قال في المهذب: (ويجوز أن يتركه بين يديه، ويتصفح أوراقه بخشبة؛ لأنه غير مباشر له، ولا حامل له) (١) .
قال الأذرعي: والقياس أنه إن كانت الورقة قائمة فصفحها بعود جاز، وإن احتاج في صفحها إلى رفعها حرم، لأنه حامل لها (٢) .
كما ذهب الشافعية إلى أنه يحرم مس المصحف، وتقليب أوراقه من وراء حائل ككم يده، ونحوه، وذلك لأن الكم متصل به، وله حكم أجزائه في منع السجود عليه، ولأن التقليب يقع باليد لا بالكم، بخلاف تقليب الأوراق بالعود على القول بجوازه.
لكن لو قلب أوراق المصحف بكمه فقط، دون يده، كأن يفتل الكم ويقلب به الورق، فهو كالعود في الحكم (٣) .
وقال في المهذب: (ويحرم عليه حمله في كمه؛ لأنه إذا حرم مسه فلأن يحرم حمله – وهو في الهتك أبلغ - أولى) (٤) .
وأما حمل المصحف ضمن متاع، ففيه وجهان: أصحهما، وبه قطع صاحب المهذب، وهو قول جمهور فقهاء المذهب، ونقله الماوردي والبغوي عن نص الشافعي: أنه يجوز؛ لأنه غير مقصود بالحمل لذاته، فعفي عما فيه من القرآن، كما لو كتب كتابًا إلى كافر، وفيه آيات من القرآن.
والثاني: أنه يحرم؛ لأنه حامل للمصحف حقيقة، ولا أثر لكون غيره معه، فهو كما لو حمل متاعًا فيه نجاسة، فإن صلاته تبطل.
قال الماوردي: وصورة المسألة: أن يكون المتاع مقصودًا بالحمل، فإن كان غير مقصود بالحمل لم يجز (٥) .
مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة في الصحيح من المذهب: إلى أنه لا يحرم على المحدث حمل المصحف ضمن أمتعة، أو في كيس، أو حمله بعلاقته، أو غلافه، أو في كمه.
стр. 5987
معللين: بأن النهي عن مس المصحف إنما يتناول المس، والحمل ليس بمس فيبقى الحكم على أصل الإباحة.
كما لا يحرم في الصحيح من المذهب تصفح أوراق المصحف بكمه، أو تقليب أوراقه بعود، أو خشبة، أو خرقة، وذلك لأن النهي إنما يتناول المس من غير حائل، ومع وجود الحائل يكون المس للحائل، فلا يحرم لعدم مباشرة المس باليد، بدليل: عدم انتقاض الوضوء بالمس من وراء حائل، بخلاف مباشرة المس، فإنه ينقض الوضوء.
والقول الآخر في المذهب: وهو رواية عن الإمام أحمد، أن ذلك كله يحرم على المحدث، تعظيمًا للقرآن، وتكرمة له.
وقيل: إنما يحرم ما تقدم على غير ورَّاق، لحاجته المتكررة للمس. فيباح له ذلك دفعًا للحرج والمشقة (١) .
قال في الإنصاف: (وعنه – أي الإمام أحمد- المنع من تصفحه بكمه، وخرجه القاضي، والمجد، وغيرهما إلى بقية الحوائل. وأبى ذلك طائفة من الأصحاب منهم المصنف في المغني، وفرق بأن كمه وعباءته متصل به، أشبهت أعضاءه، وأطلق الروايتين في حمله بعلاقته، أو في غلافه، وتصفحه بكمه، أو عود ونحوه، في المستوعب، والمحرر، وابن تميم، والرعايتين، والحاويين، ومجمع البحرين، والفائق) (٢) .
المطلب الثالث: مس ما فيه شيء من القرآن
وتحت هذا المطلب فرعان:
الفرع الأول: مس كتب العلم المشتملة على شيء من القرآن، ككتب التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها.
وقد اختلف العلماء في حكم مس المحدث لشيء من هذه الكتب على الأقوال التالية:
القول الأول:
أنه يجوز للمحدث مس كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن، سواء أكانت كتب تفسير، أو غيرها.
стр. 5988
وبهذا قال بعض الحنفية (١) ، وهو الصحيح في المذاهب الثلاثة: المالكية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) . واستدلوا على ذلك بما يأتي:
١ - ما ثبت في الصحيحين (٥) أن النبي (بعث إلى هرقل عظيم الروم بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، وفيه قول الله تعالى: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ((٦) .
وكان (يكتب في صدر كتبه إلى أهل النواحي بسم الله الرحمن الرحيم، وهي آية من كتاب الله تعالى (٧) .
فإذا جاز للكافر أن يمس كتابًا فيه آيات من القرآن، فإنه يدل على جواز ذلك للمحدث من باب أولى (٨) .
٢ - أن النهي عن المس على غير طهارة إنما ورد في المصحف خاصة، وكتب العلم لا يصدق عليها اسم المصحف، فلا تثبت لها حرمته (٩) ، لعدم قصد القرآن بالمس، وإنما المقصود غيره (١٠) .
القول الثاني:
стр. 5989
أنه يحرم مس شيء من كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن سواء أكانت كتب تفسير أو غيرها.
وهو قول في مذهب الشافعية (١) ، وفي مذهب الحنابلة (٢) ، وذلك صيانة لما في هذه الكتب من القرآن، وتكرمة له وإجلالاً (٣) .
القول الثالث:
أنه يكره مس شيء من كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن تكرمة للقرآن وتعظيمًا.
وبهذا قال الحنفية (٤) ، وبعض الشافعية (٥) .
القول الرابع:
تحريم مس كتب التفسير (٦) ، دون غيرها من كتب العلم.
وهو قول في المذاهب الأربعة: الحنفية (٧) ،والمالكية (٨) ، والشافعية (٩)
стр. 5990
، والحنابلة (١) .
معللين لذلك: بأن ما في كتب التفسير من القرآن كثير، فتكون في معنى المصحف، فيحرم مسها على المحدث، تعظيمًا للقرآن وإجلالاً، بخلاف غيرها من كتب العلم، فإن ما فيها من القرآن يسير غير مقصود بالمس (٢) .
الترجيح:
والذي يظهر لي أن الراجح من هذه الأقوال هو القول بجواز مس كتب العلم كلها، تفسيرًا كانت أو غيرها، لقوة أدلته، ورجحانها على استدلالات القولين الآخرين، ولما في اشتراط الطهارة لذلك مع عدم النص الموجب، من مشقة وحرج.
ومع هذا فإن الأولى والمستحب للمحدث أن لا يمس كتب العلم المتضمنة لآيات من القرآن إلا على طهارة، كما نص على ذلك كثير من العلماء (٣) .
الفرع الثاني: مس ما كُتِبَ فيه شيء من القرآن مما لا يقصد للقراءة كالدرهم، والدينار، والخاتم، والثوب، والحائط، ونحو ذلك.
وقد اختلف العلماء في حكم مس المحدث لشيء من هذه الأشياء المذكورة إذا اشتملت على آية من القرآن فأكثر، على قولين:
القول الأول:
أنه يجوز للمحدث مس الدرهم ونحوه مما ذكر، إذا كتب فيه شيء من القرآن.
وبهذا قال: المالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) في الصحيح من مذاهبهم (٧)
стр. 5991
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
١ - أن الدرهم ونحوه إذا تضمن شيئًا من القرآن فإنه لا يسمى مصحفًا، ولا هو في معنى المصحف، والنهي عن المس للمحدث إنما يتناول المصحف خاصة (١) .
