← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

رأى قدعا في عينها إذ يسوقها ... إلى غبْغب العزى فوسع في القسم (١) يقول: "معنى هذا البيت: الذم، وتشبيه هذا المهجو برأس بقرة قد قربت أن يذهب بصرها، فلا تصلح إلا للذبح والقسم" (٢) . وربما شرح السهيلي التشبيه شرحا لغويا بلا تحليل، كما في قول تميم بن أبي مقبل: (٣) فيه من الأخرج المِرباع قرقرة ... هدر الدّيافِيِّ وسط الهجمة البُخرُ قال: "يصف في هذا البيت حمار وحش يقول: فيه من الأخرج، وهو: الظليم الذي فيه بياض وسواد، أي فيه منه قرقرة، أي صوت، وهدر مثل هدر الديافي، أي: الفحل المنسوب إلى دياف، بلد بالشام، والهجمة من الإبل: دون المائة" (٤) . وقد تكرر هذا الصنيع من السهيلي في مواضع متعددة منها عند قول الجعدي: (٥) كأن الغبار الذي غادرت ... ... ضحيا دواخن من تنضب حيث قال السهيلي: "شبه الغبار بدخان التنضب لبياضه" (٦) . وكذلك عند قول عباس بن مرداس: *والأجربان: بنو عبس وذبيان* حيث قال: "سماهما بالأجربين، تشبيها بالأجرب الذي لا يقرب" (٧) . وأيضا عند قول مطرود بن كعب الخزاعي: (٨) يبكين شخصا طويل الباع ذا فَجَر ... آبي الهضيمة فراج الجليلات حيث قال: "وقوله طويل الباع ذا فجر: الفجر: الجود، شبه بانفجار الماء" (٩) . وهو هنا يطلق على الاستعارة مصطلح التشبيه، لأن التشبيه أساس الاستعارة وعليه تقوم كما ذكر الشيخ عبد القاهر حيث قال: "والتشبيه كالأصل في الاستعارة، وهي شبيهة بالفرع له، أو صورة مقتضبة من صوره" (١٠) .

стр. 6477

وتكرر منه إطلاق مصطلح التشبيه على الاستعارة التصريحية، كما في تفسيره لقوله تعالى: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ((الزخرف: ٤٠) ، قال: "أي إن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب، لا أنت، وجعل الكفار أمواتا وصما على جهة التشبيه بالأموات وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة، إذا شاء، لا نبيه ولا أحد" (١) . ويقول السهيلي أيضا في موضع آخر: "قوله عليه [الصلاة و] السلام: (أين لكع؟) يعني الحسن أو الحسين ممازحا لهما، فإن قيل إن النبي ﷺ كان يمزح ولا يقول إلا حقا، فكيف يقول أين لكع وقد سماه سيدا في حديث آخر؟ فالجواب أنه أراد التشبيه باللكع الذي هو الفلو أو المهر، لأنه طفل، كما أن الفلو والمهر كذلك، وإذا قصد بالكلام قصد التشبيه لم يكن كذبا، ونحو قوله عليه [الصلاة و] السلام: (لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع) (٢) واللكع في اللغة: وسخ الغرلة (٣) ، وهو أيضا الفلو الصغير" (٤) . وهذه استعارة تصريحية أطلق عليها مصطلح التشبيه.

стр. 6478

ويصحح السهيلي ماوقع في بعض الروايات من تصحيف، ربما غير معنى التشبيه، ويختار ما هو مناسب للمعنى، يقول: "وذكر ابن إسحاق أيضا أنهم أفضوا إلى قواعد البيت، وإذا هي خضر كالأسنمة، وليست هذه رواية السيرة، إنما الصحيح في الكتاب: كالأسنة، وهو وهم من بعض النقلة عن ابن إسحاق، والله أعلم، فإنه لا يوجد في غير هذا الكتاب بهذا اللفظ لا عند الواقدي ولا غيره، وقد ذكر البخاري في بنيان الكعبة هذا الخبر، فقال فيه عن يزيد بن رومان: (فنظرت إليها، فإذا هي كأسنمة الإبل) (١) ، وتشبيهها بالأسنة لا يشبه إلا في الزرقة، وتشبيهها بأسنمة الإبل أولى، لعظمها، ولما تقدم في حديث بنيان الملائكة لها قبل هذا" (٢) . ثانيا: المجاز يساوي السهيلي بين كلمة مجاز واتساع، ويشير إلى كثرة استعمال العرب للمجاز والاتساع فيقول: في التفريق بين لفظ الروح والنفس: "اضطربت المذاهب...ومجازات العرف واتساعاتها في الكلام كثيرة" (٣) والاستعارة عنده من المجاز، ولذلك يطلق عليها مصطلح المجاز، يقول: "وقوله: * حذوناها من الصوان سبتا * أي حذوناها نعالا من حديد، جعله سبتا لها مجازا". (٤) ويتعرض السهيلي لحجية المجاز في اللغة عند قوله تعالى: (وبلغت القلوب الحناجر ((الأحزاب: ١٠) ، يقول: "والقلب لا ينتقل من موضعه، ولو انتقل إلى الحنجرة لمات صاحبه، والله سبحانه لا يقول إلا الحق، ففي هذا دليل على أن التكلم بالمجاز على جهة المبالغة، فهو حق إذا فهم المخاطب عنك" (٥)

стр. 6479

ويضيف السهيلي مثالا آخر للمجاز، "وهذا كقوله تعالى: (يريد أن ينقض فأقامه) (الكهف: ٧٧) أي مثله كمثل من يريد أن يفعل الفعل ويهم به، فهو من مجاز التشبيه، وكذلك هؤلاء مثلهم فيما بلغهم من الخوف والوهن وضيق الصدر كمثل المنخلع قلبه من موضعه، وقيل هو على حذف المضاف، وتقديره: بلغ وجيف القلوب الحناجر" (١) ، وهذا المثال من الاستعارة المكنية التبعية، وأطلق عليه مجاز التشبيه لأن التشبيه أساس الاستعارة كما سبق، والتشبيه عند ابن الأثير نوع من المجاز (٢) وينكر المجاز في آية أخرى مشابهة، لأنها وصف لأهوال القيامة، والقيامة لها أحوالها الخاصة بها على كل حال، يقول: "وأما قوله: (إذ القلوب لدى الحناجر ((غافر: ١٨) فلا معنى لحمله على المجاز، لأنه في صفة هول القيامة، والأمر فيه أشد مما تقدم، وقد قال في أخرى: (لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ((إبراهيم: ٤٣) أي قد فارق القلب الفؤاد، وبقي فارغا هواء" (٣) . وهذه إضافة تحتسب له هنا، صحيح أن القرآن جاء على لسان العرب، ولكن هنالك أمورا تناولها في عالم الغيب لها سماتها الخاصة بها، فلا ينبغي أن تخضع لمنطق اللغة دائما، لأن اللغة محكومة في دلالالتها الحسية والبيئية عند من نطقوا بها، وما وراء الغيب يتجاوز معطيات هذه الدلالات، ولذلك قال ابن عباس: "لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء" (٤) المجاز العقلي: ... لم يشر السهيلي إلى المجاز العقلي صراحة، ولكنه عرض تحليل بعض علاقاته، كالمفعولية حيث قال: "وقوله: فراضية المعيشة طلقتها أي المعيشة المرضية، وبناها على فاعلة، لأن أهلها راضون (٥) ، لأنها في معنى صالحة" (٦)

стр. 6480

.. وعرض تحليل العلاقة المفعولية مرة أخرى، والعلاقة الفاعلية، فقال: "وفيه أن قريشا خرجت ومعها العوذ المطافيل، العوذ: جمع عائذ، وهي الناقة التي معها ولدها، يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان من الإبل، ليتزودوا ألبانها ولا يرجعوا، حتى يناجزوا محمدا وأصحابه في زعمهم، وإنما قيل للناقة عائذ، وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها، لأنها عاطف عليه، كما قالوا تجارة رابحة وإن كانت مربوحا فيها، لأنها في معنى نامية وزاكية، وكذلك (عيشة راضية ((القارعة: ٧) لأنها في معنى صالحة، ومن نحو هذا قوله تعالى: (والهدي معكوفا ((الفتح: ٢٥) وإن كان عاكفا، لأنه محبوس في المعنى، فتحول وزنه في اللفظ إلى وزن ما هو في معناه، كما قالوا في المرأة: تهراق الدماء، وقياسه تهريق الدماء، ولكنه في معنى تستحاض، فحول إلى وزن ما لم يسم فاعله، وبقيت الدماء منصوبة على المفعول كما كانت" (١) . وعرض نموذجا آخر لعلاقة الفاعلية، نافيا أن يكون فيه مجاز كما ذكر المفسرون، فقال: "وذكر قوله الله سبحانه خبرا عنهم: (جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ((الإسراء: ٤٥) قال بعضهم: مستور بمعنى ساتر (٢) ، كما قال: (وكان وعده مأتيا ((مريم: ٦١) أي آتيا (٣) ، والصحيح أن مستورا هما على بابه، لأنه حجاب على القلب، فهو لا يرى" (٤) . المجاز المرسل لم يذكر السهيلي الاصطلاح البلاغي، ولكنه عرض تحليل بعض علاقاته، مثل تسمية الشيء باسم حامله (٥) ، قال: "وقوله: نهوض الروايا: هي الإبل تحمل الماء، واحدتها راوية، والأسقية أيضا يقال لها روايا" (٦) .

стр. 6481

.. وعرض ما يسمى بالعلاقة المحلية وهي أن يذكر المحل ويراد الحال (١) ، فقال: "والنادي والندى والمنتدى بمعنى واحد، وهو مجلس القوم الذي يتنادون إليه، وقال أهل التفسير فيه أقوالا متقاربة، قال بعضهم: فليدع حيه، وقال بعضهم: عشيرته، وقال بعضهم: مجلسه" (٢) . وأشار إلى التعبير بالجزء عن الكل (٣) ، وذلك عند قول مطرود بن كعب الخزاعي: (٤) ميت بردمان وميت بسل ... مان وميت بين غزات قال السهيلي: "قوله: (وميت بين غزات) هي غزة، ولكنهم يجعلون لكل ناحية أو لكل ربض من البلدة اسم البلدة، يقولون غزات في غزة، ويقولون في بغدان: بغادين، كما قال بعض المحدثين: شربنا في بغادين ... ... على تلك الميادين ولهذا نظائر ستمر في الكتاب إن شاء الله، ومن هذا الباب حكمهم للبعض بحكم الكل، كما سموه باسمه، نحو قولهم: شرقت صدر القناة من الدم، وذهبت بعض أصابعه، وتواضعت سور المدينة، وقد تركبت على هذا الأصل مسألة من الفقه: قال الفقهاء أو أكثرهم: من حلف ألا يأكل هذا الرغيف، فأكل بعضه، فقد حنث، فقد حكموا للبعض بحكم الكل، وأطلقوا عليه اسمه". (٥) الاستعارة تقوم الاستعارة على التشبيه، وقد أشار السهيلي إلى ذلك عندما عرض لقول خالد بن حِق الشيباني يذكر قتل كسرى على يد ابنه شيرويه: (٦) تمخضت المنون له بيوم ... ... أنى ولكل حاملة تمام (٧) حيث علق عليه بقوله: "وإن كان أراد بالمنون المنية: فبعيد أن يقال: تمخضت المنون له بهذا اليوم الذي مات فيه، فإن موته منيته، فكيف تتمخض المنية بالمنية، إلا أن يريد أسبابها، وما مُني له، أي قُدر من وقتها، فتصح الاستعارة حينئذ، ويستقيم التشبيه" (٨) .

стр. 6482

فهو هنا يوضح أن الاستعارة قائمة على التشبيه، وهذه استعارة تبعية مكنية، حيث شبه المنون بالمرأة التي يأتيها المخاض، والسهيلي لم يحلل الاستعارة كعادته، وإنما يكتفي بذكر المصطلح غالبا. وربما اكتفى السهيلي بذكر مصطلح التشبيه دون الاستعارة أحيانا، كما في قوله: "قيل لمن روى علما أو شعرا: راوية، تشبيها بالمزادة أو الدابة التي يحمل عليها الماء، وليس من باب علامة ونسابة" (١) . وهذه استعارة تصريحية كما هو معلوم، وقد اكتفى بذكر مصطلح التشبيه عندها. وقد أشار السهيلي إلى مصطلح الاستعارة مرات عديدة على الإجمال من دون ذكر تقسيمات الاستعارة المعروفة في كتب البلاغة، من ذلك قوله عند ذكر شعر معبد الخزاعي وفيه: ((٢) * إذا تغطمطت البطحاء بالخيل * قال معقبا عليه: "لفظ مستعار من الغطمة، وهو غليان القدر". (٣) وقال في شرح قول كعب بن مالك: (٤) * إنا بنو الحرب نمريها وننتجها * :"مستعار من مريت الناقة، إذا استدررت لبنها، ونتجتها إذا استخرجت منها ولدا" (٥) وفي تعليقه على ما أنشد ثعلب: (٦) *قمنا فآنسنا الحمول والحدج* قال: "وفي العين: الحدج: حسك القطب مادام رطبا (٧) ، فيكون الحدج في البيت مستعارا من هذا، أي لها حسك" (٨) وفي تعليقه على قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم) (الكهف: ١١) قال: "أي أنمانهم، وإنما قيل في النائم ضرب على أذنه، لأن النائم ينتبه من جهة السمع، والضرب هنا مستعار من ضرب القفل على الباب" (٩) .

стр. 6483

وربما علل السهيلي أسباب اللجوء إلى الاستعارة وفائدتها كما في تعقيبه على قول أبي الصلت بن ربيعة الثقفي، وتروى أيضا لأمية بن أبي الصلت: (١) يرمون عن شُدف كأنها غبط ... ... بزمخر يُعجل المرميَ إعجالا (٢) قال: "الشدَف: الشخص، ويجمع على شُدُف، ولم يرد ههنا إلا القسي، وليس شدُف جمعا لشدَف، وإنما هو جمع شدوف، وهو النشيط المرح، يقال: شدف فهو شدف ثم تقول شدوف، كما تقول: مروح، وقد يستعار المرح والنشاط للقسي لحسن تأتيها وجودة رميها وإصابتها" (٣) . وقد يستطرد السهيلي في موضع واحد إلى ذكر بعض الاستعارات المماثلة في الكلمة الواحدة، فيذكر أكثر من استعارة وقعت في كلام البلغاء، إذا دعت المناسبة إلى ذلك، ويضم النظير إلى نظيره، وهذا ما صنعه عند ذكر قول زيد بن عمرو: (٤) دُعموص أبواب الملو ... ... ك وجائب للخرق بابه حيث قال عقبه: "وقوله: دعموص أبواب الملوك: يريد ولاجا في أبواب الملوك، وأصل الدعموص: سمكة صغيرة كحية الماء، فاستعاره هنا، وكذلك جاء في حديث أبي هريرة يرفعه: (صغاركم دعاميص الجنة) (٥) وكما استعارت عائشة العصفور حين نظرت إلى طفل صغير قد مات، فقالت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا، فقال لها النبي ﷺ : (وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا) (٦) أخرجه مسلم" (٧) .

стр. 6484

وربما استدرك السهيلي على ابن هشام إغفاله للتحليل البياني للقرآن الكريم، كما ورد عند قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) (الحجر: ٩٤) قال ابن هشام: "فاصدع فرق بين الحق والباطل" (١) . وعقب السهيلي بقوله: "وشرح ابن هشام معنى قوله: اصدع شرحا صحيحا، وتتمته أنه صدع على جهة البيان، وتشبيه لظلمة الشك والجهل بظلمة الليل، والقرآن نور، فصدع به تلك الظلمة، ومنه سمي الفجر صديعا، لأنه يصدع ظلمة الليل، وقال الشماخ: ترى السرحان مفترشا يديه ... ... كأن بياض لبته صديع على هذا تأوله أكثر أهل المعاني" (٢) . والصدع هنا استعارة من صدع الزجاجة (٣) ، ولم يصرح بها السهيلي، واكتفى بقوله: "وتشبيه لظلمة الشك والجهل بظلمة الليل، والقرآن نور" وهو ما يفيد معنى الاستعارة، لأن أصل الاستعارة هو التشبيه. ويحقق السهيلي في احتمالات الرواية للأشعار، مبينا الفروق البيانية بينها، كما فعل عند قول أبي طالب في مدح قومه: (٤) ونحمي حماها كل يوم كريهة ... ... ونضرب عن أحجارها من يرومها قال السهيلي: "ونضرب عن أحجارها من يرومها: أي ندفع عن حصونها ومعاقلها، وإن كانت الرواية أجحارها بتقديم الجيم فهو جمع جحر، والجحر هنا مستعار، وإنما يريد عن بيوتها ومساكنها" (٥) ويصحح السهيلي اشتقاق بعض الكلمات، ويرد بعضها إلى الاستعارة كما في كلمة الملاحة، يقول: "وأما معنى الملاحة، فذهب قوم إلى أنها من الملحة، وهي البياض، تقول العرب: عنب ملاحي، والصحيح في معنى المليح، أنه مستعار من قولهم: طعام مليح: إذ كان فيه من الملح بقدر ما يصلحه" (٦) . الاستعارة التمثلية

