إن جادل بعض المؤرخين عن نسب بني عبيد فلن يجادلوا عن معتقداتهم ومذهبهم حيث اشتهر عنهم معتقدات باطلة مثل: ادعاء علم الغيب، وادعاء النبوة والألوهية، وطلب السجود من رعاياهم وأتباعهم، وسب الصحابة. وكثرة الإنفاق على الاحتفالات المبتدعة والتي أرجعها أحد المؤرخين: «لإلهاء الرعية من أهل السنة عن أمور السياسة، ومايقال من الطعن في نسبهم وأحقيتهم في الخلافة» . (١) ولم أتطرق إلى جوانب الخلاف الفقهي لأن الخلاف في الفقه سهل ويسير، ويتسع المجال لذلك حسب فهم الأدلة الشرعية.
ذكر الإمام الذهبي في كثير من مؤلفاته أن بني عبيد يدعون الألوهية والربوبية فعندما أراد أبو يزيد مخلد بن كيداد الخارجي (٢) حرب بني عبيد لم يتردد العلماء في المسير معه ف: «تسارع الفقهاء والعباد في أهبة كاملة بالطبول والبنود وخطبهم في الجمعة أحمد ابن أبي الوليد وحرضهم وقال: جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه رب من دون الله، ... وقال: اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية جاحد لنعمتك كافر بربوبيتك طاعن على رسلك مكذب بمحمد نبيك سافك للدماء فالعنه لعنا وبيلا وأخزه خزيا طويلا واغضب عليه بكرة وأصيلا. ثم نزل فصلى بهم الجمعة» . (٣)
стр. 6232
وقيل في سنة تسع وتسعين ومائتين: إن عبيد الله المهدي الزنديق سمح لأتباعه أن يغرقوا في كفرهم حتى ألَّهوه فقد كانت أيمانهم المغلظة: «وحق عالم الغيب والشهادة، مولانا الذي برقادة» . (١)
كان بعض دعاة بني عبيد يقول عن المهدي هو الخالق الرازق. (٢)
قال الشاعر القيرواني أبو القاسم الغماري ت٣٤٥هـ عن بني عبيد (٣) :
نالُوا بهم سبب النجاة عُموما
عبدوا ملوكَهُمُ، وظنُّوا أنّهم
قال الذهبي: «وفي سنة ستين وثلاث مئة، وجد بالسُّوق قماش قد نُسِجَ فيه: المُعِزُّ ، فأُحضر النَّسَّاج إلى جوهر، فأنكر ذلك، وصُلِبَ النَّساجُ ثم أُطلق» . (٤)
ورد في مخطوط ”عقيدة الإسماعيلية“ الذي نشره المستشرق جويار عن تأليه المعز لدين الله. (٥)
وقال حسن إبراهيم حسن: «وقد بالغ ابن هانيء في غلوه فنسب لمولاه (المعز) بعض صفات النبوة والألوهية وبهذا مهد السبيل لمن جاء بعده من الشعراء. يدل على ذلك القصيدة الطويلة التي أنشدها في حضرة المعز والتي منها:
ولعلة ماكانت الأشياءُ
تجري بأمرك والرياح رخاء
أقدارُ واستحيت لك الأنواء
في راحتيك يدور حيث تشاء
هو علة الدنيا ومن خُلقت له
ولك الجواري المنشآتُ مواخر
فَعَنَتْ لك الأبصارُ وانقادت لك ال
لاتسألن عن الزمان فإنه
وقال: «ولم يفتر ابن هانيء عن مواصلة مدحه للمعز؛ ولكنا نراه يُغرق فيجعله في منزلة عيسى ومحمد، بل ينسب إليه بعض صفات الألوهية، كما يتضح ذلك في قصيدة أخرى حيث يقول:
غفارَ موبقة الذنوب صفوحا
لدعيتَ من بعد المسيح مسيحا
وتنزَّل القرآن فيك مسيحا
стр. 6233
ندعوه منتقماً عزيزاً قادراً
أقسمتُ لولا أن دعيتَ خليفةً
شهدتْ بمفخرك السموات العلى
وفي قصيدة أخرى يبالغ ابن هانيء في مدح المعز فيشبهه بالخالق سبحانه وبالنبي (. ويشبه أشياعه بأنصار النبي حيث يقول (١) :
فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنصارك الأنصار
حقاً وتَخْمُدُ ان تراه النار
ماشئت لا ماشاءت الأقدار
وكأنما أنت النبيُّ محمدٌ
هذا الذي تُجدي شفاعته غداً
وممن كان يدعي الربوبية والإلهية الحاكم العبيدي حيث قال عنه الذهبي: «الإسماعيلي الزنديق المدعي الربوبية» . (٢)
وقال عنه أيضا: «يقال إنه أراد أن يدّعي الإلهية، وشرع في ذلك فكلّمه أعيان دولته وخوَّفوه بخروج النّاس كلهم عليه، فانتهى» . (٣)
وممن حرض الحاكم على هذا الادعاء حمزة بن علي قال الذهبي: «وقد قُتل الدرزي الزنديق لادعائه ربوبية الحاكم. وكان قوم من جهلة الغوغاء إذا رأوا الحاكم يقولون يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت» . (٤)
ومما جاء في محضر بغداد الذي عقد سنة ٤٠٢هـ: وأن هذا الناجم بمصر وسلفه... وادعوا الربوبية. (٥)
ومما ورد في المحضر أيضاً: وأن هذا الناجم بمصر هو وسيلة كفار وفساق فجار زنادقة. ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية» . (٦)
стр. 6234
قال حسن إبراهيم حسن: وعقيدة تأليه الحاكم أثارت سخط الأهلين وأمثالها، إذا كان لايزال هناك كثيرون يناوئون سياسة الفاطميين، فقد كتب أحد الشعراء بيتين من الشعر في ورقة على المنبر، فوقعت في يد العزيز وقرأها فإذا فيها (١) :
وليس بالكفر والحماقة
فقل لنا كاتبَ البطاقة
بالظلم والجور قد رضينا
إن كنت أُعطيتَ علمَ غيبٍ
قال الذهبي: «قرأت في تاريخ صُنِّف على السنين في مجلد صنفه بعض الفُضَلاء سنة بضع وثلاثين وستمائة، قدمه لصاحب مصر الملك الصالح: في سنة سبع وستين قال: وكانت الفِعْلة (القضاء على الدولة العبيدية) من أشرف أفعاله (صلاح الدين) ، فَلَنِعْمَ مافعل، فإنّ هؤلاء كانوا باطنية زنادقة، دعوا إلى مذهب التناسخ، واعتقاد حلول الجزء الإلهي في أشباحهم.
وقال الذهبي: أن الحاكم قال لداعيه: كم في جريدتك؟
قال: ستة عشر ألفاً يعتقدون أنّك الإله.
قال شاعرهم:
فاحكم فأنت الواحد القهار
ماشئت لا ماشاءت الأقدار
فلعن الله المادح والممدوح، فليس هذا في القبح إلا كقول فرعون أنا ربكم الأعلى.
وقال بعض شُعرائهم في المهديّ برَقّادة:
حل بها آدمُ ونوحُ
فما سوى الله فهو ريحُ
حلّ برقادة المسيحُ
حل بها الله في عُلاهُ
قال: وهذا أعظم كُفراً من النّصارى، لأن النّصارى يزعمون أن الجزء الإلهيّ حلّ بناسوت عيسى فقط، وهؤلاء يعتقدون حُلُوله في جسد آدم ونوح والأنبياء وجميع الأئمة.
هذا اعتقادهم لعنهم الله» . (٢)
стр. 6235
ومع ادعائهم الربوبية والألوهية كانوا يدعون النبوة أيضاً: حتى عوتب بعض العلماء في الخروج مع أبي يزيد الخارجي فقال: وكيف لا أخرج وقد سمعت الكفر بأذني، حضرت عقداً فيه جمع من سنة ومشارقة وفيهم أبو قضاعة الداعي فجاء رئيس فقال كبير منهم: إلى هنا يا سيدي ارتفع إلى جانب رسول الله يعني أبا قضاعة فما نطق أحد. (١)
وكان بعض دعاة بني عبيد يقول عن المهدي: هو رسول الله. (٢) ويُرْمىَ عبيد الله بأنه قتل جماعة من العلماء السنيين لم يعترفوا بأنه رسول الله. (٣)
فعندما ادعى عبيد الله الرسالة أحضر فقيهين من فقهاء القيروان وهو جالس على كرسي ملكه وأوعز إلى أحد خدمه فقال للشيخين: أتشهدا أن هذا رسول الله؟ فقالا: والله لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره يقولان: إنه رسول الله، ماقلنا ذلك. فأمر بذبحهما. (٤)
وكان عبيد الله المهدي يسخر من النبي (ومن موسى (-في رسالة بعثها إلى داعيه أبي طاهر القرمطي-فيقول: ولاتكن كصاحب الأمة المنكوسة حين سألوه عن الروح فقال: «الروح من أمر ربي» لما لم يعلم ولم يحضره جواب المسألة، ولاتكن كموسى في دعواه التي لم يكن له عليها برهان سوى المخرقة بحسن الحيلة والشعبذة. (٥)
стр. 6236
وكان لعن الأنبياء من شعائرهم فقد ذكر القاضي عبد الجبار المتكلم: أن القائم أظهر سب الأنبياء وكان مناديه يصيح العنوا الغار وما حوى. (١) وذكر الهمذاني أيضا أن القائم جاهر بشتم الأنبياء وكان يلعنهم جميعاً. (٢)
كما ذكر بعض أهل التاريخ: أن المعز أراد ادعاء النبوة ولكنه خاف من الرعية فقد ذكر الخبر ابن عذاري أنه وقع في المغرب حيث أذن مؤذنه فوق صومعة جامع القيروان ب: أشهد أن معداً رسول الله فارتج البلد لذلك. (٣)
أما صاحب الاعتصام (٤) فيذكر أن معداً من العبيدية الذين ملكوا إفريقية، فقد حكى عنه أَنه جعل المؤذن يقول: أشهد أن معدًا رسول الله، عوضا عن كلمة الحق ((أشهد أن محمداً رسول الله)) فهم المسلمون بقتله ثم رفعوه إلى معد ليروا هل هذا عن أمره؟ فلما انتهى كلامهم إليه، قال: «أردد عليهم أَذانهم لعنهم الله» .