٢ - أن القرآن المكتوب في الدرهم ونحوه لا يقصد بالمس، وإنما المقصود بالمس غيره، فلذا جاز مسه وحمله (٢) .
٣ - أنه كما يجوز للمحدث مس كتب العلم، والرسائل المشتملة على شيء من القرآن، فإنه يجوز له مس الدرهم ونحوه، قياسًا عليها، بل هي أولى بجواز المس (٣) .
٤ - أن في منع المحدث من مس ذلك حرجًا ومشقة، وقد جاء الشرع برفع الحرج والمشقة، كما جاز للصبيان مس الألواح التي فيها قرآن دفعًا للحرج والمشقة عنهم (٤) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز للمحدث أن يمس الدرهم ونحوه إذا تضمن آية من القرآن فأكثر.
وبهذا قال الحنفية (٥) ، وهو قول في المذاهب الثلاثة: المالكية (٦) ، والشافعية (٧) ، والحنابلة (٨) .
стр. 5992
واستدلوا على ذلك: بأن مس الدرهم ونحوه مما فيه آية من القرآن فيه إخلال بتعظيم كلام الله، فيحرم مسه تعظيمًا لكلام الله تعالى، كما حرم مس المصحف. وكما حرم أيضًا مس الورقة واللوح إذا تضمنا شيئًا من القرآن (١) .
الترجيح:
والذي يظهر لي أن الراجح - والله أعلم- هو القول الأول، وهو القول بجواز مس المحدث للدرهم ونحوه إذا اشتمل على شيء من كلام الله تعالى، وذلك لقوة أدلة هذا القول، ورجحانها.
ويمكن الإجابة عن دليل المانعين: بأن جواز مس المحدث للدرهم ونحوه، ليس فيه إخلال بتعظيم كلام الله تعالى؛ لأن القرآن المكتوب في هذه الأشياء غير مقصود بالمس والحمل فجاز مس هذه الأشياء، ويدل على الجواز ويرجحه أنه (ضمَّن الكتاب الذي أرسله إلى هرقل آيتين من كتاب الله تعالى مع علمه قطعًا بمس الكافر له، كما أنه لم يأمر حامله بالطهارة لمسه، فدل ذلك على جواز مس الكتاب والورقة المتضمنة لشيء من كلام الله، ومن باب أولى بالجواز مس الدرهم والدينار والخاتم، والثوب، والحائط، ونحوها (٢) والعلم عند الله.
المطلب الرابع: حكم مس المحدث للقرآن المنسوخ تلاوته والكتب السماوية الأخرى
اختلف فقهاء المذاهب الأربعة في حكم مس المحدث للقرآن الذي نسخت تلاوته (٣)
стр. 5993
والأحاديث القدسية، ومس الكتب السماوية الأخرى: كالتوراة والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى على قولين:
القول الأول:
أنه يجوز للمحدث أن يمس ما نسخت تلاوته من القرآن الكريم والأحاديث القدسية، وكذا يجوز له مس الكتب السماوية الأخرى، وإن علم أنها غير مبدلة.
وبهذا قال بعض الحنفية (١) ، وهو مذهب المالكية (٢) ، وبه قال الشافعية في الصحيح من مذهبهم (٣) ، وكذا الحنابلة في الصحيح أيضًا (٤) .
ووجه هذا القول: أن المنسوخ لفظه، والأحاديث القدسية، والكتب السماوية الأخرى ليست قرآنًا، والنهي إنما ورد عن مس المحدث للقرآن فيختص الحكم به (٥) .
ومن وجه آخر: أن ما نسخ لفظه من القرآن قد زالت حرمته بالنسخ، والأحاديث القدسية، وأما الكتب السماوية الأخرى، فمع كونها منسوخة، فإن الغالب عليها التبديل والتحريف، فلا يقطع بكونها كلام الله تعالى (٦) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز للمحدث أن يمس القرآن المنسوخ التلاوة والأحاديث القدسية، ولا شيئًا من الكتب السماوية.
وبهذا قال الحنفية (٧)
стр. 5994
، والشافعية في وجه (١) ،والحنابلة في قول ضعيف (٢) .
ووجه هذا القول: إلحاق ما نسخت تلاوته، والأحاديث القدسية، والكتب السماوية الأخرى بالقرآن في تحريم المس، بجامع الاشتراك في وجوب التعظيم والتكريم في كلٍّ.
الترجيح:
والذي يظهر لي أن الراجح هو القول الأول، وهو القول بجواز مس المحدث لما نسخت تلاوته من القرآن، والأحاديث القدسية، والكتب السماوية الأخرى، لوجاهة ما علل به القائلون بالجواز، ورجحانه على ما علل به أصحاب القول الثاني، والعلم عند الله تعالى.
المطلب الخامس: حكم مس الأشرطة التي سجل عليها قرآن
إذا سجل القرآن الكريم على أشرطة بمختلف أنواعها كأشرطة الكاسيت أو الفيديو، أو أقراص الدسك التي تستخدم في الكمبيوتر، أو نحوها، فإنه يجوز مسها للمحدث حدثًا أكبر أو أصغر فيما يظهر، وذلك لأن هذه الأشرطة ونحوها لا تسمى مصحفًا، لأنه لا يمكن قراءة القرآن منها مباشرة، وإنما يستمع للقرآن منها، أو يقرأ بواسطة آلاتها الخاصة بتشغيلها، لذا فإن هذه الأشرطة لا تأخذ حكم القرآن الكريم في تحريم مسه على غير طهارة، وبهذا أفتى أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز دون أن يعللوا للحكم، ونص الفتوى: (لا حرج في حمل أو لمس الشريط المسجل عليه القرآن لمن عليه جنابة ونحوها وبالله التوفيق) (٣) .
стр. 5995
كما أرى أن يلحق بهذا في الحكم أيضًا ما لو كتب القرآن الكريم بطريقة برايل للمكفوفين، فإنه لا يأخذ حكم المصحف، فيجوز مسه مع الحدث، لأن المصحف إنما هو لما كتب باللغة التي نزل بها، وهي اللغة العربية التي يقرؤها كل متعلم لها كما قال سبحانه: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ((١) . أما طريقة برايل فليست حروفًا وإنما هي طريقة يتعرف من خلالها على الحروف من خلال اللمس، فلذا فإنه إذا كتب بها المصحف إن قيل بجوازه (٢) ، فإنه يجوز مسه للمحدث وإن كان حدثه أكبر، هذا ما يظهر لي والعلم عند الله تعالى.
المطلب السادس: حكم كتابة المصحف بغير اللغة العربية وحكم مسه إذا كتب بغير اللغة العربية
وتحت هذا المطلب فرعان:
الفرع الأول: في حكم كتابة المصحف بغير اللغة العربية:
اختلف العلماء – ﵏ – في حكم كتابة المصحف بغير اللغة العربية، قال الزركشي في البرهان: ((هل يجوز كتابة القرآن بقلم غير العربي؟ هذا مما لم أر للعلماء فيه كلامًا. ويحتمل الجواز؛ لأنه قد يحسنه من يقرؤه بالعربية، والأقرب المنع، كما تحرم قراءته بغير لسان العرب ... )) (٣) ونقله السيوطي في الإتقان (٤) ولم يزد عليه، وللفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول:
أنه يجوز كتابة المصحف بغير اللغة العربية، كأن يكتب بالفارسية، أو الهندية، أو التركية، ونحوها.
стр. 5996
وبهذا قال الحنفية (١) والشافعية (٢) وبعض الحنابلة (٣) .
معللين للحكم: بأنه قد يحسن كتابته بغير اللغة العربية من يقرؤه باللغة العربية، فيكون في ذلك تيسير وتسهيل على غير العرب، لكن لا يجوز لهم أن يقرؤوه بغير اللغة العربية وإن كتب بغيرها؛ لحرمة قراءة القرآن بغير لسانه المنزل به (٤) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز كتابة المصحف بغير اللغة العربية، وبهذا قال المالكية.
مستدلين للحكم: بأن الكتابة أحد اللسانين، فكما لا تجوز قراءته بغير العربية بدليل قوله تعالى: (بلسان عربي مبين ((٥) فإنه لا يجوز كتابته بغيرها؛ لأن الكتابة أحد اللسانين، فلا يجوز تغييره عن اللسان المنزل به (٦) .
والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه المالكية هو الأرجح لقوة دليلهم، وظهور حجتهم، وهو المناسب لصيانة القرآن والحفاظ عليه عن التغيير والتبديل، والعلم عند الله.
الفرع الثاني: حكم مس المصحف إذا كتب بغير اللغة العربية:
ذهب الحنفية والشافعية إلى المنع من مس المصحف إذا كتب بغير اللغة العربية، فيمنع المحدث من مسه وحمله حتى يتطهر من الحدثين، كمنعه من مس المصحف المكتوب باللغة العربية؛ لعموم الأدلة الدالة على ذلك (٧) .
стр. 5997
وذهب المالكية إلى جواز مس المصحف إذا كتب بغير اللغة العربية.
معللين: بأن المصحف المكتوب بغير اللغة العربية ليس بقرآن، وإنما هو في الحقيقة تفسير للقرآن، وكتب التفسير وغيرها من كتب العلم المتضمنة للقرآن أو لشيء منه لا يشترط لمسها الطهارة (١) .
والذي يظهر لي رجحان ما ذهب إليه المالكية من جواز مس المصحف إذا كتب بغير اللغة العربية، لوجاهة ما عللوا به، والعلم عند الله.
المطلب السابع: حكم كتابة المحدث والكافر للقرآن
وتحت هذا المطلب فرعان:
الفرع الأول: حكم كتابة المحدث للقرآن:
اختلف فقهاء المذاهب الأربعة في حكم كتابة المسلم للقرآن، من غير مس المكتوب إذا كان عليه حدث على الأقوال التالية:
القول الأول:
أنه يجوز لمن عليه حدث أصغر أو أكبر أن يكتب القرآن، لكن من غير مس للمكتوب فيه.
وبهذا قال الحنفية (٢) ، والشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) في الراجح من مذاهبهم. مستدلين على ذلك بما يأتي:
١ - أن النهي إنما ورد عن مس المصحف، والكتابة لا تعد مسًا له (٥) .
٢ - أن المباشر للمس هو القلم، وليست يد الكاتب، فهو بمنزلة مس المصحف من وراء حائل (٦) .
٣ - أن الكاتب للقرآن إنما يكتب حرفًا حرفًا، والحرف الواحد لا يعد قرآنًا (٧) .
стр. 5998
٤ - أن الصحابة رضوان الله عليهم استكتبوا أهل الحيرة المصاحف وهم نصارى، فدل ذلك على الجواز (١) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أصغر أن يكتب القرآن.
وبهذا قال المالكية في الصحيح من مذهبهم (٢) ، وهو قول في كل من المذاهب الثلاثة: الحنفية (٣) ، والشافعية (٤) ، والحنابلة (٥) .
ووجه هذا القول: أن كتابة القرآن في حكم المس له، فتحرم، كما يحرم المس؛ لاتصال القلم بيد الكاتب (٦) .
القول الثالث:
جواز كتابة القرآن لمن عليه حدث أصغر، دون من عليه حدث أكبر.
وهو قول في كل من المذاهب الثلاثة: المالكية (٧) ، والشافعية (٨) ، والحنابلة (٩) .
ووجه هذا القول ما يأتي:
١ - رفع الحرج والمشقة عن صاحب الحدث الأصغر لتكرره، بخلاف الحدث الأكبر لقلته (١٠) .
٢ - قياس كتابة القرآن على تلاوته، فإنها تجوز لمن عليه حدث أصغر، دون من عليه حدث أكبر (١١) .
الترجيح:
стр. 5999
والذي يظهر لي أن الراجح هو القول الأول، وهو القول بجواز كتابة المحدث مطلقًا للقرآن لوجاهة ما استدل به القائلون بالجواز ورجحانه على ما علل به أصحاب القولين الآخرين والعلم عند الله.
الفرع الثاني: حكم كتابة الكافر للقرآن:
والمراد هنا حكم كتابة الكافر للقرآن من غير مس للمكتوب؛ لأنه يحرم عليه مس القرآن (١) .
ولم أر من نص على هذه المسألة من أصحاب المذاهب الأربعة سوى الحنابلة، ولهم فيها قولان:
القول الأول:
أنه يجوز للكافر أن يكتب القرآن.
وهو الصحيح في المذهب (٢) . قال في الإنصاف: ((له نسخه على الصحيح من المذهب، وقال ابن عقيل: بدون حمل ولا مس. قال القاضي في التعليق وغيره: قال ابن عقيل في التذكرة: يجوز استئجار الكافر على كتابة المصحف إذا لم يحمله. قال أبو بكر: لا يختلف قول أحمد: أن المصاحف يجوز أن يكتبها النصارى..)) (٣) .
والقول بهذا هو مقتضى مذهب الظاهرية؛ لإجازتهم للكافر أن يمس القرآن (٤)
стр. 6000
، فكتابته من باب أولى. وقد استدل الحنابلة على ذلك بما يأتي:
١ - ما روي عن بعض الصحابة والتابعين: أنهم استكتبوا النصارى المصاحف، حيث روي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ ((أنه استكتب رجلاً نصرانيًا مصحفًا، فأعطاه ستين درهمًا)) (١) . وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ((أنه كتب له نصراني مصحفًا من أهل الحيرة بتسعين درهمًا)) (٢) . وروي نحو ذلك عن علقمة، وعن غيرهما من التابعين (٣) .
٢ - أن النهي إنما ورد عن مس القرآن، لا عن كتابته (٤) .
٣ - أن مس القلم للحرف كمس العود للحرف، وذلك جائز، فدل على جواز كتابة الكافر للمصحف إذا لم يمسه بيده (٥) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز للكافر أن يكتب القرآن.
قال في الإنصاف: ((قيل لأحمد: يعجبك أن تكتب النصارى المصاحف، قال: لا يعجبني. قال الزركشي: فأخذ من ذلك رواية بالمنع ... )) (٦) .
ولعل وجه هذا القول: صيانة القرآن، وإجلاله عن أن يمسه الكافر؛ لأن الكاتب لا يسلم غالبًا من مس المكتوب، فلا يؤمن الكافر أن يمس القرآن أثناء كتابته له، وذلك محرم عليه.
الترجيح:
стр. 6001
والذي يظهر لي أن القول الثاني أرجح؛ لأنه أليق بتعظيم القرآن وتكريمه، فينبغي أن يصان كلام الله عن كل من يخشى أن ينتهك حرمته، ويدل عليه نهيه (أن يُسَافر بالقرآن إلى أرض العدو إذا خيف أن يقع بأيديهم وذلك فيما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله (( (أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو)) (١) .
وأما ما روي من استكتاب بعض الصحابة والتابعين الكافر لكتابة المصحف، فهذا على تقدير صحته، محمول على اضطرارهم إليه لقلة من يحسن الكتابة في زمنهم من المسلمين، فيكون ذلك من باب الضرورات، وللضرورة أحكامها؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. والعلم عند الله تعالى.
المطلب الثامن: حكم مس المحدث للقرآن عند الضرورة
إذا خشي المحدث على المصحف من غرق أو حرق، أو نجاسة تصيبه، أو مس كافر له، أو سرقة، أو غصب، ولم يتمكن من الطهارة بالماء أو التيمم قبل وقوع ما يخشاه على المصحف فإنه يجوز له في هذه الحالة أن يمسه، ويحمله، وإن كان محدثًا حدثًا أكبر، لأن مسه أو حمله، والحالة هذه من باب الضرورة (والضرورات تبيح المحظورات) (٢) كما هي القاعدة الفقهية المشهورة.
وقد نص على هذه المسألة المالكية (٣) ، والشافعية (٤)
стр. 6002
، ولم أجد للحنفية والحنابلة نصًا عليها، إلا أن هذا مما لا يختلف فيه، والعلم عند الله.
* * *
خاتمة البحث:
توصلت من خلال هذا البحث إلى عدة نتائج وأحكام فقهية من أهمها ما يأتي:
١ - أن اسم المصحف الذي لا يجوز للمحدث مس شيء منه يشمل المكتوب منه، وما بين سطوره، وحواشيه، وغلافه المتصل به، فكل ذلك لا يجوز مس شيء منه في الصحيح من مذاهب الأئمة الأربعة، سواء كان مصحفًا كاملاً أو بعض مصحف.
٢ - اتفقت المذاهب الأربعة في الصحيح من مذاهبهم على أن المراد بالمس المحرم على المحدث البالغ هو المس باليد أو بغيرها من أعضاء الوضوء، أو أي جزء من أجزاء البدن مباشرة من غير حائل، واختلفوا فيما عدا ذلك كمسه من وراء حائل، أو تقليبه بعود ونحوه.
٣ - أن الراجح من أقوال أهل العلم استحباب الطهارة لمس كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن الكريم ككتب التفسير والحديث والفقه ونحوها، وأنه لا يشترط لمسها الطهارة، وكذا في الحكم أيضًا ما كتب عليه آيات من غير الكتب، كالدراهم والثياب وما في حكمها.
٤ - أنه يجوز للمحدث مس منسوخ التلاوة من القرآن الكريم في الراجح من قولي العلماء.
٥ - أنه يجوز للمحدث مس الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والإنجيل والزبور في الراجح من قولي العلماء.
٦ - أنه يجوز مس الأشرطة التي سجل فيها القرآن الكريم بمختلف أنواعها، وكذا ما كتب من القرآن بطريقة (برايل) للمكفوفين فيما يظهر.
٧ - أنه لا يجوز كتابة المصحف بغير اللغة العربية في الراجح من قولي أهل العلم، وأنه لا يحرم مسه إذا كتب بذلك.
٨ - أنه يجوز للمحدث ولو كان حدثه أكبر أن يكتب القرآن الكريم، لكن من غير مس للمكتوب في الراجح من أقوال أهل العلم.
٩ - أنه لا يجوز للكافر أن يكتب القرآن الكريم، ولو لم يمس المكتوب في الراجح من قولي أهل العلم.
стр. 6003
١٠ - أنه يجوز للمحدث ولو كان حدثه أكبر أن يمس القرآن الكريم عند الضرورة، لأن الضرورات تبيح المحظورات.
وبهذا انتهى ما أردت جمعه، وما قصدت بيانه وحكمه من هذه المسائل المهمة المتعلقة بأعظم كلام، وأشرف كتاب، فما كان فيه من حق وصواب فذلك من فضل الله وتوفيقه، وما كان فيه من خطأ وزلل فمني، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
* * *
стр. 6004
التوكيل في الخصومة في الفقه الإسلامي
د. محمد بن إبراهيم بن علي الغامدي
الأستاذ المساعد بقسم الشريعة
كلية الشريعة وأصول الدين - جامعة الملك خالد
ملخص البحث
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده
أما بعد:فيتكون البحث من مقدمة وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة
بينت في المقدمة أهمية الموضوع والأسباب الداعية للكتابة فيه، وفي التمهيد عرفت بالوكالة، والخصومة، وبينت حكم الوكالة بوجه عام
أما في الفصل الأول: فقد بينت حكم التوكيل في الخصومة.
وفي الفصل الثاني تحدثت عن شروط التوكيل بالخصومة وقد جعلت كل شرط في مبحث مستقل.
وفي الفصل الثالث: تحدثت عن تصرفات وكيل الخصومة،ما يجوز منها بلا نزاع،ومالا يجوز بلا نزاع وما فيه خلاف أوضحت فيه آراء الفقهاء وأدلتهم ورجحت ما يقتضيه الدليل.
أما الفصل الرابع: فقد تحدثت فيه عن العوض في الوكالة.
وفي الفصل الخامس: تحدثت عن صفة عقد الوكالة وأسباب الفسخ.
وفي الخاتمة أوردت نتائج البحث، وذيلت البحث بفهارس للمراجع وآخر للموضوعات
والله أسأل أن يجعل عملي فيه خالصاً لوجهه الكريم والحمد لله رب العالمين
* * *
مقدمة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه واستن بسنته إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
стр. 6005
فإن من أعظم نعم الله علينا أن جعلنا من المسلمين وجعلنا من أمة خاتم النبيين وسيد المرسلين ووفقنا أن جعلنا ممن يعنى بدراسة علم الفقه في الدين وهو من أشرف علوم الدين، هذا العلم الذي يعتبر بحق معجزة من معجزات هذا الدين بما تضمنه من تشريعات هي الخير كل الخير للناس أجمعين، وبما اشتمله من أمور تنظم حياة البشر، حتى لم يترك شيئاً أو تنظيماً أو تشريعاً يحقق مصالح العباد إلاَّ بينه أكمل بيان، ومن تلك التشريعات ما يهدف إلى إيصال الحقوق إلى أهلها ورفع الظلم عن المظلومين.
стр. 6006
لقد عني الإسلام بذلك عناية فائقة واعتبره من مهمات هذا الدين وحث عليه نبينا بالقول وبالفعل، وشرع من الأسباب ما يؤدي إلى ذلك، كتولية القضاء للفصل في الخصومات التي تقع بين الناس، ووضع القواعد التي تمكن صاحب الحق من الوصول إلى حقه وترد المبطل عن باطله، ولما كانت الدعوى والجواب عنها من تلك الوسائل التي توصل الحق إلى مستحقه وترد المبطل عن باطله فقد جاء التشريع الإسلامي فيها بأسمى نظام وأكمل تشريع، ولما كان صاحب الحق قد لايتمكن من الدعوى أو من الجواب عنها بنفسه إمَّا لشرفه، أو لعجزه، أو لغير ذلك من الأسباب، فقد شرع التوكيل في الخصومة من جانب المدعي ومن جانب المدعى عليه ليتمكن كل منهما من الوصول إلى حقه، وإذا كان قد وجد في زماننا من تخصص في التوكل عن المتخاصمين ويختار لذلك الألد الخصم الذي يجيد الحيل بحيث يتمكن من إظهار المجرم العنيد في صورة المظلوم المفترى عليه مقابل ما يأخذه من المال عوضاً على وكالته فإن التشريع الإسلامي يعتبر التوكل عن الغير في المخاصمة مبدأ من مبادئ التعاون على البر والتقوى إذا كان الغرض منه إيصال الحق إلى مستحقه ونصرة المظلوم، كما يعتبر تعاوناً على الإثم والعدوان؛ إذ كان الغرض منه إعانة الظالم وتلبيس الحق، ولذا فقد استنبط فقهاؤنا الإجلاء القواعد والشروط التي تكفل تحقيق الغرض الشرعي من هذا النوع من أنواع الوكالات هذه القواعد والشروط مستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ولَمَّا كانت أحكام الوكالة بالخصومة متناثرة في كتب الفقه فقد حاولت في هذا البحث جمع مسائل هذا الموضوع، وإيضاح آراء الفقهاء في مسائله، وبيان أدلتهم وما يرد عليها من المناقشات؛ للوصول إلى الرأي الراجح وقد عنونته ب ((التوكيل في الخصومة في الفقه الإسلامي)) .
وقد كان الداعي إلى الكتابة في هذا الموضوع بجانب ما مر من أهميته ما يلي:
стр. 6007
١ - أني لم أجد فيما أمكنني الاطلاع عليه من بحث هذا الموضوع بحثاً فقيهاً مستقلاً يجمع مسائله ويوضح أحكامه، وإنَّما يأتي الكلام عليه متفرقاً في كتب الفقه عند كلام الفقهاء عن الوكالة بوجه عام.
٢ - إظهار تميز التشريع الإسلامي فيما يتعلق بهذا الجانب جانب التوكيل في الخصومة.
منهج البحث:
يتمثل منهج البحث في النقاط الآتية:
أولاً: الاقتصار في البحث على المذاهب الأربعة، مع ذكر أقوال الصحابة والتابعين وفقهاء السلف ما أمكن ذلك.
ثانياً: ترتيب الأقوال ترتيباً زمنياً مبتدئاً برأي الحنفية ومن وافقهم، ثم المالكية ومن وافقهم وهكذا، ولم أترك هذا الترتيب إلاَّ فيما ندر لسبب، كأن أجد المسألة منصوصاً عليها عند بعض الفقهاء ولم ينص عليها غيرهم، فأبدأ بالمذهب الذي نصّ على حكم المسألة، ثم أخرج من أقوال الفقهاء الآخرين ما يناسب حكم المسألة.
ثالثاً: أذكر عقب كل قول أدلته من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، إلى آخره، ثم أذكر عقب كل دليل ما ورد عليه من المناقشات، والجواب عنها، حتى أصل إلى الرأي الراجح في المسألة.
رابعاً: أعزو الآيات إلى سورها، وأخرج الأحاديث من مصادرها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اقتصرت عليه؛ إذ الغرض معرفة صحة الحديث، وإن لم يكن فيهما فإني أذكر من رواه من غير استقصاء، وأورد ما ذكره أهل العلم في الحكم عليه.
خامساً: أورد ترجمة موجزة للأعلام غير المشهورين الوارد ذكرهم في صلب البحث، أمَّا المشهورين من الصحابة والتابعين فلم أترجم لهم؛ استغناءً بشهرتهم؛ وحتى لا أثقل هوامش البحث بالترجمة مع كثرة الأعلام الوارد ذكرهم في البحث.
سادساً: اعتمدت على المراجع الأصلية لكل مذهب فلا أنقل قولاً لمذهب إلاَّ من كتب فقهاء المذهب.
سابعاً: لم أغفل ما كتبه الفقهاء المتأخرون لاسيما أهل الفتوى في زماننا ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
стр. 6008
ثامناً: جعلت الهوامش والحواشي في آخر البحث.
تاسعاً: ذيلت البحث بفهارس للمراجع وآخر للموضوعات حتى يستطيع القارئ أن يجد بغيته في أقصر وقت ممكن.
خطة البحث:
لقد اقتضت طبيعة البحث أن يكون في مقدمة وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة:
أولاً: المقدمة: بينت فيها أهمية الموضوع وأسباب الكتابة فيه ومنهج البحث وخطته.
ثانياً: التمهيد في شرح العنوان وبيان حكم الوكالة.
ثالثاً: فصول البحث:
الفصل الأول: حكم التوكيل في الخصومة.
الفصل الثاني: شروط التوكيل في الخصومة.
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: كون الفعل الموكل فيه مِمَّا يجوز التوكيل فيه.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التوكيل بالخصومة في حقوق الله عزّوجل من جانب المدعي.
وفيه فرعان:
الفرع الأول: التوكيل بالخصومة في حقوق الله لإثباتها.
الفرع الثاني: التوكيل في استيفاء الحدود.
المطلب الثاني: التوكيل بالخصومة في حقوق العباد من جانب المدعي.
المطلب الثالث: التوكيل من جانب المدّعى عليه.
المبحث الثاني: ثبوت الوكالة.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: في اشتراط حضور الخصم لسماع البينة بالوكالة إذا كان التوكيل في مجلس القاضي (وكالة الحاضر) .
وفيه فرعان:
الفرع الأول: حكم إحضار شاهدين عند توكيله عند القاضي.
الفرع الثاني: إثبات وكالة الحاضر.
وفيه مسألتان:
... الأولى: إثبات الحاضر وكالته عند القاضي وهو يعرفه.
... الثانية: إثبات الحاضر وكالته عند القاضي والقاضي لايعرفه.
المطلب الثاني: إثبات وكالة الغائب.
المطلب الثالث: اشتراط ثبوت الوكالة قبل سماع الدعوى بالحق.
المطلب الرابع: وسيلة إثبات الوكالة.
المبحث الثالث: أن لايكون الموكِّل مبطلا.
المبحث الرابع: أن لايكون توكيله إضراراً بخصمه.
المبحث الخامس: العلم بالوكالة.
المبحث السادس: أن يكون وكيل الخصومة واحداً لا أكثر.
وفيه مطلبان:
стр. 6009
المطلب الأول: تعدد وكلاء الخصومة.
المطلب الثاني: تصرف الوكيلين.
الفصل الثالث: تصرفات وكيل الخصومة.
وفيه تَمْهيدٌ فيما يجوز لوكيل الخصومة من التصرفات وما لايجوز بلا نزاع.
المبحث الأول: إقرار الوكيل وإنكاره.
المبحث الثاني: قبض وكيل الخصومة المال الذي وكل بالمخاصمة فيه.
المبحث الثالث: توكيل وكيل الخصومة لآخر.
الفصل الرابع: العوض في الوكالة.
الفصل الخامس: صفة عقد الوكالة وأسباب الفسخ.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الوكالة بين اللزوم والجواز.
المبحث الثاني: أسباب الفسخ.
رابعاً: الخاتمة في نتائج البحث.
واللهَ أسأل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به، وأن يغفر ما فيه من التقصير والزلل، والحمد لله رب العالمين.
* * *
التمهيد وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الوكالة:
الوكالة لغة: تطلق ويراد بها الحفظ، ومن ذلك قول الله جلّ وعلا: (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيْلُ ((١) أي الحافظ، وقال تعالى: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ((٢) قال الفراء: أي حفيظاً. وتذكر ويراد بها الاعتماد وتفويض الأمر، قال الله : (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ((٣) ، وقال مخبراً عن هود ﵇: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ((٤) أي اعتمدت على الله وفوضت أمري إليه (٥) .
وفي الشرع: تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل (٦) .
стр. 6010
هذا تعريف الكاساني (١) من الحنفية، ويلاحظ من خلال هذا التعريف أن الوكالة استعملت في المعنيين اللغويين.
وفي العناية: هي إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم (٢) .
والفرق بين تعريف الكاساني وصاحب العناية أن تعريف الكاساني لم يقتصر على التصرف بل شمل الحفظ فيدخل في ذلك الوديعة فإنها تفويض الحفظ إلى المودَع.
أمَّا تعريف صاحب العناية فقد اقتصر على التوكيل في التصرف، وهذان التعريفان يدخل فيهما الوصية بالتصرف بعد الموت (٣) فيرد عليهما أنهما غير مانعين.
وعرفها ابن عرفة (٤) المالكي: بأنها نيابة ذي حق غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره فيه غير مشروطة بموته (٥) .
ومعناه: أن الوكالة هي أن ينيب صاحب الحق غيره في ذلك الحق حالة كونه ليس صاحب ولاية عامة أو خاصة، ولا إمام صلاة، فإن ذلك لايسمى وكالة، وليست هذه النيابة مشروطة بموت المنيب؛ لأنها إذا كانت مشروطة بموته فهي وصية وليست وكالة.
فيخرج بقوله: نيابة إمام الطاعة أميراً أو قاضياً، أو صاحب صلاة، والوصية.
وقوله: ((غير ذي إمرة)) أخرج به الولاية العامة والخاصة كنيابة إمام أميراً أو قاضياً.
وقوله: ((ولا عبادة)) أخرج به إمام الصلاة.
стр. 6011
وقوله: ((لغيره)) متعلق بنيابة، والضمير عائد على المضاف إليه.
وقوله: ((غير مشروطة بموته)) أخرج به الوصي؛ لأنه لايقال فيه عرفاً وكيل.
ولذا فرقوا بين فلان وكيلي ووصيي (١) .
وعرفها الرملي من الشافعية بقوله: تفويض شخص لغيره ما يفعله عنه حال حياته مِمَّا يقبل النيابة شرعاً (٢) .
ونفى الرملي أن يكون في هذا التعريف دوراً.
لكن قال الشبراملسي (٣) في حاشيته عليه: الظاهر أن الدور المنفي هو أن النيابة هي الوكالة وقد أخذت في تعريف الوكالة، وحينئذٍ ففي اندفاعه بقوله: أي شرعاً نظر؛ لأن النيابة شرعاً هي الوكالة، فإن أجيب بأن النيابة شرعاً أعم من الوكالة فلا دور كان التعريف غير مانع.
قال: ويُمكن أن يجاب بأنه يُمكن أن يتصور ما يقبل النيابة شرعاً بوجه أنه ما ليس عبادة ونحوها، وهذا الوجه لايتوقف على الوكالة فلا دور (٤) .
стр. 6012
وعرفها الحجاوي (١) في الإقناع: بأنها استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة (٢) .
قال في كشاف القناع: وهذا باعتبار الغالب، أو المراد جائز التصرف في ذلك الفعل الذي وكل فيه، وإن لم يكن مطلق التصرف فلايرد صحة توكيل نحو عبد فيما لايتعلق بالمال (٣) .
وقال في حاشية المنتهى: أو نقول على حقيقته أعني: الحر المكلف الرشيد، والتعريف بحسب الغالب، وفيه ما فيه (٤) .
وبالنظر في هذا التعريف نجد أنه صرح بذكر جائز التصرف مع أن جواز التصرف شرط، وأيضاً قوله: فيما تدخله النيابة يحتاج إلى بيان.
ويدخل فيه الوصية، فهو غير مانع.
ولذلك أرى أن تعريفي المالكية والشافعية أفضل لولا ما في تعريف المالكية من الغموض في العبارة وما في تعريف الشافعية مِمَّا يحتاج إلى بيان وإيضاح وهو قولهم مِمَّا يقبل النيابة شرعاً؛ ولذا فإني أرى أن يقال في تعريفها: هي عقدٌ يقيم بمقتضاه شخصٌ غيرَه مقامَه في حالِ حياته لفعل ماله فعله.
المسألة الثانية: تعريف الخصومة:
стр. 6013
الخصومة لغة: الجدل خاصمه مخاصمة وخصومة فخصمه يخصمه غلبه، وهو شاذ؛ لأن فاعلته ففعلته يرد يفعل منه إلى الضم إن لم تكن عَيْنُه حرف حلق فإنه بالفتح كفاخرة مفخرة يفخره، وأمَّا المعتل كوجدت وبعت فيرد إلى الكسر إلاَّ ذوات الواو فإنها ترد إلى الضم كرضيته فرضوته أرضوه، وخاوفني فخفته أخوفه، وليس في كل شيء يقال: نازعته؛ لأنهم استغنوا عنه بغلبته، واختصموا تخاصموا والخصم المخاصم، والجمع الخصوم، وقد يكون للجمع والاثنين والمؤنث، والخصم المخاصم والجمع خصماء (١) .
وأمَّا في الاصطلاح: فهو الجواب بنعم أولا هذا تفسير ابن نجيم (٢) في البحر.
ونقل عن الجوهرة: أنها الدعوى الصحيحة أو الجواب الصريح (٣) .
وفي المبسوط: هي اسم لكلام يجرى بين اثنين على سبيل المنازعة والمشاحة (٤) .
وعرفها الغزالي: بأنها لجاج في الكلام ليستوفي بها مال أو حق مقصود، وتارة تكون ابتداءً وتارة تكون اعتراضاً (٥) .
وفي المطلع: هي إثبات الحق (٦) ، والتوكيل في الخصومة أي في إثبات الحق.
стр. 6014
والاختصام: ردّ كل واحد من الاثنين ما أتى به الآخر من جهة الإنكار له، فقد يكون أحدهما محقاً، والآخر مبطلاً، كاختصام الموحِّد والملحد، وقد يكونان جميعاً مبطلين كاختصام اليهود والنصارى (١) .
والخصم: هو الطالب الذي نازع في الأمر، وهو يقع على الواحد والاثنين والجمع على صيغة واحدة؛ لأن أصله المصدر (٢) .
ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول: خصمان وخصوم (٣) .
إذا نظرنا في تعريف ابن نجيم للخصومة: بأنها الجواب بنعم أو لا لوجدنا بأن التعريف غير مانع إذ أن الجواب بنعم أو لا يصدق على ما ليس بخصومة، والتعريف الآخر الذي نقله عن الجوهرة: بأنها الدعوى الصحيحة أو الجواب الصريح يحتاج إلى معرفة معنى الدعوى ومتى تكون صحيحة، وكذلك الجواب.
وأيضاً الخصومة تطلق على مطلق الدعوى سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة، وكذا على الجواب صريح أو غير صريح.
وأمَّا تعريف المبسوط فهو شامل لجميع أنواع الخصومات سواء كانت في المطالبة بالحقوق أو بغيرها.
وأمَّا تعريف الغزالي فهو يقصر الخصومة على ما كان من المدعي ولايشمل التعريف ما كان من الطرف الآخر.
وكذلك تعريف المطلع أنها إثبات حق، فهذا يقصر الخصومة على ما كان من أحد الجانبين.
ولذا أرى أن يقال: هي اسم لكلام يجري بين اثنين على سبيل المنازعة والمشاحة لإثبات حق أو الجواب عمّن يدعيه.
فهذا يشمل ما يحصل من جانب المدعي ومن جانب المدعى عليه، ويقصر الخصومة على ما كان متعلقاً بإثبات الحقوق إذ هي مجال البحث.
المسألة الثالثة: حكم الوكالة:
الأصل في الوكالة هو الجواز، وقد دلّ على جوازها الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
فأمَّا الكتاب فمنه:
стр. 6015
١ - قوله الله : (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ((١) .
٢ - قوله جلّ وعلا: (فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَو ضَعِيفًا أَو لاَيَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ((٢) .
ووجه الاستدلال من الآيتين: أنه لما جاز نظر الأولياء، ونظرهم إنَّما يكون بتوصية أب أو تولية حاكم وهما لايملكان كان توكيل المالك من باب أولى (٣) .
٣ - قوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ ((٤) .
ووجه الاستدلال: أنه لما أضاف الوَرِقَ إلى جميعهم وجعل استنابة أحدهم، دلّ على جواز الوكالة (٥) .
стр. 6016
٤ - قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ للعزيز: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ((١) ، أي: وكلني على خزائن الأرض.
٥ - قوله تعالى: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ((٢) والحكم وكيل.
٦ - قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ((٣) .
ووجه الاستدلال: أنه يجوز العمل على الصدقات، وذلك بحكم النيابة عن المستحقين (٤) .
ومن السنة:
١ - حديث عروة بن الجعد قال: عرض للنبي ﷺ جلب فأعطاني ديناراً فقال: يا عروة، ائت الجلب، فاشتر لنا شاة ... الحديث (٥) .
وهو دليل على جواز التوكيل في الشراء ويقاس عليه غيره مِمَّا تدخله النيابة.
стр. 6017
٢ - حديث حكيم بن حزام أنّ رسول الله ﷺ بعث معه بدينار ليشتري له أضحية فاشتراها بدينار وباعها بدينارين فرجع فاشترى أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - فتصدق به ودعا له أن يبارك له في تجارته (١) .
٣ - روى جابر قال: أردتُ أن أخرج إلى خيبر فأتيت النبي ﷺ وقلتُ: إني أريد الخروج إلى خيبر فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته (٢) .
٤ - روى أنه ﵊ وكل أبا رافع في قبول نكاح ميمونة (٣)
стр. 6018
وعمرو بن أمية الضمري في نكاح أم حبيبة (١) .
وأمَّا الإجماع:
فقد حكى ابن قدامة وغيره إجماع الأمة على جواز الوكالة في الجملة (٢) .
وأمَّا المعقول:
فإن الحاجة داعية إليها، فإنه لايُمكن كل واحد فعل ما يحتاج إليه فدعت الحاجة إليها (٣) .
هذا هو الأصل فيها، لكن ذكر بعض أهل العلم أن الوكالة بحسب متعلقها تأتي عليها الأحكام الخمسة:
فتكون مندوباً إليها، وهذا هو الأصل فيها لما فيها من التعاون، والقيام بمصالح الغير أو كان التوكيل طريقاً لمندوب.
وتكون محرمة: إذا كان فيها إعانة على محرم كالتوكيل في الخطبة على الخطبة أو الشراء على الشراء ونحو ذلك.
وتكون مكروهة إذا كان فيها إعانة على مكروه.
وقد تجب إذا توقف عليها دفع ضرر الموكِّل، كتوكيل المضطر في شراء طعام قد عجز عنه.
وتتصور فيها الإباحة كما إذا لم يكن للموكِّل حاجة في الوكالة وسأله الوكيل من غير غرض (٤) .
* * *
الفصل الأول: حكم التوكيل في الخصومة
اتفق الفقهاء ﵏ على جواز التوكيل في الخصومة في الجملة وإن اختلفوا في شروط صحتها (٥) .
واستدلوا على جوازها بما يلي:
أولاً: العمومات السابقة في الاستدلال لجواز الكفالة بوجه عام، إمَّا بالعموم وإمَّا بالقياس عليه.
стр. 6019
ثانياً: ما روي أن علياً ﵁ وكل أخاه عقيلاً وقال: إن للخصومات قحماً (١) ، وإنها لتخلف وإن الشيطان يحضرها، وإني إن حضرت خفت أن أغضب، وإن غضبت خفت ألا أقول حقاً، وقد وكلت أخي عقيلاً فما قضي عليه فعليّ وما قضي له فلي (٢) .
قال الشافعي ﵀: ولا أحسبه كان توكيله إلاَّ عند عمر بن الخطاب، ولعله عند أبي بكر الصديق ﵄ (٣) -.
وروي أن علياً ﵁ وكل عبد الله بن جعفر عند عثمان لما كبر عقيل في شرب كان ينازع طلحة بن عبيد الله فركب عثمان في نفر من الصحابة ﵃ إلى الموضع الذي كانا يتحاكمان فيه حتى أصلح بينهما في الشرب (٤) .
قال في الحاوي: فصار هذا إجماعاً منهم على جواز الوكالة (٥) .
وقال في المغني: وهذه قصص انتشرت؛ لأنها في مظنة الشهرة فلم ينقل إنكارها (٦) .
ثالثاً: الحاجة تدعو إليها فإنه قد يكون له حق، أو يدعى عليه، ولايحسن الخصومة أو لايحب أن يتولاها بنفسه (٧) .
إذا تبين هذا فإن البعض يجري على الوكالة في الخصومة الأحكام الخمسة كما هو الحال بالنسبة للوكالة في غيرها.
فتكون واجبة مثل أن يرى القاضي ضرورة للتوكيل كأن يكون بين الخصوم امرأة شابة ذات جمال وفتنة أو كان المدعى عليه عليلاً أو ضعيفاً في مقابلة خصمه (٨)
стр. 6020
أقول: قد يسلم في المثال الأول لذلك نص الفقهاء على أن الدعوى إذا كانت على امرأة غير برزة أمرت بالتوكيل.
لكن ضعف المدعي أو المدعى عليه في مقابلة خصمه أي كونه لايحسن من الكلام ما يحسنه خصمه لايوجب التوكيل بدليل قول النبي ﷺ : ((إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيتُ له بحق أخيه شيئاً بقوله فإنَّما أقطع له قطعة من النَّار فلايأخذها)) رواه البخاري ومسلم (١) .
فالنبي ﷺ لم يأمر الخصم في مثل هذه الحالة بالوكالة لكونه أضعف بياناً فدل على أن الوكالة ليست واجبة، لكن يُمكن أن يمثل لهذا بما لو كان المدّعى عليه مريضاً لايُمكنه الحضور لمجلس القضاء فيجبر على التوكيل؛ لأن إيصال الحق إلى مستحقه أمر واجب فإذا كان التوكيل طريقاً إليه وجب إعمالاً لقاعدة ما لايتم الواجب إلاَّ به فهو واجب.
وقد تكون الوكالة مندوباً إليها في حق ذوي المروءات، فينبغي أن يوكلوا لأنفسهم في الحقوق ولايباشروا الخصومة بنفوسهم (٢) .
ولايسلم بكونها مندوبة هنا؛ لأن المندوب هو ما يثاب فاعله ولايعاقب تاركه، فهل من ترك الخصومة لكونه من ذوي المروءات ووكل لذلك يثاب؟ .
فلو قيل بالندب في حق من تشغله الخصومة عن مندوب لكان أولى، وقد خاصم عمر أبيّ إلى زيد ﵃ وتخاصم علي وطلحة ﵄ إلى عثمان.
стр. 6021
يقول السرخسي ﵀ في المبسوط: (وفيه دليل على أنهم كانوا يختصمون فيما بينهم ولانظن بواحد منهم سوى الجميل لكن كان يستبهم عليهم الحكم فيختصمون إلى الحاكم ليبين لهم) (١) .
وفي الخبر المروي عن علي ﵁ دليل على أنه ينبغي التحرز عن الخصومة ما أمكن لما أشار إليه ﵁ أنه موضع لحضرة الشيطان وأن للخصومة قحماً أي مهالك.
يقول السرخسي ﵀: وفيه دليل على أن التحرز عن الخصومة واجب ما أمكن (٢) .
وكره مالك ﵀ لذوي الهيئات الخصومات، وقال: كان القاسم بن محمد يكره لنفسه الخصومة، ويتنزه عنها، وكان إذا نازعه أحد في شيء، قال: إن كان هذا الشيء لي فهو لك، وإن كان لك فلا تحمدني عليه.
وكان ابن المسيب إذا كان بينه وبين رجل شيء لايخاصمه، ويقول: الموعد يوم القيامة.
وقال مالك: من علم أن يوم القيامة يحاسب فيه على الصغير والكبير، ويعلم أن الناس يوفون حقوقهم من الحسنات، وأن الله عزّوجل لايخفى عليه شيء فليطب بذلك نفساً، فإن الأمر أسرع من ذلك، وما بينك وبين الآخرة وما فيها إلاَّ خروج روحك حتى تنسى ذلك كله حتى كأنك ما كنت فيه ولا عرفته.
وقال أيضاً: من خاصم رجل سوء (٣) .
стр. 6022
وقال ابن مسعود: كفى بك ظلماً أن لاتزال مخاصماً (١) .
وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم (٢) .
فمن المكروه إذاً الاشتغال بالمخاصمة سواء كان في ذلك أصيلاً أو وكيلاً.
ويُمكن أن يستدل لهذا بما روي عن علي ﵁.
وتكون مكروهة أيضاً إذا كانت فيها إعانة على مكروه كأن يحاول الوكيل الالتواء بالدفاع لتضييع وقت المحاكمة (٣) .
وتكون محرمة في حال الدفاع عن الباطل.
وتكون مباحة في حالة ما إذا لم تكن حاجة للموكل فيها ولا معونة له من الوكيل كما لو وكل غيره ترفها (٤) .
وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن العمل بالمحاماة، وأنه قد يعرض الإنسان لمناصرة الشر والدفاع عنه؛ لأن المحامي يريد البراءة مثلاً للمذنب الذي يدافع عنه ... إلخ (٥) .
стр. 6023
فأجاب: المحاماة مفاعلة من الحماية إن كانت حماية شر ودفاع عنه فلاشك أنها محرمة؛ لأنه وقوع فيما نهى الله عنه في قوله تعالى: (وَلاَتَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (، وإن كانت المحاماة لحماية الخير والذود عنه فإنها حماية محمودة مأمور بها في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى (، وعلى هذا فإن من أعدّ نفسه لذلك يجب عليه قبل أن يدخل في القضية المعينة أن ينظر في هذه القضية ويدرسها فإن كان الحق مع طالب المحاماة دخل في المحاماة وانتصر للحق ونصر صاحبه، وإن كان الحق في غير جانب من طلب المحاماة فإنه يدخل في المحاماة أيضاً، لكن المحاماة تكون عكس ما يريد الطالب بمعنى أنه يحامي عن هذا الطالب حتى لايدخل فيما حرم الله عليه وفي دعوى ما هو عليه، وذلك لأن النبي ﷺ – قال: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فكيف ننصره إذا كان ظالماً قال: ((تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه)) (١) ، فإذا علم أن طالب المحاماة ليس له حق في دعواه فإن الواجب أن ينصحه وأن يحذره وأن يخوفه من الدخول في هذه القضية، وأن يبين له وجه بطلان دعواه حتى يدعها مقتنعاً بها.
الفصل الثاني: شروط التوكيل في الخصومة
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: أن يكون الفعل الموكل به مِمَّا يجوز التوكيل فيه
إن هذا الشرط متفق عليه من حيث الجملة، أمَّا من حيث التفصيل فإن الفقهاء ﵏ قسموا الحقوق باعتبار من تضاف إليه إلى ثلاثة أقسام:
стр. 6024
القسم الأول: حقوق الله الخالصة، والمراد بها: الحقوق التي ليس لأحد من المكلفين إسقاطها، ولا مدخل للصلح فيها، ولاتستباح بإباحة أحد، وتقوم على المسامحة فيما بين العبد وربه مثل الإيمان، وتحريم الكفر، والعبادات، وغير ذلك.
القسم الثاني: حق العبد: وهو ما تعلقت به مصلحة خاصة دنيوية، ويقبل الصلح والإسقاط، والإباحة من صاحبة، وأمثلة هذا النوع كثيرة جداً، منها: المداينات، وبدل المتلفات، وغير ذلك.
ومِمَّا ينبغي أن يعلم أنه ما من حق للعبد إلاَّ وفيه حق لله تعالى وهو التعبد بامتثال أوامره بإيصال الحقوق إلى مستحقيها.
القسم الثالث: الحقوق المشتركة: وهي ما اجتمع فيه حق الله- وحق الآدمي ومرة يغلب حق الله ، ومرة يغلب حق العبد.
ويُمكن تقسيم هذا النوع إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما اختلف في تقديم أحد الحقين على الآخر مثل حد القذف، فمن غلب حق الله تعالى قال: لايسقط بالعفو، ومن غلب حق العبد قال: يسقط بعفوه.
الثاني: ما قطع فيه بتقديم حق العبد كجواز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.
والثالث: ما قطع فيه بتقديم حق الله فلايتأتى فيه الإسقاط أبداً حتى لحق العبد، وأمثلة ذلك كثيرة منها تحريم الزنا، وإيجاب الحد على مرتكبه، وتحريم المسكرات والمخدرات، وتحريم إضاعة الأموال أو سرقتها، وغير ذلك كثير (١) .
стр. 6025
وهذه الحقوق ترجع في الحقيقة إلى قسمين رئيسيين هما:
الأول: حق الله المحض، ويلحق به الحق الذي يغلب فيه حق الله .
والثاني: حق العبد ويلحق به ما اشترك فيه الحقان وترجح فيه حق العبد (١) .
والتوكيل في هذه الحقوق إمَّا بإثباتها وإمَّا باستيفائها، ولذا سوف يكون الكلام في هذا المبحث في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التوكيل بالخصومة في حقوق الله من جانب المدعي.
وفيه فرعان:
الفرع الأول: التوكيل بالخصومة في حقوق الله عزّوجل بإثباتها
قسم الكاساني (٢) الحنفي ﵀ حقوق الله عزّوجل إلى قسمين: قسم يحتاج في إثباته إلى الخصومة كحد السرقة وحد القذف (٣) .
وقسم لايحتاج في إثباته إلى الخصومة كحد الزنا وحد الشرب.
وسوف أتبع في الكلام على التوكيل بحقوق الله عزّوجل هذا التقسيم نظراً لشموله مع أنه قد يكون في التقسيم نظر ذلك أن حد القذف من حقوق الآدميين وإن كان فيه حق لله عزّوجل، وسوف يكون الكلام إذن في مسألتين:
المسألة الأولى: التوكيل بإثبات حقوق الله عزّوجل التي لاتحتاج في إثباتها إلى الخصومة:
اختلف الفقهاء ﵏ في حكم التوكيل بإثبات حقوق الله عزّوجل التي لاتحتاج في إثباتها إلى خصومة على قولين: