← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

أ- الجمع بحمل الأمر على الندب: إذا ورد خبران أحدهما يقتضي الفعل على جهة الوجوب، والثاني يجعل فعل ذلك الفعل مندوبا، فيصير حد التأويل الراجح جعل الخبر النادب قرينة صارفة لظاهر الأمر في الخبر الموجب من الوجوب إلى الندب، بحيث لا يترتب على فعله إثم) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن المغيرة بن شعبة (أن النبي (: (مسح أعلى الخف وأسفله)) (٢) (. فيقابله: ما روي عن علي (أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله (: يمسح على ظاهر خفيه)) (٣) (. فذهب مالك مذهب الجمع بين هذين الحديثين، حيث حمل حديث المغيرة (على الاستحباب، وحديث علي (على الوجوب) (٤) (. ومنها: ما روي عن أبي سعيد الخدري (أن رسول الله (قال: ﴿غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم﴾ ) (٥) (. وما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله (قال: ﴿إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل﴾ ) (٦) (.

стр. 6127

فيعارضهما: ما روي عن سالم بن عبد الله أنه قال: دخل رجل) (١) (من أصحاب رسول الله (المسجد يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: (أية ساعة هذه) ؟ فقال: (يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت) ، فقال عمر: (والوضوء أيضاً وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل)) (٢) (. وما روي عن سمرة بن جندب (أنه قال: قال رسول الله (: ﴿من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل﴾ ) (٣) (. وقد جمع مالك بين هذه الأحاديث جميعا؛ حيث ذهب كما هو معروف من مذهبه إلى إمكانية حمل الأخبار التي صُرِّحَ فيها بأنه لا يجزئ غير الغسل على الندب، والقرينة الدالة عليه، هذه الأخبار المختلفة، والجمع بينها ما أمكن هو الواجب، وقد أمكن بهذا) (٤) (. وبالرغم من ذلك: "فالأحوط للمؤمن ألاَّ يترك غسل الجمعة") (٥) (. ومن الأوامر التي صرفها مالك من الوجوب إلى الندب: الغسل من غسل الميت) (٦) (، واستئذان البكر) (٧) (.

стр. 6128

ب- الجمع بحمل النهي على الكراهة: إذا ورد خبران وكان أحدهما ينهى عن فعل شيء، والثاني يجيزه بعينه، فَيُجْمَعُ بينهما بجعل الخبر المجيز دليلاً مانعاً للتحريم؛ لأنه بمقتضاه يمكن تأويل صيغة التحريم في الخبر المحرم من التحريم إلى الكراهة) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن أبي هريرة (: أن النبي (كان في جنازة، فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال النبي (: ﴿دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب﴾ ) (٢) (. وما روي عن أم عطية ﵂ أنها قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)) (٣) (، قال النووي: "معناه نهانا رسول الله (عن ذلك نهي كراهة تنزيه لا نهي عزيمة تحريم") (٤) (. فيعارضهما: ما روي عن علي (إذ قال: خرج رسول الله (، فإذا نسوة جلوس، قال: ﴿ما يجلسكن؟﴾ قلن: ننتظر الجنازة، قال: ﴿هل تغْسلن؟﴾ قلن: لا، قال: ﴿هل تحملن؟﴾ قلن: لا، قال: ﴿هل تدلين فيمن يدلي؟﴾ قلن: لا، قال: ﴿فارجعن مأزورات غير مأجورات﴾ ) (٥) (. غير أن مالكاً أجاز اتباع النساء للجنائز، وكرهه للشابة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من فتنة؛ لأنه حمل حديث النهي ههنا على التنزيه بقرينة حديثي الجواز) (٦) (.

стр. 6129

ومن النواهي التي تفيد التنزيه لا التحريم عند مالك: ما جاء في الحجامة وإجارة الحجام) (١) (. المطلب الرابع: الجمع بين الخبرين العامين إذا كان الخبران على وزان واحد في القوة، وكذا العموم؛ بأن يصدق كل منهما على كل ما يصدق عليه الآخر، وأمكن الجمع بينهما بإنزال كل واحد على حال مغاير لما أنزل عليه الآخر، جمع؛ لأنه أولى من إلغاء أحدهما) (٢) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن زيد بن خالد الجُهَنِي (، أن رسول الله (قال: ﴿ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها﴾ ) (٣) (. فيقابله: ما روي عن عمران بن حصين ﵄ حيث قال: قال النبي (: ﴿خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم﴾ . قال عمران: لا أدري أذكر النبي (بَعْدُ: قرنين أو ثلاثة، قال النبي (: ﴿إن بعدكم قوماً يَخونون ولا يُؤتمنون، ويَشهدون ولا يُستشهدون، ويَنذرون ولا يَفُون، ويظهر فيهم السِّمَنُ﴾ ) (٤) (. وقد جمع مالك بينهما؛ إذ حمل الأول على المبادر بالشهادة وهو يعلم أن المشهود له عالم بها، فهذا قبيح؛ لعدم الحاجة إلى مبادرته حينئذٍ. بخلاف من بادر ليخبر صاحبها، وهو لا يعلم بها، أو يخبر ورثته بعد وفاته، أو من يتحدث عنهم بذلك، فهذا حسن؛ لأنه يوصل إلى الحق) (٥) (. المطلب الخامس: الجمع بين الخبرين الخاصين

стр. 6130

إذا كان الخبران على استواء واحد في القوة، وكذا خاصين في الدلالة؛ أي: أن كلاً منهما خاص بالنسبة للآخر؛ لعدم تناول أحدهما ما يتناوله الثاني، وأمكن الجمع بينهما بحمل كل واحد على خلاف ما يحمل عليه معارضه، جمع؛ لأنه أولى من إلغاء أحدهما كما سبق) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان النساء يبعثن إليها بالدِّرْجَةِ) (٢) (فيها الكُرْسُفُ) (٣) (فيه الصُّفْرَةُ من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى تَرَيْنَ القَصَّة البيضاء)) (٤) (، تريد بذلك الطهر من الحيضة) (٥) (. فيقابله: ما روي عن أم عطية ﵂ إذ قالت: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا)) (٦) (، وفي رواية أخرى: (بعد الطهر شيئا)) (٧) (. وقد رام مالك في إحدى الروايتين عنه الجمع بينهما، إذ ذهب إلى أن خبر عائشة ﵂ في إثر انقطاع الدم، وخبر أم عطية ﵂ هو بعد انقطاعه، أو أن خبر عائشة ﵂ هو في أيام الحيض، وخبر أم عطية ﵂ في غير أيام الحيض) (٨) (.

стр. 6131

المطلب السادس: الجمع بين الخبرين لتعارضهما في العموم والخصوص المطلق إذا كان الخبران المتعارضان بينهما عموم وخصوص مطلق، بمعنى أن يكون أحدهما عاماً في دلالته والآخر خاصا، ثم تجتمع دلالتهما العامة والخاصة تلك في شيء، ثم ينفرد العام في أحدهما عن الخاص في الثاني بصدد شيء آخر، فحينئذٍ يُجمع بينهما بحمل العام على الخاص، وذلك بأن يعمل بالخاص فيما دلّ عليه، ويعمل بالعام فيما انفرد به عنه) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن أبي هريرة (أن رسول الله (انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله، فقال رسول الله (: ﴿أصدق ذو اليدين؟﴾ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله (فصلى ركعتين أُخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع) (٢) ( فيقابله: ما روي عن ابن مسعود (أنه قال: قال رسول الله (: ﴿إن الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإن الله (قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة﴾ ) (٣) (. وما روي عن زيد بن أرقم (أنه قال: (إنْ كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي (يُكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت (حافظوا على الصلاة () (٤) (الآية فأمرنا بالسكوت)) (٥) (.

стр. 6132

وما روي عن معاوية بن الحكم (أنه قال: سمعت رسول الله (يقول: ...: ﴿إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن﴾ ) (١) (. وقد بين مالك أن هذه الأخبار غير متعارضة، وأن الجمع بينها ممكن؛ لأنه لم يتمسك بظواهر ما يقتضي منها تحريم الكلام في الصلاة كيف كان؛ أي: على العموم، وإنما ذهب إلى تخصيصها بالخبر الذي يفيد أن من تكلم فيها متعمداً على جهة إصلاحها، أو ناسيا، بنى على صلاته ولم يعدها، إن كان قليلاً غير متباعد، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، وإن كان مع الإمام فإنه يحمل ذلك عنه) (٢) (. وتعرض مالك كذلك لجملة من المسائل التي تباينت فيها الأخبار لتباين العام والخاص، فجمع بينها بحمل العام على الخاص، من ذلك: ما يقوله السامع للمؤذن) (٣) (، واشتراط النصاب في زكاة النبات) (٤) (وجناية البهيمة) (٥) (.

стр. 6133

المطلب السابع: الجمع بين الخبرين لتعارضهما في العموم والخصوص الوجهي إذا كان الخبران المتعارضان بينهما عموم وخصوص وجهي، وذلك بأن تلتقي دلالتهما العامة والخاصة على شيء، وينفرد أيضاً كل منهما في شيء آخر، فإنه والحال كذلك نخصص عموم الأول بالخصوص الكائن في الثاني، ثم نعكس؛ أي: نخصص عموم الثاني بالخصوص الوارد في الأول، ولا يتأتى العمل بأحدهما معيناً من غير مرجح لما في ذلك من التحكم) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: أن مالكاً قال في المدونة: "قال رسول الله (: ﴿من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها﴾ ) (٢) (، قال: ومن ذكر صلاة نسيها فليصلها إذا ذكرها في أية ساعة كانت من ليل أو نهار عند مغيب الشمس أو عند طلوعها، قال: وإن بدا حاجب الشمس فليصلها، قال: وإن غاب بعض الشمس فليصلها إذا ذكرها ولا ينتظر، وذلك أن رسول الله (قال: ﴿من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها﴾ ، قال مالك: فوقتها حين يذكرها فلا يؤخرها عن ذلك") (٣) (. ولمسلم عن أنس بن مالك (: (من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها)) (٤) (. فيعارض ذلك أخبار أخرى تفيد انه لا تجوز الصلاة أيّاً كانت فريضة مقضية، أو سنة، أو نافلة، في أوقات معينة بإطلاق منها: ما روي عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله (قال: ﴿لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها﴾ ) (٥) (.

стр. 6134

وما روي عن أبي هريرة (: أن رسول الله (: (نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)) (١) (. وما روي عن عقبة بن عامر (أنه قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله (ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نَقْبُرَ فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب)) (٢) (. إذاً إذا انضافت الأوقات المكروهة فيها الصلاة، المذكورة في هذه الأخبار إلى بعضها بعضاً كانت خمسة وهي: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وحين طلوع الشمس حتى ترتفع، وحين زوال الشمس وقت الظهر، وبعد العصر حتى تغيب الشمس، وحين تميل الشمس للغروب. وقد بين مالك أن هذه الأخبار المتعارضة تدل على بعضها بعضا، لأن أول خبرين عامان في الأوقات؛ أي: أنهما يدلان على أنه يجوز لمن فاتته صلاة بنسيان أو نوم قضاؤها في أي وقت من الأوقات منهي عن الصلاة فيه أو غير منهي، خاصان من جهة الصلاة في الصلاة الفائتة، والأخبار الثلاثة المباينة لهما، عامة في الصلاة؛ أي: تدل على عدم الصلاة مطلقاً سواء كانت فائتة أم لا، وسواء كان لها سبب أم لا، خاصة من جهة الأوقات في الأوقات المكروهة كما ترشد أوجه دلالتها.

стр. 6135

وبناء على ذلك أثبت مالك أن نهي النبي (ههنا لا يناط بكل صلاة لزمت المصلي بوجه من الوجوه، وإنما استثنى قضاء الصلوات المفروضة إذا فاتت لناسٍ في أي وقت ذكرها، أو لنائم حينما يستيقظ، وبذلك أكد أن النهي في هذه الأوقات يختص بالنوافل سواء كانت تفعل لسبب كتحية المسجد أم لغير سبب) (١) (. المطلب الثامن: الجمع ببيان المقيد للمطلق إذا تعارض خبران وكان أحدهما مطلقاً والثاني مقيدا، فإنه يجمع بينهما باتفاق العلماء بحمل المطلق على المقيد) (٢) (؛ لكنهم اختلفوا في الحالات التي يجوز فيها الحمل من عدمه) (٣) (، وكما لا يخفى عليك فإن المجال لا يتسع لذكرها ومناقشتها ههنا؛ ولكنَّ الذي يعنينا في هذا المقام ذكر أمثلة تطبيقية تبين مذهب مالك في الجمع ببيان المقيد للمطلق، وذلك فيما يأتي: روي عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي (قال: ﴿الطفل لا يُصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث حتى يستهل﴾ ) (٤) (.

стр. 6136

فيعارضه: ما روي عن المغيرة بن شعبة (أن النبي (قال: ﴿الطفل يُصلى عليه﴾ ) (١) (. فدفعاً للتعارض وجمعاً بين الحديثين، ذهب مالك إلى أن الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث ولا يُورث ولا يسمى ولا يغسل ولا يحنط حتى يستهل صارخا؛ لأنه حمل حديث المغيرة (المنتشر بلا قيد، على القيد الذي ذكر في حديث جابر () (٢) (. ومن ذلك: ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (من لم يجد نعلين فليلبس خفين؛ وليقطعهما أسفل من الكعبين)) (٣) (. فيقابله: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (سمعت النبي (يخطب بعرفات من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين)) (٤) (. فمن أجل التوفيق بين الحديثين، ذهب مالك: إلى أن هذا القطع واجب؛ إذ رأى أن حديث ابن عباس ﵄ مطلق عن شرط القطع، فلم يبق على شيوعه، وإنما يحمل على حديث ابن عمر ﵄ المقيد بالقطع) (٥) ( المطلب التاسع: الجمع ببيان الاختلاف من جهة المباح

стр. 6137

إذا جاء عن الرسول (فعلان متباينان فأزيد، لأمر واحد، بأن يفعل أحدهما تارة ويتركه تارة أخرى، أو يفعل نقيضه، وتيسر استخدامها كلها لكونها مباحة، تعين استخدامها، وعلى المكلف فعل أحدها على سبيل التخيير، ومن الأمثلة على ذلك: ما قاله مالك: في المدونة: "قد اختلفت الآثار في التوقيت يريد في الأعداد، وروي أن رسول الله (توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً ومرتين في بعض الأعضاء وثلاثاً في بعضها، وليس الاختلاف في هذا اختلاف تعارض وإنما هو اختلاف تخيير وإعلام بالتوسعة") (١) (. ومنها: مسح الوضوء بالمنديل) (٢) (. المبحث الثاني: النسخ بين الأحاديث المتعارضة إذا كان النسخ بين الأخبار متحققا، فإن مالكاً لا يعمد ألبته إلى دحضه بأي وجه من وجوه الجمع المعتبرة، وإنما امتثالاً وإذعاناً لما كشف عنه الشارع الحكيم، يلجأ مباشرة إلى نسخ أحدهما بالآخر؛ وذلك بأن يحكم أن المتأخر منهما رافع لحكم المتقدم) (٣) (، وأشهر القرائن وأثبتها التي يستدل بها على معرفة ذلك أربعة، وهي: ما يعرف بتصريح الرسول (، أو بتصريح الصحابي، أو بالتاريخ، أو بدلالة الإجماع) (٤) (، وإليك القول الجملي فيها:

стр. 6138

١- ما يعرف بتصريح الرسول (: ومن أمثلته: ما روي عن أبي سعيد الخدري (أنه قَدِمَ من سفر، فقدم إليه أهله لحما، فقال أبو سعيد: ألم يكن رسول الله (نهى عنها؟ فقالوا: إنه قد كان من رسول الله (بعد أمر، فخرج أبو سعيد فسأل عن ذلك فَأُخْبِرَ أن رسول الله (قال: ﴿نهيتكم عن لحوم الأضحى بعد ثلاث، فكلوا وتصدقوا وادَّخِروا، ونهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام، ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هُجْرا﴾ . يعني لا تقولوا سُوءَا) (١) (. ٢- ما يعرف بقول الصحابي: ومن أمثلته: حديث أُبَي بن كعب (أن الفُتيا التي كانوا يفتون أن (الماء من الماء)) (٢) (كانت رخصة رخصها رسول الله (في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد) (٣) (. ومنها: ما روي عن أبي هريرة (عن رسول الله (أنه قال: ﴿توضئوا مما مست النار﴾ ) (٤) (.

стр. 6139

ثم نسخ ذلك بما روي عن جابر (إذ قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله (ترك الوضوء مما غيرت النار)) (١) (. ٣- ما يعرف بالتاريخ: كحديث شداد بن أوس (أن رسول الله (أتى على رجل بالبقيع، وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: ﴿أفطر الحاجم والمحجوم﴾ ) (٢) (. فيقابله: حديث ابن عباس ﵄ إذ قال: (احتجم النبي (وهو صائم)) (٣) (. وقد ذهب مالك إلى أن خبر شداد (كان عام الفتح سنة ثمان، بينما خبر ابن عباس ﵄ كان عام حجة الإسلام سنة عشر؛ أي: بعده بسنتين فيكون ناسخاً له) (٤) (. ٤- ما يعرف بدلالة الإجماع: كحديث معاوية بن أبي سفيان (، قال: قال رسول الله (: ﴿إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم﴾ ) (٥) (.

стр. 6140

فقتل شارب الخمر في المرة الرابعة كان في أول الأمر ثم نسخ بعد، بانعقاد الإجماع على وضعه، والإجماع كما يدل الاستقراء والتمحيص لا ينسخ نصا؛ لأنه لا ينعقد إلاّ بعد انتهاء زمن النص، والنسخ لا يكون إلاّ بنص، ولكن يدل على وجود ناسخ غيره) (١) (. المبحث الثالث: الترجيح بين مختلف الحديث ذكر العلماء وجوهاً للترجيح بين مختلف الحديث تكاد تتجاوز العد كثرة) (٢) (، أو حتى لا تتناهى) (٣) (، كما أن هنالك منها ما هو افتراضي، لا يمت إلى الواقع بصلة، وليس له أثر في الفقه، ولكن يمكن من رام هذه الصناعة أن يقف من تلقاء نفسه على تلك المرجحات التي لا تنحصر دون حاجة إلى تعدادها؛ لأن مثارها غلبة الظن) (٤) (، إلاّ أن المتأمل فيها يجدها تتداخل فيما بينها؛ لذلك آثرت تيسيراً لإدراكها، وتنظيماً للعمل، ردها جميعاً وحصرها وضبطها في ثلاثة مطالب إجمالية، بحيث يندرج ما عداها تحتها) (٥) (وهي: المطلب الأول: الترجيح من جهة الأسانيد وما يتعلق بها

стр. 6141

في هذا المطلب أعرض وجوه الترجيح المندرجة تحته في قسمين: الأول منهما يتناولها باعتبار حال الراوي، أما الثاني فباعتبار مجموع السند؛ أي: قوته في مجموعه، وذلك فيما يأتي: القسم الأول: وجوه الترجيح باعتبار حال الراوي الوجه الأول: الترجيح بقوة الحفظ وزيادة الضبط وما في معناهما: أن يكون راوي أحد الخبرين أحفظ وأضبط، وراوي الذي يعارضه دون ذلك، وإن كان كل واحد منهما ثقة يحتج بروايته إذا انفرد، فيقدم خبر الحافظ الضابط؛ لأن الثقة بروايته أكثر) (١) (، ومثاله) (٢) (: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله (قال: ﴿من أعتق شِرْكاً له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّمَ عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حِصَصَهُم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ﴾ ) (٣) (.

стр. 6142

فيعارضه: ما رواه الشيخان عن بشر بن محمد) (١) (عن عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة) (٢) (عن قتادة عن النضر بن أنس) (٣) (عن بشير بن نَهيك) (٤) (عن أبي هريرة (عن النبي (قال: ﴿من أعتق شَقيِصاً من مملوكه فعليه خَلاصُهُ في ماله فإن لم يكن له مال قُوِّمَ المملوك قيمة عَدْل، ثم اسْتُسْعِيَ غير مشقوق عليه﴾ ) (٥) (. وقد رجح مالك ما رواه؛ لأنه رواه كما ذكرنا آنفاً عن نافع عن ابن عمر ﵄ وهم جميعاً حفاظ أئمة) (٦) (، قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ (٧) (، بخلاف الخبر المخالف؛ إذ رواه سعيد بن أبي عروبة وهو كما بينا في ترجمته كثير التدليس واختلط. الوجه الثاني: الترجيح بكثرة المزكين للراوي:

стр. 6143

أن تكون كثرة المزكين في جانب أحد الخبرين فيرجح على الآخر؛ لأن التزكية مؤثرة للغاية في باب الرواية؛ لأنها ترفع مرتبتها وتؤكد صحتها) (١) (، ومن أمثلته ما روي عن أبي هريرة (عن النبي (أنه قال: ﴿من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء﴾ ) (٢) (. وما روي عن بسرة بنت صفوان ﵂ أنها سمعت رسول الله (يقول: ﴿إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ﴾ ) (٣) (. فيقابلهما: ما روي عن قيس بن طلق) (٤) (عن أبيه (قال: خرجنا وفداً حتى قدمنا على رسول الله (فجاءه رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال: ﴿وهل هو إلاّ مُضغة منك﴾ ) (٥) ( غير أن مالكاً قدم حديثي أبي هريرة وبسرة ﵄؛ لأن رواتهما كَثُرَ مزكوهم، على حديث طلق (؛ لأنهم قلوا: بل واختلف أيضاً في عدالتهم) (٦) (. الوجه الثالث: الترجيح بتأخر إسلام الراوي:

стр. 6144

أن يكون أحدهما متقدم الإسلام والآخر متأخرا، فالأولى ترجيح رواية من تأخر إسلامه على من تقدم؛ لأن تأخر الإسلام دليل على أن روايته آخرا) (١) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن ابن عباس ﵄ إذ قال: قال رسول الله (: ﴿لا رضاع إلاّ ما كان في الحولين﴾ ) (٢) (. فيعارضه: ما روي عن عائشة ﵂ حيث قالت: جاءت سهلة بنت سُهيل إلى النبي (فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم -وهو حليفه- فقال النبي (: ﴿أرْضِعِيهِ﴾ ، قالت: وكيف أُرْضِعُهُ وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله (وقال: ﴿قد علمت أنه رجل كبير﴾ ) (٣) (. فاعتمد مالك خبر ابن عباس ﵄ الذي يبين أن حكم التحريم يختص بالصغير؛ لأنه تأخر إسلامه، فهو لم يَقْدِم المدينة إلاّ قبل الفتح، أما قصة سالم فكانت في أول الهجرة؛ لأن سهلة امرأة أبي حذيفة هاجرت عقب نزول قوله تعالى: (ادعوهم لآبائهم () (٤) (، والآية نزلت في أوائل الهجرة) (٥) (.

стр. 6145

ومنها: تقديم مالك أيضاً لحديثي أبي هريرة وبسرة ﵄؛ لتأخر إسلامهما، على حديث طلق (، فإن طلقاً قدم المدينة في السنة الأولى من الهجرة، وسمع من النبي (حديث عدم النقض، حين كان يبني مسجده في بدء الإسلام، أما أبو هريرة (فأسلم عام خيبر؛ أي: بعدها بست سنين، وبسرة ﵂ أسلمت عام الفتح؛ أي: بعدها بثمان) (١) (. قال الجعبري) (٢) (: "فمذهب... مالك في الأشهر أن أحاديث النقض محكمة ناسخة لأحاديث الرخصة لصحتها وتأخرها عن حديث طلق [ولِمَا سيأتي إن شاء الله تعالى] ورجحانها بكثرة الرواة") (٣) (. الوجه الرابع: الترجيح بكون أحدهما صاحب الواقعة أو المباشر لها:

стр. 6146

يقدم خبر من كان أشد ملابسة بما رواه على من عداه؛ لأنه يكون بلا ريب أعلم من غيره به وألصق، وأبعد عن الذهول والتخليط فيه؛ لذلك فإن القلب إلى قبول روايته أميل، والظن في صحته أغلب) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن عائشة ﵂، أن رجلاً قال لرسول الله (وهو واقف على الباب وأنا أسمع: يا رسول الله إني أصبح جُنباً وأنا أريد الصيام، فقال (: ﴿وأنا أصبح جنباً وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم﴾ ، فقال له الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله (وقال: ﴿والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي﴾ ) (٢) (. وما روي عن عائشة وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: (كان رسول الله (يصبح جنبا، من جماع غير احتلام، في رمضان، ثم يصوم)) (٣) (. فيقابلهما: ما روي عن أبي هريرة (أنه قال: (من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم ... الحديث)) (٤) (.

стр. 6147

غير أن مالكاً قال في المدونة: "لا بأس أن يتعمد الرجل أن يصبح جنباً في رمضان") (١) (؛ إذ اعتبر ما روته عائشة وأم سلمة ﵄ عن زوجهما رسول الله (، هو الراجح في الموضوع؛ لأنهما أعلم بكيفية الأمر، وبحاله (من غيره) (٢) (. ومنها: ما روي عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة زوج النبي (كانوا يقولون: (إذا مس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل)) (٣) (. وهنالك طائفة من الأخبار، تؤكد معناه وتعضده) (٤) (. لكن يقابلها: ما روي عن أبي سعيد الخدري ( [في سياق قصة] أن الرسول (قال: ﴿إنما الماء من الماء﴾ ) (٥) (. وقد جاءت أخبار أخرى تحمل نفس معناه) (٦) (. إلاّ أن مالكاً رجح خبر عائشة ﵂ ومن وافقها حيث قال في المدونة: "إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل") (٧) (؛ لأنها صاحبة الموضوع، والمباشرة له، فتكون أقعد بما باشرت وأعرف بشأنها وأثبت) (٨) (. الوجه الخامس: الترجيح بفقه الراوي: تقدم رواية الفقيه على من دونه سواء كانت الرواية بالمعنى أم باللفظ؛ لأنه أعرف بمقتضيات الألفاظ. ولكن هنالك من العلماء من قال: هذا الترجيح إنما يكون في خبرين مرويين بالمعنى، أما المروي باللفظ فلا ينطبق عليه ذلك.

стр. 6148

والراجح الأول؛ لأن الاسترواح إلى حديث الفقيه أولى؛ لكون الوثوق باحترازه أتم؛ لتمييزه بين ما يجوز وما لا يجوز) (١) (. وذلك كتقديم مالك رواية عائشة وأم سلمة ﵄ بأن الغسل من الجنابة ليس شرطاً في صحة الصوم على رواية أبي هريرة (أنه شرط في صحته؛ لأنهما كانتا أفقه من أبي هريرة () (٢) (. وتقديمه أيضاً رواية عائشة ﵂ بأنه يجب الغسل بمجرد التقاء الختانين وإن لم يحدث إنزال، على رواية أبي سعيد (بأن ذلك لا يكون إلاّ بالإنزال؛ لذات السبب) (٣) (. الوجه السادس: ترجيح رواية من كان أحسن استقصاء:

стр. 6149

إذا كان أحد الراويين أبلغ استقصاء للحديث وأحسن نسقاً وسياقاً له من غيره، فيقدم على معارضه؛ لأن ذلك يدل على شدة اهتمامه بحكمه، وحفظ جميع أمره، بخلاف من لم يتحقق فيه ذلك، فإنه يحتمل أن يكون قد سمع جزءاً من الحديث، فتوهم أن ما سمعه هو المراد، وبه تتم الإفادة كاملة غير منقوصة؛ لذا اكتفى بما سمعه، مع أن الخبر قد يكون مرتبطاً بكلام آخر يتمم معناه، ولا يكون قد تنبه إليه) (١) (، وذلك مثل أن يقدم مالك) (٢) (ما روي عن جابر (في إفراد الحج؛ إذ قال: في وصف حجة النبي ((أهللنا أصحاب رسول الله في الحج خالصاً ليس معه عمرة)) (٣) (، على ما روي عن أنس (في القران، حيث قال: (أهل النبي (بحج وعمرة)) (٤) (؛ لأن جابراً كان أكثر الناس استيفاء لحج الرسول (؛ إذ سرد الحديث من حال كون النبي (في المدينة إلى أن عاد إليها، فدل ذلك على تهممه وحفظه وضبطه وإتقانه لحجة النبي (، أما من نقل لفظة واحدة من الحج فإنه يجوز أنه لم يعلم سببها) (٥) (. الوجه السابع: ترجيح رواية الكبير على رواية الصغير:

стр. 6150

إذا كان أحد الراويين حين تحمل الراوية بالغا، والآخر صغيرا، فرواية البالغ أوثق؛ لأنه يكون مطلعاً على الأخبار، مرتبطاً بالوقائع، مهتماً بالأحداث، أكثر من الصغير؛ ولكونه أوسع منه تجربة، وأعمق خبرة، وأقرب ضبطا، وأزيد عناية، وأشد تحرزاً في روايته) (١) (، وَمَثَّلَهُ مالك بتقديم رواية ابن عمر ﵄ في الإفراد على رواية أنس (بالقران، إذ روي عن بكر) (٢) (أنه ذكر لابن عمر أن أنساً حدثهم أن النبي (أهل بعمرة وحجة، فقال (أهل النبي (بالحج وأهللنا به معه)) (٣) (؛ لأن ابن عمر ﵄ يرى: أن أنساً كان يلج على النساء وهن متكشفات الرؤوس؛ أي: أنه كان صغيرا) (٤) (. الوجه الثامن: ترجيح رواية من كان أقرب مكاناً أو نسبا:

стр. 6151

تقدم رواية الأقرب مكاناً من الرسول (على رواية الأبعد؛ لأن قربه من الصورة الواقعية الماثلة أمامه، واتصاله بها اتصالاً مباشراً وثيقاً أكيداً محكما؛ يجعله أقدر استيعاباً لكلامه (، واستيفاء له، وأسمع) (١) (، وتقدم كذلك رواية من كان أقرب نسباً له (على غيرها؛ لأن الظاهر أن كثرة المخالطة تقتضي زيادة الاطلاع) (٢) (؛ لهذا قدم مالك رواية ابن عمر ﵄ في الإفراد بالحج، على رواية أنس (بالقران، لِمَا ذكر ابن عمر ﵄ في حديثه أنه كان تحت ناقة رسول الله (ولعابها بين كتفيه، وأنه سمع إحرامه بالإفراد) (٣) (. وأيضا: فإن ابن عمر ﵄ كان أقرب نسباً إلى النبي (من أنس (. الوجه التاسع: الترجيح بالمشافهة:

стр. 6152

إذا جمع أحد الراويين حالة أخذ الخبر بين المشافهة والمشاهدة، والثاني أخذه من وراء حجاب، فيؤخذ بالأول؛ لكونه أقرب إلى فهم المعاني، وإتقان الألفاظ، وأبعد عن السهو والخطأ؛ ولأنه شارك الرواية المأخوذة من وراء حجاب في السماع، وزاد عليها أيضاً بتيقن عين المسموع منه) (١) (؛ لهذا لَمَّا اختلف في زوج بريرة ﵂ هل كان حرَّاً أو عبدا، لِمَا روى القاسم عن عائشة ﵂ أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار واشترطوا الولاء، فقال رسول الله (فيه: ﴿الولاء لمن ولي النعمة﴾ ، وخيرها رسول الله (، وكان زوجها عبدا) (٢) (، ورواه أيضاً عروة عنها؛ إذ قالت: (كان زوجها عبداً فخيرها رسول الله (فاختارت نفسها، ولو كان حراً لم يخيرها)) (٣) (، ورواه كذلك الأسود بن يزيد عنها حيث قالت: (كان زوجها حرا)) (٤) (. فكان مصير مالك إلى حديثي القاسم وعروة؛ إذ القاسم هو ابن أخيها، وعروة ابن أختها، فكانا يدخلان عليها ويسمعان من غير حجاب، أما الأسود فكان يسمع من وراء حجاب) (٥) (. الوجه العاشر: ترجيح رواية أكابر الصحابة ﵃:

стр. 6153

إذا تعارض خبران وكان راوي أحدهما من أكابر الصحابة ﵃، فإنه تقدم روايته على أصاغرهم ﵃؛ لقربه من النبي (غالبا، فيكون أعلم بحاله من البعيد، والوثوق بقول الأعلم أتم وأحكم؛ ولأنه أشد تصوناً وصوناً لمنصبه من غيره) (١) (، ويمكن التمثيل لهذا الوجه بما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله (: (كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود)) (٢) ( وقد روي مثل هذا أيضاً عن جمع غفير وعدد كثير من أكابر الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة ﵃ (٣) (. ولكن يخالف ذلك ما روي عن البراء بن عازب (أن رسول الله (: (كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود)) (٤) (.

стр. 6154

وما روي عن عبد الله بن مسعود (أنه قال: (صليت مع النبي (، ومع أبي بكر، ومع عمر ﵄، فلم يرفعوا أيديهم إلاّ عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة)) (١) (. وقد ذهب مالك إلى أن حديثي البراء وابن مسعود ﵄ لا يوازيان حديث ابن عمر ﵄؛ لأنه روي أيضاً عن غيره من أكابر الصحابة ﵃؛ لهذا فهو يميل في أنص الروايتين عنه إلى أن رفع اليدين عند الانحطاط في الركوع وعند الارتفاع منه سنة) (٢) (. القسم الثاني: وجوه الترجيح باعتبار مجموع السند الوجه الأول: الترجيح بكثرة الرواة:

стр. 6155

أن تكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فيقدم الخبر الذي يزيد عدد رواته على معارضه؛ إذ احتمال الخطأ والسهو أبعد عن الأكثر وأقرب إلى الأقل، بل إن الظن يتأكد بترادف الروايات وتظاهرها، حتى ينتهي إلى القطع وهو التواتر) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: تقديم مالك أخبار نقض الوضوء نظراً لكثرة رواتها وتعددهم) (٢) (. وتقديمه خبر رفع اليدين؛ لكثرة رواته أيضا. الوجه الثاني: ترجيح السماع على الكتابة:

стр. 6156

أن يكون أحدهما قد روى أحد الخبرين سماعاً أو عرضاً أو نحو ذلك، والآخر عول على المكتوب، فالأول أولى؛ لأنه أبعد عن شبهة الانقطاع لعدم المشافهة، ولما لعله يعتور الخط من تحريف وتصحيف، أو يلتبس بخط يشابهه) (١) (، لهذا قدم مالك في أشهر الروايتين عنه) (٢) (ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: مرَّ رسول الله (بشاة ميتة كان قد أعطاها مولاة لميمونة زوج النبي (فقال: ﴿أفلا انتفعتم بجلدها؟﴾ فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال رسول الله ( ﴿إنما حرم أكلها﴾ ) (٣) (. وما روي عنه أيضا: أن رسول الله (قال: ﴿إذا دبغ الإهاب فقد طهر﴾ ) (٤) (.

стр. 6157

على ما روي عن عبد الله بن عُكَيْم؛ إذ قال: قرئ علينا كتاب رسول الله (بأرض جهينة وأنا غلام شاب: ﴿أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب﴾ ) (١) (؛ لأن هذا كتاب وذاك سماع) (٢) (. الوجه الثالث: ترجيح المتفق على رفعه، على المختلف في رفعه، والمتفق على وقفه: يقدم الحديث المتفق على رفعه إلى رسول الله (على المختلف في رفعه، والمتفق على وقفه أيضا؛ لأنه يبتعد عن خلل الاختلاف المؤدي إلى ضعف سنده) (٣) (، ومن أمثلته: ما روي عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله (قال: ﴿إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره﴾ ) (٤) (. فيخالفه: ما روي عن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: ﴿من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا﴾ ) (٥) (. غير أن مالكاً قال في الموطأ: "الضحية سنة وليست بواجبة، ولا أحب لأحد ممن قوى على ثمنها أن يتركها") (٦) (، وقال كذلك في المدونة: "لا أحب لمن كان يقدر أن يضحي أن يترك ذلك") (٧) (، عملاً بحديث أم سلمة ﵂ الراجح؛ لأنه متفق على رفعه، بينما حديث أبي هريرة (مرجوح، لأنه اختلف في رفعه ووقفه، وكونه موقوفاً أشبه بالصواب) (٨) (.

стр. 6158

ومنها: العبد حينما يكون بين الرجلين ويعتق أحدهما حظه منه) (١) (. الوجه الرابع: الترجيح بعلو الإسناد: أن يكون أحد المسندين أعلى إسنادا، والمراد به: قلة عدد الطبقات إلى منتهاه، فإنه يقدم على ما ليس كذلك؛ لأن احتمال الصحة فيما قلت وسائطه أظهر؛ لهذا ما فتئ الحُفاظ الجهابذة يطلبون علو الإسناد، ويفتخرون به، ويتركون الديار، ويقطعون القفار، من أجل تحصيله) (٢) (، ومن الأمثلة على ذلك: كيفية الإقامة، فقد روى خالد الحَذَّاء) (٣) (عن أبي قلابة، عن أنس (أن رسول الله ((أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)) (٤) (. فيقابله: ما روي عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن مُحَيْرِيز أن رسول الله (: (علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.. وذكر فيه الإقامة مثنى مثنى)) (٥) (.

стр. 6159

غير أن مالكاً يرى أن خبر أنس (أولى بالمصير إليه مما يعارضه) (١) (؛ لأن خالداً وعامراً متعاصران روى عنهما شعبة، فحديث خالد بينه وبين النبي (اثنان، بينما حديث عامر بينه وبين النبي (ثلاثة) (٢) (. ومنها أيضاً: مسألة رفع اليدين في الركوع) (٣) (. الوجه الخامس: ترجيح السند الحجازي: يرجح ما كان سنده حجازيا، ولا سيما إذا كان مدني المخرج، على ما كان سنده عراقياً أو شاميا، وحظيت المدينة بذلك؛ لأنها مهبط الوحي، ومعدن الرسالة، وبين أظهر أهلها استقرت الشريعة، فإذا لم يوجد شيء بينهم دلّ ذلك على نسخه؛ ولأن المدنيات متأخرة عن الهجرة) (٤) (، وعليه قدم مالك روايتهم بإفراد الإقامة، على رواية أهل الكوفة في تثنيتها) (٥) (، وقدم كذلك روايتهم بأن زوج بريرة كان عبدا، على رواية أهل الكوفة أيضاً الذين ذهبوا إلى أنه كان حرا) (٦) (. الوجه السادس: الترجيح بسلامة السند من الاضطراب:

стр. 6160

إذا كان أحد الإسنادين متسقاً خالياً من الاضطراب، والآخر مضطربا، فيكون السالم من الاضطراب أولى؛ لأن ذلك يدل على اتفاق رواته وحفظ جملته) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: أن مالكاً ترك خبر ابن عُكَيم الذي يدل على أن الدباغ لا يُطهِر في الجملة جلد الميتة للاضطراب الواقع في سنده، ويصور ذلك الحازمي) (٢) (قائلاً: "في إسناده اختلاف رواه الحكم) (٣) (مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عُكَيم، ورواه عنه القاسم بن مُخَيْمَرة) (٤) (عن خالد [الحَذَّاء] ، عن الحكم، وقال: إنه لم يسمعه من ابن عُكَيم، ولكن من أناس دخلوا عليه ثم خرجوا فأخبروه به") (٥) (- وأخذ بحديث ابن عباس ﵄ الذي يفيد خلاف ذلك؛

стр. 6161

لأنه غير مختلف في سنده) (١) (. ومنها: مسألة أكل لحوم الحمر الإنسية) (٢) (. المطلب الثاني: الترجيح من جهة المتون وما يتعلق بها وله وجوه: الوجه الأول: ترجيح ما كان متنه سالماً من الاضطراب: إذا تعارض خبران وكان لفظ أحدهما سالماً من الاختلاف والاضطراب، بخلاف الآخر، فسلامته مرجحة؛ لأن غلبة الظن بصحته تقوى، ويضعف ما اختلف لفظه؛ إذ اختلاف لفظه قد يؤدي إلى اختلاف معناه، وذلك يدل على قلة ضبط الراوي، وعدم إتقانه، وسوء حفظه، وكثرة تساهله في روايته) (٣) (، ومن أمثلته: ما روي عن أبي هريرة (أن رسول الله ((نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)) (٤) (. فيعارضه ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما ترك رسول الله (ركعتين بعد العصر عندي قط)) (٥) (.

стр. 6162

غير أن مالكاً كَرِه النافلة بعد العصر) (١) (تمسكاً بحديث أبي هريرة (ونحوه) (٢) (، وترك حديث عائشة ﵂؛ لأنه رُوِيَ عنها أيضاً بجانب هذا الحديث الذي ذكرناه، عن أم سلمة ﵂ عن النبي ((أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس)) (٣) (، وبذلك يكون قد روي عنها إثبات الحكم ونفيه، أما أبو هريرة (فلم يرو عنه إلاّ النفي فقط) (٤) (. ومنها: أنه ترك في أظهر الروايتين عنه الأحاديث التي تقرر عدم رفع اليدين في الركوع) (٥) (، وعدم طهارة إهاب الميتة بالدباغ) (٦) (، للاضطراب في متنها، وأخذ بما يخالفها. الوجه الثاني: ترجيح ما كان قولاً صريحاً على ما كان استدلالا:

стр. 6163

إذا تعارض خبران وكان أحدهما منسوباً إلى النبي (نصاً وقولا، والآخر نسب إليه (استدلالاً واجتهادا؛ بأن يروى أنه كان في زمانه أو في مجلسه ولم ينكره، فما نسب إليه نصاً وقولاً أقوى؛ لكونه غير محتمل؛ إذ هو قول النبي (ولا خلاف في كونه حجة، وما في زمانه ربما لم يبلغه، وما في مجلسه ربما غفل عنه) (١) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي (نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: ﴿لا يُبَعْنَ، ولا يُوهَبْنَ، ولا يُرثن، يستمتع بها سيدها ما دام حيا، فإذا مات فهي حرة﴾ ) (٢) (. فيعارضه: ما روي عن أبي سعيد الخدري (حيث قال: (كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ()) (٣) (. غير أن مالكاً ذهب إلى أن العمل بمقتضى حديث ابن عمر ﵄ أولى؛ لأنه نص صريح قاطع من الرسول (في عدم جواز البيع، أما حديث أبي سعيد (فلم ينسب إلى الرسول (نصا، وإنما استدلالاً واجتهادا، فليس في سياقه أمر منه (ولا نهي، إلاّ أن هذا الفعل كان على عهده (، وليس فيه أيضاً ما يدل على أنه (علم بذلك فأقرهم عليه) (٤) (. الوجه الثالث: ترجيح ما كان جامعاً بين الحكم وعلته:

стр. 6164

إذا تعارض خبران وكان أحدهما دالاً على الحكم والعلة، والآخر على الحكم دون العلة؛ فإنه يرجح الأول؛ إذ الانقياد إليه أشد من الانقياد إلى غير المعلل؛ لكونه أقرب إلى الإيضاح والبيان؛ ولأن ظهور التعليل من أسباب قوة التعميم) (١) (، ومثاله: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله (: ﴿من بدل دينه فاقتلوه﴾ ) (٢) (، فظاهر هذا الخبر يدل على وجوب قتل كل من رجع عن الإسلام إلى الكفر طوعاً سواء كان رجلاً أم امرأة، غير أنه يعارضه خبر آخر يدل بظاهره على أنه لا يجوز قتل النساء مطلقاً سواء كن حربيات أم مرتدات، وهو ما روي عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله (: (رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان)) (٣) (. إذاً التضاد في وجه الدلالة بينهما يتعلق في المرأة المرتدة.

стр. 6165

فمالك قال: بقتل المرتدة) (١) (عملاً بخبر ابن عباس ﵄؛ لأن فيه الحكم وهو القتل، كما أنه يدل أيضاً بمسلك الإيماء والتنبيه على أن علة القتل هنا هي تبديل الدين، فيشمل الذكر والأنثى، أما خبر ابن عمر ﵄ فذكر فيه الحكم دون أن يعلل بشيء) (٢) (، وعليه لا يصلح لدى مالك أن يكون دليلاً يرتكز عليه في ذلك، فهو كما ورد عنه في المدونة كان: "يكره قتل النساء والصبيان والشيخ الكبير في أرض الحرب") (٣) (. الوجه الرابع: ترجيح ما يقصد به بيان الحكم: إذا تعارض خبران وقصد بأحدهما بيان الحكم المختلف فيه، دون الآخر، فيكون الأخذ بما قصد به بيان الحكم أرجح؛ لأنه أمس بالغرض، وأبعد عن الاحتمال) (٤) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله (قال: ﴿إذا دبغ الإهاب فقد طهر﴾ ) (٥) (.
следующие страницы →