← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

لأنه غير مختلف في سنده) (١) (. ومنها: مسألة أكل لحوم الحمر الإنسية) (٢) (. المطلب الثاني: الترجيح من جهة المتون وما يتعلق بها وله وجوه: الوجه الأول: ترجيح ما كان متنه سالماً من الاضطراب: إذا تعارض خبران وكان لفظ أحدهما سالماً من الاختلاف والاضطراب، بخلاف الآخر، فسلامته مرجحة؛ لأن غلبة الظن بصحته تقوى، ويضعف ما اختلف لفظه؛ إذ اختلاف لفظه قد يؤدي إلى اختلاف معناه، وذلك يدل على قلة ضبط الراوي، وعدم إتقانه، وسوء حفظه، وكثرة تساهله في روايته) (٣) (، ومن أمثلته: ما روي عن أبي هريرة (أن رسول الله ((نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)) (٤) (. فيعارضه ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما ترك رسول الله (ركعتين بعد العصر عندي قط)) (٥) (.

стр. 6162

غير أن مالكاً كَرِه النافلة بعد العصر) (١) (تمسكاً بحديث أبي هريرة (ونحوه) (٢) (، وترك حديث عائشة ﵂؛ لأنه رُوِيَ عنها أيضاً بجانب هذا الحديث الذي ذكرناه، عن أم سلمة ﵂ عن النبي ((أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس)) (٣) (، وبذلك يكون قد روي عنها إثبات الحكم ونفيه، أما أبو هريرة (فلم يرو عنه إلاّ النفي فقط) (٤) (. ومنها: أنه ترك في أظهر الروايتين عنه الأحاديث التي تقرر عدم رفع اليدين في الركوع) (٥) (، وعدم طهارة إهاب الميتة بالدباغ) (٦) (، للاضطراب في متنها، وأخذ بما يخالفها. الوجه الثاني: ترجيح ما كان قولاً صريحاً على ما كان استدلالا:

стр. 6163

إذا تعارض خبران وكان أحدهما منسوباً إلى النبي (نصاً وقولا، والآخر نسب إليه (استدلالاً واجتهادا؛ بأن يروى أنه كان في زمانه أو في مجلسه ولم ينكره، فما نسب إليه نصاً وقولاً أقوى؛ لكونه غير محتمل؛ إذ هو قول النبي (ولا خلاف في كونه حجة، وما في زمانه ربما لم يبلغه، وما في مجلسه ربما غفل عنه) (١) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي (نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: ﴿لا يُبَعْنَ، ولا يُوهَبْنَ، ولا يُرثن، يستمتع بها سيدها ما دام حيا، فإذا مات فهي حرة﴾ ) (٢) (. فيعارضه: ما روي عن أبي سعيد الخدري (حيث قال: (كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ()) (٣) (. غير أن مالكاً ذهب إلى أن العمل بمقتضى حديث ابن عمر ﵄ أولى؛ لأنه نص صريح قاطع من الرسول (في عدم جواز البيع، أما حديث أبي سعيد (فلم ينسب إلى الرسول (نصا، وإنما استدلالاً واجتهادا، فليس في سياقه أمر منه (ولا نهي، إلاّ أن هذا الفعل كان على عهده (، وليس فيه أيضاً ما يدل على أنه (علم بذلك فأقرهم عليه) (٤) (. الوجه الثالث: ترجيح ما كان جامعاً بين الحكم وعلته:

стр. 6164

إذا تعارض خبران وكان أحدهما دالاً على الحكم والعلة، والآخر على الحكم دون العلة؛ فإنه يرجح الأول؛ إذ الانقياد إليه أشد من الانقياد إلى غير المعلل؛ لكونه أقرب إلى الإيضاح والبيان؛ ولأن ظهور التعليل من أسباب قوة التعميم) (١) (، ومثاله: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله (: ﴿من بدل دينه فاقتلوه﴾ ) (٢) (، فظاهر هذا الخبر يدل على وجوب قتل كل من رجع عن الإسلام إلى الكفر طوعاً سواء كان رجلاً أم امرأة، غير أنه يعارضه خبر آخر يدل بظاهره على أنه لا يجوز قتل النساء مطلقاً سواء كن حربيات أم مرتدات، وهو ما روي عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله (: (رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان)) (٣) (. إذاً التضاد في وجه الدلالة بينهما يتعلق في المرأة المرتدة.

стр. 6165

فمالك قال: بقتل المرتدة) (١) (عملاً بخبر ابن عباس ﵄؛ لأن فيه الحكم وهو القتل، كما أنه يدل أيضاً بمسلك الإيماء والتنبيه على أن علة القتل هنا هي تبديل الدين، فيشمل الذكر والأنثى، أما خبر ابن عمر ﵄ فذكر فيه الحكم دون أن يعلل بشيء) (٢) (، وعليه لا يصلح لدى مالك أن يكون دليلاً يرتكز عليه في ذلك، فهو كما ورد عنه في المدونة كان: "يكره قتل النساء والصبيان والشيخ الكبير في أرض الحرب") (٣) (. الوجه الرابع: ترجيح ما يقصد به بيان الحكم: إذا تعارض خبران وقصد بأحدهما بيان الحكم المختلف فيه، دون الآخر، فيكون الأخذ بما قصد به بيان الحكم أرجح؛ لأنه أمس بالغرض، وأبعد عن الاحتمال) (٤) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله (قال: ﴿إذا دبغ الإهاب فقد طهر﴾ ) (٥) (.

стр. 6166

ورووا أيضاً بإزائه خبر أبي المَلِيح) (١) (عن أبيه: أن النبي ((نهى عن جلود السباع أن تُفترش)) (٢) (. وقد ذهب مالك في أشهر الروايتين عنه إلى طهارة جلود السباع إذا دبغت) (٣) (، عملاً بمقتضى خبر ابن عباس ﵄؛ لأنه قصد به الكشف عن حكم الطهارة، من غير أن يفرق فيه بين الانتفاع بجلد ما يؤكل لحمه إذا دبغ وما لا يؤكل، فدلالة عمومه على طهارة جلد ما لا يؤكل أقوى من دلالته على نجاستها؛ لنهيه عن افتراش جلود السباع؛ لكونه ما سيق أصلاً لبيان الطهارة والنجاسة، بل ربما نهى عن افتراشها للخيلاء والسرف والتشبيه بالأعاجم وما شاكل ذلك، أو للتعبد المحض الذي لا نعقل معناه) (٤) (. ومنها: تحديد أول وقت العصر) (٥) (. الوجه الخامس: ترجيح ما نقل معناه بألفاظ متغايرة وعبارات متباينة:

стр. 6167

إذا ورد أحد المعنيين بألفاظ متغايرة وعبارات مختلفة، والآخر روي بلفظ واحد من طريق واحد، فالأول أولى؛ لأنه يبتعد عن الخطأ والتأويل والسهو والتبديل، ومن ثَمَّ يقوى في النفس، وتصير إلى روايته أسكن) (١) (، ومن أمثلة ذلك ما روي عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله (: (جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما)) (٢) (. فيخالفه ما روي عن مُجَمِّعٍ بن جارية (حيث قال: (قسمت خيبر على أهل الحديبية) (٣) (فقسمها رسول الله (على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفاً وخمس مائة، فيهم ثلاث مائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما)) (٤) ( غير أن مالكاً رجح ههنا حديث ابن عمر ﵄؛ لكثرة الروايات الموافقة له في المعنى، مع تغاير كلماتها وتباين عباراتها) (٥) (. الوجه السادس: ترجيح ما يتناول الحكم بمنطوقه:

стр. 6168

إذا تعارض خبران وكان ما تضمنه أحدهما من الحكم منطوقاً به، والآخر محتملا، فيقدم على الراجح ما نطق فيه بالحكم؛ لأن الغرض فيه أبين، والمقصود أجلى) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن أنس (أن النبي (قال: ﴿في الرِّقَّةِ) (٢) (ربع العشر﴾ ) (٣) (، فهذا الحديث يدل على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون) (٤) (، ولكن هنالك حديث آخر ينفيهما عنهما وهو ما روي عن عائشة ﵂، عن النبي (أنه قال: ﴿رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق﴾ ) (٥) (. غير أن مالكاً أخذ بخبر أنس (؛ لأن فيه إيجاب الزكاة في المال، بخلاف خبر عائشة ﵂، فإنه ليس فيه نفي الزكاة عن المال، وإنما فيه نفي وجوبها عن الصبي والمجنون، وإذا تقرر هذا فإنه يجب على الولي أن يخرجها عنهما من مالهما) (٦) (. الوجه السابع: ترجيح ما دل على المراد من وجهين:

стр. 6169

إذا تعارض خبران وكان أحدهما دالاً على المراد من وجهين، فإنه يقدم على الدال عليه من وجه واحد) (١) (، ومن أمثلته: ما روي عن عبد الرحمن بن عوف (أن رسول الله (: (قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء) ، فقضيته أن ما قسم لا شفعة فيه، ثم قال: (فإذا وقعت الحدود بينهم فلا شفعة)) (٢) (، فيقدم عند مالك) (٣) (على ما روي عن جابر (؛ إذ قال: قال رسول الله (: ﴿الجار أحق بشفعته﴾ ) (٤) (؛ لأن هذا الخبر يدل بوجه، وما يعارضه يدل بوجهين) (٥) (. الوجه الثامن: ترجيح ما تأكد بالتأكيد: إذا تعارض خبران واقترن أحدهما بالتأكيد، فإنه يقدم على الخالي؛ لأن المؤكد لا يحتمل التأويل والمجاز أو يبعد فيهما، أما ما ليس مؤكداً فإنه يحتملهما) (٦) (، ومَثَّلَه مالك بما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله (قال: ﴿أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل﴾ ثلاث مرات) (٧) (.

стр. 6170

فيعارضه: ما روي عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله (قال: ﴿الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها﴾ ) (١) (. غير أن مالكاً ذهب إلى أنه ليس للمرأة أن تلي عقد نكاحها بنفسها بغير وليها) (٢) (، واحتج بحديث عائشة ﵂؛ لأنه أغلب على الظن، وأقوى دلالة؛ إذ تكرار البطلان فيه توكيد لحكمه، أما خبر ابن عباس ﵄ المخالف له فمرجوح؛ لكونه لم يؤكد حكمه) (٣) (. الوجه التاسع: ترجيح ما تأكد بالاحتياط:

стр. 6171

إذا تعارض خبران وكان أحدهما أقرب إلى الاحتياط، بخلاف الآخر، فإن الأحوط يقدم على ما لا احتياط فيه، لأن استحباب الاحتياط لا ينكر؛ إذ هو أليق بحكمة الشريعة ومحاسنها، وأبين لأسرارها ومراميها، وأقرب لمعانيها ومبانيها) (١) (، ومثاله: أن مالكاً قال: من باب الاحتياط في المدونة ما نصه: "لا يجب صيام شهر رمضان إلاّ برؤية الهلال أو كمال شعبان ثلاثين يوما، قال النبي (في حديث ابن عمر ﴿لا تصوموا حتى تَرَوْا الهلال ولا تفطروا حتى تَرَوْه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له﴾ ) (٢) (، وقال في حديث ابن عباس ﴿فإن غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين يوماً ثم أفطروا﴾ ) (٣) (، وأدخله مالك ﵀ في موطئه بعد حديث ابن عمر على طريق التفسير له؛ لأن أهل العلم اختلفوا في معنى قول النبي (: ﴿فاقدروا له﴾ ") (٤) (. الوجه العاشر: ترجيح ما اشتمل على زيادة:

стр. 6172

إذا تعارض خبران وكان أحدهما مشتملاً على زيادة لم يتعرض لها الثاني، فيقدم الأول؛ لما فيه من زيادة علم خفي على الآخر) (١) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن عائشة ﵂، أن رسول الله (: (كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسا)) (٢) (. وما روي عن ابن عمر ﵄، أنه قال: (شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الأخيرة خمس تكبيرات قبل القراءة)) (٣) (. فيقابلهما: ما روي عن مكحول، قال: أخبرني أبو عائشة -جليس لأبي هريرة- أن سعيد بن العاص، سأل أبا موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، كيف كان رسول الله (يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: (كان يكبر أربعاً تكبيره على الجنائز) ، فقال حذيفة: (صدق) ، فقال أبو موسى: (كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت عليهم) ، وقال أبو عائشة: وأنا حاضر سعيد بن العاص) (٤) (. غير أن مالكاً رجح حديثي عائشة وأبي هريرة ﵄، على ما يعارضهما؛ لاشتمالهما على زيادة علم غير منافية، فتعين المصير إليهما) (٥) (.

стр. 6173

وقد تعرض مالك لعدد من الأخبار التي تتعارض بسبب هذه الظاهرة، فرجح ما يتضمن زيادة؛ لأنها عن الثقة مقبولة، من ذلك: أنه قدم رواية من أثبت أنه لا يجزئ في التيمم إلاّ ضربتين، ضربة للوجه، وضربة لليدين، على رواية من نقل أنه يكفي ضربة واحدة لهما) (١) (، وقدم أيضاً الترجيع في الأذان على خبر من رواه من غير ترجيع) (٢) (، وقدم كذلك في مسألة الأذان والإقامة في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، الخبر الذي أثبت أذاناً واحداً وإقامتين، على الخبر الذي أثبت أذاناً وإقامة، وعلى الذي أثبت إقامتين فقط، أو إقامة واحدة من غير أذان ألبتة) (٣) (. المطلب الثالث: الترجيح باعتبار أمر خارجي وله وجوه:

стр. 6174

الوجه الأول: ما رجح لموافقته الكتاب) (١) (: ومن أمثلته ما يأتي: روي عن عائشة زوج النبي (أنها قالت: (إن كان رسول الله ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات) (٢) (بمروطهن) (٣) (ما يُعْرَفْنَ من الغلس) (٤) ()) (٥) (. فهذا الحديث يبين أن الرسول (كان يصلي الصبح بغلس؛ أي: في أول وقتها) (٦) (. فيقابله: ما روي عن رافع بن خديج (؛ إذ قال: سمعت رسول الله (يقول: ﴿أسفروا) (٧) (بالفجر، فإنه أعظم للأجر﴾ ) (٨) (.

стр. 6175

غير أن مالكاً رجح حديث عائشة ﵂ لموافقته ظاهر قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات () (١) (، وقوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم () (٢) (.) (٣) ( ومنها: أن مالكاً أخذ بالأخبار التي تدل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكافرين في القتال؛ لأنها ليس فيها جعل سبيل لهم على المؤمنين، وقد قال الله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا () (٤) (، وترك ما يخالفها من أخبار) (٥) (. الوجه الثاني: ما رُجِّحَ لموافقته حديث آخر) (٦) (: ومن أمثلة ذلك: ما روي عن أبي موسى (أن النبي (قال: ﴿لا نكاح إلاّ بولي﴾ ) (٧) (. فيعارضه: ما روي عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله (قال: ﴿الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها﴾ ) (٨) (. وقد رجح مالك حديث أبي موسى (؛ لأنه يؤكد غلبة الظن بقصد مدلوله حديث عائشة ﵂ أيضا، أن رسول الله (قال: ﴿أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل﴾ [ثلاث مرات] ) (٩) (.) (١٠) (

стр. 6176

الوجه الثالث: ما رجح لموافقته إجماع الأمة) (١) (: ومن أمثلته: ما روي عن زينب بنت أبي سلمة ﵂ أنها قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي (حين تُوُفِّيَ أبوها أبو سفيان بن حرب، فدعتْ أم حبيبة بِطِيب فيه صُفرة خلوق، أو غيره، فدهنتْ به جارية ثم مسحت بعارضيها، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله (يقول: ﴿لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث ليال إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا﴾ ) (٢) (. وفي الباب عن عائشة وحفصة زوجي النبي (وغيرهما) (٣) (. ويقابل ذلك خبر أسماء بنت عميس ﵂ حيث قالت: دخل عليَّ رسول الله (إلىوم الثالث من قتل جعفر، فقال: ﴿لا تحدي بعد يومك هذا﴾ ) (٤) (. فمالك ترك خبر أسماء ﵂؛ لأنه يخالف الإجماع، وعمل بمقتضى خبر زينب ﵂؛ لكونه سنداً لإجماع الأمة في الجملة وإن اختلفوا في التفاصيل، على أن عدة المرأة الحرة المسلمة المتوفى عنها زوجها، إن لم تكن حاملاً ووضعت حملها، أمدها أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول، كبيرة بالغة، أو صغيرة لم تبلغ) (٥) (.

стр. 6177

الوجه الرابع: ما رجح لموافقته إجماع أهل المدينة لوحدهم) (١) (: ومن الأمثلة على ذلك صفة الأذان، حيث ورد ثلاث صفات مشهورة له، وهي: الصفة الأولى: أذان المدنيين، وهو سبع عشرة كلمة: الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلاّ الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين، ثم يرجع بأرفع من صوته بها أول مرة فيقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين، حيَّ على الصلاة مرتين، حيَّ على الفلاح مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلاّ الله مرة واحدة) (٢) (. الصفة الثانية: أذان المكيين، تسع عشرة كلمة: وهو يماثل أذان المدنيين تماماً في جميع ألفاظه، ما عدا التكبير الأول، فالمدنيون قالوا بتثنيته، والمكيون قالوا بتربيعه) (٣) (.

стр. 6178

الصفة الثالثة: أذان الكوفيين، وهو خمس عشرة كلمة: الله أكبر أربع مرات، أشهد أن لا إله إلاّ الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين، حيَّ على الصلاة مرتين، حيَّ على الفلاح مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلاّ الله مرة واحدة) (١) (. غير أن مالكاً يرى أن الصفة الأولى إلى الصحة أقرب، والأخذ بها أصوب؛ لأنه يشهد لها العمل المتصل في المدينة) (٢) (. وقد رجح مالك عدداً من الأخبار لموافقتها للعمل، على ما يعارضها من أخبار أخرى، من ذلك أنه ذهب إلى أن: الإقامة كلها فرادى إلاّ قوله الله أكبر في أولها وفي آخرها، فإنه مرتين مرتين) (٣) (، وأن التكبير في الأولى من ركعتي العيد سبع، وفي الثانية خمس) (٤) (، وإلى جواز القضاء في الأموال خاصة باليمين مع الشاهد الواحد) (٥) (، وإنه لا يثبت حق الشفعة للشفيع إذا قسم المشفوع فيه ووقعت الحدود وبينت الطرق) (٦) (.

стр. 6179

الوجه الخامس: ما رجح لموافقته عمل الخلفاء الراشدين: إذا تعارض خبران وعمل بأحدهما الخلفاء الراشدون، دون الثاني، فيكون آكد؛ لأن عملهم به يدل على أنه آخر الأمرين وأولاهما وأشهرهما؛ إذ هم أجل من أن يخفى عليهم الحكم الثابت الواجب العمل به) (١) (، ومما رجحه مالك لأنه يوافق عملهم: تَرْك الوضوء مما غيرت النار) (٢) (، وأن تكبيرات العيدين سبعاً وخمسا) (٣) (، والقضاء بالشاهد واليمين فيما يتعلق بالأموال فقط) (٤) (.

стр. 6180

الوجه السادس: ما رجح لموافقته القياس) (١) (: ومن أمثلة ذلك: ما ذهب إليه مالك أنه لا زكاة تجب في الخيل السائمة إذا كانت ذكوراً وإناثاً متخذة للنسل) (٢) (، لما رواه بسنده عن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: ﴿ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقه﴾ ) (٣) (، فهذا نفي، والنفي على الإطلاق يقتضي الاستغراق، ومما يؤكد ذلك كذلك حديث علي (إذ قال: قال رسول الله (: ﴿عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق﴾ ) (٤) (، إلاّ إذا كانت للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف) (٥) (. خلافاً لأبي حنيفة فقد ذهب إلى أنها إذا كانت تسام للدر والنسل، ومختلطة ذكوراً وإناثا، فإن الزكاة تجب فيها قولاً واحدا، أما إذا كانت ذكوراً منفردة أو إناثاً منفردة ففيها عنه قولان) (٦) (، واستدل بما روي عن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: ﴿الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر [وساق الحديث وفيه] ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ولم ينسَ حق الله في رقابها، ولا في ظهورها فهي لذلك ستر﴾ ) (٧) (.

стр. 6181

غير أن مالكاً دعم ما استدل به من أخبار من جهة المعنى والقياس إذ جاء في المدونة: "أنه لما اجتمع أهل العلم في البغال والحمير على أنه لا زكاة فيها، وإن كانت سائمة، واجتمعوا في الإبل والبقر والغنم على الزكاة فيها إذا كانت سائمة، واختلفوا في الخيل السائمة وجب ردها إلى البغال والحمير لا إلى الإبل والبقر والغنم؛ لأنها بها أشبه؛ لأنها ذات حافر كما أنها ذوات حوافر، وذو الحافر بذي الحافر أشبه منه بذي الخف أو الظلف؛ ولأن الله ﵎ قد جمع بينها فجعل الخيل والبغال والحمير صنفاً واحدا؛ لقوله: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة () (١) (، وجمع بين الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم فجعلها صنفاً واحدا؛ لقوله: (والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون () (٢) (؛ ولقوله (: (الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون () (٣) (".) (٤) ( الوجه السابع: ما رجح لموافقته واقع الحال: إذا تعارض خبران وكان أحدهما ينفي النقص عن أصحاب رسول الله (، والثاني يضيفه إليهم، فيكون الذي ينفيه أولى؛ لكونه أقرب إلى الظاهر الموافق لحالهم، وما وصفهم الله تعالى به وأثنى عليهم) (٥) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن جابر (أنه قال: (إذا ضحك الرجل في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء)) (٦) (.

стр. 6182

فيقابله: ما روي عن أبي العالية) (١) (: (أن رجلاً أعمى جاء والنبي (في الصلاة، فتردى في بئر، فضحك طوائف من أصحاب النبي (، فأمر النبي (من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة)) (٢) (. فقدم مالك خبر جابر (؛ لأن معارضه يقتضي غضاً من منصب الصحابة ﵃، ويستلزم إضافة النقص إليهم؛ إذ ينسب إليهم ضد ما كانوا عليه من الإقبال والخشوع والتذلل والخضوع، وهم في صلاتهم بين يدي ربهم) (٣) (، ويشهد لما رجحه مالك أيضاً خبر صفوان بن عَسَّال (، حيث قال: (كان رسول الله (يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلاّ من جنابة، ولكن من غائط ونوم وبول)) (٤)

стр. 6183

(. خاتمة البحث: بعد أن أتيت على نهاية البحث، أسجل بإيجاز أهم ما أرشد إليه في ثناياه، وما تمخضت عنه دراسته من نتائج، وهي كالتالي: ١- بَيَّنَ البحث أن التعارض الحقيقي بين الأخبار باستثناء الناسخ والمنسوخ منها، لا يدخلها ألبتة، وإنما هي متآلفة متوافقة لا تنافي بينها ولا اختلاف، وأنه إذا وجد خبران يوهم ظاهرهما التنافي والاختلاف، فإنه يكون تعارضاً صورياً لا في الواقع ونفس الأمر، ومرده نقص في علم الناظر وخلل في إدراكه، بحسب جلائهما وخفائهما بالنسبة إليه، حيث إنه غير معصوم من الخطأ والسهو وما شاكلهما، وإن هذا التعارض يزول بعد إنعام النظر فيها وتسريح الفكر، بأي وجه من وجوه الجمع الصحيحة، أو بيان النسخ، أو الترجيح، وقد اتضح ذلك جلياً من خلال الأمثلة التطبيقية التي سيقت لبيان ذلك. ٢- أكد البحث أن الثمرة المرجوة من وراء الجمع عند الإمام مالك هي التوفيق بين الأخبار المتعارضة، وأنه يقدمه على النسخ إذا كان محتملاً والترجيح، بل ويستعمله أيضاً أكثر منهما، أما النسخ فقد حدد معناه عما قد يلتبس به وضبطه؛ إذ ذهب إلى أنه: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخٍ عنه، أما الترجيح عنده فهو: تفجير القوة الزائدة والطاقة الكامنة في أحد الخبرين المتعارضين ليعمل به، وقد يتبع تعارض الترجيح أيضاً تعارض أوجهه، وحينئذٍ يقدم الإمام مالك الترجيح باعتبار السند، ثم يليه بالنسبة إليه الترجيح باعتبار المتن، ثم يليهما الترجيح باعتبار أمر خارجي، إذ لا حاجة تدعو المجتهد أن يستعين بأدلة خارجة عن إطار الأخبار ما دام الأمر قد حسم في داخلها وانقضى.

стр. 6184

٣- كشف البحث أن منهاج الإمام مالك في التعامل مع الأخبار المتعارضة لم يكن اعتباطياً أو عشوائيا، وإنما جعل لدفعه مسالك عدة، قائمة على الاتساق في التأصيل، والدقة في التقعيد، ويحصرها حصراً مركزاً ويربطها ربطاً وثيقا، عدد من المعايير الحساسة؛ لترتيبها بحسب مواقعها عند تطبيقها على الوقائع، وعليه فقد تَكَوَّنَ من جملتها منهاج متكامل أرشد إلى كيفية تعامله معها، وبالرغم مما قررنا فإن التزامه بهذا المنهاج التزام نسبي؛ إذ قد يغير فيه، تبعاً لتسامي ملكاته، المستندة على أدلة تقتضي ذلك. ٤- أثبت البحث المستفيض أن التعامل مع الأخبار المتعارضة موضوع مهم خطير صعب عسير؛ إذ يحتاج خوضه إلى احتياط وورع ودقة وأمانة، وفهمه إلى غوص عميق في المعاني الدقيقة لدراسات متعددة الجوانب، ولا غرو فإنه يمثل أعلى المراتب في استيثاق الأخبار وحفظها وصيانتها من جهة أسانيدها أو متونها لتمييز الصحيح من السقيم والموضوع، وأن المحدثين تناولوه ضمن مبحث مختلف الحديث، أما الأصوليون فبسطوا الكلام فيه بشكل أوسع منهم تحت مبحث التعارض والترجيح. ٥- توصل الباحث إلى أن طرائق الإمام مالك في دفع التعارض بين الأخبار لها أثر بالغ في استنباطاته الفقهية، وأنها تمثل الأصول التي تتفرع عنها، وعليه فإنها من أهم ما يجب أن يعرفه المجتهد؛ إذ لا يمكنه ادعاء استخراج الأحكام بدونها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 6185

مسائل في منهج دراسة السيرة النبوية د. محمد بن صامل السلمي الأستاذ المشارك بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أم القرى ملخص البحث ... السيرة النبوية بوقائعها المختلفة تمثل حياة النبي ﷺ وأصحابه. ودراستها بمنهجية علمية أمر مهم لكل مسلم فضلا عن المربين والمعلمين, إذ هي مادة سلوكية تربوية ذات أهداف اعتقادية وأخلاقية, وهذا البحث محاولة لبيان ضوابط لمنهج دراسة السيرة النبوية من خلال عرض بعض المسائل المهمة, وهي سبع مسائل: الأولى: المصادر التي تستقى منها أخبار السيرة النبوية ووقائعها. الثانية: التأصيل الشرعي لمن يشتغل بعلوم السيرة النبوية الثالثة: تفسير أحداث السيرة النبوية الرابعة: ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من السيرة. الخامسة: الاهتمام بالسنن الربانية وإبرازها. السادسة: معرفة مواضع الاقتداء من فعله ﷺ . السابعة: صدق العاطفة والوفاء بحقوق المصطفى ﷺ . وهذه المسائل إذا جرى مراعاتها من قبل المربين والباحثين فإنها تنهض بعون الله بدراسة السيرة في مدارسنا وجامعاتنا ويظهر أثرها على سلوكيات المتلقين وهي الثمرة الأساس لدراسة السيرة النبوية. المقدمة: الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير, رسول رب العالمين, الرحمة المهداة, والنعمة المسداة, محمد بن عبد الله, وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:

стр. 6186

.. فهذه نبذة يسيرة في موضوعات مهمة ومسائل جليلة في سيرة المصطفى ﵊ تمثل المنهج الذي ينبغي أن يتبع ويسلك في دراسة السيرة النبوية وتدريسها حتى تؤتى ثمارها, ونحصل على فوائدها, وندرك مقاصدها, ونعتبر بعبرها, ونقتدي بمواقف صاحبها ﵊, ونتأسى بأحواله, وذلك أن السيرة النبوية ليست ضربا من التاريخ فحسب إنما هي منهج متميز, وعبر متجددة, وسلوك يقتفى, فالسيرة النبوية متجددة العطاء لأنها سيرة الرسول الأسوة والإمام القدوة الذي لا يصح عمل ولا عبادة إلا باتباعه. وسيرته معيار تقاس إليه جميع السير والمواقف والأحداث, وهي صالحة لكل زمان, متسعة لجميع القدرات البشرية, وقد جمع الله فيه جميع الكمالات البشرية حتى يتمكن من الاقتداء به جميع المسلمين على مختلف أزمانهم وأوطانهم ومواقعهم الإدارية والسياسية والاقتصادية والعلمية والتربوية ... إلخ. ... والسيرة النبوية مادة تربوية وسلوكية ينبغي أن تتلقى, ويتعلمها المتعلمون بهذا الهدف التربوي الذي يؤدي إلى تنمية السلوك البشري وتقويمه وفق الهدي النبوي الثابت في الكتاب والسنة. ودارس السيرة النبوية بحاجة إلى التعرف على المنهج العلمي الصحيح في دراستها من حيث المصادر؛ ومنهج التلقي وضرورة التأصيل الشرعي لعلومها؛ والالتزام بنصوص الوحي وفهم السلف الصالح أهل السنة والجماعة؛ مع الوعي لقضايا العصر ومستجداته, مع مراعاة السنن الاجتماعية والشرعية والاهتمام بها حتى نجدد في دراسة السيرة وتدريسها ونجعلها من أهم الأسس والدعائم في بناء النهضة والحضارة الإسلامية المعاصرة. إن المشكلة الواقعة في دراسة السيرة أنها تجري على الطريقة التقليدية في سرد الحوادث وحفظ الوقائع دون التنبه إلى أهميتها التربوية السلوكية؛ وأثرها في تقوية الإيمان وترسيخه؛ وفي بناء الجيل والأمة وفق السنن الشرعية والاجتماعية.

стр. 6187

ونظرا لبروز هذه المشكلة في مناهجنا الدراسية أحببت أن أسهم في إيجاد بعض الحلول لها من خلال مناقشة مجموعة من المسائل المتعلقة بمنهج دراسة السيرة النبوية التي ينبغي الاهتمام بها من قبل الدارسين والباحثين, وقد تعرضت في هذا البحث لسبع مسائل ذات صلة وثيقة بمنهج دراسة السيرة النبوية, وستراها مفصلة في البحث. ... وأسأل الله العلي القدير أن ينفع بها الباحث والسادة القراء. والحمد لله رب العالمين. *** المسألة الأولى: المصادر التي تُستقى منها أخبار السيرة النبوية ووقائعها هذه المسألة مهمة في منهج دراسة السيرة النبوية, لأن تحرير المصادر الموثوقة والرجوع إليها مما يساعد على الفهم الصحيح للسيرة النبوية, بخلاف من تأسره المصادر المنحرفة, التي كتبتها نوابت الضلال والانحراف من أهل الأهواء والبدع ليؤيدوا ضلالهم وانحرافهم, والحديث هنا ليس عن مصادر السيرة النبوية من حيث أنواعها وترتيبها التاريخي (١) , إنما هو عن مصادر السيرة من حيث التوثيق, ومن حيث الاتجاهات الفكرية للمصنفين, والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: ١ مصادر أصلية وموثوقة وهي: أالقرآن الكريم, وهو رأس المصادر وأساسها, وثبوته بالتواتر القطعي أمر مسلٍّم لا مرية فيه, وحديثه عن السيرة كثير (٢) , وعرضه منوع, ومنهجه في عرض الأحداث والوقائع يتميز بالشمول في تحليل الحدث ومعالجته, ويلاحظ الأهداف والغايات, ويركز على الآثار والنتائج, وينتزع الصورة الموحية من الحدث ثم يبرزها, غير ملتزم بتسلسل الحدث في سياقه التاريخي, لأن القرآن الكريم كتاب هداية وتربية وأحكام, لا كتاب تاريخ, فهو يهتم بالقيم والأخلاق. ومن مميزات النص القرآني وخصائصه: عرض المشاعر والخواطر وما يجول في النفوس حتى يجعلها مكشوفة كأنها رأى العين. بيان العواقب والمآلات للوقائع (٣) , وذلك لأنه صادر من العليم الخبير, والسميع البصير, والحكيم القدير, الذي أحاط بكل شيء علما.

стр. 6188

فالنص القرآني يتميز بالصدق من جهتين: الأولى: جهة النقل والثبوت. الثانية: من حيث الوصف للواقعة التاريخية. فإنه يصف الصورة الظاهرة للحدث كما يصف الصورة الباطنة له, ويوضح أثره في المشاعر والنفوس, كما يكشف الخواطر والأمنيات, حيث يستوي في علمه عالم الغيب والشهادة. ويلحق بهذا المصدر كتب التفسير وأسباب النزول, ففيها كم كثير من الأخبار المتعلقة بالسيرة النبوية, لكن رواياتها بحاجة إلى نقد وتمييز لمعرفة الصحيح من غيره. ب – ما دونه علماء الحديث بالأسانيد في مصنفاتهم من أحداث السيرة وأخبارها. فإن مصنفات المحدثين وما فيها من الأخبار والروايات قد خضعت لنقد وتمحيص من علماء الجرح والتعديل , ونصوا على صحيح الأخبار وحسنها, وميزوها عن ضعيفها وموضوعها كما نَصٍِوا على الرواة الثقاة العدول, والرواة الضعفاء والمجهولين والكذابين مما سَهل على الباحثين القدرة على النقد ومعرفة الصحيح من غيره.

стр. 6189

ج – ما جمعه علماء السيرة ورواتها الأوائل, من أمثال عروة بن الزبير ت: (٩٣هـ) , ومحمد بن مسلم الزهري ت: (١٢٤هـ) , وموسى بن عقبة ت: (١٤١هـ) , وابن إسحاق ت: (١٥١هـ) , وأضرابهم, وكذا ما دُوِّن في المصادر التاريخية العامة من الحوادث والتراجم, وهذا النوع يحتاج إلى نقد وتمييز لمعرفة الصحيح من غيره قبل أن نأخذ الدرس التربوي والعبرة من الحدث, وقبل الاستدلال به على الحكم الشرعي. والمنهج المتبع في نقد الروايات التاريخية هو منهج المحدثين, لكن النتيجة قد تختلف من رواية إلى أخرى بحسب مضمون الرواية, وما يتعلق بها من أحكام, فإذا كانت الرواية متعلقة بحكم شرعي أو أدب نبوي, فلا بد من اتباع منهج المحدثين وشروطهم في الرواية الصحيحة والحسنة, أما إذا كانت الرواية متعلقة بأخبار ليست من هذا النوع – كتاريخ الحدث أو مكانه أو عدد المشاركين فيه أو أسمائهم أو ما يكون من أخبار التاريخ والحضارة – فإنه يتساهل في قبول الرواية حتى ولو لم تستجمع شروط القبول (٤) . وهذا منهج سائغ وطريقة مسلوكه حيث يتشدد العلماء في الاستدلال على الفرائض وأحكام الحلال والحرام ويتساهلون في رواية ما لا يرفع حكما أو يضعه من أحاديث الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ (٥) . كما أن نقد المتن هو خطوة نقدية بعد نقد السند, وهي مشتركة بين المحدثين والمؤرخين ويستطيع الباحث إذا أتقنها وتمرس بها تمييز الروايات الصحيحة من غيرها. ٢ المؤلفات بعد عصر الرواية والإسناد:

стр. 6190

من بداية القرن الخامس الهجري تقريبا توقفت الرواية والتحديث في السنة والسيرة النبوية بالإسناد حيث صارت المؤلفات تغفل الإسناد, ويرجع المصنفون إلى الكتب والمؤلفات بدلا من التلقي المباشر من الرواة والشيوخ, وصار الإسناد إلى الكتب والإجازه (٦) بها وتحمل روايتها بهذا الطريق , أو بطريق الوجادة (٧) , وظهرت في تلك الفترة مؤلفات في السيرة النبوية تغفل الإسناد, وإذا وجد الإسناد فهو إلى المصنفات الأولى في عصر الرواية, وهذا النوع من المصادر ينظر إليها بحسب اتجاهات مصنفيها الفكرية والعقدية, وكذا بحسب مناهجهم في التصنيف, من حيث اشتراط الصحة فيما يذكرون أو عدم اشتراطها, وهؤلاء تسُبر طريقتهم بواسطة المقارنة والنقد الباطني للنصوص , أما إذا أسندوا فينقد الإسناد حتى يميز الصحيح من غيره. والمصادر في هذا القسم أنواع: منها: مصادر كتبها علماء ثقات من أهل السنة والجماعة وعلى طريقة السلف في الاعتقاد, ومنهج التلقي والاستدلال, من أمثال, ابن عبد البر (ت ٤٦٣هـ) , وابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) , والنووي (ت ٦٧٦هـ) , وابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) , والذهبي (ت ٧٤٢هـ) , وابن القيم (ت ٧٥١هـ) , وابن كثير (ت ٧٧٤هـ) , وابن حجر (ت ٨٥٢هـ) , وابن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦هـ) , فهذه مصادر يعتمد عليها ويهتم بدراستها مع ملاحظة اجتناب ما قد يقع فيه بعضهم من خطأ إذ لا عصمة لأحد من الخطأ, فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ .

стр. 6191

ونوع من المصادر كتبها علماء يغلب عليهم أو تنزعهم اتجاهات ونزعات فكرية مخالفة لطريقة السلف الصالح أهل السنة والجماعة, (اتجاه معتزلي , أو شيعي, أو صوفي ... إلخ) وتلك المصنفات لا تخلو من التأويل الفاسد, أو الأخبار الضعيفة, أو المكذوبة , وكذا الحكايات, والمنامات, والرؤى, وادعاء حالات وصور وأخبار عن السيرة النبوية يكون مؤداها ومآلها إخراج شخصية الرسول ﷺ وسيرته عن مجال الاقتداء والتأسي به, حيث تضفي تلك الأخبار المزعومة, والحكايات والمنامات, على السيرة النبوية وصاحبها ﵊ هالة من المبالغة والتبجيل الكاذب مما يخرجها عن قدرة البشر وطاقتهم فلا يستطيعون التأسي والاقتداء به ﷺ عمليا, مما يجعل حظهم منه ﷺ مجرد إعجاب , وانبهار, ومثاليه, وإشباع روحي, غير قابل للمتابعة والتطبيق الواقعي, وأكثر ما يبرز هذا في الفكر الشيعي؛ والفكر الصوفي اللذان يعتمدان شخصيات بديلة عن شخصية الرسول ﷺ , ويزعمون لأتباعهم أن لها خصوصية ولديها القدرة على التأسي والاقتداء به ﷺ لما لها من الوسائل والخصائص المميزة, مثل الأئمة عند الشيعة, والسادة والأولياء عند الصوفية, أما الأتباع فدورهم التبرك بهؤلاء الوسطاء والاعتقاد فيهم ومتابعتهم من غير سؤال عن دليل أو برهان, وهذا غاية في الضلال والإساءة إلى رسول الله ﷺ , وحرمان للأمة من الاقتداء والتأسي به كما أمرهم الله . ولذا فإنه ينبغي تجنب تلك المصادر والمراجع خاصة من قبل الدارسين المبتدئين, أما الباحث المتخصص فإنه يستطيع الاستفادة منها في الجوانب التي أحسنوا فيها, ويحذر المزالق والأخطاء التي وقعوا فيها. ٣ الدراسات المعاصرة عن السيرة النبوية:

стр. 6192

هذا العصر يموج بكثير من الأفكار والاتجاهات المختلفة, وقد تأثر بعضه ببعض بسبب تيسير نقل المعلومات وسهولتها وسرعة الاتصالات, وتقدم الوسائل الإعلامية حتى صار العالم يوصف بأنه قرية واحدة. والدراسات عن السيرة النبوية في هذا العصر كثيرة, وعلى مستويات مختلفة, ومن اتجاهات فكرية كثيرة, مثل القومية, والاشتراكية, والشيوعية, والعقلانية, والعلمانية, ويغلب على كثير منها استخدام أسلوب التحليل للنصوص, وهو أسلوب ناجح ومفيد في دراسة السيرة النبوية إذا كان المؤلف أو الباحث يملك المرجعية الشرعية, فيفهم حقيقة الإسلام ومنهجه الكامل, وفقه اللغة التي نزل بها القرآن, مع الاعتقاد بأنه الدين الحق والمنهج الخالد الذي لا يقبل الله من أحد سواه, ولا يصلح لهذا العالم غيره, وأن له الحاكمية والهيمنة على الأديان كلها, وهو شامل في أحكامه لكافة مناحي الحياة وأنشطتها السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية. أما إذا كان الباحث لا يؤمن بهذه المعاني أو تنقصه المعرفة الشرعية فإن الغالب أن لا تكون نتائج دراساته صحيحة وإن أتقن طرائق المنهجية المعاصرة, مثل أسلوب التحليل النفسي, والتحليل الاجتماعي, وبيان أثر البيئة. لأن شخصية النبي ﷺ وتصرفاته ليست نابعة من هذه المنابع, إنما هو ﵊ مرسل من الله, ويبلغ ما أوحي إليه, ولذا فإنه لا بد في دراسة السيرة النبوية من ملاحظة أثر الوحي والنبوة في تصرفاته ﷺ المتعلقة بالتعبد وإبلاغ الوحي, ولا بد أيضا من فهم مقاصد الشريعة وغاياتها حتى يكون تفسير أحداث السيرة وتحليلها وفقا لنصوص الوحي ومقاصد الشريعة.

стр. 6193

ولهذا لا نستغرب أن نجد في الدراسات المعاصرة عن السيرة النبوية أثر الاتجاهات الفكرية السائدة, فالقوميون العرب يفسرون حوادث السيرة حسب الفكر القومي عن الرسول ﷺ إذ هو في نظرهم زعيم قومي وَحّد العرب لأول مرة في التاريخ تحت لواء دولة واحدة جامعة ومستقلة. والاشتراكيون يفسرون حوادث السيرة تفسيراً يخدم منهجهم وفكرهم, والشيوعيون يفسرون الغزوات النبوية تفسيرا اقتصاديا حسب نظرتهم للتاريخ البشري وأن الصراع فيه هو على الموارد الاقتصادية ولأجلها, وكذا العلمانيون يفرقون بين شخصية النبي ﷺ القائد والحاكم وبين شخصيته نبيٌ وزعيم ديني, ففي الأول يتصرف بكونه حاكما من غير النظر إلى النبوة والدين لأنهم يفصلون بين الدين والحياة. وهكذا تسير كل فرقة في دراساتها عن السيرة النبوية حسب منهجها الفكري, ولذا فإن على الباحث والقاريء المسلم الحذر من مثل هذه المؤلفات, ومعرفة اتجاهات الباحثين والكتاب حتى لا ينخدع بإحسان بعضهم لطرائق التحليل المنهجي للنصوص, والذي يستخدم وسيلة لتسويغ الفكر المنحرف وتسويقه. ولكن ليست هذه هي الصورة الوحيدة في الدراسات المعاصرة عن السيرة النبوية, وإنما توجد ولله الحمد دراسات جادة ونافعة, جمعت بين أسلوب التحليل للنصوص, وأسلوب القدامى من العلماء في حشد النصوص وتصحيحها والاستدلال بها, مع امتلاك القدرة العلمية والمرجعية الشرعية التي تلاحظ أثر النبوة والوحي, وتدرك مقاصد الشريعة وخلودها وتفردها بالمنهج المصلح للحياة البشرية وأنه لا منهج غيره يصلح لإنقاذ البشرية وإيصالها إلى نيل رضا الله والفوز بجناته.

стр. 6194

فعلى سبيل المثال أنجز في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة, وجامعة أم القرى بمكة المكرمة, وجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عدد وفير من الرسائل الجامعية – ماجستير ودكتوراه – التي استوفت دراسة المغازي والسرايا النبوية دراسة توثيقية ونقدية للنصوص والروايات مع الدراسة التحليلية لاستنباط الدروس والأحكام والعبر التربوية. كما أنجز في مواقع أخرى من الجامعات العربية والإسلامية دراسات في السيرة النبوية لها نصيب وافر من العلم الشرعي والأهداف التربوية, ومثل هذه الدراسات والأبحاث العلمية نحن بحاجة إلى تنميتها ونشرها بين طلاب العلم, بل والعامة من المسلمين ليستفاد منها, فإن السيرة النبوية مصدرٌ مهم في معرفة وسائل الدعوة ومناهجها, وما يقع في بعض الدراسات من نقص أو اجتهادات خاطئة لا ينبغي أن تكون مانعة من الاستفادة منها ما لم يكن صاحب الدراسة متعمداً مخالفة منهج السلف الصالح وراغباً عن طريقتهم. المسألة الثانية: التأصيل الشرعي لمن يشتغل بعلوم السيرة النبوية المشتغل بعلوم السيرة النبوية لا بد له من دراسة الشريعة من مصادرها حتى يفهم حقيقة الإسلام, ومنهجه الكامل, وفقه أحكامه, ودراسة منهج الاستدلال عند علماء الشريعة, كما يجب عليه الالتزام بمصطلحاته الشرعية, وفقه لغته التي نزل بها القرآن, والاعتقاد بأنه الدين الحق والمنهج الخالد الذي له الحاكمية والهيمنة على الأديان كلها. فمن لا يفهم حقيقة الإسلام وشموليته لكافة مناحي الحياة وأنشطتها السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية, تكون أغلب تفسيراته وتحليلاته خاطئة ومخالفة لكثير من قواعد الشريعة وأحكامها, والقاعدة المنطقية تقرر أن الحكم على الشىء فرع عن تصوره. فلا بد من تصور حقيقة الإسلام من مصادره تصورا صحيحا وإلا وقع الباحث في خلط وقرر نتائج غير صحيحة.

стр. 6195

ومما ينبغي الالتزام به المصطلحات الشرعية, فإنها التي يتعلق بها الثواب والعقاب, والمدح والذم مثل: مؤمن, مسلم, منافق, كافر, أولياء الرحمن, أولياء الشيطان. فالواجب الالتزام بالتسميات الشرعية, ولا يعدل عنها في تقسيم الناس والدول إلى تقدمي ورجعي, ويميني ويساري, ووسط, ودول متقدمة, ودول متأخرة أو نامية, فإن هذا خلط يسبب التضليل وتمييع الأحكام الشرعية التي تستلزم المحبة والبغض, والولاء والبراء, وتترتب عليها الآثار الشرعية والمواقف الصحيحة, أما المصطلحات غير الشرعية فلا يترتب عليها مجردة مدح أو ذم في الشرع, وهذه المصطلحات وافدة من بيئة غير البيئة الإسلامية ومن ثقافة أمم غير الأمة الإسلامية, فلا يمكن تطبيقها أو استخدامها في التاريخ والحضارة الإسلامية لاختلاف المنشأ الفكري والبيئة والتراث الثقافي, فالتقدمي في عرفهم أفضل من الرجعي, وكذا اليساري بالنسبة لليميني, أما في الشريعة الإسلامية فإنه لا ينظر إلى مجرد المصطلح والوصف الذي يطلق, وإنما ينظر إلى موقف من يوصف بذلك المصطلح من الشرع والتزامه بذلك أو عدمه, فربما يكون الرجعي الذي هو وصف ذم عندهم أفضل وأتقى عند الله لتمسكه بالشرع المطهر, فيكون ممدوحاً, وإطلاق مثل هذا المصطلح يكون من باب التنابز بالألقاب المنهي عنه شرعاً. المسألة الثالثة: تفسير أحداث السيرة النبوية

стр. 6196

إن تفسير أحداث السيرة النبوية واستخلاص فوائدها هو ثمرة دراستها ومقصدها الأسمى, وهذه السيرة هي سيرة نبي ورسول اختاره الله واصطفاه, والله أعلم حيث يجعل رسالته, وقد كَمّله بالوحي الذي هو الميزة العظمى والخصيصة الكبرى لرسول الله ﷺ . ولذا فإنه عند تفسير حوادث السيرة النبوية لا بد من ملاحظة أثر الوحي في تصرفاته ومواقفه ﷺ . وإن تفسير حوادث السيرة النبوية من غير امتلاك للأدوات والوسائل الشرعية التي تمكن من ذلك يحمل كثيرا من المخاطر والمحاذير, لأن تفسير الحوادث يخضع في الغالب للفلسفة الفكرية والاتجاهات العقدية عند الدارسين, والتجرد من هذه النوازع غير ممكن لتحكمها في فكر المرء وقياده.

стр. 6197

والإنسان لا ينفك عن تصوره واعتقاده إلا إذا ترك الاعتقاد ونبذه, وتفسير حوادث التاريخ – والسيرة جزء منه - يخضع للتصور الاعتقادي والفكري, فإذا كان الباحث يحمل تصورا اعتقاديا صحيحا, كانت نتائج دراسته صورة لفكره وفلسفته في الحياة, وهذا الأمر يستلزم منا معرفة اتجاهات الباحثين والمؤلفين لنعرف مشاربهم الفكرية ومآخذهم الاعتقادية, وسنجد أن دراساتهم وأبحاثهم صورة لأفكارهم وعقائدهم, وبهذا الميزان نرفض نتائج أبحاث الأوربيين والمستشرقين عن السيرة النبوية, لأنهم ليسوا أهلا أن يحمل عنهم العلم عن سيرة رسولنا محمد ﷺ ما داموا يكفرون به ولا يؤمنون بنبوته ورسالته إلا على وجه غير صحيح, وكذا الدراسات المتأثرة بأفكارهم والمعتمدة عليها يجب رفضها حتى ولو كان الباحث مسلما. فقد رفض علماء الحديث النبوي الرواية عن من اشتهر بالأخذ عن أهل الكتاب ورواية الإسرائيليات, وهؤلاء أولى بالرفض, لأنهم بتحليلهم لأحداث السيرة المتأثرة بعقائد وأفكار المستشرقين ينقلون لنا انحرافاتهم مسوغة باستنتاجات من سيرة الرسول ﷺ ويحرفون فيها القول عن مواضعه, ويحاكمون نصوص الوحي محاكمة عقلية غير مهتدية, والعقل وحده لا يستقل بفهم نصوص الوحي, وخاصة في أمور الغيب مثل الحديث عن الجنة والنار والبعث والنشور, والملائكة والجن, والمعجزات ودلائل النبوة, ومما ينبغي التنبه له في تفسير أحداث السيرة النبوية أن لا نجعل الواقع الذي نعيشه مقياسا, ونحاول أن نؤول نصوص السيرة ووقائعها لتوافقه, فنسوغ للواقع الذي نعيشه ونجعله الأصل حتى لو كان فيه انحرافا, ونستدل له من السيرة النبوية, وهذا الأمر يحدث نتيجة لروح الانهزام أمام العدو والحضارة المعاصرة المسيطرة والانبهار بمنجزاتها المادية, كما يحدث لضعف الإيمان بخلود الرسالة المحمدية واستمرارها وعلوها وظهورها على جميع الملل والأديان.

стр. 6198

ولذا فإنه يجب على الباحث عدم الانسياق وراء المنطق التسويغي, وعليه التحرر من الروح الانهزامية عند تحليل أحداث السيرة النبوية, وأن يعظم ويحترم الأحكام الشرعية المقررة ويلتزم بها بكل وضوح مع الاعتزاز بمعطياتها. المسألة الرابعة: ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من السيرة إن استخراج الدروس والعبر والأحكام من حوادث السيرة النبوية من أهم أهداف الدراسة لها وأعظم فوائدها, لكن هذا الأمر لا يستطيعه كل باحث أو قارىء للسيرة , لأنه يحتاج إلى مرجعية شرعية, وإلى ضوابط تضبط طريقة الاستنتاج. وبالنظر إلى مناهج الاستدلال والاستنباط عند علماء المسلمين فإنه يمكن معرفة ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من خلال طريقتهم في البحث والاستدلال وفقا للخطوات التالية: ١ التأكد من صحة الحدث أو الواقعة التاريخية حتى يصح الاستدلال بها: وذلك أن جوانب كثيرة من السيرة النبوية بعد البعثة هي جزء من السنة النبوية التي هي أحد مصادر الأحكام الشرعية فلا بد من التثبت من صحة الحادثة, ونجد أن العلماء يسلكون في منهج التوثيق لأحداث السيرة منهج علماء الحديث النبوي, لكنهم يفرقون في النتيجة بين الأحداث والوقائع التي تبنى عليها أحكام شرعية واعتقادية, وبين الأحداث التي لا تؤخذ منها الأحكام مثل: الفضائل, وأخبار الحضارة والعمران, فيتشددون في الأولى ويتساهلون في النوع الثاني من الأخبار, كما روي ذلك عن الإمام أحمد, وابن مهدي, وابن المبارك (٨) , وأمثالهم. ٢ بذل الجهد في جمع الأخبار الواردة في الموضوع الواحد: وهذه هي الطريقة العلمية الصحيحة حيث يحيط الباحث بجميع الأخبار الواردة في الموضوع, بل يجمع الطرق والألفاظ لكل نص حتى يستطيع أن يخرج بحكم صحيح وتصور واضح, ويعرف المتقدم من المتأخر, والعام من الخاص. والألفاظ يفسر بعضها بعضا, وبهذا يتمكن من الجمع بين النصوص والأخبار المتعارضة, أو ترجيح أحدهما على الآخر على وجه صحيح.

стр. 6199

مثال ذلك: لو احتج بعض الباحثين أنه لا يجوز الدعاء على الكفار, لأن الرسول ﷺ لما قال له بعض الصحابة ﵃ ادع الله على ثقيف قال: اللهم اهد ثقيفا (٩) . واحتج آخر بأنه لا يجوز الدعاء للكفار بل يدعى عليهم, لأن الرسول ﷺ قال: اللهم اشدد وطأتك على مضر, واجعلها عليهم كسني يوسف (١٠) فكيف العمل؟ نقول: إن الحديث الأول ضَعّف بعض أهل العلم إسناده, لكن لمعناه شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم قال: قدم الطفيل وأصحابه فقالوا: يا رسول الله, إن دوسا قد كفرت وأبت. فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس. فقال: اللهم اهد دوسا وائت بهم (١١) وبهذا نلجأ إلى الجمع بين الخبرين, فيقال: إنه يجوز في بعض الأحوال الدعاء للكفار الذين ترجى هدايتهم, ومن لا ترجى هدايته مع كثرة أذاه للمسلمين فيدعى عليه. ٣ معرفة حدود العقل في نقد الأخبار: المنهج النقدي الذي اتبعه العلماء المسلمون في نقد الأحاديث والأخبار النبوية يتناول نقد السند ونقد المتن, فلم يكتفوا بالنقد الخارجي للنص (نقد السند) وإنما نظروا إلى داخل النص, وقرروا ضوابط في نقد المتون منها: عرض الحديث على القرآن, وعرض نصوص السنة بعضها على بعض, وعرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض حتى تتبين الألفاظ الشاذة والمنكرة والإدراج والوهم.

стр. 6200

كما أن من الضوابط سلامة النص من التناقض, وعدم مخالفته للوقائع والمعلومات التاريخية الثابتة, وانتفاء مخالفته للأصول الشرعية, وعدم اشتماله على أمر منكر أو مستحيل, وركاكة لفظ الحديث (١٢) , ورغم تطبيقهم لمثل هذه المقاييس الدقيقة إلا أنهم يحترمون النصوص الثابتة سندا, ويعرفون حدود العقل في نقد الأخبار, ويبتعدون عن المجازفة, فإن في أمور الشرع ومسائله ما لا يستطيع العقل إدراكه , بل هو فوق طاقته, مثل البحث في كيفية الصفات الإلهية, وأمور الغيب, ودلائل النبوة ومعجزاتها, ولهذا يجب الوقوف عند النصوص الثابتة وعدم معارضتها بالمقولات العقلية, أو متابعة الفكر المادي والفلسفات الوضعية التي أشاعها المستشرقون ومن تأثر بهم. فقد أنكر بعضهم حادثة شق صدره ﷺ , وهو شاب في بادية بني سعد, بينما الخبر ثابت في صحيح مسلم (١٣) , وقد أفادنا راوي الحديث أنس بن مالك ﵁ والذي خدم رسول الله ﷺ بعد الهجرة, ودخول الرسول ﷺ العقد السادس من عمره أنه رأى أثر المخيط في صدره ﷺ . وهذا نص واضح يلغي أي محاولة لتأويل النص والقول بأنه تطهير معنوي. ٤ ملاحظة المراحل التي مرت بها السيرة النبوية ونزول التشريع: من المعروف أن الأحكام والتشريعات قد نزلت على مراحل وبالتدريج حتى استقرت واكتمل التشريع, وبوفاته ﷺ انقطع الوحي وثبتت الأحكام, فمثلا تحريم الخمر جاء على مراحل.
следующие страницы →