إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ... ش (١) .
ثُمَّ أخرج بسنده إلى ابن عمر ﵄ قال: قال النَّبي (: ((مفاتح الغيب خمس، ثُمَّ قرأ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... ()) (٢) .
وأَخْرَجَ عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله (قال: ((مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)) (٣) .
وعن عائشة ﵂ قالت: من زعم أن رسول الله (يخبرنا بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ ... ((٤)(٥) .
стр. 5777
قال الحافظ ابن حجر: وقال الشَّيخ محمَّد بن أَبي جمرة: عبّر بالمفاتح لتقريب الأمر على السامع، لأنّ كلّ شيء جعل بينك وبينه حجاب فقد غيب عنك، والتوصل إلى معرفته في العادة من الباب، فإذا أغلق الباب احتيج إلى المفتاح، فإذا كان الشيء الَّذي لا يطلع على الغيَّب إِلاَّ بتوصيله لا يعرف موضعه فكيف يعرف المغيب. انتهى ملخّصًا (١) . يعني أن المفاتح هي الَّتي يتوصل بها لكل غائب عنك، فإذا لم تُعلم فكيف التوصل إلى الغائب؟ وقال ابن حجر: فإِنَّ قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث، أجاب الطيبي بأن الفعل إذا كان عظيم الخطر وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن فهم منه الحصر على سبيل الكناية ولاسيما إذا لوحظ ما ذكر في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدّعون علم نزول الغيث، فيشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك واختصاصه بالله (٢) .
قلت: في ختام الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (إشعار بأن هذا الأمر عظيم لا يطّلع عليه إِلاَّ من لا يشاركه أحد في ذلك كما دلّت على ذلك صفتا المبالغة: عليم خبير، والله أعلم، ومن ذلك قوله تعالى لنبيه (: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ ... ((٣) . هكذا أمر نبينا محمَّدًا (، كما أمر بذلك نوحًا (بقوله: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ... ((٤) .
قلت: إن المتتبع لقصص الرسل يعلم منها علم يقين أن الغيب لا يعلمه إِلاَّ الله، وأن الرسل والملائكة لا يعلمون إِلاَّ ما علّمهم الله.
стр. 5778
فهذا نبينا محمَّد (لمّا رميت عائشة أم المؤمنين ﵂ بما رميت به وهي أحبّ النّاس إليه لم يعلم أهي بريئة أم لا؟ فكان يقول لها: ((يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه)) إلخ في الحديث الطويل (١) . فالمتأمل لهذه القصة يعلم أن نبي الله (لا يعلم من الغيب إِلاَّ شيئًا علّمه ربّه عن طريق الوحي فهو يجلس شهرًا كاملاً كما في بعض روايات الحديث متجنّبًا لأحبّ النّاس إليه زوجه عائشة أمّ المؤمنين يجلس بعيدًا منها ويقول: ((كيف تيكم؟)) ولا يدري عنها هل هي بريئة أو لا؟ حتَّى أنزل الله عليه: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا
стр. 5779
يَقُولُونَ ((١) . فمن ادعى علم الغيب اليوم أو ادعى شيئًا ما من أنواعه كذّبناه بلا شك وحكمنا بأنه دجال مناقض للقرآن الكريم والسنة المطهرة، وانظر إلى قوله تعالى مخاطبًا له: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ((٢) . يقول القرطبي ﵀: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير: المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته، وقيل: لو كنت أعلم متى يكون النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب، وقال ابن عبّاس: لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفيني، إلى غير ذلك مما ذكره من الأقوال الَّتي تدور حول عدم علمه بالغيب (٣) .
ويقول (: في الحديث الصحيح: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة)) ... إلخ الحديث (٤) .
стр. 5780
ثُمَّ ننتقل إلى نبي الله نوح، وهو من أولي العزم من الرسل، يقول الله عنه أَنَّه يخاطب قومه فيقول: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ.. ((١) . وكذلك قوله (: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ... ((٢) ، فهو ما كان يدري أن ابنه الَّذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم حتَّى قال ما قال إلى أن أخبره الله بقوله له: (يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ((٣) .
ثُمَّ ننتقل إلى أَبي الأنبياء إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه خليل الرَّحمن فنجده لا يعلم عن الغيب شيئًا إِلاَّ ما علّمه الله، فحين أتته الملائكة في صور رجال من البشر بادر بذبح عجله وشيّه وتهيئة الطعام لهم على عادته في إكرام الضيف، فلو كان يعلم الغيب لعلم أن هؤلاء ملائكة ولم يذبح عجله ويتعب نفسه ويهيئ لهم الطعام ويقول: ألا تأكلون؟ ولم يقع في نفسه منهم خوف حتَّى قالوا له: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، ثُمَّ ذهبوا من عند إبراهيم وجاءوا إلى لوط في تلك الصورة فظنّهم رجالاً من بني البشر فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا وقال: هذا يوم عصيب؛ خوفًا عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة، حتَّى قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، ولم يعلم عنهم شيئًا حتَّى أخبروه أَنَّهم رسل الله فقالوا: (يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ... ((٤) .
стр. 5781
وهذا يعقوب (ابيضت عيناه من الحزن على ولده يوسف وهو في مصر ما بينه وبينه إِلاَّ مسيرة أيام تحت يده خزائن رزق مصر لا يدري عنه حتَّى أظهر الله خبره، وهذا سليمان (سخّر الله له الشياطين والريح ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتَّى جاءه الهدهد: (فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (الآيات (١) .
ثُمَّ ننتقل من الرسل إلى الملائكة فنجد أن القرآن الكريم أخبر حاكيًا عنهم أَنَّهم لا يعلمون من الغيب إِلاَّ ما علّمهم الله، فحين قال لهم الله جلّ وعلا: ( ... أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ((٢) .
ومن هذا العرض يتبيّن أن الغيب لا يعلمه إِلاَّ الله لأنّ أفضل الخلق على الإطلاق الرسل والملائكة وتبين مما تقدّم أَنَّهم لا يعلمون من الغيب إِلاَّ ما علّمهم الله تعالى، وهو تعالى يعَلّم رسله وملائكته من غيبه ما شاء كما قال تعالى:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ... ((٣) ، وقال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... ((٤)(٥) .