ومن عقائدهم ادعاء علم الغيب ورد في حوار بين أبي عبد الله الشيعي وبين قبيلة كتامة أنه قال لهم: «أن تَدِينوا بإمامٍ معصوم يعلم الغيب» . (٥)
قال ابن خَلكان: «وذلك لأنهم ادَّعوا علم المغيبات. ولهم في ذلك أخبار مشهورة» . (٦)
وكان يُسجد لهم ويأمرون الناس بالسجود لهم، قال الذهبي: «ففي سنة ٣٩٦هـ خطب بالحرمين لصاحب مصر الحاكم، وأُمَر الناس عند ذكره بالقيام وأن يسجدوا له، فإنا لله وإنا إليه راجعون» . (٧)
стр. 6237
وكان إذا ذُكِر (الحاكم) «قاموا وسجدوا في السُّوق، وفي مواضع الاجتماع، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فلقد كان هؤلاء العُبَيْدِيُّون شرّاً على الإسلام وأهله من الشرّ» . (١)
وكان الحاكم يسخر من النار حيث: «أنشأ دارا كبيرة ملأها قيودا وأغلالا وجعل لها سبعة أبواب وسماها جهنم فكان من سخط عليه أسكنه فيها» . (٢)
وكانوا يبيحون المحظورات فقد نقل الذهبي قول ابن النديم (٣) - الذي أطلع على أحد كتب الباطنية-: «قد قرأته فرأيت فيه أمراً عظيماً من إباحة المحظورات، والوضع من الشرائع وأصحابها» . (٤)
стр. 6238
قال ابن خلكان: «استفتى (صلاح الدين) الفقهاء فأفتوا بجواز خلع (العاضد) (١) لما هو من انحلال العقيدة والاستهتار فكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الشيخ نجم الدين الخبوشاني فإنه عدد مساوئ هؤلاء وسلب عنهم الإيمان» . (٢)
وكانوا يقتلون العلماء ممن لايقول بقولهم: قال أبو الحسن القابسي صاحب الملخص: «إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه أربعة آلاف في دار النحر في العذاب من عالم وعابد ليردهم عن الترضي عن الصحابة» . (٣)
والغرض من قتلهم العلماء -كما قال الذهبي عن عبيد الله-: «أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق» . (٤)
стр. 6239
وشاركوا القرامطة جرائمهم: «ففي أيام المهدي عاثت القرامطة بالبحرين وأخذوا الحجيج وقتلوا وسبوا واستباحوا حرم الله وقلعوا الحجر الأسود وكان عبيد الله يكاتبهم ويحرضهم قاتله الله» . (١)
وذكر القاضي عبد الجبار المتكلم: أن القائم أباد عدة من العلماء وكان يراسل قرامطة البحرين ويأمرهم بإحراق المساجد والمصاحف. (٢)
ومن عقائد بني عبيد أنهم: «قلبوا الإسلام وأعلنوا بالرفض وأبطنوا مذهب الإسماعيلية» . (٣)
وقال الذهبي: «وأما العبيديون الباطنية فأعداء الله ورسوله» . (٤) وقال أيضاً: «لايوصف ماقلب هؤلاء العبيديون الدين ظهراً لبطن» . (٥)
وقال عن عبيد الله: «كان يُظهر الرَّفض ويُبطن الزندقة» . (٦) وقال أيضا: «وياحبذا لو كان رافضياً، ولكنه زنديق» . (٧)
أما أبوعبد الله الشيعي فكان يقول: إن لظواهر الآيات والأحاديث بواطن هي كاللب والظاهر كالقشر. وقال: لكل آية ظهر وبطن، فمن وقف على علم الباطن فقد ارتقى عن رتبة التكاليف. (٨)
وقال عن جوهر الصقلي بعد أن ذكر عقله وشجاعته وحسن سيرته أنه: «على نحلة بني عبيد التي ظاهرها الرفض وباطنها الانحلال» . (٩)
وكانت نظرة علماء المغرب لبني عبيد واضحة بينة قال الذهبي: «وقد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد لما أشهروه من الكفر الصراح الذي لا حيلة فيه وقد رأيت في ذلك تواريخ عدة يصدق بعضها بعضا» . (١٠)
стр. 6240
وهذا قول لأحد الأئمة بأفريقية يرى فيه أن الخوارج مع انحرفاهم هم من أهل القبلة بعكس بني عبيد قال الذهبي: وخرج أبو إسحاق الفقيه مع أبي يزيد، وقال: هُمْ أهل القْبِلة، وأولئك ليسوا أهل قِبْلَةٍ، وهم بنو عَدوِّ اللهِ، فإن ظفرنا بهم، لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد، لأنه خارجيٌ. (١)
قال القاضي عياض: قال أبو يوسف الرعيني: «أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة» . (٢)
ومما يؤكد ضلالهم أنه وجد بخط فقيه قال: في رجب سنة ٣٣١هـ قام المكوكب يقذف الصحابة ويطعن على النبي (وعلقت رؤوس حمير وكباش على الحوانيت كتب عليها أنها رؤوس صحابة. (٣)
وقال عن المنصور العبيدي: «وفيه إسلام في الجملة وعقل بخلاف أبيه الزنديق» . (٤)
وفي أيامه (العزيز) أُظهر سبُّ الصحابةِ جِهَاراً. (٥)
فقد أمر بكَتْب سَبّ الصّحابة على أبواب المساجد والشّوارع، وأمر العمال بالسب في سنة خمسٍ وتسعين وثلاث مئة. (٦)
وقال في السير: وكان سَبُ الصحابة فاشيا في أيامه (المستنصر) والسنة غريبة مكتومة. (٧)
وكان لليهود والنصارى حظوة ومكانة عند بني عبيد، فقد كانوا يقدمون اليهود على المسلمين. فمن اليهود الذين عملوا معهم يعقوب بن كلس، ومنشا، وبلغ اليهود المكانة العالية وتسلطوا حتى قال الشاعر:
ومنهم المستشار والملكُ
تهوَّدوا، قد تهود الملك
العز فيهم والمال عندهم
ياأهل مصر إني قد نصحت لكم
стр. 6241
أما النصارى فمنهم فهد بن إبراهيم، وأبو سعيد التستري، وأم المستنصر كانت مولاة للتستري، وصدقة بن يوسف الفلاحي، وأبو نصر التستري، عيسى بن نسطورس، وسهل بن معَشر النصراني طبيب الحاكم، ومنصور بن عبدون وزير الحاكم سنة ٤٠٠هـ، وزرعة بن نسطورس، وأبو نجاح الراهب ت٥٢٣هـ، وبهرام الأرمني ت٥٣٥هـ، وقد حزن عليه بنو عبيد. ووالي قوص الباساك. قال رجل يوم الجمعة مبينا تمكن النصارى في رقاب الناس: ياأهل مصر! انظروا عدل مولانا الآمر في تمكينه النصراني من الناس. (١)
وقال الشاعر يوضح مابلغ النصارى في هذا العهد (٢) :
وغالوا بالبغال وبالسروج
وصار الأمر في أيدي العلوج
زمانك إن عزمت على الخروج
إذا حكم النصارى في الفروج
وذلت دولة الإسلام طراً
فقل للأعور الدجال هذا
قال قاسم عبده قاسم: ويعتبر العصر الفاطمي هو العصر الذهبي لأهل الذمة. والغريب أن الدولة الفاطمية لم تتبع سياسة التسامح الديني إزاء المصريين المسلمين أتباع المذهب السني في الوقت الذي حظي فيه أهل الذمة بمثل هذه الحريات.
قال الذهبي في ترجمة الشاعر عمارة اليمني: وله بيتٌ كَيِّس في العبُيديين:
وإن خالَفُوني في اعتقادِ التَّشَيُّعِ
أفاعيلُهُم في الجودِ أفعالُ سُنَّةٍ
ثم قال: ياليته تَشَيُّعٌ فقط، بل ياليته ترفُّض، وإنما يُقال: هو انحلالٌ وزَنْدقة. (٣)
ويصح قول حسن إبراهيم حسن: ذهب السنيون إلى أن عبيد الله كان يعمل على هدم الإسلام متستراً بالتشيع. (٤)
стр. 6242
ومن العجيب أنك لاتجد واحداً من خلفاء الدولة العبيدية أدى فريضة الحج رغم التبجح بخلافة النبي (وعلي بن أبي طالب (. (١) ولذا قال حسن إبراهيم حسن: «يرى الإسماعيلية أن مذهبهم إنما قام ليحل محل الإسلام. وقال أيضا: ولا يبعد أن يكون كثير مما ذهب إليه السنيون (في وصف المذهب الإسماعيلي) صحيحاً» . (٢)
ومع هذه النصوص الواضحة في انحراف العبيدية نجد مؤرخاً من المعاصرين لايزال مغتراً بهم حيث يقول: «أقاموا دولة إسلامية على أسس إسلامية واضحة، وخلَّفوا حضارة يعتز بها المسلمون إلى الآن» . (٣)
стр. 6243
نتائج البحث:
الإمام الذهبي إمام واسع الإطلاع في التاريخ والتراجم.
أجمع من يعتد به من العلماء على عدم صحة انتساب بني عبيد إلى آل البيت.
أجمع من يعتد به من علماء الإسلام على كفر وردة بني عبيد.
