← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

٦ - أن الصحابة ﵃ غيروا كثيراً من بناء مسجد النبي (بأمكن منه للمصلحة الراجحة في ذلك (١) ، فقد ثبت أن عمر وعثمان غيرا بناءه، أما عمر فبناه بنظير بنائه الأول باللبن والجذوع، وأما عثمان فبناه بمادة أعلى من تلك كالساج (٢) . وبكل حال فاللبن والجذوع التي كانت وقفاً أبدلها الخلفاء الراشدون بغيرها. وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره منكر. ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بعرصة إذا اقتضت المصلحة ذلك (٣) . ... وإذا جاز في أصل الوقف ففي شرطه أولى. ٧ - أن بعض الصحابة ﵃ سوغ نقل الملك في أعيان موقوفة تارة بالتصدق بها، وتارة ببيعها، فقد ورد عن عمر " أنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج " (٤) . ... وقالت عائشة ﵂ لشيبة الحجبي في كسوة الكعبة القديمة: "بعها واجعل ثمنها في سبيل اللَّه والمساكين " (٥) . ... قال ابن قاضي الجبل: وهذا ظاهر في مطلق نقل الملك عند رجحان المصلحة (٦) ، فكذا مع شرطه.

стр. 5952

٨ - إلحاق محل النزاع بموقع الإجماع، حيث جوز الأئمة الكبار، بل أجمع العلماء على جواز بيع دواب الحبس الموقوفة إذا لم تعد صالحة لما وقفت له، فالفرس الحبيس ونحوه إذا عاد عاطلاً عن الصلاحية للجهاد يجوز بيعه إجماعاً، وإن كان فيه نفع من وجه آخر من أنواع الانتفاع من الحمل والدوران ونحوه، ومن المعلوم أن الفرس الحبيس ونحوه لو لم يبق فيه نفع مطلقاً لما أمكن بيعه إذ لا يجوز بيع ما لا نفع فيه فعلم أن منفعته ضعفت وجاز الاستبدال بأرجح منه، فعلم أن ذلك دائر مع رجحان المصلحة في جنس الاستبدال (١) . وإذا كان التغيير في أصل الوقف للمصلحة، فكذا في شرطه. ٩ - أن الأعيان الموقوفة كالدور والمزارع والمنقولات إنما وقفت؛ ليعود ريعها على مستحقيه جرياً على مناهج المعروف وطلباً لاتصال الريع إلى مستحقية فالمطلوب من ذلك حصول النماء إلى أهله ووقوعه في أيدي مستحقيه مع زيادته واستنمائه، فإذا ظهرت المصلحة في زيادة الريع وتنمية المغل ولم يعارض معارض ظهرت مصلحة الاستبدال طلباً لتنمية المصالح وتكميلاً للمقاصد، ومثل هذا يقال في شرط الوقف (٢) . القول الثاني: عدم جواز ذلك. وهو مذهب الشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) . جاء في الإقناع للشربيني: " وهو أي الوقف على ما شرطه الواقف من تقديم وتأخير، وتسوية وتفضيل، وجمع وترتيب، وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بصفة". وجاء في كشاف القناع: " ويُرجع - بالبناء للمفعول - عند التنازع في شيء من أمر الوقف إلى شرط واقف ... ولأن الوقف متلقى من جهته فاتبع شرطه، ونصه كنص الشارع، ... واستثناء كشرط فيرجع إليه ... وكذا مخصص من صفة كما لو وقف على أولاده الفقهاء أو المشتغلين بالعلم، فإنه يختص بهم فلا يشاركهم من سواهم ".

стр. 5953

أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما تقدم من أدلة وجوب العمل بشرط الواقف (١) . ... ونوقش هذا الاستدلال: بأن تغيير شرط الواقف من أدنى إلى أعلى عمل بشرط الواقف، وزيادة. ٢ - قول الرسول (لعمر ﵁: " تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره" (٢) . وإذا منع من تغيير الأصل فكذا الفرع، وهو الشرط فيه. ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: أن المراد ببيع الوقف الممنوع إنما هو البيع المبطل لأصل الوقف، وعلى افتراض أن المراد به عموم بيع الوقف فإنه يخص منه حالة التعطل، وكذا حالة رجحان المصلحة لما تقدم من الدليل على ذلك. ثانياً: قياس الموقوف على الحر المعتق، فكما أن العتيق الحر لا يقبل الرق بعد عتقه، فكذلك العين الموقوفة لا تقبل الملك بعد صحة الوقف (٣) . ... وكذا شرط الوقف. مناقشة الدليل: أن هذا القياس قياس مع الفارق فلا يعتد به؛ لأن المعتق خرج عن المالية بالاعتاق بخلاف الوقف فلم يخرج عن المالية. وقال القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى الفراء: احتجوا بأنه بالوقف زال ملكه على وجه القربة، فلا يجوز التصرف فيه كإزالته على وجه العتق. والجواب أن الهدي الواجب بالنذر قد زال ملكه عنه، ويجوز التصرف فيه بالذبح قبل محله، وكذلك إذا نذر أن يتصدّق بدراهم بعينها جاز إبدالها بغيرها، وكذلك إذا جعل داره هدياً إلى الكعبة جاز بيعها وصرف ثمنها إلى الكعبة، فأما العبد إذا أعتقه فلا سبيل إلى إعادة المالية فيه بعد عتقه؛ لأنه إتلاف للمالية بخلاف مسألتنا، فإن المالية فيه ثابتة، وإنما المنافع هي المقصودة فتوصل بماليته إلى حصول فائدته بإبداله وبيعه، فصار شبهه بالهدى إذا عطب أولى من العبد إذا أعتق (٤) .

стр. 5954

ثالثاً: ما رواه ابن عمر ﵄ قال: " أهدى عمر بن الخطاب نجيباً (١) فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي (فقال: يا رسول اللَّه إني أهديت نجيباً، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها واشترى بثمنها بدناً؟ قال: "لا، انحرها إياها" (٢) . وجه الدلالة: أن النبي (منع عمر بن الخطاب من تغيير الهدي، فيقاس عليه تغيير الوقف، وشرطه. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به لأمرين: أحدهما: أن فيه الجهم بن الجارود. قال الذهبي: فيه جهالة (٣) . الثاني: أن الحديث فيه انقطاع، فقد ذكر البخاري في تاريخه. أنه لا يعرف لجهم سماع من سالم (٤) . الوجه الثاني: لو فرض صحة الحديث، فإنه يقال: إن فرض المسألة كون العين التي وقع الاستبدال بها أرجح من الوقف وأولى. والعين التي أراد عمر الاستبدال بها ليست أرجح من النجيبة بالنسبة إلى التقرب إلى اللَّه تعالى، بل النجيبة كانت راجحة على ثمنها، وعلى البدن المشتراة به، وذلك لأن خير الرقاب أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها،والمطلوب أعلى ما يؤخذ فيما يتقرب به إلى اللَّه تعالى وتجنب الدون (٥) . الوجه الثالث: لو فرض صحة الحديث، ولو سلمنا كون الاستبدال بالهدي والأضحية ممنوعاً منه، لم يلتزم عدم جواز الاستبدال في الأوقاف عند رجحان المصالح، وذلك أن الوقف مراد لاستمرار ريعه ودوام غلته بخلاف الهدي والأضحية (٦) . الترجيح:

стр. 5955

من خلال هذا العرض تظهر قوة أدلة القول الأول القائل بجواز تغيير شرط الواقف عند رجحان المصلحة، لما تقدم من الأدلة على جواز تغيير الأصل، ففي الشرط من باب أولى، وعلى هذا يمكن الإفادة مما حبس من الأموال على غير العلم بصرفها إلى العلم وما يتعلق به إذا كان هذا أصلح، بحيث لا يخل بقصد الواقف، واللَّه أعلم. المطلب الثاني: الإفادة من الوقف إذا كان في سبيل اللَّه، أو في طرق الخير إذا قال الواقف: هذا وقف في سبيل البر، أو الخير، أو الثواب، اختلف العلماء في تعيين مصرف ذلك على قولين: القول الأول: أنه يصرف إلى ما فيه صلاح المسلمين من أهل الزكاة، وإصلاح القناطر (١) ، وسد الثغور (٢) ، ودفن الموتى، وغيرهم، كنشر العلم. وبه قال بعض الشافعية (٣) . حجة هذا القول: احتج لهذا القول بما يلي: أن سبيل الخير، والبر، والثواب يشمل كل ما تقدم كما في قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللَّه أموات بل أحياء عند ربهم ولكن لا تشعرون ((٤) فالمراد هنا الجهاد في سبيل اللَّه (٥) . وقوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ((٦) ، فالمراد هنا: كل ما يتعلق بطاعة اللَّه (٧) .

стр. 5956

وقوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل اللَّه ويبغونها عوجاً ((١) ، أي: يردون الناس عن اتباع الحق، وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى اللَّه عزوجل ... (٢) وهذا شامل لجميع أبواب الطاعات. وقوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ((٣) ، المراد: طاعة اللَّه وتقواه (٤) . وقوله تعالى: (إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن اللَّه كان عفواً قديراً ((٥) . أي: إن تظهروا أيها الناس خيراً، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند اللَّه، ويجزل ثوابكم لديه (٦) . وقوله تعالى: (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ... ((٧) ، أي: من كان عمله للدنيا فقط ناله منها ما قدره اللَّه له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه اللَّه منها، وما قسم له في الدنيا (٨) . القول الثاني: أنه يصرف على أقارب الواقف، فإن لم يوجدوا فإلى أهل الزكاة. وهو قول الشافعية (٩) . وحجة هذا القول:

стр. 5957

١ - أن أقارب الميت أكثر الجهات ثواباً؛ لما رواه سلمان بن عامر ﵁ أن النبي (قال: " الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنان: صدقة وصلة " (١) . ٢ - أنه إذا لم يوجد أقارب للواقف، فيصرف إلى أهل الزكاة؛ لأن أهل الزكاة أهل حاجة منصوص عليهم في القرآن، فكان من نصّ اللَّه تعالى في كتابه أولى من غيره، وإن ساواه في الحاجة (٢) . القول الثالث: أنه يشمل القُرب كلها. ... كالغزو، وطلب العلم، والمساكين، والمساجد، وغيرها. وهذا هو الصحيح من المذهب عند الحنابلة. قال القاضي: ولو وقف على سبيل الخير يستحقه من أخذ الزكاة (٣) . وحجة هذا القول: ما تقدم من حجة الرأي الأول. وحجة ما ذهب إليه القاضي: ما تقدم من حجة الرأي الثاني، إذا لم يوجد أقارب للميت. الترجيح: الراجح - واللَّه أعلم - هو القول القائل بصرف ريع الوقف المحبس على الخير والثواب، وفي سبيل البر على المصالح كلها ويدخل في ذلك العلم وتعليمه. المطلب الثالث: الإفادة من نقل الوقف من مكانه إلى محله أو بلد آخر الوقف المراد نقله لا يخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يكون منقولاً. الحال الثانية: أن يكون عقاراً. ولكل حال تفصيل خاص، ذلك أن الوقف المنقول يمكن نقله من مكانه بعينه دون استبداله، في حين أن الوقف غير المنقول لا يمكن نقله إلا باستبدال عينه بعين أخرى. وإليك بيان ذلك: الحال الأولى: حكم نقل الوقف المنقول:

стр. 5958

إذا كان الوقف منقولاً جاز نقله عند الحاجة عند عامة أهل العلم. فهو قول كثير من الحنفية (١) ، وهو قول المالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) . قال الحصكفي الحنفي: " إن وقف كتبا على طلبة العلم، وجعل مقرها خزانته التي في مكان كذا، ففي جواز النقل تردد " (٥) . قال ابن عابدين عن هذا التردد: " إنه ناشيء مما قدمه عن الخلاصة من حكاية القولين، من أنه لو وقف المصحف على المسجد أي بلا تعيين أهله. قيل: يقرأ فيه. أي يختص بأهله المترددين إليه، وقيل: لا يختص به. أي فيجوز نقله إلى غيره ". وقال بعد ذلك: "لكن لا يخفى أن هذا إذا علم أن الواقف نفسه شرط ذلك حقيقة، أما مجرد كتابة ذلك على ظهر الكتب - كما هو العادة - فلا يثبت به الشرط " (٦) . فقول ابن عابدين - هذا - يفيد أنه إذا لم يشترط الواقف عدم النقل، فلا بأس به. وقال الكمال بن الهمام الحنفي عن محمد بن الحسن: "ولو جعل جنازة ومغتسلاً وقفاً في محله، ومات أهلها كلهم لا يردّ إلى الورثة: بل يحمل إلى مكان آخر " (٧) . وقال الدسوقي المالكي: "وأما كتب العلم إذا وقفت على من لا ينتفع بها كأمي أو امرأة، فإنها لا تباع وإنما تنقل لمحل ينتفع بها فيه كالكتب الموقوفة بمدرسة معينة فتخرب تلك المدرسة وتصير الكتب لا يتفع فيها فإنها تنقل لمدرسة أخرى ولا تباع " (٨) .

стр. 5959

وذكر الحطاب المالكي مثلاً لذلك فقال: "وقعت بتونس حبس الأمير أبو الحسن كتبا لمدرسة ابتدأها بالقيروان وأخرى بتونس، وجعل مقرها بيتا بجامع الزيتونة، فلما أيس من تمامها قسمت الكتب على مدارس تونس (١) . وقال الشربيني الخطيب الشافعي: "لو وقف على قنطرة، وانحرف الوادي وتعطلت القنطرة واحتيج إلى قنطرة أخرى جاز نقلها إلى محل الحاجة " (٢) . وسئل السيوطي الشافعي عن نقل الكتب من الخزانة المحمودية - مع أن الواقف شرط أن لا تخرج من المدرسة- فأجاب: "الذي أقول به: الجواز" (٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي: "إن الوقف لو كان منقولاً: كالنور والسلاح، وكتب العلم، وهو وقف على ذرية رجل بعينهم جاز أن يكون مقر الوقف حيث كانوا بل كان هذا هو المتعين، بخلاف ما لو أوقف على أهل بلد بعينهم " (٤) . وقال الحجاوي الحنبلي: "إذا وقف على الغزاة في مكان فتعطل فيه الغزو صرف إلى غيرهم من الغزاة في مكان آخر " (٥) . من خلال هذه النصوص يتضح أن نقل الوقف من مكانه أمر مقرر عند عامة أهل العلم، لكن بعض العلماء أجاز النقل لمجرد ظهور المصلحة الراجحة، وبعضهم إنما أجازه عند تعذر الانتفاع بها في مكانها وعلى كل حال، فإنهم قد أجازوا نقلها في الجملة. وحجة هذا القول: أن الواقف إنما وقف العين الموقوفة، ليستفاد منها ما أمكن على الدوام، وفي نقل العين الموقوفة عند الحاجة تحصيل لغرض الواقف في الجملة حسب الإمكان (٦) .

стр. 5960

وذهب بعض الحنفية: إلى أنه لا يجوز نقل الوقف من مكانه، ولذلك قال ابن عابدين في تعليقه على الدر المختار: " الذي تحصّل من كلامه أنه إذا وقف كتبا وعين موضعها، فإن وقفها على أهل ذلك الموضع، لم يجز نقلها منه لا لهم ولا لغيرهم " (١) . ولكن لا يخفى أن القول الأول: هو القول الراجح، وذلك أن منع نقل العين من مكانها دون استبدالها لمكان إقامة الموقوف عليهم فيه مخالفة لمقصد الواقف وتعطيل للعين الموقوفة عن الانتفاع بها، والوقف إنما شرع ليستمر الانتفاع منه على الدوام، لقول الرسول (:"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٢) . والصدقة الجارية هي الوقف كما بينه الفقهاء وسبق توضيحه في مقدمة الرسالة (٣) . وعلى هذا يمكن الإفادة بنقل ما حُبِّس من المنقولات عند الحاجة والمصلحة إلى أمكنة العلم، ومنها الجامعات، وخصوصاً ما يتعلق بكتب العلم. وتقدم جواز تغيير شرط الواقف من أدنى إلاَّ أعلى للمصلحة. الحالة الثانية: حكم نقل عقار الوقف: من المعلوم أن كل من قال بعدم جواز إبدال الأوقاف منع نقل عقار الوقف من مكانه؛ لأن من لازم نقله استبداله بخلاف الوقف المنقول فكل من منع استبدال عقار الوقف هو مانع ضمنياً نقل عقار الوقف من مكانه، أما الذين أجازوا استبدال الأوقاف وهم بعض الحنفية، وبعض الحنابلة، فقد اختلفوا في نقل البدل من محلة الوقف الأول والبلد الذي كان فيه.

стр. 5961

فذهب بعضهم إلى جواز نقله للمصلحة (١) ، ومنعه آخرون إلا إذا كانت المحلة الأخرى خيراً من محلة الوقف (٢) . قال ابن نجيم الحنفي: "لو أطلق الاستبدال فباعها بثمن ملك الاستبدال بجنس العقار من دار أو أرض في أي بلد شاء " (٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ما علمت أحداً اشترط أن يكون البدل في بلد الوقف الأول، بل النصوص عند أحمد وأصوله وعموم كلامه وكلام أصحابه وإطلاقه يقتضي أن يفعل في ذلك ما هو مصلحة أهل الوقف. قال: وجوز أحمد إذا خرب المكان أن ينقل المسجد إلى قرية أخرى، بل ويجوز في أظهر الروايتين عنه: أن يباع ذلك المسجد ويعمر بثمنه مسجداً آخر في قرية أخرى إذا لم يحتج إليه في القرية الأولى " (٤) . وفي المقابل قال الزاهدي الحنفي: "مبادلة دار الوقف بدار أخرى إنما يجوز إذا كانتا في محلة واحدة، أو محلة الأخرى خيراً، وبالعكس لا يجوز - وإن كانت المملوكة أكثر مساحة وقيمة وأجرة، لاحتمال خرابها في أدون المحلتين لدناءتها، وقلة الرغبة فيها " (٥) . وعلى كل حال فإن جواز نقل عقار الوقف للمصلحة هو الراجح الذي تطمئن إليه النفس؛ لأن ذلك أقرب إلى مقصد الواقف وهو نفع الموقوف عليهم، وليس في تخصيص مكان العقار الأول مقصود شرعي، ولا مصلحة لأهل الوقف، وما لم يأمر به الشارع ولا مصلحة فيه للإنسان فليس بواجب ولا مستحب.

стр. 5962

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فعلم أن تعيين المكان الأول ليس بواجب ولا مستحب لمن يشتري بالعوض ما يقوم مقامه، بل العدول عن ذلك جائز، وقد يكون مستحباً، وقد يكون واجباً إذا تعينت المصلحة فيه ". واللَّه أعلم (١) . وعلى هذا يمكن نقل الأوقاف المنقطعة، أو التي حبست على طرق الخير والثواب، أو أمكن تغيير الشرط فيها كما تقدم (٢) ، للمصلحة للإفادة منها في العلم. المطلب الرابع: الإفادة من صرف منافع الوقف إذا انقرض الموقوف عليهم هذه المسألة مبنية على مسألة حكم الوقف منقطع الآخر. فمن قال ببطلانه وهو أبو حنيفة ومحمد، ومن تبعهم من الحنفية (٣) ، وبعض الشافعية (٤) . فإن الموقوف عليه ينقرض عندهم حيث لو انقطع لم يصح الوقف. ومن قال بصحة الوقف المنقطع الآخر وهم: جمهور العلماء من المالكية (٥) ، والحنابلة (٦) ، وجمهور الشافعية (٧) ، وأبو يوسف ومن تبعه من الحنفية (٨) . فقد ينقرض الموقوف عليه عندهم، كأن يقول: وقفت على ولدي، أو على زيد فيهلك، أو على ذريتي فينقرضوا، ومنه قوله: وقفت على المحتاج من ذريتي فلم يوجد فيهم محتاج. وفي مصرف ريع الوقف إذا انقرض الموقوف عليه خلاف بين العلماء الذين قالوا بصحة الوقف منقطع الآخر على النحو التالي: القول الأول: أنه يصرف إلى أقارب الواقف، ثم من بعدهم الفقراء والمساكين.

стр. 5963

وهو قول جمهور أهل العلم (١) . وعند الشافعية على الأظهر: بعد الأقارب يصرف في مصالح المسلمين. وخص الحنفية، والشافعية: الأقارب بالفقراء، وخصهم المالكية، والحنابلة: بورثة الواقف نسباً. قال القدوري الحنفي: " إذا سمى فيه جهة تنقطع جاز، وصار بعدها للفقراء ... " (٢) . وقال النفراوي المالكي: " وإن انقرض من حبست عليه الدار ونحوها رجعت حبساً على فقراء أقرب الناس بالمحبّس يوم المرجع ... وإن لم يوجد له قريب يوم المرجع فإنه يصرف للفقراء " (٣) . وقال الرملي الشافعي: " فإذا انقرض المذكور فالأظهر أنه يبقى وقفاً ... والأظهر: أن مصرفه أقرب الناس رحماً إلى الواقف يوم انقراض المذكور ... ولو فقدت أقاربه أو كانوا كلهم أغنياء صرف الريع لمصالح المسلمين، كما نص عليه البويطي في الأولى، أو إلى الفقراء والمساكين على ما قاله سليم الرازي، وابن الصباغ، والمتولي وغيرهم ... " (٤) . أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها: ١ - أن الفقراء والمساكين أعم جهات الخير، ومصرف الصدقات وحقوق اللَّه تعالى من الكفارات ونحوها الفقراء دون الأغنياء، وأولى الناس بصدقته فقراء أقاربه (٥) . ٢ - أن أقارب المتصدق أولى الناس بصدقاته النوافل والمفروضات، وكذلك صدقته الموقوفة (٦) ، يدل على ذلك: ... قول الرسول (: " الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة " (٧) ، فإذا لم يوجد للوقف مستحق تعين الصرف للمحتاج من أقرباء الواقف دون غيرهم من المحتاجين، رعاية لجانب الواقف في زيادة الثواب (٨) .

стр. 5964

٣ - أن الرسول (قد حث على إغناء الأقارب بقوله: " إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " (١) . وفي صرف منافع الوقف إذا انقطع المستحق لها إلى المحتاج من الأقارب إغناء وصلة أرحامهم (٢) . ٤ - أن الأقارب ممن حث الشارع عليهم في جنس الوقف؛ لقوله (لأبي طلحة ﵁ لما أراد أن يقف بيرحاء: " أرى أن تجعلها في الأقربين " (٣) . فهذا الحديث نص في محل النزاع، وهو أن الوقف خاصة يقدم فيه أقرباء الواقف (٤) . القول الثاني: أنه يصرف في مصالح المسلمين، فيرجع إلى بيت المال. وهذا القول قال به بعض الشافعية (٥) ، وهو رواية عند الحنابلة (٦) . وقال المرداوي الحنبلي: "وعنه رواية رابعة: يصرف إلى المصالح. جزم به في المنور، وقدمه في المحرر، والفائق وقال: نص عليه. قال: ونصره القاضي، وأبو جعفر ". دليل هذا القول: استدل أصحاب هذا القول: ... قياس ريع الوقف منقرض الموقوف عليه على حال من لا وارث له بجامع أن كلا منها مال لا مستحق له، فيجعل في بيت المال (٧) . مناقشة الدليل: ... أن ريع الوقف إذا انقرض الموقوف عليه انتقل استحقاقه إلى أقارب الواقف المحاويج، ولا يقال إنه لا مستحق له، وذلك أن الوقف صدقة أراد بها واقفها دوام الثواب، فإذا انعدم الموقوف عليه تعين صرفها لقريب الواقف الفقير استدامة للثواب والأجر المضاعف لكونها على القريب. بخلاف مال من لا وارث له فهو ليس بصدقة ولم يقصد به دوام الأجر. واللَّه أعلم.

стр. 5965

القول الرابع: أنه يصرف إلى مستحقي الزكاة. ... وهذا وجه عند الشافعية (١) . قال النووي الشافعي في بيان أقوال الشافعية في مصرف ريع الوقف إذا انقرض الموقوف عليه: وفي مصرفه أوجه.... الرابع: إلى مستحقي الزكاة (٢) . دليل هذا القول: استدل لهذا القول بقوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين (الآية (٣) ، والوقف صدقة وقد أطلقها الواقف من غير تقييد. مناقشة الدليل: إن الآية محمولة على الفرض، والألف واللام فيها للعهد لا للعموم، أما صدقة التطوع فإن مصرفها الأقربون، بدليل أن أبا طلحة لما أطلق صدقته قال له النبي (: " أرى أن تجعلها في الأقربين " (٤) . القول الخامس: أن الوقف يرتفع ويرجع ملكاً للواقف. وهو ضعيف للحنفية (٥) ، وقول عند الشافعية (٦) ، ورواية عند المالكية (٧) ، والحنابلة (٨) . قال ابن عابدين الحنفي: " لو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة فهي وقف بلا خلاف إذا لم يعين إنساناً، فلو عين وذكر مع لفظ الوقف لفظ صدقة بأن قال: صدقة موقوفة على فلان جاز ويصرف بعده إلى الفقراء، ثم ذكر بعده عن المنتقى أنه يجوز ما دام فلان حياً، وبعده يرجع إلى ملك الواقف، أو إلى ورثته بعده " (٩) . وقال النووي الشافعي: " إذا انقرض المذكور فقولان: أحدهما: يرتفع الوقف ويعود ملكاً للواقف، أو إلى ورثته إن كان مات " (١٠) .

стр. 5966

وقال ابن عبد البر المالكي: من حبس على رجل بعينه ولم يقل على ولده ولا على عقبه، ولا جعل له مرجعاً مؤبداً فقد اختلف في ذلك قول مالك وأصحابه على قولين: أحدهما: أن ذلك كالعمرى تنصرف إلى ربها إذا انقرض المحبس عليه، وعلى هذا المدنيون من أصحابه ... وكذلك من قال مالي حبس في وجه كذا ليس من وجوه التأبيد، فعن مالك فيه روايتان.. الرواية الثانية: أنه إذا انقرض الوجه الذي جعل فيه رجع إليه ملكاً في حياته ولورثته بعده كالعمرى " (١) . وقال شمس الدين ابن مفلح: "إذا وقف على جهة منقطعة ولم يزد صح، ويصرف بعدها إلى ورثته نسباً بقدر إرثهم منه ... وعنه يرجع إلى ملك واقفه الحي " (٢) . دليل هذا القول: أن إبقاء الوقف بلا مصرف متعذر، وإثبات مصرف لم يتعرض له الواقف بعيد فتعين ارتفاعه (٣) . مناقشة الدليل: أن الوقف لا يبقى بلا مصرف، فإذا انقرض الموقوف عليه سعينا لتحقيق غرض الواقف ما أمكن، ومعلوم أن من أعظم أغراض الوقف استدامة الثواب والاستكثار منه ولا أعظم أجراً من صرفه الصدقة إلى القريب الفقير فتصرف إليه، ومن بعده المصالح، ومن ذلك نشر العلم. الترجيح:

стр. 5967

بعد هذا العرض يظهر لي - واللَّه أعلم - أن القول الأول القائل بصرف ريع الوقف للفقراء من أقارب الواقف، فإن لم يكن فعلى مصالح الواقف هو القول الراجح. وذلك أن القصد بالوقف الثواب الجاري على الواقف على وجه الدوام فيجب علينا مراعاة جانب الواقف في صرف وقفه في أفضل القربات، فتعين اعتبار الحاجة والمصلحة، لأن سد الحاجات، والقيام بالمصالح أهم الخيرات، فإذا كان من أقاربه من هو من أهل الحاجة تعين تقديمه، لأن أقارب الشخص أولى الناس بزكاته وصلاته (١) ، لما سبق من الأحاديث، ثم على المصالح إذا لم نجد مصرفاً من جهة شرط الواقف ولا من جهة إرادته، ومن المصالح صرفها على العلم، وما يتعلق بنشره، واللَّه أعلم. المبحث الثالث: السبل الشرعية للحث على تحبيس الأموال على دور العلم، ومنها الجامعات (٢) إعادة الوقف إلى سابق عهده من تحبيس الأموال على العلم، وأربطته، ومشايخه وطلابه، وكل ما يتعلق بنشره، فإني أرى أن لذلك عدة طرق، منها ما هو في ميدان الدعوة، ومنها ما هو في ميدان السياسة والحكم، ومنها ما هو في ميدان الاقتصاد. المطلب الأول: في ميدان الدعوة: ولبلوغ ذلك في ميدان الدعوة، سبل منها ما يلي: السبيل الأولى: نشر الوعي الديني بين أفراد الأمة: فمن أهم السبل في سبيل عودة الأمة للاهتمام بالوقف على العلم، وما يتعلق به نشر الوعي الديني بين عامة الناس في فضل الإنفاق في سبيل اللَّه، والتنافس في ذلك طلباً لمرضاة اللَّه، ثم تخصيص الوقف على العلم بمزيد من ذلك، إحياءً لهذه السنة، وبيان ما يجتمع في الوقف على العلم من أنواع الأجر، وما يتميز به من ميزة الديمومة، وبيان فضل الإنفاق حال الصحة، وأن لا يمهل الإنسان حتى إذا أعياه المرض، وأعجزه الكبر قال: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا.

стр. 5968

وقد توفر في وقتنا من وسائل التبليغ ما لم يكن في حسبان أحد، وعلى علماء الأمة الوفاء بهذا الجانب استنهاضاً للهمم، وقياماً بواجب التكليف الذي كلفوا به. السبيل الثانية: إيقاظ الشعور الديني بوجوب التكافل والتساند: ذلك أن الوقف على العلم سبيل من سبل الإنفاق في سبيل اللَّه، وما التقصير في الإنفاق في هذا الجانب إلا نتيجة من نتائج ضعف الشعور الديني بوجوب التكافل بين أفراد المجتمع المسلم، الذي شبهه (بالجسد الواحد فقال: "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى" (١) . وشبهه بالبنيان، فقال (في حديث أبي موسى ﵁: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" (٢) . فالواجب على علماء الأمة، وولاة أمورها العمل على إيقاظ الأمة من هذه الغفلة، والعمل ابتداءً على تربية الأمة على التعاليم الإسلامية، التي تربي في المسلم الإحساس بمجتمعه، أفراداً وجماعات، والقيام بشيء من حقوق المجتمع، ومن ذلك رفع الجهل عن أفراده، ونشر العلم بينهم، وتذكي فيه روح التنافس في ذلك طلباً لمرضاة اللَّه. السبيل الثالثة: نهضة المجامع الفقهية بما يخص الوقف على العلم، ومن ذلك الوقف على الجامعات:

стр. 5969

تتابع المسلمون في أزمان طويلة إلى المسارعة في البذل قياماً بواجب التكافل والتآزر، وسد خلة المحتاج ونشر العلم، ورفع الجهل عن الأمة، إلا أنه ظهر من خلال التطبيق لهذه السنة الحسنة بعض المعوقات، وقد وجد لها في كل عصر ومصر، جهابذة وفوا للأمة حقها في حل تلك المشكلات، مراعين حال أزمانهم، وأهل أزمانهم، مقدمين مافيه جلب المصالح، ودفع المفاسد، فعلى هذه المجامع أن تنظر فيما يخص الوقف على العلم وكيف الإفادة من الأوقاف الموجودة، وسبل دفع الناس على التحبيس على العلم. وقد وجدت للأوقاف مشاكل كثيرة، ومسائل شائكة، وأمور تحتاج إلى تجديد بما يناسب حال الناس اليوم، ويجد من الأقضية، فعلى المجامع الفقهية القيام بما يمليه التكليف الشرعي. وأن تتولى المبادرة إلى بحث هذه المشكلات، وإيجاد المخرج الشرعي لها. السبيل الرابعة: بث سير أهل الخير من أهل المسارعة: ومما هو مفيد في نظري في بعث هذا الجانب بث سير أهل الخير ممن عرف عنهم المبادرة في الإنفاق ابتغاء وجه اللَّه، من الصحابة، والتابعين وأتباعهم، وخصوصاً ما يتعلق بالإنفاق على العلم، وقد تقدم شيء من نماذج ذلك (١) . رفعاً لذكرهم، وشحذاً للهمم في اللحاق بهم. المطلب الثاني: في ميدان السياسة والحكم السبيل الأولى: وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية: تمنع الأنظمة الوضعية المعمول بها في أكثر البلاد الإسلامية من إنشاء الوقف بصورته المعهودة في الشرع. وقد كان هذا سبباً جوهرياً لانحسار الوقف، وخصوصاً الوقف على العلم، وكان من نتيجة ذلك أن حرمت تلك البلدان خيراً وفيراً، ونبعاً زلالاً، ورافداً مهماً من روافد العطاء. ولا مخرج من هذا إلا بالعودة إلى تحكيم شرع العزيز الحكيم، والعودة إلى ذلك كفيلة بإعادة الوقف إلى سالف عهده المجيد؛ إذ هو أحد روافد العطاء في سائر المجالات، وخصوصاً مجالات العلم. السبيل الثانية: فتح باب القدوة:

стр. 5970

ومما له الأثر البيّن في حث الناس، ومسارعتهم في هذا الجانب، فتح باب القدوة في هذا الموضوع، فعلى ولاة الأمر والعلماء ووجهاء المجتمع البدء بالمسارعة إلى هذا الخير وتحبيس الأوقاف على دور العلم وإنشاء الأربطة، وطبع الكتب ونشرها، وقد تقدم شيء من نماذج ذلك (١) ، تحقيقاً لمبدأ التعليم بالقدوة. السبيل الثالثة: ترك الحرية للواقف في إدارة وقفه إذا رغب: أقدمت بلدان إسلامية عديدة على حصر إدارة الأوقاف الخيرية على نفسها، ومنعت الواقفين من تولي ذلك بأنفسهم أو بناظر ينصبه الواقف. بل سنت لأنفسها حق التغيير في مصارف الوقف، وغالباً ما يخالف التغيير مقاصد الواقفين، وكان هذا سبباً في إحجام الناس عن الوقف إحجاماً كلياً، وبذلك سد باب كبير من أبواب الخير. المطلب الثالث: في ميدان الاقتصاد السبيل الأولى: الاهتمام بالأوقاف الموجودة: مع ما ذكرنا فيما سبق من ضياع أوقاف كثيرة في بلاد إسلامية عديدة، فقد سلمت أوقاف كثيرة وهي في مواضع مثمنة جداً، وهي بقيمها كافية لسد ثغرة عظيمة من حاجات الأمة، والواجب فيما نحن فيه المحافظة على هذه الأوقاف، والنظر في شروط الواقفين، ومدى الإفادة منها في صرف ريعها على دور العلم، ومنها الجامعات (٢) .

стр. 5971

وعلى الجهات المسؤولة أن تجتهد فيما فيه وفرة الإنتاج منها، وأن تعمل على إشراك العلماء فيما يعرض من إشكال عند وجود الغبطة في المشاركة، أو المناقلة، أو البيع عند التهدم، ونقل الوقف إلى موضع آخر، والنظر في شرط الواقف، وإمكان تغييره إلى ما هو أصلح مما لا يخل بغرضه وقصده، وغير ذلك مما يقتضيه الفقه، وتحتمه المصلحة، ويتحقق معه قصد الواقف، ويبتعد بذلك عن الوقوع في إضاعة المال. السبيل الثانية: العمل على إعادة الضائع من أصول الوقف: ضياع كثير من أعيان الوقف لأسباب كثيرة، ومن الواجب على الأمة وولاة الأمر فيها خاصة بذل الجهد العظيم في العمل على إعادة هذه الأوقاف، وقد يزع اللَّه بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، والنظر في إمكانية الإفادة من هذه الأوقاف وصرف ريعها على دور العلم، ومنها الجامعات (١) . فللسلطان بهيبته وأعوانه، ما يستطيع به أن يعيد الأمر إلى نصابه، وأن يجعل من عمله هذا باعثاً للأحياء على الاقتداء بالأموات، وذلك لما يشاهده الأحياء من وفرة الحرمة لوقفهم بعد الممات. السبيل الثالثة: وضع خطة اقتصادية ترعى حاجات الأمة فيما يتعلق بالوقف على الجامعات: رأينا فيما سبق كيف كان الوقف رافداً مهماً في دعم العلم، والدور الذي كان يقوم به في تخفيف العبء عن بيت المال، وذلك بتكفله بجوانب مهمة، الاهتمام بها كفيل بإعادة الهيبة للأمة، وسبب لتنزل الرحمة. ولهذا فإني أرى أن من أهم السبل في الوقف على الجامعات أن تتولى الجهات المسؤولة عن الوقف أمر القيام بوضع خطة اقتصادية ترعى حاجات الأمة في هذا الجانب، وعليها في ذلك أن تستقطب الخبراء من أهل الاقتصاد، وعلماء الاجتماع، والتخطيط والإدارة، وبلاد الإسلام مليئة منهم، حتى إذا تم إعداد هذه الخطط طرحت هذه المشاريع، وعرضت على أثرياء الأمة، بتكلفتها، والمردود المرجو منها.

стр. 5972

فهذا أفضل في نظري من الدعوة المجردة للبذل، أو للوقف، وفي ظني ومن واقع ما نشاهده من انبعاث جانب البذل والإنفاق في سبيل اللَّه من نفر غير قليل من أثرياء الأمة، أن هذا من أنجح السبل، وأنجع الدواء. السبيل الرابعة: قيام مؤسسات اقتصادية ترعى الأوقاف على العلم، ومن ذلك الجامعات: تقدمت في وقتنا علوم الاقتصاد، وقننت أنظمة الإدارة، والمحاسبة، وشؤون المال، فحسماً لباب الاسترخاء، وقطعاً للظنون المثبطة - أن تكون الجهة الناظرة، هي المحاسبة- ينبغي العمل على إيجاد مؤسسات متخصصة، تقوم على إدارة الوقف، فتتسلمه من وزارة الأوقاف، أو من صاحبه إذا رغب، بجزء معلوم من ريعه، على أن تخضع هذه المؤسسات لرقابة قضائية مشتركة، وتخضع لنظام محاسبي واضح، ومنشور. وبهذا تحل عقدة كبيرة، منعت كثيراً من أهل البذل من المشاركة في هذا الباب من البر. السبيل الخامسة: الاستفادة من التجارب المعاصرة: قامت في بلدان عديدة، في الآونة الحاضرة، جهود عديدة، فردية وجماعية، للدعوة إلى إحياء سنة الوقف، وقد أثمرت هذه الجهود عن نواة لمشاريع وقفية عديدة، منها ما هو في طور البناء والتشييد، ومنها ما أينعت ثماره وبدأ في إتيان أكله. ولا شك أن هذه الجهود قد مرت بتجربة، واستفادت من أخطاء، فحبذا لو تم التخاطب، وتبادل الزيارات بين الجهات المختصة في كل بلد مع أصحاب تلك الجهود، تلافياً للأخطاء المستقبلية، ومنعاً للتكرار. السبيل السادسة: فتح باب المساهمة في الوقف الجماعي: وذلك تطبيقاً لقاعدة: ما لا يدرك كله، لا يترك كله، وقاعدة: القليل من الكثير كثير. فتعم بذلك المشاركة في الخيرات، ولا يحرم من قصد الثواب والمبرات، وتجتمع فيه نيات المشاركين، وأموالهم، وتوجهاتهم إلى اللَّه بالإخلاص في أعمالهم.

стр. 5973

وقد قال (فيما رواه عثمان بن عفان ﵁: " من بنى مسجداً لله بنى اللَّه له في الجنة مثله " (١) . وفي لفظ: " ولو كمفحص قطاة" (٢)

стр. 5974

وهذا المثال من النبي (يدل على أن من ساعد على عمارة المسجد ولو بشيء قليل بحيث تكون حصته من المسجد هذا المقدار - وهو مفحص القطاة- استحق هذا الثواب الجزيل. وفي ظني أن هذا السبيل من أنجح الوسائل، بل هي أفضلها على الإطلاق، وقد جربت في عدد من المشاريع الخيرية، ونجحت نجاحاً باهراً، مع مافيها من التحرر من قيود الواقفين، وإخفاء من يرغب في إخفاء صدقته من المحسنين. السبيل السابعة: الاستفادة من الجمعيات الخيرية الموجودة: ذكرنا فيما سبق أن من أولويات العمل على بعث الوقف على العلم، ومن ذلك الجامعات من جديد، وضع خطة اقتصادية متينة مدروسة، وأن يتولى أمر ذلك نخبة منتقاة من علماء الاقتصاد، والتخطيط والإدارة، كما ذكرنا فتح الباب للوقف الجماعي. ومما يفيد جداً في هذا الجانب الاستعانة بخبرة الجمعيات الخيرية، فقد عملت في أوساط الحاجة، وتلمست مواطن الإنفاق، وتجمع لديها خبرة في هذا الجانب لا يمكن الحصول عليها من غيرها. السبيل الثامنة: العمل على الاستفادة من التجارب الحالية للدول غير المسلمة على أن توضع في إطار إسلامي. * * * الخاتمة: النتائج والتوصيات الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فبعد العرض السابق لبحث " الأوقاف في العصر الحديث، كيف نوجهها لدعم الجامعات وتنمية مواردها "، تظهر النتائج التالية: أن الوقف في الاصطلاح: تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته، يصرف ريعه إلى جهة بر تقرباً لله تعالى. ثبوت شرعية الوقف بالكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة ﵃. أن للوقف هدفاً عاماً يتمثل من القيام بما أوجبه اللَّه على المسلمين من التعاون والتكافل والتراحم، وهدفاً خاصاً يتمثل في تحقيق رغبة خاصة قائمة في نفس المسلم يدفعه إلى تحقيقها دوافع دينية وغريزية وواقعية واجتماعية. وجود فكرة الوقف في الأمم قبل الإسلام.

стр. 5975

تسابق المسلمين حكاماً ومحكومين منذ القرن الأول على تحبيس الأموال على العلم وما يتعلق بنشره، من مدارس ومعاهد، مكتبات، وغير ذلك. إمكانية الإفادة من الأوقاف الموجودة في دعم الجامعات، بتغيير شرط الواقف عند المصلحة إذا كان تغييره من أدنى إلى أعلى، واتفق مع غرض الواقف، وكذا نقل الوقف من محلة إلى أخرى، عند المصلحة، واتفق مع غرض الواقف. الإفادة من الأوقاف المنقطعة في دعم العلم بعد أقارب الواقف، وكذا الوقف المطلق. السبل الشرعية لتوجيه الأوقاف في دعم الجامعات كثيرة، منها ما هو في ميدان الدعوة، ومنها ما هو في ميدان السياسة والحكم، ومنها ما هو في ميدان الاقتصاد. وأما التوصيات: فمن خلال العرض السابق يظهر لي الأخذ بالتوصيات الآتية: أولاً: العمل على ترسيخ فكرة عدم حصر الخيرية فقط في بناء المساجد، والإنفاق على الفقراء ونحوها، وتنشيط مبدأ الوقف الثقافي، وإحياؤه، وإعادته إلى الأذهان، وتشجيع الموسرين عليه، وبيان حاجة المجتمع إلى الوقف الثقافي الذي يخدم شريحة كبيرة منه. ثانياً: العمل على قيام مؤسسات وقفية ثقافية، ووجود نظام لها متكامل من الجوانب الشرعية، والاقتصادية، والإدارية، تستطيع كسب ثقة الموسرين الخيرين، وتحقق شروط الواقفين. ثالثاً: طباعة الأبحاث المقدمة للمجلة؛ لتكون مرجعاً هاماً في هذا الباب. أسأل اللَّه التوفيق والسداد، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 5976

من أحكام مس القرآن الكريم دراسة فقهية مقارنة د. عمر بن محمد السبيل ﵀ * الأستاذ المساعد بقسم الشريعة- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة أم القرى ملخص البحث هذا البحث استكمال لبحث سابق أوضحت فيه حكم الطهارة لمس القرآن الكريم، وفي هذا البحث أوضحت بقية الأحكام المتعلقة بالمس، ببيان ما يصدق عليه اسم المصحف فيحرم مسُّه على غير طهارة، وما لا يدخل في مسمى المصحف فيجوز مسُّه، ثم أوضح البحث أن المس المحرم للمصحف على المحدث إنما هو المس المباشر من غير حائل سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسم، ثم يبين البحث حكم مس ما كتب فيه قرآن من كتب العلم، وغيرها كالدراهم ونحوها، وحكم مس ما نسخت تلاوته من آيات القرآن ونحوها كالأحاديث القدسية، وحكم مس الكتب السماوية الأخرى غير القرآن، وحكم مس الأشرطة التي سجل فيها قرآن، ثم بيان حكم كتابة القرآن بغير اللغة العربية، وحكم كتابته للمحدث والكافر، ثم بيان جواز مس القرآن الكريم على المحدث عند الضرورة، وانتهى البحث ببيان أهم النتائج المستخلصة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 5977

المحدث حدثًا أصغر إذ هو المنقول عن الصحابة وجل التابعين، وبه قال جمهور الأئمة المجتهدين، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وهو الذي عليه العمل والفتوى في مختلف العصور والأمصار، كما قال ابن عبد البر: (أجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يمسه إلا طاهر) (١) ، ثم رأيت إتمامًا للفائدة بحث بقية ما يتعلق بمس القرآن الكريم من أحكام ومسائل، لأنني لم أقف على مؤلَّفٍ مستقل في ذلك، فتم إعداد هذا البحث بعنوان (من أحكام مس القرآن الكريم دراسة فقهية مقارنة) وقد انتظم في مقدمة وثمانية مطالب وخاتمة. وقد سلكت فيه المسلك العلمي المتبع في بحث المسائل الشرعية بحثًا فقهيًا مقارنًا، بذكر آراء العلماء في كل مسألة من مسائله وأدلتها، مع بيان الراجح من تلك الآراء، مبينًا وجه الترجيح. فأسأل الله أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وزلفى لديه إلى جنات النعيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. المطلب الأول: في بيان ما يشمله اسم المصحف أولاً: نص فقهاء المذاهب الأربعة على أن اسم المصحف يشمل المكتوب منه، وما بين سطوره، وحواشيه، وغلافه المتصل به؛ لأنه يتبعه في البيع. وعلى هذا فقد صرحوا: بأنه لا يجوز للمحدث أن يمس شيئًا من ذلك كله في الصحيح من مذاهبهم، وأن حكم البعض من المصحف، والجزء منه كحكمه كله في تحريم مس شيء منه على البالغ (٢) ودونك أقوالهم المصرحة بذلك:

стр. 5978

قال في الهداية شرح البداية: (وكذا المحدث لا يمس المصحف إلا بغلافه ... وغلافه ما يكون متجافيًا عنه، دون ما هو متصل به كالجلد المشرز هو الصحيح) (١) . وقال في البحر الرائق: (لا يجوز مس المصحف كله المكتوب وغيره) (٢) . وقال في الذخيرة: (ومس المصحف، أو جلده، أو حواشيه، أو بقضيب، لأن ذلك بمنزلة اللمس عرفًا للاتصال) (٣) . وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (عن ابن حبيب سواء كان مصحفًا جامعًا أو جزءً، أو ورقة فيها بعض سورة، أو لوحًا، أو كتفًا مكتوبة اهـ ولجلد المصحف قبل انفصاله منه حكمه، وأحرى طرف المكتوب، وما بين الأسطر) (٤) . وقال في المجموع: (وسواء مس نفس الأسطر، أو ما بينها، أو الحواشي، أو الجلد، فكل ذلك حرام، وفي مس الجلد وجه ضعيف: أنه يجوز، وحكى الدارمي وجهًا شاذًا بعيدًا: أنه لا يحرم مس الجلد ولا الحواشي، ولا ما بين الأسطر، ولا يحرم إلا نفس المكتوب. والصحيح الذي قطع به الجمهور تحريم الجميع) (٥) . وقال في معونة أولي النهى: (ويحرم بالحدث أيضًا مس مصحف أو بعضه ... والحكم شامل لما يسمى مصحفًا من الكتاب، والجلد، والحواشي، والورق الأبيض، فلهذا قلت: (حتى جلده وحواشيه، بدليل: البيع) (٦) .

стр. 5979

وذهب بعض الحنفية (١) ، وبعض الشافعية (٢) ، وبعض الحنابلة (٣) : إلى أن المحرم إنما هو مس المكتوب منه فقط، فلا يدخل في التحريم مس مواضع البياض منه معللين لذلك: بأن الماس له لم يمس القرآن. قال بعض الحنفية: وهذا مقتضى القياس، وإن كان القول بالتحريم أقرب إلى إجلال القرآن وتعظيمه (٤) . قال في بدائع الصنائع: (وقال بعض مشايخنا: إنما يكره (٥) له مس الموضع المكتوب دون الحواشي؛ لأنه لم يمس القرآن حقيقة، والصحيح أنه يكره مس كله؛ لأن الحواشي تابعة للمكتوب، فكان مسها مسًا للمكتوب) (٦) . وقال ابن مفلح في الفروع: (وقيل- يعني إنما يحرم – كتابته، واختاره في الفنون – يعني ابن عقيل – لشمول اسم المصحف له فقط، لجواز جلوسه على بساط على حواشيه كتابة) (٧) . ورجحان القول الأول وهو تحريم المس لكل ما يشمله اسم المصحف أمر ظاهر لقوة دليله، ووجاهة تعليله. ثانيًا: واختلف فقهاء المذاهب الأربعة في حكم مس غلاف المصحف المنفصل عنه كالخريطة والعلاقة التي يحفظ بها المصحف سواء كانت من ثوب أو جلد، وكذا الصندوق الخاص بحفظ المصحف فيه هل يحرم مس شيء من ذلك في حالة كون المصحف فيها أم لا يحرم؟ في ذلك قولان مشهوران للفقهاء: القول الأول: أنه لا يحرم مس شيء من ذلك.

стр. 5980

وبه قال الحنفية (١) ، والشافعية في قول (٢) ، والحنابلة في الصحيح من المذهب (٣) . وروي القول به عن الحسن البصري، وعطاء، وطاووس، والشعبي، والقاسم بن محمد، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان وغيرهم (٤) مستدلين لذلك بما يأتي: ١ - أن الماس لغلاف المصحف المنفصل ونحوه لم يباشر مس المصحف والنهي إنما يتناول مس المصحف مباشرة من غير حائل (٥) . ٢ - أن انفصال الغلاف ونحوه عن المصحف، وعدم اتصاله به دليل على عدم شمول اسم المصحف له فلا يأخذ حكمه في تحريم المس، بدليل: أنه لا يأخذ حكمه في البيع، فلا يتبع المصحف في البيع إلا بشرط (٦) . القول الثاني: أنه يحرم مس شيء من ذلك. وبه قال المالكية (٧) ، والشافعية في أصح الوجهين (٨) ، والحنابلة في قول (٩) ، وبه قال الأوزاعي (١٠) . وعللوا لذلك: بأن الغلاف ونحوه متخذ للمصحف، ومقصود له، فيكون كجلد المصحف المتصل به في التحريم (١١) ، تكرمة للقرآن وتعظيمًا له (١٢) .

стр. 5981

والذي يظهر لي أن الراجح من هذين القولين: هو القول بعدم التحريم، لقوة ما استدل به أصحابه، ووجاهة ما عللوا به، وللفرق الظاهر بين الغلاف المنفصل والمتصل، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض ترجيحه لهذا القول: (والعلاقة وإن اتصلت به فليست منه إنما تراد لتعليقه وهو مقصود زائد على مقصود المصحف، بخلاف الجلد فإنه يراد لحفظ ورق المصحف وصونه) (١) . المطلب الثاني: في بيان المراد بالمس المحرم أولاً: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة في الصحيح من مذاهبهم على أن مس المصحف للمحدث حدثًا أكبر أو أصغر باليد، أو بغيرها، من أعضاء الوضوء، أو سائر أجزاء البدن، كتقبيله أو مسه بصدر أو ظهر ونحوها مباشرة من غير حائل يعتبر محرمًا، وذلك لصدق اسم المس عليه، فيدخل في عموم النهي عن مس القرآن على غير طهارة؛ لأن كل شيء لاقى شيئًا فقد مسه (٢) ؛ ولأن من اللائق بتعظيم المصحف وتكريمه تحريم المس في أعضاء البدن وأجزائه كلها (٣) . وذهب الحكم بن عتبة، وحماد بن أبي سليمان إلى جواز مس القرآن بظاهر الكف وسائر أجزاء البدن، وأنه لا يحرم إلا المس بباطن اليد فقط. معللين لذلك: بأن آلة المس هي باطن الكف، فينصرف إليها النهي دون غيرها من أعضاء البدن وأجزائه. وقد ضعف ابن قدامة هذا القول، ورده بقوله: (وقولهم إن المس إنما يختص بباطن اليد ليس بصحيح، فإن كل شيء لاقى شيئًا فقد مسه) (٤) .

стр. 5982

وذهب الحنفية والحنابلة في قول في كلا المذهبين: إلى أنه يجوز للمحدث حدثًا أصغر أن يمس المصحف بغير أعضاء الوضوء؛ لأن الحدث لا يحل فيها، وإلى جواز مس المصحف بما غسل من أعضاء الوضوء، قبل إكماله، لارتفاع الحدث عنها (١) . ولا شك في رجحان القول الأول وهو ما ذهب إليه فقهاء المذاهب الأربعة في الصحيح من مذاهبهم لقوة ما استدلوا به، ووجاهة ما عللوا به، ودونك أقوالهم المصرحة بذلك: قال في حاشية البحر الرائق: (قال العلامة الزيلعي: ولا يجوز له مس المصحف بالثياب التي يلبسها؛ لأنها بمنزلة البدن ... وهذا يفيد: أنه لا يجوز حمله في جيبه، ولا وضعه على رأسه مثلاً بدون غلاف متجاف، وهذا مما يغفل عنه كثير، فتنبه) (٢) . وقال الدردير في الشرح الكبير: (ومَنَعَ حدثٌ أصغر، وكذا أكبر ... صلاة، وطوافًا، ومس مصحف كتب بالعربي، لا بالعجمى إن مسه بعضو، بل وإن مسه بقضيب أي عود) (٣) . وقال في مغني المحتاج: (ويحرم بالحدث ... وحملُ المصحف، ومسُّ ورقه المكتوب فيه، وغيره بأعضاء الوضوء، أو بغيرها، ولو كان فاقدًا للطهورين، أو مسه من وراء حائل، كثوب رقيق لا يمنع وصول اليد إليه) (٤) .

стр. 5983

وقال في مطالب أولي النهى: (ويحرم أيضًا مس مصحف وبعضه ... بيد وغيرها كصدر، إذ كل شيء لاقى شيئًا فقد مسه، ويتجه: أنه يحرم مسه حتى بظفر، وشعر، وسن قبل انفصالها عن محلها، تعظيمًا له واحترامًا، وهو متجه) (١) . ثانيًا: اختلفت أقوال فقهاء المذاهب الأربعة في حكم مس أو حمل المحدث للمصحف من وراء حائل، وكذا تقليب أوراقه بعود ونحوه، أو حمله ضمن أمتعة، وبيان أقوال كل مذهب في هذه المسائل بالتفصيل على النحو التالي: مذهب الحنفية: ذهب الحنفية في الصحيح من المذهب إلى أنه يكره كراهة تحريم أن يمس المصحف بكم أو غيره من ثيابه المتصلة ببدنه، دون ما انفصل عنه، معللين لذلك: بأن الكم تابع ليد الماس، فكما يحرم المس باليد، يحرم بالكم بحكم التبعية، وكذا سائر الثوب المتصل به.

стр. 5984

والقول الآخر في المذهب: أن ذلك لا يكره، لعدم مباشرة اليد ونحوها للمس؛ لأن التحريم خاص بالمس مباشرة من غير حائل، وبهذا قال محمد بن الحسن واختاره صاحب الكافي، وغيره (١) ، قال في البناية شرح الهداية: (ويكره مسه بالكم أي مس المصحف بكم الماس هو الصحيح؛ لأنه تابع له أي كون مسه بالكم مكروهًا هو الصحيح، وفي المحيط: لا يكره مسه بالكم عند عامة المشايخ لعدم المس باليد؛ لأن المحرم هو المس، وهو اسم للمباشرة باليد بلا حائل ... وفي الذخيرة عن محمد: أنه لا بأس بالمس بالكم، وقيل عنه روايتان) (٢) . ويجوز للمحدث عندهم تقليب أوراق المصحف بقلم، أو عود، أو سكين، ونحوها لعدم صدق المس عليه (٣) . مذهب المالكية: نص المالكية على أنه لا يجوز للمحدث حمل المصحف الكامل من وراء حائل، كثوب، أو وسادة، أو حمله بخريطة، أو علاقة، أو بصندوق مقصود لحفظ المصحف به تعظيمًا للمصحف وتكريمًا، لكن لا بأس بحمله في وعاء مقصود لغيره كأن يحمله ضمن أمتعة قصدت بالحمل، فإن قصد حمل المصحف والأمتعة معًا، فإنه يحرم، وكذا يحرم حمل المصحف في الكرسي الخاص به، لكن لا يُمنع المحدث من مس الكرسي فقط، حالة كون المصحف عليه، لكن من غير حمل له، لانفصال الكرسي عن المصحف.

стр. 5985

كما يحرم عندهم مس المصحف بعود، أو قضيب، ونحوه، معللين لذلك: بأنه بمنزلة اللمس باليد عرفًا، لاتصال العود ونحوه باليد فيأخذ حكم اليد ذاتها (١) . واشتد نكير المالكية على تقليب أوراق المصحف الكامل، أو بعضه بأطراف الأصابع المبللة بالريق والبصاق، حتى قال ابن العربي عن ذلك: (إنا لله على غلبة الجهل المؤدي إلى الكفر) (٢) . والذي يظهر لي أن هذا محل نظر؛ لأن المقلب لأوراق المصحف بشيء من ريقه إنما قصد الاستعانة بالريق على سهولة التقليب لا إهانة المصحف بتلطيخه بالبصاق والريق، فإن قصد ذلك فهو محل التحريم الذي قد يبلغ بصاحبه الكفر عياذًا بالله. ولذا نص فقهاء الحنفية والشافعية على جواز محو كتاب القرآن من المصحف أو اللوح بالريق إن لم يقصد الإهانة. فقال في الدر المختار: (ومحو بعض الكتابة بالريق يجوز) (٣) . وقال القليوبي: (ويجوز ما لا يشعر بالإهانة كالبصاق على اللوح لمحوه؛ لأنه إعانة) (٤) . مذهب الشافعية: ذهب الشافعية إلى أنه يحرم تقليب أوراق المصحف بعود، أو خشبة ونحوها على الأصح معللين بأنه نقل للورقة فهو كحملها. والقول الآخر: أنه يصح. وبه قطع العراقيون، ورجحه النووي في الروضة وذلك لأنه غير مباشر للمس، ولا حامل للمصحف (٥) .

стр. 5986

قال في المهذب: (ويجوز أن يتركه بين يديه، ويتصفح أوراقه بخشبة؛ لأنه غير مباشر له، ولا حامل له) (١) . قال الأذرعي: والقياس أنه إن كانت الورقة قائمة فصفحها بعود جاز، وإن احتاج في صفحها إلى رفعها حرم، لأنه حامل لها (٢) . كما ذهب الشافعية إلى أنه يحرم مس المصحف، وتقليب أوراقه من وراء حائل ككم يده، ونحوه، وذلك لأن الكم متصل به، وله حكم أجزائه في منع السجود عليه، ولأن التقليب يقع باليد لا بالكم، بخلاف تقليب الأوراق بالعود على القول بجوازه. لكن لو قلب أوراق المصحف بكمه فقط، دون يده، كأن يفتل الكم ويقلب به الورق، فهو كالعود في الحكم (٣) . وقال في المهذب: (ويحرم عليه حمله في كمه؛ لأنه إذا حرم مسه فلأن يحرم حمله – وهو في الهتك أبلغ - أولى) (٤) . وأما حمل المصحف ضمن متاع، ففيه وجهان: أصحهما، وبه قطع صاحب المهذب، وهو قول جمهور فقهاء المذهب، ونقله الماوردي والبغوي عن نص الشافعي: أنه يجوز؛ لأنه غير مقصود بالحمل لذاته، فعفي عما فيه من القرآن، كما لو كتب كتابًا إلى كافر، وفيه آيات من القرآن. والثاني: أنه يحرم؛ لأنه حامل للمصحف حقيقة، ولا أثر لكون غيره معه، فهو كما لو حمل متاعًا فيه نجاسة، فإن صلاته تبطل. قال الماوردي: وصورة المسألة: أن يكون المتاع مقصودًا بالحمل، فإن كان غير مقصود بالحمل لم يجز (٥) . مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة في الصحيح من المذهب: إلى أنه لا يحرم على المحدث حمل المصحف ضمن أمتعة، أو في كيس، أو حمله بعلاقته، أو غلافه، أو في كمه.

стр. 5987

معللين: بأن النهي عن مس المصحف إنما يتناول المس، والحمل ليس بمس فيبقى الحكم على أصل الإباحة. كما لا يحرم في الصحيح من المذهب تصفح أوراق المصحف بكمه، أو تقليب أوراقه بعود، أو خشبة، أو خرقة، وذلك لأن النهي إنما يتناول المس من غير حائل، ومع وجود الحائل يكون المس للحائل، فلا يحرم لعدم مباشرة المس باليد، بدليل: عدم انتقاض الوضوء بالمس من وراء حائل، بخلاف مباشرة المس، فإنه ينقض الوضوء. والقول الآخر في المذهب: وهو رواية عن الإمام أحمد، أن ذلك كله يحرم على المحدث، تعظيمًا للقرآن، وتكرمة له. وقيل: إنما يحرم ما تقدم على غير ورَّاق، لحاجته المتكررة للمس. فيباح له ذلك دفعًا للحرج والمشقة (١) . قال في الإنصاف: (وعنه – أي الإمام أحمد- المنع من تصفحه بكمه، وخرجه القاضي، والمجد، وغيرهما إلى بقية الحوائل. وأبى ذلك طائفة من الأصحاب منهم المصنف في المغني، وفرق بأن كمه وعباءته متصل به، أشبهت أعضاءه، وأطلق الروايتين في حمله بعلاقته، أو في غلافه، وتصفحه بكمه، أو عود ونحوه، في المستوعب، والمحرر، وابن تميم، والرعايتين، والحاويين، ومجمع البحرين، والفائق) (٢) . المطلب الثالث: مس ما فيه شيء من القرآن وتحت هذا المطلب فرعان: الفرع الأول: مس كتب العلم المشتملة على شيء من القرآن، ككتب التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها. وقد اختلف العلماء في حكم مس المحدث لشيء من هذه الكتب على الأقوال التالية: القول الأول: أنه يجوز للمحدث مس كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن، سواء أكانت كتب تفسير، أو غيرها.

стр. 5988

وبهذا قال بعض الحنفية (١) ، وهو الصحيح في المذاهب الثلاثة: المالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) . واستدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - ما ثبت في الصحيحين (٥) أن النبي (بعث إلى هرقل عظيم الروم بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، وفيه قول الله تعالى: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ((٦) . وكان (يكتب في صدر كتبه إلى أهل النواحي بسم الله الرحمن الرحيم، وهي آية من كتاب الله تعالى (٧) . فإذا جاز للكافر أن يمس كتابًا فيه آيات من القرآن، فإنه يدل على جواز ذلك للمحدث من باب أولى (٨) . ٢ - أن النهي عن المس على غير طهارة إنما ورد في المصحف خاصة، وكتب العلم لا يصدق عليها اسم المصحف، فلا تثبت لها حرمته (٩) ، لعدم قصد القرآن بالمس، وإنما المقصود غيره (١٠) . القول الثاني:

стр. 5989

أنه يحرم مس شيء من كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن سواء أكانت كتب تفسير أو غيرها. وهو قول في مذهب الشافعية (١) ، وفي مذهب الحنابلة (٢) ، وذلك صيانة لما في هذه الكتب من القرآن، وتكرمة له وإجلالاً (٣) . القول الثالث: أنه يكره مس شيء من كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن تكرمة للقرآن وتعظيمًا. وبهذا قال الحنفية (٤) ، وبعض الشافعية (٥) . القول الرابع: تحريم مس كتب التفسير (٦) ، دون غيرها من كتب العلم. وهو قول في المذاهب الأربعة: الحنفية (٧) ،والمالكية (٨) ، والشافعية (٩)

стр. 5990

، والحنابلة (١) . معللين لذلك: بأن ما في كتب التفسير من القرآن كثير، فتكون في معنى المصحف، فيحرم مسها على المحدث، تعظيمًا للقرآن وإجلالاً، بخلاف غيرها من كتب العلم، فإن ما فيها من القرآن يسير غير مقصود بالمس (٢) . الترجيح: والذي يظهر لي أن الراجح من هذه الأقوال هو القول بجواز مس كتب العلم كلها، تفسيرًا كانت أو غيرها، لقوة أدلته، ورجحانها على استدلالات القولين الآخرين، ولما في اشتراط الطهارة لذلك مع عدم النص الموجب، من مشقة وحرج. ومع هذا فإن الأولى والمستحب للمحدث أن لا يمس كتب العلم المتضمنة لآيات من القرآن إلا على طهارة، كما نص على ذلك كثير من العلماء (٣) . الفرع الثاني: مس ما كُتِبَ فيه شيء من القرآن مما لا يقصد للقراءة كالدرهم، والدينار، والخاتم، والثوب، والحائط، ونحو ذلك. وقد اختلف العلماء في حكم مس المحدث لشيء من هذه الأشياء المذكورة إذا اشتملت على آية من القرآن فأكثر، على قولين: القول الأول: أنه يجوز للمحدث مس الدرهم ونحوه مما ذكر، إذا كتب فيه شيء من القرآن. وبهذا قال: المالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) في الصحيح من مذاهبهم (٧)
следующие страницы →