وقال القرطبي: قوله تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ ... (أي فتبينت شكهم فادع إلى الله أي إلى ذلك الدين الَّذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به، فاللام بمعنى إلى، كقوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ((١) أي إليها، وذلك بمعنى: هذا، والمعنى: فلهذا القرآن فادع، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع ... ، وقال ابن عبّاس: أي إلى القرآن فادع الخلق واستقم على أمر الله، قاله قتادة، وقيل: استقم على القرآن، قاله سفيان، وقيل: استقم على تبليغ الرسالة، قاله الضحاك (٢) .
وعلى كلّ حال فالواجب على الداعي أن يدعو إلى الاستقامة على الدين، وإلى الاستقامة على القرآن، وإلى الاستقامة على شرع الله، وإلى الاستقامة على تبليغ الرسالة وإن كانت هذه الأمور متقاربة في المعنى لكنها تحتاج إلى توضيح وبيان وخصوص كلّ واحد منها بعينه لشدّة الحاجة إلى ذلك في زمننا هذا الَّذي تتنازعه الأفكار الهدامة للدين ما بين ملحد وشيوعي ويهودي ونصراني ومجوسي، ولا سلاح يقف أمام هذه التيارات المعادية للإسلام والمسلمين إِلاَّ دعوة المسلمين للتسلح بكتاب الله وسنّة رسوله (والتمسك بمبادئ الدين، والثبات عليه والاستقامة، والعض عليه بالنواجذ، وتحكيم شرع الله في أرضه وبين عباده، وعليه ينبغي أن يكون تركيز الدعوة اليوم على هذه الناحية لما لها من الأهمية البالغة. أمّا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
стр. 5812
اسْتَقَامُوا ... ((١) في فصّلت والأحقاف ففيه وعد عظيم من الله جلّ وعلا بدخول الجنة وبتنزل الملائكة عليهم وبشارتها لهم بالأمن وعدم الحزن، وهذا هو غاية كلّ مؤمن، إذ كلّ مؤمن يسعى إلى أن يكون مصيره الجنّة والأمن من أهوال يوم القيامة، فيجب على الدعاة أن يجمعوا بين الترغيب والترهيب، وفي الآيتين المذكورتين من الترغيب ما لا يعلمه إِلاَّ الله (، فالرسل بعثوا مبشّرين ومنذرين، كذلك ينبغي أن يكون الدعاة يحذون حذوهم في كلّ خطوة من خطوات الدعوة. يقول الإمام الشوكاني: إنّ الَّذين قالوا ربّنا الله، أي: وحده لا شريك له، ثُمَّ استقاموا على التوحيد ولم يلتفتوا إلى إله غير الله، قال جماعة من الصَّحابة والتابعين: معنى الاستقامة: إخلاص العمل لله، وقال قتادة وابن زيد: استقاموا على طاعة الله، وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إِلاَّ الله حتَّى ماتوا، وقال الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله ... تتنزل عليهم الملائكة من عند الله بالبشرى الَّتي يريدونها من جلب نفع أو دفع ضرّ أو رفع حزن. قال وكيع: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث ... (٢) .
وفي بقيّة الآيات الَّتي ذكرنا مما تجب الدعوة إليه: إقامة الصلوات الخمس المفروضة لأنّ أقامتها هي أساس الدين، وتاركها منسلخ من الإيمان بإجماع إذا كان ذلك جحودًا، وعند الإمام أحمد ولو كان تكاسلاً مع اعترافه بوجوبها، فمن ضيّع الصلاة فهو لما سواها أضيع، لأَنَّها عمود الدين.
стр. 5813
وفيها الحثّ على الصبر بأنواعه: كالصبر على الطاعات، ومن أعظمه الصبر على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله، لأنّ الله يقول: ( ... فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ((١) ، والصبر عن المعاصي، والصبر على المصائب.
وختام الآيات قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (، فيه الترغيب في فعل الخير، فالوعد من الله لا يخلف، فهو لن يضيع لعبد من عباده أجر أي عمل ولا ينقصه من ثوابه فلن يهلك على الله إِلاَّ هالك، والكلام حول هذه الآيات كثير، وفيما ذكرنا كفاية للمنصف.