عدد من أهل التاريخ في العصر الحديث يحاولون بصور شتى التقليل من شأن علماء الأمة الأعلام وتسفيههم ووصفهم بالتعصب السنى والمذهبي.
الإمام الذهبي نموذج من نماذج علماء الأمة الذين أظهروا عوار بني عبيد ولم يكن الوحيد فقد شاركه أغلبية أئمة التاريخ.
أحكام الإمام الذهبي مبنية على قراءة واسعة في كتب كثيرة مع عقلية ناقدة.
стр. 6244
صوت الهاء في العربية
د. ابراهيم كايد محمود
الأستاذ المشارك في قسم اللغة العربية – كلية التربية
جامعة الملك فيصل – الاحساء
ملخص البحث
تناول البحثُ الحديثَ عن تحديد الصوت اللغوي الذي يصدر عن الإنسان وأوضح أنَّه يجب أن يكون ذا معنى وينقل رسالة من عقل إنسان إلى آخر. ثم أشار إلى جهود العلماء القدماء في الدرس الصوتي ومعرفتهم المبكرة لهذا النوع من الدراسة. ثم تحدث عن الصفات الصوتية التي تميز بها صوت الهاء وإنه يمكن اعتباره صوتاً صامتاً كما يمكن اعتباره صوتاً صائتاً في بعض الحالات. وتابع تعداد صفات هذا الصوت وتباين آراء العلماء حول موضع نطقه ومخرجه مما ترتب عليه أن وصف هذا الصوت بصفات كثيرة.
ثم تحدث عن المواقع المختلفة لهذا الصوت والأسماء التي أطلقت عليه حسب موقعه، فتحدث عن هاء السكت أو الوقف أو الاستراحة. وقد ذكر الباحث أن هذه الهاء امتداد للنفس الذي حشده المتكلم، وناقش آراء العلماء في هذه الصفات والأسماء. كما أشار إلى أن هاء التنبيه قد تكون من الأصوات الشفطية التي تنتج عن هواء الشهيق لا عن هواء الزفير. كما تحدث عن الأصوات التي تبدل من الهاء وتبدل الهاء منها. وخلص إلى عدد من النتائج تضمنتها الخاتمة.
مقدمة:
стр. 6245
الصوت ظاهرة طبيعية، وشكل من أشكال الطاقة، وهو يستلزم وجود جسم في حالة اهتزاز أو تذبذب، وهذه الاهتزازات أو الذبذبات تنقل عبر وسط معين حتى تصل إلى أذن الإنسان، وقد تكون ناتجة عن اصطدام جسم بآخر، أو سقوط جسم أو انفجار أو غير ذلك، كما أنها قد تكون صادرة عن الحيوانات إلى جانب صدورها عن الإنسان. وقد فرّق العلماء بين نوعين من الأصوات: النوع الأول هو الصوت الطبيعي، وهو ما يصدر عن كل ظواهر الطبيعة وكل الموجودات فيها، والنوع الآخر هو ما يصدر عن الإنسان دون غيره. فالجهاز النطقي للإنسان قادر على إنتاج أصوات كثيرة، كما أنه قادر على إنتاج أنواع من الضجيج والضوضاء تبعد عن اللغة بقدر ما تبعد عنها أصوات الطبيعة. ولكي "يكون الصوت لغوياً بالمعنى العام فإن الأصوات الصادرة عن الجهاز النطقي يجب أن تكون ذات معنى وتنقل رسالة محددة من عقل إنسان إلى آخر (١) " وهذا الصوت هو الذي يهمنا هنا، أي أننا نهتم بالصوت باعتباره ظاهرة طبيعية وباعتباره في نفس الوقت ظاهرة سيكولوجية (٢) ...
... وليس كل صوت يصدر عن الإنسان مفهماً وإرادياً، أي أنه الأثر السمعي الذي يصدر طواعية واختياراً عن أعضاء النطق، بل إن الصوت حتى يكون مفهماً أو لغوياً لابد أن يكون صادراً بقصد عن المتكلم، إذ أن هناك بعض الأصوات قد تصدر عن المتكلم دون قصد منه، وقد تصدر ويكون المتكلم قد أصدرها بقصد وعناية، فهذه الأصوات تكون مرة طبيعية ومرة لغوية.
جهود العرب القدماء في الدرس الصوتي:
стр. 6246
.. وقد كان للعرب القدماء جهود مشكورة في الدرس الصوتي تنم عن فهم مبكر دقيق لطبيعة الصوت اللغوي، كما تدل على معرفة تامة بالجهاز النطقي وأعضائه. فقد عكفوا على دراسة أصوات لغتهم، وتمكنوا من وصفها وصفاً دقيقاً، ووضعوا القواعد والقوانين لتلك الأصوات وخصائصها وعلاقاتها مع بعضها البعض. يتضح ذلك فيما فعله أبو الأسود الدؤلي من نقط الإعراب بملاحظته الذاتية، وما قدمه الخليل بن أحمد من تقسيم لأصوات اللغة، وتحديد مخارجها معتمداً على حسه الصوتي، فقد "نظر إلى الحروف كلها وذاقها فوجد مخرج الكلام كلّه الحلق، فصيّر أولاها بالابتداء أدخل حرف منها في الحلق، وإنما كان ذواقه إياها أنه كان يفتح فاه بالألف ثم يظهر الحرف نحو: ابْ، اتْ، احْ، اعْ، اغْ فوجد العين أدخل الحروف في الحلق فجعلها أول الكتاب (٣) " وهو يتحدث عن الحروف ويقصد بها الأصوات فيقول: "في العربية تسعة وعشرون حرفاً: منها خمسة وعشرون حرفاً صحاحاً لها أحياز ومدارج، وأربعة جوف، وهي الواو والياء والألف اللَّينة والهمزة، وسميت جوفاً لأنها تخرج من الجوف فلا تقع في مدرجة من مدارج اللسان ولا من مدارج الحلق ولا من مدارج اللهاة (٤) ".
стр. 6247
.. وقسّم سيبويه أصوات العربية حسب مخارجها وأحيازها، ووصف كل صوت منها وصفاً دقيقاً إلاّ أنه – كأستاذه الخليل – لم يكن يفرّق بين الحرف والصوت إذ يقول: "هذا باب عدد الأحرف العربية ومخارجها ومهموسها ومجهورها وأحوال مجهورها ومهموسها واختلافها (٥) " ويقول في موضع آخر "وتكون خمسة وثلاثين حرفاً، بحروف هُنَّ فروع وأصلها من التسعة والعشرين، وهي كثيرة يؤخذ بها وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار، وهي النون الخفيفة، والهمزة التي بين بين والألف التي تمال إمالة شديدة، والشين التي كالجيم، الصاد التي تكون كالزاي وألف التفخيم (٦) " ثم ينتقل للحديث عن مخارج تلك الحروف التي يقصد بها الأصوات فيقول: "ولحروف العربية ستة عشر مخرجاً. فللحلق منها ثلاثة، فأقصاها مخرجاً الهمزة والهاء والألف، ومن وسط الحلق مخرج العين والحاء، وأدناها مخرجاً من الفم الغين والخاء ومن أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج القاف .... (٧) " ويستمر في تحديد مخرج كل حرف ووصفه من حيث الجهر والهمس والشدة والرخاوة وغيرها، مما يؤكد أنه يقصد بالحرف هنا الصوت.
стр. 6248
.. أما أبو الفتح ابن جنّي فقد كان أكثر وضوحاً وأدق تفريقاً بين الأصوات والحروف، قال: "اعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته فيسمى المقطع أين عرض له حرفاً. وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها (٨) ". واضح من كلام ابن جنّي هذا أنه لا يقصد بالمقطع ما نقصده نحن الآن من مصطلح المقطع Syllable، الذي يعني "وحدة صوتية تتكون من صائت واحد على الأقل هو نواة المقطع، بالإضافة إلى احتمال وجود صامت واحد أو أكثر قبل الصائت أو بعده مثل in,no,sit على التوالي، ولكل مقطع درجة مناسبة من النبر تأخذ نواته. وقد يكون المقطع كلمة مثل lip، أو جزءاً من كلمة مثل win في window، وقد يكون المقطع مفتوحاً إذا انتهى بصائت مثل no، أو مغلقاً إذا انتهى بصامت مثل not (٩) ". ويستمر ابن جنّي في توضيح هذا الأمر، وأن الطريقة المثلى لتحديد الحرف وصداه أو امتداده هي أن يكون ساكناً، فيقول: "وسبيلك إذا أردت أن تعرف صدى الحرف أن تأتي به ساكناً لا متحركاً لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقرة وتجتذبه إلي جهة الحرف الذي هي بعضه، ثم تُدْخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، فتقول: إِكْ، إِفْ، إِجْ وكذلك سائر الحروف (١٠) " فهو يقصد بالصوت ما يتبع نطق بعض الأصوات من استمرار وامتداد وتفشٍ، ثم يؤكد هذا التفريق بين الحرف والصوت، فيقول: "وذلك أن الحرف حدّ منقطع الصوت وغايته وطرفه، كحرف الجبل ونحوه، ويجوز أن تكون سميت حروفاً لأنها جهات للكلم ونواح كحروف الشئ وجهاته المحدقة به (١١) " ثم يقول: "فقد ثبت بما قدمناه معرفة الصوت من الحروف وكشفنا عنهما بما هو متجاوز للإقناع في بابهما ووضحت حقيقتهما لمتأملهما (١٢) ". فابن جني جازم في تفريقه بين الصوت والحرف، وقد يُفهم من كلامه في هذا الشأن أنه كان يعتبر الحرف
стр. 6249
مقام ما يُعرف في الدراسات اللغوية المعاصرة باسم الفونيم Phoneme، الذي هو أصغر وحدة صوتية قادرة على تغيير معنى، وأن هذه الأصوات التي أشار إليها ليست إلاّ صوراً لتلك الفونيمات أو ألوفونات Allophones لها، وهو ما يعد فهماً مبكراً لطبيعة الصوت اللغوي عند اللغويين العرب بعامة وعند ابن جنّي بخاصة. ولم يقتصر الدرس الصوتي عند العرب على اللغويين فقط، بل شارك في هذه الدراسات علماء التجويد وعلماء البلاغة وغيرهم.
... قدم العرب ملاحظات قيمة في مجال الدراسة الصوتية، يبدو ذلك واضحاً في ما خلفوه من دراسات شملت أصوات العربية كافة. ومن الأصوات التي حظيت بعناية فائقة عند العرب صوت الهاء، الذي ربما يصدر عن الإنسان لا لغرض الكلام بل بسبب إرهاق أو تعب، أو حالة نفسية معينة دون قصد من المتكلم، فهو اندفاع غزير للهواء في عملية تنفسيّة غير طبيعية ينتج عنها سماع صوت الهاء، يقول إبراهيم أنيس: "عند النطق بالهاء المجهورة يندفع من الرئتين كمية كبيرة من الهواء أكبر مما يندفع من الأصوات الأخرى، فيترتب عليه سماع صوت الحفيف مختلطاً بذبذبة الوترين الصوتيين (١٣) ". ومثل هذا الصوت نسمعه يصدر عن الحيوانات عند تعبها أو نصبها، ولعل هذا التشابه كان سبباً من الأسباب التي حدت بالباحث أن يدرس صوت الهاء.
شبه الهاء بأصوات اللين:
стр. 6250
تميزت الهاء بصفات صوتية خاصة جعلت منها صوت الهاء الذي يتصف بصفات الصوامت إلى جانب اتصافه بصافات تنطبق على الصوائت، ولابد في هذا الموضع من الحديث عن نوعين من الأصوات: الأصوات الصائتة، والأصوات الصامتة. فأما لأصوات الصائتة Vowels "فهي التي تصدر دون إعاقة لتيار النفس (١٤) ". إنها الأصوات التي ليس لها مكان نطق محدد، كما لا يحدث معها إغلاق أو تضييق لمجرى تيار الهواء (١٥) ". ويوضح محمود السعران الصوت الصائت فيقول: "إنه الصوت المجهور الذي يحدث في تكوينه أن يندفع الهواء في مجرى مستمر خلال الحلق والفم، وخلال الأنف معهما أحياناً دون أن يكون ثمة عائق (يعترض مجرى الهواء اعتراضاً تاماً) أو تضييق لمجرى الهواء من شأنه أن يحدث احتكاكاً مسموعاً، أما الصوت الصامت فهو الصوت الذي له نقطة نطق محددة وله ناطق وأي صوت لا يصدق عليه هذا التعريف يعد صوتاً صامتاً، أي أن الصامت هو المجهور أو المهموس الذي يحدث في نطقه أن يعترض مجرى الهواء اعتراضاً كاملاً أو اعتراضاً جزيئاً (١٦) " فالصوت الصامت Consonant إذاً هو الصوت الذي له نقطة نطق محددة، وله ناطق محدد، كما يحدث لتيار النفس عند نطقه نوع من الإعاقة أو الإغلاق ثم الانطلاق (١٧) ".
стр. 6251
وإذا حاولنا وضع صوت الهاء تحت الصوائت أو الصوامت لما أمكننا ذلك لأننا لا نستطيع أن نقول أنه من الصوائت في جميع حالات نطقه أو أنه من الصوامت مطلقاً، لأنه يجمع بين صفات الصوائت وصفات الصوامت حسب طريقة نطقه والظروف اللغوية التي ينطق بها، فقد يحدث عند نطقه أن يبقى الوتران الصوتيان ساكنين دون تحرك، وقد يصاحب هذا الوضع نوع من الحفيف يسمع في أقصى الحلق، وتتخذ أعضاء النطق في هذه الحالة وضعاً يشبه الذي يكون مع أصوات اللين، لأنه (صوت النفس الخالص الذي لا يلقى مروره اعتراضاً في الفم، وللسان أن يتخذ في نطق الهاء أي موضع من المواضع التي يتخذها في نطق "الصوائت"، ومن ثم فمن المستطاع نطق أنواع من الهاء قدر ما يستطيع نطقه من أنواع "الصوائت". ولذلك أمكن اعتبار أصوات الهاء "صوائت مهموسة"، أي صوائت يصحبها همس لا جهر (١٨) ". إنه صوت غير لساني، أي انه صوت لا يشترك اللسان في نطقه بصفته ناطقاً متحركاً (١٩) . فعلى هذا نجد أن صوت الهاء ليس له موضع نطق محدد كالأصوات الصامتة، بل يمكننا نطق هذا الصوت والإطالة في نطقه لأنه ليس إلاّ نفساً خارجاً من الرئتين. كما قال الخليل في قول الشاعر:
يُدَهْدِهْنَ الرُّؤوسَ كما تُدَهْدِي
حَزاوِرَةٌ بِأَيْديها الكُريناج
стр. 6252
قال "حوّل الهاء الآخرة ياء، لأن الياء أقرب الحروف شبهاً بالهاء، ألا ترى أن الياء مَدّ والهاء نفس (٢٠) ". وقد أشار سيبويه إلى هذا بقوله: (كما أن دهديت هي فيما زعم الخليل "دهدهت بمنزلة "دحرجت"، ولكنه أبدل الياء من الهاء لشبهها بها، وأنها في الخفاء والخفة نحوها (٢١) ". ويؤكد الخليل أن الهاء نَفَس فيقول: "الهمز صوت مهتوت في أقصى الحلق فإذا رُفِّه عن الهمز صار نفساً تحول إلى مخرج الهاء (٢٢) ". وقد وافقه ابن جني على هذا وأن الهاء ضعيفة خفّية فقال "ومن الحروف المهتوت وهو الهاء، لما فيه من الضعف والخفاء (٢٣) " ويستمر الخليل في تأكيد صفة الضعف لصوت الهاء فيقول "ولم يكن في الحروف أهش من الهاء لأن الهاء نَفَسُ (٢٤) ". والهش: كل شئ فيه رخاوة (٢٥) ".
الهاء صوت صامت:
... ومن هنا عُدَّ صوت الهاء ضمن الأصوات الصائتة. وإذا تتبعنا نطق هذا الصوت في جميع حالاته وجدنا أنه لم يستقر على صفات الصوائت فقط، بل اتصف كذلك بصفات خاصة بالأصوات الصامتة، إنه في بعض حالات نطقه يحدث تضييق لمجرى الهواء يُنْتِج تذبذب الوترين الصوتيين الذي يؤدي الى حدوث احتكاك Friction مسموع وهذه صفة من صفات الصوامت، فالهاء في هذه الحالة صوت صحيح لكنه "ألين الحروف الصحاح (٢٦) " وعند النطق بأصوات اللين يندفع الهواء من الرئتين إلى الفم دون أن يعترضه أي اعتراض قد يضيّق مجراه فهو أكثر ليناً من الأصوات الرخوة التي يضيق مجرى الهواء عند نطقها.
إن عدم ثبوت هذا الصوت على صورة واحدة، وعدم اعتماده موضع نطق محدد، وعدم ثبات الوترين الصوتيين من حيث التذبذب وعدمه عند نطقه أَدّى إلى اتصاف هذا الصوت بصفات متباينة، أدى إلى ظهور صور متعددة منه وأنواع مختلفة له، شكلت مجتمعة ظاهرة صوتية معينة جديرة بالدراسة والتحليل.
стр. 6253
وقد تباينت آراء العلماء قديماً وحديثاً حول صوت الهاء من حيث موضع نطقه ومخرجه مما ترتب عليه اختلاف صفات هذا الصوت وخصائصه، فقد ذهب معظم العلماء في العصر الحديث إلى اعتبار الهاء "صوت صامت مهموس حنجري احتكاكي (٢٧) ". وقد بينا من قبل كيف اعتبر صوت الهاء من الصوامت ذلك لأنه في حال نطقه يُعْتَرَضُ مجرى الهواء في الفم. وهو صوت مهموس لأنه حال نطقه تكون فتحة المزمار في حالة انفتاح يترتب عليه عدم تلاقي الوترين الصوتيين أو اهتزازهما. فالنفس يجري بسرعة ودون أية إعاقة عند نطق الصوت المهموس الذي هو "حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه، وأنت تعتبر ذلك بأنه قد يمكنك تكرير الحرف مع جري الصوت نحو: سَسَسَس، كَكَكَك، هَهَهَه، ولو تكلفت مثل ذلك في المجهور لما أمكنك، لأن المجهور حرف أشبع الاعتماد من موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت (٢٨) " والمقصود بالاعتماد هنا الضغط (٢٩) أي الوضوح والقوة Sonority. فالأصوات المهموسة هي التي تتردد في اللسان بنفسها أو بحرف اللين الذي معها، ولا يمتنع الصوت الذي يخرج معها وليس من الصدر (٣٠) . من هذا النص ندرك أن صوت الهاء يمتاز عن غيره من أصوات العربية في أنه ليس له موضع نطق واضح محدد، فقد يكون مهموساً في موضع معين، وربما تحول إلى صوت مجهور (٣١) في موضع آخر، وبرصد هذا الصوت تبين أنه يتردد بين الهمس والجهر وهي صفة لا يشاركه فيها غيره من أصوات العربية، وهذه الذبذبة ربما كانت السبب في عدم اتفاق علماء الأصوات – قدماء ومحدثين – ومقدرتهم على تحديد موضع معين لنطق هذا الصوت. وقد أوضح الخليل معنى الهمس فقال: "الهمس حسّ الصوت في الفم مما لا إشراب له من صوت الصدر، ولاجهارة في المنطق ولكنه مهموس في الفم كالسر (٣٢) " فالهمس كما فهمه الخليل إخفاء الصوت وعدم ظهوره أثناء مروره بالفم، وسلامته من أي إشباع أو ضغط مما يجعله ضعيفاً غير
стр. 6254
ظاهر، أي أن الهواء المكوِّن للصوت المهموس يخرج دون أي احتكاك قد ينتج عنه ذبذبة للأوتار الصوتية.
والصفة الثانية من صفات الهاء، أنه صوت حنجري Laryngeal أي أنه صوت مكان نطقه الحنجرة (٣٣) . وقد ذهب الخليل إلى أن مخرج الهاء من الحلق وليس من الحنجرة فقال: "وأما مخرج العين والحاء والهاء والخاء والغين فالحلق (٣٤) " ولم يحدد الجزء من الحلق الذي يخرج منه هذا الصوت، وهو ما فعله كارل بروكلمان في العصر الحديث الذي اكتفى بالقول أن صوت الهاء من الأصوات الحلقية (٣٥) . أما سيبويه فذهب إلى أنه من أقصى الحلق فقال: "ولحروف العربية ستة عشر مخرجاً، فللحلق منها ثلاثة: فأقصاها مخرجاً الهمزة والهاء والألف (٣٦) " وقد وافقه على هذا الرأي في العصر الحديث جان كانتينو الذي أكَّد أن "أقصى الحلق هو مخرج الهمزة والهاء والألف (٣٧) " وأوضح المراد بالحروف الأقصى حلقية Pharyngeals بأنها "التي تقرع في أقصى الحلق، أو بالأحرى في رأس قصبة الرئة وهو قادر على الانفتاح أو الانغلاق، نحو: الهمزة والهاء (٣٨) ". أما ابن يعيش فقد اعتبر أن مخرج الهاء هو أول الحلق وليس أقصاه كما ذهب سيبويه وغيره فقال: "الحاء من وسط الحلق والهاء من أوله وليس بينهما إلاّ العين (٣٩) ".
стр. 6255
نرى أن القدماء اعتبروا مخرج الهاء من الحلق، ولم يشيروا أية إشارة إلى الحنجرة في هذا المقام، وهذا يخالف كثيراً من علماء العصر الحديث الذين يذهبون إلى أن مخرج الهاء هو الحنجرة. وربما كان السبب في هذا أن القدماء لم يستطيعوا ان يحددوا الحلق – وهو الجزء الواقع بين الحنجرة والفم – تحديداً دقيقاً فاتسع هذا الجزء ليشمل الحنجرة. وهم معذورون في هذا باعتمادهم في دراساتهم على الملاحظة الذاتية، ولم يتوفر لديهم ما توفر لعلماء العصر من معدات وأجهزة قادرة على تحديد كل جزء من أجزاء الجهاز النطقي. ويبرر كمال بشر هذا القصور من القدماء بأنه إما أن يكون راجعاً لعدم استطاعتهم التفريق بين مخارج الأصوات، وإما لأنهم اعتبروا الحنجرة ضمن الحلق (٤٠) . ومهما يكون من أمر فإن عدداً من العلماء في العصر الحديث – بما يملكون من وسائل وأجهزة علمية متطورة – قد خفي عليهم ما خفي على قدمائنا، وعدوا مخرج الهاء من الحلق كما فعل القدماء (٤١) .
стр. 6256
والصفة الأخرى من صفات هذا الصوت أنه صوت احتكاكي Fricative وهو الصوت الذي يحدث في نطقه اعتراض لمجرى الهواء يؤدي إلى تضييقه دون أن ينحبس ذلك الهواء حبساً محكماً، ويحدث مع هذه الحالة نوع من الحفيف أو الصفير ناتج عن احتكاك تيار الهواء بجدران الممرات الصوتية، وهذا الصوت هو ما عرف عند القدماء بالصوت الرخو (٤٢) ، وقد وضح ابن جني معنى الرخو فقال: "والصوت الرخو هو الذي يجري فيه الصوت، ألا ترى أنك تقول: المسّ والرّشّ والشّحّ ونحو ذلك فتمد الصوت جاريا مع السين والشين والحاء (٤٣) ". إنه الصوت الذي يجري النفس فيه من غير تردد وهو صوت من الصدر (٤٤) . ويعده ابن جني من الأصوات المنخفضة في مقابل الأصوات المستعلية (٤٥) ، والاستعلاء هو ارتفاع اللسان إلى الحنك (٤٦) . إضافة إلى ذلك فقد ذكر كانتينو أن بعض المؤلفين المتأخرين في الزمن يضيفون الهاء والعين إلى الحروف المستعلية (٤٧) . وما ذكره كانتينو هنا يغاير الحقيقة ويخالف طبيعة نطق الهاء، إذ أن نطق الهاء يتم واللسان في قاع الفم ولا يرتفع إلى الحنك بشكل من الأشكال، كما أن كانتينو نفسه ذكر أن "الهاء من الأصوات الهاوية aspirees وهي الأصوات التي الانفتاح فيها أكبر ما يكون، أي التي ينفتح فيها جهاز التصويت انفتاحاً عادياً فيجري النفس جرياً (٤٨) " وهذا يعني أن اللسان حال نطق هذا الصوت لا يتحرك ولا يشترك في نطقه لأن الهاء "صوت غير لساني أي أنه صوت لا يشترك اللسان في نطقه بصفته ناطقاً متحركاً (٤٩) ". وقد اعتبره محمد الخولي صوتاً موشوشاً whispered voice والصوت الموشوش هو الصوت الناتج عن تضييق لفتحة المزمار وتقارب للوترين الصوتيين، ويصاحب ذلك اندفاع كبير للهواء الخارج من الرئتين، كل ذلك يؤدي إلى ذبذبة للوترين الصوتيين يصاحبها حفيف مسموع وفي أثناء هذه العملية النطقية "تصبح الأصوات المجهورة موشوشة أما المهموسة فتبقى كما هي (٥٠) "، وهذا ما جعل بعض العلماء في
стр. 6257
العصر الحديث يعدون صوت الهاء ضمن الأصوات المجهورة (٥١) . وتحوله أحياناً إلى صوت مجهور عند استعماله كما يذكر تمام حسان يدخل في نطاق علم الأصوات السلوكي (٥٢) .
هكذا نرى أن صوت الهاء لضعفه وخفته وسهولة نطقه ظهرت له عدة صفات نطقية خفيت على عدد من العلماء في القديم والحديث وأوقعتهم في حيرة من أمر هذا الصوت، ولم يتمكنوا من تحديد مواضع نطقه بدقة تامة، ترتب على ذلك تباين آرائهم وتعارضها بالنسبة لهذا الصوت.
وقد ظهرت الهاء بصفات متباينة وفي مواقع مختلفة، أطلق على كل وضع منها اسماً خاصاً وهذه الصفات والأسماء هي:
هاء الوقف أو السكت أو الاستراحة:
وهي الهاء التي تلحق أواخر بعض الكلمات عند الوقف عليها، وعزا العلماء ظهور هذه الهاء في نهاية تلك الكلمات لغرض تبين وإظهار صوت المد الذي في نهاية الكلمة. ويمكن تعليل ظهور هذه الهاء بأنها امتداد للصوت الخارج من الرئتين، الذي يكون الإنسان قد حشده للنطق، وبعد انتهاء النطق المطلوب يزفر الناطق ما تبقي من ذلك الهواء الذي احتشد في الفم فيسمع صوت الهاء الذي هو نفس.
وقد تحدث سيبويه عن الوقف بهاء السكت في مواضع كثيرة نوجزها فيما يلي:
في الفعل الأمر الذي بقي على حرف واحد فلا يستطاع أن يُتَكلَّم به في الوقف وذلك قولك: عِهْ وشِهْ، وكذلك جميع ما كان من باب وعي يعي، فإذا وصلت قلت: عِ حديثاً، وشِ ثوباً (٥٣)
آخر الفعل المعتل في حال الجزم نحو: ارْمِهْ، ولم يَغْزُهْ (٥٤) .
في المضارع الذي بقي على حرف واحد، نحو: لاَتقِهْ من وَقَيْتُ، وإن تَعِ أَعِهْ، ومن وَعَيْتْ (٥٥) .
نون الاثنين والجمع، مثل: هما ضارِبانِهْ، وهم مُسْلمِوُنَهْ، وهُنَّهْ، وضَرَبْتُنَّهْ (٥٦) .
في بعض الظروف مثل: أين وثم، يقال: أَيْنَهْ، وثَمّهْ (٥٧) .
في اسم الفعل هَلمَّ، يقال: هَلُمَّهْ ومنه قول الشاعر: يا أَيُّها النَّاسُ أَلاَ هَلُمَّهْ (٥٨) .
стр. 6258
في الحرف "إن" الذي بمعنى "نعم" أو "أجل" يقال: إنه. ومنه قول الشاعر:
ويَقُلْنَ شَيْبُ قد عَلاك وقد كَبِرتَ فقلتُ إِنَّهْ. (٥٩)
في كيف، وليت، ولعل، يقال: كَيْفَهْ، ولَيْتَهْ، ولَعَّلَهْ. (٦٠)
في تاء المتكلم، نحو انطلقت، يقولون: انْطَلَقْتُهْ. (٦١)
في ياء المتكلم في مثل: هذا غُلامِيَهْ، وجاء من بَعْدِيَهْ وإنه ضَرَبَنِيَه (٦٢) .ومنه قوله تعالى: (ياليتني لم أوتَ كِتابِيَهْ، ولم أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ((الحاقة ٢٥) وقوله تعالى: (ما أغنى عني مالِيَهْ هَلَكَ عني سُلْطانِيَهْ ((الحاقة ٢٨، ٢٩) .
في بعض الضمائر المنفصلة نحو: هي، وهو، يقال: هِيَهْ وهُوَهْ (٦٣) ومنه قوله تعالى (وما أدراك ماهِيَهْ ((القارعة ١٠) . ومنه كذلك قول الشاعر: فما أَنْ يُقالُ له مَنْ هُوَهْ. (٦٤) .
ضمير المخاطب، نحو: خذه بحُكْمِكَهْ (٦٥) .
الهاء التي تلزم "طلحة" في أكثر كلامهم في النداء (٦٦) .
ميم الاستفهام إذا سبقت بحرف جر وحذفت ألفها، مثل: عَلامَهْ، وفِيْمَهْ، ولِمَهْ، وبِمَهْ، وحَتَّامَهْ (٦٧)
في بعض أسماء الإشارة نحو: هؤُلاء، ههُنا، يقال: هؤُلاه، وههُناهْ (٦٨)
في الألف التي في النداء، والألف والواو والياء في الندبة نحو: ياغُلاَماهْ، ووازَيْداه وواغُلاَمهُوهْ، وواذَهابَ غُلامِهِيهْ (٦٩) .
هذا مجمل المواضع التي ذكر سيبوبه أن الهاء فيها تأتي للوقف. وقد جاءت الهاء في مثل هذه المواقع لتفيد أغراضاً أخرى إلى جانب إفادتها الوقف أو السكت. وقد أطلق عليها كذلك هاء الاستراحة، فهل حقاً أن هذه الهاء يقصد بها المتكلم العربي الاستراحة من عناء الحديث، أو استراحة أعضاء النطق التي قد أرهقت من كثرة الكلام؟ وقد رويت لنا شواهد لغوية كثيرة في هذا المجال قديماً، ولا تزال هذه الهاء مستخدمة عند المحدثين، نجد مثل هذه الهاء في قصيدة إبراهيم طوقان "الحمائم البيضاء" التي يقول فيها:
стр. 6259
بِيضُ الحَمائمِ حَسْبَهُنَّهْ
أَني أُرَدِدُ سَجْعَهُنَّهْ
رَمْزُ السَّلاَمةِ وَالوَداعَةِ
مُنْذُ بَدءِ الخَلّْقِ هُنَّهْ
وَيَمِلْنَ والأَغْصانُ ما
خَطَرَ النَّسيمُ بِرَوْضِهِنَّهْ (٧٠)
... كما نسمع مثل هذه الهاء في بعض اللهجات العربية المعاصرة كما في الأردن وفلسطين فعند السؤال عن شئ معين تقول: "كيفه" ونقول كذلك: هذا كتابيه. وإذا حاولنا تفسير شيئاً من هذه الهاء صويتاً أمكن القول أن المتكلم يطلقها دون قصد منه، إذ أنه قد حشد كيمة من الهواء لغرض نطق كلمة أو جملة معينة، وبطريقة معينة من النبر أو التنغيم وتنتهي هذه الكلمة أو تلك الجملة ولازال قسم من ذلك الهواء يجري في الفم ولابد من خروجه، فتخرج أشبه ما تكون بزفرة نسميها "هاء" وهي ما لم يكن المتكلم يقصدها.
стр. 6260
كما يمكننا القول إن الهاء التي قد تلحق بعض الأسماء لغرض الوقف أو الاستراحة كما قال النحاة وعلماء الأصوات – إنما هي تابعة لنفسية المتكلم، وتنبىء عن حالة معينة يعيشها، ونفسية خاصة انعكست بداخلها تلك الحالة التي يعيشها والأحاسيس التي يحس بها، ففي مثل قوله تعالى: (وأَمّامَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمالِهِ فيقولُ يا لَيْتَني لَمْ أُوتَ كتابِيَهْ، ولم أَدرِ ما حِسابِيَهْ، يا ليتها كانت القاضيةَ ما أَغْنى عنّي مالِيَهْ هَلكَ عنّي سُلطانِيَهْ ((الحاقة ٢٥، ٢٩) . فهذه الآيات جاءت صياغتها على لسان من رفض الإيمان بالله، وأنكر البعث والحساب، وعند بعثه، ومشاهدته ليوم الحشر عياناً، ورؤيته هول ذلك اليوم، أسقط في يده وعجز عن الدفاع عن نفسه ولو بكلمة واحدة، أيقن أن العذاب محيط به، وأنه هالك لا محالة، وإن كل ما كان يعتز به في دنياه قد ذهب عنه، فلم يبق له مال ولاجاه، وأن لانجاة له، ولابد من مواجهة مصيره المحتوم وهو الخلود في نار جهنّم. فانطلقت تلك العبارات على لسانه في عتاب للنفس بصوت حزين متهدج ونبرة محشرجة، لقد أحسّ بالتعب والعجز، إنه منهار تماماً أمام الهول العظيم الذي يراه والمصيبة الكبرى التي أوقع نفسه فيها، فبدا وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، نادماً على مافات بعد أن أيقن العذاب، فسمعت تلك الزفرات التي انتهت بها جمله وكأنه صوت الهاء. فهو لا يقصد نطق الهاء، وأن ما سمع وكأنه هاء ليس إلاّ اندفاع الهواء في سرعة واضطراب تناسب خفقات قلبه المنهار. ولو كان هذا الرجل في حالة نفسية مستقرة، ووضع طبيعي يبشر بالخير لاختلف حديثه واختلفت نبراته وسمعت كلماته بصورة أخرى تغاير الصورة التي سمعت بها.
стр. 6261
وفي حالة الفعل المعتل المجزوم، فإن الهاء قد لحقت ذلك الفعل لأنه قد نقص عن أصله بحذف آخره الذي هو صوت اللين، ولذلك فإن التأهب المعدّ سابقاً لنطق ذلك الفعل كاملاً قد زاد عن الحاجة بعد حذف آخر ذلك الفعل، فخرج ما تبقى من الهواء وسمع هاء.
ويمكن تعميم هذا الأمر على ميم الاستفهام المسبوقة بحرف جر، وكذلك "إن" الذي بمعنى نعم، فقد وُقف على النون التي آخرها فتحة فامتد النفس فسمع هاء كما أشار الى ذلك إبراهيم أنيس (٧١) . وقد يوقف على ضمير المتكلم المفرد بالهاء كذلك. قال المالقي في حديثه عن الهاء المبدلة من الأصل "أن تكون بدلاً من ألف الوقف في "أنا" إذا وقفت عليه قلت: أنا أو أَنَهْ حكي من قولهم "هذا قصدي أَنَهْ" وإنما جعلناها بدلاً من الألف، لأن الألف في "أنا" أكثر استعمالاً من الهاء (٧٢) ". وقد اعتبر الفراء هذا الوقف لغة جيدة فقال: "ومن العرب من يقول إذا وقف: أَنَهْ، وهي في لغة جيدة. وهي عليا تميم وسفلى قيس (٧٣) ". وقد يرى الباحث أن الهاء في "إنَّه" بقية من ضمير الغائب المفرد، أي أن أصل الكلمة هو "إنّ هو" أسقطت الواو فبقيت الهاء فاتصلت بما قبلها، ولعل ضمائر الغائب الموصولة تأتي تحت هذا النوع مثل: له "ل + هو" كتابه " "كتاب + هو" وهكذا، كما أنه يمكن اعتبار الأسماء والظروف والحروف التي تلحقها هاء السكت من هذا القبيل، ففي قولنا: أَيْنَه، ولَيْتَه، وكَيْفَه،، تكون: أين + هو، وكيف + هو، وليت + هو. أسقطت الواو وبقيت الهاء فاتصلت بهذه الكلمات وأمثالها فسمعت أَيْنَهُ ولَيْتَهُ وكَيْفَهُ. ولا نزال نسمع مثل هذا في بعض لهجات بلاد الشام إذ يقولون: كِيْفُهْ، ولَيْتُهْ، وما أشبه ذلك يريدون: كيف هو، وليت هو. وهو ما ذكره ابن منظور بقوله: "بنو أسد تسكِّن هِي وهُو فيقولون هُو زيد وهي هند، كأنهم حذفوا المتحرك، وهي قالته وهُو قاله وأنشد:
стр. 6262
وكُنَّا إذا ما كانَ يَوْمُ كَرِيهةٍ
فَقَدْ عَلِمُوْا أَنَّي وهُو فَتَيانِ
فأسكن. ويقال: ماهُ قاله وماهِ قالته يريدون: ماهُوَ وماهِيَ. وأنشد: دارُ لِسَلْمَى إذْهِ مِنْ هَو اكا. فحذف ياء هي (٧٤)
وقد ذهب علماؤنا إلى أن الهاء في مثل هذه المواقع تأتي للتبيين، وأنها تسقط عند وصل الكلام، قال ابن يعيش: "واعلم أنه قد يؤتي بهذه الهاء لبيان حروف المدّ واللين، كما يؤتي بها لبيان الحركات، نحو: وازيداه، وواعمراه، وواغلا مهموه، ووانقطاع ظَهْرِهْيِه (٧٥) ". ولعل السبب الذي دعاهم إلى هذا القول هو أن الإنسان عندما ينطق بالصائت يندفع الهواء بسرعة دون أي تضييق أو إعاقة لمجراه، فإذا نطق بصوت الهاء بعد ذلك – أي بعد حرف اللين – كان ذلك إراحة للنفس من الامتداد الى ما لانهاية لأن النطق بالهاء يمكنه من أن يضيق مجرى الهواء تضييقاً ينتج عنه حفيف أو احتكاك، ويصاحب ذلك إراحة للإنسان من استمرارية امتداد النفس مع حرف اللين. لكن كيف يمكن أن نبرر عدم لحاق الهاء في لغة من ينتظر الذين يقولون: جاء خالدو ومررت بخالدي، فلا يلحقون الهاء هنا لبيان حرفيّ المدّ الواو والياء اللذين جاءا في نهاية الكلمة ولم يكن وصل في الكلام؟ .
وكذلك الهاء اللاحقة لبعض الضمائر المنفصلة، كما في هِيَهْ وهُوَهْ، كما في قوله تعالى: (وما أدراك ماهِيَه ((القارعة ١٠) ، وفي قول حسان بن ثابت:
إذا ما تَرَعْرَعَ فينا الغُلامُ
فما أَنْ يُقالُ لَهْ مَنْ هُوَهْ (٧٦)
стр. 6263
وقد أشار سيبويه إلى ذلك بقوله: "وقالوا هِيَهْ، وهم يريدون "هِيَ" شبهوها بياء "بَعْدِي". وقالوا "هُوَهْ" لما كانت الواو لا تصرَّف للإعراب، كرهوا أن يلزموها الإسكان في الوقف فجعلوها بمنزلة الياء، كما جعلوا "كيفه" "بمنزلة" "مسلمونه". ومثل ذلك قولهم: خُذْهُ بحُكمِكَهْ. وجميع هذا في الوصل بمنزلة الأول. ومن لم يلحق هنا الهاء في الوقف لم يلحقها هنا. وقد استعملوا في شيء من هذا الألف في الوقف، كما استعملوا الهاء، لأن الهاء أقرب المخارج إلى الألف وهي شبيهة بها (٧٧) ". فليست الهاء وحدها التي تلحق في مثل هذه الواقع بل إن العرب قد استعملوا الألف في الوقف، بل إن كلام سيبويه السابق يشير إلى أن الأصل في الإلحاق للألف، واستخدمت الهاء في ذلك لشبهها بالألف ولقرب مخرجها من مخرج الألف. وإذا كانت الهاء في مثل المواضع السابقة هاء سكت زيدت من أجل تبيين الحركة التي قبلها، أي حركة آخر الكلمة التي تم الوقف عليها، فلم لم تطرد هذه الزيادة في كل المواضع من أجل تبيين الحركة؟ ولماذا استُعيض عنها في حالات أخرى بالالف؟ أليست الألف إطالة لحركة الفتحة وتبييناً لها؟ وإذا كان الغرض من زيادة الهاء في مثل هذه الواضع هو التبيين فقط، فلم لا يقتصر هذا الأمر عليها دون الألف في كل الحالات المشابهة؟
إن ظهور هذه الهاء في بعض المواضع قد يكون ناتجاً عن الحالة النفسية للمتكلم التي تنعكس في نطقه، ويمكن القول أن هذه الهاء تلحق مثل هذه الضمائر "هوه، هيه" عندما يكون المتكلم في نفسية متوترة وتغلب عليه العصبية والاضطراب. ومعلوم أن هذا التوتر والاضطراب يفرض على الشخص تتابع النفس بقوة وشدة، وذلك التتابع القوي يسمع على شكل صوت الهاء في نهاية الكلام، وأن المتكلم لا يقصد إلى نطق الهاء هنا، بل سُمع النفس القوي هاء دون قصد. وقد نسمع هذه الهاء في مثل هذه الحالة من التوتر والاضطراب مع الأصوات الصامتة أيضاً.
стр. 6264
أما هاء الندبة التي تلحق آخر الاسم المندوب، فهي كذلك تنتج عن كمية الهواء المندفع من الرئتين، فالنادب الذي فقد عزيزاً عليه، متألم أشد الألم تعتصره الحسرة على فقدان ذلك العزيز، فهو يعاني من التعب والنصب، إنه مرهق منهار القوى، أنفاسه متلاحقة، فإذا ما صرخ باسم المندوب مع مابه من انفعال شديد وحرقة مؤلمة، فإنه ينطق الاسم ويمتد نفسه بألف الندبة إلى أن يصبح غير قادر على متابعة استمرارية الهواء المندفع من رئتيه فيلفظه دفعة واحدة فيسمع هاء. وقد ذهب العلماء إلى القول بأن هذه الهاء تأتي لبيان ألف الندبة وتكون مع الوقف، وتحذف مع الوصل. إلاّ أن ورود هذه الهاء لم يقتصر على الوقف فقط، فقد سمعت كذلك في حالة الوصل، كقول الشاعر:
يامَرْحَباهُ بحمارِ ناجِيهْ
كما وردت في قول امرىء القيس:
وقَدْ رابَني قَوْلُها ياهَنا
هـ وَيْحَكَ أَلَحَقْتَ شَرَّاً بِشَرّْ
وقد جعل إلحاق الهاء في الموضعين السابقين على الضرورة الشعرية (٧٨) .
وليس إلحاق الهاء أمراً حتمياً في كثير من المواقف، فقد لا تلحق في الوقف ولا يراد بها تبين شيء. وقد أشار سيبويه إلى ذلك بعد أن تحدث عن المواضع التي تلحق فيها الهاء لتبين الحركة فقال: "وغير هؤلاء من العرب، وهم كثير، لا يلحقون الهاء في الوقف ولا يبِّينون الحركة، لأنهم لم يحذفوا شيئاً يلزم هذا الاسم في كلامهم في هذا الوضع، كما فعلوا ذلك في بنات الياء والواو (٧٩) ". لذا يمكن القول أن إلحاق الهاء هنا يمثل لغة القلة من العرب، فأكثرهم لا يلحقونها.
стр. 6265
أما الهاء التي تلزم "طلحة" في أكثر كلامهم في النداء إذا وقفت (٨٠) ، فإن وجود الهاء في نهاية مثل هذه الكلمة "طلحة" عند الوقف لا يدل على إلحاق الهاء هنا لتكون هاء سكت، بل إن ما يحدث في مثل هذه الحلة هو حذف الحرف الأخير من الكلمة الذي يترتب عليه امتداد النفس حين الوقوف على صوت المدّ أو صوت اللين، وهذا النفس يسمع هاء، مما جعل القدماء يعتبرون أن مثل هذه الكلمات حين الوقوف عليها يوقف عليها بهاء السكت، ولعل هذه الهاء "وسيلة لإغلاق المقطع (٨١) ". قال ابن يعيش: "متى كان آخر الاسم تاء تأنيث من نحو طلحة وحمزة وقائمة وقاعدة، كان الوقف عليه بالهاء، فتقول: "هذا طلحه، وهذا حمزه" وكذلك قائمة وقاعدة، وذلك في الرفع والنصب والجر، والذي يدل على أن الهاء بدل التاء، أنها تصير تاء في الوصل، والوصل مما ترجع فيه الأشياء إلى أصولها، والوقف من مواضع التغيير (٨٢) ". ولا نعدم أن نجد عكس ذلك، فنجد أن من العرب من يقف على هذه التاء بالتاء كما هي، وهو ما أشار إليه النحاة بإجراء الوقف مجرى الوصل، قال ابن يعيش "إن من العرب من يجري الوقف مجرى الوصل، فيقول في الوقف: هذا طلحت، وهي لغة فاشية حكاها أبو الخطاب، ومنه قولهم، وعليه السلام والرحمت، وقول الشاعر:
بل جوز تيهاء كظهر الجحفت.
وقول الآخر.
اللهُ نَجّاكَ بِكَفَّيْ مَسْلِمَتْ
مِنْ بَعْدِما وَبَعْدِما وَبَعْدِمِتْ
صارَتْ نفوسُ القومِ عِندْ الغَلّْصَمَتْ
وكادَتْ الحُرَّةُ أَنْ تُدعى أُمَتْ (٨٣)
стр. 6266
من هنا يمكن القول أن هذه "الهاء" التي تنطق حينا بالتاء، وحيناً آخر بالهاء، والتي ذهب علماؤنا القدماء أنها تبدل من التاء عند الوقف. ويمكن القول أن السبب في كل هذا اختلاف لهجي؛ يؤكد صحة هذا الفرض وجود بعض القبائل كقبيلة طيء يقلب التاء هاء في جمع المؤنث السالم. فقد روي عنهم أنهم يقولون: دفن البناه من المكرماه، وكيف الأخوة والأخواه" وقد جاءت بدلاً من تاء التانيث في الحرف شاذاً، قالوا: لاه (٨٤) ". وربما كانت هذه الظاهرة سمة من سمات اللهجات البدوية التي تهتم بسرعة الأداء وكل ما يمكنها من ذلك. يؤكد ذلك ما رواه أبو زيد في نوادره فقال: "سمعت أعرابياً من أهل العالية يقول هوَ لَكَهْ وعَلَيْكَهْ يريد هو لك وعليك، وجعل الله البركة في دارِكَهْ هذا في الوقف ويلقيها في الأدراج، وسمعت نميرياً يقول ما أحسن وجهكَهْ في الوقف، وما أكرم حسبكَهْ في الوقف ويطرحها في الإدراج (٨٥) ". من كل ما سبق يمكن القول "أن الوقف بهاء السكت من سمات اللهجات البدوية، ولا تزال هذه الظاهرة مستمرة في لهجات أهل اليمن، إذ يقولون: "لمه؟ " يريدون لماذا؟ و "علامه؟ " يريدون على ماذا؟ و "هُنَّهْ" يريدون "هُنَّ (٨٦) ". أما إبراهيم أنيس فقد رأى أن هذه الظاهرة ناتجة عن استمرار الهواء في النطق فقال: "ليست هذه الظاهرة في الحقيقة قلب صوت إلى آخر، بل هي حذف الآخر من الكلمة، وماظنه القدماء "هاء" متطرفة هو في الواقع امتداد في النفس حين الوقوف على صوت اللين الطويل، أو كما يسمى عند القدماء ألف المدّ وهي نفس الظاهرة التي شاعت في الأسماء المؤنثة المفردة التي تنتهي بما يسمى بالتاء المربوطة، فليس يوقف عليها بالهاء كما ظن النحاة، بل يحذف آخرها، ويمتد التنفس بما قبلها من صوت لين قصير "الفتحة" فيخيل السامع أنها تنتهي بالهاء (٨٧) ".
стр. 6267
ومع كل ما تقدم، وسواء أكانت هذه الهاء ناتجة عن حذف آخر الكلمة كما ذهب إبراهيم أنيس أم أنها وسيلة لإغلاق المقطع كما أشار عبد الصبور شاهين، أم أنها ناتجة عن سرعة الأداء والحرص عليها في اللهجات البدوية، ورغم كل ما سبق، فإننا لا نعدم أن نجد في اللهجات العربية القديمة عكس ذلك أيضاً.
إبدال الهاء:
ومن الخصائص الصوتية للهاء ظاهرة الإبدال، وهي إبدال الهاء من غيرها وإبدال غيرها منها أي إحلالها محل صوت آخر، وإحلال صوت محلها. وهذه الظاهرة ليست خاصة بالهاء دون غيرها، بل تشترك فيها معظم أصوات العربية. قال ابن فارس: "من سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض (٨٨) " وهذا الحكم يكاد يكون عاماً في الأصوات العربية "فقلما نجد حرفاً إلاّ وقد جاء فيه البدل ولو نادراً (٨٩) "، وهذه الظاهرة ناتجة عن اختلاف اللهجات العربية، إذ لم يصل إلينا أن قبيلة واحدة أبدلت صوتاً من صوت آخر هكذا دونما سبب. قال أبو الطيب اللغوي: "ليس المراد بالإبدال أن العرب تتعمد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغات مختلفة لمعان متفقة، تتقارب اللفظتان في لغتين لمعنى واحد، حتى لا يختلفا إلاّ في حرف واحد، والدليل على ذلك أن قبيلة واحدة لا تتكلم بكلمة طوراً مهموزة، وطوراً غير مهموزة، لا بالصاد مرة وبالسين أخرى، وكذلك إبدال لام التعريف ميماً، والهمزة المصدرة عيناً، كقولهم في نحو: أَنْ عَنْ، لاتشترك العرب في شيء من ذلك، إنما يقول هذا قوم وذاك آخرون ... (٩٠) . ولعل السبب في ظهور ظاهرة الإبدال هذه في العربية هو أن الرواة والعلماء الذين جمعوا العربية لم يقصروا جمعهم لها على قبيلة واحدة، بل جمعوها من قبائل عدة، وكانوا حريصين كل الحرص على عدم التفريط بأي لفظ من الألفاظ، لإيمانهم بقدسية العربية، وقناعتهم بوجوب المحافظة على كل ألفاظها.
стр. 6268
وأصوات العربية ليست متساوية في إبدالها فمنها ما يقلّ إبداله ومنها ما يكثر، وأكثر الأصوات إبدالاً أحد عشر صوتاً هي: الهمزة، والألف، والياء، والواو، والميم، والنون، والتاء، والهاء، والطاء، والدال، والجيم (٩١) ، وزاد القالي الميم (٩٢) .
وإذا حاولنا استقصاء المواضع التي تبدل فيها الهاء، وحصر الحروف التي تبدل منها وجدناها خمسة أحرف هي: الهمزة والألف، والياء، والواو، والتاء (٩٣) . فهي تبدل من الهمزة أصلية أو زائدة، فتبدل الهمزة عنها في "ماء"، وأصله "مَوَه" لقولهم "أمواه" فقلبت الواو ألفاً، وقلبت الهاء همزة فصار "ماء" وقالوا في الجمع "أمواء" فهذه الهمزة أيضاً بدل من هاء "أمواه (٩٤) ". ومن ذلك قولهم "آل" التي أصلها "أهل" ثم أبدلت الهاء همزة، فصارت "أَأَْل" فلما توالت همزتان أبدلوا الثانية ألفاً فقالوا "آل (٩٥) ". ومن إبدال الهمزة هاء: أيا وهيا، وإيّاك وهيّاك، واتمأَلّ السنام واتمهلَّ إذا انتصب، وأرحت دابتي وهرحتها، وأبزت له وهبزت، وأرقت الماء وهرقته (٩٦) ". وحكي اللحياني: هَرَدْتُ الشيء أُهَرِيدُهُ، أي أردته (٩٧) .
قال الراجز:
يا خالِ هَلاّ قُلْتَ إذ أَعْطَيْتَنِي
هَيّاكَ هَيّاكَ وحَنواءَ العُنُقْ (٩٨)
كما تبدل الهاء من همزة "أن"، قالوا: "لهنّك قائم "والأصل "لأنّك" قال الشاعر:
ألا ياسنا بَرقٍ على قُلَلِ الحِمَى
لِهَنَّكَ من بَرْقٍ عليَّ كريمُ
وطيىء تقول: هِنْ فعلت فعلتُ، يريدون "إنْ (٩٩) " ولعل هذه الرواية تؤكد أن الإبدال ناتج عن اختلاف اللهجات العربية.
стр. 6269
وقال بعضهم في "هات يا رجل" أن الهاء بدل من همزة أتى يؤتى، قال الخليل "المهاتاةُ: من قولك: هات، يقال: اشتقاقه من "هاتى يُهاتي" الهاء فيه أصلية، ويقال: بل الهاء في موضع قطع الألف من آتى يُؤاتي، ولكن العرب أماتوا كل شيء من فعلها إلاّ "هات" في الأمر، وقد جاء في الشعر. قوله: لله مايُعْطي وما يُهاتي" أي: يأخذ (١٠٠) ".
وتبدل همزة الاستفهام هاء، فيقولون: هزيد منطلق؟ أي: أزيد منطلق؟
قال الشاعر:
وأَتى صَواحِبُها فَقُلنَ: هَذا الذي
مَنَحَ المودةَ غيرَنا وجفانَا
يريد أذا الذي؟ (١٠١)
ونسب الأزهري هذا النوع من الإبدال إلى الحجازيين، فذكر أنهم يقولون: ها إنك زيد، ومعناه أَإنّك زيد، في الاستفهام (١٠٢) .
... والذي سوغ هذا الإبدال هو قرب مخرج الهاء من مخرج الهمزة، فكلاهما صوت حنجري إلاّ أنه عند نطق الهمزة ينطبق الوتران الصوتيان انطباقاً تاماً فلا يسمع للهواء بالنفاذ من الحنجرة بضغط الهواء فيما دون الحنجرة، ثم ينفرج الوتران فينفذ الهواء من بينهما فجأة محدثاً صوتاً انفجارياً (١٠٣) .
... وتبدل الألف هاء في الوقف، كقول الراجز:
قد وَرَدَتْ مِنْ أَمْكِنَهْ ... ... مِنْ ههَنا ومِنْ هُنَهْ
إن لمْ أُرَوِّها فَمَهْ
أي: من هنا. ومن ذلك أيضاً قولهم في الوقف على " أَنَ فعلتُ" أنا وأَنَهْ فالوجه أن تكون الهاء في "أَنَهْ" بدلاً من الألف في أنا (١٠٤) .
... وتبدل الياء هاء وذلك في قولهم "هذي هند": هذه، فالهاء في "هذه" بدل من ياء هذي (١٠٥) . وقال سيبويه: "إن دَهَديت هي فيما زعم الخليل بمنزلة دحرجت، ولكنه أبدل الياء من الهاء لشبهها بها، وأنها في الخفاء والخفة مثلها، فأبدلت كما أبدلت من الياء في "هذه" (١٠٦) ". ومن ذلك أيضاً إبدال ياء هنيّة هاء لتصبح هنيهة (١٠٧) .
كما تبدل الهاء عن الواو وكما في قول امرىء القيس:
وقد رابني قولها ياهنا
هـ ويحك ألحقت شراً بشر
стр. 6270
فالهاء الآخرة في "هناه" بدل من الواو في هنوك وهنوات. وكان أصله "هناو" فأبدلت الواو هاء، فقالوا: هَناه (١٠٨) . ولعل الذي سوغ مثل هذه الإبدالات هو "أن الهاء أقرب المخارج إلى الألف وهي شبيهة بها (١٠٩) ". و "لأن الياء أقرب الحروف شبهاً بالهاء، ألآترى أن الياء مَّدة والهاء نفس، ومن هنالك صار مجرى الياء والواو والألف والهاء في روي الشعر واحد (١١٠) ".
وتبدل الحاء هاء في مثل: كدحه وكدهه، وقحل جلده. وقهل: إذا يبس، والجَلَح والجَلَه: انحسار الشعر عن مقدمة الرأس، وحبش وهبش: أي جمع، وحقحق في السير وهقهق: إذا سار متعباً، وبُحْتُر وبُهْترُ: القصير... (١١١) .
وسوغ هذا النوع من الإبدال أن الحاء والهاء تتقاربان في المخارج، فالحاء صوت صامت مهموس حلقي احتكاكي، يحدث احتكاكه في الفراغ الحلقي أعلى الحنجرة إذ يضيق المجرى الهوائي في هذا الموضع (١١٢) .
وتبدل التاء هاء في الوقف، في نحو جوزة في الوصل جوزه في الوقف. وحكي قطرب عن طيىء أنهم يقولون: كيف البنون والبناه، وكيف الإخوة والأخواه. فأما التابوه فلغة في التابوت. ووقف بعضهم على اللات بالهاء فقال: اللاهْ (١١٣) .
وذكر السيوطي أن الخاء تبدل من الهاء مثل: اطرَخَمَّ واطرَهَمَّ، إذا كان طويلاً مشرفاً، وبخ بخ به به إذا تعجب من الشيء، وصخدته الشمس وصهدته إذا اشتد وقعها عليه (١١٤) .
وذكر ابن السكيت إبدال الباء من الهاء في البشاشة والهشاشة (١١٥) . وهذه الأنواع من الإبدال وقعت بين أصوات متباعدة المخارج، لأن الإبدال يقع بين الأصوات المتقاربة في الحّيز والمخرج، وبين المتباعدة أيضاً، والأول هو الأغلب حدوثاً (١١٦) . ومع التسليم بأن الإبدال قد يقع بين الأصوات المتباعدة في المخارج إلاّ أنه نادر جداً، وهذا ما ذكره ابن الصائغ بقوله: "قلّما تجد حرفاً إلاّ وقد جاء فيه البدل ولو نادراً (١١٧) ".
متى تكون الهاء حرف روي: