولين، والجمع واجب إذا أمكن، والله تعالى أعلم.
المبحث الثالث: في بيان الهدف من الدعوة إلى الله
стр. 5746
وذلك ما بدئت به سورة هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو إفراد الله وحده بالعبادة دون سواه فهذا هو الَّذي بعثت الرسل من أجله، ودارت فيه المعارك بين الحقّ والباطل، واهتم به القرآن الكريم في السور المكيّة اهتمامًا بالغًا فلا تكاد تقرأ سورة من السور المكيّة إِلاَّ وفيها تقرير التوحيد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ((١) .
هذه الآية الَّتي هي قوله: (أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (فيها الدلالة الواضحة على أنّ الحكمة العظمى الَّتي أنزل القرآن من أجلها هي أن يُعبد جَلَّ وَعَلا وحده ولا يشرك به في عبادته شيء لأنّ قوله جلّ وعلا: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ (صريحٌ في أنّ آيات هذا الكتاب فصّلت من عند الحكيم الخبير لأجل أن يعبد الله وحده سواء قلنا إن (أَنْ) هي المفسَرة، أو أن المصدر المنسبك منها ومن صلتها مفعول من أجله، فمعنى الآية: أن تفصيل القرآن هو أن يعبد الله تعالى وحده ولا يشرك به شيء، ونظير هذا المعنى قوله تعالى في سورة الأنبياء: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ((٢) ، ومعلوم أن إِنَّما من صيغ الحصر فكأن جميع ما أوحي إليه منحصر في معنى لا إله إِلاَّ
الله (٣) ، وهذا هو أساس الدعوة إلى الله بلا شكّ.
стр. 5747
أمّا الآيات الدالة على أنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده فهي كثيرة مثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ... ((١) ، وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ((٢) ، وقوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةً يُعْبَدُونَ ((٣) ، وقد بيّن تعالى هذا المعنى الَّذي هو تحقيق معنى لا إله إِلاَّ الله في سورة الفاتحة بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ((٤) ، لأنّ معنى لا إله إِلاَّ الله مركّب من أمرين: نفي وإثبات، فالنفي هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، والإثبات هو إفراد ربّ السماوات وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع، وأشار إلى النفي من لا إله إِلاَّ الله بتقديم المعمول الَّذي هو إياك، وقد تقرّر في علم الأصول وعلم المعاني أن تقديم المعمول من صيغ الحصر، وأشار إلى الإثبات منها بقوله: نعبد، وقد بيّن هذا المعنى المشار إليه هنا في قوله: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ... (، وصرّح بالنفي منها في قوله: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ((٥) .
стр. 5748
قلت: وهذا هو مضمون آية هود المتقدّمة (أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (فقوله: إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم تعليل لأمره لهم بعبادة الله وحده يحمل في طيّاته التهديد الشديد لمن لم يعبد الله وحده، وهذه هي وظيفة الدعاة، يبشّرونَ وينذرون، فالرسل بعثوا مبشّرين ومنذرين لئلا يكون للنّاس على الله حجّة، كذلك ينبغي للدعاة أن يسلكوا مسلكهم ويقْفوا أثرهم فيقيموا دعوتهم على ما أقام عليه الرسل دعوتهم، وهذا ما أشار إليه آخر آية هو السابقة.
المبحث الرابع: في الفرق بين من استجاب للدعوة وأصغى لها وقبلها وبين من أعرض عنها وصار بمنزلة الأعمى والأصم عن الحق
стр. 5749
وهذا ما أشارت إليه الآية من سورة هود (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ ((١) . يعني أن حالة الفريقين المعرضين عن دعوة الرسل المكذبين لها والمؤمنين المستجيبين لها تشبه حال الأعمى الأصم من جهة وحال البصير السميع من جهة، وقد سبق ما يؤذن بهذين الفريقين في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ... (، إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ (ومعنى الفريق هو الجماعة الَّتي تفارق أي يخالف حالهُا حال جماعة أخرى في عمل أو نحلة كما في قوله تعالى: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ((٢) . فالحاصل أن الآية شبّهت حال فريق الكفّار الَّذين أعرضوا عن الدعوة وتركوها وراء أظهرهم في عدم الانتفاع بالنظر في دلائل وحدانية الله الواضحة من مخلوقاته بحال الأعمى، وشبّهوا في عدم الانتفاع بأدلة القرآن بحال من هو أصم، وشبهت حال فريق المؤمنين الَّذين استجابوا لدعوة الرسل بحال من كان سليم البصر سليم السمع فهو في هدى ويقين من مُدْرَكاته، ومعلوم أن المشبهين بالأعمى والأصم هم الفريق المقول فيهم: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (، فهم يشبهون الأعمى في عدم الاهتداء إلى الدلائل الَّتي طريق إدراكها البصر، ويشبهون الأصَمَّ في عدم فهم المواعظ النافعة الَّتي طريق فهمها السمع، فهم في حالتين كلّ منهما مشبه به، فهو تشبيه معقولين بمحسوسين (٣) .
стр. 5750
قلت: هكذا الأمثال الَّتي يضربها الله للنّاس في القرآن تشتمل على تشبيه أمر أو أمور معقول أو معقولة بأمور محسوسة، فيجعل المعقول في قالب المحسوس فيصير المعنى المعقول كأنه مدرك بإحدى الحواس الخمس.
وقال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: فالكافر أعمى عن وجه الحقّ في الدنيا وفي الآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه أصم عن سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به، وأمّا المؤمن ففطن ذكي لبيب، بصير بالحق يميّز بينه وبين الباطل، فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجّة يفرّق بينها وبين الشبهة، فلا يرجع إليه باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ (١) .
قال الآلوسي في روح المعاني عند تفسير هذه الآية ما نصّه: وفي البحر لم يجئ التركيب: كالأعمى والبصير والأصم والسميع ليكون كلّ من المتقابلين على إثر مقابلة لأَنَّه تعالى لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد السمع، ولما ذكر انفتاح البصر أتبعه بانفتاح السمع، وذلك هو الأسلوب في المقابلة، والأتمُّ في الإعجاز، فانظره (٢) .
