← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

يقول السرخسي ﵀ في المبسوط: (وفيه دليل على أنهم كانوا يختصمون فيما بينهم ولانظن بواحد منهم سوى الجميل لكن كان يستبهم عليهم الحكم فيختصمون إلى الحاكم ليبين لهم) (١) . وفي الخبر المروي عن علي ﵁ دليل على أنه ينبغي التحرز عن الخصومة ما أمكن لما أشار إليه ﵁ أنه موضع لحضرة الشيطان وأن للخصومة قحماً أي مهالك. يقول السرخسي ﵀: وفيه دليل على أن التحرز عن الخصومة واجب ما أمكن (٢) . وكره مالك ﵀ لذوي الهيئات الخصومات، وقال: كان القاسم بن محمد يكره لنفسه الخصومة، ويتنزه عنها، وكان إذا نازعه أحد في شيء، قال: إن كان هذا الشيء لي فهو لك، وإن كان لك فلا تحمدني عليه. وكان ابن المسيب إذا كان بينه وبين رجل شيء لايخاصمه، ويقول: الموعد يوم القيامة. وقال مالك: من علم أن يوم القيامة يحاسب فيه على الصغير والكبير، ويعلم أن الناس يوفون حقوقهم من الحسنات، وأن الله عزّوجل لايخفى عليه شيء فليطب بذلك نفساً، فإن الأمر أسرع من ذلك، وما بينك وبين الآخرة وما فيها إلاَّ خروج روحك حتى تنسى ذلك كله حتى كأنك ما كنت فيه ولا عرفته. وقال أيضاً: من خاصم رجل سوء (٣) .

стр. 6022

وقال ابن مسعود: كفى بك ظلماً أن لاتزال مخاصماً (١) . وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم (٢) . فمن المكروه إذاً الاشتغال بالمخاصمة سواء كان في ذلك أصيلاً أو وكيلاً. ويُمكن أن يستدل لهذا بما روي عن علي ﵁. وتكون مكروهة أيضاً إذا كانت فيها إعانة على مكروه كأن يحاول الوكيل الالتواء بالدفاع لتضييع وقت المحاكمة (٣) . وتكون محرمة في حال الدفاع عن الباطل. وتكون مباحة في حالة ما إذا لم تكن حاجة للموكل فيها ولا معونة له من الوكيل كما لو وكل غيره ترفها (٤) . وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن العمل بالمحاماة، وأنه قد يعرض الإنسان لمناصرة الشر والدفاع عنه؛ لأن المحامي يريد البراءة مثلاً للمذنب الذي يدافع عنه ... إلخ (٥) .

стр. 6023

فأجاب: المحاماة مفاعلة من الحماية إن كانت حماية شر ودفاع عنه فلاشك أنها محرمة؛ لأنه وقوع فيما نهى الله عنه في قوله تعالى: (وَلاَتَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (، وإن كانت المحاماة لحماية الخير والذود عنه فإنها حماية محمودة مأمور بها في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى (، وعلى هذا فإن من أعدّ نفسه لذلك يجب عليه قبل أن يدخل في القضية المعينة أن ينظر في هذه القضية ويدرسها فإن كان الحق مع طالب المحاماة دخل في المحاماة وانتصر للحق ونصر صاحبه، وإن كان الحق في غير جانب من طلب المحاماة فإنه يدخل في المحاماة أيضاً، لكن المحاماة تكون عكس ما يريد الطالب بمعنى أنه يحامي عن هذا الطالب حتى لايدخل فيما حرم الله عليه وفي دعوى ما هو عليه، وذلك لأن النبي ﷺ – قال: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فكيف ننصره إذا كان ظالماً قال: ((تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه)) (١) ، فإذا علم أن طالب المحاماة ليس له حق في دعواه فإن الواجب أن ينصحه وأن يحذره وأن يخوفه من الدخول في هذه القضية، وأن يبين له وجه بطلان دعواه حتى يدعها مقتنعاً بها. الفصل الثاني: شروط التوكيل في الخصومة وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: أن يكون الفعل الموكل به مِمَّا يجوز التوكيل فيه إن هذا الشرط متفق عليه من حيث الجملة، أمَّا من حيث التفصيل فإن الفقهاء ﵏ قسموا الحقوق باعتبار من تضاف إليه إلى ثلاثة أقسام:

стр. 6024

القسم الأول: حقوق الله الخالصة، والمراد بها: الحقوق التي ليس لأحد من المكلفين إسقاطها، ولا مدخل للصلح فيها، ولاتستباح بإباحة أحد، وتقوم على المسامحة فيما بين العبد وربه مثل الإيمان، وتحريم الكفر، والعبادات، وغير ذلك. القسم الثاني: حق العبد: وهو ما تعلقت به مصلحة خاصة دنيوية، ويقبل الصلح والإسقاط، والإباحة من صاحبة، وأمثلة هذا النوع كثيرة جداً، منها: المداينات، وبدل المتلفات، وغير ذلك. ومِمَّا ينبغي أن يعلم أنه ما من حق للعبد إلاَّ وفيه حق لله تعالى وهو التعبد بامتثال أوامره بإيصال الحقوق إلى مستحقيها. القسم الثالث: الحقوق المشتركة: وهي ما اجتمع فيه حق الله- وحق الآدمي ومرة يغلب حق الله ، ومرة يغلب حق العبد. ويُمكن تقسيم هذا النوع إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما اختلف في تقديم أحد الحقين على الآخر مثل حد القذف، فمن غلب حق الله تعالى قال: لايسقط بالعفو، ومن غلب حق العبد قال: يسقط بعفوه. الثاني: ما قطع فيه بتقديم حق العبد كجواز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه. والثالث: ما قطع فيه بتقديم حق الله فلايتأتى فيه الإسقاط أبداً حتى لحق العبد، وأمثلة ذلك كثيرة منها تحريم الزنا، وإيجاب الحد على مرتكبه، وتحريم المسكرات والمخدرات، وتحريم إضاعة الأموال أو سرقتها، وغير ذلك كثير (١) .

стр. 6025

وهذه الحقوق ترجع في الحقيقة إلى قسمين رئيسيين هما: الأول: حق الله المحض، ويلحق به الحق الذي يغلب فيه حق الله . والثاني: حق العبد ويلحق به ما اشترك فيه الحقان وترجح فيه حق العبد (١) . والتوكيل في هذه الحقوق إمَّا بإثباتها وإمَّا باستيفائها، ولذا سوف يكون الكلام في هذا المبحث في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التوكيل بالخصومة في حقوق الله من جانب المدعي. وفيه فرعان: الفرع الأول: التوكيل بالخصومة في حقوق الله عزّوجل بإثباتها قسم الكاساني (٢) الحنفي ﵀ حقوق الله عزّوجل إلى قسمين: قسم يحتاج في إثباته إلى الخصومة كحد السرقة وحد القذف (٣) . وقسم لايحتاج في إثباته إلى الخصومة كحد الزنا وحد الشرب. وسوف أتبع في الكلام على التوكيل بحقوق الله عزّوجل هذا التقسيم نظراً لشموله مع أنه قد يكون في التقسيم نظر ذلك أن حد القذف من حقوق الآدميين وإن كان فيه حق لله عزّوجل، وسوف يكون الكلام إذن في مسألتين: المسألة الأولى: التوكيل بإثبات حقوق الله عزّوجل التي لاتحتاج في إثباتها إلى الخصومة: اختلف الفقهاء ﵏ في حكم التوكيل بإثبات حقوق الله عزّوجل التي لاتحتاج في إثباتها إلى خصومة على قولين:

стр. 6026

القول الأول: أن الوكالة بها لاتصح، وبهذا قال الحنفية (١) والشافعية (٢) وقول عند الحنابلة (٣) . اختاره أبو الخطاب (٤) ، إلاَّ أن الشافعية استثنوا إثباتها بالوكالة تبعاً فيقع (٥) ، مثل أن يقذف شخص آخر فيطالبه بحد القذف فله أن يدرأ عن نفسه بإثبات زناه بالوكالة وبدونها، فإذا ثبت الزنا أقيم عليه الحد. واستدلوا بما يلي: ١ - أن هذا النوع من الحدود يثبت عند القاضي بالبينة أو الإقرار من غير خصومة فلا حاجة إلى التوكيل (٦) . ٢ - أن الحدود تدرأ بالشبهات وقد أمرنا بدرئها بها بقول النبي ﷺ : ((ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم)) (٧)

стр. 6027

والتوكيل تأكيد لها وتوصل إلى الإيجاب (١) . ونوقش الدليل: بأن الوكيل يقوم مقام الموكّل في درئها بالشبهة (٢) . ويُمكن أن يناقش الأول: بأنه يحتمل أن تحتاج إلى الخصومة فيها فتحتاج إلى الوكالة كغيرها من الحقوق. القول الثاني: تصح الوكالة بإثبات الحدود، وهو قول عند الحنابلة قال في الإنصاف: (هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب) (٣) . واستدلوا بما يلي: ١ - قول النبي ﷺ : ((واغد يا أنيس (٤) إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) ، فغدا أنيس فاعترفت فأمر بها فرجمت. متفق عليه (٥) . ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ وكل أنيساً في إثبات الحد واستيفائه جميعاً بقوله: ((فإن اعترفت فارجمها)) ، وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت (٦) . ونوقش: بأن النبي ﷺ لم يبعثه لأجل إثبات الحد عليها، بل لأنها لما قُذفت بالزنا بعث إليها لتنكر فتطالب بحد القذف أو تقر بالزنا فيسقط حد القذف عن الرجل.

стр. 6028

يقول النووي (١) ﵀: (واعلم أن بعث أنيس محمول عند العلماء من أصحابنا وغيرهم على إعلام المرأة بأن هذا الرجل قد قذفها بابنه فيعرفها بأن لها عنده حد القذف فتطالب به أو تعفو عنه إلاَّ أن تعترف بالزنا فلايجب عليه حد القذف بل يجب عليها حد الزنا وهو الرجم؛ لأنها كانت محصنة فذهب إليها أنيس فاعترفت بالزنا فأمر النبي ﷺ برجمها فرجمت، ولابد من هذا التأويل؛ لأن ظاهره أنه بعث لإقامة حد الزنا، وهذا غير مراد؛ لأن حد الزنا لايحتاج له بالتجسس والتفتيش عنه بل لو أقر به الزاني استحب أن يلقن الرجوع) (٢) . ويُمكن الجواب بأن هذا تأويل متكلف، ذلك أن والد العسيف قد سأل وأخبره الناس بأن على ابنه الرجم وأخبره أهل العلم إنَّما على ابنه جلد مائة وتغريب عام وأنّ على امرأة هذا الرجم فأقسم النبي ﷺ ليقضين بينهما بكتاب الله ثم قال: ((واغد يا أنيس ... )) الحديث. وكان زوج المرأة حاضراً ... فالظاهر من هذا أن المرأة كانت معترفة من قبل بدليل أن والد العسيف لما أخبر أن على ابنه الرجم افتدى منه بمائة شاة ووليدة، ويظهر أنهم قد أخذوها بدليل قول النبي ﷺ : ((الوليدة والغنم رد)) . قال النووي: (أي مردودة ومعناه يجب ردّها إليك) (٣) .

стр. 6029

فهذا زنا قد ظهر واشتهر لكن أراد النبي ﷺ أن يعرف هل هي باقية على إقرارها؛ لأن ذلك شرط وجوب الحد أو أراد تثبيت إقرارها على الوجه المشروع، والله أعلم. الدليل الثاني: أن الحاكم إذا استناب دخل في ذلك الحدود فإذا دخلت في التوكيل بطريق العموم، وجب أن تدخل بالتخصيص بها أولى (١) . والقول الراجح في نظري هو القول الثاني وهو جواز التوكيل بإثبات الحد؛ إذ ليس في التوكيل بإثباتها محظور، ولايمنع ذلك من درئها بالشبهة، ولايسلم أنه لايحتاج إلى الخصومة بل قد يحتاج إليها في أحوال كما يشهد لذلك الواقع، وقد لايستطيع المخاصمة بنفسه فيحتاج إلى التوكيل، والله أعلم. المسألة الثانية: التوكيل في حقوق الله عزّوجل التي تحتاج إلى خصومة: هذا هو النوع الثاني من حقوق الله عزّوجل على تقسيم الكاساني ﵀ وهو ما يحتاج إلى خصومة كحد السرقة والقذف (٢)

стр. 6030

، وهذا النوع اختلف العلماء في حكم التوكيل بإثباته على قولين: القول الأول: أن التوكيل في إثباته يصح، وبه قال أبو حنيفة ومحمد (١) والشافعية (٢) ، وقول عند الحنابلة، وهو المذهب واختاره القاضي (٣) وغيره، وقدمه في المغني وغيره (٤) . واستدلوا بما يلي: ١ - أنه حق يجوز التوكيل فيه مع حضور الموكِّل فجاز مع غيبته كسائر الحقوق. ٢ - ولأن من جاز توكيله في غير الحدود جاز توكيله في الحدود كالحاضر (٥) . القول الثاني: لاتصح الوكالة في إثبات الحدود كحد السرقة والقذف، وهذا قول أبي يوسف (٦) . ووجهه: أن الحدود لايصح التوكيل باستيفائها فلايصح التوكيل بإثباتها إذ الإثبات وسيلة الاستيفاء (٧) . ونوقش: بالفرق بين الاستيفاء والإثبات، والفرق أن امتناع التوكيل في الاستيفاء لمكان الشبهة وهي منعدمة في التوكيل بالإثبات (٨) . ويُمكن أيضاً مناقشته بأنه قياس على مختلف فيه، ولايصح القياس على مختلف فيه إذ للمخالف أن يقول نحن نمنع الحكم في الأصل فلايتم القياس، والله أعلم.

стр. 6031

والراجح في نظري - والله أعلم - هو القول الأول وهو جواز التوكيل بإثبات الحدود لما قلنا في الذي قبله من أن ذلك لايمنع من درئها بالشبهة، ولما قلنا في الرد على دليل أبي يوسف ﵀ من أنه قياس مع الفارق، فبقي دليل الأول سليماً من المعارضة. الفرع الثاني: التوكيل في استيفاء الحدود: التوكيل في استيفاء الحدود كحد السرقة والقذف والزنا، ونحو ذلك لايخلو إمَّا أن يكون الموكّل حاضراً أو غائباً، فإن كان الموكِّل حاضراً صح التوكيل، والتوكيل هنا معناه الأمر بالاستيفاء، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء ﵏ (١) . واستدلوا بما يلي: ١ - قوله ﵊: ((واغدو يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) فغدا أنيس فاعترفت فأمر بها فرجمت. متفق عليه (٢) . ووجه الاستدلال: أن هذا توكيل في استيفاء حد الزنا، ويقاس عليه سائر الحدود. ٢ - قول النبي ﷺ في قصة ماعز: ((اذهبوا به فارجموه)) متفق عليه (٣) .

стр. 6032

٣ - أن عثمان ﵁ وكّل علياً ﵁ في إقامة حدّ الشُّرب على الوليد بن عقبة، ووكل عليٌّ الحسنَ في ذلك فأبى الحسن فوكل عبد الله بن جعفر فأقامه وعليٌّ يَعُدّ. رواه مسلم (١) . ٤ - ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأن الإمام لايُمكنه تولي ذلك بنفسه، والمستحق قد لايحسنه (٢) . أمَّا التوكيل في استيفائها مع غياب الموكِّل فاختلف فيه على قولين: القول الأول: لايجوز التوكيل في استيفاء الحدود مع غياب الموكِّل، وهو قول بعض الحنفية (٣) ، واختلف قول الشافعي فيه فظاهر كلامه في باب الوكالة: أنه لايجوز وكلامه في باب الجنايات يدل على الجواز فخرج الشافعية المسألة على قولين لاختلاف الموضعين: أحدهما: أنه لايجوز (٤) ، وبه قال بعض الحنابلة، وأومأ إليه أحمد (٥) . واستدلوا بما يلي: ١ - أن الموكل يحتمل أن يعفو في غيابه - فيما للعفو فيه أثر - فيقام الحد مع عفوه، إذ لايُمكن تداركه، وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاسيتفاء (٦) . ٢ - أن الحدود تدرأ بالشبهات، ولذلك لاتستوفى بمن يقوم مقام الغير لما في ذلك من ضرب شبهة، ولذلك لاتقام بكتاب القاضي إلى القاضي، ولا بالشهادة على الشهادة ولا بشهادة النساء مع الرجال (٧) .

стр. 6033

٣ - أن العفو مندوب إليه، فإذا حضر الموكّل احتمل أن يرحم الجاني فيعفو (١) - أي فيما للعفو فيه أثر أمَّا ما ليس للعفو فيه أثر كحد الزنا والسرقة - فلم تستقم هذه الحجة. ٤ - أنه إذا كان لايحتمل العفو والصلح فيحتمل الإقرار والتصديق - أي يحتمل أن يقر المقذوف بما قذفه به أو يصدقه فيسقط عن القاذف الحد، وهذه الشبهة لايجوز معها التوكيل باستيفاء الحد مع غياب الموكل (٢) . ٥ - أنه ليس كل أحد يحسن الاستيفاء إمَّا لقلة هدايته، أو لأن قلبه لايحتمل ذلك، فلو منع التوكيل بالاستيفاء لانسد باب الاستيفاء فجاز التوكيل في حضوره استحساناً لئلا ينسد باب الاستيفاء (٣) . بخلاف حال غياب الموكّل. ونوقشت هذه الأدلة بما يلي: بالنسبة لاحتمال العفو فهو بعيد، والظاهر أنه لو عفا لبعث وأعلم وكيله بعفوه، والأصل عدمه، ألا ترى أن قضاة رسول الله ﷺ كانوا يحكمون في البلاد، ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهة مع احتمال النسخ. وكذلك لم يحتط في استيفاء الحدود بإحضار الشهود مع احتمال رجوعهم عن الشهادة أو تغير اجتهاد الحاكم (٤) . القول الثاني: يجوز التوكيل باستيفاء الحدود مع حضور الموكِّل وغيابه، وهو قول بعض الحنفية (٥) ، وهو مذهب مالك (٦) ، وقول عند الشافعية، قال في الحاوي: وهو أصحهما (٧) ، وهو قول عند الحنابلة، ونص عليه أحمد (٨) . واستدلوا بما يلي: ١ - أن ما جاز استيفاؤه في حضرة الموكِّل جاز في غيبته كسائر الحقوق (٩) .

стр. 6034

ونوقش: بأن القياس على سائر الحقوق قياس مع الفارق؛ إذ الشبهة لاتمنع من استيفاء سائر الحقوق بخلاف ما نحن فيه (١) . ويُمكن الجواب عن هذا الاعتراض بما تقدم في مناقشة أدلة القول الأول. ٢ - القياس على القصاص فيجوز التوكيل باستيفائه مع غياب الموكِّل (٢) . ونوقش: بأنه قياس على مختلف فيه فقد خالف في جواز التوكيل في استيفاء القصاص مع غياب الولي الحنفية لاحتمال العفو (٣) . ويُمكن الجواب عنه: بأن غياب الولي لايمنع من العفو، والظاهر عدمه، ولو عفا لبعث به فاحتمال العفو لايمنع من صحة التوكيل. ولذا فالراجح في نظري - والله أعلم - هو القول الثاني القاضي بصحة التوكيل في استيفاء الحدود، وذلك للنصوص الصحيحة الدّالة على جواز التوكيل كحديث: ((واغد يا أنيس ... )) وحديث ماعز، وقول النبي ﷺ : ((اذهبوا به فارجموه ... )) ؛ ولأن الاستيفاء يكون بعد ثبوت موجب الحد ثبوتاً تنتفي معه الشبهة فلايلزم أن يكون الموكل حاضراً، والقول بأنه يحتمل أن يقر المقذوف بالزنا أو يصدقه فيسقط الحد عن القاذف بعيد، والله أعلم. المطلب الثاني: التوكيل بالخصومة في حقوق العباد وفيه فروع: الفرع الأول:التوكيل بإثبات القصاص واستيفائه وفيه مسألتان: المسألة الأولى: التوكيل بإثبات القصاص: اختلف الفقهاء ﵏ في حكم التوكيل بإثبات القصاص على قولين: القول الأول: لايصح التوكيل بإثبات القصاص، وبه قال أبو يوسف من الحنفية (٤) . وحجته:

стр. 6035

أولاً: أن الوكيل بمنزلة البدل عن الأصل، ولا مدخل للأبدال في باب القصاص؛ ولهذا لاتجوز فيه الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي، ولا شهادة النساء، ولا من الأخرس؛ لأن إشارته بدل عن العبارة (١) . ثانياً: ولأن المقصود من الإثبات الاستيفاء، فإذا لم يصح التوكيل بالاستيفاء مع غياب الموكل لم يصح بالإثبات (٢) . القول الثاني: يصح التوكيل بإثبات القصاص، وهو قول أبي حنيفة والجمهور من الحنفية غير أبي يوسف (٣) وهو قول المالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) . واستدلوا بما يلي: ١ - بأن التوكيل تناول ما ليس بحد ولا قصاص، ولايضاف الوجوب فيهما إلى الخصومة فيصح التوكيل فيهما كما في سائر الحقوق، وهذا لأن وجوب الحد مضاف إلى الجناية، وظهوره مضاف إلى الشهادة، والخصومة شرط محض، لا أثر لها في الوجوب، ولا في الظهور، إذ الحكم لايضاف إلى الشرط (٧) . ٢ - أن القصاص من حقوق الآدميين فيجوز التوكيل فيه كسائر الحقوق (٨) . والراجح في نظري هو قول الجمهور القاضي بصحة التوكيل بإثبات القصاص، وذلك لأن ما احتج به أبو يوسف من أن الوكيل بمنزلة البدل عن الأصل ولا مدخل للأبدال في باب القصاص، بدليل أنه لاتجوز فيه الشهادة على الشهادة ... إلخ يُمكن أن يجاب عنه بأن القصاص لم تقبل فيه الشهادة على الشهادة ولم يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي لمكان الاحتياط في الدماء، فلذا لم يثبت بهذه الأمور والوكالة لايثبت بها القصاص وإنَّما يراد بها المطالبة وإقامة البينة فافترقا.

стр. 6036

وأمَّا الدليل الثاني لأبي يوسف وهو القياس على الاستيفاء في حال غياب الموكِّل فهو قياس على مختلف فيه فلايصح (١) ، والصحيح جوازه وشبهة العفو لاتمنع منه، والله أعلم. المسألة الثانية: التوكيل باستيفاء القصاص: اختلف العلماء ﵏ في حكم التوكيل في استيفاء القصاص على ثلاثة أقوال: القول الأول: لايصح التوكيل في استيفاء القصاص إلاَّ بحضور الموكِّل، ولايصح مع غيبته، وهذا قول الحنفية (٢) ، وقول عند الشافعية (٣) . واستدلوا بما يلي: أولاً: أن القصاص يندرئ بالشبهة، فلايستوفى بمن يقوم مقام الغير كالحدود، ولهذا لايستوفي بكتاب القاضي إلى القاضي، ولا بشهادة النساء مع الرجال. وتوضيح ذلك: أنه لو استوفى في حال غياب الموكِّل كان استيفاء مع تمكن شبهة العفو لجواز أن يكون الموكِّل عفا والوكيل لم يعلم بعفوه، بل العفو هو الظاهر للندب الشرعي إليه بقول الله عزّوجل: (وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ((٤) . فإذا كان الموكِّل حاضراً يجوز للوكيل أن يستوفي؛ لأنه لاتتمكن فيه شبهة العفو (٥) . ونوقش: بأن القصاص يستوفى مع غياب الشهود مع احتمال رجوعهم (٦) .

стр. 6037

وأُجيب: بأن الشبهة في غياب الشاهد هي الرجوع فقط أي رجوع الشاهد عن شهادته فيسقط القصاص، وليس هذا قريباً في الظاهر، ولا الغالب؛ لأن الأصل الصدق خصوصاً مع العدالة (١) . ونوقش الدليل أيضاً: بأن احتمال العفو بعيد، والظاهر أنه لو عفا لبعث بعفوه وأعلم به وكيله، والأصل عدمه (٢) . الدليل الثاني: أن الموكِّل يحتاج إلى التوكيل لعدم معرفته بالاستيفاء، أو لأن قلبه لايحتمل ذلك، ولو منع لانسد باب الاستيفاء أصلاً، فجاز الاسيتفاء بحضرة الموكِّل استحساناً (٣) . ونوقش: بأن هذا المعنى موجود أيضاً مع غيبة الموكِّل فيلزمكم إجازته في غيبته أيضاً. وأُجيب: بأن شبهة العفو مع غياب الموكِّل قائمة بخلاف حضوره فلاتتمكن فيه شبهة العفو (٤) . القول الثاني: يصح التوكيل باستيفاء القصاص مطلقاً، أي في حال حضور الموكِّل وغيبته، وهو قول المالكية (٥) ، وأصح القولين عند الشافعية (٦) وقول الحنابلة (٧) . واستدلوا بما يلي: أولاً: أن القصاص من حقوق الآدميين فجاز التوكيل فيه مع الحضور، ومع الغيبة. ونوقش: بأنه عقوبة تندرئ بالشبهة ففارق سائر الحقوق. ويجاب عنه: بأن كونه يندرى بالشبهة لايمنع من صحة التوكيل ويكون الوكيل قائماً في ذلك مقام الأصل. ثانياً: أن الحاجة تدعو إلى التوكيل؛ لأن من له حق قد لايحسن الاستيفاء، أو لايحب أن يتولاه بنفسه (٨) . ثالثاً: القياس على استيفاء القصاص مع غيبة الشهود فإن احتمال رجوعهم قائم، ومع ذلك يستوفى.

стр. 6038

ونوقش: بأن الظاهر في الشهود عدم الرجوع إذ الأصل الصدق لاسيما في العدول (١) . رابعاً: القياس على الاستيفاء بحضوره. ونوقش: بأن مع حضور الموكّل شبهة العفو منتفية إذ العفو في حضوره مِمَّا لايخفى بخلاف حال الغيبة (٢) . ويُمكن الجواب عنه: بأن العفو مع غيابه يُمكن أن يعلم كذلك. والراجح في نظري - والله أعلم - هو القول الثاني بجواز التوكيل في استيفاء القصاص مع حضور الموكل وغيابه؛ إذ ليس للمانعين معتمد غير أن شبهة العفو قائمة في حال غياب الموكِّل، ولذلك أجازوا التوكيل مع حضوره؛ لأن شبهة العفو غير موجودة إذ يُعلم بعفوه لو حصل، لكن شبهة العفو في نظري لاتصلح مانعاً من صحة التوكيل، إذ يُمكن العلم بها في حال غيابه كما في حال حضوره، كما أنّ الأصل هو الاستيفاء، والعفو نادر، والله أعلم. الفرع الثاني: التوكيل بالخصومة في حقوق العباد غير القصاص: المراد بحقوق العباد هنا: الديون والأعيان وسائر الحقوق، وهذا النوع لايخلو التوكيل بالخصومة فيه أن يكون برضا الخصم أو بغير رضاه، فإن كان برضا الخصم صح عند الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) . والأصل فيه:

стр. 6039

١ - ما روي عن عبد الله بن جعفر ﵄ أن علياً ﵁ كان لايحضر الخصومة، وكان يقول إن لهما قحماً يحضرها الشيطان، فجعل الخصومة إلى عقيل ﵁ فلما كبر ورَقَّ حولها إلي، وكان علي يقول: ما قضي لوكيلي فلي وما قضي على وكيلي فعلي (١) . قال الكاساني: (ومعلوم أن سيدنا علياً ﵁ لم يكن ممن لايرضى أحد بتوكيله، فكان توكيله برضا الخصم، فدل على الجواز برضا الخصم) (٢) . وأمَّا إن كان التوكيل بغير رضا الخصم فقد اختلف الفقهاء ﵏ في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لايجوز التوكيل من موكل حاضر إلاَّ برضا الخصم ولايجوز التوكيل بغير رضاه إلاَّ من عذر المرض والسفر مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً، ونحو ذلك من الأعذار (٣) ، وهذا قول الإمام أبي حنيفة ﵀ (٤) - والرجال، والنساء، والثيب، والبكر في ذلك سواء في قول أبي حنيفة (٥) . واستدلوا بما يلي: ١ - أن الحق هو الدعوى الصادقة والإنكار الصادق، ودعوى المدعي خبر يحتمل الصدق والكذب، والسهو، والغلط، وكذا إنكار المدعى عليه فلايزداد الاحتمال في خبره بمعارضة خبر المدعي فلم يكن كل ذلك حقاً فكان الأصل أن لايلزم به جواب إلاَّ أن الشرع ألزم الجواب لضرورة فصل الخصومات وقطع المنازعات المؤدّية إلى الفساد وإحياء الحقوق الميتة، وحق الضرورة يصير مقتضياً بجواب الموكل فلاتلزم الخصومة عن جواب الوكيل من غير ضرورة.

стр. 6040

٢ - أن الموكّل قصد بهذا التوكيل الإضرار بخصمه فيما هو مستحق عليه فلايملكه إلاَّ برضاه كالحوالة بالدين، وكالعبد المشترك يعتقه أحد الشريكين فتخير الآخر بين الإمضاء والفسخ لدفع الضرر. ومعنى هذا الكلام: أن الحضور والجواب مستحق عليه بدليل أن القاضي يقطعه عن أشغاله ويحضره ليجيب خصمه، وإنَّما يحضره لإيفاء حق مستحق عليه، والناس يتفاوتون في الخصومة، فبعضهم أشد خصومة من بعض كما دل عليه قول النبي ﷺ : ((إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له، فمن قضيت له بحق أخيه فإنَّما هي قطعة من نار ... )) (١) . والظاهر أن الموكل إنَّما يطلب من الوكيل ذلك الأشد الذي لايتأتى منه لو أجاب الخصم بنفسه فهو إذن إنَّما يقصد عادة من التوكيل استخراج الحيل والدعاوى الباطلة ليغلب، وإن لم يكن الحق معه كما أفاده الحديث فإذا كان الوكيل ألحن بحجته بحيث يعجز من يخاصمه عن إحياء حقه فيتضرر به الآخر فيشترط رضا الخصم ليكون لزوم الضرر بالتزامه (٢) . ونوقش: بأن الخصومة حق للموكل لو أتى به بنفسه كان مقبولاً وصحة التوكيل باعتبار ما هو حق للموكل دون ما ليس بحق له.

