إن تفسير أحداث السيرة النبوية واستخلاص فوائدها هو ثمرة دراستها ومقصدها الأسمى, وهذه السيرة هي سيرة نبي ورسول اختاره الله واصطفاه, والله أعلم حيث يجعل رسالته, وقد كَمّله بالوحي الذي هو الميزة العظمى والخصيصة الكبرى لرسول الله ﷺ . ولذا فإنه عند تفسير حوادث السيرة النبوية لا بد من ملاحظة أثر الوحي في تصرفاته ومواقفه ﷺ . وإن تفسير حوادث السيرة النبوية من غير امتلاك للأدوات والوسائل الشرعية التي تمكن من ذلك يحمل كثيرا من المخاطر والمحاذير, لأن تفسير الحوادث يخضع في الغالب للفلسفة الفكرية والاتجاهات العقدية عند الدارسين, والتجرد من هذه النوازع غير ممكن لتحكمها في فكر المرء وقياده.
стр. 6197
والإنسان لا ينفك عن تصوره واعتقاده إلا إذا ترك الاعتقاد ونبذه, وتفسير حوادث التاريخ – والسيرة جزء منه - يخضع للتصور الاعتقادي والفكري, فإذا كان الباحث يحمل تصورا اعتقاديا صحيحا, كانت نتائج دراسته صورة لفكره وفلسفته في الحياة, وهذا الأمر يستلزم منا معرفة اتجاهات الباحثين والمؤلفين لنعرف مشاربهم الفكرية ومآخذهم الاعتقادية, وسنجد أن دراساتهم وأبحاثهم صورة لأفكارهم وعقائدهم, وبهذا الميزان نرفض نتائج أبحاث الأوربيين والمستشرقين عن السيرة النبوية, لأنهم ليسوا أهلا أن يحمل عنهم العلم عن سيرة رسولنا محمد ﷺ ما داموا يكفرون به ولا يؤمنون بنبوته ورسالته إلا على وجه غير صحيح, وكذا الدراسات المتأثرة بأفكارهم والمعتمدة عليها يجب رفضها حتى ولو كان الباحث مسلما. فقد رفض علماء الحديث النبوي الرواية عن من اشتهر بالأخذ عن أهل الكتاب ورواية الإسرائيليات, وهؤلاء أولى بالرفض, لأنهم بتحليلهم لأحداث السيرة المتأثرة بعقائد وأفكار المستشرقين ينقلون لنا انحرافاتهم مسوغة باستنتاجات من سيرة الرسول ﷺ ويحرفون فيها القول عن مواضعه, ويحاكمون نصوص الوحي محاكمة عقلية غير مهتدية, والعقل وحده لا يستقل بفهم نصوص الوحي, وخاصة في أمور الغيب مثل الحديث عن الجنة والنار والبعث والنشور, والملائكة والجن, والمعجزات ودلائل النبوة, ومما ينبغي التنبه له في تفسير أحداث السيرة النبوية أن لا نجعل الواقع الذي نعيشه مقياسا, ونحاول أن نؤول نصوص السيرة ووقائعها لتوافقه, فنسوغ للواقع الذي نعيشه ونجعله الأصل حتى لو كان فيه انحرافا, ونستدل له من السيرة النبوية, وهذا الأمر يحدث نتيجة لروح الانهزام أمام العدو والحضارة المعاصرة المسيطرة والانبهار بمنجزاتها المادية, كما يحدث لضعف الإيمان بخلود الرسالة المحمدية واستمرارها وعلوها وظهورها على جميع الملل والأديان.
стр. 6198
ولذا فإنه يجب على الباحث عدم الانسياق وراء المنطق التسويغي, وعليه التحرر من الروح الانهزامية عند تحليل أحداث السيرة النبوية, وأن يعظم ويحترم الأحكام الشرعية المقررة ويلتزم بها بكل وضوح مع الاعتزاز بمعطياتها.
المسألة الرابعة: ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من السيرة
إن استخراج الدروس والعبر والأحكام من حوادث السيرة النبوية من أهم أهداف الدراسة لها وأعظم فوائدها, لكن هذا الأمر لا يستطيعه كل باحث أو قارىء للسيرة , لأنه يحتاج إلى مرجعية شرعية, وإلى ضوابط تضبط طريقة الاستنتاج. وبالنظر إلى مناهج الاستدلال والاستنباط عند علماء المسلمين فإنه يمكن معرفة ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من خلال طريقتهم في البحث والاستدلال وفقا للخطوات التالية:
١ التأكد من صحة الحدث أو الواقعة التاريخية حتى يصح الاستدلال بها:
وذلك أن جوانب كثيرة من السيرة النبوية بعد البعثة هي جزء من السنة النبوية التي هي أحد مصادر الأحكام الشرعية فلا بد من التثبت من صحة الحادثة, ونجد أن العلماء يسلكون في منهج التوثيق لأحداث السيرة منهج علماء الحديث النبوي, لكنهم يفرقون في النتيجة بين الأحداث والوقائع التي تبنى عليها أحكام شرعية واعتقادية, وبين الأحداث التي لا تؤخذ منها الأحكام مثل: الفضائل, وأخبار الحضارة والعمران, فيتشددون في الأولى ويتساهلون في النوع الثاني من الأخبار, كما روي ذلك عن الإمام أحمد, وابن مهدي, وابن المبارك (٨) , وأمثالهم.
٢ بذل الجهد في جمع الأخبار الواردة في الموضوع الواحد:
وهذه هي الطريقة العلمية الصحيحة حيث يحيط الباحث بجميع الأخبار الواردة في الموضوع, بل يجمع الطرق والألفاظ لكل نص حتى يستطيع أن يخرج بحكم صحيح وتصور واضح, ويعرف المتقدم من المتأخر, والعام من الخاص. والألفاظ يفسر بعضها بعضا, وبهذا يتمكن من الجمع بين النصوص والأخبار المتعارضة, أو ترجيح أحدهما على الآخر على وجه صحيح.
стр. 6199
مثال ذلك: لو احتج بعض الباحثين أنه لا يجوز الدعاء على الكفار, لأن الرسول ﷺ لما قال له بعض الصحابة ﵃ ادع الله على ثقيف قال: اللهم اهد ثقيفا (٩) .
واحتج آخر بأنه لا يجوز الدعاء للكفار بل يدعى عليهم, لأن الرسول ﷺ قال: اللهم اشدد وطأتك على مضر, واجعلها عليهم كسني يوسف (١٠) فكيف العمل؟
نقول: إن الحديث الأول ضَعّف بعض أهل العلم إسناده, لكن لمعناه شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم قال: قدم الطفيل وأصحابه فقالوا: يا رسول الله, إن دوسا قد كفرت وأبت. فادع الله عليها. فقيل: هلكت دوس. فقال: اللهم اهد دوسا وائت بهم (١١) وبهذا نلجأ إلى الجمع بين الخبرين, فيقال: إنه يجوز في بعض الأحوال الدعاء للكفار الذين ترجى هدايتهم, ومن لا ترجى هدايته مع كثرة أذاه للمسلمين فيدعى عليه.
٣ معرفة حدود العقل في نقد الأخبار:
المنهج النقدي الذي اتبعه العلماء المسلمون في نقد الأحاديث والأخبار النبوية يتناول نقد السند ونقد المتن, فلم يكتفوا بالنقد الخارجي للنص (نقد السند) وإنما نظروا إلى داخل النص, وقرروا ضوابط في نقد المتون منها:
عرض الحديث على القرآن, وعرض نصوص السنة بعضها على بعض, وعرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض حتى تتبين الألفاظ الشاذة والمنكرة والإدراج والوهم.
стр. 6200
كما أن من الضوابط سلامة النص من التناقض, وعدم مخالفته للوقائع والمعلومات التاريخية الثابتة, وانتفاء مخالفته للأصول الشرعية, وعدم اشتماله على أمر منكر أو مستحيل, وركاكة لفظ الحديث (١٢) , ورغم تطبيقهم لمثل هذه المقاييس الدقيقة إلا أنهم يحترمون النصوص الثابتة سندا, ويعرفون حدود العقل في نقد الأخبار, ويبتعدون عن المجازفة, فإن في أمور الشرع ومسائله ما لا يستطيع العقل إدراكه , بل هو فوق طاقته, مثل البحث في كيفية الصفات الإلهية, وأمور الغيب, ودلائل النبوة ومعجزاتها, ولهذا يجب الوقوف عند النصوص الثابتة وعدم معارضتها بالمقولات العقلية, أو متابعة الفكر المادي والفلسفات الوضعية التي أشاعها المستشرقون ومن تأثر بهم. فقد أنكر بعضهم حادثة شق صدره ﷺ , وهو شاب في بادية بني سعد, بينما الخبر ثابت في صحيح مسلم (١٣) , وقد أفادنا راوي الحديث أنس بن مالك ﵁ والذي خدم رسول الله ﷺ بعد الهجرة, ودخول الرسول ﷺ العقد السادس من عمره أنه رأى أثر المخيط في صدره ﷺ . وهذا نص واضح يلغي أي محاولة لتأويل النص والقول بأنه تطهير معنوي.
٤ ملاحظة المراحل التي مرت بها السيرة النبوية ونزول التشريع:
من المعروف أن الأحكام والتشريعات قد نزلت على مراحل وبالتدريج حتى استقرت واكتمل التشريع, وبوفاته ﷺ انقطع الوحي وثبتت الأحكام, فمثلا تحريم الخمر جاء على مراحل.
стр. 6201
أولا: بيان أن فيها إثما كبيرا كما قال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ((١٤) ثم في مرحلة ثانية جاء النهي عن شربها قرب أوقات الصلوات, كما قال تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون.... ((١٥) . وفي المرحلة الثالثة: جاء الأمر بتحريمها نهائيا وفي كل وقت, كما قال تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ((١٦) وهذا هو الحكم الثابت والمستقر, وهو تحريم الخمر وأنها من الكبائر وأم الخبائث. ... ومن الأمثلة التي قد يطرحها البعض ويجادل فيها: مسألة تغيير المنكر باليد, وأن النبي ﷺ في العهد المكي لم يغير المنكر باليد, ولم يكسر شيئا من أصنام المشركين في مكة, وحيث أن الدعوة قد يأتي عليها زمان وحالة من الضعف تشبه الحالة المكية ولهذا فإنه يترك تغيير المنكر بحجة مشابهة الحال للحال.
نقول: إن هذا الاستدلال غير صحيح ومعارض لنصوص شرعية, مثل قوله ﷺ : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١٧) . فتغيير المنكر كما نص عليه الحديث هو بحسب القدرة والتمكن من التغيير, ونص أهل العلم على ضابط في ذلك وهو أن لا يترتب على تغيير المنكر المعين منكراً أعظم منه (١٨) , فليست العلة في ترك تغيير المنكر لأجل النظر إلى المرحلية ودعوى مشابهة الحال بالعهد المكي, ولكنها عدم التمكن, ومن تمكن من تغيير المنكر بضابطه الذي ذكره أهل العلم فالواجب عليه القيام بذلك.
стр. 6202
وكذلك الجهاد في سبيل الله قد جاء تشريعه على مراحل, واستقر الحكم على المرحلة الأخيرة وهي وجوب قتال الكفار كافة ابتداءً وطلباً, ولكن هذا منوط بالقدرة عليه والتمكن منه, فلا يجوز إيقاف الجهاد وتعطيله بدعوى مشابهة الحال للعهد المكي الذي كان الجهاد فيه ممنوعا كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشيةالله أوأشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال..الآية ((١٩) بل يجب على المسلمين الاستعداد وتكوين القدرة على الجهاد التي يحصل بها النكاية في العدو وحماية المسلمين من شره, وتتحقق بها أهداف الجهاد وغاياته.
وبهذا يتضح الفرق بين المرحلية في التشريع وسير الدعوة في عهد النبي ﷺ , وبين المرحلية في اكتساب القدرة والاستعداد للجهاد بما يستطاع من عدته, ومن ثم البدء بالمواجهة وتغيير المنكر.
٥ ملاحظة أن الرسول ﷺ قد اتخذ بعض المواقف, وعقد بعض المعاهدات بموجب ما أوحى الله إليه:
الدارس للسيرة النبوية يجد أن الرسول ﷺ قد أُمرَ من الله باتخاذ موقف محدد في بعض الحالات, وقد أُعْلم ﷺ بأن مآل هذا سيكون خيرا على المسلمين في حين أن ظاهره غير ذلك, مثل: قبوله ﷺ بعض الشروط في صلح الحديبية التي ظاهرها الحيف على المسلمين (٢٠) , ولذلك أنكر بعض الصحابة القبول بها وجاءوا إلى رسول الله ﷺ مستغربين ومستفسرين, فلما علموا أنه قد ألهم فيها وحيا من الله رضوا, ثم تحقق بعد الصلح والانصراف من الحديبية أن هذا الأمر كان فتحا عظيما بتقدير الله حيث نزلت سورة الفتح وسمت صلح الحديبية فتحا مبينا, ثم صار الأمر أن تنازل المشركون عن شرطهم الظالم حيث انقلب ضد مصلحتهم وجاءوا إلى رسول الله يطلبون موافقته على ذلك (٢١) .
стр. 6203
وبهذا يتضح أن قبول الرسول ﷺ لشرط قريش الجائر وغير المكافىء كان بوحي من الله, وأن الله قدر أن مآله إلى خير للمسلمين. ولكن هذا خاص برسول الله ﷺ الذي يوحى إليه, أما والي أمر المسلمين وخليفتهم فيجب عليه الاجتهاد في مصلحة المسلمين وعدم مهادنة العدو أو عقد الصلح معهم على شروط فيها ذل للمسلمين أو تفريط بحقوقهم وقضاياهم, أو قبول شروط فيها ضياع دينهم وعقيدتهم كما يحدث الآن في فلسطين حيث أن من أسس المصالحة نبذ الدين والاحتكام إلى القوانين الوضعية, وقيام نظام علماني يحكم المسلمين في فلسطين.
٧ هناك أمور في السيرة النبوية وقع تحديدها قدرا واتفاقا فلا يقاس عليها:
مثال ذلك: كون الفترة المكية ثلاث عشرة سنة, وهي فترة الإعداد والتربية والصبر على الأذى وعدم المواجهة, فلا يلتزم بالمدة في الإعداد والتربية, لأنها ليست شرطا ولا مقصودة وإنما هذا يختلف بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال المحيطة.
ومثل الاستدلال بإنزال النبي ﷺ طائفة من أصحابه الغرباء والفقراء في صفة المسجد على مشروعية بناء الزوايا الصوفية.
стр. 6204
وهذا استدلال غير صحيح, والغرباء الذين نزلوا الصُفّة من أصحاب النبي ﷺ كانوا من العزاب والفقراء الذين لا يستطيعون تدبير سكن لهم, ولم يكن عند النبي ﷺ في أول الأمر دار ضيافة ولا نزل, ولذا كان إنزالهم في المسجد حل لمشكلة, وتوظيف لمكان موجود, وبيان لبعض وظائف المسجد, وهم ليسوا منقطعين عن العمل بل يعملون إذا تيسر لهم ذلك ويبادرون إلى الخروج في السرايا والغزوات, ويتعلمون القرآن والأحكام طيلة مكثهم في المسجد, ومجرد نزولهم الصفة لا يعطيهم فضيلة أو منزلة يتميزون بها عن بقية الصحابة, فليس منقبة لأحدهم أنه نزل في الصفة كما يقال في مناقب الصحابة: مهاجري, بدري, عقبي, بايع تحت الشجرة ... الخ من المناقب والمشاهد العظيمة مع رسول الله ﷺ .
وبهذا يتضح الفرق بين الصُفّة النبوية ومن نزلها, وبين الزوايا الصوفية البدعية المخالفة في الأصل والهدف والغاية (٢٢) وأنه لا يمكن الاستدلال بالصفة النبوية على جواز بناء الزوايا الصوفية التي تمثل انحرافا عن المنهج النبوي في التعبد والسلوك والجهاد والدعوة.
المسألة الخامسة: الاهتمام بالسنن الربانية وإبرازها
إن الله خلق الكون وما فيه لحكمة وغاية لأنه الحكيم الخبير, وأجراه على سنن وقوانين منها الثابت ومنها المتغير, وهو كله خاضع لحكمه ومشيئته النافذة, وهذه السنن تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ سنن طبيعية, مثل سنة الله في تعاقب الليل والنهار والشمس والقمر, والرياح....الخ.
٢ سنن شرعية, متعلقة بالأوامر والنواهي الواردة في الشريعة ومدى الاستجابة لها أو مخالفتها.
٣ سنن اجتماعية, متعلقة بنشوء الدول وقيام الحضارات وسقوطها, واتجاهات المجتمعات السلوكية والاقتصادية والفكرية.
والذي يهم الباحث في السيرة النبوية ملاحظته هو القسمين الأخيرين من السنن, السنن الشرعية المتعلقة بالأمر والنهي الرباني, والسنن الاجتماعية.
стр. 6205
وسوف نعرض لثلاث سنن مهمة في هذا الجانب:
(أ) سنة الابتلاء.
وهي سنة جارية وملحوظة في أحداث السيرة النبوية, فقد أوذي رسول الله ﷺ , وابتلي أصحابه ووقع عليهم بلاء عظيم خاصة في المراحل الأولى من الدعوة, فصبروا وصابروا حتى أنجاهم الله ونصرهم, يقول تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ((٢٣) .
ويقول تعالى: (ألم, أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون, ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ((٢٤) فالابتلاء سنة ربانية كما تقرر الآيات, ويبتلى الصالحون, بل الأنبياء, فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشدّ بلاء؟ قال: الأنبياء, ثم الأمثل فالأمثل, فيبتلى الرجل على حسب دينه, فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة (٢٥) .
стр. 6206
فهكذا جرت سنة الله في ابتلاء المؤمنين لتمحيصهم ورفع درجاتهم, وتمييز الصادق من غيره, ويكون هذا الابتلاء تربية على الثبات في المحن والمواقف الصعبة, بل وحتى في السراء وإفاضة الخيرات والنصر تكون ابتلاء وفتنة, ليتميز الصادق والملتزم بدينه ممن تبطره نشوة النصر, وتنسيه نعمة السراء فضل الله عليه, فيتجاوز أمر الله وينساه, قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ((٢٦) وقال تعالى: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ((٢٧) وقد نجح المؤمنون الأوائل في أنواع الابتلاءات, وقاموا بما أوجبه الله عليهم من الصبر على البلاء, والمدافعة للأعداء, وبذل الأسباب المشروعة في رفع البلاء, وعدم الاستكانة والرضى بالواقع حتى يسر الله لهم الخروج من المحنة, كما كانت فتنة السراء والنصر بعد الهجرة إلى المدينة وظهور الدين ميدانا آخر فنجحوا في الجميع ولله الحمد, فتحقق لهم بذلك التمكين في الأرض ونشر الدين حتى أظهره الله على الدين كله, وكان هذا بعون من الله ثم بجهد منهم وعمل, وأخذ بالأسباب المعنوية والمادية المؤدية إلى ذلك, فما أحوج المسلمين اليوم وهم يجابهون أعداءهم إلى فقه هذه السنة الربانية حتى يجتازوا الفتنة والابتلاء بنجاح, ويحققوا النصر على عدوهم في الواقع, لكن لن يحصل ذلك حتى تنتصر المبادىء, وتستجيب النفوس لداعي الحق, وتحصل عندهم الرغبة والإرادة للنصر, والتمكين للدين الذي قَدّر الله أنه سيظهر على الدين كله لو كره المشركون, لكن لا بد من جهد وعمل وأخذ بالأسباب وإرادة قوية حتى تتحقق السنة الربانية والوعد الإلهي.
ب - سنة المدافعة للباطل وأهله.
إن الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية جارية كما قال تعالى: وكذلك (جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ((٢٨) فالأنبياء وهم أكرم الخلق وأعدل الخلق وُجدَ لهم أعداء ومضادون, يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق.
стр. 6207
وقد أمر الله المؤمنين بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله, وتضعف شوكة الباطل وتنكسر, وحتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى, قال تعالى: (الذين ءامنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ((٢٩) ففي هذه الآية وآية سورة الفرقان التي ذكرناها قبل إشارة إلى ضعف الباطل وأهله إذا قام أهل الحق بواجبهم في مدافعتهم وقتالهم, لأن الله مع الذين اتقوا. فقوله في الآية الأولى: (وكفى بربك هاديا ونصيرا (وفي الآية الثانية: (إن كيد الشيطان كان ضعيفاً (إشارة إلى ضعف كيد الشيطان الذي يتولاه الكفار والمشركون, فإذا كان وليهم ضعيفا فهم أضعف وأذل (٣٠) , وهذا يعطي المؤمن قوة على العمل بما أوجبه الله عليه من مدافعة الباطل وأهله, كما يعطيه ثقة في نصر الله له, ومن ثم يعتز بدينه ويتمسك به, وهذا هو الذي قام به الصحابة ﵃ في العهد المكي, فقد وقع عليهم الاضطهاد الشديد من المشركين في مكة, ولم يكن بمقدورهم المواجهة العسكرية ولم يؤمروا بالجهاد بعد, وإنما أمروا بالصبر والتحمل, فصبروا ﵃ وتحملوا تلك المرحلة, ولكن مع الصبر والتحمل كانوا يسعون لإزالة هذا الواقع وعدم استمراره, فجاءت الهجرة الأولى إلى الحبشة, ثم ذهابه ﷺ إلى الطائف, ثم العرض على القبائل في المواسم, كلها بحث عن مخرج من ذلك الواقع حتى قيض الله طائفة من الأوس والخزرج لقبول دعوة الحق, ثم المبايعة على النصرة ليلة العقبة (٣١) , وأعقب ذلك الهجرة إلى المدينة, فخرج المسلمون من الاضطهاد ونصرهم الله بإخوانهم في المدينة عندما قاموا بالأسباب الموجبة لذلك. والملاحظ أن الصحابة تحملوا مرحلة الاضطهاد وواجهوها بالصبر ولكن مع عدم الاستكانة والرضى بالواقع, فأخذوا يعملون لإزالة ذلك الواقع حتى تمكنوا من رفعه
стр. 6208
وإزالته, وهو درس بالغ ينبغي أن يفهمه المسلمون اليوم فهم بحاجة إلى الصبر لمواجهة الواقع الذي يعيشونه, غير أنه لا ينبغي أن يتحول صبرهم إلى استكانة ورضى بالواقع واستسلام له فإن هذا خلاف سنة الله في المدافعة بين الحق والباطل.
ج – سُنّة التمكين:
وهذه السُّنة بحاجة إلى فقه المسلمين لها, والعمل على نشر هذا الفقه بينهم, لأنه وسيلتهم في الانتصار على العدو إذا أخذوا بأسباب التمكين والثبات على المنهج الرباني, فالتمكين في الأرض هبة من الله وفق مشيئته لمن سلك الأسباب الشرعية المؤدية إليه, قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ((٣٢) .
فالتمكين بيد الله وتحت مشيئته, وقد قضى بعدله ورحمته أن التمكين الدائم هو لأهل طاعته, لكن لا يحصل إلا بتحقق شروط والقيام بواجبات وانتفاء موانع. قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ((٣٣)
стр. 6209
فالذين آمنوا وعملوا الصالحات, هم الذين صححوا معتقدهم وأقاموه على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وطريقة السلف الصالح وفهمهم , ثم قاموا بعمل الواجبات الشرعية والالتزام بها, وابتعدوا عن الشرك وتوابعه, هؤلاء قد وُعدوا من الله وعداً لا يخلف, بأنه يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم من أتباع الرسل ﵈, ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الإسلام. وتمكين الدين يكون: بتمكينه في القلوب, وبنشره وتعليمه, وبتمكينه من تصريف أمور الحياة والهيمنة عليها, وذلك بمراعاة أحكامه وتنفيذها في الواقع, فإذا فعلوا ذلك فقد اكتسبوا شروط التمكين وحصل لهم الأمن والاستخلاف, وانتفى عنهم الخوف. ثم كرر سبحانه الشرط الأساسي في الاستخلاف وأكد عليه بقوله: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا (ثم قال في الآية التي بعدها: (وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ((٣٤)
فهذه هي عُدّة النصر ومتطلبات التمكين, كما قال جل شأنه: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ((٣٥) فهذا هو واجب من مكنه الله وأعطاه سلطة وقدرة أن يقوم بتنفيذ شرع الله وحراسته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يستمر تمكين الله له, فإن الأمور كلها بيد الله ويعطيها من يستحقها ممن قام بعبادته وحده, ونفذ شرعه في واقع حياته, فالتمكين ليس من أجل الحكم والملك والغلبة وقهر الآخرين والاستئثار بالدنيا, إنما هو من أجل استخدامه في الإصلاح والبناء, وتحقيق المنهج الذي ارتضاه الله لعباده, ودفع الظلم والفساد وتحقيق العدل بين العباد.
стр. 6210
وقد يحصل التمكين المؤقت لمن يمتلك أسبابه المادية لكنه لن يكون تمكينا تاما ولن يكون مستمرا بل تنتابه الشرور والمنغصات, ولن يكون فيه الأمن الحقيقي ولا البركة في الأرزاق والأولاد قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ((٣٦) .
وهذه السنن الثلاث (الابتلاء, المدافعة للباطل, التمكين (بينها ترابط فإن أهل الإيمان الحق يبتلون في أنفسهم وأهليهم, ويعاديهم أهل الباطل من المشركين والمنافقين والعصاة, فإذا ثبتوا على الحق ودافعوا أهل الباطل وسعوا في كشفه, وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر, كتب الله لهم التمكين والنصر, وأبدلهم بعد خوفهم أمنا, ومن بعد شدتهم رخاء, وهذه السراء من البلاء الذي يختبرون به, فلا بد من مراعاة حق الله, وحق عباده, والقيام بذلك في كل الأحوال, في السراء, وفي الضراء, حتى يستمر لهم التمكين والنصر في الدنيا, ويستحقون الجزاء الأخروى في جنات النعيم وإن هم أعرضوا وأخلوا بشروط التمكين فإن سنة الله الأخرى تنتظرهم وتحيق بهم, وهي سنة الاستبدال عندما تفقد الأمة صلاحية الاستمرار قال تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ((٣٧) , والمتأمل في وقائع السيرة النبوية وسير الدعوة يرى التعامل مع هذه السنن والوعي بها واضحا حتى كتب الله لهم النصر والتمكين.
المسألة السادسة: معرفة مواضع الاقتداء من فعله ﷺ
إن أفعال الرسول ﷺ منها ما يفعله بحسب جبلته وطبيعته البشرية (٣٨) مثل القيام والقعود والأكل والشرب, وقضاء الحاجة والنوم ... الخ فهذه أفعال مباحة لم يقصد بها التشريع في أصلها لكن لها آداب وقواعد عامة في ممارستها والقيام بها فهذه الآداب يتأسى به ﷺ فيها ويبتعد عن ما نهى عنه منها.
стр. 6211
وهناك أفعال وأحكام ثبت اختصاصه ﷺ بها, مثل الجمع بين أكثر من أربع نساء, وأنه لا يورث, وأبيح له الوصال في الصيام دون غيره من الأمة, ولم يحسن الكتابة ويحرم عليه تعلمها, والكذب عليه ليس كالكذب على غيره فإنه يوجب دخول النار, ومن سبه وجب قتله رجلا أو امرأة, والتبرك بآثاره مثل شعره وثيابه, وتنام عيناه ولا ينام قلبه, ولذلك لا ينتقض وضوءه بالنوم ... إلى غير ذلك من الخصائص الثابتة والتي ذكرها أهل العلم وأفردها بعضهم بمؤلفات (٣٩)
فهذه الأفعال والأحكام خاصة به ويحرم الاقتداء والتأسي به فيها, وقد اهتم أهل العلم ببيانها حتى لا يغتر الجاهل إذا وقف عليها في أخبار السيرة النبوية فيعمل بها على أصل التأسي والاقتداء.
وهناك أفعال بيانية يقصد بها بيان التشريع مثل أفعال الصلاة, وأفعال الحج, فهذه الأفعال تابعة لما بينه؛ فإن كان الفعل المبين واجباً, كان الفعل المبين له واجبا وإن كان الفعل المبين سنة كان الفعل المبين له سنة, وهكذا, وهذا النوع من أفعاله ﷺ هو الباب الواسع في الاقتداء والتأسي به, والواجب معرفة هذه الأنواع من أفعاله ﷺ حتى يحصل الاقتداء والتأسي به على علم وبرهان.
المسألة السابعة: صدق العاطفة والوفاء بحقوق المصطفى ﷺ
عند دراسة السيرة وتحليل نصوصها لا يلزم أن تهيمن على الباحث النظرة (الأكاديمية) البحتة فقط, فتتسم دراسته بالجفاف, بل لا بد من ظهور صدق العاطفة من غير غلو, لأن حبه ﷺ إيمان وعقيدة لا يمكن التجرد منها والتخلي عنها لحظة واحدة, والواجب على الباحث أن يبرز خصيصة النبوة والرسالة وأثرها في حياته وتصرفاته ﷺ , يقول الشيخ أبو الحسن الندوي:
стр. 6212
(القرآن يطلب للأنبياء الإجلال المنبعث من أعماق القلب, والتوقير والتبجيل العميق, والحب العاطفي, ولا يكتفي بالطاعة المجردة من كل عاطفة وحُبّ وإجلال كطاعة الرعية والسوقة للملوك وكثير من قادة الجنود وزعماء الأحزاب) (٤٠) .
قال تعالى: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ((٤١) فحقه ﷺ بعد الإيمان به وتصديقه, التوقير والتعظيم كما قال تعالى: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ((٤٢) وقد نهى عن رفع الصوت فوق صوته فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ((٤٣) هذا هو الأدب الواجب مع رسول الله ﷺ بحضرته, ومع شرعه وسنته بعد وفاته, فيعظم أمره ونهيه وتتتبع سنته فلا تزاحم أو تضاد بغيرها.
وقال تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ((٤٤) أي ادعوه بوصف الرسالة والنبوة فقولوا: يا رسول الله, يا نبي الله. والنصوص في طلب حب الرسول ﷺ وإيثاره على النفس والأهل والولد كثيرة منها قوله ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين (٤٥) .
وقوله ﷺ : ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان , أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ... الحديث (٤٦) . وهذه العاطفة وصدق الإيمان هي الباعث على المتابعة لهديه ﷺ والدعوة إليه والجهاد في سبيل ذلك.
стр. 6213
وليس المنهج العلمي منافيا للحب والإيمان, وإنما المنهج العلمي يدعو إلى العدل والإنصاف وقول الحق, ومن العدل والإنصاف وقول الحق, الوفاء بحقوقه ﷺ واحترامه ومحبته وإظهار ذلك, والعمل بالشرع الذي جاء به, والصلاة عليه كلما ذكر اسمه في البحث وغيره (٤٧) , واتباع سنته والدعوة إليها.
كما أن الغلو خلاف العدل وتعد على الحق الذي جاء به ﷺ , ولهذا نهى صراحة عن ذلك بقوله: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم؛ فإنما أنا عبد, فقولوا عبد الله ورسوله (٤٨) . فالتوازن هو منهج الوسطية الحق, فلا جفاء ولا غلو, وإنما وفاء بالحق والعدل وفق الميزان الشرعي. وفي أحداث السيرة نماذج ومواقف كثيرة من محبة الصحابة العالية لرسول الله ﷺ , فكانوا أحرص الناس على طاعته, وأسرعهم إليها, وأنشطهم فيها, وأصبرهم عليها, ولهم في ذلك القدح المعلى والنصيب الأوفر إلى يوم القيامة (٤٩) .
منها قصة الصديق ﵁ لما ضربه المشركون عندما دافع عن رسول الله ﷺ وهو يقول: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ... الآية ((٥٠) فضربوه حتى أغمي عليه, وبعد إفاقته كان أول ما تكلم به أن قال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فلما أخبر بحاله قال: إن لله عليَّ أن لا أذوق طعاما ولا شرابا, حتى آتى رسول الله ﷺ (٥١) .
... ومنها قصة زيد بن الدثنة (٥٢) ﵁ لما أخرجه المشركون إلى التنعيم ليقتلوه, وسأله المشركون ننشدك الله يا زيد, أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك تضرب عنقه, وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه, وأنا جالس في أهلي, فضحكوا. قال أبوسفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمدا (٥٣) .
стр. 6214
ومنها قصة المرأة الأنصارية من بني دينار التي قُتلَ زوجها وأخوها وأبوها في معركة أحد, فلما نعوا لها, قالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان, هو بحمد الله كما تحبين, قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ فأشاروا إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (٥٤) تريد صغيرة.
فهذه القصص وأمثالها توضح مقدار حب الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ , الحب الإيماني الذي أمر الله به, والذي يتبعه العمل والتأسي والالتزام بالشرع الذي جاء به.
***
الخاتمة:
بعد هذه الجولة في مسائل من منهج دراسة السيرة النبوية يتضح لنا أهمية المنهج في الدراسة, وضرورة العناية به, وأن المنهج يتعدى ترتيب المسائل العلمية وذكر النصوص إلى التحليل واستخراج العبر والفوائد والتوجيهات التربوية, وفق منظور منهجي يسعى إلى ترتيب الأفكار, وبناء السلوك, وإثارة الاهتمام, وزرع الجدية والرغبة في الدراسة والتعلم, وإخراج الجيل من مشكلاته, والتقدم في مجال البناء الحضاري للأمة المسلمة التي تقتفي أثر نبيها محمد بن عبد الله ﷺ وتعتز بذلك فكرًًاً وواقعا.
... والحمد لله الذي وفق وهدى وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
الهوامش والتعليقات
تحدث كثير من الباحثين في مقدمات كتبهم عن مصادر السيرة النبوية مثل: مصطفى السباعي: السيرة النبوية دروس وعبر, وأكرم ضياء العمري: السيرة النبوية الصحيحة , ومهدي رزق الله أحمد: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية, وقد أفردها فاروق حمادة, بكتاب مستقل بعنوان: مصادر السيرة النبوية وتقويمها, الطبعة الثانية, دار الثقافة, الدار البيضاء.
стр. 6215
كتب محمد عزة دروزة: سيرة الرسول ﷺ صور مقتبسة من القرآن الكريم, في مجلدين نشر مطبعة عيسى البابي الحلبي سنة ١٣٨٤هـ وكان قد أصدر كتابا أخر عن: عصر النبي ﷺ وبيئته قبل البعثة. واعتمد فيه على الأيات القرأنية, ونشر بدمشق سنة١٣٦٦هـ كما أعد الباحث د: محمد بن بكر آل عابد, رسالتي الماجستير والدكتوراه بالجامعة الإسلامية بعنوان: حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول ﷺ , في مجلدين نشر دار الغرب الاسلامي.
انظر فصلا ممتعا حول هذا المعنى في ظلال القرآن , لسيد قطب ١\٤٦٧-٥٣٣
انظر: أكرم ضياء العمري , السيرة النبوية الصحيحة ١\٣٩
الخطيب البغدادي, الكفاية في علم الرواية ص ٢١٢
الإجازة: هي إذن الشيخ لغيره بأن يروي عنه مروياته ومؤلفاته (الباعث الحثيث ص١٢١)
الوجادة: هي ما أخذ من العلم بواسطة الصحف والكتب من غير سماع ولا إجازة (المصدر نفسه١٢٨)
الخطيب البغدادي, المصدرالسابق ٢١٢
أخرجه الترمذي في سننه, كتاب المناقب حديث رقم: ٣٩٤٢ وقال: حسن صحيح غريب. قال الشيخ الألباني في دفاع عن السيرة (ص٧) رواية الترمذي ضعيفة لعنعنة أبي الزبير. وأخرجه أحمد في المسند٣\ ٣٤٣ وانظر احتجاج البوطي به في فقه السيرة له (ص٣٩٥) .
متفق عليه من حديث أبي هريرة
صحيح مسلم , كتاب الفضائل, حديث رقم: ٢٥٢٤
انظر: مسفر الدميني, مقاييس نقد متون السنة, (ص ٧٧-١٨٤) ومحمد السلمي, منهج نقد الروايات التاريخية (ص٦١ ٦٨)
كتاب الإيمان, حديث رقم: ٢٦١.
سورة البقرة, آية: (٢١٩) .
سورة النساء آية: ٤٣.
سورة المائدة, آية: ٩٠
رواه مسلم, كتاب الايمان حديث رقم (٧٨) .
انظر: ابن تيمية, مجموع الفتاوى (٢٨\١٢٩) .
سورة النساء, الآية: ٧٧.
ابن هشام, السيرة النبوية: (٢\٣١٦-٣٢٠) .
المصدر نفسه (٢\٣٢٤) .
انظر: مجموع الفتاوى (١١\٤٠,٤٤-٥٦) وانظر بحثا لطيفا للأستاذ صالح الشامي بعنوان: أهل الصفة (بعيدا عن الوهم والخيال) .
стр. 6216
سورة البقرة آية (٢١٤)
سورة العنكبوت آية (١-٣)
رواه الترمذي ٢\٦٤ وأحمد ١\١٧٢,١٧٤ وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٤٣)
سورة الأنبياء آية (٣٥)
سورة الأعراف آية (١٦٨)
سورة الفرقان آية (٣١)
سورة النساء آية (٧٦)
انظر تفسير المنار ٥\٢١٢ وتفسير ابن سعدي ص١٥٢
المراد بيعة العقبة الكبرى حيث بايعوه على النصرة والحماية.
سورة آل عمران آية (٢٦)
سورة النور آية (٥٥)
سورة النور آية (٥٦)
سورة الحج آية (٤١)
سورة طه آية (١٢٤)
سورة محمد آية (٣٨) .
انظر عبد اللطيف الحسن, أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية, مجلة البيان عدد: ١٤٧ ذو القعدة ١٤٢٠هـ.
للسيوطي كتاب كبير في ثلاثة مجلدات سماه: (الخصائص الكبرى) لكن فيه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة الشيء الكثير كما قال العلامة المحدث الشيخ ناصر الدين الألباني, وهو شامل للخصائص والدلائل والفضائل لكن أحسن ما وقفت عليه في ترتيب الخصائص والاقتصار على ما صح منها, ما ذكره الحافظ ابن كثير في أخر كتابه الفصول في سيرة الرسول ﷺ , فراجعه فإنه نافع جدا.
النبوة والأنبياء في ضوء القرآن الكريم ص ٩٥.
سورة الفتح آية (٩)
سورة الأعراف آية (١٥٧)
سورة الحجرات آية (٣,٢)
سورة النور آية (٦٣)
صحيح البخاري كتاب الإيمان حديث رقم: ١٥ وصحيح مسلم رقم: ٤٤
صحيح البخاري كتاب الإيمان حديث رقم: ١٦ وصحيح مسلم حديث رقم: ٤٣.
بسبب دعوى اتباع المنهج العلمي الحديث نجد باحثا يكتب كتابا في سيرة النبي ﷺ ويسميه: حياة محمد, هكذا بالاسم المجرد من أي وصف بالنبوة والرسالة, ثم لا تجد في الكتاب ذكرا للصلاة والسلام على رسول الله , ولو مرة واحدة, وقد ذكر في مقدمته أنه يكتب هذا الكتاب على وفق المنهج العلمي الحديث!!
أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب الأنبياء حديث رقم: (٣٤٤٥) .
أبو الحسن الندوي, النبوة والأنبياء ص٩٦.
سورة غافر آية (٢٨)
стр. 6217
أصل القصة في الصحيح, انظر: البخاري, كتاب مناقب الأنصار, باب ما لقي النبي وأصحابه من المشركين حديث رقم: ٣٨٥٦ وانظر: البداية والنهاية ٣\٣٣-٣٤.
زيد بن الدثنة بفتح الدال وكسر المثلثة بعدها نون, بن معاوية بن عبيد الأنصاري البياضي شهد بدرا وأحدا, وأسر في سرية الرجيع, وقتلته قريش في التنعيم هو وخبيب بن عدي. الإصابة (٢\٦٠٤)
ابن هشام, السيرة النبوية ٢\١٧٢ وقد ذكره ابن اسحاق من غير اسناد, وانظر مغازي عروة ص ١٧٧ وأصل القصة في الصحيح, كتاب المغازي, باب قصة الرجيع.
ابن هشام, السيرة النبوية (٢\٩٩) وصرح ابن اسحاق بالتحديث لكن سنده منقطع.
المصادر والمراجع
١ الألباني, محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي, (ت ١٤٢٠هـ)
... دفاع عن السيرة النبوية ضد جهالات البوطي, المكتب الإسلامي, بيروت,
... سلسلة الأحاديث الصحيحة, المكتب الإسلامي, بيروت,
٢ البخاري, محمد بن إسماعيل, (ت٢٥٦هـ) .
... الجامع الصحيح, المكتبة الإسلامية, تركيا سنة ١٩٧٩م.
٣ البوطي, محمد سعيد رمضان.
... فقه السيرة, دار الفكر, بيروت, ط ٥, ١٣٩٣هـ.
٤ الترمذي, محمد بن عيسى (ت ٢٧٩هـ) .
... سنن الترمذي, تحقيق: أحمد شاكر, دار إحياء التراث العربي.
٥ ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم الحراني (ت٧٢٨هـ) .
... مجموع الفتاوى, ط٢, مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.
٦ ابن حجر, أحمد بن علي العسقلاني, (ت٨٥٢هـ) .
... الإصابة في معرفة الصحابة, تحقيق علي محمد البجاوي, دار نهضة مصر.
٧ ابن حنبل , أحمد بن محمد الشيباني, (ت٢٤١هـ)
... المسند, دار صادر, بيروت,
٨ الخطيب البغدادي, أحمد بن علي بن ثابت, (ت٤٦٣هـ) .
... الكفاية في علم الرواية, دار الكتب الحديثة بالقاهرة.
٩ دروزة , محمد عزة, (ت ١٤٠٤هـ) .
... عصر النبي ﷺ وبيئته قبل البعثة, دمشق ١٣٦٦هـ.
... سيرة الرسول ﷺ , صورة مقتبسة من القرآن مكتبة البابي الحلبي بمصر ١٣٨٤هـ.
١٠ الدميني, مسفر بن غرم الله.
стр. 6218
.. مقاييس نقد متون السنة, ط١, ١٤٠٤هـ.
١١ رشيد رضا , محمد رشيد بن علي رضا (ت ١٣٥٤هـ) .
... تفسير المنار, الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٢م.
١٢ السعدي, عبد الرحمن بن ناصر (ت ١٣٧٦هـ) .
... تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان, مؤسسة الرسالة, بيروت ١٤١٨هـ.
١٣ السلمي, محمد بن صامل
... منهج نقد الروايات التاريخية, مكتبة الصديق بالطائف ١٤٢٠هـ.
١٤ سيد بن قطب بن إبراهيم (ت١٣٨٧هـ)
... في ظلال القرآن, دار الشروق, القاهرة, ١٤٠٠هـ.
١٥ شاكر, أحمد بن محمد (ت١٣٧٧هـ) .
... الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث, ط٣, مكتبة محمد علي صبح بالقاهرة.
١٦ الشامي, صالح بن أحمد.
... أهل الصفة بعيدا عن الوهم والخيال. دار القلم, دمشق ١٤١٢هـ.
١٧ آل عابد , محمد بن بكر.
... حديث القرآن عن غزوات الرسول ﷺ , دار الغرب الإسلامي, تونس.
١٨ عبد اللطيف الحسن.
... أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية, مقالة في مجلة البيان الإسلامي, لندن, عدد ١٤٧شهر ذو القعدة ١٤٢٠هـ, تصدر عن المنتدى.
١٩ العمري, أكرم بن ضياء.
... السيرة النبوية الصحيحة, مكتبة دار العلوم والحكم بالمدينة ١٤١٢هـ.
٢٠ فاروق حمادة.
... مصادر السيرة النبوية وتقويمها, ط٢ دار الثقافة, الدار البيضاء, ١٤١٠هـ.
٢١ ابن القيم, محمد بن أبي بكر الزرعي (ت٧٥١هـ) .
... أحكام أهل الذمة, تحقيق صبحي الصالح, دار العلم للملايين, بيروت, ١٣٨٠هـ.
٢٢ ابن كثير, إسماعيل بن عمر القرشي (ت٧٧٤هـ) .
... البداية والنهاية, مكتبة دار المعارف, بيروت, ط٣, سنة ١٩٨٠م.
٢٣ مسلم بن الحجاج القشيري (ت٢٦١هـ) .
... صحيح الإمام مسلم, تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي, دار إحياء التراث العربي بمصر.
٢٤ الندوي, أبوالحسن علي الحسني (ت١٤٢٠هـ) .
... النبوة والأنبياء في ضوء القرآن, الدار السعودية للنشر بجدة.
٢٥ ابن هشام, عبد الملك بن هشام الحميري (ت٢١٨هـ) .
стр. 6219
.. السيرة النبوية, تحقيق مصطفى السقا, مطبعة الحلبي بمصر سنة ١٣٧٥هـ.
стр. 6220
موقف الإمام الذهبي من الدولة العبيدية
نسبا ومعتقداً
د. سعد بن موسى الموسى
أستاذ مساعد بكلية الشريعة بجامعة أم القرى
ملخص البحث
... الإمام الذهبي إمام واسع الثقافة برع في علوم عديدة منها الحديث والسيرة والتاريخ، وله في التاريخ كتب هامة لا يستغني عنها باحث في التاريخ، وله وقفات عند حوادث التاريخ، ومنها موقفه من الدولة العبيدية حيث تعرض لها في كتبه من نواحي متعددة، واخترت من هذه الجوانب النسب والمعتقد.
ومن النتائج التي توصلت إليها:
سعة علم الإمام الذهبي ودقة أحكامه.
الإجماع على كذب الدول العبيدية في انتسابها إلى آل البيت.
إجماع علماء الأمة المعتبرين على كفر وردة بني عبيد.
* * *
مقدمة:
الذهبي إمام من أئمة الإسلام الكبار له في كل علم مشاركة واهتمام، وقد كان له في التاريخ وقفات هامة تنم عن دراسة عميقة متأنية أنتجت موقفا واضحا من العبيديين أو من عرفوا عند بعض المؤرخين بالفاطميين. والعبيديون كتب عنهم المؤرخون قديماً وحديثاً كتابات كثيرة، وكان لبعضهم موقف في الدفاع عنهم وعن كيانهم، ويبدو أن ذلك الموقف سببه التقليد لمن سبقهم أو الإعجاب وحب المخالفة، مع أن بعض من كتب عنهم يتبرأ من معتقداتهم. (١)
стр. 6221
وبالغ بعضهم في الدفاع عنهم، حتى عد من يقدح فيهم أنه يقدح في الدين الإسلامي. (١)
وهذا البحث محاولة لتتبع بعض ماجاء في كتابات الإمام الذهبي حول هذه الدولة نسبا، ثم جمعاً للعقائد التي كان يعتقدها بنو عبيد في الله والرسل والصحابة وغيرها من عقائد الإسلام، ولم ينفرد الذهبي بهذه المعلومات عنهم وقد وجدت عدداً من المؤلفات القديمة والحديثة توافق الذهبي وتدعم أراءه حول هذه الدولة المنبثقة عن فرقة الإسماعيلية.
نبذة عن الإمام الذهبي:
هو الإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، ولد في شهر ربيع الآخر سنة ٦٧٣هـ وتوفي سنة ٧٤٨هـ نشأ وترعرع في بيئة علمية وكان والده يعمل في الذهب المدقوق، ولذا سمي بالذهبي.
ابتدأ طلب العلم وهو في سن الثامنة عشرة، وأهتم بعلم القراءات حتى أصبح على معرفة جيدة بالقراءات، وبأصولها ومسائلها، وهو لما يزل فتى لم يتعد العشرين من عمره. وترقى به الحال حتى صار شيخ الحلقة في الجامع الأموي
عام ٦٩٣هـ. أما في الحديث فقد اجتهد في طلب الحديث فسمع مالا يحصى كثرة من الكتب والأجزاء. ولم تكن القراءات والحديث هما دراسته فقط بل درس النحو والتاريخ وعلم الرجال. ومع مشاركته في كثير من العلوم إلا أن مكانته العلمية وبراعته تظهر مشرقة متألقة عند دراسته محدثا ومؤرخا وناقداً. مع أنه عاش في بيئة غلب عليها الجمود والنقل والتلخيص، ولكنه تخلص من كثير من ذلك. ولم يقتصر في تأليفه على عصر معين بل درس العصور التاريخية حتى عصره. (٢)
стр. 6222
وتمثل طريقته في عرض التاريخ في كتابيه تاريخ الإسلام والعبر أسلوبا جديداً لايعرض التاريخ السياسي فقط كما هو الحال في كثير من كتب التاريخ السياسي، ولا يعرض تراجم الرجال فقط كما في كتب التراجم؛ بل يلخص الأحداث السياسية ثم يتوسع في تراجم الرجال حيث يعطي صورة عن الأمة بأجمعها وبكل نواحي الحياة.
وقد بلغ مكانة علمية عالية جعلت الإمام ابن حجر العسقلاني عندما يشرب من ماء زمزم يسأل الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي. (١)
وقد ارتبط تكوين الذهبي الفكري بالحديث والمحدثين فأثر ذلك تأثيراً واضحاً في منهجه التاريخي حيث ربطه بالحديث وعلومه، واهتم بالتاريخ فسمع على شيوخه الكثير من كتب المغازي، والسير، والتاريخ العام، والمشيخات. وقد زادت مؤلفاته عن المائتين مصنف في شتى العلوم. منها في التاريخ والتراجم ست وسبعون كتاباً ورسالة.
من شيوخه أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي ت٧٤٢هـ وشيخ الإسلام ابن تيمية ت٧٢٨هـ وعلم الدين أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي ت٧٨٩هـ. وقد اختصر الذهبي مايزيد على خمسين كتاباً ولم تكن اختصاراته عادية يغلب عليها الجمود بل في هذه الاختصارات إضافات كثيرة وتعليقات نفيسة، واستدراكات بارعة، وتصحيحات وتصويبات، ومقارنات تدل على معرفته وتبحره. (٢)
قال عنه تلميذه الصفدي:» حافظ لايجارى ولافظ لايُبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر عللهُ وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم، لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات «. (٣)
стр. 6223
وقال عنه التاج السبكي: كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يُعبَّر عنها إخبار من حضرها. (١) وقال عنه السخاوي:» وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال «. (٢)
ومن درس علم التاريخ لاتخفى عليه مكانة هذا الإمام الجهبذ الذي له من اسمه نصيب حيث يجد الباحث لديه العمق ومحاولة التحقق من الأحداث والعدل في الأحكام مع السعة المكانية والزمانية
نبذة عن الدولة العبيدية:
الدولة العبيدية أو ما تسمى بالدولة الفاطمية أُسست في تونس سنة ٢٩٧هـ وانتقلت إلى مصر سنة ٣٦٢هـ واستقرت بها وامتدت إلى أجزاء هامة من العالم الإسلامي، حيث شمل سلطانها الشام، والجزيرة العربية، وحاولت الوصول إلى بغداد، وكان عهد هذه الدولة عهد اضطراب، وفتن، وإيذاء لأهل السنة، وتمكين لأهل الذمة، وتخلل هذه الفترة أوضاع اقتصادية سيئة مثل الشدة العظمى زمن المستنصر التي أكل الناس فيها الكلاب والبشر، وإحراق القاهرة زمن الحاكم، والمصادرات التي كانت تتم على فترات متفرقة، والتعاون مع الصليبيين على المسلمين، والمتأمل في تاريخ هذه الدولة ينتابه العجب مما يرى من الاختلاف في حال هذه الدولة وكثرة الكتابات حولها حيث انقسم الكتاب حولها إلى قسمين:
القسم الأول: ذام شاتم بل مكفر لها وهو موقف غالبية المؤرخين والأئمة مثل الباقلاني، وأبو حامد الغزالي، وابن خلكان، وعبد الجبار الهمذاني، وابن ظافر الأزدي، وأبو شامة، والذهبي، وابن كثير، وابن تيمية، وابن تغري بردي، وابن حجر، والسيوطي.
стр. 6224
القسم الثاني: مادح ممجد لها مصحح لنسبها معتذر لها مثل ابن خلدون، والمقريزي وهو موقف عجيب وخاصة موقف الأخير؛ حيث يصحح النسب مع أنه يتتبع مخازي وأخبار الدولة. (١) ويحاول بكل ما أوتى من جهد الدفاع عنها وتصحيح نسبها.
ويتبع القسم الثاني غالبية المؤرخين المحدثين والذين يصححون نسب هذه الدولة، وبعضهم يفخر بإنجازاتها وأحيانا بانحرافاتها وهذا الموقف صعب التفسير، وصعب القبول.
ومن أشهر أهل القسم الأول - والذين لهم اعتبار ولكلمتهم معنى ووزن - الإمام الذهبي: الذي كان واضحا كل الوضوح في موقفه من هذه الدولة ونسب حكامها، وملتهم، ومذهبهم وأعتمدت في هذا البحث من كتب الذهبي على تاريخ الإسلام، وسير أعلام النبلاء، ودول الإسلام، والعبر في خبر من غبر وهذا عرض مفصل لأقواله وأحكامه من خلال هذه المراجع الأساسية:-
موقف الذهبي من نسب الدولة العبيدية:
من الأمور المشكلة في التاريخ الإسلامي والتي صارت أحد مجالات الخلاف في العصر الحديث نسب الدولة العبيدية، وقد تحدث الذهبي عن هذا الأمر كثيراً كلما مر ذكر هذه الدولة أو مر ذكر حاكم من حكامها، ويلاحظ أن حديثه حديث الواثق من المعلومات ونظراً لعلو علم مكانة الذهبي وسعة إطلاعه ودقته في إيراد الأخبار كان لقوله مكان الصدارة. فهو يقول عن المهدي أول حكامها:» وفي نسب المهدي أقوالٌ: حاصِلُها أنَّه ليس بهاشميٍّ ولا فاطميٍّ « (٢) وقال أيضاً:» وادعى هذا المدبر، أَنَّهُ فاطميُّ من ذُرِّية جعفر الصادق « (٣)
стр. 6225
وقال مبينا رأى كثير من العلماء حول عبيد الله المهدي: «وادعى أنه علوي فاطمي فكذَّبوه» . (١)
وقال عن استقراء لأقوال العلماء: ”وأهل العلم بالأنساب والمحقّقين يُنكِرون دعواه في النَّسبِ“. (٢)
ومما يدل على أنه يرى أن لانسب لهم ولاعلاقة تربطهم بآل البيت إيراده لأقوال العلماء التي تؤكد أنهم أدعياء مثل قوله عن عبيد الله: “والمحقِّقون على أنه دَعيُّ” (٣) وقال عنه أيضا: ”والمحققون متفقون على أنه ليس بحسيني“. (٤) ومما قاله:” فإن جدهم دعي في بني فاطمة بلا خلاف“. (٥) ثم أورد ما قاله أحد العلماء المحققين: “وقد صنف ابن البَاقِلاَّني وغيرُهُ من الأئِمةِ في هَتْكِ مقالات العبيدية، وبطلان نسبهم” (٦)
ثم فصل ماقاله القاضي أبو بكر بن الباقلاني (عن عبيد الله) من أن أصله مجوسي وبعد دخوله المغرب ادعى النسب العلوى الذي لم يعرفه أحد من علماء النسب. (٧)
ونقل عن أبي شامة- الذي كتب عن هذه الدولة كتاب ” كشف ماكان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد “- قوله:» يدعون الشرف ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي حتى اشتهر لهم ذلك وقيل الدولة العلوية والدولة الفاطمية وإنما هي الدولة اليهودية أو المجوسية الملحدة الباطنية. ثم قال ذكر ذلك جماعة من العلماء الأكابر وأن نسبهم غير صحيح بل المعروف أنهم بنو عبيد وكان والد عبيد من نسل القداح المجوسي الملحد... وقال عن عبيد الله: وادعى نسبا ذكر بطلانه جماعة من علماء الأنساب «. (٨)
стр. 6226
وأورد عن القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار البصري مايفيد بأن المهدي من أصل يهودي وادعى أن له نسباً. (١)
ثم ذكر عن الوزير القفطي (٢) الخبر المروي عن تشكيك أبي عبد الله الشيعي مشايخ كتامة في الإمام. (٣) وأبو عبد الله الشيعي هو الذي مهد وسلم الأمر لعبيد الله المهدي فحين يشكك في المهدي فهو أعرف بمن أختاره ولذا سارع المهدي لقتله وأخيه!.
وذكر الذهبي أن المعز لما سأله السيد ابن طباطبا عن نسبه قال: غدا أخرجه لك، ثم أصبح وقد ألقى عرمة من الذهب، ثم جذب نصف سيفه من غِمْدِهِ، فقال: هذا نسبي، وأمرهُم بنهبِ الذهب، وقال: هذا حسبي. (٤) وابن طباطبا هذا ذكر بعض المؤرخين أنه توفي قبل دخول المعز، ويبدو أنه أحد أبناءه، أو هو الشريف أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسيني، أو الشريف أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الحسيني الرسي. (٥)
стр. 6227
ونقل ماذكره المؤيد الحموي في تاريخه حول نسبة عبيد الله المهدي إما إلى اليهود أو المجوس. (١) وعندما تحدث عن وفاة العزيز العبيدي أورد رسالة الأموي صاحب الأندلس التي فيها:” أما بعد، فإنك قد عرفتنا فهجوتنا، ولوعرفناك لأجبناك“ كما ذكر كلام ابن خلكان وغيره:» أكثر أهل العلم لايُصحِّحون نَسبَ المهدي جد خلفاء مصر، حتى إنَّ العزيز في أول ولايته صَعِدَ المنبر يوم جمعة، فوجد هناك رقعة فيها (٢) :
يتلى على المنبر في الجامع
فاذكر أبا بعد الأب الرابع
فانسب لنا نفسك كالطائع
وادخل بنا في النسب الواسع
يقصر عنها طمع الطامع
إنا سمعنا نسباً منكراً
إن كنت فيما تدعي صادقاً
وإن ترد تحقيق ماقلته
أو لا دع الأنساب مستورةً
فإن أنساب بني هاشمٍ
ونقل ماذكره ابن خلكان أيضاً من الاختلاف في نسبه ثم قوله:» وأهل العلم بالأنساب والمحققين يُنكرون دعواه في النسب «. (٣)
وقال في ترجمة الظاهر:» العبيدي المصري، ولا أستحلُّ أن أقول العلوي الفاطمي لما وقر في نفسي من أنه دعي «. (٤)
وقال الذهبي عن العاضد: «المدعي هو وأجداده، أنهم فاطميون» . (٥)
وقال: «ونسبهم إلى علي (غير صحيح» . (٦)
стр. 6228
وكذلك اهتم الذهبي بمحاضر بغداد التي كتبها عدد من كبار العلماء، ففي ربيع الأول من سنة ٤٠٢هـ كُتِبَ مِن الديوان –ديوان الخليفة- محضر في معنى الخلفاء الذين بمصر والقَدْح في أنسابهم وعقائدهم. وقُرِئت النَّسخةُ ببغداد. وأُخِذَت فيها خطوط القُضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العلم والمعرفة بنسب الدَيْصَانية، «وهم منسوبون إلى دَيْصَان بن سعيد الخُرّميّ إخوان الكافرين، ونُطَف الشياطين، شهادةً يتقرَّبُ بها إلى الله. ومعتقد ماأوجب الله تعالى على العلماء أن يبيّنوه للنّاس، وشهدوا جميعاً أن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار الملَقَّب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار، والخزْي والنّكال، بن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد، لا أسعده الله، فإنه لما صار سعيد إلى بلاد الغرب تَسَمّى بعبيد الله وتلقَّب بالمهدي.
وهو ومن تقدَّم من سلفه الأرجاس الأنجاس، عليه وعليهم اللّعنة، أدعياء خوارج لانسب لهم في ولد عليّ بن أبي طالب (. وأنّ ذلك باطل وزُور. وأنتم لاتعلمون أن أحدا من الطالبيين توقَّف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم أدعياء.
وقد كان هذا الانكار شائعا بالحرمين، وفي أول أمرهم بالمغرب، منتشراً انتشارا يمنع من أن يدلس على أحد كذبهم، أو يذهب وهم إلى تصديقهم.
وممن وقع على هذا المحضر الشريف المرتضى، وأخوه الرضي، وجماعة من كبار العلوية، والقاضي أبو محمد بن الأكفاني، والامام أبو محمد الإسفراييني، والامام أبو الحسين القدوري. (١)
قال: «وفي سنة (٤٤٤هـ) عُمِل محضر كبير ببغداد، يتضمن القَدْح في نسب بني عُبَيْد، الخارجين بالمغرب ومصر، وأن أصلهم من اليهود، وأنهم كاذبون في انتسابهم إلى جعفر بن محمد الصادق ﵀، فكتب فيه خلق من الأشراف والشيعة والسنة وأولي الخبرة» . (٢)
стр. 6229
قال محمد عبد الله عنان معلقا على محاضر بغداد:» هذه الوثائق العباسية بالرغم مما يشوبها من كدر الخصومة السياسية من خلافة كانت تشعر بخطر الخلافة الشيعية الجديدة على سلطانها الروحي والزمني، فإنها مع ذلك تحمل من التوقيعات أسماء لها مكانتها الرفيعة من العلم والدين، مثل: القاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي حامد الاسفراييني، وأبي الحسن القدوري، والأبيوردي وغيرهم. ومن ثم فإنها تجعلنا نشعر أنها لم تكن فقط مزاعم بلاط موتور، وأنما هي فوق ذلك وثائق لها قيمتها التاريخية فيما ذهبت إليه «. (١)
وقال عنان أيضا:» ولاشك أن هذه ((القضية)) تتجاوز حدود مؤامرة دبرتها حاشية القادر ضد منافسه بالقاهرة، أو سجل ادعاء النسب الذي شهد به فقهاء سنيون أجِلاء من المتزلفين أو أصحاب المصالح، أو لمجرد رد فعل المذهب السني على البدعة الشيعية الظافرة «. (٢)
ويقول ﵀: «فأما نَسَبهم فأئمة النّسَب مُجْمِعُون على أنهم ليسوا من ولد عليّ رضوان الله عليه، بل ولا من قُريشٍ أصلاً» . (٣)
ومما يؤكد أن لانسب لهم قول أحد أتباعهم الذي أختلف معهم فأكد هذه الحقيقة وهو الحسن ابن الأعصم القرمطي الذي حارب المعز ولعنه على منبر دمشق وراسله فقال: «هؤلاء من ولد القداح، كذابون ممخرقون، أعداء الإسلام ونحن أعلم بهم، ومن عندنا خرج القداح» . (٤)
стр. 6230
وكذلك ماحصل من عضد الدولة البويهي الشيعي أنه سأل الأشراف ببغداد قائلاً:» هذا الذي بمصر يقول: إنه علوي منكم، فقالوا: ليس هو منا. فقال لهم: ضعوا خطوطكم، فوضعوا خطوطهم بأنه ليس بعلوي، ولا من ولد أبي طالب، ثم أنفذ إلى نزار بن معد رسولاً يقول له: نريد أن نعرف ممن أنت؟ فعظم ذلك عليه، فذكر أن قاضيه ابن النعمان ساس الأمر لأنه كان يلي أمر الدعوة والمكاتبة في أمرها، فنسب نزاراً إلى آبائه، وكتب نسبه، وأمر به أن يقرأ على المنابر، فقرىء على منبر جامع دمشق صدر الكتاب، ثم قال: نزار العزيز بالله بن معد بن المعز لدين الله بن إسماعيل المنصور بالله بن محمد القائم بأمر الله بن عبيد الله المهدي بالله بن الأئمة الممتحنين، أو قال: المستضعفين- وقطع. « (١)
ويصم الذهبي من يسميهم فاطميين بأنه من العوام. (٢) ويقول: «نسبهم مطعون فيه» . (٣) وأخيرا يقول: «المحققون متفقون على أن عبيد الله المهدي ليس بعلوي» . (٤)
ولم يكن الذهبي الوحيد في موقفه من الطعن في نسبهم بل شاركه كثير من أهل العلم منهم: عبد القاهر البغدادي، ومحمد بن مالك اليماني، وابن حزم الأندلسي، والأسفراييني صاحب ”التبصير في أصول الدين“، وابن واصل، وابن الجوزي، وابن تغري بردي، والنويري، والقلقشندي، والسخاوي، والسيوطي، وابن حجر في رفع الاصر، وابن عذاري في البيان. ومن المستشرقين دي غويه، ونيكلسون، ودوزي، وبراون. (٥)
موقفه من الدولة العبيدية من حيث المعتقد
стр. 6231
إن جادل بعض المؤرخين عن نسب بني عبيد فلن يجادلوا عن معتقداتهم ومذهبهم حيث اشتهر عنهم معتقدات باطلة مثل: ادعاء علم الغيب، وادعاء النبوة والألوهية، وطلب السجود من رعاياهم وأتباعهم، وسب الصحابة. وكثرة الإنفاق على الاحتفالات المبتدعة والتي أرجعها أحد المؤرخين: «لإلهاء الرعية من أهل السنة عن أمور السياسة، ومايقال من الطعن في نسبهم وأحقيتهم في الخلافة» . (١) ولم أتطرق إلى جوانب الخلاف الفقهي لأن الخلاف في الفقه سهل ويسير، ويتسع المجال لذلك حسب فهم الأدلة الشرعية.
ذكر الإمام الذهبي في كثير من مؤلفاته أن بني عبيد يدعون الألوهية والربوبية فعندما أراد أبو يزيد مخلد بن كيداد الخارجي (٢) حرب بني عبيد لم يتردد العلماء في المسير معه ف: «تسارع الفقهاء والعباد في أهبة كاملة بالطبول والبنود وخطبهم في الجمعة أحمد ابن أبي الوليد وحرضهم وقال: جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه رب من دون الله، ... وقال: اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية جاحد لنعمتك كافر بربوبيتك طاعن على رسلك مكذب بمحمد نبيك سافك للدماء فالعنه لعنا وبيلا وأخزه خزيا طويلا واغضب عليه بكرة وأصيلا. ثم نزل فصلى بهم الجمعة» . (٣)
стр. 6232
وقيل في سنة تسع وتسعين ومائتين: إن عبيد الله المهدي الزنديق سمح لأتباعه أن يغرقوا في كفرهم حتى ألَّهوه فقد كانت أيمانهم المغلظة: «وحق عالم الغيب والشهادة، مولانا الذي برقادة» . (١)
كان بعض دعاة بني عبيد يقول عن المهدي هو الخالق الرازق. (٢)
قال الشاعر القيرواني أبو القاسم الغماري ت٣٤٥هـ عن بني عبيد (٣) :
نالُوا بهم سبب النجاة عُموما
عبدوا ملوكَهُمُ، وظنُّوا أنّهم
قال الذهبي: «وفي سنة ستين وثلاث مئة، وجد بالسُّوق قماش قد نُسِجَ فيه: المُعِزُّ ، فأُحضر النَّسَّاج إلى جوهر، فأنكر ذلك، وصُلِبَ النَّساجُ ثم أُطلق» . (٤)
ورد في مخطوط ”عقيدة الإسماعيلية“ الذي نشره المستشرق جويار عن تأليه المعز لدين الله. (٥)
وقال حسن إبراهيم حسن: «وقد بالغ ابن هانيء في غلوه فنسب لمولاه (المعز) بعض صفات النبوة والألوهية وبهذا مهد السبيل لمن جاء بعده من الشعراء. يدل على ذلك القصيدة الطويلة التي أنشدها في حضرة المعز والتي منها:
ولعلة ماكانت الأشياءُ
تجري بأمرك والرياح رخاء
أقدارُ واستحيت لك الأنواء
في راحتيك يدور حيث تشاء
هو علة الدنيا ومن خُلقت له
ولك الجواري المنشآتُ مواخر
فَعَنَتْ لك الأبصارُ وانقادت لك ال
لاتسألن عن الزمان فإنه
وقال: «ولم يفتر ابن هانيء عن مواصلة مدحه للمعز؛ ولكنا نراه يُغرق فيجعله في منزلة عيسى ومحمد، بل ينسب إليه بعض صفات الألوهية، كما يتضح ذلك في قصيدة أخرى حيث يقول:
غفارَ موبقة الذنوب صفوحا
لدعيتَ من بعد المسيح مسيحا
وتنزَّل القرآن فيك مسيحا
стр. 6233
ندعوه منتقماً عزيزاً قادراً
أقسمتُ لولا أن دعيتَ خليفةً
شهدتْ بمفخرك السموات العلى
وفي قصيدة أخرى يبالغ ابن هانيء في مدح المعز فيشبهه بالخالق سبحانه وبالنبي (. ويشبه أشياعه بأنصار النبي حيث يقول (١) :
فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنصارك الأنصار
حقاً وتَخْمُدُ ان تراه النار
ماشئت لا ماشاءت الأقدار
وكأنما أنت النبيُّ محمدٌ
هذا الذي تُجدي شفاعته غداً
وممن كان يدعي الربوبية والإلهية الحاكم العبيدي حيث قال عنه الذهبي: «الإسماعيلي الزنديق المدعي الربوبية» . (٢)
وقال عنه أيضا: «يقال إنه أراد أن يدّعي الإلهية، وشرع في ذلك فكلّمه أعيان دولته وخوَّفوه بخروج النّاس كلهم عليه، فانتهى» . (٣)
وممن حرض الحاكم على هذا الادعاء حمزة بن علي قال الذهبي: «وقد قُتل الدرزي الزنديق لادعائه ربوبية الحاكم. وكان قوم من جهلة الغوغاء إذا رأوا الحاكم يقولون يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت» . (٤)
ومما جاء في محضر بغداد الذي عقد سنة ٤٠٢هـ: وأن هذا الناجم بمصر وسلفه... وادعوا الربوبية. (٥)
ومما ورد في المحضر أيضاً: وأن هذا الناجم بمصر هو وسيلة كفار وفساق فجار زنادقة. ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية» . (٦)
стр. 6234
قال حسن إبراهيم حسن: وعقيدة تأليه الحاكم أثارت سخط الأهلين وأمثالها، إذا كان لايزال هناك كثيرون يناوئون سياسة الفاطميين، فقد كتب أحد الشعراء بيتين من الشعر في ورقة على المنبر، فوقعت في يد العزيز وقرأها فإذا فيها (١) :
وليس بالكفر والحماقة
فقل لنا كاتبَ البطاقة
بالظلم والجور قد رضينا
إن كنت أُعطيتَ علمَ غيبٍ
قال الذهبي: «قرأت في تاريخ صُنِّف على السنين في مجلد صنفه بعض الفُضَلاء سنة بضع وثلاثين وستمائة، قدمه لصاحب مصر الملك الصالح: في سنة سبع وستين قال: وكانت الفِعْلة (القضاء على الدولة العبيدية) من أشرف أفعاله (صلاح الدين) ، فَلَنِعْمَ مافعل، فإنّ هؤلاء كانوا باطنية زنادقة، دعوا إلى مذهب التناسخ، واعتقاد حلول الجزء الإلهي في أشباحهم.
وقال الذهبي: أن الحاكم قال لداعيه: كم في جريدتك؟
قال: ستة عشر ألفاً يعتقدون أنّك الإله.
قال شاعرهم:
فاحكم فأنت الواحد القهار
ماشئت لا ماشاءت الأقدار
فلعن الله المادح والممدوح، فليس هذا في القبح إلا كقول فرعون أنا ربكم الأعلى.
وقال بعض شُعرائهم في المهديّ برَقّادة:
حل بها آدمُ ونوحُ
فما سوى الله فهو ريحُ
حلّ برقادة المسيحُ
حل بها الله في عُلاهُ
قال: وهذا أعظم كُفراً من النّصارى، لأن النّصارى يزعمون أن الجزء الإلهيّ حلّ بناسوت عيسى فقط، وهؤلاء يعتقدون حُلُوله في جسد آدم ونوح والأنبياء وجميع الأئمة.
هذا اعتقادهم لعنهم الله» . (٢)
стр. 6235
ومع ادعائهم الربوبية والألوهية كانوا يدعون النبوة أيضاً: حتى عوتب بعض العلماء في الخروج مع أبي يزيد الخارجي فقال: وكيف لا أخرج وقد سمعت الكفر بأذني، حضرت عقداً فيه جمع من سنة ومشارقة وفيهم أبو قضاعة الداعي فجاء رئيس فقال كبير منهم: إلى هنا يا سيدي ارتفع إلى جانب رسول الله يعني أبا قضاعة فما نطق أحد. (١)
وكان بعض دعاة بني عبيد يقول عن المهدي: هو رسول الله. (٢) ويُرْمىَ عبيد الله بأنه قتل جماعة من العلماء السنيين لم يعترفوا بأنه رسول الله. (٣)
فعندما ادعى عبيد الله الرسالة أحضر فقيهين من فقهاء القيروان وهو جالس على كرسي ملكه وأوعز إلى أحد خدمه فقال للشيخين: أتشهدا أن هذا رسول الله؟ فقالا: والله لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره يقولان: إنه رسول الله، ماقلنا ذلك. فأمر بذبحهما. (٤)
وكان عبيد الله المهدي يسخر من النبي (ومن موسى (-في رسالة بعثها إلى داعيه أبي طاهر القرمطي-فيقول: ولاتكن كصاحب الأمة المنكوسة حين سألوه عن الروح فقال: «الروح من أمر ربي» لما لم يعلم ولم يحضره جواب المسألة، ولاتكن كموسى في دعواه التي لم يكن له عليها برهان سوى المخرقة بحسن الحيلة والشعبذة. (٥)