وقيل إن التمثيل بأمر واحد، وعليه يكون تقدير الكلام: كالأعمى الأصمّ والبصير السميع، ودخلت واو العطف كما تقول: جاءني زيد العاقل والكريم؛ وأنت تريده بعينه، فهو على هذا تمثيل بواحد (٣) . وذكر هذا المعنى أَيضًا أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير الآية فقال: ... وقيل: كالأعمى والأصم، والمعنى: كالأعمى الأصم، وكذلك قيل: والسميع والبصير، والمعنى: البصير السميع، كقول القائل: قام الظريف والعاقل؛ وهو ينعت بذلك شخصًا واحدًا (٤) .
стр. 5751
قلت: هذا حال النّاس اليوم مع الدعاة، فبعض النّاس معرض عن سماعه لا يدع فرصة للدعاة حتَّى يبلّغوه، ولا يترك لهم مجالاً، فهو معرض عنهم بقلبه وقالبه، وبعضهم لله الحمد يستجيب ويصغي وينتفع، وهكذا سنّة الله في خلقه، ما من داع يدعو إلى خير إِلاَّ وجد من يقف أمام دعوته منفّرًا منها مبعدًا النّاس عنها، ووجد أَيضًا من يستجيب لدعوته، إِلاَّ أن أكثر من يستجيب للدعوة قديمًا وحديثًا ضعاف النّاس، وأكثر من يقف أمامها أهل الجاه والمكانة، وهذه السنّة جارية في خلق الله إلى يومنا هذا، فأهل الجاه من أهل التّصوّف وغيرهم ممن درجوا على التقليد الأعمى يقفون أمام الدعوة وينفّرون النّاس من حضور مجالس الدعاة والاستماع إلى ما يدعون إليه دون أن يعلموا ما يقولون، (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ... ((١) . ويؤيد ما ذكر أنّ دعوة رسولنا محمَّد (غالب من استجاب لها على الفور ضعاف المسلمين كعمّار وسميّة وبلال وابن مسعود ونحوهم، وأوّل من وقف أمامها عظماء قريش كأبي جهل، وأَبي لهب، والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وأخيه شيبة، وغيرهم. وفي الحديث الصحيح الَّذي أَخرَجه البخاريّ في صحيحه في اثنتيْ عشر موضعًا منه ما يدل على ما ذكرنا وهو حديث أَبي سفيان الطويل في شأن كتاب رسول الله (إلى هرقل عظيم الروم، وكان أبو سفيان في ركب من قريش هناك، فأرسل إليهم هرقل وكانوا تجّارًا بالشام فدعاهم فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرَّجل الَّذي يزعم أَنَّه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أَدْنُوه مني وقَرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثُمَّ قال لهم: إني سائل هذا الرَّجل فإن كذبني فكذّبوه ... إلى أن قال: فأشراف النّاس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهذا محلّ الشاهد من الحديث، وهو طويل جدًّا ...
стр. 5752
اهـ. (١) .
المبحث الخامس: المبحث الخامس في بعض ما احتوت عليه سورة هود من دعوة نبي الله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
إن نبيّ الله نوحًا قد رسم للدعاة منهجًا حكيمًا في دعوته يسيرون عليه، فقد اشتهر بالصبر على الدعوة وتحمّل الأذى فيها والتغاضي عن زلات قومه والنصح لهم ولين الجانب معهم، وهذا بعينه هو ما يجب على الدعاة أن يقتفوه ويتّصفوا به تأسيًا بهذا الرسول الكريم، كما سلك معهم الأساليب الحكيمة بالحكمة والموعظة الحسنة إلى غير ذلك من أنواع دعوته المتنوعة، وقد ذكر القرآن قصّته في عشر سور منه مطوّلة مبسوطة في بعضها ومختصرة في بعض، فقد ذكرت في سورة الأعراف، وفي يونس، وفي هود، وفي الأنبياء، وفي قد أفلح المؤمنون، وفي سورة الشعراء، وفي العنكبوت، وفي الصافات، وفي الفرقان، وفي سورة نوح، وهذا إِنَّما هو للاعتبار بقصّته والاتعاظ منها، ولاتخاذ منهجه في الدعوة منهجًا متّبعًا لمن يأتي بعده من الدعاة.
منهجه ﵇ في دعوته
المراد بالمنهج: المبادئ العامة الَّتي تدعو إليها، وبها الرسل لتكون منارات للدعاة في دعوتهم.
أمّا الأسلوب فهو الصور اللغوية والبيانية الَّتي ترد على ألسنة الدعاة من كونها خبرًا أو إنشاء، أمرًا أو نهيًا، حوارًا أو قصصًا، إلى غير ذلك مما هو كثير.
إنّ منهج نوح (هو المنهج العام للرسل في دعوتهم، وذلك المنهج هو الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، ونبذ عامة الشركاء، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
стр. 5753
الطَّاغُوتَ ... ((١) ، فما من نبي بعثه الله إِلاَّ دعا النّاس لعبادة الله وحده إِلاَّ نوحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أعطاه الله من الصبر على الدعوة إلى الله ما لم يعطه لأحد من الأنبياء، وذلك بسبب طول عمره ومكثه بين ظهرانَيْ قومه، فقد لبث يدعوهم المدّة الَّتي حدّدها القرآن لنا وهي ألف سنة إِلاَّ خمسين عامًا، فهو أوّل رسول بعث إلى أهل الأرض بعد أن دخلها الشرك، وذلك أن النّاس كانوا من لدن آدم إلى نوح على الحقّ لا يوجد في الأرض شرك بل كانوا أمّة واحدة كما حكى القرآن الكريم عنهم في قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ((٢) ، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ((٣) ، وفي حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن أَبي هُرَيْرة (( ( ... فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أوّل الرسل إلى الأرض، وسمّاك الله عبدًا شكورًا)) ... إلخ، الحديث الطويل (٤) ، وروى الحاكم في المستدرك بسنده إلى ابن عبّاس قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلّهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشّرين ومنذرين، قال: وكذلك في قراءة عبد الله كان النّاس أمّة واحدة فاختلفوا، وقال هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ ولم يخرجاه، وأقرّه الذَّهبيّ في التلخيص (٥) . فنوح أعطاه الله طول الباع، ومنحه درجة من الصبر لم يوفّق لها غيره من الأنبياء، فقد لبث المدّة الَّتي تقدّمت يدعو قومه ليلاً ونهارًا، سرًا وعلانية، ومع ذلك لم يزدادوا
стр. 5754
إِلاَّ فرارًا عن الحقّ وإعراضًا عنه وتكذيبًا لنبي الله نوح، ولم يؤمن به طول هذه المدة إِلاَّ القليل كما قال تعالى: (وَمَاءَامَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ ((١) ، هذا مع ما يلاقيه في تلك المدّة من أنواع الأذى كالسخرية والاستهزاء به وبمن آمن به، فينبغي لكل داعية مخلص أن يتأسى بنبي الله نوح في صبره على الدعوة إلى الله وعدم الضجر ولا يستكثر المدّة الَّتي يقضيها وهو يدعو إلى الله فلم يستجب له إِلاَّ القليل حتَّى ولو لم يستجب له أي أحد فليحتسب وليعلم أَنَّه فعل ما في وسعه وخرج من عهدة الأمر المتوجه إليه في قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... (، وفي قوله (: ((بلّغوا عني ولو آية)) (٢) .
