← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

٤ - روى عن أبي بكر ﵁ أنه قال: لو رأيت حدّاً على رجل لم أحُدّه حتى تقوم البينة (١) . ٥ - ولأن تجويز القضاء بعلم القاضي يفضي إلى تهمته والحكم بما اشتهى ويحيله على علمه (٢) . والراجح في نظري أنه لابد من إقامة البينة على الوكالة، وأن يشهد الشهود أن الموكل فلان ابن فلان يذكرون اسمه ونسبه للمعنى الذي ذكره الإمام أبو حنيفة ﵀ من أنه يُمكن أن يتسمى شخص باسم صاحب الحق ويوكل في المطالبة به، وهو في الحقيقة ليس المستحق وإنَّما من باب التزوير فيفضي ذلك إلى أخذ حقوق الآخرين بهذه الطريقة لاسيما مع فساد الزمان ووجود من لايتورع عن التزوير وأخذ حقوق الآخرين، والله أعلم. المطلب الثاني: إثبات وكالة الغائب وصورة ذلك: أن يدعي رجل أن رجلاً وكله ليطالب بحقه وحضر عند القاضي وجاء بالبينة على الوكالة والموكِّل غائب، فإن كان الخصم حاضراً فلا نزاع بينهم أن بينة الوكيل بالوكالة تسمع ويحكم بإثبات وكالته. وإن كان الخصم غائباً فقد اختلف العلماء ﵏ هل يشترط حضور الخصم في إثبات الوكالة بالخصومة أم لا؟ ، على قولين: القول الأول: أنه لايقبل من الوكيل شهادة على الوكالة إلاَّ ومعه خصم حاضر، وهذا قول الحنفية (٣) ، وهو قول عند الشافعية، قال به القاضي حسين (٤)

стр. 6057

ووجهه: أن الدعوى والإنكار شرط قبول البينة فكما أن انعدام الدعوى يمنع قبول البينة فكذلك انعدام الإنكار، ولايتحقق ذلك - أي الإنكار - إلاَّ من خصم حاضر أشبه القضاء على الغائب (١) . ونوقش: بعدم التسليم بأنه قضاء على غائب، ذلك أن الوكالة حق للموكل وعليه، وليس للخصم فيها حق ولا عليه فيها حق، بدليل أنه لايثبت له بحضور الوكالة حق، ولايثبت عليه حق (٢) . ورُدَّ: بأن البينة إنَّما سميت بذلك لكونها مبنية في حق المنكر، وذلك لايتحقق إلاَّ بمحضر من الخصم (٣) ، ومع هذا فقد قال الحنفية: إذا قبل القاضي البينة بغير خصم حاضر، وقضى بها جاز قضاؤه؛ لأنه قضى في فصل مختلف فيه فيكون القاضي قد أمضى فصلاً مجتهداً فيه باجتهاده فلهذا لايفسد قضاؤه (٤) . القول الثاني: أن البينة على الوكالة في الخصومة تقبل من غير حضور الخصم، وبهذا قال المالكية (٥) ، والأصح عند الشافعية (٦) ، والحنابلة (٧) ، وابن أبي ليلى (٨) . واستدلوا بما يلي: ١ - خبر علي ﵁ فقد وكل عقيلاً وعبد الله بن جعفر ولم يكن عند توكيله إياهما خصم، وهذه حالة مشهورة في الصحابة وكل أقر عليها ولم يخالف فيها (٩) . ٢ - أنه موكّل في حق نفسه فلم يعتبر حضور الخصم كالوكالة في استخراج الديون. ٣ - ولأنه توكيل فوجب أن يتم بالموكل والوكيل كالتوكيل في العقود. ٤ - ولأن ما تنعقد به الوكالة في العقود تنعقد به في مطالبة الخصوم كوكالة المريض والمسافر. ٥ - ولأنه توكيل لم يشترط فيه رضا الخصم فلايشترط فيه حضوره، وأصله إذا أقر بالوكالة أو وكل عند حاكم.

стр. 6058

٦ - ولأنه مستعان به في الخصومة فلم يشترط فيه حضور الخصم كإشهاد الشهود (١) . ٧ - ولأنه لايعتبر رضا الخصم في سماع البينة فلايعتبر حضوره كغيره (٢) . والقول الثاني في نظري هو الراجح إن شاء الله؛ لأن ما استدلوا به من الأقيسة صحيح وليس هناك ما يدفعه، وأمَّا استدلال الحنفية فمع أنهم أجابوا عن الاعتراض الوارد على حجتهم لكن يبقى قضية الحكم على الغائب لو سلم الدليل فهو محل نزاع، ولايصح القياس على أمر مختلف فيه، والله أعلم. المطلب الثالث: اشتراط ثبوت الوكالة قبل سماع الدعوى بالحق اختلف العلماء ﵏ هل يشترط لسماع الدعوى بالحق من الوكيل ثبوت الوكالة أو لا؟ أم يُمكن أن تسمع بينة الوكالة وبينة الحق معاً على قولين: القول الأول: لاتسمع دعوى الحق من الوكيل قبل أن يثبت الوكالة وهو القياس عند الحنفية، وبه قال زفر، وخرجه البعض على قول الإمام أبي حنيفة (٣) . قال الخصاف (٤) في أدب القاضي: (على قول أبي حنيفة لايقبل حتى تثبت الوكالة أولاً) . وقال أيضاً: وهذا أقيس على أصولهم؛ لأن ههنا خصومتين أحدهما: إثبات الوكالة، والثانية: إثبات المال والخصومة، وإثبات المال مرتب على الوكالة. وبهذا أيضاً قال المالكية (٥) والحنابلة (٦) . ووجهه:

стр. 6059

١ - أنه ما لم تقم البينة على كونه خصماً لاتقبل بينته على إثبات المال كما لاتقبل بينة ممن ليس بخصم على إثبات شيء للمعين (١) . ٢ - أن الدعوى لاتسمع إلاَّ من خصم يخاصم عن نفسه أو عن موكله، وهذا - الذي لم تثبت وكالته - لايخاصم عن نفسه، ولم يثبت كونه وكيلاً لمن يدعي له، فلاتسمع دعواه كما لو ادّعى لمن لم يدّع وكالته (٢) . ٣ - القياس على من اشترى معيباً وأراد ردّه بذلك العيب فإن خصومته في الرد لاتقبل حتى يثبت العيب (٣) . القول الثاني: أن الشهادة تقبل على الأمرين جميعاً أي تسمع بينة الوكالة وتسمع الشهادة على الحق ويقضى به وينفذ الجميع، وهذا قول أبي يوسف (٤) استحساناً. وقاله ابن سريج (٥) تخريجاً على مذهب الشافعي (٦) . والقول الأول هو الراجح في نظري؛ لأن جواز المخاصمة عن الغير فرع عن ثبوت الوكالة فما لم تثبت الوكالة فليس له الحق أن يخاصم عن غيره، والله أعلم. المطلب الرابع: وسائل إثبات الوكالة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إثبات الوكالة بالبينة: بعد أن عرفنا أنه لابد من إثبات الوكالة فطريق ثبوتها محل نزاع بين أهل العلم، وفيما يلي تفصيل أقوالهم في هذه المسألة:

стр. 6060

القول الأول: أنها تثبت بشاهد وامرأتين، أو شاهد ويمين إذا كانت الوكالة في مال، وهو رواية عن أحمد ﵀ فإنه قال في الرجل يوكِّل وكيلاً، ويشهد على نفسه رجلاً وامرأتين: إذا كانت المطالبة بدين، فأمَّا غير ذلك فلا (١) ووجهه: أن الوكالة في المال يقصد بها المال فتقبل شهادة النساء مع الرجال كالبيع والقرض وكالحوالة (٢) . القول الثاني: أنها لاتثبت إلاَّ بشاهدين ذكرين عدلين، وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد نقلها الخرقي (٣) ، وقال في المغني: الثاني: (ما ليس بعقوبة كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتاق، والإيلاء، والظهار، والنسب، والتوكيل، والوصية إليه والولاء والكتابة وأشباه هذا، فقال القاضي المعول عليه في المذهب أن هذا لايثبت إلاَّ بشاهدين ذكرين، ولاتقبل فيها شهادة النساء بحال) (٤) . وبهذا قال الشافعي أيضاً (٥) . واستدلوا بما يلي:

стр. 6061

١ - أن الله تعالى نص في الشهادة فيما سوى الأموال على الرجال دون النساء في ثلاثة مواضع في الطلاق والرجعة والوصية، فقال تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنكُمْ ((١) ، وقال في الوصية: (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ ((٢) فنص على شهادة الرجال فلم يجز أن يقبل فيه شهادة النساء كالزنا. ٢ - روى مالك عن عقيل عن ابن شهاب قال: مضت السنة من رسول الله ﷺ أنه لايجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق (٣) . قال في الحاوي: وهذا وإن كان مرسلاً فهو لازم لهم؛ لأن المراسيل حجة عندهم - يعني أبا حنيفة وأصحابه -. ٣ - أن ما لايقصد منه المال إذا لم يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد لايقبلن فيه مع الرجال كالقصاص (٤) . واعترض بأن الوكالة يتعلق بها المال، فلماذا لايجوز إثباتها بشاهد وامرأتين. وأُجيب: بأنه ليس في عقد الوكالة مال وإن أريد بها التصرف في المال، وإنَّما هي تولية أقيم الرجل فيها مقام غيره ثم إن الحقوق على ضربين حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين، فلما وقع الفرق في حقوق الله بين أعلاها وأدناها في العدد فأعلاها الزنا وأدناها الخمر، وجب أن يقع الفرق في حقوق الآدميين بين أعلاها وأدناها في الجنس فأعلاها حقوق الأبدان وأدناها حقوق الأموال (٥) . ٤ - أن الوكالة إثبات التصرف (٦) .

стр. 6062

٥ - أن الوكالة في نفسها ولاية وسلطنة ومن ادّعاها فإنَّما يدعي ويثبت قولاً للغير لا مال (١) . وعلى هذا فلايقبل شهادة رجل ويمين المدعي؛ لأنه إذا لم تثبت بشهادة رجل وامرأتين فلئلا يثبت بشهادة واحد ويمين أولى، وعلى الأول يقبل فيه شهادة رجل ويمين المدعي، وهما روايتان مخرجتان (٢) . القول الثالث: أن الوكالة تثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتان سواء كان الحق مالاً أو غير مال، وهذا قول الحنفية (٣) . واستدلوا بما يلي: ١ - قوله تعالى في باب المداينات: (فَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضُونَ مِنَ الشُّهَدَاء ((٤) . ووجه الاستدلال: أن الله جعل لرجل وامرأتين شهادة على الإطلاق؛ لأنه جعلهم من الشهداء، والشاهد المطلق من له شهادة على الإطلاق، فاقتضى أن يكون لهم شهادة في سائر الأحكام إلاَّ ما قيد بدليل (٥) . ونوقش: بأن الآية نص في الأموال فلايصح استعمال العموم فيها (٦) . ٢ - ولأن عمر ﵁ أجاز شهادة النساء مع الرجال في النكاح والفرقة ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد من الصحابة فيكون إجماعاً (٧) . ويقاس على ذلك سائر الحقوق.

стр. 6063

ويُمكن أن يناقش بأنه قد روى أيضاً عن عمر ﵁ أنه لاتجوز شهادة النساء في الطلاق والنكاح والحدود والدماء (١) . ٣ - ولأن شهادة رجل وامرأتين في إظهار المشهود به مثل شهادة رجلين؛ لرجحان جانب الصدق فيها على جانب الكذب بالعدالة، إلاَّ أنها لم تجعل حجة فيما يدرأ بالشبهات لنوع قصور وشبهة فيها بخلاف الشهادة على الوكالة ونحوها من الحقوق فهي تثبت بدليل فيه شبهة كالأموال (٢) . ويُمكن مناقشته بأن الأولى قياس الوكالة على سائر الحقوق التي يطلع عليها الرجال وليست بمال. القول الرابع: إن كانت الوكالة بغير المال فلاتثبت إلاَّ بشاهدي عدل، وهذا قول المالكية، وهذا موضع اتفاق بينهم (٣) ، واختلفوا إن كانت الوكالة بطلب مال في وسيلة إثباتها، فقال مالك وابن القاسم وابن وهب: يجوز فيها شاهد وامرأتان وشهرة ابن الحاجب، وقال أشهب وعبد الملك: لايقبل فيها إلاَّ رجلان (٤) . ودليل الأول: أنها شهادة على مقصود به المال كالشهادة على البيع والإجارة. ووجه الثاني: أن الشاهد واليمين لايقبل فيهما فكذلك الرجل والمرأتان؛ لأن أحدهما لايقبل إلاَّ حيث يقبل الآخر (٥) . أمَّا الشاهد واليمين فحكى ابن رشد (٦) الاتفاق على أنه لايجوز في إثبات الوكالة.

стр. 6064

لكن ذكر الحطاب (١) أن فيها خلافاً نقله اللخمي (٢) والمازري (٣) . والمشهور أنه لايقضى بهما. ونقل الحطاب عن المازري: أن معروف المذهب أن الشاهد واليمين لايقضى به في الوكالة لكن منع القضاء بها ليس من ناحية قصور هذه الشهادة في القضاء بها في الوكالة بل لأن اليمين مع الشاهد فيها متعذرة؛ لأن اليمين لايحلفها إلاَّ من له نفع والوكيل لا نفع له فيها. قال: وإن كان وقع في المذهب أن الوكيل يحلف مع شاهده بالوكالة وقبض الحق فتأول الأشياخ هذه الرواية على أن المراد بها وكالة بأجرة يأخذها الوكيل أو يقبض المال لمنفعة له فيها (٤) .

стр. 6065

والذي ذكره ابن فرحون (١) في التبصرة عند الكلام على الوكالة بالخصومة أنها تثبت بشاهدين عدلين أو بشاهد ويمين على قول مالك وابن القاسم (٢) . وما دام أنه يقبل فيها شاهد ويمين فيقبل فيها رجل وامرأتان (٣) ، والله أعلم. وبعد بيان آراء الفقهاء ﵏ في هذه المسألة على وجه التفصيل يتبين ما يلي: أولاً: لا نزاع بين الفقهاء في أن الوكالة تثبت بشهادة عدلين ذكرين. ثانياً: اختلفوا في شهادة رجل وامرأتين. فمنهم من قال تقبل إذا كانت الوكالة متعلقة بالمال مثل أن يوكله في المطالبة بدين له، ولايقبل في غير ذلك إلاَّ رجلين، وهذا رواية عن أحمد وقول مالك وابن القاسم وابن وهب. ومنهم من قال: يقبل فيها رجل وامرأتان مطلقاً سواء تعلقت بالمال أو بغيره، وهذا قول الحنفية. ومنهم من قال: لايقبل فيها إلاَّ رجلين مطلقاً، وهو رواية عن أحمد وقول الشافعي وقول أشهب وعبد الملك من المالكية ثالثاً: اختلفوا في إثباتها بالشاهد واليمين فمن لم يقبل إلاَّ شهادة عدلين لايقبل الشاهد واليمين. ومن يقبل شهادة رجل وامرأتين فهو يقبل الشاهد واليمين باستثناء المالكية على القول بأنها تثبت بشهادة رجل وامرأتين لكن المعروف من المذهب على ما ذكره الحطاب أنها لاتثبت بالشاهد واليمين لا لقصور في هذه الشهادة لكن لأن اليمين مع الشاهد فيها متعذرة؛ لأن اليمين لايحلفها إلاَّ من له نفع، والوكيل ليس له نفع من الوكالة، ولو كان له نفع لثبتت الوكالة بهما كما في الوكالة التي بعوض.

