عن عروة بن الزبير: "أن عبد الرحمن بن عبد القاري وكان في عهد عمر بن الخطاب مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال أن عمر خرج ليلة في رمضان فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القاري فطاف بالمسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط؛ ... وفيه: قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنه الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ربنا ونخاف عذابك الجد ان عذابك لمن عاديت ملحق. ثم يكبر ويهوى ساجدا" (١) .
فثبتت الصلاة على النبي ﷺ ، في قنوت الوتر بفعل الصحابة رضوان الله عليهم.
المسألة التاسعة: ما الحكم إذا سها عن قنوت الوتر؟
عن الحسن البصري ﵀: "إذا نسي القنوت في الفجر فعليه سجدتا السهو" (٢) .
عن شريك عن ابن أبي ليى قال: سئل عن رجل سها فقنت فقال: هذا سهى فأصاب" (٣) .
عن ابن جريج عن عطاء قال: "من رأى القنوت فلم يقنت فعليه سجدتا السهو" (٤) .
قال أبوداود ﵀: "سمعت أحمد سئل عن رجل نسي القنوت؟ قال: إن كان ممن تعوّد القنوت فليسجد سجدتي السهو"
وقال أبوداود: "سمعت أحمد قال: سألت ابن علية عن الرجل ينسى القنوت في الوتر؟ فقال: لاشيء عليه.
قال أحمد: وسألت هشيماً قال: يسجد سجدتي السهو" (٥) .
عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "قرأت على أبي، قلت: من ترك القنوت ساهياً؟ قال يسجد إذا كان ممن يقنت." (٦) .
стр. 5882
قلت: حكم المسألة هو هذا فمن أراد أن يقنت أو كان الغالب على صلاته الوتر أن يقنت فنسي القنوت سجد للسهو استحباباً، والله اعلم.
* * *
خاتمة:
خلصت هذه الرسالة إلى نتائج مهمة وهي التالية:
١ أن قول من قال من الأئمة: لم يصح في قنوت الوتر قبل الركوع أو بعده شيء عن رسول الله ﷺ ؛ وكذا قول ابن عبد البر ﵀: "لا يصح عن النبي ﵇ في القنوت في الوتر حديث مسند"اهـ (١)
стр. 5883
؛ فيه نظر، وأنه غير مسلم. فقد ثبت في قنوت الوتر مسنداً حديث الحسن بن علي ﵁، وحديث أُبي بن كعب ﵁، والله أعلم. كما ثبت عن الصحابة كعمر بن الخطاب، وابن مسعود وأُبي بن كعب وغيرهم، ومثله لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، إذ المقام مقام عبادة، والأصل فيها التوقيف، فلولا أن لديهم توقيف في ذلك ما فعلوه.
٢ أن قنوت الوتر يشرع طوال العام، وأن السُّنة فعله أحياناً وتركه أحياناً بدليل ماورد من الاختلاف في مشروعيته طوال العام، مما يدل أن الرسول ﷺ كان يتركه أحياناً. ويتأكد المداومة عليه في النصف الأخير من رمضان، من ليلة السادس عشرة، ويشرع ترك القنوت في النصف الأول من رمضان إذا صُلِّي بالناس، وهذا من السنن المهجورة، بل والمجهولة. فإن قنت في أوّله وآخره جاز.
٣ أن قنوت الوتر يجوز قبل الركوع وبعده، والأفضل فيه قبل الركوع.
٤ أن من السنن المهجورة في هذا العصر قنوت الوتر أن يكبر للقنوت وأن يكبر بعده، إذا قنت قبل الركوع.
٥ أن من السُّنة أن يجهر الإمام في قنوت الوتر وأن يؤمن من خلفه.
٦ أن السُّنة في دعاء القنوت أن لا يكون طويلاً، ولو اقتصر على قدر الوارد فهو أفضل. ولو أطال أحياناً بقدر ما ورد؛ جاز.
٧ أن دعاء القنوت ليس فيه شيء مؤقت، فهو يجوز بأي صيغة، والأفضل الاقتصار على الوارد.
٨ أن من السُّنة للإمام إذا صلى بالناس جماعة الوتر في رمضان أن لا يقنت في النصف الأول من رمضان، وأن يقنت في النصف الأخير منه، ويدعو على الكفرة.
٩ يشرع رفع اليدين في دعاء قنوت الوتر، ويشرع إرسالهما، ويشرع رفعهما في أوله وإرسالهما في آخره، كل ذلك جائز.
١٠ لا يشرع مسح الوجه باليدين بعد الدعاء.
١١ يشرع الصلاة على النبي ﷺ في دعاء قنوت الوتر.
١٢ يسجد للسهو من كان من عادته القنوت في الوتر فسهى عنه، أمّا من لم يكن من عادته القنوت أو تعمد تركه فلا سهو عليه.
стр. 5884
١٣ أن ابن مسعود وأُبي بن كعب ﵄، من أكثر الصحابة الذين نقلت عنهم أحكام قنوت الوتر.
١٤ أن من أشبه الصلوات بصلاة الوتر صلاة المغرب؛ إذ المغرب وتر النهار، فما ثبت في القنوت فيها للنازلة يثبت للقنوت في الوتر، ويؤكد هذا أن ما ثبت في الفريضة ثبت مثله في النافلة إلا لدليل.
١٥ أن أغلب أحكام قنوت الوتر ثابتة بفعل الصحابة رضوان الله عليهم، والمقام مما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، إذ مثل ذلك لا يكون بالرأي، فله حكم الرفع، واختلافهم في هذا من باب اختلاف التنوع ما أمكن الجمع، والله الموفق.
هذا ما تيسر لي جمعه وتخريجه، في هذا الموضوع، أسأل الله بأن له الحمد لا إله إلا هو الحنان المنان بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، أسأله العفو والعافية، وأن يتقبل جميع عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله داعياً إلى سنة نبيه الكريم محمد عليه أفضلا الصلوات وأزكي التسليم، وعلى آله وصحبه أجمعين. وسبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 5885
التوبة وشروطها
د. سليمان بن إبراهيم بن عبد الله اللاحم
الأستاذ المشارك بكلية الشريعة وأصول الدين،
فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم
ملخص البحث
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:
فقد تضمن هذا البحث بيان فضل الله على العباد في إيجابه سبحانه التوبة على نفسه تكرماً منه وامتناناً، وأهمية التوبة، ووجوب المبادرة بها حال الحياة قبل الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها وغلق باب التوبة. والتحذير من الاستمرار على المعصية والتسويف بالتوبة وتأخيرها، لأن ذلك قد يكون من أسباب عدم التوبة أو عدم قبولها.
