(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ((١) .
أما بعد:
فقد جاءت الشريعة الإسلامية بالحث على عمل الخير، والإنفاق في سبيل الله، ومن ذلك توقيف الأموال وتحبيسها على أبواب البر والإحسان، فإن الوقف من الصدقات الجارية في حياة المتصدق وبعد وفاته، يعم خيرها، ويكثر برها، وتتضافر بها الجماعة في مد ذوي الحاجات، وإقامة المساجد، وإنشاء دور الخير من مستشفى جامع يطب أدواء الناس، ومدارس ومعاهد تنشر العلم وترفع الجهل، ونزل تؤي أبناء السبيل، وملاجىء تؤوي اليتامى، ولذا تكاثرت أبواب البر بأوقاف الصحابة، ثم التابعين، ثم من جاؤوا من بعدهم واتبعوا هديهم بإحسان، ولم يكن ذلك مقصوراً على الإنفاق على الفقراء، والمساجد، والمدارس والوقف عليها، بل أوقفوا الأموال على الحيوانات والبهائم المريضة والمسنة، إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره، كل ذلك يتم برغبة خالصة ابتغاء مرضاة الله .
وقد ظل الوقف طول تاريخ الإسلام يؤدي دوره على وجه التمام وخصوصاً فيما يتعلق بالعلم ودوره من حلقات في المساجد، وكتاتيب، ومدارس.
ومن هنا أحببت أن أجلي هذه المسألة، وأن أكتب في دور الوقف في نشر العلم؛ لما يترتب على ذلك من فائدة عظيمة تظهر في الحث على التحبيس على العلم وأهله، وتنشيط الهمم على ذلك أو بيان أثر الوقف في ذلك، فكانت الكتابة في: " الأوقاف في العصر الحديث كيف نوجهها لدعم الجامعات وتنمية مواردها ".
وقد رأيت جعل ما كتبته في تمهيد، وثلاثة مباحث:
- التمهيد، ويشتمل على أربعة مطالب:
... المطلب الأول: تعريف الوقف لغة.
... المطلب الثاني: تعريف الوقف في الاصطلاح.
... المطلب الثالث: أدلة مشروعيته.
стр. 5917
.. المطلب الرابع: أقسام الوقف، وأهدافه.
... المطلب الخامس: نبذة تاريخية عن الوقف.
المبحث الأول: الوقف على العلم، وفيه مطالب:
... المطلب الأول: شرعيته.
... المطلب الثاني: الوقف على دور العلم، وفيه أمور:
... الأمر الأول: الوقف على الأزهر، ودور الوقف في دعمه.
... الأمر الثاني: الوقف على الكتاتيب.
... الأمر الثالث: الوقف على المدارس.
... المطلب الثالث: الوقف على المكتبات.
المبحث الثاني: الإفادة من الأوقاف الواقعة في نشر العلم:
... المطلب الأول: إمكانية الإفادة بتغيير شرط الواقف، وفيه أمران:
... الأمر الأول: قول العلماء شرط الواقف كنص الشارع.
... الأمر الثاني: أقسام تغيير شرط الواقف، وخلاف العلماء في ذلك.
... المطلب الثاني:الإفادة من الوقف إذا كان مصرفه في سبيل الله، أو طرق الخير، والثواب.
المطلب الثالث: الإفادة من نقل الوقف من محلة إلى محلة أخرى.
المطلب الرابع: الإفادة من الوقف المنقطع.
المبحث الثالث: السبل الشرعية للحث على تحبيس الأموال على دور العلم، ومنها الجامعات:
وفيه مطالب:
... المطلب الأول: في ميدان الدعوة.
... المطلب الثاني: في ميدان السياسة والحكم.
... المطلب الثالث: في ميدان الاقتصاد.
وقد سلكت في كتابة هذا البحث المنهج العلمي في كتابة البحوث العلمية.
فقمت بترقيم الآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة ﵃.
وتحرير مذاهب الأئمة، وتوثيق أقوال العلماء من مصادرها المعتبرة حسب المستطاع، وبيان أدلتهم، وما ورد عليها من مناقشات (١) .
ثم ختمت البحث بأبرز النتائج التي توصلت إليها.
والله أسأل أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
***
التمهيد:
стр. 5918
المطلب الأول: معنى الوقف لغة
قال ابن فارس: " الواو والقاف والفاء: أصل واحد يدل على تمكُّث في شيء ثمّ يقاس عليه، والوقف مصدر ... " (١) .
وقال الفيومي: " وقفت الدابة تقف وَقْفاً ووقوفاً: سكنت، ووقفتها يتعدى، ولا يتعدى ... " (٢) .
" أما أوقف فهي لغة رديئة " (٣) .
وقيل للموقوف " وقف " تسمية بالمصدر، ولذا جمع على " أوقاف " كوقت وأوقات (٤) .
والوقف هو: الحبس، والتسبيل (٥) ، يقال: وقفت الدابة وقفاً حبستها في سبيل الله.
والحبس: المنع (٦) . وهو يدل على التأبيد، يقال: وقف فلان أرضه وقفاً مؤبداً، إذا جعلها حبيساً لا تباع ولا تورث (٧) .
المطلب الثاني: تعريف الوقف في الاصطلاح
اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفهم للوقف شرعاً، وذلك تبعاً لاختلافهم في لزوم الوقف وعدم لزومه، ومصير العين الموقوفة بعد الوقف، وغير ذلك. وهذه طائفة من هذه التعريفات:
التعريف الأول:
هو تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته، يصرف ريعه إلى جهة برّ تقرباً إلى الله تعالى.
стр. 5919
وإلى هذا التعريف ذهب الشافعية (١) ، والحنابلة (٢) ، على أن بعضهم يترك بعض القيود للعلم بها، ولهذا عرّفه بعض أصحاب هذا القول بقوله: "تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة" (٣) .
قال المرداوي: أراد من حدّ بهذا الحدّ مع شروط الوقف المعتبرة، وأدخل غيرهم الشروط في الحدّ (٤) .
شرح التعريف:
قولهم: "تحبيس مالك": سواء بنفسه أو نائبه.
وقولهم: "مطلق التصرف": ومَنْ له مطلق التصرف هو: المكلف، البالغ العاقل، الحرّ، الرشيد (٥) .
وهذان القيدان لم يذكرهما الشافعية في تعريفاتهم للعلم بهما، ولاشتراطهما لكل تصرف يرتب عليه الشارع أثراً شرعياً، فهم يشترطون في الواقف " صحة عبارته، وأهلية التبرع " (٦) .
وقولهم: "تحبيس " إشارة إلى الصيغة.
وقولهم: "ماله ": أي الشرعي، فخرج ما ليس شرعياً كالمحرم، وما كان مختصاً ككلب الصيد، ولهذا جاء في مطالب أولي النهى (٧) : " وعلم منه: أنه لا يصح الوقف من نحو مكاتب، ولا سفيه، ولا وقف نحو الكلب والخمر ... ".
وقولهم: "المنتفع به ": أي سواء كان الانتفاع به في الحال، أم لا كعبد صغير، وخرج بذلك: ما لا يمكن الانتفاع به نحو الحمار الزمن الذي لا يرجى برؤه.
وقولهم: " مع بقاء عينه ": أي ولو مدة قصيرة أقلها زمن يقابل بأجرة، وخرج به: ما لا ينتفع به إلا بذهاب عينه كشمعة للوقود وريحان مقطوع للشم وطعام للأكل، فلا يصح وقف شيء من ذلك؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا مع ذهاب عينه (٨) .
стр. 5920
وقولهم: " بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته ": متعلق بتحبيس على أنه تبيين له، أي: إمساك المال عن أسباب التملكات بقطع تصرف واقفه وغيره في رقبته بشيء من التصرفات (١) .
وقولهم: "بصرف ريعه": أي غلّة المال وثمرته ونحوها، بسبب تحبيسه (٢) .
وقولهم: " إلى جهة برّ ": هذا معنى قولهم " وتسبيل المنفعة " أي إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلّة وثمرة وغيرها للجهة المعينة (٣) .
والمراد بجهة البرّ: ما عدا الحرام، ولذلك عبر بعض الفقهاء بقولهم: "على مصرف مباح " (٤) ، فيخرج به المصرف الحرام، وزاد بعضهم كلمة "موجود" فقال " على مصرف مباح موجود" (٥) ، واشتراط كونه موجوداً مسألة خلافية (٦) ، ولهذا ذكر أبو الضياء: أن الأولى حذف كلمة " موجود " ليتأتى التعريف على كلا القولين (٧) .
стр. 5921
وقولهم: " تقرباً إلى الله تعالى "، أي لأجل التقرب إلى الله تعالى، وإن لم يظهر فيه قصد القربة كالوقف على الأغنياء (١) تودداً، أو على أولاده خشية بيعه بعد موته وإتلاف ثمنه من غير أن يخطر القربة بباله، بل قد يخطر بباله القصد المحرم كأن يستدين حتى يستغرق الدين ماله، وهو مما يصح وقفه فيخشى أن يحجر عليه ويباع ماله في الدين فيقفه، ليفوت على رب الدين، ويكون وقفاً لازماً، لكونه قبل الحجر عليه مطلق التصرف في ماله لكنه آثم بذلك، ومنهم مَنْ يقف على ما لا يقع عليه غالباً إلا قربة كالمساكين والمساجد، قاصداً بذلك الرياء، فإنه يلزم ولا يثاب عليه؛ لأنه لم يبتغ به وجه الله تعالى" (٢) .
التعريف الثاني:
هو حبس العين على حكم ملك الله تعالى فيزول ملك الواقف عنه إلى الله تعالى على وجه تعود منفعته على العباد، فيلزم ولا يباع، ولا يوهب، ولا يورث.
وإلى هذا التعريف ذهب أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وهو المذهب عند الحنفية (٣) .
والمعوّل والفتوى على قولهما (٤) .
التعريف الثالث:
هو حبس العين على ملك الواقف والتصدق بمنفعتها، أو صرف منفعتها على من أحب.
وإلى هذا القول ذهب الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- (٥) .
قوله: " على ملك الواقف ": إذ عند أبي حنيفة: أن الرقبة ملك الواقف حقيقة في حياته، وملك لورثته بعد وفاته بحيث يباع ويوهب، بخلاف ما عليه الصاحبان (٦) .
التعريف الرابع:
إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه، ولو تقديراً.
стр. 5922
وهذا تعريف ابن عرفة، وعليه كثير من المالكية (١) .
فقوله: "إعطاء منفعة" قيد أخرج عطية الذات، فإنها إما هبة، أو صدقة (٢) .
قوله: " مدة وجوده " أي الموقوف.
وفي الفواكه الدواني (٣) : " خلاف المعتمد، أو أنه بنى تعريفه على الغالب، فلا ينافي أنه يصح الوقف مدة من الزمان، ويصير الذي كان موقوفاً ملكا".
قوله: " لازماً بقاؤه في ملك معطيه " قيد خرج به العبد المخدم حياته يموت قبل موت ربه، لعدم لزوم بقائه في ملك معطيه؛ لجواز بيعه برضاه مع معطاه.
قوله: " ولو تقديرا " يحتمل: ولو كان الملك تقديرا كقوله: إن ملكت دار فلان فهي حبس.
ويحتمل: ولو كان الإعطاء تقديرا كقوله: داري حبس على من سيكون (٤) .
وأقرب التعاريف هو الأول؛ إذ هو أجمع التعاريف وأمنعها.
وأما التعريف الثاني: ففيه زيادة حكم الوقف.
وأما الثالث: ففيه الرجوع عن الوقف، وهو مخالف لمقتضى الوقف.
وأما التعريف الرابع: فقد تطرق إليه الاحتمال في قوله: " ولو تقديراً ".
المطلب الثالث: أدلة مشروعية الوقف
دل على شرعية الوقف: الكتاب، والسنة، والإجماع.
فمن القرآن:
قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ((٥) .
فإن أبا طلحة (٦) لما سمعها بادر إلى وقف أحب أمواله إليه، وهي بيرحاء - حديقة مشهورة -.
قوله تعالى: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين ((٧) ، ويدخل في ذلك الوقف.
стр. 5923
وقوله تعالى: (إنا نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ((١) .
ومن آثارهم الوقف بعد مماتهم (٢) .
ومن السنة:
١ - ما رواه ابن عمر ﵄ قال: " أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي (فقال: " أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت حبّست أصلها وتصدّقت بها. فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه " (٣) .
٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله (قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٤) .
... والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف، دون نحو الوصية بالمنافع المباحة لندرتها.
قال النووي -رحمه الله تعالى-: " وفيه دليل لصحة أصل الوقف، وعظيم ثوابه " (٥) .
أما الإجماع:
فقد قال القرطبي ﵀: " إن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً، وعائشة، وفاطمة، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، وجابراً، كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة " (٦) .
стр. 5924
وقال جابر ﵁: " لم يكن أحد من أصحاب النبي (ذو مقدرة إلا وقف " (١) .
وقال ابن هبيرة ﵀: " اتفقوا على جواز الوقف " (٢) .
وقال الشافعي ﵀ في القديم: " بلغني أن ثمانين صحابياً من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات ".
والشافعي ﵀ يسمي الأوقاف: الصدقات المحرمات (٣) .
وقال الترمذي ﵀: " والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي (وغيرهم لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك " (٤) .
وقال البغوي ﵀: " والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي (ومن بعدهم من المتقدمين لم يختلفوا في إجازة وقف الأرضين وغيرها من المنقولات، وللمهاجرين والأنصار أوقاف بالمدينة وغيرها، لم ينقل عن أحد منهم أنه أنكره، ولا عن واقف أنه رجع عما فعله لحاجة وغيرها " (٥) .
وقال ابن حزم ﵀: " وسائر الصحابة جملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من الشمس لا يجهلها أحد " (٦) .
المطلب الرابع: أقسام الوقف، وأهدافه
أقسام الوقف:
لم يكن المتقدمون يفرقون في التسمية بين ما وقف على الذرية، وما وقف على غيرهم من جهات البر، بل الكل يسمى عندهم وقفاً، أو حبساً، أو صدقة.
إلا أن المتأخرين مالوا إلى التمييز بين ما وقف على الذرية والأهل، وبين ما وقف ابتداءً على جهة من جهات البر، كالفقراء، أو طلبة العلم، أو المشافي، أو دور العلم.
فأطلقوا على الأول: وصف الوقف الذري - أو الأهلي - وعلى الثاني: وصف الوقف الخيري (٧) .
стр. 5925
وحقيقة الأمر أن الوقف شامل لكلا المسميين شمول النوع لأفراده، فالوقف سواء كان على الأهل، أو على سائر جهات البر، فيه معنى الخير، والإحسان، والصدقة، لا فرق.
أهداف الوقف:
يحقق الوقف باعتباره عملاً من أعمال البر والخير التي يؤديها المسلم بمحض إرادته واختياره هدفين، أحدهما عام، والآخر خاص.
أما الهدف العام: فإن الشارع قد أوجب على المسلمين التعاون، والتكاتف والتراحم، وقد شبه النبي (المسلمين " في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم بالجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (١) .
ولا شك أن من أهم نواحي اختبار المسلم في هذا المجال، جانب الإنفاق في سبيل الله، خدمة للجماعة، وقياماً بواجب النصرة.
وأوجه الإنفاق كثيرة ومتنوعة، ولا شك أن من أهمها تحبيس عين ذات نفع دائم، وتسبيل هذا النفع.
إذ يمتاز عن غيره من أوجه البر بميزة الديمومة التي بها يحفظ لكثير من الجهات العامة حياتها، ويساعد كثيراً من زوايا المجتمع على استمرارها، مما يضمن لكثير من طبقات الأمة لقمة العيش عند انصراف الزمن.
قال الدهلوي في مجال تبيان محاسن الوقف: " ... وفيه من المصالح التي لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالاً كثيراً ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيء أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبساً للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم منافعه، ويبقى أصله " (٢) .
стр. 5926
وقال أبو زهرة: " وإن الوقف الذي يكون فيه حبس العين على حكم الله تعالى والتصرف بالثمرة على جهات البر، هو نوع من الصدقات الجارية بعد وفاة المتصدق، يعم خيرها ويكثر برها، وتتضافر بها الجماعات في مد ذوي الحاجات، وإقامة المعالم، وإنشاء دور الخير، من مستشفى جامع يطب أدواء الناس، ونزل يؤوي أبناء السبيل، وملاجيء تؤوي اليتامى، وتقي الأحداث شر الضياع، فيكونوا قوة عاملة، ولا يكونوا قوة هادمة (١) .
أما الهدف الخاص: فإن الوقف يؤدي دوراً مهماً في تحقيق رغبة خاصة، مما هو مغروس في الطبيعة البشرية، فإن الإنسان يدفعه إلى فعل الخير دوافع عديدة، لا تخرج في مجملها عن مقاصد الشريعة وغاياتها. ومن أهم ذلك ما يلي:
١ - الدافع الديني: للعمل لليوم الآخر، فيكون تصرفه بهذا الشكل نتيجة من نتائج الرغبة في الثواب، أو التكفير عن الذنوب.
٢ - الدافع الغريزي: حيث تدفع الإنسان غريزته إلى التعلق بما يملك، والاعتزاز به، والحفاظ على ما تركه له آباؤه وأجداده، فيخشى على ما وصل إليه من ذلك، من إسراف ولد، أو عبث قريب، فيعمل على التوفيق بين هذه الغريزة، وبين مصلحة ذريته بحبس العين عن التملك والتمليك، وإباحة المنفعة، ولا يكون ذلك إلا في معنى الوقف أو ما في معناه.
٣ - الدافع الواقعي: المنبعث من واقع الواقف، وظروفه الخاصة حين يجد الإنسان نفسه في وضع غير مسؤول تجاه أحد من الناس، كأن يكون غريباً في مواطن ملكه، أو غريباً عمن يحيط به من الناس، أو يكون منهم إلا أنه لم يخلف عقباً، ولم يترك أحداً يخلفه في أمواله شرعاً، فيضطره واقعه هذا إلى أن يجعل أمواله في سبيل الخير بالتصدق بها في الجهات العامة.
٤ - الدافع العائلي: حيث تغلب العاطفة النسبية على الرغبة والمصلحة الشخصية، فيندفع الواقف بهذا الشعور إلى أن يؤمن لذريته مورداً ثابتاً، صيانة لهم عند الحاجة والعوز.
стр. 5927
٥ - الدافع الاجتماعي: الذي يكون نتيجة لشعور بالمسؤولية تجاه الجماعة، فيدفعه ذلك إلى أن يرصد شيئاً من أمواله على هذه الجهة مسهماً في إدامة مرفق من المرافق الاجتماعية (١) .
... على أن تحقيق هذه الأغراض إنما يجيء تبعاً لوضع الشارع وغرضه، فهذه الأهداف تحث على فعل الخير، والتصدق في وجوه البر، وهذا داخل في إطار المطلب الشرعي العام.
المطلب الخامس: نبذة تاريخية عن الوقف
جعل الإمام الشافعي ﵀ بداية تاريخ الأوقاف من بعد بعثة محمد (، وأن المسلمين أول من عرف الأوقاف، ولذلك قال -رحمه اللَّه تعالى-: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته داراً ولا أرضاً تبررا، وإنما حبس أهل الإسلام (٢) .
وقال في موضع آخر: ما علمنا جاهلياً حبس داراً على ولد ولا في سبيل اللَّه ولا على مساكين، وحبسهم كانت ما وصفنا من البحيرة (٣) والسائبة (٤) والوصيلة (٥) والحام (٦) ، فجاء رسول اللَّه (بإطلاقها، واللَّه أعلم (٧) .
وقبل أن نقف مع كلام الإمام الشافعي - رحمه اللَّه تعالى - لابد من الرجوع إلى تأريخ الأمم قبل الإسلام لنقف على مدى معرفتهم لفكرة الوقف.
стр. 5928
فالوقف هو " حبس الأصل وتسبيل المنفعة "، والأمم عرفت فكرة الوقف بهذا المعنى - على اختلاف اتجاهاتهم في تحديد مفهوم التسبيل - منذ أمد بعيد- وإن كان لايسمى بهذا الاسم الذي عرف به في الإسلام -، وذلك لأن المعابد كانت قائمة ثابتة وما رصد عليها من عقار ينفق من غلاته على القائمين على هذه المعابد كان قائماً ثابتاً، ولا يمكن تصور هذا إلا على أنه في معنى الوقف، أو هو على التحقيق وقف (١) .
فعلى سبيل المثال في تأريخ مصر القديم ما يدل على أن مساحات كبيرة من الأرض كانت ترصد على ما زعموه من الآلهة والمعابد والمقابر، وتكون غير قابلة للتصرف التمليكي من بيع أو هبة أو وصية، أما غلاتها فتصرف على إصلاحها وإقامة الشعائر الدينية والإنفاق على القائمين بخدمتها (٢) .
كذلك حبس " بنوت " - وهو أحد حكام بلاد النوبة في عهد "رمسيس" الرابع - كما دلت الآثار المصرية أرضاً له؛ ليشترى بريعها كل سنة عجلاً يذبح على روحه.
وفي تأريخ اليونان دلت آثارهم على أن امرأة اسمها "أريتي" وقفت حديقتها على مدينة "أوجوستينس" لتقام فيها شعائر دينية، وأن قائدا يونانيا اسمه "نسياس" وقف أرضا له لإقامة الشعائر للإله "أبولون" - كما يزعمون" (٣) .
وفي القانون الروماني القديم يظهر لنا بجلاء أن الوقف كان معروفاً عندهم، فقد قال جوستينيان: " الأشياء المقدسة والأشياء الدينية والأشياء الحرام لا يمتلكها أحد، لأن ما كان من حقوق اللَّه لا يمتلكه الإنسان، ومن دفن ميتاً بأرض فقد جعلها بمحض إرادته مكاناً دينياً " (٤) .
стр. 5929
ويقول في موضع آخر: الأشياء المقدسة هي التي جعلت لله بحسب الطقوس والأوضاع الارتسامية التي يقوم بها الكهنة، وذلك كالمعابد وكالنذور والهدايا وغيرها من الأشياء المخصصة بحسب الأصول لإقامة الشعائر الدينية، وهذه بمقتضى مرسومنا لا يجوز أن تباع، ولا أن ترهن إلا لافتداء الأسرى (١) .
ونقل المناوي عن بعض المؤرخين أن الروم تزعم أن بلاد مقدونية بأسرها -من إسكندرية إلى الصعيد الأعلى - وقف في القديم على الكنيسة العظمى التي بالقسطنطينية، "ومقدونية" باللسان العبراني: مصر (٢) .
وذكر المناوي أن مما يدل على أن الوقف ليس من خصوصياتنا: تصريح بعضهم بأن أوقاف الخليل ﵇ باقية إلى الآن (٣) . ولعلها هي الموقوفات المعروفة الآن بوقف الخليل التي ما زالت موجودة حتى اليوم، فقد ذكر بعض الباحثين أنها من أوقاف أبي الأنبياء إبراهيم ﵇ (٤) .
ومن أوقاف العرب في الجاهلية بناء قريش الكعبة، وحفر بئر زمزم (٥) . وهذه الأوقاف التي ذكرتها كلها أوقاف عامة وهي ما تعرف اليوم في بعض البلدان العربية بالأوقاف الخيرية.
أما بالنسبة للأوقاف الخاصة والتي تعرف اليوم باسم الوقف الأهلي أو الذري فقد وجدت - أيضاً - قبل الإسلام.
فقد قرر بعض الباحثين أن القانون المصري القديم عرف معنى الوقف على الأسرة، فقد وجد فيه صورة عقد هبة من شخص لابنه الأكبر وأمره بصرف الغلات لإخوته على أن تكون الأعيان غير قابلة للتصرف فيها.
وهذا هو حقيقة الوقف في الإسلام (٦) .
стр. 5930
وكذلك كان للرومان مثل هذه التصرفات، كما كان لليهود ما يشبه ذلك (١) .
بعد هذا العرض السريع لبعض حالات الوقف قبل الإسلام نعود لمناقشة الأثر المروي عن الإمام الشافعي في تخصيصه الوقف بالإسلام، ففي الحقيقة أنني لم أستطع أن أفسر ما نقل عن الشافعي إلا بأنه ﵀ لم يطلع على حالات الأوقاف قبل الإسلام، وإن كان بعض العلماء ﵏ حاولوا أن يجدوا مبرراً لقول الشافعي إلا أن هذه المبررات ضعيفة جداً يعارضها الواقع.
فمثلاً قال أبو الضياء: قوله: "لم تعرفه الجاهلية ": لعل المراد بهم هنا من لم يتمسك بكتاب كعبدة الأوثان (٢) .
وهذا القول مندفع بما ذكرناه من الأوقاف المرصودة على الأصنام والمعابد والمقابر.
وقال الدسوقي: " ولا يرد على الشافعي بناء قريش الكعبة وحفر بئر زمزم، لأنه لم يكن تبرراً بل فخراً " (٣) .
المبحث الأول: الوقف على العلم وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: شرعيته
الوقف على العلم، وما يتعلق به من إنشاء المدارس، والمعاهد، والجامعات، والمكتبات، وصرف الرواتب على الطلبة والمعلمين مما لا خلاف فيه بين المسلمين.
فالإنفاق على العلم من الإنفاق في سبيل اللَّه وطرق الخيرو البر، إذ هو من أعظم جهات البر، وقد جعل بعض العلماء الإنفاق على العلم يعدل الإنفاق على الجهاد في سبيل اللَّه، لما روى أنس ﵁ أن النبي (قال: " من خرج في طلب العلم فهو في سبيل اللَّه حتى يرجع " (٤) ، ولأن الجهاد جهادان: جهاد بالعلم والبيان، وكان هذا جهاده (في المرحلة المكية.
وجهاد بالسيف والسنان، وهذا جهاده (في المرحلة المدنية مع الجهاد السابق.
стр. 5931
قال ابن نجيم ﵀: " ... فعلى هذا إذا وقف على طلبة علم بلدة كذا يجوز ... " (١) .
قال ابن عابدين ﵀: " مطلب في حكم الوقف على طلبة العلم ... قوله: وإن على طلبة العلم: ظاهره: صحة الوقف عليهم ... " (٢) .
وقال الخرشي ﵀: " ويتأبد الوقف إذا قال تصدقت على الفقراء والمساكين، أو على المساجد، أو طلبة العلم وما أشبه ذلك ... " (٣) .
وقال النووي ﵀: " وإن وقف على جهة معصية كعمارة الكنائس فباطل، أو جهة قربة كالفقراء، والعلماء، والمساجد، والمدارس صح " (٤) .
وفي مغني المحتاج: " والمراد بالعلماء: أصحاب علوم الشرع " (٥) .
وفي كشاف القناع: " الشرط الثاني: أن الوقف على بر ... كالفقراء والمساكين والغزاة والعلماء والمتعلمين وكتابة القرآن ... والمساجد والمدارس ... " (٦) .
المطلب الثاني: الوقف على دور العلم
وفيه ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الوقف على الأزهر
يعتبر الأزهر من أهم المدارس العلمية الشرعية في تاريخ الإسلام، إذ عاش الأزهر يؤدي رسالته في نشر العلم وخدمة العلماء وطلاب العلم أكثر من ألف عام (٧)
стр. 5932
، والذي ضمن للأزهر هذا الاستمرار بتوفيق من اللَّه هو الوقف الإسلامي الذي دعمه اقتصادياً، وحماه من انقلابات الدول، وكفاه شر المحن المتعاقبة على مدى تاريخه الطويل.
فالعامل الاقتصادي الذي شكل قاعدة اقتصادية ارتكز عليها الأزهر طوال تاريخه الطويل، اعتماداً على الأوقاف الإسلامية التي يرصدها أهل البذل من الحكام والأثرياء، كان ضامناً للاستمرارية في أداء رسالته.
ففي العصر الفاطمي توجد عدة وثائق ونصوص تُلقي ضوءاً على الموارد الأولى للأزهر، وأولى هذه الوثائق وأهمها سجل صدر عن الحاكم بأمر اللَّه بن العزيز باللَّه في رمضان سنة ٤٠٠هـ ويوقف فيه بعض أملاكه من دور وحوانيت ومخازن، لينفق من ريعها على الجامع الأزهر، والجامع الحاكمي، وجامع براشدة، وجامع المقدس، ودار العلم بالقاهرة، ويفرد فيه لكل منها نصيباً خاصاً ويفصل وجوه النفقة فيها.
ومن ذلك فيما يختص بالجامع الأزهر، رواتب الخطيب والمشرف والأئمة، وما ينفق على فرش الجامع وتأثيثه وإنارته من الحصر والقناديل والزيت، وعلى إصلاحه وتنظيفه، وإمداده بالماء وغير ذلك من وجوه الإنفاق، وقد فصل ذلك تفصيلاً شاملاً في وثيقة كاملة أثبتها المقريزي بنصها في خططه (١) .
وتعد هذه أول وثيقة لوقفية صدرت عن أحد خلفاء الفاطميين ورتبت للأزهر بعض النفقات، وينقل المقريزي عن المسبحي (مؤرخ الدولة الفاطمية) في حوادث سنة ٤٠٥هـ في عصر الحاكم بأمر اللَّه أيضاً أنه قُرىء في شهر صفر سجل بتحبيس عدة ضياع وغيرها على القرّاء والفقهاء والمؤذنين بالجامع، وأرزاق المستخدمين " ويفهم من الشطر الأول من هذا النص بأن القرّاء والأساتذة بالأزهر كانوا من المنتفعين بموارد الأعيان المحبوسة في هذا السجل" (٢) .
أنواع الأوقاف على الأزهر:
стр. 5933
كانت الأوقاف التي تحبس على الأزهر إما أن تكون للأزهر بصفة عامة، وذلك مثل الوقفية السالفة التي أوقفها الحاكم بأمر اللَّه في سنة ٤٠٠هـ، وإما أن تخصص للأروقة المختلفة بالأزهر أو لأساتذة المذاهب الأربعة، أو للإنفاق على تدريس مادة معينة، ولا سيما علوم القرآن والحديث.
وقد ظلت هذه الموارد الخاصة تنمو على مر العصور، وتوالت أوقاف أهل البذل من السلاطين والأمراء والكبراء على الجامع الأزهر خلال العصور، وكان الحكام يعززونها جيلاً بعد جيل.
وقد استمرت هذه الموارد تزداد شيئاً فشيئاً حتى تضخمت وبلغت الأوقاف المصرية العامة طبقاً لإحصاء سنة ١٨١٢م (١٢٢٧هـ) ٦٠٠.٠٠٠ فدان أي أنها كانت تزيد على خمس جميع الأراضي المصرية، لأن إحصاء جميع الأراضي المصرية سنة ١٨١٣م بلغت فيه مساحة الأراضي المصرية كلها (٢.٥٠٠.٠٠٠فدان) (١) .
وكانت الدولة تُعيّن ناظراً على أوقاف الأزهر من المماليك يتولى الإشراف على أوقاف الأزهر وإدارتها والصرف على الأزهر في العصر المملوكي والعصر العثماني وشيئاً فشيئاً تدخل العلماء إلى أن أصبحوا يتولون النظارة على أوقاف الأزهر، وعلى كثير من الأوقاف الخاصة بالمساجد والمدارس والأسبلة وخاصة في نهاية العصر العثماني.
وكانت تلك الأوقاف مصدر قوة للجامع الأزهر وقد حققت له استقلالاً ذاتياً عن التأثرات السياسية، والمذهبية. فلم يعرف عنه طوال عصوره شيئاً من ذلك، بل عاش علماء الأزهر وطلابه معززين مكرمين، بمنأى عن الخضوع لأحد، ومارس علماؤه حرية مطلقة في اختيار الدراسات والبحوث والموضوعات التي تلقى على الطلاب، وفي انتقاء الكتب التي يقرؤها المشايخ عليهم دون إشراف من أحد، أو توجيه منه.
جهود العلماء في الحفاظ على موارد الأزهر:
стр. 5934
تصدى علماء الأزهر لكل من أراد المساس بأوقاف الأزهر وأرزاق العلماء، فعندما كثرت الأوقاف أراد بعض الحكام الاستيلاء عليها، فقد أراد السلطان (الظاهر برقوق) نقض كل ما أرصده الملوك على المساجد والمدارس والأسبلة وغيرها من وجوه البر، وقال إن هذه الأراضي أخذت بالحيلة من بيت المال، وقد استوعبت نصف أراضي الدولة، وعقد لذلك مجلساً حافلاً من العلماء لأخذ الرأي والفتوى في هذا الأمر، وحضر هذا المجلس الشيخ (أكمل الدين) شيخ الحنفية في عصره، والشيخ (سراج الدين عمر البلقيني) ، والشيخ (البرهان ابن جماعة) وغيرهم من علماء العصر. فاتفقوا على أن ما أرصده الملوك والأمراء من رزق يخرج من بيت المال لا سبيل إلى نقضه " وانفصل المجلس على هذا (١) .
وفي سنة ١١٢١هـ تصدى علماء المذاهب الأربعة للوالي التركي إبراهيم باشا القبودان، لأنه أراد نقص ما أرصده أكابر مصر على الزوايا والمساجد والمدارس، وأعلنوا فتواهم في جرأة بأنه لا يجوز نقض ما حبسه أهل البر من الأراضي والعقارات والأرزاق حيث كان المُرصد عليهم من العلماء، والفقراء والأيتام وطلبة العلم.
وفي الفتوى: أن العالم والفقيه وطالب العلم يستحقون أرزاقاً من بيت المال، وإن كانوا أغنياء؛ لأنهم فرغوا أنفسهم لنفع المسلمين في المستقبل، وكذلك من يعلم الناس القرآن لتفريغه نفسه لتعليم الناس.
وكان في مقدمة هؤلاء العلماء الذين تصدوا لهذه الفتوى الشيخ علي بن السيد علي الحسيني الحنفي، والشيخ علي العقدي الحنفي والشيخ أحمد النفراوي المالكي، والشيخ محمد شنن المالكي، والشيخ أحمد الشرقي شيخ رواق المغاربة بالأزهر، والشيخ محمد الزرقاني شارح الموطأ، والشيخ عبد الباقي القليبي المالكي، والشيخ عبد ربه الديوي الشافعي، والشيخ منصور المنوفي، والشيخ محمد الأحمدي الشافعي، والشيخ أحمد المقدسي الحنبلي.
стр. 5935
وقد كتب هؤلاء العلماء السالفين فتواهم على طريقة السؤال والجواب، وعقدوا اجتماعاً في بيت "قيطاس بك الغفاري" حينئذٍ وحضر الاجتماع جمع غفير من أكابر مصر وحكامها وعلمائها وغيرهم، وقرأ عليهم هذه الفتاوى الشيخ عيسى الصفتي فاستحسنها الحاضرون، ثم أرسلوها إلى الوالي التركي إبراهيم باشا المذكور فعاند في ذلك، فكتب العلماء والأكابر عريضة إلى السلطان وأرسلوا معها هذه الفتاوى إلى السلطان أحمد خان الخليفة العثماني، فأمر بكتابة خط شريف بإبقاء الإرصادات والمرتبات على ما هي عليه من غير نقض ولا إبرام، وأرسلت تلك الأوامر السلطانية إلى مصر، وانتصر العلماء في الدفاع عن حقوقهم (١) .
وقد تولى بعض العلماء النظارة على الأوقاف وعلى الأخص قبل استيلاء محمد علي باشا عليها.
فالشيخ عبد اللَّه الشرقاوي شيخ الأزهر (ت١٢٢٧هـ) تولى النظر على الأوقاف الآتية:
- وقف كل من عمرو بن العاص ﵁، وإبراهيم بن سعد الحبال في ١٩ من شوال سنة ١٢١٣هـ.
- وقف علي باشا في ٢٦ ذي القعدة ١٢١٣هـ.
- النظر على وقف إسماعيل المعاجني في ١٦ جمادي الأولى سنة ١٢٢٠هـ.
- النظر على وقف شقرون المغربي في ٢٦ من ربيع الأولى سنة ١٢٢٤هـ.
والشيخ محمد المهدي (ت١٢٣٠هـ) الذي عاصر فترة ما قبل الحملة الفرنسية وما بعدها، تذكر تقارير النظار أنه تولى النظارة على الأوقاف التالية:
- النظر على وقف نفيسة خاتون بنت حسين جروبجي في ذي القعدة سنة ١٢٠٥هـ.
- النظر على أوقاف السلطان الغوري في أول ذي الحجة سنة ١٢١٣هـ.
- النظر على وقف السلطان برقوق وولده فرج وأتباعه في ٢٧ من جمادى الآخر سنة ١٢١٤هـ.
- النظر على أوقاف الإمامين الشافعي والليث في ٦ رجب سنة ١٢٢٤هـ.
والشيخ محمد الأمير (ت١٢٣٢هـ) تولى النظر على الأوقاف التالية:
- النظر على أوقاف الجامع الأزهر في ١٣ رمضان سنة ١٢٢٠هـ.
стр. 5936
- النظر على أوقاف الحرمين الشريفين في ١٦من جمادى الآخرة سنة ١٢٠٧هـ.
- النظر على وقف القاضي عبد الكريم بن غنام، وعلى زاويته المعروفة بالغنامية في ١٧ من جمادي الأولى سنة ١٢٢١هـ.
والشيخ محمد أبو الأنوار وفا السادات (ت١٢٢٨هـ) تولى النظر على:
- وقف الحسين رضي لله عنه، وابنته زينب في جمادي الآخرة سنة ١٢٠٢هـ.
- النظر على وقف طومان باي في ٢٥ جمادي الآخرة سنة ١٢١٤هـ.
والشيخ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ (١١٦٨-١٢٤٠هـ) تولى النظر على وقف زاوية الشيخ عبد الكريم المعروفة بزاوية الأحمدية في ٢٤ من محرم سنة ١٢٢٠هـ.
- النظر على وقف السلطان إنيال وأحمد بن إنيال في ٦ من جمادي الآخرة سنة ١٢٠٧هـ.
والشيخ عبد الرحمن السجيني كان يتولى النظر على وقف المدرسة الصالحية (مدرسة الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة) في ١٠رمضان سنة ١٢٠٨هـ (١) .
الأمر الثاني: الوقف على الكتاتيب
"الكُتَّاب": أقيم لتعليم الصبيان القراءة، والكتابة، والقرآن وبعض العلوم العربية، والرياضيات، وقد وجدت هذه الكتاتيب قديماً في الإسلام، وقد ذكر بعض المؤرخين أنها وجدت في عصر الصحابة ﵃، وكانت من الكثرة بحيث عد ابن حوقل ثلاثمائة كتاب في مدينة واحدة من مدن صقلية (٢) .
وكان "الكُتَّاب" في بعض البلدان من السعة بحيث يضم مئات وآلافاً من الطلاب، ومما يروى عن أبي القاسم البلخي أنه كان له كتاب يتعلم به ثلاثة آلاف تلميذ، وكان كتابه فسيحاً جداً ولذلك كان أبو القاسم يحتاج إلى أن يركب حماراً ليتردد بين طلابه وليشرف على شؤونهم (٣) .
وكانت هذه الكتاتيب تمول بأموال الأوقاف.
الأمر الثالث: الوقف على المدارس
стр. 5937
بدأ إنشاؤها بعد أن استقرت حركة الفتوحات الإسلامية نسبياً، وبعد أن تضاعف إقبال طلاب العلم على حلقات المساجد، وكثر بناء هذه المدارس حتى ملأت مدن العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ويذكر التاريخ نفراً من أمراء المسلمين كانت لهم اليد الطولى في إنشاء المدارس في مختلف الأمصار: منهم صلاح الدين الأيوبي الذي أنشأ المدارس في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه في مصر، ودمشق، والموصل، وبيت المقدس، ونور الدين الشهيد الذي أنشأ في سورية وحدها أربعة عشر معهداً، ومنهم نظام الملك الوزير السلجوقي الذي ملأ بلاد العراق وخراسان بالمدارس حتى قيل: إنه في كل مدينة في العراق وخراسان مدرسة، وكان هذا الوزير كلما وجد في بلدة عالماً تميز وتبحر في العلم بنى له مدرسة ووقف عليها وقفاً، وجعل فيها دار كتب.
وبجانب هؤلاء العظماء كان الأمراء والأغنياء، والتجار يتسابقون في بناء المدارس والوقوف عليها بما يضمن استمرار وإقبال الطلاب على الدراسة فيها وكثيرون جداً هم الذين جعلوا بيوتهم مدارس وجعلوا ما فيها من كتب وما يتبعها من عقار وقفاً على طلاب العلم الدارسين فيها (١) .
حتى إن ابن جبير الرحالة الأندلسي هاله ما رأى في المشرق من كثرة المدارس والغلات الوافرة التي تغلها أوقافها، فدعا المغاربة أن يرحلوا إلى المشرق لتلقي العلم (٢) .
وما يؤكد ما قاله ابن جبير ما جاء من قصيدة عن مدارس دمشق، قال فيها ناظمها:
ومدارس لم تأتها في مشكل
مَا أَمَّها مَرء يكابد حيرة
وبها وقوف لا يزال مغلها
وأئمة تلقي الدروس وسادة
إلا وجدت فتى يحل المشكلا
стр. 5938
وخصاصة إلا اهتدى وتحولا
يستنقذ الأسرى ويغني العيلا
شفى النفوس وداؤها قد أعضلا (١)
ويكفي برهاناً على كثرة أوقاف المدارس والمساجد في دمشق أن النووي لم يكن يأكل من فواكه دمشق طيلة حياته؛ لأن أكثر غوطتها وبساتينها أوقاف (٢) .
وإذا كانت دمشق قد اشتهرت بكثرة مدارسها والأوقاف التي حبست عليها، فإن غيرها من الحواضر الإسلامية كبغداد، وقرطبة، والكوفة، والبصرة، والقيروان، والقاهرة كثرت فيها المدارس. وكل ذلك جاء ثمرة من ثمرات الأموال الموقوفة التي خصصت للدراسة العلمية.
ويتحدث ابن خلدون عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي والحضاري فيذكر أن هذا التطور مرده إلى الأموال الموقوفة من أراض زراعية ومبان وبيوت وحوانيت، وأن هذه الأموال التي حبست على المؤسسات التعليمية في القاهرة أدت إلى أن يفد إلى هذه المدينة طلبة علم وعلماء من مغرب العالم الإسلامي ومن مشرقه في سبيل الحصول على العلم المجاني، وبذلك نما العلم وازدهر في مختلف الفروع والتخصصات (٣) .
وكانت الدراسة في تلك المدارس تشبه الدراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر، وكان التعليم فيها لجميع أبناء الأمة دون تفرقة بين فئة وأخرى، وكان الطلاب الذين يدرسون فيها نوعين:
النوع الأول: الغرباء الذين وفدوا من بلاد نائية ويدخل مع هؤلاء الذين لا تساعدهم أحوالهم المادية أن يعيشوا على نفقات آبائهم، وكان لهذا النوع من الطلاب غرف خاصة للنوم ومكتبة ومطبخ وحمام، وهو قسم داخلي.
والنوع الثاني من الدارسين: يمثلون الطلاب الذين يرغبون في أن يرجعوا في المساء إلى أهليهم وذويهم وهؤلاء في قسم خارجي.
стр. 5939
وكلا النوعين يدرس مجاناً، وكانت بعض المدارس بالإضافة إلى ما تقدمه لطلابها من علم ترعاهم صحياً، فقد كان بجوار بعض المدارس مستشفى لعلاج المرضى من الطلاب بالمجان.
وعرفت المدارس التخصص العلمي في إنشائها، حيث كانت تقام المدارس لنوع واحد من فروع العلم، ومن ثم كانت هناك مدارس لتدريس القرآن وتفسيره وحفظه وقراءاته، ومدارس للحديث خاصة، ومدارس- وهي أكثرها- للفقه لكل مذهب فقهي مدرسة خاصة به، ومدارس للطب، وأخرى في كل مجال من مجالات التخصص العلمي.
يقول ابن كثير في حوادث سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة: فيها كَمُلَ بناء المدرسة المستنصرية ببغداد ولم يبن مدرسة قبلها، ووقفت على المذاهب الأربعة، من كل طائفة اثنان وستون فقيهاً، وأربعة معيدين، ومدرس لكل مذهب، وشيخ حديث، وقارئان وعشرة مستمعين، وشيخ طب، وعشرة من المسلمين يشتغلون بعلم الطب، ومكتب للأيتام، وقدر للجميع من الخبز واللحم والحلوى والنفقة ما فيه كفاية وافرة لكل واحد (١) .
والدراسة في تلك المدارس مفتوحة لكل راغب في العلم دون قيد أو شرط، وكان طلاب هذه المدارس يتمتعون بكل الرعاية من طعام وشراب وعلاج وإقامة للغرباء والفقراء، وكان الأساتذة الذين يقومون بالتدريس فيها ينتخبون ممن شهد لهم الشيوخ بالكفاءة العلمية، وكان المتخرجون من هذه المدارس يمنحون إجازة علمية باسم شيخ المدرسة، وما كان يسمح للأطباء بممارسة مهنة الطب إلا بعد نيل هذه الشهادة أو الإجازة من كبير أطباء المدرسة.
стр. 5940
ومن العلماء الذين درسوا في بعض المدارس أو كانوا شيوخاً لها: النووي، وابن الصلاح، وتقي الدين السبكي وغيرهم كانوا يدرسون في دار الحديث في دمشق، والغزالي، وإمام الحرمين الجويني، والفيروزابادي صاحب القاموس المحيط، وأبو إسحاق الشيرازي، وغيرهم كانوا يدرسون في المدرسة النظامية في بغداد (١) .
وقد ألفت في تاريخ المدارس مصادر عدة حاولْت استقراء أعدادها وما يدرس فيها، ومنها:
- المواعظ والاعتبار للمقريزي (ت٨٤٥هـ) .
- الأعلاق الخطيرة لابن شداد (ت٦٨٤هـ) .
- العقود اللؤلؤية للخزرجي (ت٨١٢هـ) .
- الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (ت٩٢٧هـ) .
- تلخيص مجمع الآداب لابن الفوطي (ت٧٢٣هـ) (٢) .
المطلب الثالث: الوقف على المكتبات
أدرك كل الواقفين للمدارس، وزوايا العلم، وحلقات الدرس في المساجد أهمية الكتاب لنشر العلم، وأن الاقتصار على تشييد الأبنية وتوفير جهاز للتدريس غير كاف فاهتموا بوقف الكتب عليها لتكون وسيلة ميسرة للتحصيل والمراجعة، توفر مادة علمية يستند إليها المعلم والمتعلم في وقت واحد، فأصبح من المعتاد وجود مكتبة في كل مدرسة، أو جامع، أو رباط وقف على طلبة العلم وغيرهم (٣) .
وكان وقف الكتب بمكة في القرن الهجري الأول كما في مكتبة عبد الحكيم ابن عمرو الجمحي (٤) .
وفي القرن الثاني ظهرت بيت الحكمة ببغداد وكان من بين أقسامها مكتبة حظيت بعناية مجموعة من خلفاء بني العباس وبخاصة المأمون.
стр. 5941
ومكتبة بيت الحكمة كان الهدف من وراء إنشائها مساعدة العلماء والباحثين بتوفير أكبر قدر من مصادر المعلومات لهم لتسهيل سبل الدرس والمطالعة والتأليف والترجمة لمن يرغب في ذلك (١) .
وانتشرت خزائن الكتب الوقفية منذ القرن الرابع الهجري، بحيث يمكن القول بأنه قلما تخلو مدينة من كتب موقوفة.
وبلغ من انتشار هذه الخزائن وتوافرها في الأندلس أن أبا حيان التوحيدي النحوي كان يعيب على مشتري الكتب، ويقول: اللَّه يرزقك عقلا تعيش به، أنا أي كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف (٢) .
ويذكر ياقوت الحموي عن مدينة مرو: أنه كان فيها عشر خزائن للوقف وذلك في القرن السابع الهجري ويقول عنها: " لم أر في الدنيا مثلها كثرة، وجودة، منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية، وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزنجاني ... وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها الكمالية وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعيد محمد بن منصور في مدرسته، وخزانة أخرى في المدرسة العميدية وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها، والخزائن الخاتونية في مدرستها والضميرية في خانكاه هناك وكانت هذه الخزائن سهل التناول لا يفارق منزلي منها مئتا مجلد، وأكثره من غير رهن " (٣) .
وقال ابن جبير في رحلته إلى مصر بعد أن اطلع على أحوال مكتباتها ودور العلم فيها وعاش في بعضها، واستفاد من أموالها الموقوفة: ومن مناقب هذا البلد ومفاخره "أي مصر" أن الأماكن في هذه المكتبات خصصت لأهل العلم فيهم، فهم يعتبرون من أقطار نائية فيلقى كل واحد منهم مأوى إليه ومآلاً يصلح أحواله به جميعاً (٤) .
стр. 5942
وكانت هذه المكتبات بكتبها الوقفية إضافة إلى المكتبات الخاصة مثل مكتبات الخلفاء والأمراء والوزراء والعلماء، وراء حركة الازدهار العلمي التي شهدها العالم الإسلامي على مدى قرون طويلة، فقد اعتمد عليها العلماء وطلاب العلم في دراستهم ومراجعاتهم، ووضع مصنفاتهم.
المبحث الثاني: الإفادة من الأوقاف الموجودة وتوجيهها في تعليم العلم
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: إمكانية الإفادة بتغيير شرط الواقف
وفيه أمران:
الأمر الأول: قول الفقهاء: نص الواقف كنص الشارع
هذا الضابط الذي ذكره الفقهاء ليس على إطلاقه، وإلا فلا يجوز العمل بموجبه إذا خالف نص الواقف مقتضيات الشريعة، ولذلك حكى العلامة قاسم الحنفي، وشيخ الإسلام ابن تيمية: إجماع الأمة على أن من شروط الواقفين ما هو صحيح معتبر يعمل به، ومنها ما ليس كذلك (١) .
ولذلك فسّر كثير من العلماء قول الفقهاء: نصوص الواقف كنصوص الشارع: بأنها كالنصوص في المفهوم والدلالة على مراد الواقف لا في وجوب العمل بها (٢) .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: اتفاق المسلمين على تكفير جاعل نصوص الواقف كنصوص الشارع في وجوب العمل بها فقال: وإما أن تجعل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها، فهذا كفر باتفاق المسلمين، إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر - بعد رسول اللَّه (-، والشروط إن وافقت كتاب اللَّه كانت صحيحة، وإن خالفت كتاب اللَّه كانت باطلة (٣) .
стр. 5943
فلم يجز أحد من أهل العلم العمل بنصوص الواقف إذا خالفت شرع اللَّه تعالى، سواء في ذلك الحنفية (١) ، والمالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) ، وغيرهم من أهل العلم.
قال الكمال ابن الهمام الحنفي ﵀: شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع، والواقف مالك. له أن يجعل ملكه حيث شاء ما لم يكن معصية (٥) .
وقال الدردير المالكي ﵀: واتبع وجوباً شرطه إن جاز شرعاً. ومراده بالجواز: ما قابل المنع (٦) .
وقال ابن حجر الهيثمي الشافعي ﵀: إن قلت شرائط الواقف مراعى كنص الشارع. قلت: محل مراعاته حيث لم يخالف غرض الشارع (٧) .
وقال: أما ما خالف الشرع كشرط العزوبة في سكان المدرسة - مثلاً - فلا يصح (٨) .
وقال البلباني الحنبلي ﵀: "ويجب العمل بشرط واقف إن وافق الشرع" (٩) .
стр. 5944
وقال ابن القيم ﵀: " وكذلك الإثم مرفوع عمن أبطل من شروط الواقفين ما لم يكن إصلاحاً، وما كان فيه جنف (١) ، أو إثم، ولا يحل لأحد أن يجعل هذا الشرط الباطل المخالف لكتاب اللَّه بمنزلة نص الشارع، ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام، بل قد قال إمام الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى آله: " كل شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق " (٢) .
فإنما ينفذ من شروط الواقفين ما كان لله طاعة، وللمكلف مصلحة، وأما ما كان بضد ذلك فلا حرمة له كشرط التعزب والترهب المضاد لشرع اللَّه ودينه ... والمقصود: أن اللَّه تعالى رفع الإثم عمن أبطل الوصية الجانفة الآثمة، وكذلك هو مرفوع عمن أبطل شروط الواقفين التي هي كذلك، فإذا شرط الواقف القراءة على القبر كانت القراءة في المسجد أولى وأحب إلى اللَّه ورسوله وأنفع للميت، فلا يجوز تعطيل الأحب إلى اللَّه الأنفع لعبده واعتبار ضده" (٣) .
وعلى كل حال: فإن ما يختلف فيه العلماء من اعتبار بعض الشروط أو ردها، فإنما هو ناتج عن اختلافهم هل هي من الشروط المخالفة لأمر اللَّه تعالى، أو من الشروط المرغوبة عند الشارع، أو من الشروط المباحة، فالجميع متفقون على عدم اعتبار ما خالف الشرع - وإن اختلفوا في ضابط ما خالف الشرع-، كما أن الجميع متفقون على مراعاة ما وافق الشرع، واختلفوا في اعتبار ما ليس بمكروه ولا مستحب. واللَّه أعلم.
الأمر الثاني: أقسام تغيير شرط الواقف
стр. 5945
الأصل: وجوب العمل بشرط الواقف؛ لقول اللَّه تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ((١) ، والإيفاء بالعقد يتضمن الإيفاء بأصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه، ولما رواه أبو هريرة ﵁ أن النَّبِيّ (قال: "المسلمون على شروطهم" (٢) ، ولأن عمر ﵁ "وقف وقفاً واشترط فيه شروطاً " (٣) ، فلو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة.
تغيير شرط الواقف ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تغييره من أعلى إلى أدنى:
فهذا محرم ولا يجوز بالاتفاق (٤) ؛ لما تقدم من الدليل على وجوب العمل بشرط الواقف.
مثل: أن يقفه على فقراء أقاربه، فيصرف إلى فقراء الأجانب ونحوذلك.
القسم الثاني: تغييره من مساوٍ إلى مساوٍ:
وهذا أيضاً محرم ولا يجوز بالاتفاق (٥) ؛ إذ الاصل: وجوب العمل بشرط الواقف، لما تقدم من الدليل على ذلك.
مثل: أن يقف على فقراء بلد، فيصرفه إلى فقراء بلد آخر، ونحو ذلك.
القسم الثالث: تغييره من أدنى إلى أعلى:
مثل أن يقفه على العُبَّاد، فيصرفه إلى العلماء، ونحو ذلك، فاختلف العلماء في حكم ذلك على قولين:
القول الأول: جواز ذلك.
وهو ظاهر مذهب الحنفية (٦) ، والمالكية (٧) ، وهو قياس اختيار شيخ الإسلام (٨) في إبدال الوقف عند ظهور المصلحة.
جاء في البحر الرائق: " والحاصل أن تصرف الواقف في الأوقاف مقيد بالمصلحة، لا أنه يتصرف كيف شاء، فلو فعل ما يخالف شرط الواقف فإنه لا يصح إلا لمصلحة ظاهرة ".
стр. 5946
وجاء في الفواكه الدواني: " ويجوز عندنا لناظر أن يفعل في الوقف كل ما كان قريباً لغرضه، وإن خالف شرطه كما لو وقف ماء على الغسل والوضوء، فيجوز للناظر أن يمكن العطشان يشرب منه؛ لأنه لو كان حياً لما منع منه ... ".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته:" ومع الحاجة يجب إبدال الوقف بمثله وبلا حاجة يجوز بخير منه؛ لظهور المصلحة. وهو قياس الهدي. وهو وجه في المناقلة، ومال إليه أحمد، ونقل صالح ينقل المسجد لمنفعة الناس. ولا يجوز أن يبدل الوقف بمثله لفوات التعيين بلا حاجة " (١) .
وقال في فتاويه: " وأما ما وقف للغلة إذا أبدل بخير منه: مثل أن يقف داراً، أو حانوتاً، أو بستاناً أو قرية يكون مغلها قليلاً فيبدلها بما هو أنفع للوقف: فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء: مثل أبي عبيد بن حربويه قاضي مصر، وحكم بذلك، وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة للمصلحة ... وهو قياس قوله في إبدال الهدى بخير منه " (٢) .
أدلة هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها:
١ - ما روته عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه (: " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة " (٣) .
стр. 5947
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه (واجباً لم يتركه، فعلم أنه كان جائزاً، وأنه كان أصلح لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديل بنائها ببناء آخر، فعلم أنه جائز في الجملة، وتبديل التأليف بتأليف آخر هو أحد أنواع الإبدال " (١) .
وقال ابن قاضي الجبل: " هذا الحديث دل على مساغ مطلق الإبدال في الأعيان الموقوفات للمصالح الراجحات " (٢) .
وإذا كان هذا في أصل الوقف، ففي وصفه، وهو الشرط فيه من باب أولى.
٢ - ما رواه جابر بن عبد اللَّه ﵁: " أن رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول اللَّه، إني نذرت لله إن فتح اللَّه عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: " صلّ هاهنا " ثم أعاد عليه، فقال: " صلّ هاهنا" ثم أعاد عليه، فقال: " شأنك إذن " (٣) .
стр. 5948
٣ - ما رواه أبي بن كعب ﵁ قال: بعثني النبي (مصدّقاً، فمررت برجل، فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له: أدّ ابنة مخاض، فإنها صدقتك، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر، وهذا رسول اللَّه (منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليّ فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن ردّه عليك رددته، قال: فإني فاعل، فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول اللَّه (، فقال له: يا نبي اللَّه، أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وأيم اللَّه ما قام في مالي رسول اللَّه (ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي فزعم أن علي فيه ابنة مخاض، وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى عليّ، وها هي ذِهْ قد جئتك بها يا رسول الله خذها، فقال له رسول اللَّه (: " ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير آجرك اللَّه فيه وقبلناه منك "، قال: فها هي ذه يا رسول اللَّه قد جئتك بها فخذها، قال: فأمر رسول اللَّه (بقبضها ودعا له في ماله بالبركة" (١) .
وجه الدلالة: دل هذان الحديثان: على جواز إبدال جنس المنذور بخير منه من نوعه، وكذلك الأعيان الراجحة التي تعينت كالهدايا والضحايا، وكذلك في الزكوات إذا وجب بنت مخاض فأدى بنت لبون، أو وجب بنت لبون فأدى حقة، قال ابن قاضي الجبل: "ويتناول بمعناه الأعيان الموقوفات إذا ظهرت مصلحة الاستبدال بها على غيرها " (٢) .
стр. 5949
وإذا ثبت هذا في أصل الوقف، ففي وصفه وهو الشرط فيه من باب أولى.
٤ - ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ قال: "حملت على فرس في سبيل اللَّه، فأضاعه الذي كان عليه، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي (فقالت: " لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كلكلب يعود في قيئه " (١) .
فوله: " فأضاعه ": يقتضي أن الذي كان عنده قصّر في حقه حتى ضعف فبيع، لضياعه وضعفه، ولم ينكر الرسول (ذلك، وإنما نهى عمر ﵁ عن شرائه، لكونه تصدق به.
والظاهر من الحمل في سبيل اللَّه: أن المراد بذلك حقيقة الحبس، بل هو المتبادر من السبيل خصوصاً وقد سماه صدقة في قوله: " ولا تعد في صدقتك"، ولفظ الصدقة من ألفاظ الوقف، كما في حديث عمر في الوقف " فتصدق بها عمر " (٢) ، فالتمسك بذكر الهبة، لمشابهة ارتجاع الوقف للهبة، لما في ذلك من الارتجاع في العين بعد خروجها (٣) ، فإذا جاز الإبدال في أصل الوقف، فكذا في شرطه.
стр. 5950
٥ - ما ورد " أن عمر ﵁ كتب إلى سعد لما بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب: أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلّ " (١) وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان كالإجماع (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إذا كان يجوز في المسجد الموقوف الذي يوقف للانتفاع بعينه، وعينه محترمة شرعاً، أن يبدل به غيره للمصلحة، فلأن يجوز الإبدال بالأصلح والأنفع فيما يوقف للاستغلال أولى وأحرى (٣) .
قال ابن قاضي الجبل: " هذا الأثر كما أنه يدل على مساغ بيع الوقف عند تعطل نفعه فهو دليل أيضاً على جواز الاستبدال عند رجحان المبادلة؛ لأن هذا المسجد لم يكن نفعه متعطلاً، وإنما ظهرت المصلحة في نقله لحراسة بيت المال الذي جعل في قبلة المسجد الثاني " (٤) . وإذا جاز في أصل الوقف، ففي شرطه أولى.
стр. 5951
٦ - أن الصحابة ﵃ غيروا كثيراً من بناء مسجد النبي (بأمكن منه للمصلحة الراجحة في ذلك (١) ، فقد ثبت أن عمر وعثمان غيرا بناءه، أما عمر فبناه بنظير بنائه الأول باللبن والجذوع، وأما عثمان فبناه بمادة أعلى من تلك كالساج (٢) . وبكل حال فاللبن والجذوع التي كانت وقفاً أبدلها الخلفاء الراشدون بغيرها. وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره منكر. ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بعرصة إذا اقتضت المصلحة ذلك (٣) .
... وإذا جاز في أصل الوقف ففي شرطه أولى.
٧ - أن بعض الصحابة ﵃ سوغ نقل الملك في أعيان موقوفة تارة بالتصدق بها، وتارة ببيعها، فقد ورد عن عمر " أنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج " (٤) .
... وقالت عائشة ﵂ لشيبة الحجبي في كسوة الكعبة القديمة: "بعها واجعل ثمنها في سبيل اللَّه والمساكين " (٥) .
... قال ابن قاضي الجبل: وهذا ظاهر في مطلق نقل الملك عند رجحان المصلحة (٦) ، فكذا مع شرطه.
стр. 5952
٨ - إلحاق محل النزاع بموقع الإجماع، حيث جوز الأئمة الكبار، بل أجمع العلماء على جواز بيع دواب الحبس الموقوفة إذا لم تعد صالحة لما وقفت له، فالفرس الحبيس ونحوه إذا عاد عاطلاً عن الصلاحية للجهاد يجوز بيعه إجماعاً، وإن كان فيه نفع من وجه آخر من أنواع الانتفاع من الحمل والدوران ونحوه، ومن المعلوم أن الفرس الحبيس ونحوه لو لم يبق فيه نفع مطلقاً لما أمكن بيعه إذ لا يجوز بيع ما لا نفع فيه فعلم أن منفعته ضعفت وجاز الاستبدال بأرجح منه، فعلم أن ذلك دائر مع رجحان المصلحة في جنس الاستبدال (١) . وإذا كان التغيير في أصل الوقف للمصلحة، فكذا في شرطه.
٩ - أن الأعيان الموقوفة كالدور والمزارع والمنقولات إنما وقفت؛ ليعود ريعها على مستحقيه جرياً على مناهج المعروف وطلباً لاتصال الريع إلى مستحقية فالمطلوب من ذلك حصول النماء إلى أهله ووقوعه في أيدي مستحقيه مع زيادته واستنمائه، فإذا ظهرت المصلحة في زيادة الريع وتنمية المغل ولم يعارض معارض ظهرت مصلحة الاستبدال طلباً لتنمية المصالح وتكميلاً للمقاصد، ومثل هذا يقال في شرط الوقف (٢) .
القول الثاني: عدم جواز ذلك.
وهو مذهب الشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) .
جاء في الإقناع للشربيني: " وهو أي الوقف على ما شرطه الواقف من تقديم وتأخير، وتسوية وتفضيل، وجمع وترتيب، وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بصفة".
وجاء في كشاف القناع: " ويُرجع - بالبناء للمفعول - عند التنازع في شيء من أمر الوقف إلى شرط واقف ... ولأن الوقف متلقى من جهته فاتبع شرطه، ونصه كنص الشارع، ... واستثناء كشرط فيرجع إليه ... وكذا مخصص من صفة كما لو وقف على أولاده الفقهاء أو المشتغلين بالعلم، فإنه يختص بهم فلا يشاركهم من سواهم ".
стр. 5953
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - ما تقدم من أدلة وجوب العمل بشرط الواقف (١) .
... ونوقش هذا الاستدلال: بأن تغيير شرط الواقف من أدنى إلى أعلى عمل بشرط الواقف، وزيادة.
٢ - قول الرسول (لعمر ﵁: " تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره" (٢) . وإذا منع من تغيير الأصل فكذا الفرع، وهو الشرط فيه.
ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: أن المراد ببيع الوقف الممنوع إنما هو البيع المبطل لأصل الوقف، وعلى افتراض أن المراد به عموم بيع الوقف فإنه يخص منه حالة التعطل، وكذا حالة رجحان المصلحة لما تقدم من الدليل على ذلك.
ثانياً: قياس الموقوف على الحر المعتق، فكما أن العتيق الحر لا يقبل الرق بعد عتقه، فكذلك العين الموقوفة لا تقبل الملك بعد صحة الوقف (٣) .
... وكذا شرط الوقف.
مناقشة الدليل:
أن هذا القياس قياس مع الفارق فلا يعتد به؛ لأن المعتق خرج عن المالية بالاعتاق بخلاف الوقف فلم يخرج عن المالية.
وقال القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى الفراء: احتجوا بأنه بالوقف زال ملكه على وجه القربة، فلا يجوز التصرف فيه كإزالته على وجه العتق.
والجواب أن الهدي الواجب بالنذر قد زال ملكه عنه، ويجوز التصرف فيه بالذبح قبل محله، وكذلك إذا نذر أن يتصدّق بدراهم بعينها جاز إبدالها بغيرها، وكذلك إذا جعل داره هدياً إلى الكعبة جاز بيعها وصرف ثمنها إلى الكعبة، فأما العبد إذا أعتقه فلا سبيل إلى إعادة المالية فيه بعد عتقه؛ لأنه إتلاف للمالية بخلاف مسألتنا، فإن المالية فيه ثابتة، وإنما المنافع هي المقصودة فتوصل بماليته إلى حصول فائدته بإبداله وبيعه، فصار شبهه بالهدى إذا عطب أولى من العبد إذا أعتق (٤) .
стр. 5954
ثالثاً: ما رواه ابن عمر ﵄ قال: " أهدى عمر بن الخطاب نجيباً (١) فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي (فقال: يا رسول اللَّه إني أهديت نجيباً، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها واشترى بثمنها بدناً؟ قال: "لا، انحرها إياها" (٢) .
وجه الدلالة: أن النبي (منع عمر بن الخطاب من تغيير الهدي، فيقاس عليه تغيير الوقف، وشرطه.
ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول:
أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به لأمرين:
أحدهما: أن فيه الجهم بن الجارود. قال الذهبي: فيه جهالة (٣) .
الثاني: أن الحديث فيه انقطاع، فقد ذكر البخاري في تاريخه. أنه لا يعرف لجهم سماع من سالم (٤) .
الوجه الثاني:
لو فرض صحة الحديث، فإنه يقال: إن فرض المسألة كون العين التي وقع الاستبدال بها أرجح من الوقف وأولى. والعين التي أراد عمر الاستبدال بها ليست أرجح من النجيبة بالنسبة إلى التقرب إلى اللَّه تعالى، بل النجيبة كانت راجحة على ثمنها، وعلى البدن المشتراة به، وذلك لأن خير الرقاب أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها،والمطلوب أعلى ما يؤخذ فيما يتقرب به إلى اللَّه تعالى وتجنب الدون (٥) .
الوجه الثالث:
لو فرض صحة الحديث، ولو سلمنا كون الاستبدال بالهدي والأضحية ممنوعاً منه، لم يلتزم عدم جواز الاستبدال في الأوقاف عند رجحان المصالح، وذلك أن الوقف مراد لاستمرار ريعه ودوام غلته بخلاف الهدي والأضحية (٦) .
الترجيح:
стр. 5955
من خلال هذا العرض تظهر قوة أدلة القول الأول القائل بجواز تغيير شرط الواقف عند رجحان المصلحة، لما تقدم من الأدلة على جواز تغيير الأصل، ففي الشرط من باب أولى، وعلى هذا يمكن الإفادة مما حبس من الأموال على غير العلم بصرفها إلى العلم وما يتعلق به إذا كان هذا أصلح، بحيث لا يخل بقصد الواقف، واللَّه أعلم.
المطلب الثاني: الإفادة من الوقف إذا كان في سبيل اللَّه، أو في طرق الخير
إذا قال الواقف: هذا وقف في سبيل البر، أو الخير، أو الثواب، اختلف العلماء في تعيين مصرف ذلك على قولين:
القول الأول: أنه يصرف إلى ما فيه صلاح المسلمين من أهل الزكاة، وإصلاح القناطر (١) ، وسد الثغور (٢) ، ودفن الموتى، وغيرهم، كنشر العلم.
وبه قال بعض الشافعية (٣) .
حجة هذا القول:
احتج لهذا القول بما يلي: أن سبيل الخير، والبر، والثواب يشمل كل ما تقدم كما في قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللَّه أموات بل أحياء عند ربهم ولكن لا تشعرون ((٤) فالمراد هنا الجهاد في سبيل اللَّه (٥) .
وقوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ((٦) ، فالمراد هنا: كل ما يتعلق بطاعة اللَّه (٧) .