стр. 5755
وقد رسم نبي الله نوح منهجًا للدعاة في التوكّل على ربّه ينبغي لكل داع أن يقتفيه ويسلكه، فهو رغم انفراده في قومه وقلّة من آمن به منهم لم يثن ذلك عزيمته عن دعوتهم إلى الله وتحدِّيهم بأن يجمعوا أمرهم مع مالهم من الشركاء وأن يُنْهوا أمره ولا يمهلوه ساعة واحدة وما ذاك إِلاَّ من شدّة توكّله على ربّه وعلمه أَنَّهم لا يستطيعون أن يضروه بشيء لم يشأ الله تعالى أن يضروه به، وقد صوّر لنا القرآن الكريم هذا التوكل والتحدي في آية من سورة يونس فقال: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ((١) . فالمعنى: يا قوم إن كان عظم عليكم مقامي فيكم ولُبْثي بين أظهركم وتذكيري إياكم بآيات الله أي بحججه القاطعة وبراهينه الساطعة فعلى ربي توكلت فإني لا أبالي بكم ولا أكفّ عن دعوتكم عَظُم ذلك عليكم أولا فأجمعوا أمركم مع شركائكم الَّذين تدعونهم من دون الله من أصنام وغيرها ولا تجعلوا أمركم ملتبسًا، بل وضّحوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقّون فاقضوا إليَّ ولا تنظرون واستريحوا مني ولا تؤخرون ساعة واحدة مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أبالي بكم ولا أخاف إذْ لستم على شيء.
стр. 5756
فهكذا ينبغي أن يكون الداعية متوكلاً على الله لا يخاف غير الله، لا تأخذه فيه لومة لائم، صبورًا على الأذى، محتسبًا الأجر من الله، عالمًا بأنّ النّاس لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يرد الله أن يضروه به لم يستطيعوا، كما ينبغي له ألا يطلب أجرًا أي مالاً مقابل الدعوة إِلاَّ من الله تعالى تأسيًا بنوح الداعي الأَوَّل ثُمَّ بباقي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فإِنَّ ذلك منهج رسمه نوح (للدعاة مما احتوت عليه سورة هود، وذلك في قول الله جلّ وعلا حاكيًا عنه: (وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ ... ((١) ، تكرر هذا القول من نبي الله نوح، فقد ذكره الله عنه في سورة يونس حيث قال: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ ... ((٢) ، وحكاه عنه أَيضًا في سورة الشعراء فقال: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ((٣) ، ثُمَّ تتابعت الرسل من بعده مقتفية إثره في ذلك فقال هود (: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ((٤) ، وقال صالح (: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ((٥) ، وقال هذه المقالة نفسها لوط وشعيب وغير ما ذكر من الأنبياء إلى أن وصلت الدعوة إلى نبينا محمَّد (فقال هذه المقالة، قال تعالى حكاية عنه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ((٦) ، وقال تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي
стр. 5757
الْقُرْبَى ((١) .
ومن هنا لا بُدّ أن نلمّ ببعض الأحكام الفقهية المستنبطة من هذا المنهج الحكيم الَّذي اتبعه أوّل الدعاة نوح وتتابعت عليه الدعاة من بعده، وهو عدم أخذ العوض مقابل الدعوة، وتعليم العقائد والقرآن، والحلال والحرام.
قلت: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الواجب على أتباع الرسل الَّذي هم العلماء أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانًا من غير أخذ عوض على ذلك لأنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ... (٢) لأنّ الأنبياء هم الأسوة الحسنة لنا والقدوة المتبعة، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ((٣) . ويعتضد ذلك بأحاديث وردت عن النَّبي (، منها ما رواه ابن ماجه والبيهقي عن أبيّ بن كعب (قال: علّمت رجلاً القرآن فأهدى لي قوسًا فذكرت ذلك للنبي (فقال: ((إن أخذتها أخذت قوسًا من نار)) فرددتها (٤) ، وأخرجه ابن ماجه (٥) ، وفي الزوائد إسناده مضطرب، قاله الذَّهبيّ في الميزان في ترجمة عبد الرَّحمن بن سَلْمٍ، وقال العلاء في المراسيل: عطية بن قيس الكلاعي عن أبيّ ابن كعب مرسل، لكن ابن حجر قال في التهذيب: وقال أبو مسهر كان مولده في حياة رسول الله (في سنة سبع، وقال قبل ذلك بقليل: إن أبا حاتم قال: صالح الحديث (٦)
стр. 5758
ومن ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه عن عبادة بن الصامت (قال: علَّمت ناسًا من أهل الصُّفة الكتاب والقرآن، فأهدى إليَّ رجلٌ منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال؛ أرمي بها في سبيل الله (، لآتين رسول الله (فلأسألنه، فأتيته فقلت يا رسول الله أهدى إليَّ رجل قوسًا ممن كنت أعلّمه الكتاب والقرآن وليست بمال؛ أرمي عليها في سبيل الله؟ فقال: ((إن كنت تحبّ أن تطوّق طوقًا من النار فاقبلها)) (١) وفي إسناده المغيرة بن زياد
الموصلي، قال الخطابي: وثّقه وكيع، ويحيى بن معين، وتكلّم فيه جماعة (٢) ، ورواه أبو داود من طريق أخرى عن عبادة بن الصامت ... فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله (، فقال: ((جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها)) (٣) . اهـ.
قال الخطابي: بقيّة بن الوليد قد تكلّم فيه غير واحد، وعزاه للمنذري، وقال فيه ابن حجر: بقيّة بن الوليد كثير التدليس عن الضعفاء (٤) .
قال الشَّيخ محمَّد الأمين ﵀: فهذه الأدلة ونحوها تدل على أنّ تعليم القرآن والمسائل الدينية لا يجوز أخذ الأجرة عليها، وممن قال بهذا القول الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وأبو حنيفة، والضحاك بن قيس، وعطاء، وكره الزهري وإسحاق تعليم القرآن بأجر، وقال عبد الله بن شقيق: هذه الرغف الَّتي يأخذها المعلمون من السحت، وممن كره أجرة التّعليم مع الشرط الحسن وابن سيرين وطاوس والشعبي والنخعي، وظاهر كلام أحمد جواز أخذ المعلّم ما أعطيه من غير شرط (٥) .
стр. 5759
وقال ابن قدامة في المغني ما نصه: ونقل أبو طالب عن أحمد أَنَّه قال: التّعليم أحبّ إليّ من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين ومن أن يتوكل لرجل من عامة النّاس في ضيعة ومن أن يستدين ويتجر لعلّه لا يقدر على الوفاء فيلقى الله تعالى بأمانات النّاس، التّعليم أحبّ إليّ، وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة لا للتحريم، وممن أجاز ذلك مالك والشافعي، ورخّص في أجور المعلّمين أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر (١) .
هذه حجج المانعين، أمّا الَّذين أجازوا أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلى الحلال والحرام والعقائد فاستدلوا بأدلة منها:
стр. 5760
ما ثبت في الصحيحين عن النَّبي (أَنَّه زوّج رجلاً امرأة بما معه من القرآن، ونصّ الحديث في رواية البخاريّ في كتاب فضائل القرآن بسنده عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت رسول الله (فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله (، فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: هل عندك من شيء؟ فقال: لا والله يا رسول الله، قال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا؟ فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا، قال: انظر ولو خاتما من حديد، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري قال سهل: ما له رداء فلها نصفه، فقال رسول الله (: ما تصنع بإزارك؟ إن لبِسْتَه لم يكن عليها منه شيء، وإن لبستْه لم يكن عليك منه شيء؟ فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه رسول الله (مولّيا فأمر به فدُعي، فلما جاءه قال: ماذا معك من القرآن؟ قال معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا؛ عدّها، قال: أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن (١) .
فمحلّ الشاهد من الحديث قوله (: ((فقد زوجتكها بما معك من القرآن)) ، وفي بعض الروايات ((فعلمها من القرآن)) كما في بعض روايات مسلم في المصدر السابق.
стр. 5761
قال المجيزون: إذا جاز تعليم القرآن عوضًا في باب النكاح وقام مقام المهر؛ جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة، لأنّ النَّبي (أباح لهذا الرَّجل أن يجعل تعليمه بعض القرآن لهذه المرأة عوضًا عن صداقها، وهو صريح في أن العوض على تعليم القرآن جائز، وما ردّ به بعض العلماء الاستدلال بهذا الحديث من أَنَّه (زوّجه إياها بغير صداق إكرامًا لحفظه ذلك المقدار من القرآن ولم يجعل التّعليم صداقًا لها مردود بما ثبت في بعض الروايات في صحيح مسلم أَنَّه (قال له: ((انطلق فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن)) ، وفي رواية لأبي داود:
((علمها عشرين آية وهي امرأتك)) (١) .
стр. 5762
واحتج المجيزون أَيضًا بعموم قوله (الثابت في صحيح البخاريّ من حديث ابن عبّاس ﵄: ((إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله)) (١) ، قالوا: إنّ الحديث وإن كان واردًا في الجعل على الرقيا بكتاب الله فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث المذكور في كتاب الإجارة: واستدل به الجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخالف الحنفية فمنعوه في التّعليم وأجازوه في الرقى كالدواء، قالوا: لأنّ تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرقى، إِلاَّ أَنَّهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق القصة في الحديث يأبى هذا التأويل، وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد رواها أبو داود وغيره، وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال، وهو مردود، وبأنّ الأحاديث الَّتي ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لِتتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب، وبأنّ الأحاديث المذكورة أَيضًا ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارِضُ الأحاديث الصحيحة. اهـ (٢) .
فتحصّل أن الجمهور على جواز أخذ الأجرة على التّعليم كما صرّح به ابن حجر قريبًا، وأن الحنفية يمنعون قائلين إن ذلك عبادة، والعبادة أجرها على
الله، لكنه لا مجال للاجتهاد مع وجود النصّ الصحيح، فالله جلّ وعلا كريم يعطي لعباده الأجر معجّلاً في الدنيا ويعطيهم الأجر في الآخرة، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، لا حرج في ذلك.
стр. 5763
قال شيخنا الشَّيخ محمَّد الأمين ﵀ مفصّلاً في هذه المسألة ما نصه: قال مقيّده عفا الله عنه: الَّذي يظهر لي والله تعالى أعلم أنّ الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضًا على تعليم القرآن والعقائد والحلال والحرام للأدلة الماضية، وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين، لأنّ الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا من قبيل الأجرة، والأولى لمن أغناه الله أن يتعفّف عن أخذ شيء في مقابل التّعليم للقرآن والعقائد والحلال والحرام، والعلم عند الله تعالى. اهـ (١) .
هذا وقد حاولت هنا بيان حكم هذه المسألة بحسب ما وقفت عليه من أدلة الفريقين ومن كلام العلماء ليستفيد المطلع عليه حكم هذه المسألة لا سيما الدعاة والمعلّمون ليكونوا على بصيرة مما هم فيه.
المبحث السادس: مما احتوت عليه سورة هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من شئون الدعوة إلى الله
وينقسم الكلام فيه إلى قسمين:
أحدهما: طريق إثبات النبوة، وأنها لا تثبت إِلاَّ عن طريق الوحي من الله جلّ وعلا.
وثانيهما: بيان أن الغيب لا يعلمه إِلاَّ الله، وأن الرسل لا يعلمون منه إِلاَّ ما علّمهم الله، وهذا الأخير مما يجب على الدعاة التركيز عليه أثناء دعوتهم في هذا الزمن، لأنّ عوام النّاس أضلهم الدجالون والخرافيون ممن يزعمون أَنَّهم يعلمون بعض المغيبات ويخبرون بذلك عامة النّاس فيصدّقونهم ويكذبون القرآن الكريم، وسيتضح لك إن شاء الله كذبهم وتضليلهم عن طريق الاستدلال بكتاب الله تعالى. قال تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ((٢) .
الكلام على القسم الأَوَّل
стр. 5764
بيّنت هذه الآية الكريمة وأمثالها من القرآن الكريم أن نبوة محمَّد (حقّ لأَنَّه رجل أُمِّي لا يكتب ولا يقرأ، ونشأ في أمّة أميّة لا تكتب ولا تقرأ، ومع ذلك يأتي بخبر الأمم السابقين وما حصل لهم من الهلاك، وما شجر بينهم مع الأنبياء، يأتي هذا مفصّلاً، كما أَنَّه يأتي بقصص أقوام آخرين ليسوا بأنبياء، ويحكيها كما هي، كقصة أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود، وقصة ذي القرنين وغير ذلك من القصص الَّتي قصّ القرآن الكريم على نبينا محمَّد (ولم يكن له بها هو ولا قومه علم ما تحكيه لنا آية هود هذه من قصة أوّل نبي بعث إلى أهل الأرض نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا ... (، وكذلك قوله في شأن قرعة رجال بني إسرائيل أيهم يكفل مريم في قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ((١) ، ومن ذلك إخباره عن قصة أهل مدين مع نبي الله شعيب وقصة موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله:
стр. 5765
(وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْءَايَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ((١) . ومن ذلك قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ((٢) ، ومن ذلك قوله تعالى في شأن إخوة يوسف معه: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ((٣) ، ومن ذلك قوله تعالى لما ذكر قصص الأنبياء المذكورين في سورة هود: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ((٤) ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت مقررًا صدق القرآن وأَنَّه من الله لا كما يزعمه الكفار أَنَّه مفترى من قبل محمَّد (واستعان بقوم آخرين غلمان من اليهود كانوا صاغة بمكة: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ((٥) ، ونحو ذلك من
الآيات.
стр. 5766
وبعد عرض هذه الآيات نلم بأقوال العلماء حولها إلمامًا سريعًا دون تطويل لنبين بذلك موضوعيتها في إثبات النبوة الَّتي تشتد الحاجة كثيرًا إلى أدلته القاطعة لدعاة عصرنا الحاضر لأنّ الكثير من سكان المعمورة ينكرون رسالة محمَّد (سواء أكان إنكار جحود أم إنكار جهل، وعليه فلا بُدَّ من إثبات ذلك بالأدلة القطعية النقلية، ويكون الكلام عليها إن شاء الله حسب ذكري لها.
أوّلاً أية هود: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (. قال كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري عند الآية المذكورة بعد أن ساق السند إلى قتادة: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا
القرآن، وما كان علم محمَّد (وقومه ما صنع نوح وقومه لولا ما بيّن الله له في كتابه (١) . ويقول قبل ذلك بقليل: يقول تعالى ذكره لنبيه محمَّد (هذه القصة الَّتي أنبأتك بها من قصة نوح وخبره وخبر قومه من أنباء الغيب يقول: هي من أخبار الغيب الَّتي لم تشهدها فتعلمها نوحيها إليك يقول: نوحيها إليك نحن فتعرفها ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا الوحي الَّذي نوحيه إليك فاصبر على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته وما تلقى من مشركي قومك كما صبر نوح إنّ العاقبة للمتقين، يقول: إنّ الخير من عواقب الأمور لمن اتقى الله فأدى فرائضه واجتنب معاصيه فهم الفائزون بما يؤملون من النعيم في الآخرة والظفر في الدنيا بالكلية كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله ... (٢) .
стр. 5767
ويقول ابن كثير ﵀: يقول تعالى لنبيه (: هذه القصة وأشباهها من أنباء الغيب يعني من أخبرا الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها أي نعلمك بها وحيًا منا إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا أي لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها حتَّى يقول من يكذبك إنك تعلمتها منه بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك فإنا ننصرك ونحوطك بعنايتنا ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم (١) .
قلت: إنّ في الآية منهجًا عظيمًا من مناهج الدعوة أمر الله نبيه محمَّدًا (إمام الدعاة به ألا وهو الصبر على الأذى من المدعوين فالأمر له (أمر لنا لأنّ الأمر للقدوة أمر للأتباع، والأمر للوجوب إِلاَّ إذا وجدت قرينة صارفة عن الوجوب ولم توجد هنا قرينة فعلى الدعاة إلى الله أن ينتهجوا هذا المنهج امتثالاً لأمرِ الله تعالى واقتداء برسوله (، كما أن في الآية وسيلة من وسائل الدعوة وهي الترغيب: س إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ش، فوظيفة الدعاة هي الترغيب والترهيب لأنّ ذلك هو وظيفة الأنبياء، قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ
وَمُنْذِرِينَ ... ((٢) ، وقال تعالى في خصوص نبينا محمَّد (: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ... ((٣) ، فالآية الكريمة اشتملت على منهج أساسي من مناهج الدعوة إلى الله وعلى وسيلة عظمى من وسائلها أَيضًا، فليفرح الدعاة المتقون بأن الله ناصرهم لا محالة وأن العاقبة لهم لأنّ إخبار الله لا يتغير ولا يتبدل ولا يدخله النسخ فهذا الوعد محتم لا محالة.
стр. 5768
أمّا آية آل عمران: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ((١) ، فإليك بعض كلام العلماء فيها.
قال ابن كثير في تفسيره: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك أي نقصه عليك، وما كنت لديهم أي ما كنت عندهم يا محمَّد معاينة عما جرى بل أطلعك الله على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها وذلك لرغبتهم في الأجر (٢) ، ثُمَّ قال: وقال ابن جرير: حدّثنا القاسم، حدَّثنا الحسين، حدّثني حجّاج عن ابن جريج، عن القاسم بن أَبي بزة أَنَّه أخبره عن عكرمة وأَبي بكر عن عكرمة قال: خرجت بها- يعني مريم - في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى ﵉ (٣) ، قال: وهم يومئذٍ يلون في بيت المقدس ما تلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإني حرّرتها وهي أنثى، ولا تدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وكان عمران يؤمهم في الصلاة، وصاحب قرباننا، فقال زكرياء: ادفعوها لي فإِنَّ خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب أنفسنا هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بالأقلام الَّتي يكتبون بها التوراة فقرعهم زكرياء فكلفها. بواسطة نقل ابن كثير (٤) . قلت: هكذا ذكر ابن كثير، وبعد مطالعتي لابن جرير عند الآية لم أجد هذه القصة بهذا السياق والسند لكن معناها والكثير من ألفاظها موجود عند تفسير ابن جرير للآية، فلعل هذا السياق ذكره في كتاب التاريخ والله أعلم.
стр. 5769
وقال ابن جرير عند تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ (يعني جلّ ثناؤه بقوله: ذلك ك الأخبار الَّتي أخبر بها عباده عن امرأة عمران وابنتها مريم وزكريا وابنه يحيى وسائر ما قصّ في الآيات من قوله:
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىءَادَمَ وَنُوحًا ش، ثُمَّ جمع جميع ذلك بقوله: (ذَلِكَ (، فقال: هذه الأنباء من أنباء الغيب أي من أخبار الغيب، ويعني بالغيب أَنَّهَا من خفِيّ أخبار القوم الَّتي لم تطلع عليها أنت ولا قومك، ولم يعلمها إِلاَّ قليل من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم، ثُمَّ أخبر تعالى ذكره نبيه محمَّدًا (أَنَّه أوحى ذلك إليه حجّة على نبوته وتحقيقًا لصدقه وقطعًا منه به عذر منكري رسالته من كفار أهل الكتابين الَّذين يعلمون أن محمَّدًا (لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها، ولم يدرك معرفتها مع خمولها عند أهلها إِلاَّ بإعلام الله ذلك إياه إذ كان معلومًا عندهم أن محمَّدًا (أمي لا يكتب فيقرأ الكتب فيصل إلى علم ذلك من قبيل الكتب، ولا صاحَب أهل الكتب فيأخذ علمه من قبلهم ... إلى أن
يقول: كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم (يعني أهل الكتاب) وأنت تنبئهم هذه الأنباء ولم تشهدها ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمور؟ ولست ممن قرأ الكتب فعلم نبأهم ولا جالس أهلها فسمع خبرهم، ثُمَّ ساق سنده إلى محمَّد بن جعفر بن الزبير وما كنت لديهم إذ يختصمون أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها يخبره بخفي ما كتموا منه من العلم عندهم لتحقيق نبوته والحجة عليهم لما يأتيهم به مما أخْفَوْه منه. اهـ (١) .
ويقول ابن عطية في المحرر الوجيز: وفي هذه الآية بيان لنبوة محمَّد (إذ جاءهم بغيوب لا يعلمها إِلاَّ من شاهدها وهو لم يكن لديهم أو من قرأها في كتب أهل الكتاب ومحمَّد (أمي من أميين أو من أعلمه الله بها وهو
стр. 5770
ذاك ((١) .
أمّا الكلام على الآيات الَّتي تتعلّق بنبي الله شعيب وموقف قومه من دعوته، وبقصة موسى حين ناداه ربّه لِيُحمّله عبء الرسالة إلى الطاغية فرعون فإليك بعض كلام المفسرين فيها.
(وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْءَايَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ((٢) . في الآيتين دليل واضح على أن ما فصل في هاتين القصتين من الأحوال لا يتسنى إِلاَّ بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهد وحيث انتفيا كلاهما تبيّن أَنَّه بوحي من علاّم الغيوب لا محالة أي وما كنت بجانب الجبل الغربيّ أو المكان الغربي الَّذي وقع فيه الميقات إذ قضينا إلى موسى الأمر أي عهدنا إليه وأحكمنا أمر نبوته بالوحي وإيتاء التوراة، وما كنت من جملة الشاهدين للوحي وهم السبعون المختارون للميقات حتَّى تشاهد ما جرى، وما كنت ثاويًا أي مقيمًا أَيضًا في أهل مدين قوم شعيب تتلو عليهم أي تقرأ عليهم بطريق التعلّم منهم آياتنا الناطقة بالقصة، ولكنا كنا مرسلين إياك وموحين إليك تلك الآيات ونظائرها وما كنت بجانب الطور إذ نادينا أي وقت نداء الله موسى وقوله له إني أنا الله ربّ العالمين وإرسالنا له إلى فرعون،ولكن رحمة من ربك أي ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر من هذه القصص وغيرها لرحمة عظيمة كائنة منا لك وللنّاس (٣) .
стр. 5771
والمعنى: وما كنت يا محمَّد حاضرًا بجانب الجبل الغربي الَّذي وقع فيه الميقات وأعطى الله تعالى فيه ألواح التوراة لموسى (فالكلام من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقامه وذلك كثير في لغة العرب، وفي القرآن الكريم كما في قوله: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ ((١) . أي دروعًا سابغات، وقيل: إن الكلام من باب إضافة الموصوف إلى الصفة الَّتي جوزها الكوفيون كما في قولهم: مسجد الجامع، والأصل على هذا في الجانب الغربي فيتحد الجانب والغربي، فالشاهد هنا إِمّا بمعنى الحضور أو من الشهادة والأمران منتفيان فلم يبق إِلاَّ أن تكون عرفت هذه الحقائق عن طريق الوحي (٢) .
وقال القرطبي: ولكنا كنا مرسلين أي أرسلناك في أهل مكة وآتيناك كتابًا فيه هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها ... إلى أن قال: قال النحاس: أي لم تشهد قصص الأنبياء، ولا تليت عليك ولكنا بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة. اهـ (٣) .