стр. 5782
المعنى أن الله وحده هو الَّذي يعلم الغيب وأَنَّه لا يظهر عليه أحدًا من خلقه أي لا يطلعه عليه ولا ينبئه به، ووقوع الفعل (يظهر) في حيز النفي يفيد العموم، أي لا يطلع عليه أي أحد كائنًا من كان، وكذلك وقوع المفعول به: (أحدًا) نكرة في سياق النفي يفيد العموم، ثُمَّ استثنى من هذا النفي من ارتضاهم ليطلعهم على بعض غيبه فقال: إِلاَّ من ارتضى من رسول، إذا أراد الله إطلاعه على غيب أراد إظهاره بالوحي، وكذلك ما أراد أن يؤيد به رسوله (من إخبار بما سيحدث أو اطلاع على ضمائر بعض النّاس، فقوله: ارتضى مستثنى من عموم أحدًا، والمعنى: إِلاَّ أحدًا ارتضاه الله أي اختاره للاطلاع على شيء من الغيب لحكمة أرادها الله تعالى أي يطلع الله بعض رسله لأجل ما أراده الله من الرسالة إلى النّاس، فيعلم من هذا أن الغيب الَّذي يُطلع الله عليه الرسل هو من نوع ماله تعلّق بالرسالة وهو غيب ما أراد الله إبلاغه إلى الخلق أن يعتقدوه أو يفعلوه وما له تعلّق بذلك من الوعد والوعيد من أمور الآخرة أو أمور الدنيا وما يؤيد به الرسل عن الإخبار بأمور مغيّبة كقوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ ((١)(٢) .
стр. 5783
وقال الشوكاني في تفسير سورة الجن هذه: ... أي لا يُطلع على الغيب الَّذي يعلمه وهو ما غاب عن العباد أحدًا منهم، ثُمَّ استثنى فقال: إِلاَّ من ارتضى من رسول، أي إِلاَّ من اصطفاه من الرسل أو من ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه ليكون ذلك دالاً على نبوته، ثُمَّ قال: قال القرطبي: قال العلماء: لما تمدح بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل أَنَّه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثُمَّ استثنى من ارتضى من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصا وينظر في الكفّ ويزجر بالطير ممن ارتضاه الله من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه فهو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه، وقال سعيد بن جبير: إِلاَّ من ارتضى من رسول هو جبريل، وفيه بعد، وقيل: المراد بقوله: إِلاَّ من ارتضى من رسول فإِنَّه يطلعه على بعض غيبه وهو ما يتعلّق بالرسالة المعجزة وأحكام التكاليف وجزاء الأعمال وما بيّنه من أحوال الآخرة لا ما لا يتعلّق برسالته من الغيوب كوقت قيام الساعة ونحوه، قال الواحدي: في هذا دليل على أن من ادعى أنّ النجوم تدلّه على ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن، قال في الكشاف: وفي هذا إبطال للكرامات لأنّ الَّذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال للكهانة والتنجيم لأنّ أصحابها أبد شيء عن الارتضاء وأدخله في السخط (١) .
стр. 5784
وقال عند تفسير آية آل عمران: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (حتَّى تُميّزوا بين الطيب والخبيث فإِنَّه المستأثر بعلم الغيب لا يظهر على غيبه أحدًا إِلاَّ من ارتضى من رسول من رسله يجْتَبيه فيطلعه على شيء من غيبه فيميز بينكم كما وقع من نبينا (من تعيين كثير من المنافقين فإِنَّ ذلك كان بتعليم الله له لا بكونه يعلم الغيب، وقيل: المعنى: وما كان الله ليطلعكم على الغيب فيمن يستحق الرسالة حتَّى يكون الوحي باختياركم، ولكن الله يجتبي أي يختار من رسله من يشاء (١) .
стр. 5785
فتحصّل من الآيات الَّتي تقدّمت صريحًا في نفي علم الغيب عن جميع المخلوقات إِلاَّ من استثنى الله من رسله أن مدّعي علم الغيب اليوم كاذب. وإِنّما بسطنا الكلام في هذه النقطة لشدّة الحاجة إلى ذلك في زمننا الَّذي نعيش فيه فأردت جمع بعض من الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء وبيان فهمهم لتفسير الآيات الَّتي نفت علم الغيب إِلاَّ عن الله أو من ارتضاه من رسله، أردت جمع ذلك ليطّلع عليه طلبة العلم لا سيما من يتعرّض للدعوة إلى الله، لأنّ الكثير من النّاس فشت فيهم الخرافة والغلو في الصالحين والأولياء والمشايخ، وفشا فيهم اتباع الدجالين ممن هم محسوبون على الإسلام والإسلام منهم بريء براءة الشمس من اللمس، مع العلم أن هناك من طلبة العلم بل من العلماء من يركن إلى هذا النوع من الضلال، ويرى أن علم الغيب المنفي إِنَّما هو الغيب كلّه لا بعضه، وبعضهم يقول: العلم المنفي هو ما ذكر في آية لقمان من المسائل الخمس حتَّى إن الرازي قال: إن قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ... ((١) ليست فيه صيغة عموم، وخفي عليه أو جهل أو تجاهل أن في الآية صيغتي عموم إحداها في قوله: (غَيْبِهِ (فإِنَّه مصدر أضيف إلى الضمير، وإضافة المصدر واسم الجنس إلى المعارف من صيغ العموم، والأخرى في قوله: (أَحَدًا (فإِنَّه نكرة في سياق النفي وتلك من صيغ العموم باتفاق، وهناك صيغة عموم ثالثة وهي وقوع الفعل س يُظْهِرُ ش في حيّز النفي، لأنّ الفعل الصناعي ينحل عن مصدر لا محالة وهذا المصدر هنا نكرة في سياق النفي أي لا يظهر إظهارًا كائنًا ما كان على غيبه أي أحد إِلاَّ من استثناهم من رسله. يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ ... ((٢) . يقول تعالى آمرًا رسوله محمَّدًا (أن يقول معلّمًا
стр. 5786
جميع الخلائق أَنَّه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله، وقوله تعالى: (إِلا اللَّهُ (استثناء منقطع، أي: لا يعلم أحد ذلك إِلاَّ الله (فإِنَّه المنفرد بذلك وحده لا شريك له، كما قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ (، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ... (إلى آخر السورة (١) . قال ابن كثير: قال ابن أَبي حاتم: حدّثنا عليّ بن الجعد، حدّثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أَبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: من زعم أَنَّه يعلم يعني النبي (ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، لأنّ الله تعالى يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ ... (. وقال قتادة: إِنَّما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا علم له به، وإن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا من هذه النجوم كهنة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إِلاَّ يولد به الأحمر والأسود والقصير والطويل والحسن والدميم وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير من الغيب وقضى الله تعالى أَنَّه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله وما يشعرون أيان يبعثون، ثُمَّ قال: رواه ابن أَبي حاتم عنه بحروفه، وهو كلام جليل متين صحيح (٢) .
المبحث السابع: من محتويات الدعوة في سورة هود (
عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا (الآية ...
نبي الله هود
نسبه:
هو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن غوص بن إرم بن سام بن نوح، ومن أهل الأنساب من يزعم أن هودًا هو: عابر بن شالح بن رفخد بن سام بن نوح.
وكان قومه أهل أوثان ثلاثة يعبدونها، يقال لأحدها: صداء، وللثاني: صمود، وللثالث: الهباء، فدعاهم هود إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره وترك ظلم النّاس فكذّبوه وقالوا: من أشدّ منّا قوّة؟ فلم يؤمن به منهم إِلاَّ القليل، فاستمر في دعوتهم يعظهم وهم متمادون في طغيانهم إلى أن قالوا: ( ... سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ((١)(٢) .