стр. 6485

لم يعرض لها السهيلي باسمها، وإنما ذكر كثيرا من الأمثلة التي تندرج تحت الاستعارة التمثيلية (١) ، من ذلك ما ذكره عند قول حسان: (٢) ولا تك كالشاة التي كان حتفها ... بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا قال: "تقوله العرب في مثل قديم فيمن أثار على نفسه شرا كالباحث عن المدية، وأنشد أبو عثمان ابن بحر: (٣) وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها وكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها" (٤) وكذلك سرد كثير من الأمثال، مثل يسار الكواعب وقصته (٥) ، حيث يقال: "لاقى الذي لاقى يسار الكواعب"، وكذلك ذكر التمثيل بالنعامة، فقال: "والعرب تقول: أشرد من نعامة، وأنفر من نعامة" (٦) ، ونحو ذلك من الأمثال الشائعة في اللغة. ثالثا: الكناية أشار السهيلي إلى الكناية عن الموصوف عند ذكر قول البراء بن معرور للنبي ﵊: (نبايعك على أن نمنعك مما نمنع منه أزرنا، أراد نساءنا) ، وقال: "والعرب تكني عن المرأة بالإزار، وتكني أيضا بالإزار عن النفس، وتجعل الثوب عبارة عن لابسه كما قال: رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا أي بأبدان خفاف، فقوله: مما نمنع أزرنا يحتمل الوجهين جميعا" (٧) . وفي السياق ذاته ينقل السهيلي قولا آخر وقع فيه لفظ الإزار كناية عن الأهل عند أبي علي الفارسي، بينما ذهب ابن قتيبة إلى أنه كناية عن النفس، ويرجح السهيلي ما ذهب إليه ابن قتيبة، معتمدا على التحليل النحوي للسياق، وعلى البيت الذي يلي الشاهد المذكور، يقول: "وقد قال الفارسي في قول الرجل الذي كتب إلى عمر من الغزو يذكره بأهله:

стр. 6486

ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري قال: الإزار: كناية عن الأهل، وهو في موضع نصب بالإغراء، أي: احفظ إزاري، وقال ابن قتيبة: الإزار في هذا البيت كناية عن نفسه، ومعناه: فدى لك نفسي، وهذا القول هو المرضي في العربية، والذي قاله الفارسي بعيد عن الصواب، لأن أضمر المبتدأ، وأضمر الفعل الناصب للإزار، ولا دليل عليه لبعده عنه، وبعد البيت ما يدل على صحة القول المختار، وهو: قلائصنا هداك الله مهلا ... شغلنا عنكم زمن الحصار فنصب قلائصنا بالإضمار الذي جعله الفارسي ناصبا للإزار" (١) . وتحدث عن التعريض وهو من أقسام الكناية عند علماء البلاغة (٢) ، مبينا سبب استعماله في الكلام، وذلك في حديثه عن قول النبي ﵊ عند دفن ابنته رقية ﵂: (أيكم لم يقارف الليلة أهله؟) (٣) ، قال السهيلي: "سكت عثمان، ولم يقل أنا، لأنه كان قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه، ولم يشغله الهم بالمصيبة، وانقطاع صهره من النبي ﷺ عن المقارفة فحرم بذلك ما كان حقا له، وكان أولى به من أبي طلحة وغيره، وهذا بين في معنى الحديث، ولعل النبي ﷺ قد كان علم ذلك بالوحي، فلم يقل له شيئا، لأنه فعل فعلا حلالا، غير أن المصيبة لم تبلغ منه مبلغا يشغله حتى حرم ما حرم من ذلك بتعريض غير تصريح والله أعلم" (٤) . المبحث الثالث: مسائل علم البديع عرض السهيلي بعض مسائل البديع، ومنها: أولا: الطباق

стр. 6487

عرض له السهيلي عند قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر ((الكوثر: ١-٣) ، فقال مبينا لفائدة الطباق: "قوبل تعييره للنبي ﷺ بالبتر بما هو ضده من الكوثر، فإن الكثرة تضاد معنى القلة، ولو قال في جواب اللعين: إنا أعطيناك الحوض الذي من صفته كذا وكذا، لم يكن ردا عليه ولا مشاكلا لجوابه، ولكن جاء باسم يتضمن الخير الكثير، والعدد الجم الغفير المضاد لمعنى البتر، وأن ذلك في الدنيا والآخرة بسبب الحوض المورود الذي أعطاه، فلا يختص لفظ الكوثر بالحوض، بل يجمع هذا المعنى كله، ويشتمل عليه، ولذلك كانت آنيته كعدد النجوم، ويقال هذه الصفة في الدنيا: علماء الأمة من أصحابه ومن بعدهم" (١) . ويلاحظ هنا استخدم تعبير قوبل الذي يدل على التضاد، دون أن يذكر مصطلح الطباق. ثانيا: الاستخدام أشار السهيلي إلى معنى الاشتراك عند قول حسان: (٢) ديار من بني الحسحاس قفر ... ... تعفيها الروامس والسماء فقال موضحا إن السماء لفظ مشترك: "وقوله الروامس والسماء يعني الرياح والمطر، والسماء لفظ مشترك يقع على المطر، وعلى السماء التي هي السقف، ولم يعلم ذلك من هذا البيت ونحوه، ولا من قوله: (٣) إذا سقط السماء بأرض قوم ... ... رعيناه وإن كانوا غضابا لأنه يحتمل أن يريد مطر السماء، فحذف المضاف، ولكن إنما عرفناه من قولهم في جمعه: سمى، وهم يقولون في جمع السماء: سماوات وأسمية، فعلمنا أنه اسم مشترك" (٤) . فقد أشار السهيلي هنا إلى مضمون الاستخدام الذي يقوم على الاشتراك، دون أن يفصل في ذلك، ودون استخدام المصطلح البلاغي، وشاهد الاستخدام في البيت الثاني الذي ساقه. ثالثا: المشاكلة

стр. 6488

عرضها السهيلي كثيرا، وهو مرة يطلق عليها مصطلح المجاز، يقول: "وفي التنزيل خبرا عن نوح: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ((هود: ٣٨) ولم يقل نستهزئ بكم كما تستهزئون، لأن الاستهزاء ليس من فعل الأنبياء، إنما هو من فعل الجاهلين، كما قدمنا من قول موسى ﵇، فالنبي يسخر، أي: يعجب من كفر من يسخر به، ومن سخر عقولهم، فإن قلت: فقد قال الله تعالى: (الله يستهزئ بهم ((البقرة: ١٥) ، قلنا العرب تسمي الجزاء على الفعل باسم الفعل، كما قال الله تعالى: (نسوا الله فنسيهم ((التوبة: ٦٧) فذلك مجاز حسن... ويحسن في حكم البلاغة وضع واحدة مكان أخرى" (١) .

стр. 6489

وفي موضع آخر يطلق مصطلح المشاكلة كما فعل عند قول رسول الله ﷺ : (أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب) (١) ، حيث فسر هذا الحديث بناء على المشاكلة تفسيرا بديعا يطابق فيه بين الجزاء في الآخرة المترتب على العمل الصالح في الدنيا، حيث يكون الجزاء من جنس العمل، يقول: "لذكر البيت ههنا بهذا اللفظ ولقوله: ببيت، ولم يقل: بقصر، معنى لائق بصورة الحال، وذلك أنها كانت ربة بيت إسلام، لم يكن على ظهر الأرض بيت إسلام إلا بيتها حين آمنت، وأيضا: فإنها أول من بنى بيتا في الإسلام بتزويجها رسول الله ﷺ ورغبتها فيه، وجزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل، وإن كان أشرف منه (٢) ، لما جاء: (من كسا مسلما على عُري كساه الله من حلل الجنة، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق) (٣) ومن هذا الباب قوله عليه [الصلاة و] السلام: (من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة) (٤) لم يرد مثله في كونه مسجدا، ولا في صفته، ولكن قابل البنيان بالبنيان، كما بنى يبنى له، كما قابل الكسوة بالكسوة، والسقيا بالسقيا، فهاهنا وقعت المماثلة لا في ذات المبنيِّ أو المكسو، وإذا ثبت هذا، فمن هاهنا اقتضت الفصاحة أن يعبر عما بشرت به بلفظ البيت، وإن كان فيه ما لا عين رأته، ولا أذن سمعته، ولا خطر على قلب بشر، ومن تسمية

стр. 6490

الجزاء على الفعل بالفعل في عكس ما ذكرناه قوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم ((التوبة:١٦٧) ، (ومكروا ومكر الله ((آل عمران: ٥٤) " (١) . ويضيف السهيلي موضحا للمشاكلة في بقية ألفاظ الحديث النبوي، فيقول: "أما قوله (لا صخب فيه ولا نصب) ، فإنه أيضا من باب ما كنا بسبيله، لأنه عليه [الصلاة و] السلام دعاها إلى الإيمان فأجابته عفوا، لم تحوجه إلى أن يصخب كما يصخب البعل إذا تعصت عليه حليلته، ولا أن ينصب، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل مكروه، وأراحته بمالها من كل كد ونصب، فوصف منزلها الذي بشرت به بالصفة المقابلة لفعالها وصورته" (٢) . ويبين السهيلي سبب استخدام كلمة قصب في وصف بيت خديجة بالجنة دون غيرها من الوصاف، كاللؤلؤ مثلا، وذلك مراعاة للمشاكلة في نيلها قصب السبق إلى الإيمان، فيقول: "وأما قوله (من قصب) ، ولم يقل من لؤلؤ، وإن كان المعنى واحدا، ولكن في اختصاصه هذا اللفظ من المشاكلة المذكورة والمقابلة بلفظ الجزاء للفظ العمل، أنها ﵂ كانت قد أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنسوان، والعرب تسمي السابق محرزا للقصب، قال الشاعر: مشى ابن الزبير القهقرى وتقدمت ... أمية حتى أحرزوا القصبات فاقتضت البلاغة أن يعبر بالعبارة المشاكلة لعملها في جميع ألفاظ الحديث، فتأمله" (٣) . ويلاحظ هنا أن السهيلي استخدم مصطلح المشاكلة، وبرع في بيان تأثيرها في الكلام. رابعا: المبالغة عرض لها السهيلي، وبين أنها ليست من قبيل الكذب، بل هي للتعظيم والتهويل، وذلك عند ذكر قول كعب بن مالك يرثي جعفرا: (٤) فتغير القمر المنير لفقده ... والشمس قد كسفت وكادت تأفل