стр. 6066

والراجح في نظري - والله أعلم - هو القول بأن الوكالة التي تتعلق بالمال يقبل فيها رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي؛ لأن المال يثبت بهما فثبوت الوكالة بهما أولى. وأمَّا فيما عدا ذلك فلايقبل إلاَّ رجلان عدلان لأن الوكالة مِمَّا يطلع عليه الرجال، ويُمكن إقامة البينة عليه فلايقبل فيه إلاَّ رجلان. والأدلة التي استدل بها من يرى إثباتها برجل وامرأتين، أو برجل ويمين المدعي هي مخصوصة بالمال، والله أعلم. المسألة الثانية: إثبات الوكالة بتصديق الخصم: إذا ادّعى شخص أنه وكيل فلان وصدقه الخصم ثبتت الوكالة عند الحنفية (١) والشافعية (٢) . وعند المالكية الظاهر من كلامهم أنها لاتثبت بتصديق الخصم وإنَّما لابد من إثباتها بوسيلة من وسائل الإثبات السابقة. ففي مواهب الجليل للحطاب قوله: وإذا حضر الوكيل والخصم وتقاررا على صحة الوكالة فلايحكم بينهما بمجرد قولهما؛ لأنه حق لغيرهما يتهمان على التواطؤ، ولو صدق الخصم الوكيل في الدعوى واعترف بالمدعى به لم يجبره الحاكم على دفعه على المشهور حتى يثبت عنده صحة الوكالة) (٣) . قال ﵀: وهذا موافق لما في المعونة وتبصرة اللخمي لكنه مخالف لما ذكره ابن فرحون في الفصل السادس من تبصرته من أن الخصم إذا صدق المدعي للوكالة لزمه دفع الدين إليه، وما ذكره أيضاً في الباب السبعين في القضاء بالإمارات وقرائن الأحوال مِمَّا يؤيد هذا (٤) . والحنابلة في هذا يوافقون المالكية، ففي المقنع قوله: (فإن كان عليه حق الإنسان فادّعى رجل أنه وكيل صاحبه فصدقه لم يلزمه الدفع إليه ... ) (٥) .

стр. 6067

قال في الشرح: (إلاَّ أن تقوم به بينة، وإن لم تقم به بينة لم يلزمه الدفع إليه وإن صدقه) (١) . والراجح في نظري أنها لاتثبت بتصديق الخصم؛ لأن الوكالة يتعلق بها حق للغير، وهو الموكل فلم يعتبر إقرار الخصم فيما يتعلق به حق الغير، ولما ذكره المالكية من خشية التواطؤ عليها لأخذ حق الغير، والله أعلم. المبحث الثالث: الشرط الثالث: أن لايكون الموكّل مبطلاً اشترط الفقهاء لصحة الوكالة في الخصومة أن لايكون الموكِّل مبطلاً سواء كان المدعي أو المدعى عليه، وقد نص على هذا الشرط فقهاء المالكية (٢) والحنابلة (٣) . قال في تبصرة الحكام: (ولاتجوز الوكالة عن المتهم بدعوى الباطل ولا المجادلة عنه) (٤) . وفي الفروع قال: (ولايصح ممن علم ظلم موكله في الخصومة قاله في الفنون، فظاهره يصح إذا لم يعلم، فلو ظن ظلمه جاز، ويتوجه المنع، ومع الشك يتوجه احتمالان، ولعل الجواز أولى كالظن فإن الجواز فيه ظاهر وإن لم يجز الحكم مع الريبة في البينة) (٥) . واستشهد بما ذكره في المغني في الصلح عن المنكر يشترط أن يعلم صدق المدعي فلايحل دعوى ما لم يعلم ثبوته (٦) . وعند الحنفية قال الجصاص (٧) في تفسير قوله تعالى: (وَلاَتَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ((٨) .

стр. 6068

قال: (وهذا يدل على أنه غير جائز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره ... ) (١) . وقد جاء في كتب فقهاء المذهب أن الوكالة التي تضر بالخصم بأن كان الوكيل يجتهد في الحيل لإبطال حق المدعي لاتقبل قال في البحر: (وإن علم منه قصد الإضرار بالحيل كما هو صنيع وكلاء المحكمة لايقبل) (٢) . وفي تكملة حاشية رد المحتار قوله: (وإن علم من الموكّل قصد الإضرار لخصمه بالحيل كما هو صنيع وكلاء المحكمة لايقبل منه التوكيل إلاَّ برضاه ... ) (٣) . ومن المعلوم أن من أعظم الضرر التوكل عن المبطل لتبرئته مِمَّا هو عليه من الباطل. وقال الغزالي من الشافعية بعد أن ذكر بعض الأحاديث في ذمّ الخصومة: (فاعلم أن هذا الذم يتناول الذي يخاصم بالباطل، والذي يخاصم بغير علم، مثل وكيل القاضي، فإنه قبل أن يتعرف أن الحق في أي جانب، هو يتوكل في الخصومة من أي جانب كان، فيخاصم بغير علم) (٤) . الأدلة: استدل الفقهاء على عدم جواز التوكل في الخصومة بالباطل بما يلي: ١ - قول الله عزّوجل: (وَلاَتَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ((٥) .

стр. 6069

قال القرطبي (١) ﵀ في التفسير: (في هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لاتجوز، فلايجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلاَّ بعد أن يعلم أنه محق) (٢) . وقال: (الخصيم هو المجادل ... فنهى الله عزّوجل رسوله عن عَضُدِ أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة) (٣) . وقال ابن العربي (٤) : (إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لاتجوز، بدليل قوله عزّوجل لرسوله ﷺ : (وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيمًا () (٥) .

стр. 6070

وقال الجصاص: (قوله تعالى: (وَلاَتَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (روي أنه أنزل في رجل سرق درعاً فلما خاف أن تظهر عليه رمى بها في دار يهودي فلما وجدت الدرع أنكر اليهودي أن يكون أخذها، وذكر السارق أن اليهودي أخذها فأعان قوم من المسلمين هذا الآخذ على اليهودي فمال رسولُ الله ﷺ إلى قولهم فأطلعه الله على الآخذ وبرأ اليهودي منه، ونهاه عن مخاصمة اليهودي وأمره بالاستغفار مِمَّا كان منه من معاونته الذين كانوا يتكلمون عن السارق، وهذا يدل على أنه غير جائز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه، وهو غير عالم بحقيقة أمره؛ لأن الله تعالى قد عاتب نبيه على مثله وأمره بالاستغفار منه، وهذه الآية وما بعدها في النهي عن المجادلة عن الخونة إلى آخر ما ذكره كله تأكيد للنهي عن معونة من لايعلمه حقاً) (١) . ثانياً: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع)) (٢) . وفي لفظ: ((من أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله)) رواهما أبو داود (٣) .

стр. 6071

قال الشوكاني (١) : هذا ذم شديد له شرطان: أحدهما: أن تكون المخاصمة في باطل. والثاني: أن يعلم أنه باطل فإن اختل أحد الشرطين فلا وعيد، وإن كان الأولى ترك المخاصمة ما وجد إليه سبيلاً (٢) . وأمَّا قوله (٣) : (من أعان على خصومة بظلم فهو في معنى ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أوس بن شرحبيل أنه سمع رسولَ الله يقول: من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام) (٤) . وقال أيضاً: (في الحديث دليل على أنه ينبغي للحاكم إذا رأى مخاصماً أو معيناً على خصومة بتلك الصفة أن يزجره ويردعه لينتهي) (٥) . ثالثاً: روى عروة بن الزبير أن زينب بنت أم سلمة أخبرته أن أمها أم سلمة ﵄ زوج النبي ﷺ أخبرتها عن رسول الله ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: ((إنَّما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيتُ له بحق مسلم فإنَّما هي قطعة من النَّار فليأخذها أو فليتركها)) رواه البخاري وبوب له: (باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه) (٦) .

стр. 6072

قال ابن حجر (١) : (وفيه أن التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحق وعكسه مذموم فإن المراد بقوله: (أبلغ) أي أكثر بلاغة، ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذم وإنَّما يذم من ذلك ما يتوصل به إلى الباطل في صورة الحق) (٢) . وقال أيضاً: وفي هذا الحديث من الفوائد: إثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئاً هو في الباطن حرام عليه. وفيه: أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقاً في الظاهر، ويحكم له به أنه لايحل له تناوله في الباطن، ولايرتفع عنه الإثم بالحكم (٣) . والذي يظهر لي - والله أعلم - أن من قصد التوكل عن المبطل من أجل تبرئته من باطله وإعانته على ظلمه وهو يعلم بذلك أو يظنه، فهذا لايجوز وفعله محرم، وهذه الأدلة تدل عليه. أمَّا من قصد من التوكل له إظهار باطله ورده عن ظلمه وإعادة الحق إلى مستحقه فيجوز ويدخل في عموم قول النبي ﷺ : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) ، وقد بين النبي ﷺ معنى نصره ظالماً بأن يرده عن ظلمه فهذا نصره، والله أعلم. المبحث الرابع: في الشرط الرابع: أن لايكون توكيله إضراراً بخصمه لقد نص على هذا الشرط جماعة من الفقهاء. ففي التبصرة لابن فرحون (٤) المالكي قوله: ومن وكل ابتداءً إضراراً لخصمه لم يُمكن من ذلك.

стр. 6073

ونقل عن محمد بن لبابة (١) قوله: (كل من ظهر منه عند القاضي لدد تشغيب في خصومته فلاينبغي له أن يقبله في وكالة، إذ لايحل إدخال اللدد على المسلمين) . وقال ابن سهل (٢) : (والذي ذهب الناس إليه في القديم والجديد قبول الوكلاء إلاَّ من ظهر منه تشغيب ولدد فذلك يجب على القاضي إبعاده وأن لايقبل به وكالة على أحد) (٣) . وقد مرّ أن الإمام أبا حنيفة ﵁ يشترط لصحة التوكيل رضا الخصم لئلا يتضرر بالوكالة. والمحققون من فقهاء المذهب يرون الأخذ بقول الإمام إذا كان هناك ضرراً على الخصم. فيفهم من ذلك أنهم يعتبرون هذا الشرط في الجملة. ويُمكن أن يستدل لهذا بما يلي: ١ - ما في الصحيحين من قوله ﵊: ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) متفق عليه (٤) . قال النووي: (والألد شديد الخصومة مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه؛ لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأمَّا الخَصِمُ فهو الحاذقُ بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل) (٥) . قلتُ: وهذا شأن كثير من الوكلاء إنَّما يقصدون لهذا المعنى ولذا فإن من توكل في باطل فهو داخل في هذا الحديث.

стр. 6074

قال النووي: فإن قلت لابُدّ للإنسان من الخصومة لاستبقاء حقوقه فالجواب ما أجاب به الغزالي من أن الذم إنَّما هو لمن خاصم بباطل أو بغير علم كوكيل القاضي فإنه يتوكل قبل أن يعرف الحق في أي جانب، ويدخل في الذم من يطلب حقاً لكن لايقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد والكذب لإيذاء خصمه، وكذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر خصمه وكسره، ومثله من يخلط الخصومة بكلمات تؤذي وليس إليها ضرورة في التوصل إلى غرضه، فهذا هو المذموم، بخلاف المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة في الحجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء ففعله هذا ليس مذموماً ولا حراماً لكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا. وعلل ذلك بأن ضبط اللسان على حد الاعتدال متعذر، والخصومة توغر الصدور، وتهيج الغضب، وينتج عن ذلك الحقد بينهما والطعن في العرض وانشغال المرء حتى في صلاته بالمخاصمة فلايبقى حاله على استقامة، والخصومة مبدأ الشر، فينبغي التحرز منها إلاَّ لضرورة (١) . ثانياً: قوله ﵊: ((أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) متفق عليه (٢) ووجه الاستدلال من الحديث: أن من توكل في باطل أو قصد الإضرار بخصمه فهو لايخلو من خصلتين من هذه الخصال أن يكذب في حديثه، وأن يفجر في خصومته، وهذا من أعظم الضرر بالمسلمين.

стр. 6075

ومعنى فجر: أي مال عن الحق، وقال الباطل والكذب، قال أهل اللغة: وأصل الفجور الميل عن القصد (١) . وقال ابن رجب (٢) : (يعني بالفجور: أن يخرج عن الحق عمداً حتى يصير الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا مِمَّا يدعو إليه الكذب كما قال النبي ﷺ : ((إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النَّار)) ) (٣) . وقال: (فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحق، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق) (٤) . وقال النووي: (اختلف العلماء في معناه فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه، أي هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يرد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النَّار) (٥) .

стр. 6076

ثالثاً: يُمكن أن يستدل له أيضاً بقوله ﵊: ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) فإنه عام في نفي جميع أنواع الضرر. ومِمَّا ألحقه فقهاء المالكية بهذا الشرط توكيل العدو على عدوه في الخصومة فلايجوز أن يكون الوكيل عدواً للخصم، فإذا كان الذي وكل هو المدعي فلايجوز أن يكون الوكيل عدواً للمدعى عليه، وإن كان الموكل هو المدعي عليه فلايجوز أن يكون الوكيل عدواً للمدعي بل تعدى المالكية إلى أبعد من ذلك فقالوا: لو وكل كُلُّ واحد من المتداعيين وكيلاً وبين الوكيلين عداوة لم يباح ذلك (٢) . قال ابن فرحون: وللحاكم عزله (٣) . ووجهه: ما ورد من النهي عن الضرر والضرار. ولأنه مع العداوة لايسلم من دعواه الباطل لعداوته لخصمه (٤) . المبحث الخامس: الشرط الخامس: العلم بالوكالة اشترط فقهاء الحنفية علم الوكيل بالوكالة وعلم من يعامله.

стр. 6077

قال الكاساني في البدائع: (لا خلاف في أن العلم بالتوكل في الجملة شرط إمَّا علم الوكيل وإمَّا علم من يعامله حتى أنه لو وكل رجلاً ببيع عبده فباعه الوكيل من رجل قبل علمه وعلم الرجل بالتوكيل لايجوز بيعه حتى يجيزه الموكل أو الوكيل بعد علمه بالوكالة) (١) . وعلل ذلك بأن حكم الآمر لايلزم إلاَّ بعد العلم بالمأمور به أو القدرة على اكتساب سبب العلم بالمأمور به كما في أوامر الشرع (٢) . وذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤) إلى أن علم الوكيل ليس بشرط ولم أجد لهم في اشتراط علم من يعامله نصاً والظاهر من كلامهم عدم اشتراطه. وأمَّا المالكية فيشترطون القبول، وبناء عليه فلا إشكال في اعتبار العلم؛ لأنه لايُمكن القبول بما لايعلم به (٥) . فمن تصرف قبل العلم بالوكالة فعند المالكية لايصح؛ لأنه تصرف قبل القبول. وعند الشافعية مبني على مسألة من تصرف في مال أبيه يظن أنه حي فبان ميتاً ولهم فيه قولان: أظهرهما أنه يصح لصدوره من مالك فيجري هنا كذلك (٦) . ورأي الحنابلة في هذا كرأي الشافعية أصح الروايتين أن من باع ملك غيره فبان وكيلاً أن تصرفه صحيح (٧) .