وقال ابن كثير: هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وذكر النسب الَّذي ذكره الطبري، فانظره (٣) .
стр. 5789
إنّ منهج نبي الله هود لا يختلف عن منهج أخيه نوح عليهما وعلى نبينا الصلاة والتسليم، لأنّ جميع الرسل متّفقون في المبدأ على الدعوة إلى توحيد الله تعالى، فذلك هو المنهج الأساسي للرسل في دعوتهم الأمم، وقد أخذ نبي الله هو بحظه من ذلك المنهج فدعا قومه إلى توحيد الله وحده ونبذ عبادة الأصنام، وكان (ينذرهم بأس الله ويضرب لهم المثل بقوم نوح، ويذكرهم بنعم الله تعالى عليهم حيث زادهم في الخلق بسطة وجعلهم خلفاء في الأرض من بعد قوم نوح، وبوأهم أرضًا مثمرة تدر عليهم الخير الكثير تنبت لهم الزرع الَّذي يعيشون به والكلأ الَّذي تعيش به دوابهم، وكان يخبرهم أن الواجب عليهم أن يستعملوا هذه القوّة الَّتي أعطاهم الله ولم يعطها لأحد سواهم في طاعة الله، وأن يستعملوا عقولهم ويفكّروا بها ليتبيّنوا بها أنّ ما يعبدونه من دون الله لا يضرّهم ولا ينفعهم، وأن الَّذي ينفع ويضر هو الله وحده الَّذي خلقهم وأعطاهم القوّة الَّتي يفتخرون بها، وهو الَّذي بيده إحياؤهم وإماتتهم، وأنهم إذا تابوا إليه مما سلف من الكفر تاب الله عليهم وأغدق عليهم نعمه بإنزال المطر وإمدادهم بقوة إلى قوّتهم وبزيادتهم عزًا إلى عزّهم، كما كان يخبرهم أَنَّه لا يطلب منهم أجرًا مقابل التبليغ، وإِنّما يطلب أجر ذلك من ربّه ، فهو لا يطلب منهم مالاً ولا زعامة يتزعمها، ولكنهم سفهوه وكذّبوه وتجاهلوا الحجج الَّتي جاء بها من ربّه والبراهين القاطعة الَّتي أقامها على صدقه فقالوا: (قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيءَالِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ((١)(٢) ، وقد بيّن الله هذا المنهج متكاملاً في سورة الأعراف فقال: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا
стр. 5790
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواءَالاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ((١) .
هذا نموذج من منهج نبي الله هود في دعوته، فيجب على كلّ داع أن يقتدي بهود (في منهجه في دعوته وسلوكه مع قومه في الصبر على دعوتهم ونصحه لهم والتوكل على الله وتبليغه لهم رسالة ربه، كما يجب على المدعوين أن يعتبروا بحال قوم هود لما أعرضوا عن دعوته وكذّبوه ولم يستجيبوا لما سمعوه من الحق والنصيحة، وأنّ الله أهلكهم بسبب ذلك بالعذاب الشديد في الدنيا؛ ولعذاب الآخرة أشدّ وأشق.
فنتيجة العقل الاعتبار بالغير، والنظر في عواقب الأمور، وإلاّ لم تكن للإنسان الَّذي خصّه الله بالعقل مزية على غيره من الحيوانات.
ومن هذا العرض السريع يتبيّن لنا أن نبي الله هودًا رسم للدعاة منهجًا يجب عليهم أن يسلكوه، بأن يأمروا المدعوين أوّلاً بعبادة الله وحده وعدم إشراك أيّ مخلوق كائنًا من كان معه في العبادة، وأن يبتعدوا من ظلم النّاس، وأن يحذّروهم بأس الله، وأن يضربوا لهم الأمثال بمن مضى، ويذكّروهم بنعم الله، وأن يبيّنوا لهم أَنَّه لا ضارّ ولا نافع إِلاَّ الله وحده، وأن لا يطلبوا أجرًا على القيام بالدعوة إِلاَّ عند الضرورة كما تقدّم. ولنرجع إلى الآية الَّتي نحن بصددها، ونذكر بعض أقوال المفسرين فيها.
стр. 5791
يقول ابن كثير ﵀: يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيًا لهم عن الأوثان الَّتي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أَنَّه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله، إِنَّما يبغي ثوابه من الله الَّذي فطره، أفلا تعقلون من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة، ثُمَّ أمرهم بالاستغفار الَّذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسّر الله عليه رزقه وسهّل عليه أمره، وحفظ شأنه، ولهذا قال: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (، وفي الحديث: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجًا، ومن كلّ ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب)) (١) . قلت: الحديث الَّذي ذكره ابن كثير غير معزو، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٣/٤٩٠ بسنده عن ابن عبّاس ﵄ بلفظه (٢) ، ويقول أبو السعود: قال يا قوم اعبدوا الله أي وحدّوه كما ينبئ عنه قوله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (فإِنَّه استئناف يجري مجرى البيان للعبادة المأمور بها، والتعليل للأمر بالعبادة كأنه قيل: خصُّوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئًا إذ ليس لكم من إله سواه إن أنتم أي ما أنتم باتخاذكم الأصنام شركاء له أو بقولكم إن الله أمرنا بعبادتها إِلاَّ مفترون عليه، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا (٣) .
стр. 5792
فتبيّن مما تقدّم من قصة نوح وهود أن الهدف الأساسي للدعوة الَّذي بعث الله من أجله الرسل وأنزل الكتب هو توحيد الله جلّ وعلا بالعبادة، فهذا تتّفق فيه دعوات الرسل جميعًا، أمّا شرائعهم فإِنَّهَا تختلف؛ كما قال
تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ... ((١) . أمّا في أصول الدين فإِنَّهَا تتفق تمامًا، قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... ((٢) . وفي الحديث المتّفق عليه: أنّ الأنبياء إخوة لعَلاّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وفي رواية البخاريّ: أولاد عَلات (٣) .
ومعنى الحديث: أن الرسل متّفقون في أصول الدين، وعبّر عن ذلك بأنهم أولاد عَلات، وأولاد العَلات الإخوة من الأب، وأصله أنّ من تزوج امرأة ثُمَّ تزوج أخرى كأنه عَلَّ منها، والعلَلُ: الشرب بعد الشرب، فأولاد العَلات الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى، وفي بعض الروايات: أمهاتهم شتى ودينهم واحد، فكنى عن توحيد دينهم باشتراكهم في الأبوة، فأصل الدين الَّذي هو التوحيد واحد وإن اختلفت فروع الشرائع (٤) .
стр. 5793
أمّا منهج النبي صالح فإِنَّه لا يختلف عن منهج أخويْهِ نوح وهود؛ فقد دعا قومه لتنفيذ مضمون ما بعث من أجله وهو إفراد الله وحده بالعبادة دون سواه، ثُمَّ شرع يذكرهم بنعم الله جلّ وعلا عليهم بأنه أنشأ أباهم من آدم من التراب، واستعمرهم في الأرض أي جعلهم عمارها بعد من كانوا فيها وأبيدوا، وأطال أعمارهم فيها حيث كانت أعمارهم تتراوح ما بين ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة، لذلك عدلوا عن بناء الطين ونحتوا البيوت في الجبال، ثُمَّ أمرهم بالاستغفار أي طلب غفران الذنوب من الله جلّ وعلا والتوبة إلى الله لأَنَّه تواب رحيم قريب مجيب.