* * *
خاتمة:
نسأل الله حسنها
стр. 5814
اشتمل هذا البحث المتواضع على دعوة بعض الرسل كنوح وهود وصالح وشعيب إضافة إلى دعوة نبينا محمَّد (وذلك لأنّ هذه السورة الكريمة اشتملت على مناهج وأساليب للدعوة إلى الله جلّ وعلا، فقد بدأت بتقرير أصول الدين وإقامة الأدلة والبراهين على ذلك، فأثبتت وجود الله ووحدانيته، وردت الشبه الَّتي كان أعداء الإسلام يثيرونها حول القرآن والرسالة والدعوة، ففرقت بين الأعمى عن دعوة الحق وبين من بصّره الله فأنار بصيرته فاستجاب لها، وقرّرت أَنَّه لا يعلم الغيب إِلاَّ الله (ومن استثناهم من رسله حيث أطلع بعض رسله على بعض غيبه، وقد ذكرت في هذا البحث تعريف الدعوة لغة واصطلاحًا، وبيّنت أن الدعوة إلى الله هي دعوة الحقّ، وأن دعوة الحقّ هي شهادة أن لا إله إِلاَّ الله، وأنّ الدعوة تطلق على الدعوة إلى هدى وإلى ضلالة، ثُمَّ بيّنت حكم الدعوة، وهل هي فرض عين أو فرض كفاية، وذكرت الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية، وذكرت اختلاف العلماء في ذلك وسببه، وجمعت بين الأقوال في ذلك، وذكرت نماذج من الآيات الدالة على أن إرسال الرسل وإنزال الكتب إِنَّما هو من أجل إقامة توحيد الله في أرضه، وبيّنت أن غالب ما يستجيب لدعوة الرسل ضعاف النّاس، وأن وجهاءهم وعظماءهم يقفون أمام الدعوة، وهذه سنّة الله الَّتي لا تتغير، وذكرنا مثالاً لذلك في حديث أَبي سفيان مع هرقل ملك الروم، ثُمَّ ذكرت نبذة عن دعوة نوح وهود وصالح وشعيب، أمّا إبراهيم ولوط فإِنَّهُما ذكرا في السورة لا لبيان الدعوة وإِنّما ذكر البشارة إبراهيم بإهلاك قوم لوط أو بولده إسحاق أو بهما معًا، وأمّا لوط فإنما ذكر في السورة من أجل إخباره بإهلاك قومه وأمره بما يفعل من وسائل النجاة من العذاب، وبيّنت أَنَّه من واجب الدعاة الصبر على الأذى في تحمّل الدعوة أسوة برسل الله وأنهم لا يضرّهم عدم الاستجابة لدعوتهم لأنّ الرسل كانوا كذلك ولم يثن ذلك عزائمهم عن الاستمرار
стр. 5815
في الدعوة، وبيّنت شدّة توكّل الرسل على ربهم وذكرت مثالاً لذلك وهو تحدِّي نبي الله هود لقومه، كما بيّنت أن الرسل جميعًا أخبروا أممهم بأنهم لا يطلبون منهم أجرًا مقابل تبليغ الدعوة إلى الله، وذكرت خلاف العلماء في جواز أخذ العالم الأجرة على تعليم العقائد والحلال والحرام والقرآن الكريم وذكرت أدلة الفريقين والتفصيل الَّذي ذكره شيخنا الشَّيخ محمَّد الأمين في أضواء البيان، وأثبت رسالة محمَّد (عن طريق إخبار القرآن بأنه ما كان حاضرًا نداء الله لموسى بجانب الطور ولا كان حاضرًا عندما كان زكريا وقومه يقتسمون على كفالة مريم، ولا كان حاضرًا في أهل مدين لما بعث فيهم شعيب ولكن الله أرسله وأوحى إليه ذلك كلّه، وبيّنت أن هذا النوع مما تشتد الحاجة إليه في زمننا هذا، وبيّنت أن الأوامر لرسول الله (في القرآن بالدعوة أوامر لأمّته إِمّا أن يكون الخطاب له والمراد الأمّة أو يكونوا داخلين معه في الخطاب لأنّ خطاب القدوة خطاب للأتباع إِلاَّ ما دلّ الدليل على خصوصه به كقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ((١) ، كما بينت أن نبي الله شعيبًا رسم للدعاة منهجًا يسيرون عليه إلى يوم القيامة وهو أن الداعي لا ينبغي له أن يأمر بأمر إِلاَّ ويأتيه ولا ينهى عن منكر ويأتيه، وذكرت حديث الصحيحين المشتمل على الوعيد على ذلك، وذكرت نماذج واقعية من حال الرسل دلّت على أَنَّهم لا يعلمون من الغيب إِلاَّ ما علّمهم الله مثل قضية الإفك الَّتي ما كان (يعلم براءة أمّ المؤمنين منها شهرًا كاملاً حتَّى أتاه الوحي، ومثل ذبح إبراهيم العجل للملائكة يظنّهم رجالاً، وكضيق ذرع لوط بمجيئهم له يظنّهم بشرًا، وكقصة يعقوب الَّذي ابيضت عيناه من الحزن على يوسف وليس بينه وبينه إِلاَّ مسافة قصيرة، ونحو ذلك، كما بيّنت أن الملائكة كذلك لا يعلمون من الغيب إِلاَّ ما علّمهم الله (قَالُوا
стр. 5816
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ((١) ، وبيّنت أن المنهج الأساسي لدعوة الرسل واحد وهو الدعوة إلى توحيد الله وأن شرائعهم تختلف، ثُمَّ تكلّمت على الاستقامة وأنها أمر مُهِمٌّ وأن المسلمين في حاجة إلى الدعوة إلى الاستقامة لأنّ الله أمر نبيه محمَّدًا (أشد النّاس استقامة أمره بها وأمر بها موسى وهارون وبينت أن الإنس والجن لو استقاموا على الطريقة لفتح الله عليهم من بركاته وخيراته إلى غير ذلك مما احتوى عليه هذا البحث من أمور الدعوة إلى الله.