الكلام على قوله تعالى:
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ((٤)
يخبر تعالى أَنَّه يقص على نبيه محمَّد (أخبار الأنبياء وأممهم وما جرى بينهم وهو لم يكن حاضرًا ولا قرأ عن تلك الأخبار والحوادث لأَنَّه أمّي لا يقرأ ولا يكتب، فإخباره له بذلك على حاله فيه أمران:
الأمر الأَوَّل: تقرير نبوته (، إذ لا يمكن الاطلاع على هذه الأمور وحكايتها كما هي إِلاَّ عن طريق الوحي.
стр. 5772
الثَّاني: تثبيت فؤاده (على الدعوة إذا علم عن طريق الوحي أن إخوانه من الأنبياء السابقين أوذوا كما أوذي وكُذِّبوا كما كُذِّب هان ذلك عليه واستمر في دعوته، فمعنى الآية: وكلّ الأخبار الَّتي نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات وما تحمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين كلّ هذا مما نثبت به فؤادك يا محمَّد ليكون لك بمن مضى من إخوانك المرسلين أسوة (١) .
الكلام على آية يوسف
(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ((٢) ، يقول تعالى لنبيه: إنّ هذا الخبر الَّذي أخبرتك به من خبر يوسف وإخوته وسائر ما في هذه السورة من أنباء الغيب الَّذي لم تشاهده ولم تقرأ عنه في كتب الأولين، ولكننا نوحيه إليك ونعرفكه لنثبت به فؤادك ونشجع به قلبك لتصبر على ما نالك من الأذى من قومك في ذات الله وتعلم أن من قبلك من إخوانك المرسلين صبروا على ما نالهم في ذات الله وأخذوا بالعفو وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وأعرضوا عن الجاهلين لذلك فازوا بالظفر بالمطلوب وأُيّدوا بالنصر ومُكّنوا في الأرض، فالمعنى: وما كنت يا محمَّد حاضرًا مع إخوة يوسف إذ أجمعوا واتفق رأيهم على أن يلقوه في غيابة الجب، وما هناك، وسيلة يمكن أن تعرف بها ذلك إِلاَّ طريق الوحي من الله إليك فتثبت بذلك نبوتك وصدقك وقامت الحجة على خصومك (٣) .
стр. 5773
ويقول ابن عطيّة في تفسيره: ذلك من أنباء الغيب: ذلك إشارة إلى ما تقدّم من قصة يوسف، وهذه الآية تعريض لقريش وتنبيه على آية صدق محمَّد (وفي ضمن ذلك الطعن على مكذبيه (١) .
ويقول المفسّر عبد الرَّحمن بن ناصر السعدي في تفسيره للآية: لما قصّ الله هذه القصة على محمَّد (، قال له: ذلك النبأ الَّذي أخبرناك به من أنباء الغيب نوحيه إليك ولولا إيحاؤنا إليك لما وصل إليك هذا الخبر الجليل وإنك ما كنت حاضرًا لديهم إذ أجمعوا أمرهم أي إخوة يوسف وهم يمكرون به حين تعاقدوا على التفريق بينه وبين أبيه في حالة لا يطّلع عليها إِلاَّ الله تعالى، ولا يمكن لأحد أن يصل إلى علمها إِلاَّ بتعليم الله له إياها كما قال تعالى لما قصّ قصة موسى وما جرى له، ذكر الحال الَّتي لا سبيل للخلق إلى علمها إِلاَّ بوحيه فقال: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ... (الآيات، فهذا أدل دليل على أن من جاء بها رسول الله حقًّا (٢) .
الكلام على آية هود
(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ((٣) ، المعنى: ذلك من أنباء القرى أي من أخبار أهل القرى نقصه عليك لتنذر به، ويكون آية على رسالتك وموعظة وذكرى للمؤمنين (٤) .
فالمعنى: أن الَّذي نقصه عليك من أخبار القرى السابقة كقرى قوم لوط وقوم صالح وقرى قوم شعيب وغير ذلك نقصه عليك ليكون عبرة وعظة لقومك الَّذين كذبوك وآذوك فإِنَّ الله أهلك الأولين بسبب تكذيبهم رسل
стр. 5774
الله، وأنتم يا قريش احذروا أن يحلّ بكم ما حلّ بهؤلاء إذ لا مزية لكم عليهم، وما جاز على المثل يجوز على مماثله، وفي الآية تقرير لنبوته ﵊ حيث لا يتأتى له أي يقص عليهم قصص الأنبياء والأمم ولم يشاهدها ولم يكن في زمنها ولم يكن يقرأ كتب السابقين لا يتأتى له ذلك إِلاَّ عن طريق وحي من الله كما هو الواقع.
الكلام على آية العنكبوت
قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ((١) . المعنى: أَنَّه ﵊ ما كان يتلو قبل هذا القرآن من كتاب ولا يكتب بيمينه ولا بشماله أَيضًا أي لا تقدر على خطه كما لا تقدر على تلاوته أي ما كان من عادتك أن تتلو ولا أن تقرأ قبل إيحائنا إليك بهذا القرآن فلو كنت كاتبًا أو تاليًا ثُمَّ أتيت بهذا القرآن لارتاب قومك في شأنك، أي لكان هناك مجال للريبة، فلمّا لم تكن متّصفًا بتلك الصفتين ولا بإحداهما ثُمَّ أتيت بهذا القرآن لم يكن هناك مجال في الارتياب في شأنك، يقول أبو السعود: ... لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط أو ممن يعتادهما لارتابوا وقالوا: لعلّه التقطه من كتب الأوائل، وحيث لم تكن كذلك لم يبق في شأنك منشأ ريب أصلاً (٢) .
القسم الثَّاني من أقسام المبحث السادس
تقدّم لنا أن هذا المبحث ينقسم الكلام فيه إلى قسمين: الأَوَّل: إثبات نبوته (، والثَّاني: الإخبار بأن الغيب لا يعلمه إِلاَّ الله، وأن الرسل لا يعلمون منه إِلاَّ ما علمهم الله عن طريق الوحي، وتكلمنا على القسم الأَوَّل، والآن سأتكلم على القسم الثَّاني إن شاء الله تعالى، فأقول:
стр. 5775
دلّت آيات القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية الصريحة الصحيحة أن الغيب لا يعلمه إِلاَّ الله ، فالغيب كلّ ما غاب عن الحواس، وكلّ ما غاب عنها لا يعلمه إِلاَّ الله جلّ، فكلّ من ادعى علم شيء من الغيب قيل له كَذّبْتَ الآيات القرآنية الصريحة، ومن كذّب القرآن متعمدًا بعدما تبين له ما دلّ عليه بالقاطع فقد كفر والعياذ بالله.
وإليك بعض الآيات الدالة على ما ذكر، قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ ... ((١) . بيّن تعالى المراد بمفاتح الغيب بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ((٢) . والمفاتح: الخزائن، جمع مَفتح بفتح الميم بمعنى المخزن، وقيل: هي المفاتيح جمع مِفتح بكسر الميم وهو المفتاح، وتدل له قراءة ابن السميع: مفاتيح بياء بعد التاء، فهذه الآية الكريمة تدل على أنّ الغيب لا يعلمه إِلاَّ الله، وهو كذلك لأنّ الخلق لا يعلمون إِلاَّ ما علّمهم خالقهم جلّ وعلا، وقد أخرج البخاريّ في صحيحه بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله (قال: ((مفاتح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير)) (٣) ، وأَخْرَجَ بسنده إلى أَبي هُرَيْرة (أن رسول الله (كان يوما بارزًا للناس إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ حديث جبريل المشهور إلى أن قال في آخره: وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله س
стр. 5776
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ... ش (١) .
ثُمَّ أخرج بسنده إلى ابن عمر ﵄ قال: قال النَّبي (: ((مفاتح الغيب خمس، ثُمَّ قرأ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... ()) (٢) .
وأَخْرَجَ عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله (قال: ((مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)) (٣) .
وعن عائشة ﵂ قالت: من زعم أن رسول الله (يخبرنا بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ ... ((٤)(٥) .
стр. 5777
قال الحافظ ابن حجر: وقال الشَّيخ محمَّد بن أَبي جمرة: عبّر بالمفاتح لتقريب الأمر على السامع، لأنّ كلّ شيء جعل بينك وبينه حجاب فقد غيب عنك، والتوصل إلى معرفته في العادة من الباب، فإذا أغلق الباب احتيج إلى المفتاح، فإذا كان الشيء الَّذي لا يطلع على الغيَّب إِلاَّ بتوصيله لا يعرف موضعه فكيف يعرف المغيب. انتهى ملخّصًا (١) . يعني أن المفاتح هي الَّتي يتوصل بها لكل غائب عنك، فإذا لم تُعلم فكيف التوصل إلى الغائب؟ وقال ابن حجر: فإِنَّ قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث، أجاب الطيبي بأن الفعل إذا كان عظيم الخطر وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن فهم منه الحصر على سبيل الكناية ولاسيما إذا لوحظ ما ذكر في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدّعون علم نزول الغيث، فيشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك واختصاصه بالله (٢) .
قلت: في ختام الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (إشعار بأن هذا الأمر عظيم لا يطّلع عليه إِلاَّ من لا يشاركه أحد في ذلك كما دلّت على ذلك صفتا المبالغة: عليم خبير، والله أعلم، ومن ذلك قوله تعالى لنبيه (: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ ... ((٣) . هكذا أمر نبينا محمَّدًا (، كما أمر بذلك نوحًا (بقوله: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ... ((٤) .
قلت: إن المتتبع لقصص الرسل يعلم منها علم يقين أن الغيب لا يعلمه إِلاَّ الله، وأن الرسل والملائكة لا يعلمون إِلاَّ ما علّمهم الله.
стр. 5778
فهذا نبينا محمَّد (لمّا رميت عائشة أم المؤمنين ﵂ بما رميت به وهي أحبّ النّاس إليه لم يعلم أهي بريئة أم لا؟ فكان يقول لها: ((يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه)) إلخ في الحديث الطويل (١) . فالمتأمل لهذه القصة يعلم أن نبي الله (لا يعلم من الغيب إِلاَّ شيئًا علّمه ربّه عن طريق الوحي فهو يجلس شهرًا كاملاً كما في بعض روايات الحديث متجنّبًا لأحبّ النّاس إليه زوجه عائشة أمّ المؤمنين يجلس بعيدًا منها ويقول: ((كيف تيكم؟)) ولا يدري عنها هل هي بريئة أو لا؟ حتَّى أنزل الله عليه: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا
стр. 5779
يَقُولُونَ ((١) . فمن ادعى علم الغيب اليوم أو ادعى شيئًا ما من أنواعه كذّبناه بلا شك وحكمنا بأنه دجال مناقض للقرآن الكريم والسنة المطهرة، وانظر إلى قوله تعالى مخاطبًا له: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ((٢) . يقول القرطبي ﵀: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير: المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته، وقيل: لو كنت أعلم متى يكون النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب، وقال ابن عبّاس: لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفيني، إلى غير ذلك مما ذكره من الأقوال الَّتي تدور حول عدم علمه بالغيب (٣) .
ويقول (: في الحديث الصحيح: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة)) ... إلخ الحديث (٤) .
стр. 5780
ثُمَّ ننتقل إلى نبي الله نوح، وهو من أولي العزم من الرسل، يقول الله عنه أَنَّه يخاطب قومه فيقول: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ.. ((١) . وكذلك قوله (: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ... ((٢) ، فهو ما كان يدري أن ابنه الَّذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم حتَّى قال ما قال إلى أن أخبره الله بقوله له: (يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ((٣) .
ثُمَّ ننتقل إلى أَبي الأنبياء إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه خليل الرَّحمن فنجده لا يعلم عن الغيب شيئًا إِلاَّ ما علّمه الله، فحين أتته الملائكة في صور رجال من البشر بادر بذبح عجله وشيّه وتهيئة الطعام لهم على عادته في إكرام الضيف، فلو كان يعلم الغيب لعلم أن هؤلاء ملائكة ولم يذبح عجله ويتعب نفسه ويهيئ لهم الطعام ويقول: ألا تأكلون؟ ولم يقع في نفسه منهم خوف حتَّى قالوا له: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، ثُمَّ ذهبوا من عند إبراهيم وجاءوا إلى لوط في تلك الصورة فظنّهم رجالاً من بني البشر فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا وقال: هذا يوم عصيب؛ خوفًا عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة، حتَّى قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، ولم يعلم عنهم شيئًا حتَّى أخبروه أَنَّهم رسل الله فقالوا: (يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ... ((٤) .