стр. 6491

فقال: "قوله حق، لأنه كان عنى بالقمر رسول الله ﷺ ، فجعله قمرا ثم جعله شمسا، فقد كان تغير بالحزن لفقد جعفر، وإن كان أراد القمر نفسه، فمعنى الكلام ومغزاه حق أيضا، لأن المفهوم منه تعظيم الحزن والمصاب، وإذا فهم مغزى الشاعر في كلامه، والمبالغ في الشيء فليس بكذب، ألا ترى إلى قوله عليه [الصلاة و] السلام: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) (١) ، وكذلك قالوا في مثل قول الشاعر: إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما قال: إنما أراد فعلنا فعلة شنيعة عظيمة، فضرب المثل بهتك حجاب الشمس، وفهم مقصده، فلم يكن كذبا، وإنما الكذب أن يقول فعلنا، وهم لم يفعلوا، وقتلنا وهم لم يقتلوا" (٢) . خامسا: الاقتباس أشار إليه السهيلي وهو يذكر قول عبد الله بن الزبعرى في قصة الفيل: (٣) تنكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديما لا ينال حريمها لم تخلق الشعرى غداة حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها

стр. 6492

فقال: "إن كان ابن الزبعرى قال هذا في الإسلام، فهو منتزع من قول النبي ﷺ (إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس) (١) ، ومن قوله في حديث آخر: (إن الله حرمها يوم خلق السموات والأرض) (٢) ، والتربة خلقت قبل خلق الكواكب (٣) ، وإن كان ابن الزبعرى قال هذا في الجاهلية، فإنما أخذه والله أعلم من الكتاب الذي وجدوه في الحجر بالخط المسند حين بنوا الكعبة، وفيه: (أنا الله رب مكة خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض) (٤) الحديث" (٥) . ... وعرض له مرة أخرى عند ذكر قول أحمد بن جحش لأبي سفيان: (٦) دار ابن عمك بعتها ... ... تقضي بها عنك الغرامة اذهب بها اذهب بها ... ... طوقتها طوق الحمامة فقال منوها بالاقتباس، ومشيدا بما في البيت من استعارة: " ... وقوله لأبي سفيان: (طوقتها طوق الحمامة) منتزع من قول النبي ﷺ : (من غصب شبرا من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين) (٧) وقال: (طوق الحمامة) لأن طوقها لا يفارقها، ولا تلقيه عن نفسها أبدا، كما يفعل من لبس طوقا من الآدميين، ففي هذا البيت من السماتة وحلاوة الإشارة وملاحة الاستعارة ما لا مزيد عليه" (٨) .

стр. 6493

ومعلوم أن طوق الحمامة هنا تشبيه بليغ وليس استعارة، مما يعني تسامح السهيلي في استعمال المصطلحات البلاغية، ولا يكون التشبيه البليغ مجازا إلا على مذهب ابن الأثير كما سبق ذكر ذلك. المبحث الرابع: البلاغة القرآنية وإعجاز القرآن الكريم من الطبيعي أن يعرض السهيلي لبعض القضايا الجمالية التي تتعلق بالنظم القرآني طالما أنه يتناول السيرة النبوية وما نزل من القرآن في أحداثها، من ذلك ما ذكره في حديثه عن سورة الكهف، وما في مطلعها من براعة الاستهلال الذي يقتضي الابتداء بالحمد بهذه السورة، يقول: "وذكر افتتاح الرب سبحانه بحمد نفسه، وذكر نبوة نبيه، حمده لنفسه تعالى خبر باطنه الأمر والتعليم لعبده كيف يحمده، إذ لولا ذلك لاقتضت الحال الوقوف عن تسميته، والعبارات عن جلاله، لقصور كل عبارة عما هنالك من الجلال، وأوصاف الكمال، ولما كان الحمد واجبا على العبد، قدم في هذه الآية ليقترن في اللفظ بالحمد الذي هو واجب عليه، وليستشعر العبد وجوب وجوب الحمد عليه" (١) . وإذا كان السياق هنا يقتضي البدء بالحمد، ففي سورة الفرقان يقتضي البدء بذكر الفرقان أن يفتتح السورة بتبارك، وهنا يظهر إعجاز القرآن وبراعة أسلوبه، حيث يلتئم فيه اللفظ مع المعنى في وحدة بديعة، ونظام باهر، يقول السهيلي: "وفي سورة الفرقان قال: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ((الفرقان: ١) وبدأ بذكر الفرقان الذي هو الكتاب المبارك، قال الله سبحانه: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك ((الأنعام: ٩٢) فلما افتتح السورة بتبارك الذي، بدأ بذكر الفرقان، وهو الكتاب المبارك، ثم قال: (على عبده (، فانظر إلى تقديم ذكر عبده على الكتاب، وتقديم ذكر الكتاب عليه في سورة الفرقان، وما في ذلك من تشاكل اللفظ والتئام الكلام، تر الإعجاز باهرا، والحكمة باهرة، والبرهان واضحا" (٢) .

стр. 6494

ويعرض السهيلي إلى ما في أسلوب القرآن الكريم من الأدب والملاطفة مع النبي ﵊، حيث لم يخاطبه باسمه الصريح في سورة المدثر، وإنما خاطبه باسم مشتق من الحالة التي هو فيها تأنيسا له ﵊، واتباعا لسنن العرب في كلامها، يقول السهيلي: "سبب تلقيبه بالمدثر: وذكر ابن إسحاق قول رسول الله ﷺ : (دثروني دثروني) (١) ، فأنزل الله تعالى: (يا أيها المدثر، قم فأنذر ((المدثر: ١-٢) قال بعض أهل العلم: في تسميته المدثر في هذا المقام ملاطفة وتأنيس، ومن عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمي المخاطب باسم مشتق من الحالة التي هو فيها، كقوله عليه [الصلاة و] السلام: (قم يا نومان) (٢) ، وقوله لعلي بن أبي طالب وقد ترب جبينه: (قم أبا تراب) (٣) ، فلو ناداه سبحانه وهو في تلك الحال من الكرب باسمه، أو بالأمر المجرد من هذه الملاطفة لهاله ذلك، ولكن لما بدئ: بيا أيها المدثر أنس، وعلم أن ربه راض عنه، ألا تراه كيف قال عندما لقي من أهل الطائف من شدة البلاء والكرب ما لقي: (رب إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي) (٤) إلى آخر الدعاء، فكان مطلوبه رضاء ربه، وبه كانت تهون عليه الشدائد" (٥) .

стр. 6495

ويعرض السهيلي إلى فائدة الإطناب في مثل قوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ((الكهف: ١٨) ، فيقول مجيبا على تساؤل مفترض: "فما في ذكر الكلب وبسط ذراعيه من الفائدة؟ وما فيه من معنى اللطف بهم؟ فالجواب ما قدمناه من أن الله سبحانه لم يترك من بيان حالهم شيئا، حتى ذكر حال كلبهم، مع أن تأملهم متعذر على من اطلع عليهم من أجل الرعب، فكيف من لم يرهم ولا سمع بهم، لولا الوحي الذي جاءه من الله سبحانه بالبيان الواضح الشافي، والبرهان الكافي" (١) . ويدفع فكرة الترادف بين لفظ السنة والعام، مبينا أن بينهما فرقا، يقول: "والسنة والعام وإن اتسعت العرب فيهما، واستعملت كل واحد منهما مكان الآخر اتساعا، ولكن بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنزيل الكلام فرقا" (٢) . وقد دفعه إلى هذا التفريق قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ((الكهف: ٢٥) ، فأراد أن يبين الحكمة في قوله (وازدادوا تسعا (فقال: "وحساب العجم إنما هو بالسنين الشمسية، بها يؤرخون، وأصحاب الكهف من أمة أعجمية، والنصارى يعرفون حديثهم، ويؤرخون به، فجاء اللفظ في القرآن بذكر السنين الموافقة لحسابهم، وتمم الفائدة بقوله: (وازدادوا تسعا) ليوافق حساب العرب، فإن حسابهم بالشهور القمرية" (٣) . وفي سبيل تأكيد الفرق بين لفظي السنة والعام ذهب السهيلي إلى أن السنة قد يعبر بها عن الشدة والأزمة كما في قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ((الأعراف: ١٣٠) والعام أقل من السنة، ولذلك قال تعالى: (وبلغ أربعين سنة ((الأحقاف: ١٥) ، يقول: "فإنما ذكر السنين وهي أطول من الأعوام لأنه مخبر عن اكتهال الإنسان، وتمام قوته واستوائه، فلفظ السنين أولى بهذا الموطن، لأنها أكمل من الأعوام" (٤) .

стр. 6496

وهكذا نجد أن السهيلي مغرى بإثبات النكات البيانية في كتاب الله، وإرشاد العقول إليها، فلا لفظ في كتاب الله إلا وله فائدة لا يؤديها سواه، ولا إطناب إلا لفائدة، وهذا هو سبيل معرفة إعجاز القرآن، يقول: "إن العلم بتنزيل الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح لك بابا من العلم بإعجاز القرآن، وابن هذا الأصل تعرف المعنى في قوله تعالى: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ((المعارج: ٤) وقوله تعالى: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ((الحج: ٤٧) وأنه كلام ورد في معرض التكثير والتفخيم، لطول ذلك اليوم، والسنة أطول من العام كما تقدم، فلفظها أليق في هذا المقام" (١) . ويشير السهيلي إلى احتراز الآيات القرآنية عن نسبة ما لا يليق بكمال الله ، يقول في تعقيبه على إحدى الآيات: "قال: (ليذهب عنكم الرجس ((الأحزاب: ٣٣) ولم يقل يذهب به، وكذلك قال: (ويذهب عنكم رجز الشيطان ((الأنفال: ١١) تعليما لعباده حسن الأدب معه، حتى لا يضاف إلى القدوس سبحانه لفظا ومعنى شيء من الأرجاس، وإن كانت خلقا له وملكا، فلا يقال هي بيده على الخصوص، تحسينا للعبارة وتنزيها له، وفي مثل النور والسمع والبصر يحسن أن يقال هي بيده، فحسن على هذا أن يقال: ذهب به (٢) " (٣) .

стр. 6497

ويطابق السهيلي بين ما ورد في الكتاب والسنة من ألفاظ، دافعا لأي تعارض فيما بينهما، فمثلا ورد في السيرة أن النبي ﷺ كره اسم يثرب، وسماها طيبة والمدينة (١) ، بيد أن هذا الاسم ورد في القرآن، مما دفع السهيلي لافتراض التساؤل التالي: "فإن قلت: كيف كره اسما ذكرها الله في القرآن به، وهو المقتدي بكتاب الله، وأهل أن لا يعدل عن تسمية الله؟ قلنا إن الله سبحانه إنما ذكرها بهذا الاسم حاكيا عن المنافقين إذ قالت طائفة منهم: (يا أهل يثرب لا مقام لكم ((الأحزاب: ١٣) فنبهه بما حكى عنهم أنهم قد رغبوا عن اسم سماها الله به ورسوله، وأبوا إلا ما كانوا عليه في جاهليتهم، والله سبحانه قد سماها المدينة، فقال غير حاك عن أحد: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ((التوبة: ١٢٠) " (٢) . والخلاصة في هذا الموضوع أنه يرى تلاؤم اللفظ والمعنى في الكتاب والسنة، وهذا هو سر البلاغة وتمامها، يقول: "وقد تنزلت الألفاظ منازلها في الحديث والقرآن، وذلك معنى الفصاحة وسر البلاغة" (٣) .

стр. 6498

وهو بهذا الرأي يوافق منهج الشيخ عبد القاهر الجرجاني الذي يرى العلاقة التلازمية بين اللفظ والمعنى، أو ما عبر عنه بنظرية النظم، وهي "أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله" (١) ، ولا بد للنظم البليغ من أن ترتب الألفاظ في النص وفقا للمعاني التي في النفس، المنتظمة فيها على قضية العقل (٢) ، فإذا تم التلاؤم بين اللفظ والمعنى تبعا لترتيبها في النفس، ووفقا لقواعد النحو العربي، فتلك هي مقاييس البلاغة الإنسانية، والقرآن جاء بأحسن ترتيب وأقوم معنى، وأفضل لفظ، وتلك رتبة في البلاغة ليست بمقدور بشر، وذلك هو الإعجاز.

стр. 6499

ويشير السهيلي إلى ترابط النظم القرآني، معتمدا على نص من الحديث النبوي الذي يتكامل مع الآيات القرآنية في تحديد إطار الصورة التي تحدد مهمته ﵊، فيقول: "فإن قيل كيف ينتظم (يا أيها المدثر ((المدثر: ١) مع قوله (قم فأنذر ((المدثر: ٢) ، وما الرابط بين المعنيين حتى يلتئما في قانون البلاغة؟ ويتشاكلا في حكم الفصاحة؟ قلنا من صفته عليه [الصلاة و] السلام ما وصف به نفسه حين قال: (أنا النذير العريان) (١) وهو مثل معروف عند العرب، يقال لمن أنذر بقرب العدو وبالغ في الإنذار: هو النذير العريان، وذلك أن النذير جاد يجرد ثوبه، ويشير به، إذا خاف أن يسبق العدو صوته، وقد قيل إن أصل المثل لرجل من خثعم، سلبه العدو ثوبه، وقطعوا يده، فانطلق إلى قومه نذيرا على تلك الحال، فقوله عليه [الصلاة و] السلام: (أنا النذير العريان) أي مثلي مثل ذلك، والتدثر بالثياب مضاد للتعري، فكان في قوله: (يا أيها المدثر (مع قوله: (قم فأنذر (والنذير الجاد يسمى العريان، تشاكل بين، والتئام بديع، وسماقة في المعنى، وجزالة في اللفظ" (٢) . وينوه أخيرا بالإعجاز الذي في كتاب الله، والذي مرده إلى نظم القرآن الكريم، وما فيه من سمو الكلام وجمال الاستعارة، فيقول: "وعرفوا من سماقة الكلام، وملاحة الاستعارة أنه معجز، فلم يتعاطوا له معارضة، ولا توهموا فيه مناقضة" (٣) . المبحث الخامس: قضايا نقدية عامة عرض السهيلي لموضوعات نقدية كثيرة في كتابه، من ذلك: أولا: الموازنة بين الشعراء الموازنة بين الشعراء، ومعرفة مدى تقدم الواحد منهم على غيره، أو تقصيره دونه، أمر يعتبر من صميم عمل الناقد الأدبي، وقد مارس السهيلي في كتابه هذا اللون من النقد، فقد وازن بين قول حسان: (٤)

стр. 6500

بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... ... علي ومنهم أحمد المتخير وبين قول أبي نواس في نفس المعنى، فقال: "البهاليل: جمع بهلول، وهو الوضيء الوجه مع الطول، وقوله: [منهم أحمد المتخير] : فدعا به بعض الناس لما أضاف أحمد المتخير إليهم، وليس بعيب، لأنها ليست بإضافة تعريف، وإنما هو تشريف لهم حيث كان منهم، وإنما ظهر العيب في قول أبي نواس: كيف لا يدنيك من أمل ... ... من رسول الله من نفره لأنه ذكر واحدا، وأضاف إليه، فصار بمنزلة ما عيب على الأعشى: شتان ما يومي على كورها ... ... ويوم حيان أخي جابر وكان حيان أسن من جابر، وأشرف، فغضب على الأعشى، حيث عرفه بجابر، واعتذر إليه من أجل الروي، فلم يقبل عذره، ووجدت في رسالة المهلهل بن يموت بن المزرع، قال: قال علي بن الأصفر (١) : وكان من رواة أبي نواس، قال: لما عمل أبو نواس: * أيها المنتاب عن عفره * أنشدنيها، فلما بلغ قوله: كيف لا يدنيك من أمل ... ... من رسول الله من نفره وقع لي أنه كلام مستهجن في غير موضعه، إذ كان حق رسول الله ﷺ أن يضاف إليه، ولا يضاف إلى أحد، فقلت له: أعرفت عيب هذا البيت؟ فقال: ما يعيبه إلا جاهل بكلام العرب، وإنما أردت أن رسول الله ﷺ من القبيل الذي هذا الممدوح منه، أما سمعت قول حسان بن ثابت شاعر دين الإسلام: ومازال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا تنال ومفخر بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير" (٢)

стр. 6501

فهنا نجد السهيلي يقدم حسانا على أبي نواس، ويلتمس له العذر بإضافة أحمد المتخير إلى آل هاشم، وذكر أنها إضافة تشريف، بخلاف أبي نواس الذي عيب بما عيب به الأعشى من قبله، ولكنه مع هذا ينقل في الآخر وجهة نظر أبي نواس فيما عيب عليه من قبل راويته ذاته، ورده على الراوية من خلال استشهاده بشعر حسان، وهذا يدل على منتهى الأمانة العلمية عند السهيلي، وتقديره لآراء الشعراء ضمن عملية النقد الأدبي. وفي عرضه لسورة المسد، فرق السهيلي بين لفظ الجيد والعنق، لأن الأول للحلى، والثاني للأغلال، قال: "وقوله (في جيدها) (المسد: ٥) ولم يقل في عنقها، والمعروف أن يذكر العنق إذا ذكر الغل، أو الصفع، كما قال تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) (يس: ٨) ، ويذكر الجيد إذا ذكر إذا ذكر الحلى أو الحسن، فإنما حسن هاهنا ذكر الجيد في حكم البلاغة، لأنها امرأة، والنساء تحلى أجيادهن، وأم جميل لا حلى لها في الآخرة إلا الحبل المجعول في عنقها، فلما أقيم لها ذلك مقام الحلى ذكر الجيد معه، فتأمله فإنه معنى لطيف، ألا ترى إلى قول الأعشى: * يوم تبدى لنا قتيلة عن جيد * ولم يقل عن عنق، وقول الآخر: * وأحسن من عقد المليحة جيدها * ولم يقل عنقها، ولو قاله لكان غثا من الكلام، فإنما يحسن ذكر الجيد حيث قلنا، وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) (آل عمران: ٢١) أي لا بشرى لهم إلا ذلك، وقول الشاعر: * تحية بينهم ضرب وجيع * أي: لا تحية لهم، كذلك قوله: قوله (في جيدها حبل من مسد) (المسد: ٥) أي ليس ثم جيد يحلى، وإنما هو حبل المسد" (١) . وهذا الكلام كان بمثابة تمهيد لعقد موازنات بين الشعراء في هذه القضية، تبدأ من الأعشى وتنتهي بالمولدين وما أضافوه في هذا المعنى، يقول السهيلي: "وأنشد شاهدا على الجيد قول الأعشى: يوم تبدى لنا قتيلة عن جيد أسيل تزيينه الأطواق

стр. 6502

وقوله: تزيينه أي تزيده حسنا، وهذا من القصد في الكلام، وقد أبى المولدون إلا الغلو في هذا المعنى، وأن يغلبوه، فقال في الحماسة حسين بن مطير: (١) مبللة الأطراف زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها قال خالد القسري لعمر بن عبد العزيز: من تكن الخلافة زينته، فأنت زينتها، ومن تكن شرفته، فأنت شرفتها، وأنت كما قال مالك بن أسماء: وتزيدين أطيب الطيب طيبا ... ... إن تمسيه أين مثلك أينا وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا فقال عمر: إن صاحبكم أعطى مقولا ولم يعط معقولا (٢) " (٣) . ويعلل السهيلي سبب استهجان عمر بن عبد العزيز لكلام خالد القسري: فيقول: "وإنما لم يحسن هذا من خالد، لما قصد به التملق، وإلا فقد صدر مثل هذا المعنى عن الصديق، فحسن لما عضده من التحقيق والتحري للحق، والبعد عن الملق والخلابة، وذلك حين عهد إلى عمر بالخلافة، ودفع إليه عهده مختوما، وهو لا يعرف ما فيه، فلما عرف ما فيه رجع إليه حزينا كهيئة الثكلى، يقول: حملتني عبئا لا أضطلع به، وأوردتني موردا لا أدري: كيف الصدر عنه، فقال له الصديق: ما آثرتك بها، ولكني آثرتها بك، وما قصدت مساءتك، ولكن رجوت إدخال السرور على المؤمنين بك (٤) " (٥) . ويتابع السهيلي مؤكدا أن الحطيئة سبك معنى كلام الصديق في نظمه، مستطردا إلى ذكر ما حصل من نقل لهذا المعنى إلى النسيب، وإلى الغلو فيه عند المتاخرين، فيقول: "ومن ههنا أخذ الحطيئة قوله: ما آثروك بها إذ قدموك لها لكن لأنفسهم كانت بها الأثر

стр. 6503

وقد سبك هذا المعنى في النسيب عبد الله بن عباس الرومي، فقال: وأحسن من عقد المليحة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرد ومما هو دون الغلو وفوق التقصير، قول الرضي: حليه جيده لا ما يقلده ... ... وكحله ما بعينيه من الكحل ونحو منه ما أنشده الثعالبي: وما الحلى إلا حيلة من نقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا فأما إذا كان الجمال موفرا ... فحسبك لم يحتج إلى أن يزورا وسمعت القاضي أبا بكر محمد بن العربي يقول: حج أبو الفضل الجوهري الزاهد ذات مرة، فلما أشرف على الكعبة ورأى ما عليها من الديباج تمثل: ما علق الحلى على صدرها ... إلا لما يخشى من العين تقول والدر على نحرها ... من علق الشين على الزين" (١) وهذه الأمثلة التي ساقها السهيلي والموازنات التي أقامها بين الشعراء في قضية الجيد والعنق تدل على طول باعه في النقد، وعلى امتلاكه لذوق مرهف، بالإضافة إلى معرفة واسعة بتراث العرب الشعري، بيد أن ذهابه إلى أن المولدين هم الذين غلوا في المعنى الذي ساقه للأعشى من تزيين الأطواق للجيد، فعكسوا الأمر، وجعلوا الجيد يزين العقود، فهذا حكم فيه نظر، وذلك أن أصل هذا المعنى كله كما ذكر المرزباني هو قول امرئ القيس: (٢) ألم ترياني كلما جئت زائرا ... ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب والمولدون تبع لامرئ القيس في هذه المبالغة، بيد أنهم طوروا المعنى، ونقلوه من الطيب إلى الحلى، والخلافة، والنسيب، والكعبة، وغير ذلك. ثانيا: الموقف من شعر المولدين: ويعرض السهيلي لقول مطرود بن كعب الخزاعي: (٣) يا عين فابكي أبا الشعث الشجيات ... يبكينه حسرا مثل البليات

стр. 6504

ويقول فيه: "وفيه الشعث الشجيات، فشدد ياء الشجي، وإن كان أهل اللغة قد قالوا: ياء الشجي مخففة، وياء الخلي مشددة (١) ، وقد اعترض ابن قتيبة على أبي تمام الطائي في قوله: أيا ويح الشجيِّ من الخليِّ ... وويح الدمع من إحدى بَليّ واحتج بقول يعقوب في ذلك، فقال له الطائي: ومن أفصح عندك: ابن الجرمُقانية يعقوب، أم أبو الأسود الدؤلي حيث يقول: ويل الشجيِّ من الخليِّ فإنه ... ... وَصِب الفؤاد بشجوه مغموم قال المؤلف: وبيت مطرود أقوى في الحجة من بيت أبي الأسود الدؤلي، لأنه جاهلي محكَّك، وأبو الأسود أو من صنع النحو، فشعره قريب من التوليد" (٢) . هنا يظهر أن أبا تمام متأثر بأبي الأسود الدؤلي، ولكن بقي السهيلي يرى في الشعر الجاهلي المثل الأسمى للشعر العربي، واستشهد به بما يؤيد وجهة نظر أبي تمام الطائي في تشديد ياء الشجي والخلي. ثالثا: السرقات الشعرية شغلت السرقات الشعرية النقاد القدامى والمحدثين، وهي من أهم موضوعات النقد الأدبي، وتبرز قدرة الشاعر وأصالته (٣) ، وقد عرض لها السهيلي، من ذلك ما ذكره عند قول أنس بن زنيم الديلي يعتذر إلى الرسول ﷺ : (٤) تعلم رسول الله أنك مدركي ... ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد قال: "ومعناه من أحسن المعاني، ينظر إلى قول النابغة: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع خطاطيف حجن في جبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع

стр. 6505

فالقسيم الأول كالبيت الأول من قول النابغة، والقسيم الثاني كالبيت الثاني، لكنه أطبع منه وأوجز، وقول النابغة: كالليل، فيه من حسن التشبيه ما ليس في قول الديلي (١) ، إلا أنه يسمج مثل هذا التشبيه في النبي ﷺ ، لأنه نور وهدى، فلا يشبه بالليل، وإنما حسن في قول النابغة أن يقول كالليل، ولم يقل كالصبح، لأن الليل ترهب غوائله، ويحذر من إدراكه ما لا يحذر من النهار" (٢) ، هنا يظهر تفريق السهيلي بين ما يجوز في حق الملوك من الوصف، ولا يجوز بحق الأنبياء، وكأنه يشير هنا إلى ضرورة مراعاة مقتضى الحال، فما يصلح ويحسن بممدوح ما، قد لا يحسن بغيره، وهذا من القواعد المنهجية للبلاغة العربية، وهو ما ينبغي للشاعر أن يتنبه إليه في الأخذ من غيره. ويضيف السهيلي موضحا أخذ بعض شعراء الأندلس لمعنى أنس بن زنيم، فيقول: "وقد أخذ بعض الأندلسيين في هذا المعنى، فقال في هربه من ابن عباد: كأن بلاد الله وهي عريضة ... تشد بأقصاها عليّ الأناملا فأين مفر المرء عنك بنفسه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا" (٣) ويبين السهيلي مصدر التشبيه في قول النابغة: فإنك كالليل الذي هو مدركي... فيقول: "وهذا كله معنى منتزع من القدماء، روى الطبري: أن منو شهر بن إيرج ... قال حين عقد التاج على رأسه في خطبة له طويلة: أيها الناس: إن الخلق للخالق، وإن الشكر للمنعم، وإن التسليم للقادر، وإنه لا أضعف من مخلوق طالبا أو مطلوبا، ولا أقوى من طالب طلبته في يده، ولا أعجز من مطلوب هو في يد طالبه" (٤) . وذكر السهيلي قول الطائي: (٥) ظبي تقنصته لما نصبت له ... ... من آخر الليل أشراكا من الحلم ثم انثنى وبنا من ذكره سقم ... ... باق وإن كان معسولا من السقم

стр. 6506

وعلق عليه ممتدحا له ومبينا أنه قد يكون مسترقا، يقول: "وقد أحسن في قوله: من آخر الليل، تنبيها على أنه سهر ليله كله، إلا ساعة جاء الخيال من آخره، فكأنه مسترق من قول حسان: * وخيال إذا تقوم النجوم * " (١) يلاحظ أن السهيلي لا يجزم بالسرقة، وإنما استخدم لفظ كأن، وهذا منتهى الدقة العلمية في إصدار الأحكام النقدية، والتي هي قائمة على الاستقراء والاستنباط، فهي مجرد اجتهاد لا أكثر، وهو أمر كان القاضي الجرجاني قد نبه إليه من قبل، حيث بين أن ما ذكره من سرقات المتنبي إنما كان استنادا إلى الظن لا اليقين (٢) . رابعا: الموقف من الشعر

стр. 6507

يرى السهيلي أن الشعر كالنثر في الإباحة، وأن المذموم منه هو ما هجي به رسول الله ﵊، وقد تحدث عن كراهة رواية أشعار الكفرة، فقال: "لكني لا أعرض لشيء من أشعار الكفرة التي نالوا فيها من رسول الله ﷺ إلا شعر من أسلم وتاب، كضرار وابن الزبعرى، وقد كره كثير من أهل العلم فعل ابن إسحاق في إدخاله الشعر الذي نيل فيه من رسول الله ﷺ ، ومن الناس من اعتذر عنه، قال: حكاية الكفر ليس بكفر، والشعر كلام، فلا فرق بين أن يروى كلام الكفرة ومحاجتهم للنبي ﷺ وردهم عليه منثورا، وبين أن يروى منظوما، وقد حكى ربنا سبحانه في كتابه العزيز مقالات الأمم لأنبيائها، وما طعنوا به عليهم، فما ذكر من هذا على جهة الحكاية نظما أو نثرا، فإنما يقصد به الاعتبار بما مضى، وتذكر نعمة الله على الهدى، والإنقاذ من العمى، وقد قال عليه [الصلاة و] السلام: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خيرا له من أن يمتلئ شعرا) (١) ، وتأولته عائشة ﵂ في الأشعار التي هجي بها رسول الله ﷺ ، وأنكرت قول من حمله على العموم في جميع الشعر، وإذا قلنا بما روي عن عائشة في ذلك، فليس في الحديث إلا عيب امتلاء الجوف منه، وأما رواية اليسير منه على جهة الحكاية، أو الاستشهاد على اللغة، فلم يدخل في النهي، وقد رد أبو عبيد على من تأول الحديث في الشعر الذي هجي به الإسلام، وقال: رواية نصف بيت من ذلك الشعر حرام، فكيف يخص امتلاء الجوف منه بالذم؟ وعائشة أعلم، فإن البيت والبيتين والأبيات من تلك الأشعار على جهة الحكاية بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله ﷺ ، لا فرق، وقول عائشة الذي قدمناه ذكره ابن وهب في جامعه، وعلى القول بالإباحة، فإن النفس تقذر تلك الأشعار، وتبغضها وقائليها في الله، فالإعراض عنها خير

стр. 6508

من الخوض فيها والتتبع لمعانيها" (١) وهذا الموقف من السهيلي يدل على رؤية نقدية واعية لدور الشعر والنثر في حياة الناس الأدبية، فلا يكره الشعر مطلقا، ولا النثر كذلك، وإنما يكره إذا كان ترويجا للحملة الجاهلية ضد الدعوة الإسلامية، ومع هذا فهو لم يقل بحرمته، لأن ناقل الكفر ليس بكافر. وعرض السهيلي بعد ذلك إلى الموقف من الرجز، وذكر قول النبي ﷺ : (٢) أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب وقال في التعقيب عليه: "وهو كلام موزون، وقد تقدم الكلام في مثل هذا، وأنه ليس بشعر حتى يقصد به الشعر" (٣) . وفي موضع آخر عرض للرجز مرة أخرى، وبين استجازة قوله من النبي ﵊ بلا قصد، لأن الرجز ليس بشعر كما سبق إذا لم يقصد به الشعر، يقول: "وقول النبي ﷺ حين رآهم: (الله أكبر، خربت خيبر) (٤) فيه إباحة التفاؤل، وقوة لمن استجاز الرجز" (٥) . خامسا: الصدق في الشعر يقف السهيلي مع الصدق في الشعر، وكان قد عرض لقضية الصدق في الشعر في قضية تتصل بالقوافي، ثم عرج من خلالها إلى قضية تتصل بالفواصل القرآنية، وذلك عند ذكر قول لبيد بين يدي النعمان بن المنذر: (٦) * نحن بني أم البنين الأربعة *

стр. 6509

وقال في التعقيب عليه: " ... إنما قال: الأربعة، وهم خمسة، لأن أباه ربيعة قد كان مات قبل ذلك، لا كما قال بعض الناس: وهو قول يعزى إلى الفراء أنه قال إنما قال أربعة، ولم يقل خمسة من أجل القوافي، فيقال له: لا يجوز للشاعر أن يلحن لإقامة وزن الشعر، فكيف بأن يكذب لإقامة الوزن، وأعجب من هذا أنه استشهد به على تأويل فاسد، تأوله في قوله سبحانه: (ولمن خاف مقام ربه جنتان ((الرحمن: ٤٦) ، وقال: أراد جنة واحدة، وجاء بلفظ التثنية لتتفق رءوس الآي، أو كلاما هذا معناه (١) ، فصمي صمام!، ما أشنع هذا الكلام!، وأبعده عن العلم!، وفهم القرآن!، وأقل هيبة قائله أن يتبوأ مقعده من النار، فحذار منه حذار، ومما يدلك أنهم كانوا أربعة، حين قال لبيد هذه المقالة، أن في الخبر ذكر يتم لبيد وصغر سنه، وأن أعمامه الأربعة استصغروه أن يدخلوه معهم على النعمان حين همهم ما قاولهم به الربيع بن زياد، فسمعهم لبيد يتحدثون بذلك، ويهتمون له، فسألهم أن يدخلوه معهم على النعمان، وزعم أنه سيفحمه، فتهاونوا بقوله، حتى أخبروه بأشياء مذكورة في الخبر، فبان بهذا كله أنهم كانوا أربعة، ولو سكت الجاهل لقل الخلاف والحمد له" (٢) .وهو بهذا الموقف يتفق مع الشيخ عبد القاهر الجرجاني (٣) ، الذي أكد أنه يقف مع قضية الصدق الذي ينصره العقل، حيث قال: "وما كان العقل ناصره، والتحقيق شاهده، فهو العزيز جانبه، والمنيع مناكبه" (٤) . سادسا: استدراكه على النحويين

стр. 6510

كثيرا ما يسوي النحويون بين الصيغ الصحيحة في الكلام، ولكن تبقى بعض الصيغ مقبولة أكثر من بعضها الآخر من الناحية البلاغية، وهو أمر لم يلق إليه النحويون بالا، مما حدا بالسهيلي أن ينبه إلى ذلك، وأن يلتفت إلى الفروق الدقيقة في التعبير بين صيغتي المصدرين: مفعل وفعل من حيث هما مفردتان، ومن حيث استخدامهما في التركيب بالجملة، ويبين أن معرفة دقائق استخدام الصيغ النحوية في التعبير الأدبي هو المدخل إلى إعجاز القرآن، وذلك حين قال تعقيبا على قول حسان: (١) * تبلت فؤادك في المنام خريدة *

стр. 6511

"يجوز أن يكون المراد بالمنام النوم، وموضع النوم ووقت النوم...ولا فرق عند النحويين بين مفعل في هذا الباب وفعل، نحو: مضرب وضرب، ومنام ونوم، وكذلك هما في التعدية سواء، نحو: ضرب زيد عمرا، ومضرب زيد عمرا، وأما في حكم البلاغة والعلم بجوهر الكلام، فلا سواء، فإن المصدر إذا حددته قلت: ضربة ونومة، ولا يقال: مضربة ولا منامة، فهذا فرق، وفرق آخر: تقول: ما أنت إلا نوم، وإلا سير، إذا قصدت التوكيد، ولا يجوز ما أنت إلا منام وإلا مسير، ومن جهة النظر أن الميم لم تزد إلا لمعنى زائد، كالزوائد الأربع في المضارع، وعلى ما قالوه تكون زائدة لغير معنى. فإن قلت: فما ذاك المعنى الذي تعطيه الميم؟ قلنا: الحدث يتضمن زمانا ومكانا وحالا، فالمذهب عبارة عن الزمان الذي فيه الذهاب، وعن المكان أيضا، فهو يعطي معنى الحدث وشيئا زائدا عليه، وكذلك إذا أردت الحدث مقرونا بالحالة والهيئة التي يقع عليها، قال الله سبحانه: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار ((الروم: ٢٣) فأحال على التفكر في هذه الحالة المستمرة على البشر، ثم قال في آية أخرى: (لا تأخذه سنة ولا نوم ((البقرة: ٢٥٥) ، ولم يقل منام لخلو هذا الموطن من تلك الحالة، وتعريه من ذلك المعنى الزائد في الآية الأخرى، ومن لم يعرف جوهر الكلام لم يعرف إعجاز القرآن" (١) . وفي استدراك آخر على النحاة يرى السهيلي أن كلمة الحجيج اسم للجمع وليست جمعا لحاج، لأنها على صيغة فعيل، ولو كان مفردها حاج لجاز تصغيره بالقياس على غيره مثل كلمة عبد التي هي مفرد عبيد، ويبين من خلال الكتاب العزيز صدق دعواه، ذكر ذلك تعقيبا على قول علي بن أبي طالب: "سمعت من يحدث عن عبد المطلب أن قيل له حين أمر بحفر زمزم (٢) : ثم ادع بالماء الروي غير الكدر ... يسقي حجيج الله في كل مَبَر ... ... ليس يخاف منه شيء ما عمر".

стр. 6512

حيث قال: "الحجيج جمع حاج، وفي الجموع على وزن فعيل كثير كالعبيد، والبقير، والمعيز، والأبيل، وأحسبه اسما للجمع، لأنه لو كان جمعا له واحد من لفظه، لجرى على قياس واحد كسائر الجموع، وهذا يختلف واحده، فحجيج واحده حاج، وعبيد واحده عبد، وبقير واحده بقرة، ومعيز واحده ماعز، إلى غير ذلك، فجائز أن يقال إنه اسم للجمع، غير أنه موضوع للكثرة، ولذلك لا يصغر على لفظه، كما تصغر أسماء الجموع، فلا يقال في العبيد: عُبيد، ولا في النخيل: نخيل، بل يرد إلى واحده، كما ترد الجموع في التصغير، فيقال: نُخيلات وعُبيدون، وإذا قلت: نخيل أو عبيد، فهو اسم يتناول الصغير والكبير من ذلك الجنس، قال الله سبحانه: (وزرع ونخيل ((الرعد: ٤) ، وقال: (وما ربك بظلام للعبيد ((فصلت: ٤٦) ، وحين ذكر المخاطبين منهم قال: العباد، وكذلك حين ذكر المثمر من النخيل: (والنخل باسقات ((ق: ١٠) ، وقال: (أعجاز نخل منقعر ((القمر: ٢٠) ، فتأمل الفرق بين الجمعين في حكم البلاغة واختيار الكلام، وأما في مذهب أهل اللغة، فلم يفرقوا هذا التفريق، ولا نبهوا على هذا الغرض الدقيق" (١) . سابعا: اللفتات الجمالية: يشير السهيلي خلال شرحه للسيرة إلى كثيرة من اللفتات الجمالية في البيان العربي، ويستطرد إلى ذكر النظائر الأسلوبية للتعابير الجمالية، ويدعو إلى تأملها، والاستمتاع بها، مما يسهم في تربية الحاسة الفنية عند الباحث والدارس على حد سواء، من ذلك ما ذكره عند قول عباس بن مرداس: (٢) ما بال عينك فيها عائر سهر ... مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر قال السهيلي في التعقيب عليه: "الحماطة من ورق الشجر: ما فيه خشونة وحروشة... والعائر: كالشيء يتنخس في العين كأنه يعورها، وجعله سهرا وإنما السهر الرجل، لأنه لم يفتر عنه، فكأنه قد سهر، ولم ينم، كما قال الآخر في وصف برق:

стр. 6513

حتى شئاها كليل موهنا عمل ... باتت طرابا وبات الليل لم ينم شئاها: شاقها، يقال: شاء وشاءة بمعنى واحد، أي: شاقه، وأنشد: * ولقد عهدت تشاء بالأظعان * فتأمله فإنه من بديع المعاني" (١) . ولا ريب أن في البيت الأول استعارة، حيث استعار لفظ العائر للألم الذي يؤذي العين على سبيل المبالغة، وأسند إليه السهر على طريقة المجاز العقلي، وإنما السهر صاحب العين، ثم أتبع الشاعر الشطر الأول من البيت بذكر تشبيه في الشطر الثاني يؤكد المعنى الذي ساقه في الشطر الأول، والبيت كله بما فيه من الصور الحسية تجسيد لمعاناة الشاعر قالها على سبيل التجريد، ونحو هذه المعاناة ما ورد في معاناة شاعر آخر نسب السهر والشوق إلى البرق، وإذا كان البرق مشتاقا فكيف بالإنسان الذي يرقبه؟، إنها جماليات البيان العربي، وعبقرية اللغة العربية التي يجيد فيها الشعراء التعبير عما في نفوسهم بمختلف الأساليب البليغة، والإشارة إلى ما في أساليبهم من مكنون الجمال هو لمح من العبقرية أيضا عند الناقد العربي، لذلك اكتفى السهيلي بدعوة قارئه إلى التأمل بالجمال الخالد في البديع من المعاني، بعد أن ملكه مفتاح الجمال، بدون تفصيل وتطويل، معتمدا على فطنة القارئ ولمح العبقرية في قراءة الجمال عند من يملك حسا أدبيا مرهفا من أبناء العرب. ثامنا: التضمين وهو من عيوب القوافي عند علماء العروض والنقاد (٢) ، حيث تتعلق قافية البيت بالذي يليه، فلا يمكن الفصل بينهما، وقد ذكر السهيلي مصطلح التضمين، عقب قول حسان يبكي جعغر بن أبي طالب ﵁: (٣) بعد ابن فاطمة المبارك جعفر ... ... خير البرية كلها وأجلها رزءا وأكرمها جميعا محتدا ... ... وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل ... ... كذبا وأنداها يدا وأقلها

стр. 6514

فقال: "وذكر أبيات حسان وفي بعضها تضمين، نحو قوله: وأذلها، ثم قال في أول بيت آخر: للحق، وكذلك قال في بيت آخر: وأقلها، وقال في الذي بعده: فحشا، وهذا يسمى التضمين، وذكر قدامة في كتاب نقد الشعر أنه عيب عند الشعراء (١) ، ولعمري إن فيه مقالا، لأن آخر البيت يوقف عليه، فيوهم الذم، في مثل قوله: وأذلها، وكذلك: وأقلها، وقد غلب الزبرقان على المخبل السعدي، واسمه كعب بكلمة قالها المخبل أشعر منه، ولكنه لما قال يهجوه: وأبوك بدر كان ينتهز الخصى ... وأبي الجواد ربيعة بن قتال وصل الكلام بقوله: وأبي، وأدركه بهرأ وسعلة، فقال له الزبرقان: فلا بأس إذا، فضحك من المخبل وغلب عليه الزبرقان، وإذا كان هذا معيبا في وسط البيت، فأحرى أن يعاب في آخره، إذا كان يوهم الذم ولا يندفع ذلك الوهم إلا بالبيت الثاني، فليس هذا من التحصين على المعاني، والتوقي للاعتراض" (٢)

стр. 6515

كما عرض السهيلي إلى بحور الشعر كثيرا في شرحه، وأبدى رأيه في صنيع الشعراء وهفواتهم العروضية أحيانا. الخاتمة: استعرضت في هذا البحث حياة السهيلي ومنهجه في كتابه الروض الأنف، وعرضت للقضايا البلاغية المتعلقة بعلم المعاني والبيان والبديع، ثم تناولت طرفا من حديثه عن البلاغة القرآنية وإعجاز القرآن، وكذلك من حديثه عن البيان النبوي، وختمت البحث بذكر بعض القضايا النقدية التي عرض لها السهيلي، وأخلص من هذا البحث إلى تقرير الآتي: أولا: إن السهيلي بذلا جهدا لا بأس به في الجانب البلاغي في شرحه لسيرة ابن هشام. ولكنه ابتعد إلى حد كبير عن المصطلحات البلاغية المتشعبة، فهو يكتفي مثلا بذكر مصطلح التشبيه أو الاستعارة دون ذكر التشعيبات الكثيرة لهذه المصطلحات. ثانيا: يمتلك السهيلي حس الناقد ومقوماته، وله اعتداد بشخصيته، فهو يرد أحيانا على النحاة بمنهجية علمية، وأسلوب ينم عن معرفة واسعة فيما يخوض فيه، ويتخذ لنفسه الرأي الصحيح. ثالثا: في كتاب السهيلي ذخر علمي وأدبي وبلاغي للراغبين بهذه العلوم، لذلك أرى أنه بحاجة إلى التحقيق العلمي وإخراجه من جديد بما يليق مع صاحب السيرة ﵊، ولا سيما أن مراكز التحقيق والنشر للتراث العربي والإسلامي منتشرة بحمد لله في عالمنا العربي، والطبعة القديمة للروض الأنف كانت ملائمة لعصرها، وينبغي إعادة إصدار هذا الكتاب وفق منهجية تحقيق التراث العلمي، لينتفع منه الباحثون والطلاب على حد سواء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →