← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

"يجوز أن يكون المراد بالمنام النوم، وموضع النوم ووقت النوم...ولا فرق عند النحويين بين مفعل في هذا الباب وفعل، نحو: مضرب وضرب، ومنام ونوم، وكذلك هما في التعدية سواء، نحو: ضرب زيد عمرا، ومضرب زيد عمرا، وأما في حكم البلاغة والعلم بجوهر الكلام، فلا سواء، فإن المصدر إذا حددته قلت: ضربة ونومة، ولا يقال: مضربة ولا منامة، فهذا فرق، وفرق آخر: تقول: ما أنت إلا نوم، وإلا سير، إذا قصدت التوكيد، ولا يجوز ما أنت إلا منام وإلا مسير، ومن جهة النظر أن الميم لم تزد إلا لمعنى زائد، كالزوائد الأربع في المضارع، وعلى ما قالوه تكون زائدة لغير معنى. فإن قلت: فما ذاك المعنى الذي تعطيه الميم؟ قلنا: الحدث يتضمن زمانا ومكانا وحالا، فالمذهب عبارة عن الزمان الذي فيه الذهاب، وعن المكان أيضا، فهو يعطي معنى الحدث وشيئا زائدا عليه، وكذلك إذا أردت الحدث مقرونا بالحالة والهيئة التي يقع عليها، قال الله سبحانه: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار ((الروم: ٢٣) فأحال على التفكر في هذه الحالة المستمرة على البشر، ثم قال في آية أخرى: (لا تأخذه سنة ولا نوم ((البقرة: ٢٥٥) ، ولم يقل منام لخلو هذا الموطن من تلك الحالة، وتعريه من ذلك المعنى الزائد في الآية الأخرى، ومن لم يعرف جوهر الكلام لم يعرف إعجاز القرآن" (١) . وفي استدراك آخر على النحاة يرى السهيلي أن كلمة الحجيج اسم للجمع وليست جمعا لحاج، لأنها على صيغة فعيل، ولو كان مفردها حاج لجاز تصغيره بالقياس على غيره مثل كلمة عبد التي هي مفرد عبيد، ويبين من خلال الكتاب العزيز صدق دعواه، ذكر ذلك تعقيبا على قول علي بن أبي طالب: "سمعت من يحدث عن عبد المطلب أن قيل له حين أمر بحفر زمزم (٢) : ثم ادع بالماء الروي غير الكدر ... يسقي حجيج الله في كل مَبَر ... ... ليس يخاف منه شيء ما عمر".

стр. 6512

حيث قال: "الحجيج جمع حاج، وفي الجموع على وزن فعيل كثير كالعبيد، والبقير، والمعيز، والأبيل، وأحسبه اسما للجمع، لأنه لو كان جمعا له واحد من لفظه، لجرى على قياس واحد كسائر الجموع، وهذا يختلف واحده، فحجيج واحده حاج، وعبيد واحده عبد، وبقير واحده بقرة، ومعيز واحده ماعز، إلى غير ذلك، فجائز أن يقال إنه اسم للجمع، غير أنه موضوع للكثرة، ولذلك لا يصغر على لفظه، كما تصغر أسماء الجموع، فلا يقال في العبيد: عُبيد، ولا في النخيل: نخيل، بل يرد إلى واحده، كما ترد الجموع في التصغير، فيقال: نُخيلات وعُبيدون، وإذا قلت: نخيل أو عبيد، فهو اسم يتناول الصغير والكبير من ذلك الجنس، قال الله سبحانه: (وزرع ونخيل ((الرعد: ٤) ، وقال: (وما ربك بظلام للعبيد ((فصلت: ٤٦) ، وحين ذكر المخاطبين منهم قال: العباد، وكذلك حين ذكر المثمر من النخيل: (والنخل باسقات ((ق: ١٠) ، وقال: (أعجاز نخل منقعر ((القمر: ٢٠) ، فتأمل الفرق بين الجمعين في حكم البلاغة واختيار الكلام، وأما في مذهب أهل اللغة، فلم يفرقوا هذا التفريق، ولا نبهوا على هذا الغرض الدقيق" (١) . سابعا: اللفتات الجمالية: يشير السهيلي خلال شرحه للسيرة إلى كثيرة من اللفتات الجمالية في البيان العربي، ويستطرد إلى ذكر النظائر الأسلوبية للتعابير الجمالية، ويدعو إلى تأملها، والاستمتاع بها، مما يسهم في تربية الحاسة الفنية عند الباحث والدارس على حد سواء، من ذلك ما ذكره عند قول عباس بن مرداس: (٢) ما بال عينك فيها عائر سهر ... مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر قال السهيلي في التعقيب عليه: "الحماطة من ورق الشجر: ما فيه خشونة وحروشة... والعائر: كالشيء يتنخس في العين كأنه يعورها، وجعله سهرا وإنما السهر الرجل، لأنه لم يفتر عنه، فكأنه قد سهر، ولم ينم، كما قال الآخر في وصف برق:

стр. 6513

حتى شئاها كليل موهنا عمل ... باتت طرابا وبات الليل لم ينم شئاها: شاقها، يقال: شاء وشاءة بمعنى واحد، أي: شاقه، وأنشد: * ولقد عهدت تشاء بالأظعان * فتأمله فإنه من بديع المعاني" (١) . ولا ريب أن في البيت الأول استعارة، حيث استعار لفظ العائر للألم الذي يؤذي العين على سبيل المبالغة، وأسند إليه السهر على طريقة المجاز العقلي، وإنما السهر صاحب العين، ثم أتبع الشاعر الشطر الأول من البيت بذكر تشبيه في الشطر الثاني يؤكد المعنى الذي ساقه في الشطر الأول، والبيت كله بما فيه من الصور الحسية تجسيد لمعاناة الشاعر قالها على سبيل التجريد، ونحو هذه المعاناة ما ورد في معاناة شاعر آخر نسب السهر والشوق إلى البرق، وإذا كان البرق مشتاقا فكيف بالإنسان الذي يرقبه؟، إنها جماليات البيان العربي، وعبقرية اللغة العربية التي يجيد فيها الشعراء التعبير عما في نفوسهم بمختلف الأساليب البليغة، والإشارة إلى ما في أساليبهم من مكنون الجمال هو لمح من العبقرية أيضا عند الناقد العربي، لذلك اكتفى السهيلي بدعوة قارئه إلى التأمل بالجمال الخالد في البديع من المعاني، بعد أن ملكه مفتاح الجمال، بدون تفصيل وتطويل، معتمدا على فطنة القارئ ولمح العبقرية في قراءة الجمال عند من يملك حسا أدبيا مرهفا من أبناء العرب. ثامنا: التضمين وهو من عيوب القوافي عند علماء العروض والنقاد (٢) ، حيث تتعلق قافية البيت بالذي يليه، فلا يمكن الفصل بينهما، وقد ذكر السهيلي مصطلح التضمين، عقب قول حسان يبكي جعغر بن أبي طالب ﵁: (٣) بعد ابن فاطمة المبارك جعفر ... ... خير البرية كلها وأجلها رزءا وأكرمها جميعا محتدا ... ... وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل ... ... كذبا وأنداها يدا وأقلها

стр. 6514

فقال: "وذكر أبيات حسان وفي بعضها تضمين، نحو قوله: وأذلها، ثم قال في أول بيت آخر: للحق، وكذلك قال في بيت آخر: وأقلها، وقال في الذي بعده: فحشا، وهذا يسمى التضمين، وذكر قدامة في كتاب نقد الشعر أنه عيب عند الشعراء (١) ، ولعمري إن فيه مقالا، لأن آخر البيت يوقف عليه، فيوهم الذم، في مثل قوله: وأذلها، وكذلك: وأقلها، وقد غلب الزبرقان على المخبل السعدي، واسمه كعب بكلمة قالها المخبل أشعر منه، ولكنه لما قال يهجوه: وأبوك بدر كان ينتهز الخصى ... وأبي الجواد ربيعة بن قتال وصل الكلام بقوله: وأبي، وأدركه بهرأ وسعلة، فقال له الزبرقان: فلا بأس إذا، فضحك من المخبل وغلب عليه الزبرقان، وإذا كان هذا معيبا في وسط البيت، فأحرى أن يعاب في آخره، إذا كان يوهم الذم ولا يندفع ذلك الوهم إلا بالبيت الثاني، فليس هذا من التحصين على المعاني، والتوقي للاعتراض" (٢)

стр. 6515

كما عرض السهيلي إلى بحور الشعر كثيرا في شرحه، وأبدى رأيه في صنيع الشعراء وهفواتهم العروضية أحيانا. الخاتمة: استعرضت في هذا البحث حياة السهيلي ومنهجه في كتابه الروض الأنف، وعرضت للقضايا البلاغية المتعلقة بعلم المعاني والبيان والبديع، ثم تناولت طرفا من حديثه عن البلاغة القرآنية وإعجاز القرآن، وكذلك من حديثه عن البيان النبوي، وختمت البحث بذكر بعض القضايا النقدية التي عرض لها السهيلي، وأخلص من هذا البحث إلى تقرير الآتي: أولا: إن السهيلي بذلا جهدا لا بأس به في الجانب البلاغي في شرحه لسيرة ابن هشام. ولكنه ابتعد إلى حد كبير عن المصطلحات البلاغية المتشعبة، فهو يكتفي مثلا بذكر مصطلح التشبيه أو الاستعارة دون ذكر التشعيبات الكثيرة لهذه المصطلحات. ثانيا: يمتلك السهيلي حس الناقد ومقوماته، وله اعتداد بشخصيته، فهو يرد أحيانا على النحاة بمنهجية علمية، وأسلوب ينم عن معرفة واسعة فيما يخوض فيه، ويتخذ لنفسه الرأي الصحيح. ثالثا: في كتاب السهيلي ذخر علمي وأدبي وبلاغي للراغبين بهذه العلوم، لذلك أرى أنه بحاجة إلى التحقيق العلمي وإخراجه من جديد بما يليق مع صاحب السيرة ﵊، ولا سيما أن مراكز التحقيق والنشر للتراث العربي والإسلامي منتشرة بحمد لله في عالمنا العربي، والطبعة القديمة للروض الأنف كانت ملائمة لعصرها، وينبغي إعادة إصدار هذا الكتاب وفق منهجية تحقيق التراث العلمي، لينتفع منه الباحثون والطلاب على حد سواء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 6516

الفَلْسَفة الجَمَاليّةُ عند حمزة شحاتة الدكتور صالح سعيد الزهراني الأستاذ المشارك بقسم البلاغة والنقد كلية اللغة العربية – جامعة أم القرى ملخص البحث تعني هذه الدراسة ببيان أنَّ الفلسفة الجمالية هي رؤية جمالية للفن تنبثق من تصور فلسفي خاص للإنسان والكون والحياة، وبهذا تتجاوز الإدراك والتفكير الجمالي إلى إقامة منظومة خاصة. وعرضت لماهية هذه الفلسفة وآلياتها، وممجالاتها عند أحد أهم رواد الحركة الثقافية في المملكة العربية السعودية وهو " حمزة شحاته " كما تجلت في شعره ورؤاه النقدية والفكرية، ورسائله، ومحاضراته الشهيرة: الرجولة عماد الخلق الفاضل، وكشفت عن ثراء المضامين التي تنطوي عليها، مع إشارة موجزة إلى أبرز الخصائص الأسلوبية التي تبرز في أدب حمزة على اختلاف أجناسه. * * * مقدمة: ١/١ - يمثّل “ حمزة شحاتة ” قمة فكرية كان يقول عنها عزيز ضياء: إنها عرفت ولم تكتشف (١) . وعدم اكتشاف خبايا هذه القمة مع شموخها مردّه “ إلى غرابة الجوهر ونفاسته ”. فحمزة شحاتة غرائبي في كل شيء، غرائبيٌ وجوهري في حياته، وفي فقهه للواقع، وإدراكه لكنه الحياة والأشياء والكائنات، وبحثه عن الجوهر النادر في الأفكار والأشياء، وفي شعريته الخلاّقة، وفلسفته العميقة، فقد اجتمع له من الخصائص مالم يجتمع لغيره من روّادنا، وصُنّاع شهودنا الثقافي، من عبقرية الفنان، وعظمة الفيلسوف، ونقاء الإنسان، وشرف المثقف العضوي.

стр. 6517

وحمزة شحاتة لم ينل ما يستحقه من البحث الجادّ الذي يضعه في مكانه اللائق به في سياقنا الثقافي، مع وجود دراسات رائدة وجادة عن شعره ونثره، كدراسة عزيز ضياء “ حمزة شحاتة قمّة عرفت ولم تكتشف ” ودراسة عبد الله عبد الجبّار التي قدّم بها كتاب حمزة شحاتة “ حمار حمزة شحاتة ” الذي نشره عبد الحميد مشخص، ودراسة الدكتور عبد الله الغذامي المميّزة “ الخطيئة والتكفير.. ”، وكتاب عبد الفتاح أبو مدين “حمزة شحاتة ظلمة عصره”، ودراسته الموسومة ب“ حمزة شحاتة المفكر والأديب” التي نشرت ضمن بحوث المؤتمر الثاني للأدباء السعوديين المنعقد بجامعة أم القرى عام ١٤١٩ هـ. إلاّ أن هذه الدراسات لم تستوعب “ المنجز الثقافي ” لحمزة شحاتة؛ لأنها لم تكن ترمي إلى ذلك، وإنما كانت تعمد إلى البحث في جزئيات من ذلك المنجز، ولعلّ الله يقيظ له باحثاً من أولي العزم يستطيع نشر أعماله نشراً دقيقاً يجنّبها التصحيف والتحريف، ويبعثها من دوائر النسيان، ويقدّم لنا صورة متكاملة عن الرجل مفكراً ومبدعاً وإنساناً.

стр. 6518

١/٢ - أما هذه الدراسة فهي معنّية بالفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة، ماهيّتها، وآلياتها، ومجالاتها، وهي فلسفة خفية تنمّ عن عقل فاحص، ومنطق متماسك، وبيان رفيع. ولم تحظ هذه الفلسفة باستقراءٍ دقيق يكشف عنها، ويضعها في سياقها الملائم لها، لاسيّما وأنها مبثوثة في أدب حمزة وشعره، الأمر الذي يجعل من لمّ شتاتها، وتحديد مجالاتها، وآلياتها مسألة في غاية الأهميّة، وستتوسل هذه الدراسة بالمنهج الا نطباعي الذي يميل إلى التحليل والاستنباط، وقد عمدت إلى جمع نصوص حمزة شحاتة، وتصنيفها بغض النظر عن جنسها الأدبي؛ لأن الهدف الوقوف على مضامين هذه الفلسفة، أما الخصوصيّة الفنية، فإنَّ تتبعها لا يمكن الوفاء به في مثل هذه الدراسة، نظراً لتعدّد الأجناس التي كان يكتب بها حمزة شحاتة، ولكل جنس أدبي خصوصيّته الفنية، ومع كل هذا حاولت أن أقدم في نهاية الدراسة أبرز خصائص الأسلوب الشحاتي كما يتجلى في أدبه على شيءٍ من الإجمال، وهو ما أنوي القيام به في دراسة خاصة بمشيئة الله.

стр. 6519

١/٢ - “ والجماليّة ” تنحصر عند كثير من علماء الجمال في البحث في “ ظواهر الفن ” (١) ولا تتجاوز ذلك إلى ما سواه من نشاطات الإنسان، ولكنها عند آخرين لا تقف عند حدود الفن، وإنما تتخطاه إلى كل شيء جميل ((فالجمالية بالتالي، لا تستهدف الفن فحسب، بل تتعداه إلى الطبيعة، وبصورة عامة، إلى جميع كيفيات الجمال)) (٢) . فالجمال كما يكون في الفن يكون في مصدر الفن الإنسان والطبيعة، والجمال معناه: الحسن والبهاء فهو ((يقع على الصور والمعاني، ومنه الحديث: إن الله جميل يحب الجمال، أي حسن الأفعال كامل الأوصاف)) (٣) . والإدراك الجمالي لا يرقى إلى درجة “ الفلسفة الجماليّة ” إلاّ عندما يتهيأ للمفكر رؤية جمالية للفن تتأسس على رؤية فلسفية شاملة للكون والإنسان والحياة ((إن الجمالية هي النظرة الفلسفية إلى الفن وقضايا الإبداع عامة. وأما ما دونها من نظرات أو تأملات في الفن فليست تدخل في نطاق الجماليّة بالمعنى العلمي للكلمة، وإن تكن مراحل أولى لازمة في تكون الجماليّة وتطورها نحو التكامل الفلسفي وارتباطها بشمولية الفلسفة ومنهجيتها)) (٤) .

стр. 6520

والإدراك الجمالي عند حمزة شحاتة يرقى إلى درجة “ الفلسفة الجمالية ” لاستناده على رؤية فلسفية شاملة للعالم بكل مكونّاته، فرؤيته الجماليّة رؤية متماسكة ترتبط فيها النتائج بالأسباب ارتباطاً دقيقاً.ولم يقف حمزة في تأملاته عند “ الجمال الأدبي ” وإنما تخطاه إلى “ الجمال الكوني ” الأمر الذي يؤكد أن له فلسفة جمالية يفسر من خلالها الكون والكتابة، وسيتم استجلاء هذه الفلسفة من خلال الحديث عن المحاور الآتية: - مفهوم الجمال. - الفلسفة الجمالية الآليات والخصائص. - مجالات الفلسفة الجمالية. أ - جماليات البيان. ب - جماليات الإنسان. ج - جماليات المكان. د - جماليات الحيوان. هـ - جماليات الحياة. ١/٤- كانت محاضرة حمزة شحاتة “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” التي ألقاها في جمعية الإسعاف بمكة المكرمة عام ١٣٥٩ هـ حدثاً ثقافياً هزّ الواقع الثقافي هزّاً عنيفاً، لما اشتملت عليه تلك المحاضرة من رؤى نافذة، وأفكار عميقة وجريئة، حفلت بالحوار الجاد الذي أثمر ستّ مقالات في “ الجمال والنقد” نشرت بجريدة “ صوت الحجاز ” عام ١٣٥٩ هـ. تشكل مع ما نجده في شعره ومقالاته ورؤاه الفلسفية التي جمعها عبد الحميد مشخص ورسائله إلى ابنته شيرين “ فلسفة جمالية ” نحاول أن نكشف عن ماهيتها وآلياتها ومجالاتها في هذه الدراسة. ماهيّة الجمال: تعددّت تعريفات الجمال عند الفلاسفة حتى ضاع معها الجمال، فلا يزداد القارئ إمعاناً فيها إلاّ ازداد بالجمال جهلاً؛ لأن الجمال يستعصي على الحصر والتحديد فهو إحساس داخلي ينبثق من داخل النفس الإنسانية، أكثر من كونه هيئة محسوسة.

стр. 6521

قد يكون للجمال مواصفات شكليّة، لكنَّها تختلف من متلقٍ إلى آخر باختلاف الثقافة والخبرة، ولهذا لا يكاد يجمع الناس على مفهوم محدّد للجمال، لأن الأذواق مختلفة، ولهذا في البدء يتساءل حمزة شحاتة عن ماهية الجمال فيقول: ((والجمال في ذاته ما هو؟ أهو تجاوب القسمات، واتساق الملامح، واكتمال الانسجام، أم هو معان مكنونة تعبّر عنها ظواهره البادية؟ . إن الجمال جمالٌ بما تولّد النفوس من معانيه، ونقيس من مشابهه ونتخيّل من دلائله وإشاراته، لا بما يلقاها به من حدود وزخرف، وإنما هو جمال بما يثير فيها من بهجة، ويطلق من أصداء، ويحبو من حريّة وخصب فهل تبقى معانيه حيّة، وتأثيره دائماً على تغيّر القسمات والملامح وخصب وانطفاء لمعتها البهيجة؟)) (١) . فالجمال ليس في “ صور الأشياء ” وإنمّا في “ الشعور بصور الأشياء ” ولهذا يختلف “ الموقف الجمالي ” لدى المتأملين باختلاف شعورهم، وتلوّن أحاسيسهم ((فالمعاني تُنسب إلى مظاهر الوجود من قبيل التغليب، وإلا فهي في حقيقتها معاني أنفسنا، وصور أفكارنا ومشاعرنا، وتأثيراتنا، وهب أنني رجلٌ “ أكمه الذوق ” فما تكون معاني هذه الصور في نفسي؟ أو هب أنني فلاّح يقضي حياته بين حقوله وعلى ضفاف جداولها المنسابة فتكون معانيها في نفسي، ودخائل فكري هذا الجمال المعبّر الأخاذ الذي يحسه الشاعر ويساجله، ويناغيه العاشق وينافثه، ويحدثه الفيلسوف، ويستنطقه؟؟ أم أنها تكون عندي رمز الكد وضرورة الإنتاج والنصب للعيش وضروراته القاهرة)) (٢) .

стр. 6522

إنّ ((الجدول المترقرق، والحقل المهتز، والنسمة الطليقة، والجبل القائم، والكوكب المتألّق، والبدر المشرق، والليل الساجي)) مظاهر جمالية لكن جمالها ليس في ذاتها، وإنّما فيما تولّده النفوس من معاني تلك المظاهر. ولذلك النفس العقيم التي لا تنجب معاني جمالية، لا تدرك الجمال، ولا تعرف كنهه، إما لعجز في حسها الجمالي، وإما لما يقيمه الإلف بينها وبين الأشياء من حجب كالذي وجدناه عند الفلاح الذي ألف مظاهر الطبيعة من حوله، ففقد القدرة على توليد معاني الجمال. هذه النفوس التوّاقة ((دائمة البحث عن الجديد، ولهذا لا تقف في إدراكها الجمالي عند حد، ولا ترضى بقيم جمالية ثابتة، فهي متجددّة في تأملها، كتجدد الحياة التي لا تتوقف، من هنا تفقد الأشياء الجميلة قيمتها عند هذه النفوس حين تكتشف أسرارها ونمنماتها الخفيّة، ويترامى بها الولع الجمالي إلى البحث عن أسرار جديدة تفضي بها إلى آفاق لا حدّ لها وهذا ما عبّر عنه شحاتة في محاضرته الشهيرة فقال: ((وإدمان النظرة إلى صورة جميلة، يفقدها شيئاً من تأثيرها القوي كلمّا تجدّد إليها النظر المشغوف، وارتوى منها الحس المفهوم، حتى تفقد مقدرتها على التأثير والأداء. وإنك لتعجب بالمنظر يفتنك، ويلقاك بألف معنى، أول ما تلقاه فما تزال نفسك دائبة في تحليل معانيه وإذابتها، حتى تنتهي بها إلى الإصفاء والإفلاس)) (١) .

стр. 6523

هذه المقولة “ الناسفة ” أثارت جدلاً في الوسط الثقافي وقت ظهورها وكان الأستاذ عبد الله عريف أوَّل من اختلف معها - فيما أعلم - فكتب مقالاً مطوّلاً في جريدة “ صوت الحجاز ” بعنوان “ ضريبة الإعجاب ” ذهب فيه إلى أن الإصفاء والإفلاس قد يصحّ في منطق الفكر - بطريق ما - في أجزاء بسيطة من واقع الحياة، لكنه لا يصح في واقع الحياة بصورها، وواقع النفس بمشاعرها وأحاسيسها (١) . “ الإصفاء والإفلاس ” يكون ((عندما تفقد الصورة الجميلة جمالها. فقداناً ذاتياً يسلبها جمالها، لا فقداناً شعورياً يحسه الناظر إلى تلك الصورة. وأحسب أن أساس هذه النظرة التي قعّد - بتشديد العين - لها الأستاذ هذه القاعدة، إنما هي الصورة الجميلة في الإنسان، وما فقد الجمال الإنساني - في الإنسان الواحد - تأثيره، إلا لأنه لم يعد جمالاً يملأ النفس، ويروي الحس المنهدم، فقد أصيب بالفقدان الذاتي السالب، ولو ضمن لنفسه الاستدامة لظل أثره قوياً فعّالاً)) (٢) . “ فالجمال الإنساني ” هو الذي يفقد تأثيره عندما ترتوي منه النفس، أما “ الجمال الكوني ” و “ الجمال الفكري ” و “ الجمال اللغوي ” فإن إدمان تأملها لا يفضي بها إلى “ الإصفاء والإفلاس ”. فرقعة السماء، والحقول، وحكم الشعر ودلالات الجمال، والحب والإيمان لاتزال النفوس متعلقة بها رغم إدمان النظر فيها حتى استحالت حقيقة علمية في كهوف اللاشعور (٣) . إنّ إدمان النظر في الجمال عند - عبد الله عريف - يقلّل من أثره لكنه لا يدفع به إلى الإصفاء، والإفلاس كما ذهب شحاتة (٤) .

стр. 6524

حمزة شحاتة يشترط في الأثر الجمالي “ الجدّة ” و“ التجدّد ” والإفضاء بأسرار لم تعرف من قبل، وعبد الله عريف يذهب إلى أن الصورة الجميلة ليس شرطاً أن تكون جديدة جدة مطلقة لتحدث تأثيراً، ((بل لابد لفهمها والإعجاب بها من معلومات قديمة ثابتة، وبذلك يتمّ تداعي الجمال والإعجاب أمام الصورة الجميلة)) (١) . ويقدم عبد الله عريف تجربة تدل على صحة الدعوى التي يدعيها فيقول: ((كتاب جميل نشرته أمام ثلاثة من عمال المطبعة لأرى أثر هذه الصورة الجميلة “ الكتاب ” في نفوسهم، فأسرع عامل الصف يحدثني عن إتقان صف الحروف وجمالها، ولم يعجب بتجليده أو طبعه، أو على الأقل لم يحدثني عنهما، ومثله فعل عاملا التجليد والطبع فحدثني كلّ منهما عن معرفته أو معلوماته القديمة ... )) (٢) . فالعمال الثلاثة أعجبوا بما يمتلكون عنه رصيداً ثقافياً سابقاً. ويعود حمزة شحاتة بوحي من هذه المقالة التي كتبها عبد الله عريف ليشرح موقفه الجمالي، ويكشف عيوب الواقع الثقافي، ويرسم شقاء المفكر الواعي وغربته في واقع ثقافي تيبست مفاصله، واستبدت به الشيخوخة، حين يفتح المفكر والمبدع قلبه بين يدي من يتوّسم فيه القدرة على المشاركة الوجدانية، فإذا بلغ الغاية من حديثه، وجد البون شاسعاً، والرؤى ينكر بعضُها بعضاً.

стр. 6525

الحياة في منظور حمزة شحاتة - تحتاج إلى كشف دائم لنقف على حقيقتها، من هنا فهو لا يطمئن إلى وعيه بها، ولا يرضى من الآخرين الثقة في أفهامهم الهينة لحقيقتها، والإحساس بجمالها وقيمتها وإن كان أكثر الناس هذا سبيلهم في فقه الحياة ((وأكثر الناس مطمئنون إلى حياتهم وإلى مذاهبهم الهينة في فهمها، وتفسير قوانينها، والإحساس بالجمال والقبح فيها وحريصون على أن تبقى لهم الفرحة، وتدوم المتعة بها كأنما هم في جلسة المتفرج الهاديء، أو المفكر السائم، المنصرف عما في الحياة من جد ولهو، بما في نفسه من طمأنينة وارتياح، أو فتور وملل. فما يسر من كانت هذه حاله أن يقتحم عليه خلوته الناعسة الكليلة، أديب تسبقه الطبول إيذاناً بإشهار الحرب على الجمال وتجريده ورج جوانبه)) (١) . ولهذا كان “ الشك في العقيدة الجمالية ” و “ إقلاق النظر العام ” استراتيجية فكرية يحرص على تبنيها حمزة شحاتة في كل ما يكتب مخالفاً أعراف “ ثقافة الديكور ” و “ أدب التلميع ” ((وشأن الأديب في العرف أن يضاعف محاسن الحياة، ويزيد الشعور بمسرّاتها، لا أن يمسخ صورها الجميلة ويهدمها، ولكن هل يسع كل أديب أن يكون هذا مذهبه؟ فذاك حيث ألقى الناس كلما لقيتهم بجديد هو لغة الهدم، والبعثرة، والإقلاق في نفوسهم ومعتقداتهم الفكرية، ولغة البناء في منطقِ فكري واعتقادِه)) (٢) .

стр. 6526

الحياة في - فلسفة حمزة شحاتة الجمالية - متجدّدة، وبهذا يستحيل أن يكون فهمها ثابتاً، وجمالية الحياة في تجدّدها ومقاومتها للثبات. والجمال الذي ينتسب إلى الحياة ويعبر عنها، يجب أن يكون قادراً على الانفتاح والتجدد وخصوبة الدلالة، ومتى فقد هذه الخصيصة فقد وجوده، والعباقرة وأصحاب الرؤى النافذة، يتمثلون برؤية استشرافية تتخطى الواقع إلى الممكن، ولهذا يفقد الجمال - بعد إطالة تأمله، والتغلغل في أعماقه - القدرة على التأثير وهو ما أنكره عبد الله عريف في مقالته “ ضريبة الإعجاب ” وأفاض في دفعه بالأدلة والبراهين. وحمزة شحاتة إذن لا ينكر جمالية “ الصورة المتأملة ” ولا يسلبها حسنها، وإنما يريد أن يكشف عن بعض الأذواق الجمالية)) التي لا تقع تحت سلطة الجمال، ولا تقنع بثبات الدلالة الجماليّة، وهي “ أذواق خاصة ” لها قوة النار واستشراؤها التي يذوب فيها الجمال كما يذوب الذهب في لهب النار المتوهجة. ويذهب إلى أن براهين صديقه عبد الله عريف لا تثبت في موازين النظر الفاحص؛ لأن “ الاستصفاء والتذوق ” غير“ الفكر والنظر ”. فالسماء مظهر وجودي ثابت، على خلاف “ الصورة الجمالية الحيّة ” التي يشكل ((الزّمن جزءاً من حقيقتها، وطبيعة الشعور بها، وإلحاح الشوق إلى استصفاء معانيها، والزمن لو كان ربيعاً كله، ما كان للربيع معنى جدته وسحره وروائه الأخّاذ لذلك كانت تعاقب الصور وتجددها شرطاً لازماً لضمان تأثير الجمال، وتأثير معانيه، ولذلك كان الزمن جزءاً من حقيقة الجمال، أو كان أهم أجزائها)) (١) . ولهذا دوام النظر إلى السماء لا يدل على فهمها والإحاطة بمعاني بعض مظاهرها المجهولة.

стр. 6527

“ الاستصفاء والتذوق ” قدرة على توليد المعاني والصور، فهو فطنة بحقيقة الجمال، وقوّة في تفكيكها وإذابة دلالاتها. هذه القدرة لا يبقى معها جمال لا يداخله السأم. أو لا تصرف عنه صوارف الفهم والاكتفاء، ويؤيد حمزة هذا الوعي الجمالي بفكرة مضادة تكشف جانباً من جوانب الإبهام في القضية فالمصائب أعمق أثراً في النفوس من الجمال، ومع هذا تفقد تأثيرها بالاعتياد والإلف والسلوى (١) . وهذه “ الحقيقة الجمالية ” نجدها لدى عشاق الشعر وهواة الفنون كما ألفيناها لدى عشاق الجمال، والباحثين عن غرائبه، فصور الشعر، وروائعه انتهى الاستصفاء والتذوق بها إلى أن تكون بمثابة الحقائق المألوفة والكلام المعاد (٢) . إن الشيء الجميل يصدمنا لأوّل مرّة ((بحشد من معانيه الفاتنة، ليست هي أداءه عن نفسه، ولكن أداءنا عنه، وعن موقعه من نفوسنا وأفكارنا فما نفتأ ندور بهذه المعاني مطابقة وقياساً ومداً وجزراً وإطلاقاً وتقييداً حتى نشعر بنشوة امتلاكه واحتوائه، فإذا الاكتفاء أو التجدد المنتهي إلى انقضاء التأثير فيستحيل شعورنا بالصورة الفاتنة إلى ما يشبه شعور العاشق بعد إفاقته من غيوبته واستغراقه)) (٣) . إن “ حقيقة الصورة الجميلة ” تظل قائمة، ولكن ثراء الدلالة، وخصوبة الأثر الجمالي هي التي تفنى عند أصحاب الرؤى الفياضة، والأفكار النافذة التي لا ترضى من الجمال بالظاهر، وإنما تبحث عن غرائبه، ودقائق معانيه لتفضي إلى قيمته الحقيقيّة، فالماء يظل ماءً بعد أن يروي العاطش منه. ولكن الذي يفنى هي تلك الخطرات النفسية، والتصورات الذهنية التي نجدها عند من بلغ به الظمأ مبلغه فإذا ما ارتوى تلاشت تلك الخطرات، وظل الماء على حقيقته (٤)

стр. 6528

وحِكَم الشعر التي ساقها عبد الله عريف للمتنبي وشوقي وزهير تأكيداً لصحة موقفه الجمالي، وكشفاً لخلل موقف حمزة شحاتة من الجمال، لا يجد حمزة في صياغتها جمالاً يُغري بإدمان النظر، ولا في معانيها إلا الصحة في الحكم ويتساءل عن “ معنى الجمال ” في تلك الأبيات هل هو دقة الحقيقة الفلسفية وصدقها أو جمال الصياغة، أو قوة التأليف، أو شيء يدرك ولا يوصف (١) . إن حقائق المتنبي وحكمه ثابتة فروعتها تكمن في ثباتها، وصحتها ومسايرتها لواقع الحياة. والمتنبي هو الذي يقول: لو فكرّ العاشق في منتهى حسن الذي يسبيه لم يسبه فالعاشق يتصور منتهى جمال معشوقه، ويدرك نهايته، لكن ذلك الإدراك لا يصرفه عن عشقه، بل ربما كان سبباً في شدة ولعه، وانقياده فالحكمة الصادقة لا تنال من سلطة الجمال، ولا تنتصر على منطق العشق، وإن كانت تلك السلطة سريعة التحول، قصيرة الأجل (٢) . وأما كلمات الحب والعدالة والحريّة، وسحر هذه الكلمات للعقول وتجافيها للإصفاء والإفلاس بحسب رأي عبد الله عريف. فإن حمزة لا يعدها جزءاً من الجمال الذي قال فيه كلمته تلك (٣) . فهو يتحدث عن الصورة الجميلة تتأملها النفس فتتخطى عالمها ((فإن لم يكن ما قلته حقاً نرى موضعه المكين الواضح في النفس والحياة، فليكن الزمن لحظة جامدة تقف فيها دورة الفلك المغذ عن السير، ولتكن الصورة الجميلة بعد رسماً جامداً لا يعدو حدود إطاره القاهرة، حتى يأمن من مزاج صديقي الناقد، الفجيعة في حقيقة شعوره بالجمال والنفس)) (٤) . ومثل هذا يمكن قوله عن عمال الصف، والطبع والتجليد. فالإتقان ودقة الصف والتناسب غير الجمال الذي ينفخ فيه الفنان خياله، ويضفي عليه شيئاً من روحه.

стр. 6529

هذا الموقف الجمالي، الذي كشف جزءاً منه عبد الله عريف بمداخلته تلك قائم على التأمل العميق، والانغماس تحت قشور الأشياء للوصول إلى لبابها، وهذا التأمل، لا يعرف عمقه إلاّ النخبة من أهل الفكر الذين يدركون نفائس الأفكار، ويقدّرون الجهد المبذول في الغوص إليها، أما أوساط الناس وعامتهم فلا شأن لحمزة بهم، لأننا حين نكتب لهم فإننا نئد الجمال، ونطفي جذوته. إن الحياة لا تكون متحفاً للصور الجميلة والأحجار المنحوتة والخشب المنجور إلا عند أصحاب العقول المنطفئة، والأحاسيس البليدة الذين ((يخافون من الفجيعة ويفرقون من مفازع الحرية وانطلاق ومفاجآت الزمن الراكض)) (١) . ولهذا كان دور الأديب التنوير، والارتقاء بالوعي، أمّا حين يكون وعيه بمستوى وعي أوساط الناس، فإن هذه هي “ البطالة الفكرية ” التي لا تصنع شيئاً سوى الثرثرة وتسويد الصحف (٢) . يقول في قصيدة تأملات: آثرت أن أظمأ وعفت مواردي واعتضت عن نومي انتباهة ساهدِ وصرفت نفسي عن عُلالات الهوى لمّا أجلت بهنّ رأي الناقد ونذرت نفسي للجهاد فهالها ألا تشدّ على اللغوب بعاضد فإذا مراد النفس أبعد غاية مما يُعين عليه جُهد الجاهد وإذا الحياة بغير مجدٍ قصةٌ زكّى القنوط بها فواتُ الشاهدِ (٣)

стр. 6530

ويذهب عبد الله عريف إلى تسخير بعض آراء حمزة ليؤيد بها موقفه الجمالي من باب “ رميت بسهمه فأصبت مقنعه ”، وذلك من خلال تفكيك قصيدة حمزة الشهيرة “ لم أهواك؟ ” حيث يذهب عريف إلى أن ((فكرة القصيدة تقوم على أساس المبدأ التركيزي الذي يقيس به الأستاذ حقائق الأشياء وقيمها الذاتية، لتبدو أمامه الحقائق واضحة جليّة، لا يريشها الخيال، ولا تكسوها الزوائد الفكرية فما هو هذا المبدأ؟ هو مبدأ “ التعرية والتجريد ” الذي عرف به الأستاذ في كل ما تناوله ويتناوله من صور الحياة وحقائقها. ففي هذه القصيدة يقوم الأستاذ بعملية تجريديّة، يسلب بها سراوة الجمال في الإنسان الجميل، حتى لكأنك تنظر إلى دواعي الجمال، وبواعث الفتنة، تتبخر بفعل قوة تعتملها نفس الشاعر المجرّدة واستشراؤها، وتحيله كل فعالية الهيام واللوعة إلى حطام من المعاني الفاترة السخيفة؛ لأن كل معنى تحيكه النفوس الشاعرة، فتضفي به على صاحبها جمالاً وفتنة، وهو بلاشك في الطبيعة الصامتة أجمل، وأضمن لتلك المعاني المضفاة، والتي قد تكون زوراً وتلفيقاً صورها خيال الشاعر وأوهامه)) (١) . ومما قاله فيها: لِمَ أهواك؟ أيها المنعم النف س شجوناً وحيرة وشقاءَ ألحسن؟ فالحسن في البدر والز هرة أندى وقعاً وأضفى رواءَ إلى أن قال: والمعاني بوحيها ومدى الوح ي عميقٌ فيما يضمُّ الوجُودُ فتراها في قطعة الأرض والصخ رة، شعراً، لم يبله الترديدُ (٢) “ ومبدأ التعرية والتجريد ” الذي أشار إليه عريف بهذه المقالة، كان فكرة راسخة في ذهنه عن الموقف الجمالي لشحاتة ففي قصيدة بعنوان “ إليه ” نظمها عبد الله عريف، وبعث بها إلى صديقه حمزة شحاتة نجده يقول فيها: وليس سبيل العيش إدمان نظرةٍ وتجريد أفكار، وتحديد مقياس

стр. 6531

وهذا المبدأ لا ينكره حمزة فهو أول من كشف عنه في محاضرته الشهيرة “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” حيث قال: ((والتجريد مبدأ قديم لي، أو هو مرضي الذي لا أشفى منه، عرفني به من عرفوا طريقتي في الحياة، ومن قرأوا نظراتي القديمة في الخير والشر، في الفضائل والرذائل، وفي الحب، وفي الشعر)) (١) . لكن قصيدة “ لم أهواك؟ ” ليست قائمة على هذا المبدأ - كما ظن عبد الله عريف - وهو تجريد الجمال من معانيه، بل إنّ جوهرها تقديس الجمال، فيما وراء الظاهر، والبحث عن معاني الحب السامية، واستنطاق أسرارها الخبيئة (٢) . فالقصيدة رؤية عاشق ذي فكر مولع بالبحث في العلل والعلاقات، وكشف خبايا الأشياء والأفكار، فالجمال في نظر هذا العاشق ((معنى وراء السمات والشكول معنى لا تحدّه النظرة، ولا تقيده الفكرة، إنما هو جمال مطلق شائع لا تكون الحياة بما فيها إلا لفظاً هو معناه وسر الحركة والسكون والنور والظلمة فيه، فلا تكون دنيا عاشقة إذا غاب إلا دنيا “ سؤوم جم الكروب طليح ”، ((فإذا لاح أشرقت وتلقته بوجهٍ طلق المحيا صبيح)) (٣) .

стр. 6532

إذن الفرق بين “ حمزة شحاتة ” و “ عبد الله عريف ” في “ الموقف الجمالي ” أن الأول ينظر إلى الجمال نظرة الفيلسوف حين لا يكتفي بالوقوف على الظاهر، وإنما يعمد إلى تحليل عناصر الشيء الجميل وتفكيكها وإعادتها إلى أصولها، والآخر يمسّ الجمال مساً رقيقاً، يبعث في نفسه روحانية، وإلهاماً وخيالاً يحلق به في مدارج الكون. وهذا ما أدركه الأستاذ محمد عمر توفيق عندما ذهب إلى التوفيق بين هاتين الرؤيتين في مقالته التي نشرها بعنوان “ التجريد وما وراءه ” فقال: ((من هنا نزعم أنه ليس من تضاد بين النظرتين إلا بقدر ما هنالك من تخالف بين النفسين، وتغاير في الأهواء، وكل ما يفرق بينهما أن هذه نظرة شاعر وتلك نظرة شاعر فيلسوف، إذ الفلسفة قوامها التجريد والتعرية)) (١) . ويمكن أن أضيف إلى هذا الفرق الذي كشف عنه الأستاذ محمد عمر توفيق فرقاً آخر بين نمطين من التفكير، تفكير مبدع خلاّق لا يجد الجمال والمتعة إلا في البحث الدائب، والنظر المتجدد، وتفكير يميل إلى السكون ولا يحبذ المغامرة. والتفكير الابتكاري الأول نجده عند العباقرة وصناع الحياة في حين نجد الآخر عند كثير من الناس الذين يقفون على الظاهر، ولا يتجاوزون ذلك إلى أفق تنتقص معه قيمة الشيء، ويتضاءل تأثيره، لأنها لم تستنفذ طاقته الجمالية، فبقي فيه إشعاع يومض، وجاذبية تشد النفوس، وأولئك بلاشك هم الأقدر على الكشف عن أسرار الجمال، والتلذذ بالمعاناة في ذلك الكشف ((وقد نرى إنساناً يسحره البدر؛ لأنه المضيء الساطع. فإذا شبّهه بمن يحب، كانت الصلة عنده بينهما اللالاء والاستدارة. وإنساناً يرى في البدر حياله فتنة الحي الرائعة، ومشابهه وسهومه وخيالاته، وجدته وسأمه وخفوته، وله عواطفه ونوادره الظريفة إقبالاً وإدباراً ونشاطاً وفتوراً.

стр. 6533

أفلا يكون من له هذه المقدرة على توليد الصور والمعاني أفطن لحقيقة الجمال الواسعة، وأقدر على التهامها وتذوقها وعلى تركيزها وإذابتها؟)) (١) . ولكل “ جمال ” رسالة يقوم بتبليغها، ولا يوجد رسالة بلغت من أرسلت إليه، ولم يعِ شيئاً منها، لكن العقول تتفاوت في قوة الإدراك، فهناك من يقف عند حدود الأشكال والهيئات، وهناك من يبحث في الأعماق، ويغوص إلى الجوهر، وهذا منطق حمزة وموقفه الجمالي الذي أفضى به إلى البحث الدائم عن دلالات فريدة، وأشكال جديدة؛ لأن الدلالات الجمالية متناهية في الشكل الواحد، ورسالة الجمال كرسالة الربيع الطلق، لا تلبث أن تزول. وهذا هو منطق الحياة فلا يوجد حقيقة من حقائق النفس الإنسانية، أو من حقائق الحياة الماثلة، أو المتخليّة، أو من صور الجمال لا تمتد إليها يد السآمة أو لا يتحوّل بها إدمان التذوق والاستصفاء في فكر العاشق أو الشاعر أو الأديب أو الفيلسوف أو الإنسان الحي)) (٢) . حمزة شحاتة كان تفكيره الجمالي أشبه ما يكون ببندول الساعة لا وجود له إلا مع الحركة، كانت القيم الجمالية عنده في تجدّد دائم، كلما فك مغاليق الجمال، دلف إلى مغاليق أخرى ((أنا ذو مزاج سؤوم، لا أدع الزمن يفجعني في طمأنينة شعوري بطرافة الأشياء، وأيَّة حقيقة من حقائق الفكر، أو متعة من متعات الحس، أو طوبى من طوبيات الخيال الخلاب، يبقى جمالها على الزمن الماضي، أو يفض الختام كل يوم عن جمالها ومعانيها جديدة أخاذة؟)) (٣) . وبهذا المزاج السؤوم، والنفس التواقة، كان حمزة شحاتة يشعر بوجوده، ويتحسس ذاته، ويصيب لذته الجمالية ((إنما يصيب الأديب لذته الفنية، والفيلسوف متعته الفكرية من علاج الجديد وابتكاره، وحتى إذا عرض له القديم المألوف سلك إليه غير سبيله المطروحة)) (٤) .

стр. 6534

“ الجمال الظاهر ” كان جمالاً مسؤوماً؛ لأن جميع الناس يتفقون على حسنه، ويتشابهون في الاستمتاع به، لكن الفيلسوف والشاعر والعاشق المتيّم يكشفون عن معاني خفيّة “ وجمال باطن ” لا يدركه الناس ولا يشعرون به ((فالشاعر والفيلسوف والعاشق؟ لا يختلفون عن عامة الناس في هذا إلا بأنّ لهم حسّاً فوق حسّ الناس، وأمزجة أدق، وملكات أحفل إدراكاً وأخصب)) (١) . لم يكن يرغب حمزة شحاتة في الوقوف عند الحديث عن تأثير الجمال على فكره ونفسه، كما يصنع الناس، وإنما تجاوز ذلك إلى البحث عن حقيقة الجمال في ذاته، فكان الجمال معنى في النفس لا وصفاً للشيء، ولهذا حين ينقضي تأثير ذلك المعنى في النفس، يتلقفه الزمن فيلفه في دوائر النسيان. الموقف الجمالي العام كان في نظره يدّل على فساد في الطباع، وهزال في الأفكار، ومهمته أن يحارب ((فساد الطباع، وهزال الأفكار الضاوية)) وهذه الحرب لا تبدأ إلا بنبذ الركام، ومجافاة الإلف، والبحث عن الجديد، والنفاذ إلى ما وراء الظواهر من أسرار ومكونات. إن الحياة تتجدّد، والجمال يتجدّد، ولابّد أن تتجدد طرائق التعبير، ومسالك الإدراك إلا في عرف النفوس الميتة ((وما نرانا بمستطيعين أن ننكر أن النفس المحدودة قد تكون أقدر على الاحتراز؛ لأنها نفس موصدة نائمة لدواعي ما تكون فيها فترات الصحو والانتباه إلا نادرة، فشعورها بما حولها من جمال شعور راكد بليد، ما ينتهي تذوقها لمعنى من معانيه إلا وقد بدأت نومتها الثقيلة وركودها العميق. وبهذا المقياس تكون الحياة في عين الحيوان السارح هي الحياة ما يتغير فيها شيء عن معناه، ولا ينحرف عن سبيله، فيما تحسه أو تدركه، أو ترتاح إليه! وهكذا في عين المجنون، وهكذا هي في حياة الإنسان الآبد)) (٢) .

стр. 6535

الإنسان يكون إنساناً والفنان يصبح فناناً بمقدار ارتفاع درجة حرارة إحساسه بالبون الشاسع بين الواقع والممكن، وسعيه الدائب إلى تجسيد الفجوة، وبناء القناطر، وهكذا كان حمزة شحاتة إنساناً وفناناً. الفلسفة الجمالية الآليّات والخصائص آليَّات الفلسفة الجماليَّة: يختلف الإدراك الجمالي بين علماء الجمال اختلافاً كبيراً يمثله بعضهم بخزّافٍ يعمل أمام فئتين من علماء الجمال، بعضهم أخذ يمحضه النصح، وبعضهم الآخر ظل يتأمل في صنيعه، وبقي الخزّاف لا يصغي إلى أحد، ظل يفكر بجرّته (١) . والخلاف بين الموقفين خلاف في منهج النظر إلى الجمال، ولكنه في الغاية يؤول إلى نتيجة واحدة هي محاولة إيجاد رؤية جديدة ((رؤية حدسية عميقة، تعتمد على وجدان المشاهد، كما تتوافق مع مشاعر المتذوق منذ الوهلة الأولى، وتقوم على مراعاة الفروق الفردّية بين جمهرة من المتذوقين، إنها رؤية يظهر من خلالها الجمال باعتباره مخلوقاً حياً في ذاته له تجسده وتشخصه، وكيانه المبدع)) (٢) . وفي هذا السياق سنعرض للآليات التي توسلّ بها حمزة شحاتة فشكَّل فلسفته الجماليّة للفنّ وللعالم من حوله، وقد تمثلّت في أمرين اثنين هما: التجريد والحدس، كما ستعرض كخصائص “ الجميل ” كما كشفت عنها هذه الفلسفة. وحمزة شحاتة في فلسفته الجمالية يجمع بين صرامة العالم، وخيال الفنان، صرامة العالم في اتخاذه “ التجريد ” مبدأ عاماً في الحياة، يضع تحت مجهره الأشخاص والأشياء والأفكار، وخيال الفنان حين يغوص في أعماق الأشياء ليكشف عن جوهرها المخبوء. التجريد:

стр. 6536

تحليل ذهني عرفه (دوغالد استورات) بأنَّه: ((تقسيمٌ ما نصيبه من معان مركبة بغية تبسيط الموضوع الذي نتناوله بالبحث)) (١) . فهذا التحليل يعمد إلى صفة أو جزئية ويقوم بتحليلها، وردها إلى مصادرها، وتحليل قيمتها، ومعايرها، للوصول إلى المعاني الكليّة. يقول حمزة شحاتة: ((التجريد مبدأ قديم لي، أو هو مرضي الذي لا أشفى منه، عرفني به من عرفوا طريقتي في الحياة، ومن قرأوا نظراتي القديمة في الخير والشر، في الفضائل والرذائل، وفي الحب، وفي الشعر)) (٢) . التجريد تعرية وكشف يركز على الجزئيات ليصل إلى الكليات، ويستصفي المعاني الكامنة، التي عندما يُوقف على حقيقتها، يتكشف الوعي القاصر عن إدراك الحقائق، وتتهدّم المسلمات. فحين تناول حمزة فكرة القوّة في محاضرته “ الرجولة.. ” لم يقف عند حدود الفكرة الجزئية، وإنما جعلها البداية في النظر والتحليل ثم انطلق بعد ذلك إلى كشف علاقاتها للوصول إلى المعنى الكلي ((وأنا أريد التجريد والتعرية كباحث لا كمحاضر، فإني لو قصرت كلامي على الرجولة، أو على الخلق الفاضل، خشيت أن يتحوّل حديثي إلى موعظة لا تعدو أن تكون تمدّحاً حماسياً بالفضائل، دون تحليلها، وردها إلى مصادرها وتحديد قيمها، ومعاييرها، وأثرها في صميم الحياة، وعلاقتها بالنفوس)) (٣) . التجريد وإن بدا بحثاً في الجزئيات، فإنه انطلاق إلى عوالم رحبة، فالتفتيت الذرّي يكشف أدق المكونات، ويترامى في الكشف إلى آفاق قصيّة تصبح معها الذرة الصغيرة جرماً هائلاً مليئاً بالشهب والنيازك.

стр. 6537

((لهذا ستكون نظرتنا إلى الفضائل - على أن أساسها التجريد القاسي - نظرة من يريد أن ينطلق بها من حدودها الضيقة المتصلبة، إلى حدود رحيبة من الشك والوسواس، خاضعاً لسعة إدراكه لأطرافها، وخفاياها ورموزها، وعلاقاتها بأشباهها، وهو لا يفعل بها هذا ليضعفها، بل ليبلغ بها أبعد حدود القوة والاحتمال)) (١) . والتجريد وضوح وتعرية، يطمح من خلاله المفكر إلى كشف جوهر الأفكار والأشياء والأشخاص، ليتحقق الوعي في أسمى صوره، فتكون المواقف من الأفكار والأشياء والأشخاص مؤسسة على إدراك عميق بالحقيقة ((إنما أريد الوضوح والتعرية، وإنما أريد أن نعرف جميعاً حقيقة الفضائل والرذائل، وقرابتها من العقل المبصر، وحقيقة الإيمان بها، ونصيب هذا الإيمان من الصحة والقوة، كما نعرف حقيقة كائن حي نشأ وترعرع واكتمل، وانساق بعوامل الحياة حوله. عسانا إن آمنا بالفضيلة بعد أن نؤمن بشيء نعرف معناه، ونعرف مواضع الضعف والقوة فيه)) (٢) . التجريد بهذا المسلك يهز النفوس، ويوقظ الإرادة، حين يشكك في المعرفة، ويتخذ من الشك منهجاً في الوصول إلى المعرفة، ولهذا لا يتقبله الناس لأن الناس لا يتقبلون التشكيك في معتقداتهم الفكرية فهو ((فرض ينازل حقيقة تحجر بها الاصطلاح، ووهم ينازل اعتقاداً، وشك تعارض به معرفة. ومازالت النفوس أضعف استعداداً لقبول المفاجآت التي تحاول أن تنتزع من معتقداتها ومشاعرها، شيئاً له قيمته وقداسته، وله صلابته العنيدة)) (٣) . الحدس:

стр. 6538

أما خيال الفنان في إدراك الجمال، فيتمثل في الحدس، واستكناه الجوهر، والبحث عن الغرائبي والمدهش، وهذه الرؤية النافذة لا تتأتى إلا لمن يملك حسّاً جمالياً عميقاً، نلمس هذا في حديثه عن جماليات الأدب، وجماليات المكان، وجماليات الإنسان، حيث كانت آراء متفردة، لم تكن لتتحقق، لولا خياله الخلاّق، ونظراته المحلقة. الصرامة والحدس أهم وسائل الإقناع عند حمزة فالعقل والحجة الدامغة لا تكفي لزراعة القيم الجماليّة، كما أن الخيال المتدفق لا يصنع وحده وعياً جمالياً. فالإنسان عقل ووجدان، والخطاب الجمالي يجب أن يتأسس على هذين البعدين معاً (١) . هذان هما المفتاح لبناء وعي خلاّق، فمتى التمسنا الولوج إلى عالم الإنسان بغير هذا المفتاح، ضللنا الطريق، وفقدنا الأداة، وتعثرت الجهود. حمزة شحاتة جعل من التعرية والتجريد مذهباً في حياته لأنه لم يرد أن يكون زعيم القبيلة، وإنما أراد أن يكون قديسها و ((الفرق بين زعيم القبيلة وقديسها أن الأخير مطالب دائماً بالتزام الحقيقة والتجرد)) (٢) . التجريد نظرة حيادّية فاحصة، لا تكون إلاّ لمن يستعلي بذاته وفكره على القيود المكبلة، والقوالب الجاهزة، وهؤلاء هم المفكرون ((لا تكون النظرة إلى حقائق الحياة والفكر خالصة إلا من أناس يرون أنفسهم فوق قيودها وقوالبها، وهؤلاء يدعون بالمجانين تارة، وبالفلاسفة وقادة الفكر تارة..)) (٣) . “ والصرامة والحدس ” جعلتا من حمزة شحاتة فيلسوفاً ومتذوقاً وناقداً في آن واحد - بمعزل عن أنه كان مبدعاً للجمال - فهو فيلسوف حين يتأمل، ويفكّر، ويحلّل، ومتذوق عندما يستمتع بما ينطوي عليه الجمال من سحر وإبداع، وناقد إذ يبحث عن القيمة ويتحدث في التقويم.

стр. 6539

والإدراك الجمالي لدى حمزة إدراك متوازن، فمع أن موقفه أولاً “ موقف جمالي ” يتأمل ويحلّل ويتذوق ويحكم، فإن الموقف عنده يترامى إلى آفاق أخرى، تجعل من الجمال “ قيمة نفعية ” تزرع الفضيلة، وتثري العقل والوجدان، فالجميل ليس جميلاً لذاته فقط، وإنما هو جميل بما يحدثه من أثر، وهذا الموقف يقترب من موقف الناقد الإنجليزي ريتشاردز الذي يجعل من الخبرة الجماليّة قوّة منسقّة بين مجموع الدوافع المختلفة لدى الإنسان، مما يتولّد عنها شيء من اللذة والتوازن (١) خصائص الجميل: والجميل عند حمزة هو الذي تنفعل به النفس، فهو “ شعوري ذاتي ” وإن كان الموضوع باعثاً، وبهذا لا يكون الجميل ما تناسق وتآلف إذا لم يثر الشعور الجميل الذي نحسّ به، فالجميل “ إحساس داخلي ” وليس “ مادة متناسقة ” ولهذا لا يكون الشيء جميلاً عند من فسد ذوقه الجمالي، أو طمس الإلف محاسن الجمال في نفسه. والجميل يظل جميلاً ما كان قادراً على البذل وإنجاب الدلالات والقيم، فالزمن جزء من حقيقته، أما حين تستصفي النفوس معانيه، فإنه ينفصل عن الزمن ويصبح قطعة أو فكرة بالية غير قادرة على التجدد والإثارة، وهذا هو الموت وتوقف الحركة.

стр. 6540

والجميل كمال بلا نقص، فصفة الكمال نجد حمزة شحاتة في كل تأملاته في الأدب والكون، وفضائل النفس، والمكان حريصاً عليها وإن كانت هذه الصفة لا تكاد تتحقّق، ولكن قيمتها تكمن في أنها أمل ممطول ((فما يزال الكمال نشيد الحياة الممطولة، ووهمها الذي تنساق أبداً في طلابه. ومادامت مراحل الحياة تمتد ولا تنتهي. وقوافل الأحياء تسير ما يثقل خطاها الزمن الجاهد. ومادام التغيّر الدائم دأب الحياة وسبيل فيها، فهل تقول: إن شيئاً كمل، قبل أن يوفى على غاية ما ويبلغ تمامه؟)) (١) . “ البحث عن الكمال ” كان مطلباً جمالياً عند حمزة كما كان غاية حياة عند حمزة شحاتة، يقول عنه صديقه عزيز ضياء ((إن خصيصة حمزة شحاتة التي تبدو خليقة من خلائق العبقرية النادرة، هي القدرة على إتقان ما يولع بإتقانه، بحيث لم يكن يرضى قط إلا بأقصى مراتب التفوق فيما يعنّ له أن يُعنى بمعرفته ودرسه)) (٢) . وقد ذهب الدكتور الغذامي إلى أن عقدة “ الناقص ” تستحوذ على فكر حمزة وسلوكه، وتقلق روحه، فتحركها لطلب الكمال، ولكنها لا تصل إليه، ولا تسلم من ارتكاب الخطيئة، وهذا سبب شقاء النفوس العظيمة التي ترى النقص، وتفلسف الكمال، وفي غفلة من وازع الكمال تقع في الخطأ (٣) .

стр. 6541

فالعلاقة بين التفكير الجمالي عند حمزة وخبرته بالحياة علاقة وطيدة، بل إننا لا نكاد نفهم أبعاد التفكير الجمالي عند حمزة شحاتة بمعزل عن معرفة حياة هذا المفكر، وما صادفه في رحلته من المتاعب والمشكلات، التي أذكت لديه روح القوّة، وعشق الجمال في سموّه، وقدرته على التأثير في سلوك الأفراد والمجتمعات (١) . مجالات الفلسفة الجماليات ١ - جماليات البيان: أ - الأدب: يشكل البحث في جماليات الأدب محوراً مهماً من محاور فلسفة الجمال عند حمزة شحاتة، كشف من خلاله عن مادة الأدب، وأجناسه، وموضوعاته، وعرض لماهية الشعر وبواعثه وأغراضه كما يتصوّرها من منظوره الجمالي. مادة الأدب: ينطلق حمزة شحاتة في فلسفته من وعي دقيق بجماليات اللغة الأدبيّة يربط فيه الأدب بالفنون التشكيلية وفن المعمار، فإذا كان ((الحجر مادة البناء الأول)) (٢) ، فإن ((الكلام هو وسيلة التعبير عن أغراضنا، وأداة تشكيلها، وتصويرها - فهو بهذا - مادة البناء الأولى في مطالب النفس، والفكر)) (٣) . هذه المادة “ الحجر ” يمكن أن تكون ملاذاً للإنسان حين يشكل منها منزله الذي يأوي إليه، ويحتمي به، وهنا تكون القيمة بسيطة، والغاية محدودة، وحين يترقى الوعي، ويتجاوز الإنسان المطالب الضرورية إلى الكماليات يتحوّل الحجر إلى غاية أسمى حيث يصنع به الإنسان ((منزلاً متكامل الصورة في النفع، والتناسق، والوثاق على نحو أوسع، استيعاباً للمطالب المتطوّرة)) (٤) .

стр. 6542

وقد يتخطى الحجر هذه القيمة الجمالية إلى منزلة أسمى حين يكون مادة في يد الفنان “ النحات ” الذي يشكّل منه نحتاً فنيّاً يتخطى به المنفعة وجمال الشكل إلى جمال المعنى ((النحات يصنع منه التماثيل، والزخارف، وفاتن الأشكال، لا يضع فيها دقة الصناعة، وجمالها، والنفع.. بل المعنى والفكرة، ورمز الفن وتعبيره، وأثرها في الخيال. فصناعة النحت أتاحت للحجر تعبيراً أرقى من تعبيره في المأوى الحاجيّ، وفي المنزل الكامل)) (١) . والكلام بوصفه مادة البناء الأولى، وأداة التعبير عن الأفكار والمشاعر يترقّى في سلم الجمال بترقي الخطاب الذي تشكل من تلك المادة، المتحدث العادي يصنع به “ صور أغراضه ومراميه وشعوره ” (٢) ، فتكون الغاية من توظيف هذه المادة التواصل مع الآخرين وهي أدنى غايات الكلام وأقلّها جمالاً، ((ويصنع به الخطيب والكاتب وسيلة التأثير والاستفزاز، والاستهواء وترسيخ الغرض، وتوكيد الطلب، وعرض الفكرة، والدّعوة إليها)) (٣) . وهنا يدخل الكلام عالم الأدب فتكون الغاية الإثارة والإمتاع، وليس التفاهم والتواصل؛ لأن الخطيب والكاتب لا يهدفان إلى توصيل الفكرة، بقدر ما يهدفان إلى التأثير بها، واستمالة القلوب إليها ((ويصنع به الشاعر كل ذلك أو بعضه في صور أعمق فنيّة، وأوضح مثالية، وأفصح جمالاً، وأروع فتنة)) (٤) . وهذه الفتنة هي الغواية والسحر الحلال الذي يمثل أرقى صور الجمال حيث يكون الكلام متبوعاً لا تابعاً، لما ينطوي عليه من قيم الجمال، وسحر البيان الذي يخيّل للإنسان مالا يتخيّل فيخلب لبّه، ويسحره، ويطهّره من أدرانه.

стр. 6543

وهذا الترقي الجمالي في وظيفة “ الحجر ” والكلام يجب أن يكون معلوماً للمتأمل في الجمال، فالمنفعة والمتعة أمران مختلفان في الحكم الجمالي ((والناس لا يطلبون في المأوى الحاجي مالا يحققّه إلا المنزل المتكامل، ولا في المنزل المتكامل - من حيث توسع أغراض الصناعة والارتفاق - ما يطلبونه في صناعة النحت التي تستهدف التعبير الفني عن الفكرة فهم أيضاً لا يلتمسون في الخطيب ما يلتمسونه عند الكاتب، ولا عند الكاتب ما يلتمسونه عند الشاعر. فالشاعر إذن صاحب صناعة فنية، مثالية، رفيعة تتصرّف بمادة البناء الأولى في أبنيتها، وصورها تصرّفاً أوسع مدى من تصرّف المتحدث، والخطيب والكاتب)) (١) . لكن جمالية الأدب أو أدبيته التي تجعل منه كلاماً له خصوصيته في التشكيل والرؤيا، وتضمن له التأثير والإمتاع والإغواء لا تعني عند حمزة شحاتة ألاّ يكون للأدب رسالة فالجمال والوظيفة لا يتنافران. ((الأدب في خدمة المجتمع لا يكون ولن يكون أدباً متجرّداً من جمال الفن وفن الجمال. إن الإنسان هدف الوجود، وغايته ومغزاه، والإنسان وعلاقاته بالطبيعة مجتمعين أو متفرقين هدف الأديب والفنان)) (٢) .

стр. 6544

فالأدب لا يُعَدّ أدباً حين يتشبث بالمقوّم الجمالي ويستوفيه، ولا يكون أدباً بسمو وظائفه، ونقاء مضامينه، فهناك يكون شكلاً جمالياً خالياً من الروح، وهنا يكون مضامين باردة، ووظائف عارية لا يسترها الفن بشفافيته الساحرة، وإنما الأدب هو جمالٌ في الشكل وجمالٌ في المضمون، وتناسب بين الجمال الجسدي والجمال الروحي وهذه “ الوسطيّة الجمالية ” ذخيرة من ذخائر تراثنا العربي الذي يتأسس فيه الوعي الجمالي على تصور كوني خالد للوجود لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولهذا يجعل الأدب ضرباً من “ الجهاد ” يقول: ((أيها الأديب الذي يظنّ أنّ ما وهبه الله من إدراك ويقظة، حقّه لاحق الأمة عليه، ولا أمانتها عنده، الأدب نصيبك من الجهاد فاصدع به وتصبّب عرقاً للأمة التي ما بلغت بك الرشد على ضعفها، حتى تصبّبتْ عرقاً، كن لنفسك قليلاً، ولها كثيراً واستح)) (١) . الموضوع الأدبي: وهذا “ الجهاد الثقافي ” الذي يشكل الأديب إحدى ترساناته يجعل الموضوع الأدبي مُلْكاً مشاعاً للأديب ولغيره من الناس، لكنّ عبقريّة الأديب تكمن في قدرته على إضفاء مسحة من الجمال الأدبي، على موضوعه والارتقاء به إلى الأدب في خصوصيته، ولهذا لا فرق عنده بين محام وأديب وصحافي إلا بالإجادة والإتقان ((ولست مؤمناً بالفكرة القائلة إن للأدب مواضيع محدودة إذا تجاوزها الكاتب إلى غيرها خلعت عنه سمة الأديب، واعتبر أن بعض مذكرات المحامين ومرافعاتهم من أرفع النماذج الأدبيّة وليست المحاماة أقرب إلى الأدب لأي سبب من الصحافة)) (٢) .

стр. 6545

والأدب الجميل لابد له من خصوصيّة تميزه عما سواه، وتدلّ عليه لكن أدبنا السعودي – بمنظور حمزة شحاتة في زمنه - ليس له أي خصوصية ((أو حتى شخصية بينة المعالم)) . والسبب في ذلك ولعنا بالاقتباس، وتعرّضنا لسيل متدفق من الهجرة لا يساعد على تشكيل خصوصيّة في الأدب، فنحن - عنده - في “ دور التكوين ” وهو دور سيطول كما يقول (١) . ولكنّ الواقع الأدبي المعاصر تجاوز هذا الدور واستطاع أدباؤنا أن يشكلّوا خصوصيّة للأدب السعودي تربطه بقدسيّة المكان، وعظمة الإنسان مع استمرار سيل الحراك الاجتماعي، وتنامي حركة المثاقفة مع آداب العالم وثقافاته المتعدّدة. “ ودور التكوين ” الذي يتحدث عنه حمزة شحاتة كان صوتنا الأدبيُّ فيه خافتاً مع وجود أدباء وشعراء كبار لا يقلّون إبداعاً عن معاصريهم من أدباء وشعراء العالم العربي والسبب في ذلك لا يكاد يخرج عن غياب “ الخصوصيّة ” التي أشار إليها وهي ما يسميه “ بالخبطة ” التي لم تتح لأحد مبدعينا، و “ الخبطة ” الأدبيّة تكمن في “ عنصر الإثارة ”، ((إن فقدان عنصر الإثارة والعنف، والانطلاق إلى الأجواء العليا، أو التردّي في الأغوار السحيقة هي السبب في عجز آثار شعرائنا الجياد عن الحركة والتطويف)) (٢) . فغياب هذا العنصر الجمالي “ الإثارة ” هو الذي جعل أدبنا يقف في صف واحد مع أدب الأقطار العربيّة الأخرى، ومع صحة دعوى حمزة هذه، فإنّ هناك لعبة ثقافية لم تزل تتجدّد في ثقافتنا العربيّة وهي لعبة “ المركز والأطراف ” فهناك بلدان ثقافية عربيّة تحتكر “ المركز ”، وتنظر إلى أدب وثقافة الأوطان الأخرى نظرة منحازة إلى الذات، الأمر الذي يطمس الخصوصيّة، إن لم نقل يلغي الوجود الثقافي برمّته كما يحدث مع “ المثقف الخليجي ” المعاصر، وهناك “ مجاعة أدبية ” تضرب بأطنابها على إعلامنا الداخلي، حيث لم يقم بدوره المأمول تجاه خدمة أدب بلادنا. جماليات التلقي:

стр. 6546

وحين يعرض حمزة شحاتة “ لجماليات التلقي ” يصوّر الواقع الثقافي تصويراً مؤلماً فتنقلب فيه نظرية الاتصال رأساً على عقب يصبح فيه الطالب مطلوباً، والمطلوب طالباً ((من الحقائق المحزنة أنّ حاجة الكاتب إلى قرّاء أكثر من حاجة القرّاء إلى كاتب، ولا يبدو أنّ هناك أملاً في أن يتغير وضع هذه العلاقة في بلادنا)) (١) . هذه المعادلة المقلوبة تثير إشكالية متجددة هي العلاقة بين الكاتب والجمهور، الكاتب الذي يطمح إلى الارتقاء بوعي المتلقي، والمتلقي الذي يستعبده الإلف، وتقيّده الأعراف، وحمزة شحاتة لا يتوقف عند هذه الإشكاليّة فيتخطاها إلى البحث في “ سيكلوجيّة الجمهور ” وسيكلوجية الكاتب ((الجماهير من الوجهة النفسيّة والعاطفية والعقلية أيضاً كالأطفال في حُبّ عناصر الإثارة والتغيير، والانفعال بمظاهر البطولة والانتصار، وارتقابها بحماس، وفي فقدان القدرة على تمييز المعقول، واللامعقول، والممكن والمتعذر)) (٢) . هناك أفق توقع لدى الجماهير ترسخ في الذهن، أملته ثقافة العادة، هذا الأفق مبنيٌّ على “ وعي طفولي ” مولع بالإثارة والتغيير أيّاً كان، ولهذا تغيب فيه صفة “ الغربلة ” و “ التمييز ”، ويختلط الجيد بالرديء والمعقول باللاّمعقول. فحمزة شحاتة يبحث عن “ متلقٍ حاذق ” يعي شرائط الجمال، ويتعاطاه من جهته، فيتأثر به، ويضفي عليه دلالات جديدة. والجمال الأدبي بحاجة إلى هذا المتلقي الذي يتعاطف مع النص، ويستغرق فيه، ليكتشف خصوصيّته، ويمنحه حضوره؛ لأن المتلقي الحاذق يحيي النَّص ويغنيه عندما يضفي عليه دلالات ربّما لو سئل المبدع عنها لم يجد جواباً، وقد عنيت المناهج النقدّية بهذه القضيّة حتى نشأ في النقد الحديث اتجاه نقدي يعرف “ بجماليّة التلقي ” يبحث في النَّص من جهة متلقيه الذي يعدّ بمثابة الركيزة الأساسيّة في هذا المنهج. الغموض:

стр. 6547

أمّا “ الكاتب ” مع قرائه فهو أحد اثنين إمّا أن يكون مفهوماً، وإما أن يكون غامضاً فحين يكون مفهوماً وواضحاً بدرجة تحرك العواطف، وتثير الحماس، يحتاج إلى طريقة خاصة كطريقة العرَّاف في استحضار العفاريت والأرواح الشريرة، لأنها الطريقة المناسبة لغريزة الجماعة المولعة بالاستسلام للأوهام (١) . وحين يكون غامضاً ومداوراً فهذه “ خطيئته ” في نظر الجماهير ((لأنهم يجهلون أن القلم شيء، والهراوة شيءٌ آخر)) (٢) ، على أن الدوران كثيراً ما يكون نتيجة “ أزمة تعبير ” أدركها حمزة شحاتة وهو أحد صناع الأدب ((إنيّ، ككاتب قديم، لا أجد في أكثر الأحيان الكلمات التي تعبر تعبيراً مباشراً، أو جليّاً عمّا أريد الإفضاء به الكلمات التي تحمل التأثير وتنقله.. هذا ما نسمّيه بأزمة التعبير)) (٣) . ويكون سبب الغموض في بعض الأحيان عند الكاتب الهارب من سلطة الوضوح “ استراتيجية كتابيّة ” يهدف الكاتب من خلالها إلى أن ((يعطينا جرعة أكبر من التنبيه، والالتفات، واليقظة، وحدّة الشعور بأغراضه)) (٤) . أي أن الغموض إنما كان مطلباً للوضوح بمعناه “ الجمالي ” حين يكون الكلام فصيحاً في التعبير عن المشاعر والأفكار، وهذا أمر استوقف البلاغيين والنقاد العرب في فلسفتهم الجمالية للغموض حيث جعلوه مع الوضوح وجهين لعملة واحدة، لا يوجد أحدهما بمعزل عن الآخر. الكاتب إذن يعيش مشكلة في كلا الحالتين عندما يكون أكثر أو أقلّ ذكاءً من قرّائه، فهو في “ أزمة تعبير ” خانقة، إما نتيجة لعبقريته ورؤيته الاستشرافية، أو بسبب انسياقه وراء “ عقلية القطيع ” التي أدمنت الاسترخاء الذهني، والكسل العقلي، والوقوف عند ظواهر الجمال. رسالة الأدب:

стр. 6548

حمزة شحاتة انطلاقاً من وعي برسالة الأدب والأديب معاً في تنوير هذه العقليّة، والارتقاء بوعيها الجمالي، يرفض “ التهريج والاجتذاب ”؛ لأن العلاقة بين الكاتب وقرائه ((ليست علاقة الحبيب بحبيبه، ولا هي علاقة الخادم بسيده)) (١) ، ولهذا يضحّي بالعلاقة في سبيل الفنّ، أو لنقل يقدّم “ أدبية الأدب ” على “ غاية الأدب ” لفئة متبلّدة الحسّ. إن حرص الكاتب على العلاقة الحميمة بجمهوره قد تؤدي إلى ابتذال جماليات القول في سبيل استرضاء الجماهير؛ وهذا كفرٌ بجماليات القول، وبرسالته ((فإن كنّا لا نكتب إلاّ لأوساط الناس فقد وأدنا خير عناصر الجمال، وأقوى وأحفل معاني الفكر والنفس، ولم يكن أثر جهدنا المبذول أكثر من متعة يزجى بها الفراغ، ويتاح اللهو للنفوس الراكدة والعقول المهمومة)) (٢) . ولهذا كان حمزة شحاتة أحد المشتغلين “ بإقلاق النوم العام ”، الذين استنّوا في الكتابة سبيلاً خاصاً جوهره “ الإقلاق النفسي ” للناس في معتقداتهم الفكريّة والجماليّة، فاتخذ من لغة الهدم سبيلاً للبناء مخالفاً بذلك الأعراف الأدبيّة الشائعة ((وشأن الأديب في العرف أن يضاعف محاسن الحياة، ويزيد الشعور بمسرّاتها، لا أن يمسخ صورها الجميلة، ويهدمها، ولكن هل يسع كل أديب أن يكون هذا مذهبه، فذاك حيث ألقى الناس كما لقيتهم بجديد هو لغة الهدم والبعثرة والإقلاق في نفوسهم ومعتقداتهم الفكرية، ولغة البناء في منطق فكره واعتقاده)) (٣) . ب - الشعر: ماهيّة الشعر:

стр. 6549

والشعر هو أرقى فنون القول، وأعلى مراتب الكلام، إنه ((كلام وصناعة وفن)) . لكنه ليس أيّ كلام وأيّ صناعة وأيّ فن إنه في جميع هذه الصور ((الترف الحافل بمعاني القدرة المعبّرة، وذخائرها النفيسة في أبهى الحلل والأثواب حتى بساطته - وهي من أسمى صفاته وغاياته - إنما تكون ترف البساطة الفنيّة بالمذخورات، لا فقرها العاري أو المتكلف)) (١) وتعريف حمزة للشعر أو وصفه له لا يفي بشرائط الشعريّة مع دقة حمزة شحاتة في عباراته، وتأملاته؛ لأن الشعر كائن يستعصي على الوصف، ومع هذا إذا وضعنا هذا الوصف في سياقه الثقافي والتاريخي الذي قيل فيه بدا أكثر وعياً بالشرائط الفنية للشعر من حيث هو “ تشكيل جمالي لغوي ” لاسيما في زمن المدّ الرمانتيكي الذي أغرق الشعر في دوّامة المشاعر والانفعالات الذاتية. والملاحظ أنَّ جميع الساخطين على تعريفات الشعر - بسبب من قصورها عن إدراك حقيقة الشعر - لم يستطيعوا أن يقدّموا البديل المناسب؛ لأن جمالية الشعر تظل مرتبطة بغموضه واستعصائه على التحديد. الأسلوب: والشعر لغة، لأن اللغة هي مادته التي يتشكّل منها، ومعضلة الإبداع تبدأ من صراع الشاعر مع اللغة فهو يستخدم اللغة التي استخدمها شعراء العربيّة قبله، بقوانينها الصوتية والصرفية والنحوية والدلاليّة. فلا يستطيع أن يبني له لغة خاصة في قوانينها ونظامها اللغوي ومع هذا فالإبداع لا يتحقق إلا ببناء لغة داخل هذه اللغة كما فعل شعراء العربيّة الكبار (٢) . والأسلوب ((قوام الشعر كما هو قوام الغناء، أو كما هو قوام كل فاتن وجميل وقويّ ومؤثر في جملة ما يتوقف حصول تأثيره على اجتذاب الرغبة فيه، وإثارة الإعجاب به، وتحريك الميل إليه)) (٣) .

стр. 6550

ومفهوم الأسلوب عند حمزة شحاتة يعني “ منهج الفن الجميل ” في التعبير والتأثير، إنَّه ((فنّ القدرة على استخدام المظاهر، وتطويعها للتعبير عمّا ترمز إليه تعبيراً تنهض به الفتنة، ويستقيم التأثير. إن فن الحركة، وفنّ توزيع الألوان، أو الأنوار، والتصرّف في تسليطها، وتقدير نسب سقوطها على الأمكنة والأشخاص والمناظر والحالات، وفن تزويق الملابس بالتقصير، والتطويل، والتضييق، والإرخاء، والشدّ، واللّف، والضم والمواءمة أو المفارقة بين خطوط اتجاهاتها بالمعارضة والانحراف. إن كل ذلك أسلوب يصنع صوراً من الجمال أخاذة السحر والفتنة، تكبّر الصغير، وتجلو الغامض أو تكسب بالغموض المتوخى أسباباً مثيرة للافتتان.. أو تواري القبح، أو تصوغ بالمغالطة عن الحقيقة صواباً فنيّاً، يهزّ أو يحرّك الإقبال)) (١) .
следующие страницы →