стр. 6041

ورُدّ: بأن الإمام أبا حنيفة ﵀ بنى على العرف الظاهر هنا وقال: الناس إنَّما يقصدون بهذا التوكيل أن يشتغل الوكيل بالحيل الأباطيل ليدفع حق الخصم عن الموكّل، وأكثر ما في الباب أن يكون توكيله بما هو من خالص حقه، ولكن لما كان يتصل به ضرر بالغير من الوجه الذي ذكر قال لايملك بدون رضاه كمن استأجر دابة لركوب أو ثوباً للبس لايملك أن يؤجره من غيره مع أنه يتصرف في ملكه إذ هو يملك المنفعة، لكن يتصل بهذا التصرف ضرر بملك الغير وهي العين؛ لأن الناس يتفاوتون في الركوب واللبس فكان لابد من رضا صاحب العين (١) . ونوقش أيضاً: بأن قولهم إن (الحضور والجواب مستحق عليه) إنَّما يكون في جانب المدعى عليه؛ لأنه هو الذي يلزم بالحضور أمَّا المدعي فلايلزم إحضاره، ولايُلْزَم بالجواب إذ لايجبر على الخصومة بخلاف المدعى عليه فإنه يجبر على الجواب. وأُجيب: بأن هذا يندفع بأن يقال إضافة إلى ما سبق في الاستدلال: إن توقع الضرر اللازم بالمرض والسفر من الموت وآفات التأخير أشد من الضرر اللازم بتفاوت الناس في الخصومة فيتحمل الأدنى دون الأعلى (٢) . أي أنه إنَّما لم نعتبر الرضا في حال المرض والسفر لكون الضرر الناتج عنهما أشد من الضرر الناتج عن تفاوت الناس في الخصومة، وبهذا يشمل الدليل المدعي والمدعى عليه. ٣ - أن الموكل إذا كان مريضاً أو مسافراً فهو عاجز عن الدعوى وعن الجواب بنفسه فلولم يملك النقل إلى غيره بالتوكيل لضاعت الحقوق وهلكت وهذا لايجوز (٣) . وأمَّا التقييد بثلاثة أيام فلأن ما دونها في حكم الحاضر (٤) .

стр. 6042

والمراد بالمريض هنا: المريض الذي لايقدر على المشي على قدميه إلى مجلس القاضي مدعياً كان أو مدعى عليه، وإن قدر على الحضور على ظهر دابة أو ظهر إنسان، فإن زاد مرضه بذلك صح توكيله، وإن لم يزد فقيل هو على الخلاف. لكن قال في البحر: والصحيح لزومه. وفي بعض كتب الحنفية: أن المريض الذي لايمنعه المرض من الحضور كالصحيح (١) . ثم بعد هذا اختلف فقهاء الحنفية في تفسير قول الإمام أبي حنيفة؛ لأنه مرة قال: لاتقبل، ومرة قال: لايصح، فلذلك اختلفوا هل رضا الخصم شرط لصحة الوكالة أو شرط للزومها على قولين: الأول: أنه شرط لزوم الوكالة - أي أن الوكالة بغير رضا الخصم صحيحة لكنها لاتلزم حتى لايلزم الخصم الحضور والجواب لخصومة الوكيل إلاَّ أن يكون الموكل مريضاً مرضاً لايُمكنه الحضور بنفسه مجلس الحكم، أو غائباً مسيرة سفر فحينئذٍ يلزمه. ولهذا قال صاحب الهداية (ولا خلاف في الجواز إنَّما الخلاف في اللزوم) (٢) . وقد سبق صاحبُ الهداية إلى هذا التعبير شمس الأئمة كما حكاه في فتح القدير فقال: (التوكيل بالخصومة عنده بغير رضا الخصم صحيح، ولكن للخصم أن يطلب الخصم أن يحضر بنفسه ويجيب) . وقال في فتح القدير: (ونحو هذا كلام كثير مِمَّا يفيد أنه المراد مِمَّا ذكروه، وسبب ذلك أنه لما لم يعرف لأحد القول بأنه إذا وكل فعلم خصمه فرضي لايكون رضاه كافياً في توجه خصومة الوكيل ولاتسمع حتى يجدد له وكالة أخرى على ما هو مقتضى الظواهر التي ساقها علموا أن المراد بلا تجوز إلاَّ برضاه أنها لاتمضى على الآخر وتلزم عليه إلاَّ أن يرضى) (٣) ، واختار ابن الهمام هذا التفسير في شرحه وصححه في الفتاوى الهندية ونقل تصحيح خزانة المفتين له (٤) .

стр. 6043

والثاني: أنه على ظاهره من نفي الصحة (١) ، لكن هذا خلاف قول الأكثر بل البعض يحكي الاتفاق على خلافه. تنبيه: من الأعذار التي تسقط رضا الخصم على قول أبي حنيفة ﵀: الحيض والنفاس إن كانت المدعية أو المدعى عليها امرأة، وكان القاضي يقضي في المسجد (٢) ، لكن إن كانت هي المدعية قبل منها التوكيل، وإن كانت مدعى عليها فإن أخرها المدعي حتى يخرج القاضي من المسجد لم يكن لها أن توكل، وإن لم يؤخرها قبل منها التوكيل (٣) .

стр. 6044

وأيضاً: المرأة المخدرة، أي: التي لم تجر عادتها بالبروز ومخالطة الرجال فلها أن توكل؛ لأنها لو حضرت لايمكنها أن تنطق بحقها لحيائها فيلزم توكيلها دفعاً للحرج. قال في البحر الرائق: (وهذا شيء استحسنه المتأخرون كذا في الهداية وظاهرة أن المخدرة لا نص فيها في المذهب، ولهذا قال في فتح القدير: أمَّا على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة فلا فرق بين البكر والثيب والمخدرة والبرزة والفتوى على ما اختاروه من ذلك) (١) . فهذه يلزم توكيلها؛ لأن في إلزامها بالجواب تضييع لحقها (٢) . واستثنوا أيضاً من كان محبوساً عند غير القاضي الذي تحاكما إليه كمن كان محبوساً عند الوالي ولايمكّنه الوالي من الخروج فيقبل منه التوكيل (٣) . واستثنوا أيضاً الحاضر الذي يريد السفر، إلاَّ أن القاضي لايصدقه في دعواه بإرادة السفر فينظر إلى زيه وعدة سفره ويسأله مع من يريد أن يخرج فيسأل رفقاءه عن ذلك (٤) . ووجه استثنائه: أن توكيله لولم يلزم للحقة الحرج بالانقطاع عن مصالحه. القول الثاني: أن القاضي إذا علم من المدعي التعنت في إباء الوكيل فلايُمكنه من ذلك ويقبل التوكيل من الخصم، وإذا علم من الموكل القصد إلى الإضرار بالمدعى في التوكيل لايقبل ذلك منه إلاَّ برضا الخصم، وبهذا قال شمس الأئمة السرخسي صاحب المبسوط (٥) . أي أنه كان يفتي بقول الإمام في حال وبقول الصاحبين الآتي في حال (٦) . ووجهه: أن في ذلك دفعاً للضرر من الجانبين (٧) .

стр. 6045

القول الثالث: يصح التوكيل من الحاضر من غير رضا الخصم ويلزم، وهذا قول الجمهور من المالكية (١) ، والشافعية (٢) ، والحنابلة (٣) ، وأبي يوسف، ومحمد من الحنفية، وبه كان يفتي الفقيه أبو الليث (٤) ، وأبو القاسم الصفار (٥) (٦) . واستدلوا بما يلي:

стр. 6046

١ - ما روي عن النبي ﷺ أنه سمع دعوى حويصة (١) ومحيصة (٢) على يهود خيبر أنهم قتلوا عبد الله بن سهل، وذلك نيابة عن عبد الرحمن بن سهل (٣) ، ووليه حاضر فما أنكر دعواهم له مع حضوره فلو كانت وكالة الحاضر غير جائزة لأنكرها حتى يبتدئ الولي بها ألا ترى أنه أنكر على محيصة حين ابتدأ بالكلام قبل حويصة وقال له: ((كبر كبر)) ، وليس تقديم الأكبر بواجب وإنَّما هو أدب فكيف يكف عن إنكار ما هو واجب (٤) . ويُمكن أن يناقش: بأنه يحتمل أن سماعه من غير الولي لكون الولي لم يكن متأهلاً للدعوى فأقام الحاكم قريبه مقامه في الدعوى وإمَّا لغير ذلك (٥) .

стр. 6047

وقال النووي في شرح مسلم: (واعلم أن حقيقة الدعوى إنَّما هي لأخيه عبد الرحمن لا حق فيها لابني عمه، وإنَّما أمر النبي ﷺ أن يتكلم الأكبر وهو حويصة؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى بل سماع صورة القصة وكيف جرت فإذا أراد حقيقة الدعوى تكلم صاحبها ويحتمل أن عبد الرحمن وكَّل حويصة في الدعوى ومساعدته أو أمر بتوكيله) (١) . إذن لايصلح دليلاً على أن رضا الخصم غير معتبر في الوكالة؛ لأن ما في الحديث يحتمل الوكالة ويحتمل غيرها ومع الاحتمال لايصح الاستدلال، والله أعلم. ٢ - إجماع الصحابة ﵃ فإن علياً وكل عقيلاً عند أبي بكر ﵁ وقال: ما قضي له فلي، وما قضي عليه فعلي، ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان وقال: إن للخصومة قُحَماً، وإن الشيطان ليحضرها ... ) قال في المغني: ومثل هذه القصص انتشرت لأنها في مظنة الانتشار فلم ينقل إنكارها (٢) . وفي الحاوي: أن علياً كان حاضراً فكان ذلك منهم إجماعاً على وكالة الحاضر (٣) . أقول أيضاً لم ينقل أنّ علياً ﵁ طلب موافقة أو رضا خصمه بالتوكيل فدل على أن الوكالة من الحاضر لايعتبر لها رضا الخصم. ويُمكن أن يناقش بما ذكره في البدائع أن علياً ﵁ لم يكن ممن لايرضى أحد بتوكيله (٤) . ويجاب عنه: بأن رضا الخصم لو كان شرطاً لطلبه علي ﵁، ولقال خصمه: لم يكن التوكيل برضاي إذ الحالة حالة خصومة ومنازعة، والله أعلم. ٣ - أن التوكيل بالخصومة صادف حق الموكّل فلايقف على رضا الخصم كالتوكيل في استيفاء الدين.

стр. 6048

والدليل على أنه صادف حقهما أن الدعوى حق المدعي والإنكار حق المدعى عليه فقد صادف التوكيل من المدعي والمدعى عليه حق نفسيهما فلايقف على رضا خصمه كما لو كان خاصمه بنفسه (١) . ونوقش: بعدم التسليم أنه تصرف في خالص حقه، ذلك أن الجواب مستحق على الخصم، ولهذا يستحضره في مجلس القاضي والمستحق للغير لايكون خالصاً له. ولو سلم خلوصه له لكن تصرف الإنسان في خالص حقه إنَّما يصح إذا لم يتضرر به غيره، وههنا ليس كذلك؛ لأن الناس يتفاوتون في الخصومة فعلى القول بلزوم الوكالة من غير رضاه يتضرر بالتوكيل فتوقف على رضاه (٢) . ٤ - أن الخصومة حق تجوز النيابة فيه فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضا خصمه كحال غيبته ومرضه، وكدفع المال الذي عليه (٣) . تنبيه: فقهاء المالكية لم يعتبروا رضا الخصم إذا وكل في ابتداء الدعوى، أمَّا إذا خاصم الرجل عن نفسه، وقعد مع خصمه ثلاثة مجالس اتفاقاً أو اثنين على المشهور فليس له بعد ذلك أن يوكل إلاَّ برضا خصمه إلاَّ أن يكون له عذر من مرض أو سفر ويُعْرَفُ ذلك، ولايمنع من السفر إذا أراده لكن يحلف أنه لم يسافر من أجل أن يوكل، قاله ابن العطار (٤) ، وقال ابن الفخار (٥) : لايحلف.

стр. 6049

ومن العذر كذلك أن يشاتمه خصمه ويحرجه فيحلف أن لايخاصمه بنفسه، فإن حلف لايخاصمه من غير عذر لم يكن له أن يوكل إلاَّ برضا خصمه (١) . وقال ابن عبد البر: ((وإذا شرع المتخاصمان في المناظرة بين يدي الحاكم لم يكن لأحدهما أن يوكل؛ لأن ذلك عند مالك ضرب من اللدد إلاَّ أن يخاف من خصمه استطالة بسبب أو نحوه)) (٢) . فيحتمل أن يكون ما ذكره ابن عبد البر قولاً آخر أنه يمنع من حين الشروع، ويحتمل أن ما ذكروه تفسيراً له فلايكون خلافاً. وعلى أي حال فالمعتمد في المذهب ما ذكروه. ووجهه: أن في التوكيل حينئذٍ إعنات وشر ولايجوز إدخال الإعنات والشر على المسلمين. وتوضيح ذلك: أنّ من شأن انعقاد الثلاثة المجالس بينهما أن يظهر الحق فالتوكيل حينئذٍ يوجب تجديد المنازعة وكثرة الشر (٣) . ولم يفرق غيرهم بين التوكيل في ابتداء الدعوى أو بعد مجالسة الخصم مجلسين أو ثلاثة؛ لأن الحاجة كما تدعو إلى التوكيل في ابتداء الدعوى تدعوا إلى التوكيل في أثنائها. والراجح في نظري هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم اعتبار رضا الخصم لجواز وكالة الحاضر ولزومها، وذلك لأن الدعوى والجواب عنها حق للمدعي والمدعى عليه فلكل منهما أن يباشر هذا الحق بنفسه، وله أن يقيم غيره مقامه كسائر حقوقه التي تدخلها النيابة وسواء كان ذلك في ابتداء الدعوى أو في أثنائها إذ قد يحتاج إلى ذلك، والضرر المتحقق يمنع منه. المطلب الثالث: التوكيل من جانب المدّعى عليه بعد أن عرفنا في المطالب السابقة حكم التوكيل من جانب المدعي بقي أن نتكلم عن التوكيل من جانب المدعى عليه.

стр. 6050

وقد أجاز الجمهور من الفقهاء للمدعى عليه ولو كان بما يوجب حداً أو قصاصاً أن يوكل، وهذا قول الحنفية حتى قالوا: إن كلام أبي حنيفة ﵀ في هذا أظهر (١) ، وبه قال المالكية (٢) في القول المشهور والشافعية (٣) والحنابلة (٤) . ووجه هذا القول: أن الحاجة تدعو إلى التوكيل من جانب المدعى عليه كالمدعي. وخالف في هذا سحنون (٥) من المالكية فكان لايقبل من المدعى عليه وكيلاً إلاَّ أن يكون امرأة لايخرج مثلها، أو مريداً سفراً، أو مريضاً، أو كان في شغل الأمير، أو على خطة لايستطيع مفارقتها ونحو ذلك من الأعذار.

стр. 6051

جاء في التبصرة قوله، قال ابن سهل (١) وغيره: والذي جرى به العمل أن التوكيل جائز لمن شاء من طالب أو مطلوب، وكان سحنون لايبيح للمطلوب أن يوكل إلاَّ لعذر كمرض، أو امرأة محجوبة أو رجل واقف في باب الحاكم، كالحجاب ونحوه، ويرى أن ذلك من باب الضرورة، وأمَّا من سائر الجبابرة فلا (٢) . والراجح والله أعلم هو جوازه منهما معاً للحاجة إلى ذلك. المبحث الثاني: ثبوت الوكالة لا نزاع بين الفقهاء ﵏ في اشتراط ثبوت الوكالة بالخصومة في الجملة، فمن ادّعى أنه وكيل فلان فلابد من إثبات الوكالة (٣) . ثم بعد ذلك اختلفوا في مسائل: الأولى: في اشتراط حضور الخصم لسماع البينة بالوكالة إذا كان التوكيل في مجلس القاضي. الثانية: إثبات وكالة الغائب. الثالثة: اشتراط ثبوت الوكالة قبل سماع الدعوى بالحق. الرابعة: وسائل إثبات الوكالة. وسوف يكون الكلام على هذه المسائل في أربعة مطالب: المطلب الأول: في اشتراط حضور الخصم لسماع البينة بالوكالة إذا كان التوكيل في مجلس القاضي (وكالة الحاضر) . وفيه فرعان: الفرع الأول: حكم إحضار شاهدين عند توكيله عند القاضي. اختلف الفقهاء ﵏ في إحضار شاهدين عند توكيله عند القاضي على قولين:

стр. 6052

القول الأول: لايلزم إحضار شاهدين، وهذا قول الحنفية (١) ، وقول عند الشافعية مبني على القول بجواز قضاء القاضي بعلمه هكذا خرجه ابن القاص (٢) على مذهب الشافعية (٣) . القول الثاني: يلزم إحضار شاهدين، وهو قول آخر عند الشافعية مخرج على القول بعدم جواز قضاء القاضي بعلم نفسه (٤) ، وهو المفهوم من كلام الإقناع، وهو مبني أيضاً على مسألة عدم جواز قضاء القاضي بعلمه كما هو ظاهر المذهب. ففي الإقناع قوله: وإذا حضر رجلان عند الحاكم فأقر أحدهما أن الآخر وكله ولم يسمعه شاهدان مع الحاكم ثم غاب الموكِّل وحضر الوكيل فقدم خصماً لموكِّله وقال: أنا وكيل فلان فأنكر الخصم كونه وكيلاً لم تسمع دعواه حتى تقوم البينة بوكالته؛ لأن الحاكم لايحكم بعلمه) (٥) . وبناه على القولين في حكم قضاء القاضي بعلمه أيضاً صاحب المغني (٦) . الفرع الثاني: إثبات وكالة الحاضر: وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إثبات الحاضر وكالته عند القاضي وهو يعرفه: إذا حضر عند القاضي رجلٌ يعرفه وأراد أن يثبت وكالته عند القاضي، فإن القاضي يسمع منه ذلك ويثبت وكالته وإن لم يكن معه خصم إذا عرف الموكِّل، وبهذا قال الإمامان أبو حنيفة (٧) والشافعي (٨) .

стр. 6053

ووجهه: أن هذا ليس فيه أكثر من إقامة الموكّل الوكيل مقام نفسه وللموكل أن يفعل ذلك (١) . وفي هذه الحالة إذا غاب الموكِّل فللقاضي أن يسمع من الوكيل الدعوى ولا حاجة إلى إقامة البينة على الوكالة (٢) ؛ لأن الوكالة هنا ثبتت بإقراره. والذي يفهم من كلام المالكية في قضية إقرار الخصم في مجلس الحكم أنه لابد من إقامة شاهدين على إقراره (٣) ، فيمكن أن يتخرج في مسألتنا كذلك مثل ذلك، إذ المعنى فيهما واحد هذا مع قولهم بأن القاضي لايقضي بعلمه إلاَّ في التعديل والجرح (٤) . وكذلك يفهم من قول الحنابلة أن القاضي لايقضي بعلمه أنه لابد من الإشهاد (٥) على وكالته، والله أعلم. والذي يظهر لي أنه لابد من الإشهاد على وكالته لما يأتي بعد هذا من الأدلة الدالة على أن القاضي لايقضي بعلمه؛ ولأنه رُبَّمَا أنكر الوكالة حين يرى أن الحق قد لزمه، فيحتاج إلى إثبات وكالته ولايتم ذلك إلاَّ بإقامة البينة، والله أعلم. المسألة الثانية: إثبات الحاضر وكالته عند القاضي والقاضي لايعرفه: إذا حضر عند القاضي رجل وأراد أن يوكل رجلاً ويثبت عنده وكالته والقاضي لايعرفه فقد اختلف الفقهاء ﵏ على قولين: القول الأول: أن القاضي إذا لم يعرف الموكِّل اسماً ونسباً فلايحكم بوكالته، وهذا قول الإمام أبي حنيفة (٦) .

стр. 6054

ووجهه: أن القاضي إذا لم يعرف اسم الموكِّل ونسبه فيمكن أن يأتي شخص ويتسمى باسم صاحب الحق ونسبه ويوكّل عند القاضي فإذا غاب الموكِّل المسمى باسم غيره حضر الوكيل وأخذ الحق لمن تسمى باسم صاحب الحق، وهذا تزوير يفضي إلى إبطال حقوق الناس، وهذا التزوير، وهذه الحيلة لايقدر عليها إذا كان القاضي يعرف الموكّل اسماً ونسباً (١) . القول الثاني: أن القاضي يسمع ذلك ويثبت توكيله، وبه قال ابن أبي ليلى (٢) . وبنى فقهاء الحنابلة المسألة على حكم القاضي بعلمه فعلى القول بأنه يحكم بعلمه، وكان يعرف الموكل باسمه وعينه ونسبه صدقه ومكنه من التصرف؛ لأن معرفته كالبينة ومفهومه أنه لو لم يكن يعرف ذلك لم يصدقه، ولذلك قال في المغني، وإن عرفه بعينه دون اسمه ونسبه لم يقبل قوله حتى تقوم البينة بالوكالة؛ لأنه يريد تثبيت نسبه عنده بقوله فلم يقبل) (٣) اهـ. فيكون الحنابلة في هذا موافقين لقول الإمام أبي حنيفة ﵀. وعلى القول بأنه لايقضي بعلمه لايسمع دعواه حتى تقوم البينة بوكالته (٤) ، فيكون هذا قولاً ثالثاً في المسألة. وظاهر المذهب أن القاضي لايقضي بعلمه في حد ولا غيره، ولا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها (٥) ، فيكون المعتمد في المذهب على هذا هو القول الثاني أنه لايسمع دعواه حتى تقوم البينة بالوكالة. والدليل على أنه لايقضي بعلمه ما يلي:

стр. 6055

١ - قول النبي ﷺ : ((إنَّما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه)) (١) . ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ذكر أنه لايقضي إلاَّ بما يسمع لا بما يعلم. ٢ - قوله ﵊ في قضية الحضرمي والكندي: ((شاهداك أو يمينه ليس لك منه إلاَّ ذلك)) (٢) . ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يحكم بعلمه، وإنَّما جعل الحكم مبنياً على أسبابه الظاهرة من الشاهدين أو يمين المدعى عليه. ٣ - ما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث أبا جهم على الصدقة فلاحاه رجل على فريضة، فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي ﷺ – فأعطاهم الأرش، ثم قال: ((إني خاطب الناس، ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم)) ؟ قالوا: نعم، فصعد النبي ﷺ المنبر فخطب، وذكر القصة، وقال: ((أرضيتم؟)) قالوا: لا. فهمّ بهم المهاجرون، فنزل النبي ﷺ – فأعطاهم، ثم صعد فخطب الناس ثم قال: أرضيتم؟ قالوا: نعم)) (٣) . ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يأخذ بعلمه في هذه القصة.

стр. 6056

٤ - روى عن أبي بكر ﵁ أنه قال: لو رأيت حدّاً على رجل لم أحُدّه حتى تقوم البينة (١) . ٥ - ولأن تجويز القضاء بعلم القاضي يفضي إلى تهمته والحكم بما اشتهى ويحيله على علمه (٢) . والراجح في نظري أنه لابد من إقامة البينة على الوكالة، وأن يشهد الشهود أن الموكل فلان ابن فلان يذكرون اسمه ونسبه للمعنى الذي ذكره الإمام أبو حنيفة ﵀ من أنه يُمكن أن يتسمى شخص باسم صاحب الحق ويوكل في المطالبة به، وهو في الحقيقة ليس المستحق وإنَّما من باب التزوير فيفضي ذلك إلى أخذ حقوق الآخرين بهذه الطريقة لاسيما مع فساد الزمان ووجود من لايتورع عن التزوير وأخذ حقوق الآخرين، والله أعلم. المطلب الثاني: إثبات وكالة الغائب وصورة ذلك: أن يدعي رجل أن رجلاً وكله ليطالب بحقه وحضر عند القاضي وجاء بالبينة على الوكالة والموكِّل غائب، فإن كان الخصم حاضراً فلا نزاع بينهم أن بينة الوكيل بالوكالة تسمع ويحكم بإثبات وكالته. وإن كان الخصم غائباً فقد اختلف العلماء ﵏ هل يشترط حضور الخصم في إثبات الوكالة بالخصومة أم لا؟ ، على قولين: القول الأول: أنه لايقبل من الوكيل شهادة على الوكالة إلاَّ ومعه خصم حاضر، وهذا قول الحنفية (٣) ، وهو قول عند الشافعية، قال به القاضي حسين (٤)

стр. 6057

ووجهه: أن الدعوى والإنكار شرط قبول البينة فكما أن انعدام الدعوى يمنع قبول البينة فكذلك انعدام الإنكار، ولايتحقق ذلك - أي الإنكار - إلاَّ من خصم حاضر أشبه القضاء على الغائب (١) . ونوقش: بعدم التسليم بأنه قضاء على غائب، ذلك أن الوكالة حق للموكل وعليه، وليس للخصم فيها حق ولا عليه فيها حق، بدليل أنه لايثبت له بحضور الوكالة حق، ولايثبت عليه حق (٢) . ورُدَّ: بأن البينة إنَّما سميت بذلك لكونها مبنية في حق المنكر، وذلك لايتحقق إلاَّ بمحضر من الخصم (٣) ، ومع هذا فقد قال الحنفية: إذا قبل القاضي البينة بغير خصم حاضر، وقضى بها جاز قضاؤه؛ لأنه قضى في فصل مختلف فيه فيكون القاضي قد أمضى فصلاً مجتهداً فيه باجتهاده فلهذا لايفسد قضاؤه (٤) . القول الثاني: أن البينة على الوكالة في الخصومة تقبل من غير حضور الخصم، وبهذا قال المالكية (٥) ، والأصح عند الشافعية (٦) ، والحنابلة (٧) ، وابن أبي ليلى (٨) . واستدلوا بما يلي: ١ - خبر علي ﵁ فقد وكل عقيلاً وعبد الله بن جعفر ولم يكن عند توكيله إياهما خصم، وهذه حالة مشهورة في الصحابة وكل أقر عليها ولم يخالف فيها (٩) . ٢ - أنه موكّل في حق نفسه فلم يعتبر حضور الخصم كالوكالة في استخراج الديون. ٣ - ولأنه توكيل فوجب أن يتم بالموكل والوكيل كالتوكيل في العقود. ٤ - ولأن ما تنعقد به الوكالة في العقود تنعقد به في مطالبة الخصوم كوكالة المريض والمسافر. ٥ - ولأنه توكيل لم يشترط فيه رضا الخصم فلايشترط فيه حضوره، وأصله إذا أقر بالوكالة أو وكل عند حاكم.

стр. 6058

٦ - ولأنه مستعان به في الخصومة فلم يشترط فيه حضور الخصم كإشهاد الشهود (١) . ٧ - ولأنه لايعتبر رضا الخصم في سماع البينة فلايعتبر حضوره كغيره (٢) . والقول الثاني في نظري هو الراجح إن شاء الله؛ لأن ما استدلوا به من الأقيسة صحيح وليس هناك ما يدفعه، وأمَّا استدلال الحنفية فمع أنهم أجابوا عن الاعتراض الوارد على حجتهم لكن يبقى قضية الحكم على الغائب لو سلم الدليل فهو محل نزاع، ولايصح القياس على أمر مختلف فيه، والله أعلم. المطلب الثالث: اشتراط ثبوت الوكالة قبل سماع الدعوى بالحق اختلف العلماء ﵏ هل يشترط لسماع الدعوى بالحق من الوكيل ثبوت الوكالة أو لا؟ أم يُمكن أن تسمع بينة الوكالة وبينة الحق معاً على قولين: القول الأول: لاتسمع دعوى الحق من الوكيل قبل أن يثبت الوكالة وهو القياس عند الحنفية، وبه قال زفر، وخرجه البعض على قول الإمام أبي حنيفة (٣) . قال الخصاف (٤) في أدب القاضي: (على قول أبي حنيفة لايقبل حتى تثبت الوكالة أولاً) . وقال أيضاً: وهذا أقيس على أصولهم؛ لأن ههنا خصومتين أحدهما: إثبات الوكالة، والثانية: إثبات المال والخصومة، وإثبات المال مرتب على الوكالة. وبهذا أيضاً قال المالكية (٥) والحنابلة (٦) . ووجهه:

стр. 6059

١ - أنه ما لم تقم البينة على كونه خصماً لاتقبل بينته على إثبات المال كما لاتقبل بينة ممن ليس بخصم على إثبات شيء للمعين (١) . ٢ - أن الدعوى لاتسمع إلاَّ من خصم يخاصم عن نفسه أو عن موكله، وهذا - الذي لم تثبت وكالته - لايخاصم عن نفسه، ولم يثبت كونه وكيلاً لمن يدعي له، فلاتسمع دعواه كما لو ادّعى لمن لم يدّع وكالته (٢) . ٣ - القياس على من اشترى معيباً وأراد ردّه بذلك العيب فإن خصومته في الرد لاتقبل حتى يثبت العيب (٣) . القول الثاني: أن الشهادة تقبل على الأمرين جميعاً أي تسمع بينة الوكالة وتسمع الشهادة على الحق ويقضى به وينفذ الجميع، وهذا قول أبي يوسف (٤) استحساناً. وقاله ابن سريج (٥) تخريجاً على مذهب الشافعي (٦) . والقول الأول هو الراجح في نظري؛ لأن جواز المخاصمة عن الغير فرع عن ثبوت الوكالة فما لم تثبت الوكالة فليس له الحق أن يخاصم عن غيره، والله أعلم. المطلب الرابع: وسائل إثبات الوكالة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إثبات الوكالة بالبينة: بعد أن عرفنا أنه لابد من إثبات الوكالة فطريق ثبوتها محل نزاع بين أهل العلم، وفيما يلي تفصيل أقوالهم في هذه المسألة:

стр. 6060

القول الأول: أنها تثبت بشاهد وامرأتين، أو شاهد ويمين إذا كانت الوكالة في مال، وهو رواية عن أحمد ﵀ فإنه قال في الرجل يوكِّل وكيلاً، ويشهد على نفسه رجلاً وامرأتين: إذا كانت المطالبة بدين، فأمَّا غير ذلك فلا (١) ووجهه: أن الوكالة في المال يقصد بها المال فتقبل شهادة النساء مع الرجال كالبيع والقرض وكالحوالة (٢) . القول الثاني: أنها لاتثبت إلاَّ بشاهدين ذكرين عدلين، وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد نقلها الخرقي (٣) ، وقال في المغني: الثاني: (ما ليس بعقوبة كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتاق، والإيلاء، والظهار، والنسب، والتوكيل، والوصية إليه والولاء والكتابة وأشباه هذا، فقال القاضي المعول عليه في المذهب أن هذا لايثبت إلاَّ بشاهدين ذكرين، ولاتقبل فيها شهادة النساء بحال) (٤) . وبهذا قال الشافعي أيضاً (٥) . واستدلوا بما يلي:
следующие страницы →