نبي الله صالح
من هو صالح؟
стр. 5794
هو صالح بن عبد الله بن ملسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح (١) ، أرسله الله إلى قومه: ثمود، وهم قبيلة مشهورة، سُمُّوا باسم جدهم ثمود أخي جديس من ذرية سام بن نوح، ومساكنهم بمدائن الحجر بين تبوك والمدينة (٢) ، وكان هؤلاء بعد عاد قوم هود كما بيّن ذلك القرآن حيث يقول حاكيًا عن صالح يخاطب قومه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ ... ((٣) ، وكان منهجه (في دعوته أَنَّه لما بعثه الله رسولاً إلى قومه دعاهم إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة وطرح عبادة الأوثان، لكن الكثير منهم رفض هذه الدعوة فآذوا نبي الله صالحًا وهمّوا بقتله وعقروا الناقة الَّتي جعلها الله آية على صدقه، وقد كان حذّرهم من قتلها فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ((٤) . وخلاصة القول أنّ نبي الله صالحًا ﵇ دعا قومه إلى عبادة الله وتوحيده، ونصح لهم وذكّرهم بآيات الله، وأقام لهم الأدلة القاطعة على صدقه في دعوته، وهذا ما ينبغي لكلّ داع إلى الله تعالى أن يسلكه في دعوته حيث يركّز على عدم الشرك بالله لأنّ الشرك أخفى من دبيب النمل، ويقع فيه الكثير من النّاس دون أن يشعر، ويذكّر المدعوين بآيات الله أي بوقائعه الَّتي أهلكت الأمم السابقة المكذّبة للدعاة وأن يقيم الأدلة القاطعة من كتاب الله وسنّة نبيّه (على ما يدعو النّاس إليه، ولا يضرّه عدم استجابة المدعوين إذ في الرسل أسوة حسنة، فالعاقل
стр. 5795
من يعتبر بغيره.
يقول رشيد رضا في المنار: وقد علمنا من سنّة القرآن وأساليبه في قصص الأنبياء مع أقوامهم أنّ المراد بها العبرة والموعظة ببيان سنّة الله تعالى في البشر وهداية الرسل عليهم الصلاة والسلام لا حوادث الأمم وضوابط التاريخ مرتبة بحسب الزمان أو أنواع الأعمال، وقد حكى هنا عن صالح (أَنَّه ذكر الآية الَّتي أيّده الله بها عقب تبليغ الدعوة، وفي قصّته من سورة هود أَنَّه ذكر لهم الآية بعد ردّهم لدعوته وتصريحهم بالشك في صدقه، وزاد في سورة الشعراء طلبهم الآية منه، وكلّ ذلك صحيح ومراد، وهو المسنون المعتاد.اهـ (١) . لكن نبي الله صالحًا كان ينادي أقوامًا عميًا عن رؤية الحق صمًا عن سماعه غلبت عليهم الشقوة فأنكروا عليه نهيه لهم عن عبادة ما كان آباؤهم يعبدونه من الأصنام، وأخبروه أَنَّهم في شك موقع لهم في الريبة من دعوته الَّتي قدّمها
إليهم، وقالوا: (قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ((٢) ، أي كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك فلمّا نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا منك وعلمنا أن لا خير فيك، وقيل: المعنى: كنا نرجوك أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه (٣) . ولما قالوا مقالتهم هذه كان جوابه في غاية الروعة ولين الجانب، فقال: (قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَءَاتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ
стр. 5796
تَخْسِيرٍ ((١) . أي يا قوم أرأيتم إن اتبعتكم وعصيت ربي في أوامره فمن يمنعني عذابه؟ فما تزيدونني غير تخسير أي تضليل وإبعاد من الخير، وقد ذكر الله كيفية هلاك قوم صالح في سور من القرآن كثيرة كسورة هود والأعراف والحاقة والذاريات وغير ذلك، ولشهرتها لم نتتبع الكلام عليها، فالناظر في منهج صالح وأساليبه في الدعوة يستفيد من ذلك كيف يدعو بحكمة وموعظة حسنة ومجادلة بالحسنى، فالله جلّ وعلا ما ذكر لنا قصص الأنبياء وأحوال الأمم وكيف أهلكوا، وكيف صبر الدعاة على ما يلاقونه من الأذى في سبيل الدعوة إِلاَّ لنقتفي أثر الدعاة ونتعظ بحال من دعوهم، س لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ ش (٢) .
نبي الله شعيب
من هو شعيب؟
قال ابن كثير: قال محمَّد بن إسحاق: هم من سلالة مدين بن إبراهيم، وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر، قال: واسمه بالشَريانية: يثَرون، ثُمَّ قال: قلت: مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة ... وهم أصحاب الأيكة، قال: يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أي قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثُمَّ وعظهم في معاملتهم النّاس بأن يوفوا المكيال والميزان ولا يبْخسوا النّاس أشياءهم في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسًا كما في قوله: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ.. (إلى قوله:
стр. 5797
(لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ((١) . وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وهذا ما تصوّره آيتا هود: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ((٢) . فنبيُّ الله شعيب نهج منهج إخوانه السابقين في البدء بالدعوة إلى التوحيد لأنّ ذلك هو الأمر المهم الأساسيّ للدعوة، وشعيب قرن ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والترهيب من عاقبة ما هم مشتهرون به من تطفيف الكيل والوزن: س وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ش (٣) ؛ فإني أخاف أن تُسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله يعني: إني أراكم بخير في معاشكم ورزقكم فأخاف أن تُسلبوا ذلك، ومع ذلك أخاف عليكم عذاب الآخرة الَّذي هو العذاب المحيط بكم من جميع النواحي، ثُمَّ بدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر س وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ... ش (٤) . فنهاهم عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا النّاس، ثُمَّ أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين، ونهاهم عن العثو في الأرض بالفساد (٥) .
стр. 5798
وفي سورة الأعراف أشار القرآن إلى نموذج من منهجه في الدعوة فقال عنه: (وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ((١) ، فجمع في هذه الآية بين ثلاثة أمور: النهي عن ظلم النّاس وترصدهم على الطرق لأخذ أموالهم وتوعدهم بالقتل وغيره من أنواع الأذى، الأمر الثَّاني: تذكيرهم بنعمة الله عليهم حيث كانوا قلّة ضعفاء فكثروا وقووا، الأمر الثَّالث: أمره لهم بالنظر في عاقبة من سبقهم من الأمم المكذبة للرسل ليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصابهم إذ لا مزية لهم على غيرهم وعلّة الهلاك موجودة فكأنه يقول لهم: تأمّلوا في حال من سبقكم من الأمم، واعتبروا بها فما هي منكم ببعيد.
стр. 5799
وتمثّل لنا ثلاث آيات متوالية من سورة هود ثلاثة نماذج من منهج نبي الله شعيب ينبغي لكل داع إلى الله أن يتّصف بها ويجعلها منهجًا يسلكه: النموذج الأَوَّل: إخباره لهم بأنه لا ينهاهم عن منكر ثُمَّ يخالف ويأتي ذلك المنكر حيث إِنَّه لا يريد إِلاَّ الإصلاح، وفعل المنكر ليس فيه إِلاَّ الفساد، الثَّاني: تحذيره لهم مما حلّ بقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط من العذاب، فقد استعمل أسلوب الترهيب لأنّ الرسل إِنَّما بعثوا مبشّرين ومنذرين، الثَّالث: أمره لهم بالاستغفار والتوبة إلى الله وإخباره لهم بأنّ الله رحيم ودود، أي عظيم الرحمة للتائبين، ودود أي محبّ لهم، فهو بمعنى فاعل، أي يود عباده ويرحمهم، وقيل بمعنى مفعول، بمعنى أنّ عباده يحبونه (١) ، وإليك نصّ الآيات، (قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ((٢) .
стр. 5800
النموذج الأَوَّل من مناهج نبي الله شعيب هو التزام الداعية بما يدعو إليه وابتعاده عما ينهى عنه فلا يُرى حيث نهاه الله ولا يفقد حيث أمره؛ فإذا كان كذلك كان قدوة حسنة وإلا كان متّخذًا دعوته هزؤًا بالدين وسخرية ودخل في الوعيد الشديد كما في الحديث الصحيح الَّذي أخبر به رسول الله (عن أسامة ابن زيد أنّ رسول الله (قال: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه (١) فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه)) (٢) .
стр. 5801
قال الحافظ ابن حجر بعد نقله كلامًا للطبري في شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ... وقال غيره: يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه ضررًا منه ولو كان الآمر متلبّسًا بالمعصية لأَنَّه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولاسيما إن كان مطاوعًا، وأمّا إثمه الخاص به فقد يغفره الله له وقد يؤاخذ به، وأمّا من قال: لا يأمر بالمعروف إِلاَّ من ليست فيه وصمة فإن أراد أَنَّه الأولى فجيّد وإلا فيستلزم سدّ باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره (١) ، وقال أَيضًا: قال الطبري: فإن قيل: كيف صار المأمورون في حديث أسامة المذكور في النار؟ والجواب: أَنَّهم لم يمتثلوا ما أمروا به فعذّبوا بمعصيتهم وعذّب أميرهم بكونه كان يفعل ما ينهاهم عنه (٢) . فظهر مما نقل عن ابن حجر أن آتي المنكر لا يمنعه ذلك من النهي عنه وأنّ الأمر بالمعروف لا يمنع منه كون الآمر تاركًا له لأنّ له من فعل الخير وعليه ما عليه من فعل الشر كمن سرق في صلاته يكون له ثواب القربة إلى الله وعليه وزر السرقة، ولهذا نظائر كثيرة كمن لبس من الرجال حريرًا أو ذهبًا وصلّى فيه أو توضأ بماء مغصوب وصلّى، وهذه مسألة فيها بحوث ومناقشات للعلماء حول انفكاك الجهة وعدمه مع اتفاقهم على أن الجهة إذا انفكت صحّت العبادة وأثيب المكلّف عليها لكنهم اختلفوا في تحقيق مناط انفكاك الجهة، وليس هذا موضع بسط لذلك وإِنّما هو في الفقه وأصوله. قلت: لا شكّ أَنَّه من واجب الداعي أن يكون قدوة حسنة وأن يكون ملتزمًا شرع الله مستقيمًا في دينه وسلوكه وخلقه ومعاملته لأنّ ذلك أدْعَى إلى قبول دعوته، فإن لم يوجد ذلك وكان عالمًا بما يدعو إليه وبما ينهى عنه، وكان في حال يحتاج أهلها إلى الدعوة لا نقول إِنَّه يترك الدعوة من أجل معصية ارتكبها، ولعلّه باستمراره في الدعوة إلى ما لا يأتيه يلهمه
стр. 5802
الله رشده فيستقيم على الحق فيعمل وفق ما يدعو، والله أعلم.
أمّا الأمر الثَّاني الَّذي هو أسلوب الترهيب في قوله: (وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ((١) ، فقد استعمل فيه شعيب أسلوب الترهيب فحذّرهم بأس الله قائلاً لهم: لا يجرمنكم شقاقي أي لا يحملنكم شقاقي أي خلافي، قاله الحسن وقتادة، وقيل: لا يكسبنكم، قاله الزجاج (٢) أن يصيبكم مثلُ ما أصاب قوم نوح من الغرق أو قوم هود من الريح، أو قوم صالح من الرجفة والصيحة. وما قوم لوط منكم ببعيد مكانًا أو زمانًا، فعلى الأَوَّل يكون المعنى: أن مكان قوم لوط قريب من مكان قوم شعيب في المسافة لأنّ مدين وقرى قوم لوط متقاربتان جدًّا لأنّ مدين قريبة من معان الَّتي في أطراف الأردن، وقرى قوم لوط حول ما يسمى بالبحر الميت الآن في الأردن، وعلى الثَّاني وهو قول قتادة أن زمان قوم لوط كان قريبًا من زمان قوم شعيب، وفي كل داع إلى الاعتبار بحالهم.
أمّا النموذج الثَّالث هو أن نبي الله شعيبًا استعمل فيه أسلوب الترغيب، حيث قال: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ((٣) . قدّم لهم أوّلاً النصيحة الكاملة حيث أمرهم بالاستغفار والتوبة إلى الله مما سلف منهم من الكفر والمعاصي ورغّبهم في ذلك قائلاً: إنّ ربّي رحيم بعباده التوابين، ودود محبّ لهم، فمن تاب إلى الله توبة نصوحًا رحمه بأن يقبل توبته ويحبه هكذا ظهر من حال شعيب أَنَّه مخلص في دعوته ناصح لأمّته، باذل كلّ ما في وسعه لإنقاذهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، لكن الهداية بيد الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء.
стр. 5803
قال الآلوسي في روح المعاني: وفي أنوار التنزيل أن لأجوبته (الثلاثة يعني: (يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ ( ... إلخ، (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ ( ... إلخ، و (إِنْ أُرِيدُ ( ... إلخ على هذا النسق شأنًا وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كلّ ما يأتيه ويذره ثلاثة حقوق أهمها وأعلاها حقّ الله تعالى فإِنَّ الجواب الأَوَّل متضمن بيان حق الله تعالى من شكر نعمته والاجتهاد في خدمته، وثانيها حقّ النفس فإِنَّ الجواب الثَّاني متضمن بيان حقّ نفسه من كفّها عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره، وثالثها حق النّاس فإِنَّ الجواب الثَّالث متضمن للإشارة إلى أنّ حقّ الغير عليه إصلاحه وإرشاده ... وقال غير واحد إِنَّه قد اشتمل كلامه (على مراعاة لطف المراجعة ورفق الاستنزال والمحافظة على حسن المجاراة والمحاورة وتمهيد معاقد الحق بطلب التوفيق من جانبه تعالى والاستعانة به عزّ شأنه في أموره وحَسْمِ أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم ... (١) .
стр. 5804
قلت: كلّ هذه الأمور الَّتي ذكرها الآلوسي يحتاج إليها الداعي دون استثناء، فكلّ ما حوته هذه الآيات من سورة هود من المعاني الَّتي تتعلّق بالداعي والمدعوين لا غنى للدعاة عنها اليوم، فلا ينبغي لداع أن يخالف ما يدعو إليه من البرّ ولا ينبغي له أن يريد إِلاَّ إصلاح نفسه وإصلاح من يدعوهم حسب استطاعته وليكن في ذهنه أنّ التوفيق بيد الله وأَنَّه هو لا يملك إِلاَّ مجرد الإرشاد والتوجيه وبيان طريق الخير وطريق الشر، أمّا الهداية الخاصة فلا يملكها إِلاَّ الله (، كما يجب عليه التوكل على الله وحده، والإنابة إليه بالتوبة النصوح، ويحذرهم من أن يحملهم خلافه إلى أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم المكذبة للدعاة، ثُمَّ يأمرهم بالاستغفار من الذنوب، والتوبة إلى الله جلّ وعلا، ويرغبهم في ذلك بأن يخبرهم بأن الله رحيم بعباده يقبل توبة من تاب إليه، ودود كثير الود والمحبة فيحب من يتوب ويرجع إليه.
المبحث الثامن: ما احتوت عليه الآيات الآتية من سورة هود
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ، وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ((١) .
стр. 5805
لا شكّ أن هذا تعليم من الله جلّ وعلا لنبيه سيّد الدعاة أمره في هذه الآيات بالاستقامة هو ومن تاب معه من المؤمنين، ونهاهم عن الطغيان، وأخبرهم أَنَّه جلّ وعلا عليم بما يعملونه محذّرًا لهم من أن يعملوا عملاً يخالف شرعه تعالى، ثُمَّ نهاهم عن الركون إلى الظلمة وأخبرهم أن ذلك سبب في مساس النار لهم، ثُمَّ أمره تعالى بإقامة الصلاة طرفي النهار، يعني الصبح في أوّله والظهر والعصر في آخره، وزلفًا من الليل أي من ساعات من الليل أي المغرب والعشاء، وعليه تكون الآية اشتملت على التوقيت للصلوات الخمس، ثُمَّ أخبر أن الحسنات أي فعل الطاعات يكون سببًا في تكفير السيئات، ثُمَّ أمره بالصبر على تحمّل المشاق في سبيل دعوته وأخبره أَنَّه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فالله جلّ وعلا في هذه الآيات تارة يخاطب النَّبي (بصيغة الإفراد، وتارة يخاطبه مع الأمّة مع أن الخطاب له (خطاب لأمّته بلا شكّ ولا عبرة بخلاف الشافعية في ذلك وقولهم إن خطابه (لا يتناول الأمّة لاختصاص الصيغة به، أمّا الأئمة الثلاثة الآخرون فإِنَّ خطابه عليه الصلاة خطاب لأمّته عندهم مع خلاف عند المالكية في المسألة لكنه قول مرجوح، أمّا الحنابلة والحنفية فهو خطاب لهم بلا خلاف عندهم، قالوا: لأنّ أمر القدوة أمر لأتباعه عرفًا. قال صاحب مراقي السعود في أصول فقه مالك:
وما به قد خوطب النبيُّ
(
تعميمه في المذهب السنّي
فقوله: تعميمه في المذهب السني يشير إلى الخلاف الَّذي ذكرنا وأن السني هو التعميم. وتحرير المسألة في كتب أصول الفقه.
стр. 5806
والحاصل أنّ الناظر في هذه الآيات يتمثل الدعوة أمامه واضحة، فلو لم يوجد لمناهج الدعوة وأساليبها إِلاَّ هذه الآيات لكانت وافية بالمقصود، فكل داع دعا إلى الاستقامة وعدم الطغيان وحذّر المدعوين عذاب الله بأن الله مراقب أعمالهم بصير بها، ثُمَّ حذّرهم من الركون إلى الظلمة والرضا بفعلهم، وأخبرهم أن فاعل ذلك مستحق لدخول النار وأَنَّه لا ولي له من دون الله وأن الله لا ينصره، ثُمَّ أمر بإقامة الصلاة كما أمر (بأن تصلى كما كان يصليها ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) (١) ، وصبر على ما يلاقيه من الأذى في سبيل دعوته إذا التزم بهذه المناهج والأساليب كفته لدعوته طيلة حياته، وإليك بعض الكلام حول الآيات:
بدأت الآيات بالأمر بالاستقامة مخاطبًا فيها ربّ العزة والجلال أفضل خلق الله وأعظمه استقامة وأتقاه لله، فلمّا أمره بالاستقامة مع علمه تعالى أَنَّه (لن ينحرف عن الطريق المستقيم علمنا أن للاستقامة شأنًا عظيمًا فينبغي للدعاة التركيز على هذه النقطة في حالة دعوتهم للمسلمين المتّقين ليعلم كلّ النّاس أَنَّه لا غنى لأحد عن الدعوة، فالعاصي يؤمر بترك المعصية، والجاهل يؤمر بالتعلم، والعاق يؤمر بالتوبة والبرور، والقاطع للرحم يؤمر بوصلها، وهكذا، والمؤمن المتقي يؤمر بالاستقامة على ما هو عليه.
ومن هنا يتبيّن لنا أن الدعوة عامة لجميع النّاس، وأن العصاة لم يكونوا أحوج إليها من الأبرار، ومما يدلك على ذلك أنك لو تتبعت آيات الاستقامة في القرآن وجدت غالبها موجّهًا للرسل عليهم صلوات الله وسلامه.
قال تعالى في آية هود: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ... ((٢) ، وقال تعالى:
стр. 5807
(فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ... ((١) ، وقال تعالى مخاطبًا موسى وهارون: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ((٢) ، وقال تعالى في شأن عباده المؤمنين: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ((٣) ، وقال تعالى في شأنهم أَيضًا: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ((٤) ، وقال تعالى مخبرًا عن الإنس والجن: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ((٥) . فاتضح من استقراء القرآن أن الاستقامة على الحق مطلوبة من الأنبياء أكمل النّاس استقامة، ومطلوبة من عباد الله المؤمنين، ومطلوبة من الإنس والجن على العموم.
стр. 5808
فيا دعاة العصر لا تنسوا عباد الله المؤمنين من دعوتكم، واعلموا أَنَّهم محتاجون إليها، فالله جلّ وعلا يخاطب أصحاب محمَّد (الَّذين هم أكمل النّاس إيمانًا فيقول: (ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ((١) ، ويقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ((٢) . وهذا الأمر للمؤمنين بالإيمان هو الاستقامة بعينها، لأنّ الله حكم عليهم بالإيمان ثُمَّ أمرهم به، فمعنى ذلك: دوموا على ما أنتم عليه من الإيمان واستقيموا. قال الآلوسي عند تفسيره لآية هود هذه (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ... (: والظاهر أن هذا أمر بالدوام على الاستقامة، وهي لزوم المنهج المستقيم، وهو المتوسط بين الإفراط والتفريط، وهي كلمة جامعة لكلّ ما يتعلّق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق، فتشمل العقائد والأعمال المشتركة بينه (وبين سائر المؤمنين، والأمور الخاصة به (من تبليغ الأحكام والقيام بوظائف النبوة وتحمّل أعباء الرسالة وغير ذلك، ثُمَّ تكلّم عن شأن سورة هود ولِم ورد في الحديث أَنَّهَا شيّبته دون ذكر السور الَّتي ذكرت في أحاديث أخر معها، فقال: وذلك أن مبنى هذه السورة على إرشاده تعالى شأنه نبيّه (إلى كيفية الدعوة من مفتتحها إلى مختتمها، ولما يعتري مَن تصدّى لهذه المرتبة السَّنية من الشدائد واحتماله لما يترتب عليه من الفوائد ... ) (٣) .
وسأذكر إن شاء الله طرفًا من هذا في خاتمة هذا البحث.
стр. 5809
وفي تفسير القرطبي قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ... (، الخطاب للنبي (ولغيره، وقيل: له، والمراد أمّته، قاله السُّدي، وقيل: استقم: اطلب الإقامة على الدين من الله واسْأله ذلك فتكون السين سين السؤال كما تقول: أستغفر الله: أطلب الغفران منه، والاستقامة: الاسْتمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال، فاستقم على امتثال أمر الله ... ، ومن تاب معك: أي استقم أنت وهم، يريد أصحابه الَّذي تابوا من الشرك ومن بعده ممّن اتبعه من أمته، قال ابن عبّاس: ما نزل على رسول الله (آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب، قال: ((شيّبتني هود وأخواتها)) (١) .
وقد روي عن أَبي عبد الرَّحمن السلمي قال: سمعت أبا عليّ السَّري يقول: رأيت النَّبي (في المنام فقلت: يا رسول الله روي عنك أنك قلت: شيّبتني هود وأخواتها؟ فقال: نعم، فقلت له: ما الَّذي شيّبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال: لا، ولكن قوله: فاستقم كما أمرت.
ولا تطغوا، نهي عن الطغيان، والطغيان: مجاوزة الحدّ، ومنه قوله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ ... ((٢) . وقيل: أي لا تتجبروا على أحد. اهـ (٣) .
وقال ابن عطيّة: أمر النَّبي (بالاستقامة وهو عليها إِنَّما هو أمر بالدوام والثبات، وهذا كما تأمر إنسانًا بالمشي والأكل ونحوه وهو متلبّس به، والخطاب في هذه الآية للنبي ﵊ وأصحابه الَّذين تابوا من الكفر، ولسائر أمّته بالمعنى (٤) .
فظهر من جميع الأقوال المتقدّمة أن الاستقامة مأمور بها (، وأصحابه مأمورون، وأمّته كذلك مأمورة بها حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 5810
قلت: ثبت في صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك، وفي رواية: غيرك، قال: ((قل آمنت بالله فاستقم)) (١) ، وفي مسند الإمام أحمد عنه أَيضًا: ((قل آمنت بالله ثُمَّ استقم)) (٢) ، وأخرج السيوطي في الدر المنثور عن ابن أَبي حاتم وأَبي الشَّيخ عن الحسن (قال: لمّا نزلت هذه الآية: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ (، قال: شمّروا شمّروا، فما رؤي ضاحكًا. وأَخْرَجَ عنه أَيضًا قال: خصلتان إذا صلحتا للعبد صلح ما سواهم من أمره: الطغيان في النعمة، والركون إلى الظلم، ثُمَّ تلا هذه الآية: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ... ((٣) .
ولنلق ضوءًا على آية الشورى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ ... (. يقول أبو السعود: فلذلك أي فلأجل ما ذكر من التفرق والشك المريب، أو فلأجل أَنَّه شرع لهم الدين القويم القديم الحقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون، فادع أي النّاس كافة إلى إقامة ذلك الدين والعمل بموجبه، فإِنَّ كلاً من كفرهم وكونهم في شكّ مريب ومن شرْع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله (سببٌ للدعوة إليه والأمر بها ... أي فإلى ذلك الدين فادع واستقم عليه وعلى الدعوة إليه كما أمرت وأوحي إليك (٤) .
стр. 5811
وقال القرطبي: قوله تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ ... (أي فتبينت شكهم فادع إلى الله أي إلى ذلك الدين الَّذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به، فاللام بمعنى إلى، كقوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ((١) أي إليها، وذلك بمعنى: هذا، والمعنى: فلهذا القرآن فادع، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع ... ، وقال ابن عبّاس: أي إلى القرآن فادع الخلق واستقم على أمر الله، قاله قتادة، وقيل: استقم على القرآن، قاله سفيان، وقيل: استقم على تبليغ الرسالة، قاله الضحاك (٢) .
وعلى كلّ حال فالواجب على الداعي أن يدعو إلى الاستقامة على الدين، وإلى الاستقامة على القرآن، وإلى الاستقامة على شرع الله، وإلى الاستقامة على تبليغ الرسالة وإن كانت هذه الأمور متقاربة في المعنى لكنها تحتاج إلى توضيح وبيان وخصوص كلّ واحد منها بعينه لشدّة الحاجة إلى ذلك في زمننا هذا الَّذي تتنازعه الأفكار الهدامة للدين ما بين ملحد وشيوعي ويهودي ونصراني ومجوسي، ولا سلاح يقف أمام هذه التيارات المعادية للإسلام والمسلمين إِلاَّ دعوة المسلمين للتسلح بكتاب الله وسنّة رسوله (والتمسك بمبادئ الدين، والثبات عليه والاستقامة، والعض عليه بالنواجذ، وتحكيم شرع الله في أرضه وبين عباده، وعليه ينبغي أن يكون تركيز الدعوة اليوم على هذه الناحية لما لها من الأهمية البالغة. أمّا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
стр. 5812
اسْتَقَامُوا ... ((١) في فصّلت والأحقاف ففيه وعد عظيم من الله جلّ وعلا بدخول الجنة وبتنزل الملائكة عليهم وبشارتها لهم بالأمن وعدم الحزن، وهذا هو غاية كلّ مؤمن، إذ كلّ مؤمن يسعى إلى أن يكون مصيره الجنّة والأمن من أهوال يوم القيامة، فيجب على الدعاة أن يجمعوا بين الترغيب والترهيب، وفي الآيتين المذكورتين من الترغيب ما لا يعلمه إِلاَّ الله (، فالرسل بعثوا مبشّرين ومنذرين، كذلك ينبغي أن يكون الدعاة يحذون حذوهم في كلّ خطوة من خطوات الدعوة. يقول الإمام الشوكاني: إنّ الَّذين قالوا ربّنا الله، أي: وحده لا شريك له، ثُمَّ استقاموا على التوحيد ولم يلتفتوا إلى إله غير الله، قال جماعة من الصَّحابة والتابعين: معنى الاستقامة: إخلاص العمل لله، وقال قتادة وابن زيد: استقاموا على طاعة الله، وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إِلاَّ الله حتَّى ماتوا، وقال الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله ... تتنزل عليهم الملائكة من عند الله بالبشرى الَّتي يريدونها من جلب نفع أو دفع ضرّ أو رفع حزن. قال وكيع: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث ... (٢) .
وفي بقيّة الآيات الَّتي ذكرنا مما تجب الدعوة إليه: إقامة الصلوات الخمس المفروضة لأنّ أقامتها هي أساس الدين، وتاركها منسلخ من الإيمان بإجماع إذا كان ذلك جحودًا، وعند الإمام أحمد ولو كان تكاسلاً مع اعترافه بوجوبها، فمن ضيّع الصلاة فهو لما سواها أضيع، لأَنَّها عمود الدين.
стр. 5813
وفيها الحثّ على الصبر بأنواعه: كالصبر على الطاعات، ومن أعظمه الصبر على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله، لأنّ الله يقول: ( ... فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ((١) ، والصبر عن المعاصي، والصبر على المصائب.
وختام الآيات قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (، فيه الترغيب في فعل الخير، فالوعد من الله لا يخلف، فهو لن يضيع لعبد من عباده أجر أي عمل ولا ينقصه من ثوابه فلن يهلك على الله إِلاَّ هالك، والكلام حول هذه الآيات كثير، وفيما ذكرنا كفاية للمنصف.
* * *
خاتمة:
نسأل الله حسنها
стр. 5814
اشتمل هذا البحث المتواضع على دعوة بعض الرسل كنوح وهود وصالح وشعيب إضافة إلى دعوة نبينا محمَّد (وذلك لأنّ هذه السورة الكريمة اشتملت على مناهج وأساليب للدعوة إلى الله جلّ وعلا، فقد بدأت بتقرير أصول الدين وإقامة الأدلة والبراهين على ذلك، فأثبتت وجود الله ووحدانيته، وردت الشبه الَّتي كان أعداء الإسلام يثيرونها حول القرآن والرسالة والدعوة، ففرقت بين الأعمى عن دعوة الحق وبين من بصّره الله فأنار بصيرته فاستجاب لها، وقرّرت أَنَّه لا يعلم الغيب إِلاَّ الله (ومن استثناهم من رسله حيث أطلع بعض رسله على بعض غيبه، وقد ذكرت في هذا البحث تعريف الدعوة لغة واصطلاحًا، وبيّنت أن الدعوة إلى الله هي دعوة الحقّ، وأن دعوة الحقّ هي شهادة أن لا إله إِلاَّ الله، وأنّ الدعوة تطلق على الدعوة إلى هدى وإلى ضلالة، ثُمَّ بيّنت حكم الدعوة، وهل هي فرض عين أو فرض كفاية، وذكرت الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية، وذكرت اختلاف العلماء في ذلك وسببه، وجمعت بين الأقوال في ذلك، وذكرت نماذج من الآيات الدالة على أن إرسال الرسل وإنزال الكتب إِنَّما هو من أجل إقامة توحيد الله في أرضه، وبيّنت أن غالب ما يستجيب لدعوة الرسل ضعاف النّاس، وأن وجهاءهم وعظماءهم يقفون أمام الدعوة، وهذه سنّة الله الَّتي لا تتغير، وذكرنا مثالاً لذلك في حديث أَبي سفيان مع هرقل ملك الروم، ثُمَّ ذكرت نبذة عن دعوة نوح وهود وصالح وشعيب، أمّا إبراهيم ولوط فإِنَّهُما ذكرا في السورة لا لبيان الدعوة وإِنّما ذكر البشارة إبراهيم بإهلاك قوم لوط أو بولده إسحاق أو بهما معًا، وأمّا لوط فإنما ذكر في السورة من أجل إخباره بإهلاك قومه وأمره بما يفعل من وسائل النجاة من العذاب، وبيّنت أَنَّه من واجب الدعاة الصبر على الأذى في تحمّل الدعوة أسوة برسل الله وأنهم لا يضرّهم عدم الاستجابة لدعوتهم لأنّ الرسل كانوا كذلك ولم يثن ذلك عزائمهم عن الاستمرار
стр. 5815
في الدعوة، وبيّنت شدّة توكّل الرسل على ربهم وذكرت مثالاً لذلك وهو تحدِّي نبي الله هود لقومه، كما بيّنت أن الرسل جميعًا أخبروا أممهم بأنهم لا يطلبون منهم أجرًا مقابل تبليغ الدعوة إلى الله، وذكرت خلاف العلماء في جواز أخذ العالم الأجرة على تعليم العقائد والحلال والحرام والقرآن الكريم وذكرت أدلة الفريقين والتفصيل الَّذي ذكره شيخنا الشَّيخ محمَّد الأمين في أضواء البيان، وأثبت رسالة محمَّد (عن طريق إخبار القرآن بأنه ما كان حاضرًا نداء الله لموسى بجانب الطور ولا كان حاضرًا عندما كان زكريا وقومه يقتسمون على كفالة مريم، ولا كان حاضرًا في أهل مدين لما بعث فيهم شعيب ولكن الله أرسله وأوحى إليه ذلك كلّه، وبيّنت أن هذا النوع مما تشتد الحاجة إليه في زمننا هذا، وبيّنت أن الأوامر لرسول الله (في القرآن بالدعوة أوامر لأمّته إِمّا أن يكون الخطاب له والمراد الأمّة أو يكونوا داخلين معه في الخطاب لأنّ خطاب القدوة خطاب للأتباع إِلاَّ ما دلّ الدليل على خصوصه به كقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ((١) ، كما بينت أن نبي الله شعيبًا رسم للدعاة منهجًا يسيرون عليه إلى يوم القيامة وهو أن الداعي لا ينبغي له أن يأمر بأمر إِلاَّ ويأتيه ولا ينهى عن منكر ويأتيه، وذكرت حديث الصحيحين المشتمل على الوعيد على ذلك، وذكرت نماذج واقعية من حال الرسل دلّت على أَنَّهم لا يعلمون من الغيب إِلاَّ ما علّمهم الله مثل قضية الإفك الَّتي ما كان (يعلم براءة أمّ المؤمنين منها شهرًا كاملاً حتَّى أتاه الوحي، ومثل ذبح إبراهيم العجل للملائكة يظنّهم رجالاً، وكضيق ذرع لوط بمجيئهم له يظنّهم بشرًا، وكقصة يعقوب الَّذي ابيضت عيناه من الحزن على يوسف وليس بينه وبينه إِلاَّ مسافة قصيرة، ونحو ذلك، كما بيّنت أن الملائكة كذلك لا يعلمون من الغيب إِلاَّ ما علّمهم الله (قَالُوا