وذكر شروط التوبة وأنها تصح من كل ذنب إذا توفرت شروطها وانتفت موانعها، وتتلخص شروطها: بالإخلاص لله تعالى، والإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على ألا يعود إليها، وأن تكون في وقتها قبل بلوغ الروح الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
المقدمة:
الحمد لله الجواد الكريم البر الرؤوف الرحيم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
стр. 5886
فإن الله خلق الإنسان وفطره على الإيمان ومنحه من السمع والبصر والعقل ما ميزه عن سائر الحيوان، ولم يجعله معصوماً عن الزلل والخطأ والعصيان، بل ابتلاه بما قد يوقعه في المخالفة والعصيان؛ من النفس الأمارة بالسوء والهوى ومكائد الشيطان، لهذا فتح له باب التوبة لتمحيص الذنوب والآثام، فقال : (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ( [الزمر: ٥٣، ٥٤] ، وقال : (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ( [طه: ٨٢] ، يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار (١) ، يوفق عبده للتوبة، ويقبلها منه كما قال في سورة التوبة: (ثم تاب عليهم ليتوبوا ( [التوبة: ١١٨] ، أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا، وقال : (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ( [الشورى: ٢٥] .
ويفرح بتوبة عبده فرحاً أشد من فرح رجل ضلت عنه راحلته التي عليها طعامه وشرابه، فلما أيس منها نام تحت شجرة ينتظر الموت فبينما هو كذلك إذا هي واقفة بين يديه ولجامها في يده (٢) .
بل إنه وهو الخالق الملك المدبر المنعم المتفضل الذي لا يجب عليه شيء لخلقه أوجب على نفسه التوبة تفضلاً منه وكرماً وامتناناً، فقال في سورة النساء: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ( [النساء: ١٧] .
стр. 5887
وإذا صدق العبد ربه بالتوبة والإنابة إليه سبحانه تاب عليه، بل وبدل سيئاته حسنات كما قال : (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ( [الفرقان: ٧٠] ، فلله الحمد والمنة على فضله وكرمه ولطفه ورحمته وجميل عفوه.
وسأتناول في هذا البحث: الكلام عن التوبة وشروطها، وممن تقبل؟ ومتى؟ وذلك من خلال الكلام على قوله تعالى في سورة النساء: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيما (إلى قوله: (أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً (.
وسأتكلم أولاً عن تفسير هتين الآيتين وبيان مفرداتهما ومعناهما، ثم أتبع ذلك باستنباط ما فيهما من الفوائد والأحكام مع تفصيل القول في ذلك.
والله أسأل أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
قال الله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً (.
صلة الآية بما قبلها:
لما بين الله في الآية السابقة أنه يقبل التوبة ممن تاب وأناب إليه في قوله: (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان تواباً رحيماً (ذكر في هذه الآية من تقبل منهم التوبة وهم الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب.
معاني المفردات والجمل:
قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعلمون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب (كقوله تعالى: (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ( [النحل: ١١٩] . وكقوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ( [الأنعام: ٥٤] .
стр. 5888
قوله: (إنما التوبة على الله (إنما أداة حصر (١) . ويقال لها: كافة ومكفوفة.
لأن "ما" دخلت على "إنَّ" التي تنصب الاسم وترفع الخبر، فكفتها عن العمل، ف "ما" كافة، و"إنّ" مكفوفة.
(التوبة) :مبتدأ مرفوع.
(على الله) "على" حرف جر، ولفظ الجلالة مجرور، متعلق بمحذوف خبر، تقديره: مستحقة على الله أو واجبة على الله.
(للذين) : متعلق بما تعلق به "على الله" (٢) ويحتمل أن يكون هو الخبر.
والتوبة من الله تنقسم إلى قسمين:
توفيقه لعبده أن يتوب.
كما قال تعالى: (ثم تاب عليهم ليتوبوا ( [التوبة: ١١٨] ، أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا (٣) .
والثاني قبولها منه، كما قال تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ( [الشورى: ٢٥] ، وقال تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ( [طه: ٨٢] ، ويجمعهما قوله تعالى: (وأنا التواب الرحيم ( [البقرة: ١٦٠] .
وهي من العبد: الرجوع والإنابة إلى الله ، والإخلاص له مع الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة إليها، وأن تكون في وقتها المناسب (٤) .
ومعنى (على الله) أي: التزم بها وأوجبها على نفسه (٥) ، تفضلاً منه ورحمة، ومنَّةً منه وكرماً (٦) .
كما قال تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ( [الأنعام: ٥٤] .
وقال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيءٍ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ( [الأعراف: ١٥٦] .
стр. 5889
وقال سبحانه في الحديث القدسي: "إن رحمتي تغلب غضبي" وفي رواية «سبقت غضبي» (١) .
قوله (يعملون السوء) صلة الموصول "الذين" أي: يعملون العمل السيء القبيح الذي يسوء صاحبه، وربما يسوء غيره إذا كان مما يتعدى إلى الغير.
قال تعالى: (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً ( [الإسراء: ٧] .
والمعنى: يعملون الأعمال السيئة من ترك الواجبات، وفعل المحظورات فهو عام لجميع المعاصي (٢) ، لأن المعاصي كلها تسوء مرتكبها وتسوء غيره.
تسوء مرتكبها عاجلاً بظهور آثارها عليه في حياته ظلمة في الوجه وضيقاً في الصدر والخلق والرزق (٣) .
فيفقد من السعادة، في الحياة بقدر ما عمل من السوء. قال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء ( [الأنعام: ١٢٥] .
وقال تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ( [الزمر: ٢٢] .
وتسوؤه آجلاً بعد مماته بمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه.
وهي أيضاً تسوء غيره إما بتعديها إلى الغير مباشرة كالإساءة إليهم بالأذية لهم في دينهم أو أبدانهم أو أعراضهم أو أموالهم أو غير ذلك.
وإما بتأثيرها على حياتهم بما تسببه هذه الأعمال السيئة من محق البركات وقلة الخيرات، قال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ( [الروم: ٤١] .
стр. 5890
وفي الحديث: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا» (١) .
وإنما أفرد السوء والله أعلم إشارة إلى أن الأولى بالتوفيق للتوبة وقبولها من لم يكثر من الأعمال السيئة.
قوله (بجهالة) جار ومجرور، متعلق بمحذوف وقع حالاً (٢) ، أي: حال كونهم جاهلين.
فهو قيد لقوله (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء (، أي: لمن يعملون ذلك بجهالة. والباء في قوله (بجهالة) للمصاحبة أو للسببية، أي: مصحوبين بالجهالة، أو بسبب الجهالة (٣) .
ومعنى "بجهالة" بسفاهة (٤) ، ثم يرشدون، كما قال ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» الحديث (٥) ، أي: أن إيمانه يضعف عند ارتكابه لهذه الفاحشة، فكذا من عمل أي معصية، فإنه في حال ارتكابه المعصية يرتفع أو يضعف عنده الرشد ويصير سفيهاً.
стр. 5891
ولهذا أجمع الصحابة ﵃ على أن كل ذنب عُصِيَ الله به فهو جهالة، عمداً كان أوجهلاً (١) .
وقال الطبري (٢) : «عملهم السوء هو الجهالة التي جهلوها» يقال: أتاه بجهالة: أي فعل فعل الجهال» . وكما قيل:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٣)
وليس المراد بالجهالة الجهل ضد العلم، لأن من يعمل السوء وهو جاهل، غير عالم، غير مؤاخذ، ولا ذنب له، بل هو معذور، قال الله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( [البقرة: ٢٨٦] . وفي صحيح مسلم: «قال الله: قد فعلت» (٤) .
وأما الذي يجب عليه التوبة فهو من عمل السوء عالماً.
قال ابن عطية (٥) : «وليس المعنى أن تكون الجهالة أن ذلك الفعل معصية، لأن المتعمد للذنوب كان يخرج من التوبة، وهذا فاسد إجماعاً» .
стр. 5892
قوله: (ثم يتوبون (أي: ثم بعد رشدهم وزوال السفه عنهم يتوبون، أي: يرجعون إلى الله وينيبون إليه بترك العمل السيء مع الندم على فعله والعزم على عدم العودة إليه والإخلاص لله تعالى.
قوله: (من قريب) «من» تبعيضية، أي: في وقتٍ وحالٍ تقبل فيهما التوبة. وذلك قبل حضور الموت ومعاينة علاماته من حضور الملائكة وغلبة المرء على نفسه، وبلوغ الروح الحلقوم (١) ، لقوله تعالى بعد هذه الآية: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ( [النساء: ١٨] (٢) ، لأنه لابد أن تكون التوبة في حالٍ يعقل فيها المرء معنى التوبة، ويصح منه الندم على فعل السوء والعزم على عدم العودة إليه (٣) .
ولقوله ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (٤) .
стр. 5893
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. قال الرب : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (١) .
وقوله «من قريب» فيه إشارة إلى أن الأجل آت، وكل آت قريب، وتنبيه على أن مدة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة (٢) .
وقد أحسن محمود الوراق في قوله:
قدم لنفسك توبة مرجوة ... قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غلق النفوس فإنها ... ذخر وغنم للمنيب المحسن (٣)
ويدخل تحت الآية أيضاً قول من قال: (ثم يتوبون من قريب (، أي: عن قرب عهد بالمعصية من غير إصرار عليها (٤) ، لأن من استمر على المعصية وأصر عليها قد تعسر عليه التوبة، وقد لا يوفق لأسبابها، وقد تحول ذنوبه ومعاصيه بينه وبين التوبة، كما قال تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ( [المطففين: ١٤] ، وقال تعالى: (فلما زاغوا أزاع الله قلوبهم ( [الصف: ٥] ، وقال تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ( [الأنعام: ١١٠] .
وإذا كانت التوبة تقبل قبل حضور الموت ولو بزمن قليل فقبولها قبل ذلك من باب أولى (٥) .
قوله تعالى: (فأولئك يتوب الله عليهم (الفاء عاطفة.
أولئك: إشارة للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب.
стр. 5894
وأشار إليهم بإشارة البعيد: «أولئك» إشارة إلى علو منزلتهم بالتوبة. و «أولئك» مبتدأ، وخبره جملة «يتوب الله عليهم» .
وهذه الجملة توكيد لما قبلها، فقد حصر سبحانه التوبة في الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، والتزم بذلك لهم، ثم أكده بقوله (فأولئك يتوب الله عليهم (فهذا وعد من الله بأن يفي لهم، ويقبلها منهم بعد أن وفقهم إليها (١) .
قوله تعالى: (وكان الله عليماً حكيماً (.
كان: مسلوبة الزمن، تفيد تحقيق اتصاف اسمها بخبرها، أي: أنه سبحانه متصف بالعلم والحكمة أزلاً وأبداً.
عليماً: خبر كان منصوب، وهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن «فعيل» صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، وهو مشتق من العلم وهو إدراك الأشياء على ما هي عليه إدراكاً جازماً.
أي: أنه ذو علم تام، كامل، كما قال كليمه موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام عندما سئل عن القرون الأولى: (قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ( [طه: ٥٢] .
فنفى عن ربه الضلال وهو الجهل السابق، والنسيان وهو الضلال اللاحق.
وعلمه علم واسع شامل للأشياء كلها في أطوارها الثلاثة قبل الوجود، وبعد الوجود، وبعد العدم.
كما قال تعالى: (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ( [الطلاق: ١٢] .
وقال تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولايابس إلا في كتاب مبين ( [الأنعام: ٥٩] .
وقال تعالى: (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ( [يونس: ٦١] لا يعتري علمه شك ولا ظن، بل هو علم يقين.
стр. 5895
حكيماً: خبر ثان لكان. وهو اسم من أسماء الله، مشتق من الحكم والحكمة، على وزن «فعيل» صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، يدل على أنه ذو الحكم التام وذو الحكمة التامة البالغة (١) .
له الحكم بأقسامه الثلاثة: الحكم الكوني القدري والحكم الشرعي، والحكم الجزائي. وله الحكمة بقسميها: الحكمة الغائية والحكمة الصورية (٢) .
وقد ختم الله هذه الآية بقوله: (إن الله كان عليماً حكيماً (.
بعد أن ذكر أنه التزم بقبول التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم تاب من قريب، ليبين أن توبته على هؤلاء عن علم وحكمة، فهو أعلم بمن يستحق التوبة ممن توفرت فيهم شروطها ممن لا يستحقها.
وهو سبحانه يوفق للتوبة برحمته من اقتضت حكمته توفيقه لها، ويخذل بعدله من اقتضت حكمته عدم توفيقه، فهو سبحانه حكيم يضع الأمور مواضعها (٣) .
قال تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً (.
صلة الآية بما قبلها:
حصر الله في الآية السابقة التوبة في الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، ومفهوم هذه الآية أن من عداهم ممن يستمرون على عمل السيئات حتى حضور الموت ليس لهم توبة، وقد صرح بهذا المفهوم في الآية الثانية توكيداً لذلك، فقال تعالى: (وليست التوبة للذين يعلمون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً (.
أي: لما بين من تقبل منهم التوبة أتبع ذلك ببيان من لا تقبل منهم التوبة (٤) .
معاني المفردات والجمل:
قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات (.
стр. 5896
الواو: عاطفة.
و «ليس» نافية، وهي فعل ماض ناقص جامد.
«التوبة» اسم ليس مرفوع بها.
قوله (للذين) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليس.
«يعملون السيئات» : الجملة صلة الموصول.
والسيئات: جمع سيئة، ويحتمل أن يراد بها جنس السيئات، أي: يعملون جنس السيئات، ويحتمل أن يراد به الجمع نفسه، أي: جمع السيئات، وجمعت إشارة إلى أن كثرتها وتراكمها سبب لعدم التوبة. والأول أولى وأظهر وأشمل، والثاني هو ظاهر اللفظ. وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا وهذا، فالعموم أولى (١) .
قوله تعالى: (حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن (.
«حتى» : لابتداء الغاية، وما بعدها غاية لما قبلها.
«إذا» ظرفية شرطية.
«حضر» فعل الشرط، وجوابه (قال إني تبت الآن) .
«والموت» : هو خروج الروح عن البدن ومفارقتها له، الذي كتبه الله على جميع الخلق، قال تعالى: (كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( [الرحمن: ٢٦، ٢٧] ، وقال تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون ( [الزمر: ٣٠] ، وقال جبريل للنبي ﷺ : «يا محمد عش ما شئت فإن ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه» (٢) .
ومعنى حضور الموت: أي: حضور أسبابه وعلاماته من رؤية الملائكة وغلبة المرء على نفسه وبلوغ الروح الحلقوم (٣) .
стр. 5897
قوله (قال إني تبت الآن) .
أي: قال في هذه الحال حال حضور الموت واليأس من الحياة: إني تبت الآن. فهؤلاء لا تنفعهم التوبة في هذه الحال (١) ، لأن توبتهم توبة اضطرار لا اختيار، كما قال تعالى عن فرعون: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ( [يونس: ٩٠، ٩١] .
وقال تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ((٢) [غافر: ٨٤، ٨٥] ، وقال تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ( [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] .
قال الحافظ ابن كثير (٣) : «فأما متى وقع الإياس من الحياة وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم (٤) فلا توبة متقبلة حينئذ ولات حين مناص ... كما قال تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده (الآيتين. وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها، كما قال تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً (] الأنعام:١٥٨ [. قوله تعالى: (ولا الذين يموتون وهم كفار (الواو حرف عطفو «لا» زائدة من حيث الإعراب مؤكدة من حيث المعنى.
стр. 5898
«الذين» اسم موصول معطوف على اسم الموصول الذي قبله في قوله: (للذين يعملون (أي: وليست التوبة أيضاً للذين يموتون وهم كفار، أي: تخرج أرواحهم من أجسادهم وهم مازالوا على الكفر (١) . وفي عطف هؤلاء على من تيئيس لمن يحضرهم الموت وهم يعملون السيئات من قبول التوبة، فكما لا تقبل التوبة ممن يموتون على الكفر لا تقبل ممن يحضرهم الموت وهم يعملون السيئات.
والكفر في الأصل: الستر، ومنه يقال للزارع كافر؛ لأنه يستر البذر في الأرض، قال تعالى: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته ( [الحديد: ٢٠] ، أي: الزرّاع.
وهو نوعان: كفر أكبر مخرج من الملة موجب للخلود في النار، وكفر أصغر لا يخرج من الملة وهو موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود، كما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (٢) .
والكفر الأكبر خمسة أنواع: كفر تكذيب وجحود، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق (٣) .
والمراد بالتوبة بالنسبة للذين يموتون وهم كفار: ندمهم بعد الموت وتقطع قلوبهم حسرات على تفريطهم أيام الحياة، لأن من مات انقطع عمله، فلا توبة تقبل منه ولا عمل، لأن دار العمل هي الدنيا. أما الآخرة فهي دار الجزاء. قال تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ( [محمد:٣٤] .
стр. 5899
قال ابن عطية (١) : «والإيمان للكافر ليس نفس توبته، وإنما ندمه على سالف كفره» .
وقال ابن كثير (٢) : «يعني أن الكافر إذا مات على كفره وشركه، لا ينفعه ندمه وتوبته، ولا يقبل منه فدية، ولو بملء الأرض» .
قال تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ( [الأنعام: ٢٧، ٢٨] .
وقال تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ( [الزمر، ٥٦ ٥٨] .
قوله تعالى: (أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً (الإشارة للذين يموتون وهم كفار (٣) ، لأن عذابهم محقق، أما من مات على ما دون الكفر من المعاصي فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء عفا عنه وغفر له.
قوله (أعتدنا لهم) أي: أعددنا وهيأنا وجهزنا لهم، ومنه العتاد (٤) ، وهو ما يعد للضيف، وما يعده المسافر لسفره، ومنه العتيد قال تعالى: (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ( [ق:٢٣] ، أي: حاضر.
وقد عبر عن نفسه بضمير العظمة «نا» ، لأنه سبحانه هو العظيم ذو العظمة التامة.
قوله: (عذاباً أليماً) :
أليماً: «فعيلاً» بمعنى: «مفعلاً» أي: مؤلماً موجعاً غاية الإيلام والإيجاع (٥) حسيًّا، ومعنويًّا.
الفوائد والأحكام:
стр. 5900
١ فضل الله على عباده، وامتنانه عليهم في إيجابه التوبة على نفسه، والتزامه بها لهم لقوله: (إنما التوبة على الله (، فهو سبحانه الذي منّ بالتوبة على من شاء من عباده، وهو الذي قبلها منهم.
٢ أن لله أن يوجب على نفسه ما شاء، وهذا من كماله لقوله تعالى: (إنما التوبة على الله (، كما قال تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ( [الأنعام: ٥٤] .
وقال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ( [الأعراف: ١٥٦] ، وقال تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ( [الشورى: ٢٥] ، وقال تعالى: (وإني لغفار لمن تاب ( [طه: ٨٢] ، وقال تعالى: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ( [الروم: ٤٧] .
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: «كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قلت الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد ألا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً» (١) .
стр. 5901
فهو سبحانه الذي مَنّ على من شاء من عباده، فوفقهم للعمل، ومنَّ عليهم بقبوله منهم وإثابتهم عليه، ولهذا يسمي سبحانه جزاء الأعمال وثوابها «أجراً» (١) ، كما يسمي سبحانه الصدقة «قرضاً» (٢) ، تفضلاً منه وامتناناً وإحساناً، وأنه سبحانه ألزم نفسه بالثواب لمن عمل صالحاً، ولقد أحسن القائل (٣) :
ما للعباد عليه حق واجب ... ... كلا ولا عمل لديه ضائع
إن عُذِّبوا فبعدله أو نُعِّموا ... ... فبفضله وهو الكريم الواسع
وأحسن من هذا قول ابن القيم في «النونية» (٤) مضمناً مقاله هذين البيتين، ومبيناً أنه لا واجب على الله للعباد إلا ما أوجبه على نفسه بفضله ومنه، وأنه لا يضيع لديه عمل اشتمل على الإخلاص لله والإحسان في المتابعة لرسول الله ﷺ (٥) . قال:
ما للعباد عليه حق واجب ... ... هو أوجب الأجر العظيم الشان
كلا ولا عمل لديه ضائع ... ... إن كان بالإخلاص والإحسان
إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... ... فبفضله والفضل للمنان
كما أن له أن يحرِّم على نفسه ما شاء، كما في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا» (٦) .
فله إن يوجب على نفسه ما شاء، ويحرم على نفسه ما شاء. كما قال : (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون ( [الأنبياء: ٢٣] .
стр. 5902
وليس للعباد أن يوجبوا عليه شيئاً، كما تقول المعتزلة ومن سلك مسلكهم في أن قبول التوبة واجب على الله بطريق العقل، ويرون أن الأعمال عوض عن دخول الجنة، وأن من عمل صالحاً وجب على الله أن يدخله الجنة بطريق العقل (١) .
والصحيح عند أهل السنة أن العمل الصالح إنما هو سبب لدخول الجنة، ودخولها إنها هو برحمة الله، الذي كتب على نفسه الرحمة شرعاً وسمعاً، ولهذا قال ﷺ : «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (٢) .
وكيف يجب على الله واجبات لخلقه بطريق العقل، علماً بأنه ينبغي أن يكون الموجِب فوق الموجَب عليه، والله جل وعلا فوق الجميع وربهم وخالقهم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيراً (٣) .
стр. 5903
٣ الترغيب في التوبة، لأن الله أوجبها على نفسه، ويحب من اتصف بها، كما قال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ( [البقرة: ٢٢٢] ، وهي واجبة على جميع العباد، قال تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ( [النور: ٣١] (١) ، وقال ﷺ : «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فوالله إني لأتوب إليه في اليوم مائة مرة» (٢) ، وقال ﷺ : «لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم بضالته إذا وجدها بعد أن أيس منها وعليها طعامه وشرابه» (٣) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) «كل مؤمن لابد له من التوبة، ولا يكمل أحد إلا بها» وقال أيضاً (٥) : «وليست التوبة نقصاً بل هي من أفضل الكمالات والله قد أخبر عن عامة الأنبياء بالتوبة والاستغفار: عن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم» . وقد قيل: «رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزًّا واستكباراً» (٦) .
٤ أن كل عامل للسوء فإنما يعمله بجهالة وسفه وعدم رشد، وأن كل ذنب عُصِيَ الله به فهو جهالة، سواء كان فاعله عالماً أو جاهلاً، ذاكراً أو ناسياً، متعمداً أو مخطئاً، مختاراً أو مكرهاً، لقوله: (للذين يعملون السوء بجهالة (.
стр. 5904
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) : «فمن عصى الله فهو جاهل أيا كان، ومن أطاعه فهو عالم، ولهذا قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء (فكل عالم يخشاه، فمن لم يخش الله فليس من العلماء، بل من الجهال قال ابن مسعود: «كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار به جهلاً» وقال رجل للشعبي: أيها العالم فقال: إنما العالم من يخشى الله» .
٥ أن من معاني الجهل: السفه وعدم الرشد في الدين، لأن المراد بقوله (بجهالة) بسفه وعدم رشد، كما قال تعالى: (ومن يرغب من ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ( [البقرة: ١٣٠] .
وقال تعالى: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ( [الأنعام: ١٤٠] .
وليس معنى الجهالة في الآية الجهل ضد العلم، لأن التوبة تقبل ممن عمل السوء عالماً بالإجماع (٢) ، كما قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ( [الزمر: ٥٣ ٥٥] .
بل إن من شرط المؤاخذة على الذنب كون مرتكبه عالماً بأنه ذنب ومعصية، لأن الجاهل غير مؤاخذ كما قال تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا (قال الله في الحديث القدسي: «قد فعلت» (٣) .
стр. 5905
فإن كانت المعصية التي فعلها جهلاً أوخطأً من باب الإخلال بالمأمور، فعليه أن يأتي بما أخل به أو بما يجبره، فمن ترك التشهد الأول في الصلاة مثلاً فعليه أن يأتي به ما لم يستتم قائماً، وإلا جبره بسجود السهو، ومن أخل بالطمأنينة في الصلاة فعليه أن يعيدها بطمأنينة، كما قال ﷺ للمسيء في صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (١) .
وإن كانت المعصية التي ارتكبها جهلاً أو خطأً، من باب ارتكاب المحظور كحلق الشعر بالنسبة للمحرم فلا شيء عليه إلا في القتل خطأ فإن القاتل تلزمه الكفارة حقاً لله تعالى، وإن كان غير آثم، كما يجب عليه التوبة، وكذا كل من عمل معصية من ترك مأمور أو انتهاك محظور، وإن كان ذلك خطأ لقوله في كفارة القتل الخطأ: (فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً ( [النساء: ٩٢] ، أما ما كان من حقوق الآدميين فلا يسقط بحال، بل يجب عليه أداؤه وإن كان إتلافه له جهلاً منه أو خطأ (٢) .
٦ وجوب المبادرة إلى التوبة لقوله: (ثم يتوبون من قريب (أي: قبل حضور الموت، وإذا كان الإنسان لا يدري متى يحضره الموت، ويفجأه الأجل، فالواجب عليه المبادرة بالتوبة حتى لا يأتيه الموت على غرة، وهو مقيم على المعصية.
قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمر ﵄: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» .
وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك» (٣) .
стр. 5906
٧ أن من شرط قبول التوبة أن يتوب الإنسان من قريب أي في الحياة، وقبل حضور الموت، لقوله: (ثم يتوبون من قريب (لكن ليس من شرط قبول التوبة أن تكون عقب الذنب مباشرة، لأن «ثم» للتراخي، لكن الواجب كما سبق المبادرة إليها.
٨ التحذير من الإصرار على المعصية والتسويف، وتأخير التوبة لقوله: (ثم يتوبون من قريب (لأن الإصرار على المعصية قد يكون سبباً لعدم التوفيق للتوبة وعدم قبولها وسبباً لقسوة القلب وانطماس البصيرة والعياذ بالله، قال تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ( [المطففين: ١٤] .
وفي الحديث: «إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء» (١) .
والإصرار على الصغائر يجعلها كبائر.
قال عبد الله بن عباس ﵄: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار» (٢) .
وكما قيل:
لا تحقرن من الذنوب صغيرة ... ... إن الصغير غداً يكون كبيراً
وقال الآخر:
لا تحقرن صغيرة ... ... إن الجبال من الحصا (٣)
٩ أن من تاب عن قرب عهد بالمعصية فهو أحرى من غيره بقبول التوبة، لقوله: (ثم يتوبون من قريب (.
١٠ قبول التوبة ممن تاب من قريب، لأن الله حصر التوبة فيهم، فقال: (إنما التوبة على الله للذين يعلمون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب (، ثم أكد ذلك بقوله: (فأولئك يتوب الله عليهم (.
١١ إثبات اسم الله تعالى «العليم» وما يدل عليه من إثبات صفة العلم التام الشامل لله ، لقوله: (وكان الله عليما (.
١٢ إثبات اسم الله تعالى «الحكيم» وما يدل عليه من إثبات صفة الحكم والحكمة لله : الحكم الشرعي والكوني والجزائي، والحكمة بقسميها: الغائية والصورية.
стр. 5907
١٣ أن الله شرع التوبة لعباده عن علم منه وحكمة، وذلك لضعفهم أمام نوازع الشر، ووفق بعلمه وحكمته للتوبة من شاء منهم، وخذل من شاء فلم يوفقه لها لقوله: (وكان الله عليماً حكيماً (.
١٤ أن الكمال في اجتماع العلم والحكمة. فالعلم وحده لا يكفي، بل قد يضر إذا صاحبه طيش وعجلة، والحكمة وحدها لا تكفي بدون العلم، بل قد تضر إذا صاحبها الجهل. ولهذا وصف الله نفسه بأكمل الكمالين، وهو اجتماع العلم والحكمة، وكمال كل منهما وتمامه، فقال: (وكان الله عليماً حكيماً (.
١٥ بلوغ القرآن الكريم الغاية في الإيضاح والبيان، لأن الله حصر التوبة في الذين يعملون السوء بجهالة، ثم يتوبون من قريب. ومفهوم هذا أن من استمر على عمل السوء حتى حضره الموت ليس له توبة، وتوكيداً لذلك وزيادة في البيان والإيضاح جاء التصريح بهذا المفهوم بقوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن (.
١٦ أن التوبة تنقطع بحضور الموت، لقوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ((١) .
стр. 5908
وقال ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (١) .
لأن التوبة في هذه الحال توبة اضطرار لا اختيار، فلا تنفع صاحبها. كما تنقطع التوبة بطلوع الشمس من مغربها كما قال : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً (.
قال ابن القيم (٢) : «وأما إذا وقع في السياق، فقال: إني تبت الآن لم تقبل توبته، ذلك لأنها توبة اضطرار، لا اختيار، فهي كالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها ويوم القيامة، وعند معاينة بأس الله» .
فتجب المبادرة إلى التوبة والحذر من التسويف مادامت التوبة ممكنة وبابها مفتوحاً، قبل غلق الباب وطي الكتاب، وهذا هو أحد شروط التوبة، وهو أن تكون في وقتها الذي تصح فيه، وذلك أن شروط التوبة خمسة:
الشرط الأول: الإخلاص لله تعالى، بأن تكون التوبة صادقة نصوحاً، ابتغاء وجه الله، وطلب مرضاته ومحبته، والخوف من عذابه، لا رياءً، ولا سمعةً، ولا خوفاً من مخلوق، ولا لغرض دنيوي ونحو ذلك، قال تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ( [التحريم: ٤] ، والإخلاص شرط في جميع الأعمال، قال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعباده ربه أحداً ( [الكهف: ١١٠] .
وقال تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (٣) .
стр. 5909
الشرط الثاني: الإقلاع عن المعصية، وتركها والبعد عنها، فإن كان فيها حق لآدمي من دم أو مال أو غير ذلك، وجب رده إليه أو استحلاله منه. قال ﷺ : «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئاته فطرحت عليه» (١) . وإن كان حق عرض من غيبة أو نميمة استحله منه إن أمكنه ذلك ولم يخشَ شراً بسبب ذلك، فإن لم يمكنه ذلك أو خشي أن يحصل شر بسبب إعلامه بذلك خاصة إذا عرف أنه لم يعلم بذلك؛ استغفر له، وأثنى عليه بخير في المواضع التي اغتابه فيها.
ومن هنا يعلم أن رد حقوق الآدميين لا يعتبر شرطاً مستقلاً كما يذكره بعض أهل العلم بل إنه داخل ضمن شرط الإقلاع عن المعصية، إذ كيف يعد مقلعاً عن المعصية من كانت حقوق الناس عنده.
فإذا كان صاحب الحق قد مات رد ذلك الحق إلى ورثته فإن لم يمكن رده تصدق به عنهم واستغفر للميت، ومن الإقلاع عن المعصية الاعتراف والإقرار، قال ﷺ لعائشة ﵂: «إن كنت ألممت بشيء فأقري، فإن الاعتراف توبة» (٢) .
الشرط الثالث: الندم على فعل المعصية بحيث يحس بحرقة وحزن وأسى في نفسه على ارتكابه هذه المعصية، ويود أنه لم يفعل ذلك، ولا يكون تائباً من كان عديم المبالاة بما ارتكب من معصية الله.
وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الندم توبة» (٣) .
الشرط الرابع: العزم الأكيد في نفسه على ألا يعود إلى تلك المعصية بحيث يصمم ويعزم على ألا يرتكب تلك المعصية مرة ثانية.
стр. 5910
فإن أضمر في نفسه أنه سيعود إليها فلا يعد تائباً، لأن فعله هذا استهزاء ومخادعة لمن يعلم السر وأخفى، لكن لو تاب وعزم على ألا يعود إلى المعصية لكن غلبه شيطانه وهواه ونفسه الأمارة بالسوء فعاود المعصية مرة ثانية فتوبته الأولى صحيحة لكن عليه أن يجدد التوبة من معاودته للمعصية، وهكذا كلما وقع في المعصية فعليه تجديد التوبة ما لم يضمر العودة إليها فلا توبة له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولو تاب العبد، ثم عاد إلى الذنب قبل الله توبته الأولى، ثم إذا عاد استحق العقوبة، فإن تاب تاب الله عليه أيضاً، ولا يجوز للمسلم إذا تاب، ثم عاد، أن يصر، بل يتوب، ولو عاد في اليوم مائة مرة» (١) .
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتها قبل حضور الموت وغلبة المرء على نفسه وبلوغ الروح الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها. أما الأول فلقوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن (. وقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ( [غافر: ٨٤، ٨٥] . وقال تعالى: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * ألآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ( [يونس: ٩٠، ٩١] .
وقال ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (٢) .
وأما الثاني: وهو طلوع الشمس من مغربها فلقوله ﷺ : «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (٣) .
стр. 5911
وقوله ﷺ : «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (١) .
وجعل بعض أهل العلم من شرط التوبة أن يتوب عن جميع المعاصي، لأن هذا هو مقتضى تعظيم التائب لربه أن ينزع عن جميع المعاصي، وجعل بعضهم هذا شرطاً سادساً من شروط التوبة، واستدلوا بقوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ( [الفرقان: ٧٠. وبقوله تعالى: (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ( [النساء: ١٦] . وبقوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ( [المائدة: ٣٩] .
وقال بعضهم: إنما يشترط للتوبة أن لا يصر على ذنب من جنس الذنب الذي تاب منه فيشترط فيمن تاب من الزنا أن يتوب عن دواعيه من النظر المحرم، والخلوة المحرمة واللمس المحرم، ونحو ذلك. ولا يشترط لها أن يتوب عما ليس من جنسه فتقبل توبته عن الزنا، وإن كان مرتكباً لمعصية الإسبال مثلاً.
стр. 5912
والصحيح أن التوبة من ذنب تقبل وإن كان مصرًّا على غيره، خلافاً للمعتزلة الذين يقولون لا يعتبر تائباً من أقام على ذنب وذلك لأن من تاب من ذنب يقال له تائب مطلق توبة. ومن عدل الله أن يجازيه على توبته من ذلك الذنب، كما قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ( [الزلزلة: ٧، ٨] ، لكن لا يستحق الوصف بالتوبة المطلقة إلا من تاب من جميع الذنوب وأصلح جميع أعماله. فهذا هو التائب التوبة المطلقة من جميع الذنوب (١) .
١٧ أن جميع إقرارات المحتضر على نفسه أو ماله وتبرعاته وسائر تصرفاته في هذه الحال لا اعتبار لها، لقوله: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن (فلو تصدق في هذه الحال لم ينفعه ذلك بل ولا تنفذ صدقته إلا بإجازة الورثة، قال تعالى: (وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ( [المنافقون: ١٠] .
وقال ﷺ : «خير الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر، ولا تهمل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» (٢) .
١٨ أن الذين يموتون وهم كفار لا توبة لهم ولا ينفعهم ندمهم يوم القيامة، لقوله: (ولا الذين يموتون وهم كفار (.
стр. 5913
١٩ تيئيس من يحضرهم الموت وهم مصرون على عمل السيئات في عدم قبول توبتهم، وذلك بقرنهم مع الذين يموتون وهم كفار، مع أن هؤلاء ماتوا على الكفر ولا توبة لهم.
٢٠ أن النار موجودة الآن، لقوله (أعتدنا) أي: أعددنا وهيأنا. خلافاً لمن قال: إنها لم تخلق بعد (١) .
٢١ أن الله أعد للذين يموتون وهم كفار عذاباً مؤلماً موجعاً حسيًّا ومعنويًّا، لقوله: (أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً (.
٢٢ تعظيم الله لنفسه لقوله: (أعتدنا) بضمير العظمة «نا» .
٢٣ أن أهل النار المعذبين بها يتألمون على الدوام بما فيها من العذاب ألماً حسيًّا ومعنويًّا لقوله (عذاباً أليماً (.
وفي هذا إبطال لقول من يقول إنهم يكونون جهنميين ويتكيفون فيها ويتأقلمون، فلا يضرهم حرها ولا يحسون بألم العذاب فيها، أو تكون طبيعتهم طبيعة نارية فيتلذذون بالنار لموافقتها لطبعهم (٢)
стр. 5914
قال تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ( [النساء: ٥٦] .
وقال تعالى: (ولهم عذاب مقيم ( [المائدة: ٣٧] ، [التوبة: ٦٨] .
وقال تعالى: (لا يفتر عنهم وهم فيه مبسلون ( [الزخرف: ٧٥] .
* * *
الخاتمة:
الحمد لله الذي بمنه وفضله تتم الصالحات والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:
فمن خلال هذا البحث الموجز في موضوع التوبة وشروطها من خلال قول الله في سورة النساء (إنما التوبة على الله (الآية، والآية بعدها ظهرت لنا النتائج التالية:
أ – فضل الله على عباده في إيجابه التوبة على نفسه منة منه وتكرماً، وأنه سبحانه يوجب على نفسه ما شاء.
ب – الترغيب في التوبة، بل ووجوبها على العباد لأن الله أوجبها على نفسه ويحب من اتصف بها، ولهذا أوجبها على العباد.
ج - أن كل عامل للسوء إنما يعمله بجهالة وسفه وعدم رشد وإن كل ذنب عصى الله به فهو جهالة أياً كانت حال فاعله.
د - وجوب المبادرة إلى التوبة، وأن من شرط قبولها أن يتوب الإنسان من قريب في الحياة قبل بلوغ الروح الحلقوم، والتحذير من الإصرار على المعصية وتأخير التوبة لأن الإصرار على المعصية قد يكون سبباً لعدم التوبة أو عدم قبولها.
هـ - علم الله التام وحكمته البالغة ولهذا شرع التوبة لعباده.
إلى غير ذلك من النتائج التي تظهر جلية خلال هذا البحث.
والله أسأل أن يوفق الجميع لجميع ما يحبه ويرضاه إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5915
الأوقاف في العصر الحديث كيف نوجهها
لخدمة الجامعات وتنمية مواردها
د. خالد بن علي بن محمد المشيقح
الأستاذ المشارك بقسم الفقه بكلية الشريعة وأصول الدين
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم
ملخص بحث
اشتمل البحث على تمهيد وثلاثة مباحث:
أما التمهيد فتناول تعريف الوقف لغة واصطلاحاً، وأدلة مشروعية الوقف وأقسام الوقف وأهدافه، ونبذة تاريخية عن الوقف.
وأما المبحث الأول: فتناول الوقف على العلم، وفيه بيان شرعيته، والوقف على دور العلم، ومصادره.
وأما المبحث الثاني: فتناول الإفادة من الأوقاف الواقعة في نشر العلم، وفيه البحث في شرط الواقف، وحكم تغييره، وأقسام ذلك، وإمكانية الإفادة من الوقف إذا كان مصرفه طرق الخير، ونقل الوقف من محلة إلى أخرى، والإفادة من الوقف المنقطع.
وأما المبحث الثالث: فتناول السبل الشرعية للحث على تحبيس الأموال على دور العلم سواء كان ذلك في ميدان الدعوة، أو السياسة والحكم، أو الاقتصاد ثم بعد ذلك ختم البحث بأبرز النتائج، وبعض التوصيات.
* * *
المقدمة
إن الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ((١) .
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ((٢) .
стр. 5916
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ((١) .
أما بعد:
فقد جاءت الشريعة الإسلامية بالحث على عمل الخير، والإنفاق في سبيل الله، ومن ذلك توقيف الأموال وتحبيسها على أبواب البر والإحسان، فإن الوقف من الصدقات الجارية في حياة المتصدق وبعد وفاته، يعم خيرها، ويكثر برها، وتتضافر بها الجماعة في مد ذوي الحاجات، وإقامة المساجد، وإنشاء دور الخير من مستشفى جامع يطب أدواء الناس، ومدارس ومعاهد تنشر العلم وترفع الجهل، ونزل تؤي أبناء السبيل، وملاجىء تؤوي اليتامى، ولذا تكاثرت أبواب البر بأوقاف الصحابة، ثم التابعين، ثم من جاؤوا من بعدهم واتبعوا هديهم بإحسان، ولم يكن ذلك مقصوراً على الإنفاق على الفقراء، والمساجد، والمدارس والوقف عليها، بل أوقفوا الأموال على الحيوانات والبهائم المريضة والمسنة، إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره، كل ذلك يتم برغبة خالصة ابتغاء مرضاة الله .
وقد ظل الوقف طول تاريخ الإسلام يؤدي دوره على وجه التمام وخصوصاً فيما يتعلق بالعلم ودوره من حلقات في المساجد، وكتاتيب، ومدارس.
ومن هنا أحببت أن أجلي هذه المسألة، وأن أكتب في دور الوقف في نشر العلم؛ لما يترتب على ذلك من فائدة عظيمة تظهر في الحث على التحبيس على العلم وأهله، وتنشيط الهمم على ذلك أو بيان أثر الوقف في ذلك، فكانت الكتابة في: " الأوقاف في العصر الحديث كيف نوجهها لدعم الجامعات وتنمية مواردها ".