ثُمَّ إني قد وعدت أثناء البحث بالرجوع إلى علّة كون سورة هود شيّبت رسول الله (مع أني قدّمت بعض الأحاديث الَّتي نصّت على ذلك أي على أَنَّهَا شيّبته هي وأخواتها: عمّ، وإذا الشمس كوّرت، والمرسلات، إلى غير ذلك.
стр. 5817
قال القرطبي في مقدّمة تفسير سورة هود: قال أبو عبد الله: فالفزع يورث الشيب، وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد وتحت كلّ شعرة منبع ومنه يعرق فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر وابيض كما ترى الزرع الأخضر بسقائه فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض، وإِنّما يبيض شعر الشَّيخ لذهاب رطوبته ويبس جلده، فالنفس تذهل بوعيد الله وأهوال ما جاء به الخبر عن الله فتذبل وينشِفُ ماءَها ذلك الوعيد والهول الَّذي جاء به، فمنه تشيب، قال الله تعالى: س يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ش (١) ، فإنما شابوا من الفزع، وأمّا سورة هود فلمّا ذكر الأمم وما حلّ بهم من عاجل بأس الله تعالى فأهل اليقين إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطش بأعدائه فلو ماتوا من الفزع لحقّ لهم ولكن الله ﵎ اسمه يلطف بهم في تلك الأحايين حتَّى يقرؤوا كلامه، وأمّا أخواتها فما أشبهها من السور مثل الحاقة، وسأل سائل المعارج، وإذا الشمس كوّرت، والقارعة، ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس وتشيب منه الرؤوس، قلت: وقد قيل: إنّ الَّذي شيّب النَّبي (من سورة هود قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ((٢) .
وقيل: إن سبب شيبه من سورة هود ذكر ما حلّ بالأمم السابقة فيها من العذاب فكأنّ حذره على هذه الأمّة مثل ذلك شيّبه ﵊ (٣)
стр. 5818
وعلى كلٍّ سورة هود ذكرت فيها أحوال الآخرة من الجنّة والنار والخلود فيهما وذُكرت فيها أحوال الأمم السابقة وما حلّ بها من الهلاك، وأمر فيها (بالاستقامة في جميع أموره، وهذا كلّه من دواعي الحزن والفزع، وذلك تشيب منه الرؤوس فهو (أرقّ النّاس فؤادًا وأخوفهم من عذابه ووعيده، وجعله الله رحيمًا بأمّته فحذره عليهم ما أصاب الأمم السابقة من الهلاك وتذكره يوم القيامة وثباته على الاستقامة كلّ ذلك من دواعي الشيب، ولا داعي لتخصيص شيبه ببعضها دون بعض والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلّم على محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 5819
الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر
رواية ودراية
د. محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأستاذ المشارك بقسم الكتاب والسنة
كلية الدعوة وأصول الدين – جامعة أم القرى
ملخص البحث
يشتمل البحث على قسمين:
القسم الأول: سياق الأحاديث والآثار وتخريجها.
القسم الثاني: مسائل قنوت الوتر.
قام الباحث بجمع الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة المتعلقة بقنوت الوتر ثم خرجها مبيناً درجتها من القبول والرد، لتكون القاعدة التي يبنى عليها فقه المسائل المتعلقة بقنوت الوتر، حيث أورد مجمل ما ورد في المذاهب الفقهية المتبعة مع مذهب الظاهرية في مسائل قنوت الوتر، ثم عاد وبحث المسائل مسألة بحسب دلالة النصوص الثابتة متبعاً طريقة أهل العلم في النظر والاستدلال في الاستنباط.
стр. 5820
وانتهى البحث إلى نتائج منها: أن قنوت الوتر يشرع طوال العام، وأن السُّنة فعله أحياناً وتركه أحياناً. ويتأكد المداومة عليه في النصف الأخير من رمضان، من ليلة السادس عشرة، ويشرع ترك القنوت في النصف الأول من رمضان إذا صُلِّي بالناس، وهذا من السنن المهجورة، بل والمجهولة. فإن قنت في أوّله وآخره جاز. أن قنوت الوتر يجوز قبل الركوع وبعده، والأفضل فيه قبل الركوع. أن من السنن المهجورة في قنوت الوتر أن يكبر للقنوت وأن يكبر بعده، إذا قنت قبل الركوع. أن من السُّنة أن يجهر الإمام في قنوت الوتر وأن يؤمن من خلفه. أن السُّنة في دعاء القنوت أن لا يكون طويلاً، ولو اقتصر على قدر الوارد فهو أفضل، ولو أطال أحياناً بقدر ما ورد؛ جاز. أن دعاء القنوت ليس فيه شيء مؤقت، فهو يجوز بأي صيغة، والأفضل الاقتصار على الوارد. أن من السُّنة للإمام إذا صلى بالناس جماعة الوتر في رمضان أن لا يقنت في النصف الأول من رمضان، وأن يقنت في النصف الأخير منه، ويدعو على الكفرة. يشرع رفع اليدين في دعاء قنوت الوتر، ويشرع إرسالهما، ويشرع رفعهما في أوله وإرسالهما في آخره، كل ذلك جائز. لا يشرع مسح الوجه باليدين بعد الدعاء. يشرع الصلاة على النبي ﷺ في دعاء قنوت الوتر. أن ابن مسعود وأُبي بن كعب ﵄، من أكثر الصحابة الذين نقلت عنهم أحكام قنوت الوتر. أن من أشبه الصلوات بصلاة الوتر صلاة المغرب؛ إذ المغرب وتر النهار، فما ثبت في القنوت فيها للنازلة يثبت للقنوت في الوتر، ويؤكد هذا أن ما ثبت في الفريضة ثبت مثله في النافلة إلا لدليل.
والباحث يرجو أن يحقق ببحثه هذا تحرير هذا المسائل، وإحياء الطريقة التي كان أهل العلم يبحثون بها، بجمع المرويات في موضوع واحد، ثم تبين درجتها من القبول، ثم الاستنباط منها.
سائلاً الله التوفيق والهدى والرشاد والسداد.
* * *
المقدمة:
стр. 5821
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله، من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
يَاأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلاَتَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مّسْلِمُونَ
يَآأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوْا رَبَّكُمُ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيْراً وَنِسَآءً وَاتَّقُوْا اللَّهَ الَّذِيْ تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْباً
يَاأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً.
أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أمّا بعد: فهذه رسالة جمعت فيها الأحاديث والآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم في قنوت الوتر، مع ذكر مسائله الفقهية، وقد أسميتها:
الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية
وأبدأ إن شاء الله تعالى بسياق الأحاديث والآثار بحسب مساند من رويت عنه، مع بيان درجتها من القبول والرد، ثم أورد المسائل المتعلقة بقنوت الوتر، مقدماً بين يديها، مدخلاً. وذلك هو التالي:
مدخل: ويشتمل على: تعريف القنوت. ومجمل ما جاء في المذاهب الأربعة ومذهب ابن حزم من الظاهرية عن قنوت الوتر.
المسألة الأولى: هل يشرع القنوت في الوتر؟
المسألة الثانية: هل يقنت في الوتر قبل الركوع أم بعده؟
المسألة الثالثة: هل يكبر بعد القراءة للقنوت قبل الركوع؟
المسألة الرابعة: هل ترفع الأيدي في دعاء القنوت؟
стр. 5822
المسألة الخامسة: هل يُشرع الجهر بالقنوت وتأمين المأموم؟
المسألة السادسة: ما دعاء القنوت؟
المسألة السابعة: هل يُشرع التطويل في قنوت الوتر؟
المسألة الثامنة: هل يصلى على النبي ﵊ في دعاء القنوت؟
المسألة التاسعة: ما الحكم إذا سهى عن قنوت الوتر؟
داعياً الله عزوجل أن يرزقني القبول في الدنيا والآخرة، وأن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وداعياً إلى سنة نبيه الرؤوف الرحيم، إن ربي سميع مجيب.
سياق الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر على المساند مع تخريجه
ما جاء عن أبي بكر الصديق ﵁ في قنوت الوتر
١/١) عن عمرو بن شمر عن سلام عن سويد بن غفلة قال: سمعت أبابكر وعمر وعثمان وعلياً يقولون: "قنت رسول الله ﷺ في آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك" (١) .
ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في قنوت الوتر
٢/١) عن عمرو بن شمر عن سلام عن سويد بن غفلة قال: سمعت أبابكر وعمر وعثمان وعلياً يقولون: "قنت رسول الله ﷺ في آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك" (٢) .
٣/٢) عن ابن جريج قال قلت لعطاء: القنوت في شهر رمضان؟ قال: عمر أول من قنت. قلت: النصف الآخر أجمع؟ قال: نعم" (٣) .
стр. 5823
٤/٣) عن أيوب عن ابن سيرين قال: "كان أُبي يقوم للناس على عهد عمر في رمضان فإذا كان النصف جهر بالقنوت بعد الركعة فإذا تمت عشرون ليلة انصرف إلى أهله وقام للناس أبو حليمة معاذ القارئ وجهر بالقنوت في العشر الأواخر حتى كانوا مما يسمعونه يقول: اللهم قحط المطر فيقولون آمين فيقول: ما أسرع ما تقولون آمين دعوني حتى أدعو" (١) .
٥/٤) عن عمرو عن الحسن: أن عمر حيث أمر أبيا أن يصلي بالناس في رمضان وأمره أن يقنت بهم في النصف الباقي ليلة ست عشرة [قنتوا فدعوا على الكفرة] .
قال: وكان الحسن يقول: إذا كان إماما قنت في النصف وإذا لم يكن إماما قنت الشهر كله" (٢) .
стр. 5824
٦/٥) عن ابن جريج قال أخبرني عطاء: "أنه سمع عبيد بن عمير يأثر عن عمر بن الخطاب في القنوت [في الوتر] أنه كان يقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك [الجد] إن عذابك بالكفار ملحق"
قال [عطاء] : وسمعت عبيد بن عمير يقول: القنوت قبل الركعة الآخرة من الصبح.
وذكر أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود. وأنه يوتر بهما كل ليلة وذكر أنه يجهر بالقنوت في الصبح.
قلت: فإنك تكره الاستغفار في المكتوبة فهذا عمر قد استغفر؟ قال: قد فرغ هو في الدعاء في آخرها" (١)
стр. 5825
(٣٧/٤) عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد: "أن عمر قنت في الوتر قبل الركوع" (١) .
وهناك جملة من الآثار تدخل في ما جاء عن عمر بن الخطاب، أوردتها في ما جاء عن أُبي بن كعب ﵃.
ما جاء عن عثمان بن عفان ﵁ في القنوت
٧/١) عن عمرو بن شمر عن سلام عن سويد بن غفلة قال: سمعت أبابكر وعمر وعثمان وعلياً يقولون: "قنت رسول الله ﷺ في آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك" (٢) .
ما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ في قنوت الوتر
٨/١) عن عمرو بن شمر عن سلام عن سويد بن غفلة قال: سمعت أبابكر وعمر وعثمان وعلياً يقولون: "قنت رسول الله ﷺ في آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك" (٣) .
٩/٢) عن شريك عن عطاء بن السائب عن أبيه: "أن عليا كان يقنت في الوتر بعد الركوع" (٤) .
١٠/٣) عن سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: "أنه كان يقنت في النصف من رمضان" (٥) .
стр. 5826
١١/٤) عن نضر بن إسماعيل عن ابن أبي ليلى عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: "انه كان يفتتح القنوت بالتكبير" (١) .
ما جاء عن أُبي بن كعب ﵁ في قنوت الوتر
١٢/١) عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبي بن كعب: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَإِذَا فَرَغَ قَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ" (٢)
стр. 5827
١٣/٢) عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير: "أن عبد الرحمن بن عبد القاري وكان في عهد عمر بن الخطاب مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال أن عمر خرج ليلة في رمضان فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القاري فطاف بالمسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط؛ فقال عمر: والله إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم عمر على ذلك وأمر أُبي بن كعب أن يقوم لهم في رمضان فخرج عمر عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعم البدعة هي والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يريد آخر الليل. فكان الناس يقومون أوله وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ثم يستغفر للمؤمنين.
قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ربنا ونخاف عذابك الجد ان عذابك لمن عاديت ملحق.
ثم يكبر ويهوى ساجدا" (١) .
١٤/٣) عن قتادة عن الحسن: "إن أبيا أم الناس في خلافة عمر فصلى بهم النصف من رمضان لا يقنت فلما مضى النصف قنت بعد الركوع فلما دخل العشر أبق وخلى عنهم فصلى بهم العشر معاذ القارئ في خلافة عمر" (٢)
стр. 5828
١٥/٤) عن يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبي بن كعب فَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ إِلَّا فِي النِّصْفِ الْبَاقِي فَإِذَا كَانَتْ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ تَخَلَّفَ فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَبَقَ أُبَيٌّ" (١) .
١٦/٥) عن معمر عن الزهري وعن أيوب عن ابن سيرين: "أن أُبي بن كعب قنت في الوتر بعد الركوع" (٢) .
١٧/٦) عن هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: "أَنَّ أُبي بن كعب أَمَّهُمْ يَعْنِي فِي رَمَضَانَ وَكَانَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الْآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ" (٣)
стр. 5829
١٨/٧) عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن أُبي بن كعب:"أنه كان يقول: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك فلا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك ونرجو رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق" (١) .
ما جاء عن ابن مسعود ﵁ في قنوت الوتر
١٩/١) أبان بن أبي عياش عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن عبد الله قال: "بت مع رسول الله ﷺ لأنظر كيف يقنت في وتره فقنت قبل الركوع ثم بعثت أمي أم عبد فقلت تبيتي مع نسائه وانظري كيف يقنت في وتره فأتتني فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع" (٢) .
стр. 5830
٢٠/٢) عن محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود قالا: قال عبد الله: ما قنت رسول الله ﷺ في شيء من الصلوات إلا في الوتر وإنه كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن يدعو على المشركين وما قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان حتى ماتوا.
ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام وكان يقنت في الصلوات كلهن وكان معاوية يدعو عليه أيضا يدعو كل واحد منهما على الآخر" (١) .
٢١/ ٣) عن إبراهيم عن علقمة: "إن ابن مسعود وأصحاب النبي ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع" (٢) .
٢٢/٤) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود ﵁: "أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع" (٣)
стр. 5831
٢٣/٥) عن أشعث عن الحكم عن إبراهيم قال عبد الله: لا يقنت السنة كلها في الفجر ويقنت في الوتر كل ليلة قبل الركوع" (١) .
٢٤/٦) عن حماد عن أبي حمزة عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع ولا يقنت في صلاة الفجر" (٢) .
стр. 5832
٢٥/٧) عن المسعودي وليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: "كان ابن مسعود لا يقنت في شيء من الصلوات إلا في الوتر قبل الركوع" (١) .
عن أبي العميس [هو المسعودي] حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: "كان عبد الله لا يقنت في صلاة الغداة. وإذا قنت في الوتر قنت قبل الركعة" (٢) .
стр. 5833
٢٦/٨) عن معمر عن أبان عن النخعي: "أن ابن مسعود كان يقنت السنة كلها في الوتر" (١) .
٢٧/٩) عن ليث عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: "كان عبد الله يقرأ في آخر ركعة من الوتر (قل هو الله أحد (، ثم يرفع يديه فيقنت قبل الركعة".
وفي رواية عن عبد الله: "أنه كان يرفع يديه في قنوت الوتر". وعند البيهقي: "كان ابن مسعود يرفع يديه في القنوت إلى ثدييه" (٢) .
٢٨/١٠) عن الزهري عن حماد عن إبراهيم: "أن ابن مسعود كان يرفع يديه في الوتر ثم يرسلهما بعد" (٣)
стр. 5834
٢٩/١١) عن ليث عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: "أن عبد الله بن مسعود كان إذا فرغ من القراءة كبر ثم قنت فإذا فرغ من القنوت كبر ثم ركع" (١) .
٣٠/١٢) عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن قال: "علمنا ابن مسعود أن نقرأ في القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد واليك نسعى ونحفد نرجوا رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق" (٢) .
ما جاء عن البراء بن عازب ﵁ في قنوت الوتر
٣١/١) عن عبد الله بن واقد الحراني عن سفيان الثوري عن مطرف عن أبي الجهم عن البراء بن عازب قال: قنت رسول الله ﷺ قبل الركوع ثم كبر وركع" (٣) .
стр. 5835
٣٢/٢) عن العلاء بن صالح عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه سأله عن القنوت في الوتر فقال حدثنا البراء بن عازب قال: "سنة ماضية" (١) .
стр. 5836
٣٣/٣) عن مطرف عن أبي الجهم (هو سليمان بن الجهم مولى البراء) قال: "كان البراء يكبر قبل أن يقنت" (١) .
ما جاء عن ابن عمر ﵁ في قنوت الوتر
٣٤/١) عن سهل بن العباس الترمذي عن سعيد بن سالم القداح عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات ويجعل القنوت قبل الركوع" (٢) .
٣٥/٢) عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان لا يقنت في الفجر ولا في الوتر فكان إذا سئل عن القنوت قال: ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن" (٣) .
٣٦/٣) عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان لا يقنت إلا في النصف يعني من رمضان". وفي رواية عند البيهقي: "كان لا يقنت في الوتر إلا في النصف من رمضان" (٤) .
٣٧/٤) عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد: "أن ابن عمر قنت في الوتر قبل الركوع" (٥)
стр. 5837
٣٨/٥) عن أيوب عن نافع: "أن ابن عمر كان لا يقنت في الصبح ولا في الوتر أيضا" (١) .
حديث ابن عباس ﵁ في قنوت الوتر
٣٩/١) عن عطاء بن مسلم قال ثنا العلاء بن المسيب عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس قال: "أوتر النبي ﷺ بثلاث قنت فيها قبل الركوع" (٢) .
٤٠/٢) عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس: "أنه كان يقول في قنوت الوتر: لك الحمد ملأ السماوات السبع وملأ الأرَضين السبع وملأ ما بينهما من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٣) .
ما جاء عن أبي هريرة ﵁ في قنوت الوتر
٤١/١) عن سليمان التيمي عن رجل عن أبي المحزم عن أبي هريرة قال: "نزلت عليه عشر سنين فما رأيته قنت في وتره" (٤) .
стр. 5838
٤٢/٢) عن الوليد بن مسلم أخبرني ابن لهيعة عن موسى بن وردان أنه كان يرى أبا هريرة يرفع يديه في قنوته في شهر رمضان".
قال الوليد: وأخبرني عامر بن شبل الجرمي قال: رأيت أبا قلابة يرفع يديه في قنوته (١) .
ما جاء عن الحسن بن علي ﵄ في قنوت الوتر
٤٣/١) عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ (وفي رواية: فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ) : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" (٢)
стр. 5839
٤٤/٢) عن ابن جريج قال أخبرني من سمع ابن عباس ومحمد بن علي بالخيف يقولان:
كان رسول الله ﷺ يقنت بهؤلاء الكلمات في صلاة الصبح وفي الوتر بالليل" (١)
стр. 5840
٤٥/٣) عن العلاء بن صالح حدثني بريد بن أبي مريم ثنا أبو الحوراء قال سألت الحسن بن علي ما عقلت من رسول الله ﷺ فقال علمني دعوات أقولهن: "اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك.
أراه قال: إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت".
قال [بريد] : فذكرت ذلك لمحمد بن الحنفية فقال إنه الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته" (١) .
٤٥/٤) عن الحسن بن عبيد الله عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء قال: قلت للحسن بن علي ﵄ مثل من كنت في عهد رسول الله ﷺ وما عقلت عنه؟ قال: عقلت عنه أني سمعته يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشر ريبة والخير طمأنينة. وعقلت عنه الصلوات الخمس وكلمات أقولهن عند انقضائهن قال: قل اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت.
стр. 5841
قال بريد بن أبي مريم: فدخلت على محمد بن علي في الشعب فحدثته بهذا الحديث عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي ﵁ فقال: صدق هن كلمات علمناهن أن نقولهن في القنوت" (١) .
стр. 5842
٤٥/٥) عن الحسن بن عمارة قال أخبرني بريد ابن أبي مريم عن أبي الحوراء قال: قلت للحسن بن علي مثل من كنت يوم مات النبي ﷺ وما تعقل عنه؟ قال: عقلت أن رجلا جاءه يوما فسأله عن شيء فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشر يريبك وإن الخير طمأنينة. وعقلت منه أني مررت يوما بين يديه في جرن من جرن تمر الصدقة فأخذت تمرة وطرحتها في فيّ فأخذ بقفاي ثم أدخل يده في في فانتزعها بلعابها ثم طرحها في الجرن فقال أصحابه: لو تركت الغلام فأكلها. فقال: إن الصدقة لا تحل لآل محمد ﷺ .
قال: وعلمني كلمات ادعو بهن في آخر القنوت اللهم اهدني فيمن هديت وتولني فيمن توليت وعافني فيمن عافيت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت".
قال أبو الحوراء: فدخلت على محمد بن علي وهو محصور فحدثته بها عن الحسن فقال محمد إنهن كلمات علمناهن ندعو بهن في القنوت ثم ذكر هذا الدعاء مثل حديث الحسن بن عمارة" (١) .
ما جاء عن الحسين بن علي ﵁ في قنوت الوتر
٤٧/٢) عن حسن بن صالح عن منصور عن شيخ يكنى أبا محمد: "أن الحسين بن علي كان يقول في قنوت الوتر: اللهم إنك ترى ولا ترى وأنت بالمنظر الأعلى وإن إليك الرجعى وإن لك الآخرة والأولى اللهم إنا نعوذ بك من أن نذل ونخزى" (١) .
ما جاء عن أنس ﵁ في قنوت الوتر
٤٨/١) عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ" (٢) .
٤٩/٢) عن عَاصِمٌ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ الْقُنُوتِ فَقَالَ: قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ.
قُلْتُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟
قَالَ: قَبْلَهُ.
قَالَ: فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟
стр. 5845
فَقَالَ: كَذَبَ إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا إِلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ" (١) .
٥٠/٣) عن أبي عاتكة عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يقنت في النصف من رمضان إلى آخره" (٢) .
ما جاء عن طارق بن شهاب ﵁
٥١/١) عن ابن عيينة عن المخارق قال سمعت طارق بن شهاب يقول: قنت عمر. قال: فأخبرني أصحابنا عن المخارق عن طارق: "أنه كبر حين قنت يقول حين فرغ من القراءة ثم كبر حين خر" (٣) .
стр. 5846
ما جاء مرسلا ً أو عن الصحابة دون تعيين
٥٢/١) عن معمر عن الزهري قال: "كان رسول الله ﷺ يرفع يديه بحذاء صدره إذا دعا ثم يمسح بها وجهه".
قال [عبد الرزاق] : ورأيت معمرا يفعله.
قلنا لعبد الرزاق: أترفع يديك إذا دعوت في الوتر؟
قال: نعم في آخره قليلا" (١) .
٥٣/٢) عن المهلب بن [أبي] حبيبة قال: سألت سعيد بن أبي الحسن عن القنوت فقال: "في النصف من رمضان كذلك علمنا" (٢) .
٥٤/٣) عن إبراهيم عن علقمة: "إن ابن مسعود وأصحاب النبي ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع" (٣) .
٥٥/٤) عن حفص عن الأعمش عن إبراهيم قال: "كانوا يقولون القنوت بعد ما يفرغ من القراءة" (٤) .
٥٦/٥) عن معمر وابن جريج عن الزهري قال: "لم تكن ترفع الأيدي في الوتر في رمضان" (٥) .
٥٧/٦) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: دعاء أهل مكة بعدما يفزعون من الوتر في شهر رمضان؟
قال: بدعة. قال: أدركت الناس وما يصنع ذلك بمكة حتى أحدث حديثا" (٦)
стр. 5847
٥٨/٧) عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ الْأَعْرَجَ يَقُولُ: "مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ.
قَالَ: وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ" (١) .
٥٩/٨) عن عمرو عن الحسن يقول: القنوت في الوتر والصبح: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد إن عذابك الجد بالكفار ملحق اللهم عذب الكفرة والمشركين وألق في قلوبهم الرعب وخالف بين كلمتهم وأنزل عليهم رجزك وعذابك اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات اللهم أصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وأوزعهم أن يشكروا نعمتك التي أنعمت عليهم وأن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وتوفهم على ملة رسولك وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم.
فكان يقول هذا ثم يخر ساجدا وكان لا يزيد على هذا شيئا من الصلاة على النبي ﷺ . وكان بعض من يسأله يقول: يا أبا سعيد أيزيد على هذا شيئا من الصلاة على النبي ﷺ والدعاء والتسبيح والتكبير؟ فيقول: لا أنهاكم ولكني سمعت أصحاب رسول الله ﷺ لا يزيدون على هذا شيئا ويغضب إذا أرادوه على الزيادة (٢)
стр. 5848
مدخل: تعريف قنوت الوتر. ومجمل ما جاء في المذاهب الأربعة ومذهب ابن حزم من الظاهرية عن قنوت الوتر.
أولاً: تعريف القنوت:
قنوت الوتر مركب إضافي، من كلمة (قنوت) مضافة إلى كلمة (الوتر) .
والقنوت في اللغة: مادة <ق. ن.ت> تدور على معنى الطاعة والخير في دين. والأصل فيها الطاعة. يقال قنت يقنت قنوتاً، ثم سمى كل استقامة في طريق الدين قنوتاً (١) .
وفي الشرع جاء القنوت بمعاني لم يخرج فيها عن معنى الطاعة؛ فمن ذلك:
القنوت: بمعنى لزوم الطاعة مع الخضوع، في قوله ﵎: (وقوموا لله قانتين ( [البقرة:٢٣٨] ، وقوله تعالى: (كل له قانتون ( [الروم:٢٦] .
القنوت بمعنى طول القيام في الصلاة، وهو قيام القراءة، ومنه جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ" (٢) .
القنوت بمعنى الاشتغال بالعبادة ورفض كل ما سواه. قال ﵎: (إن إبراهيم كان أمة قانتا ( [النحل:١٢٠] ، وقال عزوجل: (وكانت من القانتين ( [التحريم:١٢] ، وقال ﵎: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ( [الزمر:٩] ، وقوله تعالى: (اقنتي لربك ( [آل عمران:٤٣] ، وقوله: (ومن يقنت منكن لله ورسوله ( [الأحزاب:٣١] ، وقوله: (والقانتين والقانتات ( [الأحزاب:٣٥] ، وقوله: (فالصالحات قانتات ( [النساء:٣٤] .
والقنوت بمعنى الدعاء؛ لأنه طاعة وخير في الدين. وقيل: لأنه كان يدعى به وهم قيام قبل الركوع أو بعده فسمي باسم القيام، على أساس أن الأصل في القنوت هو القيام.
وقد جمع المعاني التي يأتي بها لفظ (القنوت) زين الدين العراقي ﵀ في قوله:
ولفظ القنوت أعدد معانيه تجد
دعاء، خشوع، والعبادة، طاعة
سكوت صلاة، والقيام، وطوله
مزيداً على عشر معاني مرضيه
اقامتها، اقراره بالعبوديه
стр. 5849
كذاك دوام الطاعة الرابح القنيه (١)
فالقنوت يطلق على معاني، والمراد هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام (٢) .
والوِتْر الفَردْ واحداً كان ذلك أو ثلاثة أو خمسة وما فوق. ...
وفي الشرع (٣) هو آخر صلاة الليل، وهي ركعات شفع ثم وتر بواحدة، أو بثلاث متصلات بدون جلوس في وسطهن، أو بخمس متصلات يجلس في آخرهن، أو بسبع متصلات يجلس في السادسة والسابعة، أو بتسع يجلس في الثامنة والتاسعة، أو يصلي مثنى ثم يوتر بواحدة.
فقنوت الوتر: هو الدعاء الذي يدعو به المصلي في آخر ركعة من صلاة الليل (الوتر) .
ويأتي القنوت بمعنى الدعاء في محل مخصوص من الصلاة غير صلاة الوتر، وهذا يصدق على القنوت في المواضع التالية:
الموضع الأول: في الصلوات الخمس بعد الرفع من الركوع في الركعة الآخرة، عند نزول نازلة بالمسلمين.
الموضع الثاني: في الفجر بعد الرفع من الركوع في الركعة الآخرة، طوال العام بدون نازلة.
ومحل البحث هنا هو الدعاء الذي يدعو به المصلي في آخر ركعة من صلاة الوتر.
ثانيا: مجمل ما جاء في المذاهب الأربعة ومذهب ابن حزم من الظاهرية عن قنوت الوتر.
أقول مستعيناً بالله:
مذاهب أهل العلم في القنوت للوتر هي التالية (٤) :
مذهب الحنفية: يقنت في صلاة الوتر في جميع العام، ولا قنوت في شيء من الصلوات سوى الوتر. ويقنت فيه بعد القراءة قبل الركوع.
وذكر الطحاوي ﵀: أنه لا بأس بالقنوت إذا وقعت فتنة أو بلية.
стр. 5850
ومحله عندهم في الركعة الأخيرة من الصلوات الجهرية من الصلوات الخمس. ورُجِّح أن موضع القنوت في النازلة بعد الركوع (١) .
مذهب المالكية: القنوت في صلاة الصبح فضيلة، في الركعة الثانية، في جميع العام، ويخيّر في فعله قبل الركوع وبعده. ولا يسن القنوت في الوتر وفي رواية إلا في النصف الأخير من رمضان (٢) . فلا قنوت للنازلة عند المالكية.
مذهب الشافعية: يقنت بعد رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح إذا فرغ من قوله: "ربنا لك الحمد" يقول: "اللهم اهدني فيمن هديت ... " في جميع العام.
ويقنت بعد الركوع في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان.
ويقنت للنازلة في الصلوات الخمس (٣) .
مذهب الحنابلة: يقنت في الوتر في الركعة الأخيرة، في جميع العام، بعد الركوع أو بعد القراءة قبل الركوع.
ويكره القنوت في غير الوتر، إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون؛ لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس ولا في غيره؛ فيقنت لرفع تلك النازلة (٤) . وهل محل القنوت الفجر خاصة، أو الفجر والمغرب أو جميع الصلوات؟ ثلاث روايات.