← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

وذلك كأن يقول أقر عني بكذا ونحوه، فأمَّا التوكيل بالإقرار بشيء مجهول مثل أن يقول: وكلتك لتقر عني وسكت، أو وكلتك لتقر عني بشيء، ونحو ذلك، فهذا لايصح، وبهذا قال الشافعية. قال الماوردي: (فإذا وكله في الإقرار عنه، فإن لم يذكر القدر الذي يقر به ويصفه لم يصح التوكيل فيه، ولم يكن إقراره لازماً للموكل، وإن ذكر قدره وصفته ففيه لأصحابنا وجهان) (١) . فلم يختلف الشافعية أنه إذا لم يذكر القدر والصفة أن التوكيل لايصح، وإنَّما النزاع بينهم فيما إذا كان معلوماً قدره وصفته. وقال النووي: وإذا صححنا التوكيل - يعني في الإقرار - فينبغي أن يبين الوكيل جنس المقرّ به وقدره فلو قال: أقر عني بشيء فأقر أخذ الوكيل (٢) بتفسيره، ولو اقتصر على قوله: أقر عني لفلان فوجهان، أحدهما: كقوله: أقر عني بشيء، وأصحهما: لايلزمه شيء بحال لاحتمال أن يريد الأقرار بعلم أو شجاعة لا بمال) (٣) . ومذهب الحنابلة في هذا قريب مِمَّا ذكره الشافعية ففي الفروع قوله: وذكر الأزجي يعتبر تعيين ما يقر به، وإلاَّ رجع في تفسيره إلى الموكل (٤) . وفي الإقناع وشرحه: (( (ولابد من تعيين)) الموكِّل ((ما يقر به)) وكيله عنه ((وإلاَّ)) بأن قال: وكلتك في الإقرار لزيد بمال أو شيء فأقر كذلك ((رجع في تفسيره إلى الموكِّل)) ؛ لأنه أعلم بما عليه) (٥) . وظاهر هذا الكلام أن الوكالة لاتبطل إذا لم يبين ما يقر به إذ لو بطلت لم يرجع إليه في تفسيره والله أعلم. ولم أجد في كتب الحنفية والمالكية ما يفيد اعتبار هذا الشرط أو عدم اعتباره.

стр. 6092

والراجح في نظري أنه لابد منه؛ لأن الوكيل نائب عن الموكل، والنائب يتقيد تصرفه بما وكل فيه فلابد من العلم بما وكل فيه، والله أعلم. الشرط الثالث: أن يكون ما أقر به في معنى الخصومة التي وكل عليها. فإن أقر بشيء ليس من معنى الخصومة التي وكل عليها لم يصح. وهذا الشرط صرح باشتراطه فقهاء المالكية وذكروا أن اشتراطه هو أصح القولين (١) . وصورة ذلك: أن يخاصمه في دين له عليه ثمن سلعة مثلاً فيقر بأنه كان استعار منه كتاباً وادّعى تلفه (٢) ، أو كمن وكل شخصاً وجعل له فيه الإقرار والإنكار فأقر بشيء أجنبي من تلك الخصومة كإقراره أن موكله وهب داره لزيد أو لفلان عليه مائة ونحو ذلك (٣) . وخالف في هذا الشرط بعض المالكية فقالوا: لايشترط ويلزم الموكل ما أقر به الوكيل ولولم يكن من معنى الخصومة التي وكل فيها (٤) . ولم أجد من تعرض لذكر هذا الشرط غير فقهاء المالكية ورُبَّما أغنى عنه اشتراط العلم بما يقر به؛ لأن إذا عين له ما يقر به فليس له أن يقر بغيره. واشتراط هذا الشرط صحيح في نظري؛ لأن الإذن إنَّما تناول الخصومة في شيء معين وإذنه بالإقرار عليه ينصرف إلى ما هو من معنى الخصومة الموكل عليها فإقراره بشيء خارج عنها غير مأذون فيه، فلايصح. الشرط الرابع: أن لايكون إقراره لمن يتهم عليه. وهذا الشرط أيضاً صرح باشتراطه فقهاء المالكية (٥) ، ولم يذكره غيرهم. الشرط الخامس: أن لايكون الإقرار في حد قذف أو قصاص. وهذا الشرط نص عليه فقهاء الحنفية.

стр. 6093

ووجه اشتراطه: أن التوكيل بالخصومة جعل توكيلاً بالجواب مجازاً بالاجتهاد فتمكنت فيه شبهة العدم في إقرار الوكيل فيورث شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات (١) . وتوضيحه: أن التوكيل محمول على الجواب؛ لأن جواب الخصم من الخصومة ولكن هذا نوع من المجاز فأمَّا في الحقيقة فالإقرار ضد الخصومة فيصير ذلك شبهة فيما يندرئ بالشبهات دون ما يثبت مع الشبهات (٢) . الشرط السادس: أن يكون إقراره على المعروف، وهذا الشرط لفقهاء المالكية أيضاً (٣) . المطلب الخامس: التوكيل في الخصومة واستثناء الإقرار والإنكار وصورة ذلك: أن يوكل وكيلاً ويستثني الإقرار والإنكار فهل يصح هذا التوكيل أم لا، وهذه الصورة نص عليها الحنفية والمالكية. وليس في المسألة رواية عن أئمة الحنفية (٤) ، واختلف المتأخرون فيها على قولين مع ما ذكره المالكية فتلخص في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: لايصح التوكيل واستثناء الإقرار والإنكار، وهذا أحد القولين عند الحنفية. ووجهه: أن التوكيل بالخصومة توكيل بجواب الخصومة، وجواب الخصومة إقرار وإنكار فإذا استثنى الأمرين فهو لم يفوض إليه شيئاً (٥) .

стр. 6094

القول الثاني: يصح التوكيل في الخصومة واستثناء الإقرار والإنكار ويصير وكيلاً بالسكوت متى حضر مجلس الحكم حتى يسمع البينة عليه، وهذا قول حكي عن القاضي صاعد النيسابوري من الحنفية (١) . ووجهه: أن ما هو مقصود الطالب وهو الوصول إلى حقه بواسطة إقامة البينة، يحصل مع منعه من الإقرار والإنكار (٢) . القول الثالث: أن التوكيل واستثناء الإقرار والإنكار توكيل ناقص ولخصمه اضطراره إليه، أي لخصم الموكل أن يضطر الموكل أن يجعل إلى الوكيل الإقرار والإنكار فإن لم يفعل فله أن يرده ولايخاصم معه إلاَّ أن يحضر الموكل مع وكيله في وقت الحكم ليقر بما يوقفه عليه خصمه أو يكون قريباً من مجلس القاضي. وهذا قول المالكية: قال المتيطي: وهو المشهور المعمول به عند القضاة والحكام. وقال في البهجة عند قول الناظم: (والنقض للإقرار والإنكار من ... توكيل الاختصام بالرد قمن) (٣) قال: (ومعناه: أن من وكل على الخصام ولم يجعل له موكله في الوثيقة الإقرار والإنكار فإن التوكيل قمن بالرد حقيق به لما على المطلوب من الضرر في ذلك ... ) (٤) . ووجه هذا القول كما هو واضح من تعليل البهجة: أن في سلب الإقرار والإنكار من الوكيل إضراراً بالخصم فلايجوز.

стр. 6095

وما ذكره المالكية له وجاهته إذ لا فائدة في حضور الوكيل وهو ممنوع الإقرار والإنكار إلاَّ أن تطول مدة الخصومة فإذا لم يكن الموكل حاضراً مجلس القضاء أو قريباً منه لم يكن في التوكيل فائدة كبيرة ترجى، وهذا يضر بالطرف الآخر فله أن يمتنع من مخاصمة الوكيل حتى يجعل له موكله الإقرار أو الإنكار، والله أعلم. المبحث الثاني: قبض وكيل الخصومة المال الذي وكل بالمخاصمة فيه اختلف الفقهاء ﵏ في وكيل الخصومة هل له القبض أو لا؟، على قولين: القول الأول: أن الوكيل بالخصومة في المال وكيل بقبضه، وبهذا قال أئمة الحنفية الثلاثة (١) . واستدلوا بما يلي: ١ - أنه لما وكله بالخصومة في مال فقد ائتمنه على قبضه؛ لأن الخصومة فيه لاتنتهي إلاَّ بقبضه فكان التوكيل بها توكيلاً بالقبض. ٢ - القياس على الوكيل بتقاضي الدين فإنه يملك القبض في ظاهر الرواية؛ لأن حق التقاضي لاينقطع إلاَّ بالقبض فكان التوكيل به توكيلاً بالقبض (٢) . القول الثاني: أن وكيل الخصومة لايملك القبض، وبه قال زفر من الحنفية، وهو قول المتأخرين منهم قال في البدائع: (إلاَّ أن المتأخرين من أصحابنا قالوا: إنه لايملك في عرف ديارنا؛ لأن الناس في زماننا لايرضون بقبض المتقاضي كالوكلاء على أبواب القضاة لتهمة الخيانة في أموال الناس) (٣) . وبهذا قال الشافعية (٤) والحنابلة (٥) . واستدلوا بما يلي: ١ - أن القبض لايتناوله الإذن نطقاً ولا عرفاً إذ ليس كل من يرضاه لتثبيت الحق يرضاه لقبضه (٦) .

стр. 6096

٢ - أن المطلوب من الوكيل بالخصومة الاهتداء، ومن الوكيل بالقبض الأمانة وليس كل من يهتدي إلى شيء يؤتمن عليه، فلايكون التوكيل بالخصومة توكيلاً بالقبض (١) . والقول الثاني هو الراجح في نظري؛ لأن الوكيل إنَّما أذن له في الخصومة، والقبض معنى آخر فلايملكه إلاَّ بالإذن له فيه، ولايسلم للحنفية أن من وكّل في الخصومة في مال فقد وكل بقبضه، بل هما شيئان، وقد يرضى لأحدهما من لايرضاه للآخر. وأمَّا القياس على الوكيل بتقاضي الدين فهو قياس مع الفارق، ذلك أن الموكل بتقاضي الدين يشعر اللفظ بالقبض أيضاً، والله أعلم. المبحث الثالث: توكيل وكيل الخصومة لشخص آخر والمراد: أن الوكيل بالخصومة هل يملك أن يوكل غيره أو لا؟ . قسم ابن قدامة ﵀ في المغني التوكيل إلى ثلاثة أقسام، أو ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ينهاه الموكِّل عن التوكيل، فهذا لايجوز له أن يوكِّل، قال في المغني: (بغير خلاف؛ لأن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه فلم يجز له كما لولم يوكله) (٢) . الحالة الثانية: أن يأذن له في التوكيل صريحاً فيجوز له أن يوكل؛ لأنه عقد أذن له فيه فكان له فعله كالتصرف المأذون له فيه. قال في المغني: (ولانعلم في هذين خلافاً) (٣) . فإن قال له: افعل ما شئت أو اعمل برأيك، أو وكله في كل تصرف فهل يعتبر هذا إذناً بالتوكيل.

стр. 6097

ذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) في المشهور وأحد الوجهين عند الشافعية (٣) والحنابلة (٤) إلى أن له أن يوكل. ووجهه: أن هذا لفظ عام فيما شاء فيدخل في عمومه التوكيل (٥) . وأصح الوجهين عند الشافعية: أنه لايكون إذناً في التوكيل؛ لأن قوله: افعل ما شئت ينصرف إلى تصرفه بنفسه. إلاَّ أن الشافعية استثنوا ما إذا كان الموكَّل فيه لايتأتى للوكيل مباشرته فالظاهر جواز التوكيل في هذه الحالة (٦) . والذي يظهر لي أن الوجه الثاني عند الشافعية أولى؛ لأن قوله: افعل ما شئت يراد منه الأعمال التي يقوم بها بنفسه، والتوكيل ليس بداخل في ذلك؛ إذ قد يرضى الإنسان بتوكيل شخص ولايرضى بتوكيل غيره. إلاَّ أن يقال بأن هذا مدفوع باشتراط أن يكون الوكيل الثاني أميناً. لكن ليست الأمانة وحدها هي المقصود من الوكيل، والله أعلم. الحالة الثالثة: أن يطلق الوكالة أي لاينهاه عن التوكيل ولايفوض إليه التصرف، فهذا هل له أن يوكل أم لا؟ . أقول: إن هذا ينبني على صحة عقد الوكالة على هذه الصفة أولاً، ثم بعد ذلك يتقرر هل له التوكيل أم لا؟ . فذهب المالكية إلى أن الوكالة لاتصح هنا فلابد من التفويض أو التعيين؛ ولهذا قال ابن عرفة: شرط صحتها علم متعلقها خاصاً أو عاماً بلفظ أو قرينة أو عرف خاص أو عام، فلو أتى بلفظ التوكيل مطلقاً كأنت وكيلي أو وكلتك فطريقان:

стр. 6098

قال ابن بشير (١) وابن شاس (٢) : لغو، وهو قول ابن الحاجب: لم يفد. وقال ابن رشد: إنَّما تكون الوكالة مفوضة في كل شيء إذا لم يسم فيها شيئاً. ولهذا قالوا في الوكالة: إذا طالت قصرت وإذا قصرت طالت (٣) . فأمَّا الوكيل غير المفوض وهو المخصوص فلايجوز له عند المالكية أن يوكل إلاَّ أن لايليق الفعل الموكل عليه به، فله أن يوكل سواء علم موكله أنه لايليق به أم لا. ويجوز له أن يوكل إذا كثر الفعل الموكِّل فيه بحيث يتعذر على الوكيل استقلاله فيه فله أن يوكل من يعينه عليه لا من يستقل به، بخلاف من لايليق به فيوكل من يستقل به (٤) . أمَّا الحنفية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧) فلايشترطون التفويض أو التعيين، ولذا لو وكله وسكت صحت الوكالة. وعلى هذا فلايخلو من أقسام ثلاثة: القسم الأول: أن يكون العمل مِمَّا يترفع الوكيل عن مثله كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة، أو يعجز عن عمله لكونه لايحسنه أو غير ذلك.

стр. 6099

فهذا يجوز له التوكيل فيه؛ لأنه إذا كان مِمَّا لايعمله الوكيل عادة انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة فيه (١) . القسم الثاني: أن يكون مِمَّا يعمله بنفسه إلاَّ أنه يعجز عن عمله كله لكثرته وانتشاره فيجوز له التوكيل في عمله أيضاً؛ لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل فجاز التوكيل في فعل جميعه كما لو أذن في التوكيل بلفظه. وقال القاضي: عندي أنه إنَّما له التوكيل فيما زاد على ما يتمكن من عمله بنفسه؛ لأن التوكيل إنَّما جاز للحاجة، فاختص ما دعت إليه الحاجة، بخلاف وجود إذنه فإنه مطلق (٢) . وللشافعية في هذا ثلاث طرق: أصحها: أنه يوكل فيما يزيد على القدر الذي يُمكنه توليه أمَّا في القدر الذي يُمكنه عمله ففيه وجهان: أصحهما: أنه لايوكل في القدر المقدور عليه؛ لأن لا ضرورة إليه. وهذا كقول القاضي من الحنابلة. والثاني: أنه يوكل فيه أيضاً؛ لأنه ملك التوكيل في البعض فيوكل في الكل كما لو أذن صريحاً (٣) ، وهذا موافق للقول الأول عند الحنابلة. القسم الثالث: ما عدا هذين القسمين: وهو ما يُمكنه عمله بنفسه، ولايترفع عنه، فهذا اختلف في جواز التوكيل فيه على قولين: الأول: لايجوز التوكيل فيه، وهو قول الحنفية (٤) والشافعية (٥) ، ورواية عن الإمام أحمد ورجحه ابن قدامة (٦) . واستدلوا بما يلي: ١ - أن الموكِّل لم يأذن للوكيل في التوكيل، ولاتضمنه إذنه فلم يجز كما لو نهاه. ٢ - ولأنه استئمان فيما يُمكنه النهوض فيه فلم يكن له أن يوليه من لم يأمنه عليه كالوديعة ليس له أن يودعها مع قدرته على حفظها (٧) .

стр. 6100

٣ - ولأن الناس يتفاوتون في الخصومة، والموكل رضي برأي الأول دون غيره (١) . لكن قال الحنفية إن خاصم الوكيل الثاني، والوكيل الأول حاضر جاز ويصير كأن الأول خاصم بنفسه (٢) . وفي تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار ما يدل على أن الخصومة لاتكفي فيها الحضرة خلافاً لما في الخانية (٣) . القول الثاني: يجوز له أن يوكل، وهو رواية عن الإمام أحمد نقلها حنبل (٤) . ووجه هذه الرواية: أن الوكيل له أن يتصرف بنفسه فملك التوكيل كالمالك (٥) . ونوقش بالفرق فإن المالك يتصرف بنفسه في ملكه كيف يشاء بخلاف الوكيل فإنه يتصرف نيابة عن المالك فينحصر تصرفه فيما أذن له فيه (٦) . والراجح - إن شاء الله - هو القول الأول بعدم جواز توكيله في هذه الحالة لعدم سلامة حجة القول الثاني؛ ولأن الوكيل نائب عن المالك فليس له أن يتصرف إلاَّ فيما أذن له فيه، والتوكيل على هذا الوجه غير مأذون فيه فكان ممنوعاً، والله أعلم. الفصل الرابع: العوض في الوكالة لا نزاع بين الفقهاء أن الوكالة بغير عوض جائزة؛ لأنها من التبرعات، أمَّا إن كانت بعوض فلايخلو إمَّا أن يكون على سبيل الإجارة أو على سبيل الجعالة.

стр. 6101

فإن كان على سبيل الإجارة فقد صرحت المذاهب الثلاثة الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) بالجواز وعلى هذا فيشترط فيها شروط الإجارة من تسمية العوض وتحديد الأجل أو العلم بالعمل (٤) . ولم أجد للحنابلة نصاً في جوازها على سبيل الإجارة لكن قواعد المذهب لاتأباه إذا كان عملاً معلوماً وعوضاً معلوماً وتوافرت بقية شروط الإجارة. وإن كان على سبيل الجعالة صح عند المالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧) . واستدلوا بما يلي: ١ - أن النبي ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عُمَالة؛ ولهذا قال ابنا عمه: لو بعثتنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي الناس ونصيب ما يصيبه الناس يعنيان العُمالة (٨) . فيقاس على ذلك التوكيل بالخصومة. ٢ - القياس على مجاعلة الطبيب على البرء. ٣ - أن بالناس ضرورة إلى ذلك (٩) . أمَّا الحنفية فلايجيزون الجعالة أصلاً (١٠) .

стр. 6102

القول الثاني: يكره الجعل في الخصومة على أنه إن فلج فله كذا وإلاَّ فلا شيء له، وهو قول لمالك ﵀، ففي تبصرة الحكام نقلاً عن التهذيب قوله: (وكره مالك الجعل على الخصومة على أنه لايأخذ إلاَّ بإدراك الحق) . قال ابن القاسم: فإن عمل ذلك فله أجرة مثله. وروي عنه أنه أجاز ذلك كما مر في القول الأول وإنَّما كره ﵀ ذلك؛ لأنها على الشرط والمجادلة، ولأنها قد تطول، ولايتنجز منها غرض الجاعل فيذهب عمله مجاناً. ونقل في التبصرة أيضاً عن الطرر قال الشعباني: لا خير في الوكالة على الخصومة إذا كانت بالأجرة حتى تنقطع؛ لأنها قد تطول وتقصر. قال: ولو توكل على أن يحضر معه مجلس السلطان في كل يوم كذا يناظر عنه، كان جائزاً وإن لم يعلم قدر مقامه من الساعات. وقال غيره معللاً لذلك: لأن ذلك خفيف متقارب الأجر. قال: ولو حضر معه اليوم فلم يجلس من يخاصم إليه فانتظره إلى آخر مجلسه وجب له حقه وإن انصرف في أول ما حضر بطل ذلك، ولم يكن عليه حضور يوم آخر؛ لأن اليوم الذي كان أجره فيه قد ذهب (١) . وقال في الكافي: (لا يجوز أن يستأجر خصماً على أنه إن أدرك حقه كان له ما جعل له وإن لم يدركه فلا شيء له عليه بل يجعل له جعلاً معلوماً على كل حال، وإلاَّ فيكون له أجرة مثله) (٢) . فتلخص من هذه النقول أن لمالك ﵀ قولان: أحدهما: الجواز كما مرّ في القول الأول.

стр. 6103

والثاني: الكراهة، أي كراهة الجعالة على أنه إن أصاب الحق أخذ وإلاَّ فلا، وجوازها بدون هذا القيد، ولعل المراد هنا عدم الصحة؛ لأنه قال له أجرة مثله، وهذا يعني فساد الجعالة، لاسيما وأن لفظ الكراهة عند الإمام مالك ﵀ يراد به الحرمة أو التحريم (١) . وعلى القول الأول لابد من العلم بالعوض بالاتفاق (٢) ، واشترط الحنابلة تحديد الوقت (٣) فإن فسدت صح التصرف لوجود الإذن وللوكيل أجرة مثله (٤) . والراجح في نظري أن العوض في الوكالة جائز سواء كان على سبيل الإجارة أو على سبيل الجعالة إذا كان عوضاً مباحاً وعملاً مباحاً معلوماً وليس لمن منعه حجة إلاَّ من جهة أن العمل قد يطول، وقد لايحصل من ذلك غرض الجاعل، وهذا لايمنع من صحة الجعالة؛ لأنها مشروعة للحاجة على العمل الذي لاتصح فيه الإجارة لكون العمل لايتقدر بزمن معين، فهي أوسع باباً من الإجارة، والله أعلم. الفصل الخامس: صفة عقد الوكالة وأسباب الفسخ وفيه مبحثان: المبحث الأول: الوكالة بين اللزوم والجواز وفيه مطلبان: المطلب الأول: صفة الوكالة الخالية عن العوض الوكالة بالخصومة - كما مرّ - إمَّا أن تكون بعوض أو بغير عوض، فإن كانت بغير عوض فقد اختلف الفقهاء ﵏ هل هي عقد لازم لايُمكن فسخه أو أنها من العقود الجائزة التي يحق لكل من العاقدين فسخه؟ ، وفيما يلي تفصيل الأقوال في هذه المسألة: القول الأول: للحنفية يرون أن الوكالة من العقود الجائزة من الطرفين فيحق لكل منهما فسخه وهذا هو الأصل فيها، لكن يعرض لها اللزوم في صور منها:

стр. 6104

أنه لو وكل رجلاً بالخصومة ثم عزله حال غيبة الخصم، فهذا على وجهين: أحدهما: إن كان وكيل الطالب - أي المدعي - فيصح عزله وإن كان المطلوب - المدعى عليه - غائباً. ووجهه: أن الطالب بالعزل يُبْطِلُ حق نفسه؛ ذلك أن خصومة الوكيل حق الطالب، وإبطال الإنسان حق نفسه صحيح من غير أن يتوقف على حضور غيره. والثاني: أن يكون وكيل المطلوب - المدعى عليه - فهذا على وجهين: الأول: أن يكون التوكيل من غير التماس أحد - سواء المدعي أو القاضي - ففي هذا الوجه يصح العزل وإن كان الطالب غائباً. والثاني: أن يكون التوكيل بالتماس الخصم أو القاضي، وفي هذا الوجه إن كان الوكيل غائباً وقت التوكيل ولم يعلم بالتوكيل صح عزله على كل حال. وذلك: لأن الوكالة غير نافذة؛ لأنه لا نفاذ لها قبل علم الوكيل فكان العزل رجوعاً وامتناعاً فيصح، وهذا على الرواية التي تشترط علم الوكيل بصيرورته وكيلاً. وإن كان الوكيل حاضراً وقت التوكيل، أو كان غائباً لكن علم بالوكالة ولم يردها فإن كانت الوكالة بالتماس الطالب - المدعي - فلايصح عزل الوكيل في حال غيبة الطالب، ويصح في حال حضوره رضي بذلك الطالب أو لم يرض. وذلك: لأنه بالتوكيل ثبت نوع حق للطالب قِبَل الوكيل، وهو حق أن يحضره مجلس الحكم فيخاصمه، ويثبت حقه عليه، وبالعزل حال غيبة الطالب لو صح بطل هذا الحق أصلاً؛ لأنه لا يُمكنه الخصومة مع الوكيل، والمطلوب رُبَّمَا يغيب قبل أن يحضر الطالب فلا يُمكنه الخصومة معه أيضاً فيبطل حقه أصلاً. وأمَّا إذا كان الطالب حاضراً فحقه لا يبطل أصلاً؛ لأنه إن كان لا يُمكنه الخصومة مع الوكيل يُمكنه مع المطلوب، ويُمكنه أن يطلب من المطلوب أن ينصب وكيلاً آخر (١) .

стр. 6105

القول الثاني: إن قاعد الوكيلُ الخصم عند الحاكم ثلاثة مجالس ولو كانت في يوم واحد، فالوكالة لازمة مطلقاً، فليس للموكّل عزله ولا للوكيل عزل نفسه إلاَّ من عذر، وهذا قول المالكية، والمرتين كالثلاث ذكره ابن رشد وقال: هذا هو المشهور من المذهب (١) . قال في مواهب الجليل: ( ... ليس للموكل عزل وكيله بعد مناشبته للخصام ومقاعدة خصمه ثلاثاً، ومفهوم ذلك أن له عزله قبل ذلك وهو كذلك إذا أعلن بعزله وأشهد عليه ولم يكن منه تفريط في تأخير إعلام الوكيل بذلك، وأمَّا إن عزله سراً فلايجوز عزله ويلزمه ما فعله الوكيل وما أقر به عليه إن كان جعل له الإقرار ... ) (٢) . فشرط جواز عزله قبل الثلاث أو الثنتين على ما قاله ابن رشد أن لايكون عزله سراً؛ إذ لو عزله سراً لم يصح عزله. ووجهه: ١ - أنه يجب رفع العدوان فوراً فإن أحد المتخاصمين ظالم، والمنكرُ والفسادُ تجب إزالته على الفور (٣) . ٢ - أنه لو جاز عزل الوكيل بعد أن ناشب خصمه في الخصام وقاعده فيه، أو قبل ذلك سراً لم يشأ أحد أن يوكل وكيلاً عن المخاصمة عنه ويشهد في السر على عزله إلاَّ فعل ذلك فإن قضي له سكت وإن قضي عليه قال كنت قد عزلته (٤) . ٣ - أنه بعد المقاعدة ثلاثاً أو اثنتين قد تعلق حق الخصم بخصومته (٥) . ٤ - أن في العزل سراً من الخدعة والقصد إلى الغش فلا يلتفت إليه ولايعلم به (٦) . وأمَّا العذر الذي يفسخ لأجله فكالمرض الظاهر، والسفر لكن يحلف في السفر أنه ما سافر ليوكل وعليه أن يحلف في المرض الخفي فإن نكل لم يجز له العزل.

стр. 6106

ومثل المرض ظهور تفريطه من قلة قيامه بأمر الخصام، أو يظهر ميله للخصم، أو مسامحته في الحق فله عزله حينئذٍ ويوكل غيره أو يخاصِم بنفسه. وحكى بعضهم الاتفاق عليه، ولو كانت الوكالة بأجرة فظهر غشه ونحو ذلك مِمَّا مر كان عيباً وله أن يفسخ الوكالة. ومقتضى قولهم أنه يحلف في المرض الخفي أن يحلف في هذه الأمور إن ادّعاها ولم تظهر (١) . القول الثالث: أن له أن يعزله وللوكيل أن يعزل نفسه ما لم يُشرف على تمام الحكم فإذا أشرف على تمام الحكم وكان قد قبل الوكالة لم يكن له عزل نفسه، وهذا قول عند المالكية (٢) . القول الرابع: أن له أن يعزله وللوكيل عزل نفسه مطلقاً، وهذا قول الشافعية (٣) والحنابلة (٤) . قال المزني: (فإن وكله بخصومة فإن شاء قبل وإن شاء ترك، فإن قبل فإن شاء فسخ وإن شاء ثبت) (٥) . وقال الماوردي ﵀: (وهذا صحيح، وعقد الوكالة إرفاق ومعونة في العقود الجائزة دون اللازمة) (٦) .

стр. 6107

وفي المغني لابن قدامة قوله: (وجملته أن الوكالة عقد جائز من الطرفين، فللموكل عزل وكيله متى شاء وللوكيل عزل نفسه) (١) . واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - أن عقد الوكالة إمَّا أن يكون من العقود اللازمة فلايجوز لأحدهما أن يفسخ إلاَّ برضا صاحبه كالبيع أو يكون من العقود الجائزة فيجوز أن ينفرد بفسخه كالجعالة، فلما لم يكن الرضا فيه معتبراً كان التفرد بفسخه جائزاً (٢) . ٢ - أن الوكالة إذن في التصرف فكان لكل منهما إبطاله كما لو أذن في أكل طعامه (٣) . ٣ - أن كل من لم يكن رضاه معتبراً في دفع العقد لم يكن حضوره معتبراً في رفعه كالمطلقة طرداً وكالإقالة عكساً، وكان كل من صح منه فسخ الوكالة بحضور صاحبه صح منه أن ينفرد بفسخها كالموكل (٤) . ذكر هذا الماوردي ﵀ ويشير بهذا إلى الرد على الأحناف الذين لايجيزون الفسخ في حالة حصول التوكيل بالتماس الطالب حيث كان الوكيل حاضراً وقت التوكيل، أو كان غائباً لكنه علم بالوكالة ولم يردها، إلاَّ إذا كان المدعي حاضراً (٥) . ٤ - أنه عقد وكالة يصح من الموكّل أن ينفرد بفسخه فصح من الوكيل أن ينفرد بفسخه كالوكالة التي لم يشرع الوكيل في المخاصمة فيها (٦) . والقول الرابع هو الراجح في نظري؛ لأن الوكالة بالخصومة نوع من أنواع الوكالات، والوكيل فيها متبرع بالعمل فكانت جائزة كغيرها. ثم هل يشترط للفسخ حيث جاز الفسخ لكونها جائزة غير لازمة علم الموكل أو الوكيل؟ لايخلو الفسخ إمَّا أن يكون من الموكّل أو من الوكيل. فإن كان الفسخ من الوكيل حصل الفسخ بمجرد قوله فسخت الوكالة أو خرجت منها ولايشترط علم الموكّل ولاتشترط الشهادة على الفسخ (٧) .

стр. 6108

وعند المالكية قول مرجوح أنه ليس له أن يعزل نفسه في غيبة الموكل (١) . أمَّا إن كان الفسخ من جهة الموكل فقد اختلف الفقهاء ﵏ في اشتراط علم الوكيل على قولين: الأول: لايشترط علم الوكيل بالفسخ، وهو رواية عن مالك (٢) وقول للشافعي (٣) ، ورواية عن أحمد (٤) . واستدلوا بما يلي: ١ - القياس على الطلاق والعتاق بجامع أن كلاً رفع عقد لايفتقر إلى رضى صاحبه فلايفتقر إلى علمه (٥) . ٢ - أنه لما لم يكن علم الموكل معتبراً في فسخ الوكالة لم يكن علم الوكيل معتبراً في فسخها (٦) . الثاني: أنّ علم الوكيل شرط لعزله، وهذا قول آخر للشافعي (٧) ، ورواية عن الإمام أحمد (٨) ، نص عليه في رواية جعفر بن محمد، وهو قول الإمام أبي حنيفة (٩) ، ورواية عن مالك (١٠) . واستدلوا بما يلي: ١ - أنه لما كان علم الوكيل معتبراً في عقد الوكالة كان معتبراً في الفسخ. ٢ - ولأنه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر؛ لأنه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة. ٣ - ولأنه يتصرف بأمر الموكل ولايثبت حكم الرجوع في حق المأمور قبل علمه (١١) . والراجح في نظري هو القول الثاني؛ وذلك لأن القياس على الطلاق والعتاق قياس مع الفارق، ذلك أن العتاق مبني على التغليب والسراية، والشارع يتشوّف إليه ويحث عليه، فلم يكن علم العبد فيه معتبراً، والطلاق حق للرجل فلم يعتبر فيه علم المرأة، ولايؤدي إلى ضياع شيء من حقوقها.

стр. 6109

أمَّا الوكالة ففيها حق للموكل، وفيها حق للوكيل، ويتعلق بها حقوق للغير، ولما لم يكن على الموكِّل ضرر في فسخ الوكيل لم يكن علمه معتبراً للفسخ بخلاف علم الوكيل؛ لأنه يتصرف تصرفات مع الغير، وفسخ الوكالة بدون علمه يعود على تلك التصرفات بالإبطال، وذلك ضرر به لذا كان اشتراط علم الوكيل هو الصواب إن شاء الله. والله أعلم. المطلب الثاني: صفة الوكالة المشتملة على عوض وفيه فرعان: الفرع الأول: صفة الوكالة التي عقدت على سبيل الإجارة: الوكالة التي بعوض إمَّا أن تكون على سبيل الإجارة أو على سبيل الجعالة فإذا كانت كذلك فهل تكون لازمة أو لا؟ . أمَّا إن كانت بأجرة فمذهب الحنفية والمشهور عند المالكية أنها لازمة لأنها إجارة (١) . وذهب الشافعية إلى أنها إن شرط فيها جعل معلوم واجتمعت شرائط الإجارة وعقد بلفظ الإجارة فهي لازمة، وإن عقد بلفظ الوكالة أمكن تخريجه على أن الاعتبار بصيغ العقود أم بمعانيها (٢) . احتمالان ذكرهما الروياني وجهين وصحح منهما الأول على القاعدة الغالبة في ذلك، قال الشيخ الشربيني: وهو المعتمد كما جزم به الجويني في مختصره؛ لأن الإجارة لاتنعقد بلفظ الوكالة (٣) . ولم أجد للحنابلة نصاً في هذه المسألة. ومن خلال ما تقدم يلاحظ أن المالكية يرون أن الوكالة التي عقدت بأجر لازمة لأنها إجارة والإجارة لازمة لاتنفسخ إلاَّ بما تنفسخ به العقود اللازمة. ويوافقهم الشافعية فيما إذا عقدت بلفظ الإجارة وكان العوض معلوماً واجتمعت فيها شروط الإجارة. أمَّا التي عقدت بلفظ الوكالة فعلى وجهين المعتمد في المذهب أنها وكالة لاتكون لازمة بناء على أن العبرة بالصيغة لا بالمعنى.

стр. 6110

والراجح في نظري أنها لازمة سواء عقدت بلفظ الإجارة أم بلفظ الوكالة إذ العبرة بالمعنى على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهذه في المعنى إجارة، والله أعلم. الفرع الثاني: صفة الوكالة التي عقدت على سبيل الجعالة: إذا عقدت الوكالة على سبيل الجعالة فهل تكون لازمة أو جائزة؟ . لقد اختلف الفقهاء ﵏ في لزوم الجعالة هنا وجوازها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها لازمة من الطرفين، وهو قول عند المالكية ذكره القرافي في الذخيرة ولم يذكر وجهه. القول الثاني: أنها جائزة من الطرفين، وهو قول آخر للمالكية (١) ، وقول للشافعية مبني على أن العبرة بصيغ العقود، قال في المنهاج وشرحه نهاية المحتاج للرملي الوكالة ولو بجعل بناء على أن العبرة بصيغ العقود هنا كما رجحه الروياني وجزم به الجويني في مختصره ما لم تكن بلفظ الإجارة بشروطها ... جائزة أي غير لازمة من الجانبين) (٢) . وهذا ظاهر كلام الحنابلة؛ لأنهم ذكروا أن الوكالة من العقود الجائزة من الطرفين ولم يفرقوا بين أن تكون بجعل أو بغير جعل (٣) ، وأيضاً فالعبرة عند الحنابلة في العقود بالمعنى لا باللفظ (٤) وهي في المعنى جعالة، والجعالة جائزة من الطرفين (٥) . ووجهه: أن الموكل قد تظهر له المصلحة في ترك ما وكل فيه أو توكيل آخر؛ ولأن الوكيل قد يعرض له ما يمنعه عن العمل (٦) .

стр. 6111

القول الثالث: أنها لازمة للجاعل دون المجعول له بالشروع في العمل، وهو قول ثالث للمالكية (١) وهو المشهور من المذهب. ومحل هذا الخلاف فيما إذا عقدت بلفظ الوكالة (٢) . أمَّا إن عقدت بلفظ الإجارة أو الجعالة فهي مثلهما (٣) ، فتكون إجارة لازمة إن كانت بلفظ الإجارة، وتكون جعالة لاتلزم إلاَّ بالشروع في العمل في حق الجاعل، وجائزة في حق المجعول له. والراجح في نظري - والله أعلم - أنها إن كانت على سبيل الإجارة وعقدت بلفظها أي بلفظ الإجارة فهي إجارة وتكون لازمة كسائر الإجارات، وإن عقدت بلفظ الوكالة فهي لازمة أيضاً نظراً للمعنى؛ لأنها في المعنى إجارة وإن كانت بلفظ الوكالة، وإن عقدت على سبيل الجعالة فهي مثلها فتكون جائزة من الطرفين قبل تمام العمل كما هو رأي الشافعية والحنابلة. ووجه جوازها من جانب الجاعل أنها تعليق للاستحقاق على الشرط فما لم يحصل الشرط فله الفسخ، وأمَّا من جهة العامل فلأنها عقد على ما لايقدر على تسليمه، وعلى هذا فلو فسخ أحدهما قبل الشروع في المخاصمة فلا شيء له، وإن حصل الفسخ من جهة الوكيل بعد الشروع في العمل فلا شيء له؛ لأنه لم يتم عمله وإن كان الفسخ من جهة الجاعل فللعامل أجرة مثل عمله كالجعالة من غير وكالة (٤) ، والله أعلم. المبحث الثاني: أسباب الفسخ الوكالة إذا كانت بغير عوض فهي جائزة كما مرّ إلاَّ أنه يعرض لها اللزوم عند بعض الفقهاء في صور، وإن كانت على سبيل الإجارة فالإجارة من العقود اللازمة فلاتنفسخ الوكالة هنا إلاَّ بما تنفسخ به العقود اللازمة.

стр. 6112

وإن كانت على سبيل الجعالة فالجعالة عقد جائز قبل الشروع في العمل، وبعده تكون جائزة في حق العامل ولازمة في حق الجاعل، وقد بينت هذا بالتفصيل. وفي هذا المبحث سوف أذكر أسباب الفسخ بشيء من الإيجاز: السبب الأول: عزل الوكيل وقد مر الكلام عليه قريباً. السبب الثاني: إقرار الوكيل على موكله (١) ؛ لأن إقراره اعتراف بأن لا خصومة بينه وبين المطلوب إذ لم يبق للطالب شيء فيعزل عن الوكالة (٢) . السبب الثالث: موت الموكل، وقد اتفق العلماء (٣) على أن موت الموكِّل سبب للفسخ، قال في المغني: (ولا خلاف في هذا كله فيما نعلم) (٤) . وسبب ذلك: أنه بموت الموكِّل ينتقل الحق لغيره وهم الورثة فليس للوكيل أن يتصرف لهم بغير إذنهم فإن فعل فلهم رده (٥) . ولأن الوكالة بأمر الموكِّل وقد بطلت أهليته فتبطل الوكالة (٦) . شروط انفساخ الوكالة بموت الموكِّل: اشترط الفقهاء لانفساخ الوكالة بموت الموكِّل شروطاً فيما يلي بيانها: الشرط الأول: العلم بموته. وبهذا قال المالكية في القول الراجح (٧) ، وأحمد في رواية (٨) . وخالف الحنفية (٩) والشافعية (١٠) في القول المعتمد، وأحمد (١١) في رواية فقالوا: ينعزل علم بموته أم لم يعلم. ووجه الأول:

стр. 6113

١ - أنه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر؛ لأنه قد يتصرّف تصرفات فتقع باطلة، ورُبَّما باع الجارية فيطؤها المشتري، أو الطعام فيأكله، أو غير ذلك فيتصرف فيه المشتري، ويجب ضمانه، ويتضرر المشتري والوكيل. ٢ - ولأن الوكيل يتصرف بأمر الموكِّل ولايثبت حكم الرجوع في حق المأمور قبل علمه كالنسخ (١) ، فإن حكمه لايثبت في حق المكلف قبل علمه. ووجه الثاني: أن الفسخ رفع عقد لايحتاج إلى رضا الآخر لكونه من العقود الجائزة، فلايفتقر إلى علمه كالطلاق والعتاق (٢) . وإذا دققنا النظر في أدلة القول الأول لوجدنا أنها خاصة بالتوكيل في البيع والشراء ونحوهما من التصرفات ولاتنطبق على الوكالة بالخصومة إذ ليس هناك ضرر يُمكن أن يترتب على الموكّل أو على ورثته في الاستمرار فيها؛ إذ المقصود بالوكالة إثبات حقهم. لذا فالذي يظهر لي أن القول بعدم الفسخ أولى، ولو رأى الورثة أن الضرر يلحق بهم فإن لهم الفسخ في العقد الجائز، والله أعلم. الشرط الثاني: أن لايكون وكيل الخصومة قد أشرف على تمامها بحيث لو أراد عزله لم يكن له ذلك، وهذا الشرط اشترطه المالكية فقط (٣) . واشتراطه له وجاهته فإن الطرف الآخر يتضرر بالفسخ في هذه الحالة إذ يتعين عليه إعادة الدعوى وفيه ما فيه من تضييع الوقت، وإشغال القضاة والمتداعيين مرة أخرى حين إعادة الدعوى، والله أعلم. السبب الرابع: موت الوكيل؛ لأنه مبطل لأهليته، وليست الوكالة حقاً يورث عنه حتى يقول وارثه أنا أقوم مقامه (٤) . السبب الخامس: خروج أحدهما عن أهلية التصرف بجنون أو حجرٍ عليه.

стр. 6114

وبهذا قال الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) . لكن الحجر الذي تنفسخ به الوكالة في الخصومة عند الحنابلة هو الحجر بسبب السفه. أمَّا الحجر بسبب الفلس، فهذا لاينعزل به وكيل الخصومة؛ لأنه لايخرج به عن كونه أهلاً للتصرف. وكذا لو كان الذي حجر عليه بسبب الفلس هو الموكِّل لاينعزل الوكيل بذلك؛ لأن الموكِّل أهل للخصومة، وله أن يستنيب في الخصومة ابتداءً فلاتنقطع الاستدامة (٤) . أمَّا عند الحنفية فهذا فقط في حق العبد المأذون له إذا وكَّل ثم حجر عليه، فتنفسخ الوكالة. ولذا قال في البحر عند قول الكنز: (وعجز موكله لو مكاتباً وحجره لو مأذوناً) قال: لما ذكرنا من أن قيام الوكالة يعتمد قيام الأمر وقد بطل بالحجر والعجز علم أو لم يعلم، أطلقه وهو مقيد بما إذا كان وكيلاً في العقود والخصومات، وأمَّا الوكيل في قضاء الدين واقتضائه فلاينعزل بهما ... ) (٥) . وفي الفتاوى الهندية: أن الوكالة إنَّما تبطل بالعجز والحجر إذا كان وكيلاً بالبيع والشراء أمَّا إذا كان التوكيل بالتقاضي أو بقضاء الدين فلاتبطل (٦) . فإن كان مرادة بالتقاضي الاختصام فيعتبر قولاً آخر خلاف ما قاله ابن نجيم وإن كان مراده اقتضاء الحقوق والديون فيكون كلامه موافقاً لكلام البحر، وهذا هو الظاهر. والظاهر من كلام الشافعية أن الحجر بالسفه والفلس إنَّما يؤثر في الوكالة بالتصرفات التي يؤثر فيها السفه والفلس كالمعاوضات والتبرعات أمَّا الوكالة بالخصومات فلايؤثر فيها (٧) .

стр. 6115

والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الحجر الذي يفسخ به الوكالة في الخصومة هو الحجر بسبب السفه؛ لأن السفيه لايحسن التصرف لنفسه فلايحسنه لغيره. أمَّا الدَّين فالمدين إنَّما منع من التصرف في المال لحق غيره بسبب الدين وليس لسوء تصرفه فهذا لايؤثر على الوكالة بالخصومة، والله أعلم. وأمَّا الجنون فالجمهور كما مرّ يرون أنه سبب للفسخ لكن اختلفوا في الجنون الذي يفسخ به الوكالة. فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه الجنون المطبق (١) ، وإن اختلفوا في تفسيره: فعند أبي يوسف هو ما يستوعب الشهر. ووجهه: أن هذا القدر أدنى ما يسقط به عبادة الصوم فكان التقدير به أولى. وقال محمد: حده ما يستوعب الحول. ووجهه: أن المستوعب للحول هو المسقط للعبادات كلها فكان التقدير به أولى (٢) . وروي عن أبي يوسف أن المطبق ما كان أكثر من يوم وليلة لسقوط الصلوات الخمس فصار كالميت. وصحح ابن نجيم في البحر قول محمد أنه سنة (٣) . ولكن ذكر ابن عابدين (٤) في حاشيته على البحر أن الفتوى على قول أبي يوسف، ونقل عن الخانية أن هذا قول أبي حنيفة وأن عليه الفتوى (٥) . أمَّا الشافعية فلم يشترطوا في الجنون أن تطول مدته في القول المعتمد عندهم بل قالوا ينعزل بالجنون وإن زال عن قرب (٦) . لكن لم يذكروا حد القرب.

стр. 6116

ووجهه: أن الجنون لو قارن لمنع من الانعقاد فإذا طرأ أبطل العقد (١) . وفي وجه: لاينعزل بجنون لايمتد بحيث تتعطل المهمات ويحوج إلى نصب قوام (٢) . أمَّا المالكية فقالوا: إن جنون الوكيل لايوجب عزله إن برأ فكذا جنون الموكّل، وإن لم يبرأ فإن طال جداً نظر السلطان في أمره (٣)

стр. 6117

فالمالكية إذن لم يضعوا للجنون حداً معلوماً ينتهي إليه. * * * الخاتمة: وبعد: لقد توصلت من خلال هذا البحث إلى نتائج أهمها: تميز التشريع الإسلامي في شأن التوكيل بالخصومة، إذ تعد نوع من أنواع التعاون على البر والتقوى الهدف منها معاونة صاحب الحق لاستعادة حقه، ورد الباطل. الوكالة بوجه عام الأصل فيها الجواز، وقد تنتظمها الأحكام الخمسة، وكذا التوكيل بالخصومة سواء كان الموكل المدعي أو المدعى عليه. ينبغي التحرز عن الخصومة قدر الإمكان، ولصاحب الحق المطالبة بحقه سواء بنفسه أو بوكيله. يجوز التوكيل بإثبات حقوق الله سواء كانت مِمَّا لايحتاج في إثباته إلى خصومة كحد الزنا والشرب، أو كانت مِمَّا يحتاج إلى خصومة كحد السرقة والقذف. يجوز التوكيل في استيفاء الحدود سواء كان الموكِّل حاضراً أو كان غائباً. يجوز التوكيل في حقوق الآدميين، سواء كان الحق قصاصاً فيوكل في إثباته واستيفائه، أو كان حقاً مالياً غيره، وسواء رضي الخصم أو لم يرض وفي حال حضوره وغيابه. من شروط الوكالة بالخصومة أن تثبت الوكالة عند القاضي. إذا وكل بالخصومة عند القاضي فلابد من الإشهاد على وكالته من يعرف اسمه ونسبه سواء عرفه القاضي أو لم يعرفه. إذا ادّعى شخص أن غائباً وكله بالخصومة ولم يكن أثبت وكالته عند القاضي فلابُد من إثبات الوكالة قبل سماع الدعوى ولايشترط لإثباتها حضور الخصم. تثبت الوكالة بشهادة رجلين بلا نزاع، وتثبت بشهادة رجل وامرأتين فيما يتعلق بالأموال كالتوكيل في المطالبة بالمال، ولايقبل فيما عدا ذلك إلاَّ رجلان عدلان، ولاتثبت بإقرار الخصم أو بتصديق الخصم للوكيل. لايصح التوكُّل في الخصومة عن المبطل إذا علم أو ظن كونه مبطلاً بقصد إعانته على باطلة أمَّا إذا قصد من الوكالة عنه إظهار باطلة ورده عنه، وإيصال الحق إلى مستحقه فيجوز، والله أعلم.

стр. 6118

لايجوز التوكيل في الخصومة بقصد الإضرار بالخصم ولايُمكن منه. يجوز توكيل أكثر من واحد في الخصومة وإن لم يرض الخصم. من وكل وكيلين وأذن لكل واحد منهما أن يستقل بالخصومة فلكل واحد منهما أن يستقل بها، وإن لم يأذن في الاستقلال لم يجز أن يستقل بها أحدهما، وإن حدث من تعدد الوكلاء شغب في مجلس القضاء فللقاضي منعهما من الشغب، وذلك داخل في سلطته. وكيل المدعي يدعي، ويقيم البينة، ويسعى في تعديلها ويطلب الحكم والقضاء ويفعل ما يقع وسيلة إلى الإثبات. ووكيل المدعى عليه ينكر ويطعن في الشهود ويسعى في الدفع بما يُمكنه. ليس للوكيل أن يصالح، ولا أن يبرئ الخصم بلا نزاع. لايصح إقرار الوكيل على موكِّله في الوكالة المطلقة. يجوز للموكِّل أن يمنع الوكيل من الإقرار، ويجوز له أن يأذن فيه، ولابُدّ حينئذٍ من تعيين ما يقر به، وأن يكون من معنى الخصومة، وأن لايكون إقراره لمن يتهم عليه، وأن لايكون في حد أو قصاص، وأن يكون على المعروف. من وكل وكيلاً ممنوعاً من الإقرار والإنكار ولم يكن حاضراً مجلس القضاء أو قريباً منه فللخصم أن يمتنع من مخاصمة الوكيل حتى يجعل له موكّله شيئاً من ذلك. من وكل وكيلاً للمطالبة بمال لم يكن له قبض المال إذا ثبت لموكِّله إلاَّ بإذن. من وكَّل وكيلاً للمخاصمة عنه ونهاه أن يوكِّل غيره لم يجز أن يوكِّل غيره. من وكَّل وكيلاً للمخاصمة عنه وأذن له التوكيل إذناً صريحاً كان له أن يوكل. أمَّا إن أطلق الوكالة فلم ينهه عن التوكيل ولم يأذن له فيه فإن كان ممن يترفع عن ذلك عادة فله أن يوكِّل، أو كان مِمَّا يعجز عنه لكثرته وانتشاره فله أن يوكل في القدر الذي يعجز عنه، وفي القدر الذي لايعجز عنه خلاف والذي يظهر لي أن له التوكيل في الجميع. ما يُمكنه عمل جميعه بنفسه ولايترفع عنه ليس له التوكيل فيه إلاَّ بإذن خاص.

стр. 6119

تجوز الوكالة بغير عوض، وتجوز بعوض سواء كان على سبيل الإجارة أو الجعالة. الوكالة بغير عوض من العقود الجائزة من الطرفين لكل واحد منهما الفسخ. أمَّا التي بعوض فإن كانت على سبيل الإجارة فهي لازمة من الطرفين، وإن كانت على سبيل الجعالة فهي لازمة في حق الجاعل بالشروع في العمل كأصلهما. إذا كان الفسخ من جهة الوكيل لم يشترط علم الموكّل، أمَّا إن كان الفسخ من جهة الموكِّل فيشترط علم الوكيل به. تنفسخ الوكالة بإقرار الوكيل على موكله حيث لم يوكله في الإقرار، وبموت الموكِّل وبموت الوكيل، وبخروج أحدهما عن أهليته بجنون ونحوه.

стр. 6120

منهاج الإمام مالك في التعامل مع الأخبار المتعارضة الدكتور محمد سعيد منصور الأستاذ المساعد في أصول الفقه، كلية الحقوق، جامعة الأزهر، غزة ملخص البحث يبين هذا البحث كيفية تعامل الإمام مالك (مع الأخبار المتعارضة؛ لكونها ظنية الثبوت أو الدلالة؛ لإزالته بعد أن يُحَكِمَ ظنه من تلقاء نفسه، وفق قرائن تعين على النظر في ثبوتها؛ إذ تحف بكل سند من أسانيدها لمعرفة الصَّالِح فيما ينسب إلى النبي (منها للعمل به وترك ما سواه، وكذلك تعين في الكشف عن دلالتها؛ إذ قد يكون معناها قطعياً فلا تحتمل غير ما دلت عليه، وقد يكون ظنياً فتحتمل غيره، وعندئذٍ يمكن أن تُؤَوِّلَ بَعضُها بعضا، إما بصرف الظاهر منها بما يوافق الآخر في معناه، أو بتخصيص العام بالخاص، أو تقييد المطلق بالمقيد، أو بترجيح ما يقبل الترجيح بالمزية الداخلية أو الخارجية. * * * تقديم: الحمد لله الذي وضع عنا ما كان على من قبلنا من إصرٍ وأغلال، وتعهد بحفظ الوحي بشقيه من الاختلاف والتغيير والزوال، كي نعبده أبداً عبادةً سليمة خالية من كل مظاهر الزيغ والضلال، والصلاة والسلام على سيد الرسل كافة محمد المبعوث لإزالة الإلحاد والانحلال، وعلى سائر المرسلين وآلهم وصحبهم صفوة الأجيال، وعلى كل من ساروا على نهجهم فحرموا الحرام وأحلوا الحلال. أما بعد: فإن المستقرئ لكتب الفروع المختلفة يجد أن التعارض في المسألة الواحدة بين ظواهر الأدلة الصحيحة هو سبب الاختلاف فيها، وأنه بين الأخبار يشكل أكثر أنواعه وأعقدها بينها جميعاً نظرياً وعمليا، وقد عمل كل إمام مجتهد منهاجاً يقوم على قوانين وأسس ليسير على وفقه لدفعه بينها (١)

стр. 6121

، بحيث يسري عليها كلها بصورة إجمالية أيّاً كانت آية من قرآن، أو خبر، أو إجماع، أو قياس، أو ما عداها من أدلة الأحكام الشرعية، أما بصورة تفصيلية فإنه يختلف تبعاً لاختلاف طبيعة الدليل الذي يتعلق به، وأتناول في هذا البحث على وجه التحديد منهاج الإمام مالِك في التعامل مع الأخبار المتعارضة، معتمداً على الموارد والأدلة والقرائن الموجودة في كتب الفقه وأصوله والحديث وعلومه؛ لكشف النقاب عن هذا الموضوع الذي يعتبر من أهم الأدوات والوسائل التي تستخدم في استخراج الأحكام الشرعية العملية من الأحاديث النبوية، بعد تمحيصها وتحقيقها وفهمها على أكمل وجه وأتم شكل. وقد جاء البحث بعد هذا التقديم الموجز في ثلاثة مباحث وخاتمة: - أما المبحث الأول: فقد عرضت فيه للكلام عن: أوجه الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وجعلته في تسعة مطالب: المطلب الأول: الجمع ببيان اتحاد مدلولي اللفظين. المطلب الثاني: الجمع ببيان اختلاف المحل أو الحال. المطلب الثالث: الجمع ببيان التقاء مدلولي الأمر أو النهي. المطلب الرابع: الجمع بين الخبرين العامين. المطلب الخامس: الجمع بين الخبرين الخاصين. المطلب السادس: الجمع بين الخبرين لتعارضهما في العموم والخصوص المطلق. المطلب السابع: الجمع بين الخبرين لتعارضهما في العموم والخصوص الوجهي. المطلب الثامن: الجمع ببيان المقيد للمطلق. المطلب التاسع: الجمع ببيان الاختلاف من جهة المباح. - وأما المبحث الثاني: فقد خصصته لدراسة: النسخ بين الأحاديث المتعارضة. - ثم عقبتها بالمبحث الثالث، وهو: الترجيح بين مختلف الحديث، وجعلته في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الترجيح من جهة الأسانيد وما يتعلق بها. المطلب الثاني: الترجيح من جهة المتون وما يتعلق بها. المطلب الثالث: الترجيح باعتبار أمر خارجي. - وأخيراً الخاتمة: وضمنتها أهم ما توصلت إليه من نتائج.

стр. 6122

والله تعالى أسأل أن يلهمنا الصواب والسداد، وأن يوفقنا إلى الخير والرشاد. ٣٠ رمضان ١٤٢١هـ الموافق ٢٦ ديسمبر ٢٠٠٠م. المبحث الأول: أوجه الجمع بين الأحاديث المتعارضة وتحته تسعة مطالب إذا كان النسخ بين الأخبار محتملاً فإن مالكاً يقوم بالجمع بينها جميعا) (١) (، وسأتناول -إن شاء الله تعالى- منهاجه في الجمع من خلال أنواعه التي تنتظم تحت المطالب الآتية: المطلب الأول: الجمع ببيان اتحاد مدلولي اللفظين إذا أفاد مدلول كل من الخبرين حكماً يخالف الآخر، فالأولى بدلاً من توهيم أحدهما وإطراحه وإعمال ما يعارضه، القيام بمحاولة تأويل ما يحتمل التأويل، كي يتفق كلاهما في المعنى المراد، ولكن بشرط ألاَّ يخرج به عن روح الشريعة، ولا يخالف إجماع الأمة، ومن أمثلة ذلك: ما جاء عن عائشة ﵂ زوج النبي (أنها قالت: (ما طال عَلَيَّ وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا)) (٢) (. فهذا الحديث يفيد أن يد السارق لا تقطع حتى تبلغ سرقته ربع دينار فأزيد. فيقابله: ما رواه أبو هريرة (عن النبي (أنه قال: ﴿لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده﴾ ) (٣) (. فهذا الحديث يدل على أن يد السارق تقطع في القليل والكثير، وذلك يوافق عموم قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما () (٤) (.

стр. 6123

فيبين مالك أن الجمع بين هذين الحديثين ممكن؛ وذلك بجعل حديث عائشة ﵂ أصلا، فيقطع في ربع دينار فصاعدا، وكذا فيما قيمته ذلك كذلك) (١) (؛ فكأنه ذهب إلى أن الرسول (أراد بالبيضة ما يبلغ قيمتها ربع دينار فأكثر، كبيض الحديد لا بيض الدجاج وما ماثله، وكذا الحبل لعله يرى أن منها ما يساوي النصاب المقرر أو يزيد عليه كحبل السفينة وشبهه، وبذلك يزول التعارض) (٢) (. المطلب الثاني: الجمع ببيان اختلاف المحل أو الحال

стр. 6124

إذا ورد خبران لبيان شيء واحد بحكمين متناقضين، تبعاً لتباين إدراك مَنْ يلتمسهما؛ إذ هنالك من لا ينتبه إلى سبب تضاد المحل أو الحال اللذين يُسَنُّ فيهما الحكمان المتغايران فيعتقد أن بينهما تعارضا، وفي الحقيقة أنه منتفٍ ألبتة؛ نظراً لأنه يمكن أن يحمل كل واحد منهما على محل أو حال مختلفين تماماً عن بعضهما، فيعمل بكل واحد في موضعه المناط به، بحسب القرائن التي ترشد إليه) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله (، أنه كان وهو بمصر يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس) (٢) (، وقد قال رسول الله (: ﴿إذا ذهب أحدكم الغائط أو البول فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بفرجه﴾ ) (٣) (. وما روي عن أبي هريرة (أن النبي (: (نهى أن تستقبل القبلة لبول أو غائط)) (٤) (. فيعارضهما: ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: (إن أُناساً يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس) ، قال عبد الله: (لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله (على لبنتين مستقبل بيت المقدس)) (٥) (؛ أي: لحاجته، هذه رواية مالك عنه، وفي غير رواية مالك: (مستقبل بيت المقدس مستدبر القبلة) ، وهو مفسر لما وقع في روايته) (٦) (.

стр. 6125

وقد بين مالك أن استعمال هذه الأحاديث كلها ممكن؛ إذ جعل حديث ابن عمر ﵄ مخصصاً لحديث أبي أيوب وأبي هريرة ﵄، وقال: إنما عنى بذلك الصحاري والفيافي ولم يعنِ بذلك القرى والمدائن، هذا قوله في المدونة، فعلى قوله فيها يجوز استقبال القبلة واستدبارها في القرى والمدائن من غير ضرورة إلى ذلك) (١) (. وقد تعرض مالك لكثير من الأخبار التي تعارضت بسبب اختلاف أحوالها، وقام بالجمع بينها، وإزالة ما يكتنفها من تعارض، وذلك بإنزال كل واحد بحسب ما يقتضيه حاله؛ كي يعمل بها جميعا؛ فمن ذلك: مسألة محل سجود السهو) (٢) (، والصيام في السفر) (٣) (، والتقبيل للصائم) (٤) (، وأكل المحرم للحم الصيد الذي يهدى له) (٥) (، والخِطبة على الخِطبة) (٦) (، وحضانة الغلام) (٧) (. المطلب الثالث: الجمع ببيان التقاء مدلولي الأمر أو النهي

стр. 6126

أ- الجمع بحمل الأمر على الندب: إذا ورد خبران أحدهما يقتضي الفعل على جهة الوجوب، والثاني يجعل فعل ذلك الفعل مندوبا، فيصير حد التأويل الراجح جعل الخبر النادب قرينة صارفة لظاهر الأمر في الخبر الموجب من الوجوب إلى الندب، بحيث لا يترتب على فعله إثم) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن المغيرة بن شعبة (أن النبي (: (مسح أعلى الخف وأسفله)) (٢) (. فيقابله: ما روي عن علي (أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله (: يمسح على ظاهر خفيه)) (٣) (. فذهب مالك مذهب الجمع بين هذين الحديثين، حيث حمل حديث المغيرة (على الاستحباب، وحديث علي (على الوجوب) (٤) (. ومنها: ما روي عن أبي سعيد الخدري (أن رسول الله (قال: ﴿غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم﴾ ) (٥) (. وما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله (قال: ﴿إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل﴾ ) (٦) (.

стр. 6127

فيعارضهما: ما روي عن سالم بن عبد الله أنه قال: دخل رجل) (١) (من أصحاب رسول الله (المسجد يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: (أية ساعة هذه) ؟ فقال: (يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت) ، فقال عمر: (والوضوء أيضاً وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل)) (٢) (. وما روي عن سمرة بن جندب (أنه قال: قال رسول الله (: ﴿من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل﴾ ) (٣) (. وقد جمع مالك بين هذه الأحاديث جميعا؛ حيث ذهب كما هو معروف من مذهبه إلى إمكانية حمل الأخبار التي صُرِّحَ فيها بأنه لا يجزئ غير الغسل على الندب، والقرينة الدالة عليه، هذه الأخبار المختلفة، والجمع بينها ما أمكن هو الواجب، وقد أمكن بهذا) (٤) (. وبالرغم من ذلك: "فالأحوط للمؤمن ألاَّ يترك غسل الجمعة") (٥) (. ومن الأوامر التي صرفها مالك من الوجوب إلى الندب: الغسل من غسل الميت) (٦) (، واستئذان البكر) (٧) (.

стр. 6128

ب- الجمع بحمل النهي على الكراهة: إذا ورد خبران وكان أحدهما ينهى عن فعل شيء، والثاني يجيزه بعينه، فَيُجْمَعُ بينهما بجعل الخبر المجيز دليلاً مانعاً للتحريم؛ لأنه بمقتضاه يمكن تأويل صيغة التحريم في الخبر المحرم من التحريم إلى الكراهة) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن أبي هريرة (: أن النبي (كان في جنازة، فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال النبي (: ﴿دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب﴾ ) (٢) (. وما روي عن أم عطية ﵂ أنها قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)) (٣) (، قال النووي: "معناه نهانا رسول الله (عن ذلك نهي كراهة تنزيه لا نهي عزيمة تحريم") (٤) (. فيعارضهما: ما روي عن علي (إذ قال: خرج رسول الله (، فإذا نسوة جلوس، قال: ﴿ما يجلسكن؟﴾ قلن: ننتظر الجنازة، قال: ﴿هل تغْسلن؟﴾ قلن: لا، قال: ﴿هل تحملن؟﴾ قلن: لا، قال: ﴿هل تدلين فيمن يدلي؟﴾ قلن: لا، قال: ﴿فارجعن مأزورات غير مأجورات﴾ ) (٥) (. غير أن مالكاً أجاز اتباع النساء للجنائز، وكرهه للشابة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من فتنة؛ لأنه حمل حديث النهي ههنا على التنزيه بقرينة حديثي الجواز) (٦) (.

стр. 6129

ومن النواهي التي تفيد التنزيه لا التحريم عند مالك: ما جاء في الحجامة وإجارة الحجام) (١) (. المطلب الرابع: الجمع بين الخبرين العامين إذا كان الخبران على وزان واحد في القوة، وكذا العموم؛ بأن يصدق كل منهما على كل ما يصدق عليه الآخر، وأمكن الجمع بينهما بإنزال كل واحد على حال مغاير لما أنزل عليه الآخر، جمع؛ لأنه أولى من إلغاء أحدهما) (٢) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن زيد بن خالد الجُهَنِي (، أن رسول الله (قال: ﴿ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها﴾ ) (٣) (. فيقابله: ما روي عن عمران بن حصين ﵄ حيث قال: قال النبي (: ﴿خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم﴾ . قال عمران: لا أدري أذكر النبي (بَعْدُ: قرنين أو ثلاثة، قال النبي (: ﴿إن بعدكم قوماً يَخونون ولا يُؤتمنون، ويَشهدون ولا يُستشهدون، ويَنذرون ولا يَفُون، ويظهر فيهم السِّمَنُ﴾ ) (٤) (. وقد جمع مالك بينهما؛ إذ حمل الأول على المبادر بالشهادة وهو يعلم أن المشهود له عالم بها، فهذا قبيح؛ لعدم الحاجة إلى مبادرته حينئذٍ. بخلاف من بادر ليخبر صاحبها، وهو لا يعلم بها، أو يخبر ورثته بعد وفاته، أو من يتحدث عنهم بذلك، فهذا حسن؛ لأنه يوصل إلى الحق) (٥) (. المطلب الخامس: الجمع بين الخبرين الخاصين

стр. 6130

إذا كان الخبران على استواء واحد في القوة، وكذا خاصين في الدلالة؛ أي: أن كلاً منهما خاص بالنسبة للآخر؛ لعدم تناول أحدهما ما يتناوله الثاني، وأمكن الجمع بينهما بحمل كل واحد على خلاف ما يحمل عليه معارضه، جمع؛ لأنه أولى من إلغاء أحدهما كما سبق) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان النساء يبعثن إليها بالدِّرْجَةِ) (٢) (فيها الكُرْسُفُ) (٣) (فيه الصُّفْرَةُ من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى تَرَيْنَ القَصَّة البيضاء)) (٤) (، تريد بذلك الطهر من الحيضة) (٥) (. فيقابله: ما روي عن أم عطية ﵂ إذ قالت: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا)) (٦) (، وفي رواية أخرى: (بعد الطهر شيئا)) (٧) (. وقد رام مالك في إحدى الروايتين عنه الجمع بينهما، إذ ذهب إلى أن خبر عائشة ﵂ في إثر انقطاع الدم، وخبر أم عطية ﵂ هو بعد انقطاعه، أو أن خبر عائشة ﵂ هو في أيام الحيض، وخبر أم عطية ﵂ في غير أيام الحيض) (٨) (.
следующие страницы →