وقد رأيت جعل ما كتبته في تمهيد، وثلاثة مباحث:
- التمهيد، ويشتمل على أربعة مطالب:
... المطلب الأول: تعريف الوقف لغة.
... المطلب الثاني: تعريف الوقف في الاصطلاح.
... المطلب الثالث: أدلة مشروعيته.
стр. 5917
.. المطلب الرابع: أقسام الوقف، وأهدافه.
... المطلب الخامس: نبذة تاريخية عن الوقف.
المبحث الأول: الوقف على العلم، وفيه مطالب:
... المطلب الأول: شرعيته.
... المطلب الثاني: الوقف على دور العلم، وفيه أمور:
... الأمر الأول: الوقف على الأزهر، ودور الوقف في دعمه.
... الأمر الثاني: الوقف على الكتاتيب.
... الأمر الثالث: الوقف على المدارس.
... المطلب الثالث: الوقف على المكتبات.
المبحث الثاني: الإفادة من الأوقاف الواقعة في نشر العلم:
... المطلب الأول: إمكانية الإفادة بتغيير شرط الواقف، وفيه أمران:
... الأمر الأول: قول العلماء شرط الواقف كنص الشارع.
... الأمر الثاني: أقسام تغيير شرط الواقف، وخلاف العلماء في ذلك.
... المطلب الثاني:الإفادة من الوقف إذا كان مصرفه في سبيل الله، أو طرق الخير، والثواب.
المطلب الثالث: الإفادة من نقل الوقف من محلة إلى محلة أخرى.
المطلب الرابع: الإفادة من الوقف المنقطع.
المبحث الثالث: السبل الشرعية للحث على تحبيس الأموال على دور العلم، ومنها الجامعات:
وفيه مطالب:
... المطلب الأول: في ميدان الدعوة.
... المطلب الثاني: في ميدان السياسة والحكم.
... المطلب الثالث: في ميدان الاقتصاد.
وقد سلكت في كتابة هذا البحث المنهج العلمي في كتابة البحوث العلمية.
فقمت بترقيم الآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة ﵃.
وتحرير مذاهب الأئمة، وتوثيق أقوال العلماء من مصادرها المعتبرة حسب المستطاع، وبيان أدلتهم، وما ورد عليها من مناقشات (١) .
ثم ختمت البحث بأبرز النتائج التي توصلت إليها.
والله أسأل أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
***
التمهيد:
стр. 5918
المطلب الأول: معنى الوقف لغة
قال ابن فارس: " الواو والقاف والفاء: أصل واحد يدل على تمكُّث في شيء ثمّ يقاس عليه، والوقف مصدر ... " (١) .
وقال الفيومي: " وقفت الدابة تقف وَقْفاً ووقوفاً: سكنت، ووقفتها يتعدى، ولا يتعدى ... " (٢) .
" أما أوقف فهي لغة رديئة " (٣) .
وقيل للموقوف " وقف " تسمية بالمصدر، ولذا جمع على " أوقاف " كوقت وأوقات (٤) .
والوقف هو: الحبس، والتسبيل (٥) ، يقال: وقفت الدابة وقفاً حبستها في سبيل الله.
والحبس: المنع (٦) . وهو يدل على التأبيد، يقال: وقف فلان أرضه وقفاً مؤبداً، إذا جعلها حبيساً لا تباع ولا تورث (٧) .
المطلب الثاني: تعريف الوقف في الاصطلاح
اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفهم للوقف شرعاً، وذلك تبعاً لاختلافهم في لزوم الوقف وعدم لزومه، ومصير العين الموقوفة بعد الوقف، وغير ذلك. وهذه طائفة من هذه التعريفات:
التعريف الأول:
هو تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته، يصرف ريعه إلى جهة برّ تقرباً إلى الله تعالى.
стр. 5919
وإلى هذا التعريف ذهب الشافعية (١) ، والحنابلة (٢) ، على أن بعضهم يترك بعض القيود للعلم بها، ولهذا عرّفه بعض أصحاب هذا القول بقوله: "تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة" (٣) .
قال المرداوي: أراد من حدّ بهذا الحدّ مع شروط الوقف المعتبرة، وأدخل غيرهم الشروط في الحدّ (٤) .
شرح التعريف:
قولهم: "تحبيس مالك": سواء بنفسه أو نائبه.
وقولهم: "مطلق التصرف": ومَنْ له مطلق التصرف هو: المكلف، البالغ العاقل، الحرّ، الرشيد (٥) .
وهذان القيدان لم يذكرهما الشافعية في تعريفاتهم للعلم بهما، ولاشتراطهما لكل تصرف يرتب عليه الشارع أثراً شرعياً، فهم يشترطون في الواقف " صحة عبارته، وأهلية التبرع " (٦) .
وقولهم: "تحبيس " إشارة إلى الصيغة.
وقولهم: "ماله ": أي الشرعي، فخرج ما ليس شرعياً كالمحرم، وما كان مختصاً ككلب الصيد، ولهذا جاء في مطالب أولي النهى (٧) : " وعلم منه: أنه لا يصح الوقف من نحو مكاتب، ولا سفيه، ولا وقف نحو الكلب والخمر ... ".
وقولهم: "المنتفع به ": أي سواء كان الانتفاع به في الحال، أم لا كعبد صغير، وخرج بذلك: ما لا يمكن الانتفاع به نحو الحمار الزمن الذي لا يرجى برؤه.
وقولهم: " مع بقاء عينه ": أي ولو مدة قصيرة أقلها زمن يقابل بأجرة، وخرج به: ما لا ينتفع به إلا بذهاب عينه كشمعة للوقود وريحان مقطوع للشم وطعام للأكل، فلا يصح وقف شيء من ذلك؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا مع ذهاب عينه (٨) .
стр. 5920
وقولهم: " بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته ": متعلق بتحبيس على أنه تبيين له، أي: إمساك المال عن أسباب التملكات بقطع تصرف واقفه وغيره في رقبته بشيء من التصرفات (١) .
وقولهم: "بصرف ريعه": أي غلّة المال وثمرته ونحوها، بسبب تحبيسه (٢) .
وقولهم: " إلى جهة برّ ": هذا معنى قولهم " وتسبيل المنفعة " أي إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلّة وثمرة وغيرها للجهة المعينة (٣) .
والمراد بجهة البرّ: ما عدا الحرام، ولذلك عبر بعض الفقهاء بقولهم: "على مصرف مباح " (٤) ، فيخرج به المصرف الحرام، وزاد بعضهم كلمة "موجود" فقال " على مصرف مباح موجود" (٥) ، واشتراط كونه موجوداً مسألة خلافية (٦) ، ولهذا ذكر أبو الضياء: أن الأولى حذف كلمة " موجود " ليتأتى التعريف على كلا القولين (٧) .