стр. 6078

لكن هذا الشرط بالنسبة للخصومة يغني عنه في نظري ما مر من اشتراط ثبوت الوكالة؛ لأنّا قد قلنا إن من الشروط المتعلقة بالوكالة بالخصومة ثبوت الوكالة، ومعنى هذا أن الوكيل يدعي الوكالة فهو قد علم بها وإلاَّ لم يدِّعها، والله أعلم. المبحث السادس: الشرط السادس: أن يكون وكيل الخصومة واحداً لا أكثر وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعدد الوكلاء اختلف العلماء- ﵏ في اشتراط عدم تعدد الوكلاء على قولين: القول الأول: للمالكية قالوا باشتراط هذا الشرط، وبناءً عليه فلايجوز توكيل وكيلين في الخصومة، وإنَّما يجوز توكيل واحد معين غير مبهم، وسواء كان الموكِّل رجلاً أو امرأة إلاَّ أن يرضى الخصم فيجوز. بل قال المالكية أيضاً: لو كان الحق لاثنين فقالا من حضر منا خاصم فليس لهما ذلك؛ لأنه كتوكيل وكيلين (١) . ووجهه: أن في توكيل أكثر من واحدٍ إضراراً بالخصم فلايجوز (٢) . القول الثاني: يجوز توكيل وكيلين فأكثر في الخصومة، وهو قول الجمهور من الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) ، أي: أن اشتراط عدم تعدد الوكلاء غير معتبر عندهم. ولعل مستند هذا القول: أنه كما جاز توكيل الواحد يجوز توكيل الاثنين. ولأن الحاجة كما دعت إلى توكيل الواحد فهي تدعو إلى توكيل الاثنين. وهذا هو الراجح في نظري فكما لَمْ نعتبر رضا الخصم في توكل الواحد لانعتبره في توكيل الاثنين، والضرر مدفوع؛ فإن القاضي إذا رأى في تعدد الوكلاء إضراراً فله عزل أحدهما، والله أعلم.

стр. 6079

المطلب الثاني: تصرف الوكيلين إذا وكل المدعي وكيلين في مخاصمة فهل ينفرد بها أحدهما أو لابد من اجتماعهما؟ . اختلف الفقهاء ﵏ في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: أن كل واحد من الوكيلين ينفرد بالتصرف، وهو قول أئمة الحنفية الثلاثة - أبي حنيفة وصاحبيه (١) - وهو قول عند الحنابلة، قال في الإنصاف: (وقيل: لايجوز لأحدهما الانفراد بالتصرف إلاَّ في الخصومة) (٢) . وقال في الفروع: (قيل: إن وكلهما في خصومة انفرد أحدهما للعرف) . قال في الإنصاف: (وهو الصواب) (٣) . ووجهه: ١ - أن الغرض من الخصومة إعلام القاضي بما يملكه المخاصم واستماعه، واجتماع الوكيلين على ذلك يخل بالإعلام والاستماع؛ لأن ازدحام الكلام يخل بالفهم فكان إضافة التوكيل إليهما تفويضاً للخصومة إلى كل واحد منهما فأيهما خاصم كان تمثيلاً، إلاَّ أنه لايملك أحدهما القبض دون صاحبه، وإن كان وكيل الخصومة يملك القبض عند الحنفية؛ لأن اجتماعهما على القبض ممكن فلايكون الموكل، راضياً بقبض أحدهما بانفراده (٤) . ٢ - ولأن الاجتماع في الخصومة متعذر للإفضاء إلى الشغب في مجلس القضاء، والرأي يحتاج إليه سابقاً لتقويم الخصومة (٥) . القول الثاني: لاينفرد بالخصومة واحد منهما، وهو قول زفر من الحنفية (٦) .

стр. 6080

ووجهه: أن الخصومة مِمَّا يحتاج إلى الرأي ولم يرض برأي أحدهما فلايملكها أحدهما دون الآخر (١) . القول الثالث: للشافعية قالوا: إن صرح باستقلال كل واحد منهما استقل بها، وإن لم يصرح باستقلال كل واحد منهما فوجهان: الأصح: أنه لايستقل واحد منهما بل يتشاوران ويتباصران كما لو وكلهما في بيع أو طلاق أو غيرهما أو أوصى إليهما. والآخر: أنه يستقل: لتعذر الاجتماع على الخصومة (٢) . ومذهب الحنابلة في هذا كالصحيح المعتمد عند الشافعية من أنه إن صرح بالاستقلال استقل بها وإن لم يصرح أو لم يجعل له ذلك فليس له الاستقلال (٣) . ووجهه ما يلي: ١ - أن التصرف يعتمد الإذن فإن وجد صح التصرف، وإن لم يوجد لم يصح التصرف، ومن وكل وكيلين وجعل لكل واحد منهما التصرف فقد وجد الإذن، وإن لم يجعل لكل واحد منهما التصرف فالإذن لم يوجد لكل واحد منهما بانفراده فجاز لهما معاً التصرف، ولم يجز الانفراد؛ لأن الموكل لم يرض بتصرف أحدهما منفرداً بدليل إضافته الغير إليه. ٢ - القياس على من وكل اثنين ببيع أو شراء أو طلاق فليس لأحدهما الانفراد، فكذا في الخصومة (٤) . ويُمكن مناقشته: بأنه إنَّما منع من الاجتماع في الخصومة لما يفضي إليه من الشغب في مجلس القضاء بخلاف البيع والشراء فإن محلهما الأسواق والشغب فيها معتاد، والطلاق ليس مختصاً بمجلس القضاء، والله أعلم. القول الرابع: لكل واحد منهما الاستبداد إلاَّ أن يشترط الاجتماع. وهذا قول المالكية إن حصل التعدد بإذن الخصم (٥) . ووجهه: أن الأصل عدم الشرط (٦) .

стр. 6081

والراجح في نظري هو التفصيل الذي ذكره الشافعية والحنابلة؛ لأن من وكل وكيلين فهو دليل على أنه لايرضى إلاَّ باجتماعهما وتعاونهما إلاَّ أن يجعل لكل واحد منهما الانفراد، فهذا دليل على أنه رضي برأي الواحد. ولايستلزم توكيل الاثنين الشغب؛ لأنهما لايتصور أن يتكلما في وقت واحد وإنَّما يعين أحدهما الآخر ويبصره بما يحتاج إليه، والله أعلم. الفصل الثالث: كتصرفات وكيل الخصومة وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: التمهيد: فيما لوكيل الخصومة فعله وما ليس له فعله بلا نزاع. الوكيل بالخصومة إمَّا أن يكون من جهة المدعي أو من جهة المدعى عليه، فأمَّا وكيل المدعي، فهو يدعي ويقيم البنية، ويسعى في تعديلها، ويطلب الحكم والقضاء ويفعل ما يقع وسيلة إلى الإثبات. والوكيل بالخصومة من جهة المدعى عليه ينكر ويطعن في الشهود ويسعى في الدفع بما يُمكنه (١) . وليس له أن يصالح ولايبري، حكى ابن قدامة الإجماع عليه، فقال: ولايملك المصالحة عن الحق ولا الإبراء منه بغير خلاف نعلمه؛ لأن الإذن في الخصومة لايقتضي شيئاً من ذلك (٢) . وقال الماوردي (٣) : وهكذا ليس للوكيل أن يصالح على ما وكل في المطالبة به؛ لأن الصلح إمَّا أن يكون بيعاً، ولايجوز إلاَّ بإذن موكله أو يكون إبراء فلايصح (٤) .

стр. 6082

ووجه عدم جواز تلك التصرفات من الوكيل: أن اسم الخصومة لايتناول الصلح والإبراء فالإذن في الخصومة لايتناول شيئاً من ذلك (١) . المبحث الأول: إقرار الوكيل وإنكاره وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: إقرار الوكيل في الوكالة المطلقة والمقصود بالوكالة المطلقة: هي الوكالة التي لم يفوض الموكل فيها إلى الوكيل جميع التصرفات بما فيها الإقرار ولم ينهه عنه. فهل يُعدّ إقرار الوكيل في هذا النوع من الوكالة جائز أو لا؟ . لقد اختلف العلماء ﵏ في حكم إقراره في هذا النوع - أعني به الوكالة المطلقة - على قولين: القول الأول: أن الوكيل بالخصومة يملك الإقرار، وبه قال أئمة الحنفية الثلاثة (٢) . وحجتهم: أن الوكيل بالخصومة وكيل بالجواب الذي هو حق عندالله ، وقد يكون ذلك إنكاراً، وقد يكون إقراراً فإذا أقر على موكله دل أن الحق هو الإقرار فينفذ على الموكِّل كما لو أقر على موكله وصدقه (٣) . وبعد أن اتفق أئمة الحنفية على هذا القدر اختلفوا في شروط قبول الإقرار: فذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه يشترط لقبول الإقرار من الوكيل أن يكون في مجلس القاضي لا غير. وحجتهما: أن الموكِّل فوض الأمر للوكيل لكن في مجلس القاضي؛ لأن التوكيل بالخصومة أو بجواب الخصومة، وكل ذلك يختص بمجلس القاضي بدليل أن الجواب لايلزم في غير مجلسه، وكذا الخصومة لاتندفع باليمين في غير مجلس القاضي فتتقيد بمجلس القاضي، إلاَّ أنه إذا أقر في مجلس غير مجلس القاضي خرج عن الوكالة وانعزل؛ لأنه لو بقي وكيلاً لبقي وكيلاً بالإقرار عيناً؛ لأن الإنكار لايسمع منه للتناقض، والإقرار عيناً غير موكّل به.

стр. 6083

وذهب أبو يوسف ﵀ إلى أنه لايشترط أن يكون إقراره في مجلس القاضي بل يصح فيه وفي غيره. ووجهه: أن التوكيل تفويض ما يملكه الموكّل إلى غيره، وإقرار الموكِّل لاتقف صحته على مجلس القاضي فكذا إقرار الوكيل. وبعبارة أخرى: الموكِّل أقام الوكيل مقام نفسه، والموكل يجوز إقراره عند القاضي وعند غيره فكذا الوكيل لأنه قائم مقامه (١) . واعترض عليه: بأن الموكِّل إنَّما أقام الوكيل مقام نفسه في الخصومة، والخصومة لاتكون إلاَّ عند القاضي، والإقرار لايجوز إلاَّ عنده (٢) . والشرط الثاني: أن لايكون الإقرار في حد قذف أو قصاص؛ لأن التوكيل بالخصومة جعل توكيلاً بالجواب مجازاً بالاجتهاد فتمكنت فيه شبهة العدم في إقرار الوكيل فيورث شبهة في درء ما يدرأ بالشبهات (٣) . القول الثاني: لايصح إقرار الوكيل على الموكِّل لا عند القاضي ولا عند غيره، ولا في حد ولا غيره، وهذا قول الجمهور من المالكية في القول المعتمد عندهم (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) ، وزفر من الحنفية (٧) . واحتجوا بما يلي: ١ - أن الإقرار معنى يقطع الخصومة وينافيها فلايملكه الوكيل في الخصومة كالإبراء (٨) .

стр. 6084

٢ - القياس على الإقرار في دعوى النكاح والطلاق والقصاص والعفو وقد سلمها الحنفية (١) . ٣ - القياس على الأب والوصي، فلهما أن يخاصما وليس لهما الإقرار، والجامع بين هؤلاء أن كلاً منهم ندب إلى استيفاء الحق فلم يكن له إسقاطه (٢) . ٤ - ولأن كل ما لم يملكه الوكيل من إسقاط الحق في غير مجلس الحكم لم يلزمه في مجلس الحكم كالإبراء طرداً والقبض عكساً. ٥ - ولأن ما لم يصح من الوكيل الإبراء منه لم يصح منه الإقرار به كالجناية. ٦ - ولأن كل من لايصح إقراره مع النهي لايصح إقراره مع الترك كالمحجور عليه (٣) . ونوقش استدلال الحنفية بما يلي: ١ - قولهم المخاصمة تتضمن إقراراً وإنكاراً غير مسلم بل تتضمن من جهة الوكيل الإنكار لما عليه من المعونة وحفظ الحق، ومن جهة الموكل الإقرار والإنكار. ٢ - قولهم: لما قام في الإنكار مقام موكله وجب أن يكون في الإقرار بمثابته. جوابه: أن في الإنكار معونة لموكله وحفظاً لحقه، فصح من الوكيل، أمَّا الإقرار فمعونة عليه، وإسقاط لحقه فلم يصح من الوكيل (٤) . ٣ - الإنكار لايقطع الخصومة بخلاف الإقرار، ويملكه في الحدود والقصاص وفي مجلس الحكم وغيره، والوكيل لايملك الإنكار على وجه يمنع الموكِّل من الإقرار فلو ملك الإقرار لامتنع على الموكِّل الإنكار فافترقا فلايقاس أحدهما على الآخر (٥) . ٤ - القياس على الموكِّل قياس مع الفارق فإن الموكِّل يملك الإبراء فيملك الإقرار والوكيل لم يملك الإبراء فلم يملك الإقرار (٦) .

стр. 6085

والراجح في نظري أن إقرار الوكيل على موكِّله في الوكالة المطلقة التي لم يأذن فيها الموكِّل بالإقرار ولم ينهه، ولم يفوض إليه كل تصرف لايصح لا عند القاضي ولا عند غيره؛ لأن الإقرار يتعلق به حق الغير فلايصح منه، والله أعلم. المطلب الثاني: إقرار الوكيل في الوكالة التي نهاه فيها الموكِّل عن الإقرار (استثناء الإقرار) يرى فقهاء الحنفية في ظاهر الرواية أن الموكل إذا وكل بالخصومة ونهى الوكيل عن الإقرار أن هذا الاستثناء يصح، ولايملك الوكيل الإقرار لكنه يملك الإنكار (١) ، والقول بعدم صحة إقراره هنا هو مقتضى قول الجمهور من المالكية (٢) والشافعية والحنابلة؛ لأنهم إذا لم يجيزوا إقراره مع إطلاق الوكالة فمن باب أولى أن لايجوز مع نهيه عنه. لكن قال المالكية في الموكِّل يوكل على الخصام ولم يجعل لوكيله الإقرار بأن نهاه عنه، أو أطلق لم يلزم الموكّل ما أقر به في الأولى بلا خلاف، ولايلزم في الثانية على المعروف من المذهب، وهو رواية عن مالك إلاَّ أن هذا التوكيل توكيل ناقص، وللمطلوب أن يرده ولايخاصم معه حتى يجعل له الإقرار والإنكار، أو يفوض إليه، وذلك لما عليه من الضرر في مخاصمة مسلوب الإقرار.

стр. 6086

نقل في حلي المعاصم عن المتيطي (١) قوله: وهو المشهور المعمول به عند القضاة والحكام، ونقل عن البيان: نزلت فقضى فيها بأنه لاتقبل الوكالة إلاَّ أن يحضر الموكل مع وكيله في وقت الحكم ليقر بما يوقف عليه خصمه أو يكون قريباً من مجلس القاضي (٢) . واحتج الحنفية على جواز استثناء الإقرار من الوكالة بالخصومة بما يلي: أن الحاجة داعية إلى استثناء الإقرار في عقد الوكالة لكل منهما إذ الوكيل بالخصومة يملك الإقرار عند الحنفية، ولو أطلق التوكيل من غير استثناء لتضرر به الموكِّل، وهذا المعنى لايوجب الفصل بين التوكيل من الطالب والمطلوب - المدعي والمدعى عليه - لأن كل واحد منهما يحتاج إلى التوكيل بالخصومة (٣) . أمَّا المالكية: فقالوا: لايلزم بأن يجعل له الإقرار مخافة أن يرتشي - يعني الوكيل (٤) - فتجويزهم لهذا الاستثناء هو مخافة أن يرتشي الوكيل، فلذا جاز منعه من الإقرار لكن لما كان على الخصم ضرر في ذلك قالوا: له أن يضطر الموكل إلى جعل الإقرار إليه أو يحضر مجلس القضاء أو يكون قريباً منه ليقر بما يدعيه خصمه أو ينكره (٥) . القول الثاني: أن استثناء الإقرار إنَّما يصح من الطالب - أي من المدعي - أمَّا المطلوب إذا وكل واستثنى الإقرار فلايجوز، وهو رواية عن محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة ﵀ (٦) -. ووجهه:

стр. 6087

١ - أن الطالب لايجبر على الخصومة فله أن يوكل بشيء دون شيء على ما يختار، والمطلوب يجبر عليها فلايملك التوكيل بما فيه إضرار بالطالب. ٢ - أن الطالب يثبت حقه بالبينة أو بنكول الموكِّل - المدعى عليه -؛ لأن الوكيل لايحلف فلايفيد استثناء الإقرار في حقه (١) . وما ذهب إليه الجمهور في نظري هو الراجح إن شاء الله؛ لأن التوكيل حق للموكل فجاز أن يستثني منه الإقرار مع ما ذكره المالكية من مخافة أن يرتشي الوكيل فيقر على موكله؛ ولأن الحق يُمكن أن يتوصل إليه بغير الإقرار، والله أعلم. المطلب الثالث: استثناء الإنكار ومعنى ذلك أن يوكله في الخصومة جائز الإقرار وممنوع من الإنكار فهل يصح التوكيل على هذا الوجه أو لا؟ . وهذه الصورة لم أجد من الفقهاء من نص عليها غير فقهاء الحنفية حيث قالوا: يصح استثناء الإنكار ويصير وكيلاً بالإقرار، وهذا هو ظاهر الرواية عند الحنفية (٢) ، وبعضهم يجعل هذا قول محمد خلافاً لأبي يوسف (٣) . ووجه ظاهر الرواية: أن الإنكار قد يضر الموكِّل بأن كان المدعى وديعة، فلو أنكر الوكيل لاتسمع منه دعوى الهلاك والرد، وتسمع قبل الإنكار فكان للتوكيل على هذا الوجه فائدة فلم يمنع منه (٤) . المطلب الرابع: التوكيل في الخصومة مع جواز الإقرار وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم التوكيل في الخصومة مع جواز الإقرار:

стр. 6088

وهذه من المسائل التي انفرد بها أيضاً الفقه الحنفي كإحدى صور التوكيل ونجد أن في هذه الصورة وفي التي قبلها حصل التوكيل في الإقرار. ولقد ذكر الحنفية صورة التوكيل في الإقرار بأن يقول للوكيل وكلتك بالخصومة وبالذب عني فإذا رأيت مذمّة تلحقني بالإنكار واستصوبت الإقرار عليَّ فإني قد أجزت ذلك (١) . أمَّا عند بقية الفقهاء فيؤخذ حكم هذه المسألة من كلامهم في حكم التوكيل في الإقرار إذا تبين هذا فإن الفقهاء ﵏ اختلفوا في حكم التوكيل بالإقرار على قولين: القول الأول: يصح التوكيل بالإقرار، وهو قول الحنفية قال في تكملة فتح القدير: ((ويجب أن يعلم أن التوكيل بالإقرار صحيح عندنا)) (٢) . وفي البحر الرائق: ((ويصح التوكيل بالإقرار)) (٣) ، ومثله في الفتاوى الهندية (٤) . وإلى هذا - أيضاً - ذهب المالكية (٥) ، وقول عند الشافعية (٦) ، وأحد الوجهين عند الحنابلة (٧) . ووجهه: أنه إثبات حق في الذمة فجاز التوكيل فيه كالبيع (٨) .

стр. 6089

القول الثاني: لايصح التوكيل في الإقرار، وهو قول عند المالكية، قال ابن عبد البر في الكافي: وزعم ابن خويزمنداد (١) : أن تحصيل مذهب مالك أنه لايلزمه إقراره، قال: وهذا في غير المفوض إليه (٢) . وهو أحد الوجهين عند الشافعية ويحكى عن ابن سريج، وهو اختيار القفال (٣) (٤) . وهو أحد الوجهين عند الحنابلة (٥) . واستدلوا: بالقياس على الشهادة بجامع أن كلاً منهما إخبار عن حق فلايقبل التوكيل، إذ التوكيل إنَّما يليق بالإنشاءات (٦) . ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، والفارق أن الشهادة لاتثبت الحق، وإنَّما هي إخبار بثبوته على غيره بخلاف الإقرار (٧) . والراجح في نظري هو القول الأول القاضي بصحة التوكيل في الإقرار؛ لأنه وسيلة إلى أداء الحق، فإذا وكل فيه فقد أذن به وليس في ذلك ضرر على أحد. لكن هل يكون مقراً بنفس التوكيل أم لا:

стр. 6090

ذهب المالكية (١) ، والشافعية في أحد الوجهين (٢) ، وبه قال ابن القاص تخريجاً، واختاره الإمام (٣) ، والحنابلة في قول (٤) وهو الصحيح من المذهب، أنه يجعل بنفس التوكيل مقراً. ووجهه: أن توكيله في الإقرار عليه دليل ثبوت الحق عليه (٥) . وذهب الحنفية (٦) ، والشافعية في أصح الوجهين (٧) أنه لايكون بذلك مقراً. ووجهه: القياس على الإبراء فإن من وكل عليه لايجعل ذلك إبراء (٨) . والأول هو الراجح في نظري، وذلك لأن قياس الإقرار على الإبراء قياس مع الفارق والفارق بينهما أن الإبراء إسقاط حق فلايثبت حكمه إلاَّ بحصوله بخلاف الإقرار فإنه إخبار بثبوت الحق فتوكيله في الإقرار يدل على ثبوت الحق عليه، والله أعلم. المسألة الثانية: شروط صحة إقرار الوكيل على موكله: اشترط الفقهاء لصحة الإقرار من الوكيل على موكله شروطاً بعضها محل اتفاق وبعضها محل نزاع وفيما يلي بيان هذه الشروط: الشرط الأول: أن يكون قد وكّله فيه بأن نص عليه في الوكالة، وقد مرّ الكلام على هذا الشرط. الشرط الثاني: أن يكون الموكَّل بالإقرار به معلوماً.

стр. 6091

وذلك كأن يقول أقر عني بكذا ونحوه، فأمَّا التوكيل بالإقرار بشيء مجهول مثل أن يقول: وكلتك لتقر عني وسكت، أو وكلتك لتقر عني بشيء، ونحو ذلك، فهذا لايصح، وبهذا قال الشافعية. قال الماوردي: (فإذا وكله في الإقرار عنه، فإن لم يذكر القدر الذي يقر به ويصفه لم يصح التوكيل فيه، ولم يكن إقراره لازماً للموكل، وإن ذكر قدره وصفته ففيه لأصحابنا وجهان) (١) . فلم يختلف الشافعية أنه إذا لم يذكر القدر والصفة أن التوكيل لايصح، وإنَّما النزاع بينهم فيما إذا كان معلوماً قدره وصفته. وقال النووي: وإذا صححنا التوكيل - يعني في الإقرار - فينبغي أن يبين الوكيل جنس المقرّ به وقدره فلو قال: أقر عني بشيء فأقر أخذ الوكيل (٢) بتفسيره، ولو اقتصر على قوله: أقر عني لفلان فوجهان، أحدهما: كقوله: أقر عني بشيء، وأصحهما: لايلزمه شيء بحال لاحتمال أن يريد الأقرار بعلم أو شجاعة لا بمال) (٣) . ومذهب الحنابلة في هذا قريب مِمَّا ذكره الشافعية ففي الفروع قوله: وذكر الأزجي يعتبر تعيين ما يقر به، وإلاَّ رجع في تفسيره إلى الموكل (٤) . وفي الإقناع وشرحه: (( (ولابد من تعيين)) الموكِّل ((ما يقر به)) وكيله عنه ((وإلاَّ)) بأن قال: وكلتك في الإقرار لزيد بمال أو شيء فأقر كذلك ((رجع في تفسيره إلى الموكِّل)) ؛ لأنه أعلم بما عليه) (٥) . وظاهر هذا الكلام أن الوكالة لاتبطل إذا لم يبين ما يقر به إذ لو بطلت لم يرجع إليه في تفسيره والله أعلم. ولم أجد في كتب الحنفية والمالكية ما يفيد اعتبار هذا الشرط أو عدم اعتباره.

стр. 6092

والراجح في نظري أنه لابد منه؛ لأن الوكيل نائب عن الموكل، والنائب يتقيد تصرفه بما وكل فيه فلابد من العلم بما وكل فيه، والله أعلم. الشرط الثالث: أن يكون ما أقر به في معنى الخصومة التي وكل عليها. فإن أقر بشيء ليس من معنى الخصومة التي وكل عليها لم يصح. وهذا الشرط صرح باشتراطه فقهاء المالكية وذكروا أن اشتراطه هو أصح القولين (١) . وصورة ذلك: أن يخاصمه في دين له عليه ثمن سلعة مثلاً فيقر بأنه كان استعار منه كتاباً وادّعى تلفه (٢) ، أو كمن وكل شخصاً وجعل له فيه الإقرار والإنكار فأقر بشيء أجنبي من تلك الخصومة كإقراره أن موكله وهب داره لزيد أو لفلان عليه مائة ونحو ذلك (٣) . وخالف في هذا الشرط بعض المالكية فقالوا: لايشترط ويلزم الموكل ما أقر به الوكيل ولولم يكن من معنى الخصومة التي وكل فيها (٤) . ولم أجد من تعرض لذكر هذا الشرط غير فقهاء المالكية ورُبَّما أغنى عنه اشتراط العلم بما يقر به؛ لأن إذا عين له ما يقر به فليس له أن يقر بغيره. واشتراط هذا الشرط صحيح في نظري؛ لأن الإذن إنَّما تناول الخصومة في شيء معين وإذنه بالإقرار عليه ينصرف إلى ما هو من معنى الخصومة الموكل عليها فإقراره بشيء خارج عنها غير مأذون فيه، فلايصح. الشرط الرابع: أن لايكون إقراره لمن يتهم عليه. وهذا الشرط أيضاً صرح باشتراطه فقهاء المالكية (٥) ، ولم يذكره غيرهم. الشرط الخامس: أن لايكون الإقرار في حد قذف أو قصاص. وهذا الشرط نص عليه فقهاء الحنفية.

стр. 6093

ووجه اشتراطه: أن التوكيل بالخصومة جعل توكيلاً بالجواب مجازاً بالاجتهاد فتمكنت فيه شبهة العدم في إقرار الوكيل فيورث شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات (١) . وتوضيحه: أن التوكيل محمول على الجواب؛ لأن جواب الخصم من الخصومة ولكن هذا نوع من المجاز فأمَّا في الحقيقة فالإقرار ضد الخصومة فيصير ذلك شبهة فيما يندرئ بالشبهات دون ما يثبت مع الشبهات (٢) . الشرط السادس: أن يكون إقراره على المعروف، وهذا الشرط لفقهاء المالكية أيضاً (٣) . المطلب الخامس: التوكيل في الخصومة واستثناء الإقرار والإنكار وصورة ذلك: أن يوكل وكيلاً ويستثني الإقرار والإنكار فهل يصح هذا التوكيل أم لا، وهذه الصورة نص عليها الحنفية والمالكية. وليس في المسألة رواية عن أئمة الحنفية (٤) ، واختلف المتأخرون فيها على قولين مع ما ذكره المالكية فتلخص في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: لايصح التوكيل واستثناء الإقرار والإنكار، وهذا أحد القولين عند الحنفية. ووجهه: أن التوكيل بالخصومة توكيل بجواب الخصومة، وجواب الخصومة إقرار وإنكار فإذا استثنى الأمرين فهو لم يفوض إليه شيئاً (٥) .

стр. 6094

القول الثاني: يصح التوكيل في الخصومة واستثناء الإقرار والإنكار ويصير وكيلاً بالسكوت متى حضر مجلس الحكم حتى يسمع البينة عليه، وهذا قول حكي عن القاضي صاعد النيسابوري من الحنفية (١) . ووجهه: أن ما هو مقصود الطالب وهو الوصول إلى حقه بواسطة إقامة البينة، يحصل مع منعه من الإقرار والإنكار (٢) . القول الثالث: أن التوكيل واستثناء الإقرار والإنكار توكيل ناقص ولخصمه اضطراره إليه، أي لخصم الموكل أن يضطر الموكل أن يجعل إلى الوكيل الإقرار والإنكار فإن لم يفعل فله أن يرده ولايخاصم معه إلاَّ أن يحضر الموكل مع وكيله في وقت الحكم ليقر بما يوقفه عليه خصمه أو يكون قريباً من مجلس القاضي. وهذا قول المالكية: قال المتيطي: وهو المشهور المعمول به عند القضاة والحكام. وقال في البهجة عند قول الناظم: (والنقض للإقرار والإنكار من ... توكيل الاختصام بالرد قمن) (٣) قال: (ومعناه: أن من وكل على الخصام ولم يجعل له موكله في الوثيقة الإقرار والإنكار فإن التوكيل قمن بالرد حقيق به لما على المطلوب من الضرر في ذلك ... ) (٤) . ووجه هذا القول كما هو واضح من تعليل البهجة: أن في سلب الإقرار والإنكار من الوكيل إضراراً بالخصم فلايجوز.

стр. 6095

وما ذكره المالكية له وجاهته إذ لا فائدة في حضور الوكيل وهو ممنوع الإقرار والإنكار إلاَّ أن تطول مدة الخصومة فإذا لم يكن الموكل حاضراً مجلس القضاء أو قريباً منه لم يكن في التوكيل فائدة كبيرة ترجى، وهذا يضر بالطرف الآخر فله أن يمتنع من مخاصمة الوكيل حتى يجعل له موكله الإقرار أو الإنكار، والله أعلم. المبحث الثاني: قبض وكيل الخصومة المال الذي وكل بالمخاصمة فيه اختلف الفقهاء ﵏ في وكيل الخصومة هل له القبض أو لا؟، على قولين: القول الأول: أن الوكيل بالخصومة في المال وكيل بقبضه، وبهذا قال أئمة الحنفية الثلاثة (١) . واستدلوا بما يلي: ١ - أنه لما وكله بالخصومة في مال فقد ائتمنه على قبضه؛ لأن الخصومة فيه لاتنتهي إلاَّ بقبضه فكان التوكيل بها توكيلاً بالقبض. ٢ - القياس على الوكيل بتقاضي الدين فإنه يملك القبض في ظاهر الرواية؛ لأن حق التقاضي لاينقطع إلاَّ بالقبض فكان التوكيل به توكيلاً بالقبض (٢) . القول الثاني: أن وكيل الخصومة لايملك القبض، وبه قال زفر من الحنفية، وهو قول المتأخرين منهم قال في البدائع: (إلاَّ أن المتأخرين من أصحابنا قالوا: إنه لايملك في عرف ديارنا؛ لأن الناس في زماننا لايرضون بقبض المتقاضي كالوكلاء على أبواب القضاة لتهمة الخيانة في أموال الناس) (٣) . وبهذا قال الشافعية (٤) والحنابلة (٥) . واستدلوا بما يلي: ١ - أن القبض لايتناوله الإذن نطقاً ولا عرفاً إذ ليس كل من يرضاه لتثبيت الحق يرضاه لقبضه (٦) .
следующие страницы →