← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

وحين يعرض حمزة شحاتة “ لجماليات التلقي ” يصوّر الواقع الثقافي تصويراً مؤلماً فتنقلب فيه نظرية الاتصال رأساً على عقب يصبح فيه الطالب مطلوباً، والمطلوب طالباً ((من الحقائق المحزنة أنّ حاجة الكاتب إلى قرّاء أكثر من حاجة القرّاء إلى كاتب، ولا يبدو أنّ هناك أملاً في أن يتغير وضع هذه العلاقة في بلادنا)) (١) . هذه المعادلة المقلوبة تثير إشكالية متجددة هي العلاقة بين الكاتب والجمهور، الكاتب الذي يطمح إلى الارتقاء بوعي المتلقي، والمتلقي الذي يستعبده الإلف، وتقيّده الأعراف، وحمزة شحاتة لا يتوقف عند هذه الإشكاليّة فيتخطاها إلى البحث في “ سيكلوجيّة الجمهور ” وسيكلوجية الكاتب ((الجماهير من الوجهة النفسيّة والعاطفية والعقلية أيضاً كالأطفال في حُبّ عناصر الإثارة والتغيير، والانفعال بمظاهر البطولة والانتصار، وارتقابها بحماس، وفي فقدان القدرة على تمييز المعقول، واللامعقول، والممكن والمتعذر)) (٢) . هناك أفق توقع لدى الجماهير ترسخ في الذهن، أملته ثقافة العادة، هذا الأفق مبنيٌّ على “ وعي طفولي ” مولع بالإثارة والتغيير أيّاً كان، ولهذا تغيب فيه صفة “ الغربلة ” و “ التمييز ”، ويختلط الجيد بالرديء والمعقول باللاّمعقول. فحمزة شحاتة يبحث عن “ متلقٍ حاذق ” يعي شرائط الجمال، ويتعاطاه من جهته، فيتأثر به، ويضفي عليه دلالات جديدة. والجمال الأدبي بحاجة إلى هذا المتلقي الذي يتعاطف مع النص، ويستغرق فيه، ليكتشف خصوصيّته، ويمنحه حضوره؛ لأن المتلقي الحاذق يحيي النَّص ويغنيه عندما يضفي عليه دلالات ربّما لو سئل المبدع عنها لم يجد جواباً، وقد عنيت المناهج النقدّية بهذه القضيّة حتى نشأ في النقد الحديث اتجاه نقدي يعرف “ بجماليّة التلقي ” يبحث في النَّص من جهة متلقيه الذي يعدّ بمثابة الركيزة الأساسيّة في هذا المنهج. الغموض:

стр. 6547

أمّا “ الكاتب ” مع قرائه فهو أحد اثنين إمّا أن يكون مفهوماً، وإما أن يكون غامضاً فحين يكون مفهوماً وواضحاً بدرجة تحرك العواطف، وتثير الحماس، يحتاج إلى طريقة خاصة كطريقة العرَّاف في استحضار العفاريت والأرواح الشريرة، لأنها الطريقة المناسبة لغريزة الجماعة المولعة بالاستسلام للأوهام (١) . وحين يكون غامضاً ومداوراً فهذه “ خطيئته ” في نظر الجماهير ((لأنهم يجهلون أن القلم شيء، والهراوة شيءٌ آخر)) (٢) ، على أن الدوران كثيراً ما يكون نتيجة “ أزمة تعبير ” أدركها حمزة شحاتة وهو أحد صناع الأدب ((إنيّ، ككاتب قديم، لا أجد في أكثر الأحيان الكلمات التي تعبر تعبيراً مباشراً، أو جليّاً عمّا أريد الإفضاء به الكلمات التي تحمل التأثير وتنقله.. هذا ما نسمّيه بأزمة التعبير)) (٣) . ويكون سبب الغموض في بعض الأحيان عند الكاتب الهارب من سلطة الوضوح “ استراتيجية كتابيّة ” يهدف الكاتب من خلالها إلى أن ((يعطينا جرعة أكبر من التنبيه، والالتفات، واليقظة، وحدّة الشعور بأغراضه)) (٤) . أي أن الغموض إنما كان مطلباً للوضوح بمعناه “ الجمالي ” حين يكون الكلام فصيحاً في التعبير عن المشاعر والأفكار، وهذا أمر استوقف البلاغيين والنقاد العرب في فلسفتهم الجمالية للغموض حيث جعلوه مع الوضوح وجهين لعملة واحدة، لا يوجد أحدهما بمعزل عن الآخر. الكاتب إذن يعيش مشكلة في كلا الحالتين عندما يكون أكثر أو أقلّ ذكاءً من قرّائه، فهو في “ أزمة تعبير ” خانقة، إما نتيجة لعبقريته ورؤيته الاستشرافية، أو بسبب انسياقه وراء “ عقلية القطيع ” التي أدمنت الاسترخاء الذهني، والكسل العقلي، والوقوف عند ظواهر الجمال. رسالة الأدب:

стр. 6548

حمزة شحاتة انطلاقاً من وعي برسالة الأدب والأديب معاً في تنوير هذه العقليّة، والارتقاء بوعيها الجمالي، يرفض “ التهريج والاجتذاب ”؛ لأن العلاقة بين الكاتب وقرائه ((ليست علاقة الحبيب بحبيبه، ولا هي علاقة الخادم بسيده)) (١) ، ولهذا يضحّي بالعلاقة في سبيل الفنّ، أو لنقل يقدّم “ أدبية الأدب ” على “ غاية الأدب ” لفئة متبلّدة الحسّ. إن حرص الكاتب على العلاقة الحميمة بجمهوره قد تؤدي إلى ابتذال جماليات القول في سبيل استرضاء الجماهير؛ وهذا كفرٌ بجماليات القول، وبرسالته ((فإن كنّا لا نكتب إلاّ لأوساط الناس فقد وأدنا خير عناصر الجمال، وأقوى وأحفل معاني الفكر والنفس، ولم يكن أثر جهدنا المبذول أكثر من متعة يزجى بها الفراغ، ويتاح اللهو للنفوس الراكدة والعقول المهمومة)) (٢) . ولهذا كان حمزة شحاتة أحد المشتغلين “ بإقلاق النوم العام ”، الذين استنّوا في الكتابة سبيلاً خاصاً جوهره “ الإقلاق النفسي ” للناس في معتقداتهم الفكريّة والجماليّة، فاتخذ من لغة الهدم سبيلاً للبناء مخالفاً بذلك الأعراف الأدبيّة الشائعة ((وشأن الأديب في العرف أن يضاعف محاسن الحياة، ويزيد الشعور بمسرّاتها، لا أن يمسخ صورها الجميلة، ويهدمها، ولكن هل يسع كل أديب أن يكون هذا مذهبه، فذاك حيث ألقى الناس كما لقيتهم بجديد هو لغة الهدم والبعثرة والإقلاق في نفوسهم ومعتقداتهم الفكرية، ولغة البناء في منطق فكره واعتقاده)) (٣) . ب - الشعر: ماهيّة الشعر:

стр. 6549

والشعر هو أرقى فنون القول، وأعلى مراتب الكلام، إنه ((كلام وصناعة وفن)) . لكنه ليس أيّ كلام وأيّ صناعة وأيّ فن إنه في جميع هذه الصور ((الترف الحافل بمعاني القدرة المعبّرة، وذخائرها النفيسة في أبهى الحلل والأثواب حتى بساطته - وهي من أسمى صفاته وغاياته - إنما تكون ترف البساطة الفنيّة بالمذخورات، لا فقرها العاري أو المتكلف)) (١) وتعريف حمزة للشعر أو وصفه له لا يفي بشرائط الشعريّة مع دقة حمزة شحاتة في عباراته، وتأملاته؛ لأن الشعر كائن يستعصي على الوصف، ومع هذا إذا وضعنا هذا الوصف في سياقه الثقافي والتاريخي الذي قيل فيه بدا أكثر وعياً بالشرائط الفنية للشعر من حيث هو “ تشكيل جمالي لغوي ” لاسيما في زمن المدّ الرمانتيكي الذي أغرق الشعر في دوّامة المشاعر والانفعالات الذاتية. والملاحظ أنَّ جميع الساخطين على تعريفات الشعر - بسبب من قصورها عن إدراك حقيقة الشعر - لم يستطيعوا أن يقدّموا البديل المناسب؛ لأن جمالية الشعر تظل مرتبطة بغموضه واستعصائه على التحديد. الأسلوب: والشعر لغة، لأن اللغة هي مادته التي يتشكّل منها، ومعضلة الإبداع تبدأ من صراع الشاعر مع اللغة فهو يستخدم اللغة التي استخدمها شعراء العربيّة قبله، بقوانينها الصوتية والصرفية والنحوية والدلاليّة. فلا يستطيع أن يبني له لغة خاصة في قوانينها ونظامها اللغوي ومع هذا فالإبداع لا يتحقق إلا ببناء لغة داخل هذه اللغة كما فعل شعراء العربيّة الكبار (٢) . والأسلوب ((قوام الشعر كما هو قوام الغناء، أو كما هو قوام كل فاتن وجميل وقويّ ومؤثر في جملة ما يتوقف حصول تأثيره على اجتذاب الرغبة فيه، وإثارة الإعجاب به، وتحريك الميل إليه)) (٣) .

стр. 6550

ومفهوم الأسلوب عند حمزة شحاتة يعني “ منهج الفن الجميل ” في التعبير والتأثير، إنَّه ((فنّ القدرة على استخدام المظاهر، وتطويعها للتعبير عمّا ترمز إليه تعبيراً تنهض به الفتنة، ويستقيم التأثير. إن فن الحركة، وفنّ توزيع الألوان، أو الأنوار، والتصرّف في تسليطها، وتقدير نسب سقوطها على الأمكنة والأشخاص والمناظر والحالات، وفن تزويق الملابس بالتقصير، والتطويل، والتضييق، والإرخاء، والشدّ، واللّف، والضم والمواءمة أو المفارقة بين خطوط اتجاهاتها بالمعارضة والانحراف. إن كل ذلك أسلوب يصنع صوراً من الجمال أخاذة السحر والفتنة، تكبّر الصغير، وتجلو الغامض أو تكسب بالغموض المتوخى أسباباً مثيرة للافتتان.. أو تواري القبح، أو تصوغ بالمغالطة عن الحقيقة صواباً فنيّاً، يهزّ أو يحرّك الإقبال)) (١) .

стр. 6551

هذا المنهج في الشعر ((هو شارة الحسن، وشياته في مثال الجمال - و صنعة الشعر الأولى، ومزيته، وأساسه، وقوامه)) (١) . فهو أشبه ما يكون “ بالخلقة الجميلة ”، وهنا تترأى الموازنة بين النص الشعري “ والجسد ” (٢) ((إن الأسلوب قوام الشعر ومظهر غاياته ومقاصده وهو في هذا كالجمال تتهيأ له الوسامة والقسامة وحلاوة الشارة على قانون مقاييسها الجسدّية، ولا تتهيأ له الحركة والنبض والروح وتأثير انطلاق معانيه، فيكون جمالاً أسلوبيّاً تجتمع له أسباب القدرة ومظاهرها، ولا تتمّ له بها الغلبة والسيطرة على المشاعر والنفوس، ولكنه يظل جمالاً سليماً في القاعدة والتعريف، جمالاً يحرّك الإعجاب والميل إلى التأمل إن لم يحرك الرغبة ويبعث الصبوة ويثير الهوى، فهو بهذا خيرٌ من دلائل الحركة الباطنة، والنبض والمعنى، والتعبير الملحوظ في جسم متنافر التركيب، أو شاذ المقاييس أو مطموس معالم الوسامة)) (٣) .

стр. 6552

“ الجمال الأسلوبي ” في الشعر ((كالجمال الأنثوي)) في المرأة، يتفاوت في الدرجة، ويختلف في التأثير، لكن الجمال التام في الأسلوب، وفي الجسد لا يتحقق إلا بالانسجام التام، والتوافق الكامل، فيكون البناء اللغوي والرؤيا متلازمين في بنية محكمة، جيّدة السبك، متينة البناء، بالغة الروعة، ويكون الجسد مثالاً في تناسقه، واعتدال أعضائه، وتوافق زيّه وحليته، وحركته، وإلا كان الجمال ناقصاً، لانعدام التوازن بين مكوّناته. وربما كان جماله أدعى لاسترذاله لما فيه من تفاوت النسب، واختلال المقاييس، تصوّر مثلاً ((جمالاً توازنت فيه معنويات الروح المعبّرة المنطلقة، على مقاييس الجسد، وحسن شارته، ولكنّه فقد جمال الاتساق في التصرف، وبراعة الحركة في المشي والالتفات والإيماء والاستجابة أو فقد لبوس النشاط في استخدام المفاتن أو استخدام ما تدور عليه من انسجام الزينة والملبس! أفلا يكون بهذه العنجهية جمالاً يستثير العطف والرحمة والإشفاق أو ربما استثار السخرية، لما طرأ على جملة أسلوبه من النقص والاضطراب والمفارقة بسبب فقدان هذه العوامل التي هي أسلوب، أو تكميل له)) (١) . فلا يكون الجمال تاماً في “ المرأة ” حتى يجتمع “ جمال المظهر ” و “ جمال المخبر ” أو “ جمال الجسد ” و “ جمال الروح ” من جهة وجمال التصرّف من جهة أخرى، وهكذا النص الجميل لابد أن يتوافر فيه جمال الشكل والمضمون مع جماليات أخرى تتأسس على الوعي بالسياق الحضاري والثقافي وأحوال المخاطبين. أغراض الشعر:

стр. 6553

وموضوع الشعر وأغراضه “ الجمال والتأثير وإبداع الصور.. ” والشاعر “ صانع جمال ” وبهذا الفهم الدقيق يتخطى حمزة شحاتة مقولات الأغراض الشعرية المألوفة من مديح وغزل وفخر، لأن هذه الأغراض تفقد الفن جمالياته، وتحصر الشعر في دوائر مغلقة فضلاً عن أنها لا تقف على حقيقة الشعر من حيث هو رؤيا استشرافيّة وتشكيل جمالي خاص. بواعث الشعر: أما بواعث الشعر فهي بواعث الحياة والكلام هو أداة التعبير عن هذه البواعث ووسيلة الاستجابة لها فعلاً أو كفّاً، فرحاً أو حُزناً. وبراعة الشاعر في تطويع هذه الأداة للتعبير عن تلك البواعث هو محك الشاعرية وميزان الحكم (١) . والشعر شبيهٌ بالغناء في الباعث، وفي غايات التأثير، من وجد باعث الشعر أنشد، ومن أحسّ بباعث الغناء غنّى، ويمكن للإنسان أن ينشد أو يغنّي لنفسه لكنّه حين ينشد أو يغني للناس فعليه أن يُطرب بالشعر أو بالغناء وإلاّ فقد مهابته، واستحق الذمّ والاستهجان؛ لأنه تعاطى مالا يحسن، وتكلّف مالا يطيق ولهذا لم يكتم حمزة شحاتة استهجانه لشعر من رفع عقيرته بالشعر من شعراء الحجاز وهو لا يحسن الشعر، حين كتب مقدّمة كتاب شعراء الحجاز لعبد السلام الساسي فقال: ((ومنهم مستحق الرثاء، ومنهم مستوجب التعزير، حتى يعلن التوبة من رفع عقيرته بمثل هذا الهراء ...)) (٢) .

стр. 6554

هكذا يعود حمزة شحاتة بالشعر إلى أصوله الأولى حين كان حداءً للعيس، ونغماً على حركات الأيدي والأجساد ودلاء الماء، فالغناء مضمار الشعر. والمتأمل في شعر حمزة شحاتة يدرك ولعه بالغناء، حتى إن الإيقاع ليشكل في شعره طاقة شعرّية حافلة بالقيم الجماليّة الخلاّقة (١) . والغنائية التي يهدف إليها حمزة شحاتة لا تعني الانغلاق على الذات، فقد كان منفتحاً بشعره على العالم، متأملاً لكثير من أشيائه وكائناته تأملاً يكشف عن شاعرية مميزة يتجاوز فيها الفكر والوجدان تجاوزاً لا يتحقق إلا لكبار الشعراء فلا يكون الشعر مشاعر خاوية من الرؤية العميقة، ولا يتجلّى فلسفة عقلية ليس فيها من رواء الشعر شيء. وإنما يقصد “ جماليات الإيقاع ” وحضور الموسيقا في النص الشعري حضوراً خاصاً يجعل من النص الشعري إبداعاً في النغم الحاني كما هو إبداع في الرؤيا والتشكيل اللغوي. ولهذه الغنائية الحانية التي تنبعث من أعماق النفس ثم تعود إليها كان الشعر أحد عناصر الحياة إذ ((ليس من الممكن فقط أن يعيش الناس بلا شعر بل من المستحب..)) (٢) . ولأن للشعر هذه القوّة السحرّية كان الشاعر مناضلاً بأغانيه يعيش في قلق دائم، وعذاب لا ينقطع، رغبة منه في تغيير الواقع ((السرّ في بلبلة الشاعر وعذابه، أنه يحاول تحويل الحلم إلى واقع، ثم تحويل الواقع إلى حلم)) (٣) . وهذا الجهاد أداته “ الجمال ” فالشاعر يناضل بالجمال وللجمال متكئاً على رؤية صافية، وإدراك دقيق لما هو قائم ولما هو ممكن.

стр. 6555

الشاعر يجاهد بجماليات القول لبناء قيم الحق والخير والجمال في حياة دائبة الحركة، كثيرة التغيّر في المشاعر والأفكار والقيم، ولهذا كان لابد له أن يتجدّد مع الحياة، فيخاطب الحياة بمنطقها والعصر بشفرته، والناس بلغتهم، فالشكل التقليدي للقصيدة العربيّة ومستويات المبنى والمعنى في النص الشعري القديم يجب أن يخضع لمنطق الحياة فيتجدّد، لأن قيم الحياة تبدّلت، ولابد أن تتبدل قيم التعبير ((لقد تغيّر كل شيء في حياتنا، حتى أحكام العقل، واتسع صدر الحياة لهذا التغيير، فلماذا يقف الشعر بقوالبه الجامدة، وحدوده المتصلّبة، لا يتغيّر مع طاقات الجيل الجديد، ومع مقاصده وأغراضه؟! ، وبدأت التجربة بين زحف ونهوض ... وأشهد أنها انطلاقة، إن دامت لها قوّة الدفع، خرجت بالشعر العربي إلى أوسع آفاقه وأجزلها عطاءً)) (١) . هذا حدس الفنان ورؤيته الاستشرافيّة، أدرك أن الوقوف في وجه التجديد - وهو من أكثر شعرائنا إحكاماً لشعره وعناية به - وقوف ضد حركة الحياة. وتحققت الانطلاقة، وفتح الشعر الحديث سياقاً جديداً في الشعر العربي ستكون له شفرته الخاصة، وهو ما تنبأ به شاعر كبير في منزلة حمزة شحاتة. ومع أن حمزة شحاتة يجعل الشعر مقوّم حياة، فإنه يرى أن الشعر الجميل الذي “ يرفع درجة الانفعال ” لم يعد الاشتغال به أمراً ذا جدوى، لأن ((تيّار الحضارة الآن مليءٌ بأسباب الانفعال، والإنسان في حاجة إلى ما يريح توتّره ويُرضي أعصابه، إن أية امرأة واعية تهزأ بأن تصنع فيها شعراً.. والشعر بلاشك، سذاجة إنسانية، لم يعد الاشتغال به معقولاً في عصر العلم، وما حققه من غرائب وملهيات، تغني عن كل شعر، وكل شاعر)) (٢) .

стр. 6556

وهذا هو الذي تعلنه شيئية الإنسان في العصر الحديث، وغرابة العلم، التي سلبت الشعر أعز ما يملك، لقد كانت غرابته أحد عناصر جمالياته، فماذا يقول الشعر في عصر الأعاجيب والغرائب، وكشوفات الفضاء والجينوم البشري والشبكة العنكبوتية، وكيمياء الفيمتو، والنينو توكنولوجيا. جماليات الإنسان الجمال أو الحسن يكون في الشكل والهيئة بتناسب الأعضاء كما يقول أبو البقاء الكفوي (١) . ويذهب صاحب الكليات إلى أن الجمال ((أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر، وأكثر ما جاء في القرآن من الحسن فهو للمستحسن من جهة البصيرة)) (٢) . وجمال الأعضاء المتناسبة عنده ((كمال الحسن في الشعر، والصباحة في الوجه، والوضاءة في البشرة، والجمال في الأنف، والملاحة في الفم، والحلاوة في العينين، والظرف في اللسان، والرشاقة في القدّ، واللباقة في الشمائل)) (٣) . فهناك جمالان “ جمال بصر” و “ جمال بصيرة ” كما يعبر الكفوي ((جمال خارجي)) يرى بالعين، و ((جمال داخلي)) يرى بالبصيرة النافذة، ولاشك أن الجمال الداخلي أعظم من الجمال الخارجي يقول أبو حامد الغزالي: ((وهيهات فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، والقلب أشدّ إدراكاً من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار)) (٤) . وإدراك الجميل واستحسانه مبني على التناغم بين النفس والعالم الخارجي أو الداخلي للأشياء والكائنات الذي يولّد اتحاداً بين الذات المدركة والموضوع الجميل.

стр. 6557

يقول التوحيدي: ((إن من شأن النفس إذا رأت صورة حسنة متناسبة الأعضاء في الهيئات والمقادير، والألوان، وسائر الأحوال مقبولة عندها موافقة لما أعطتها الطبيعة، اشتاقت إلى الاتحاد بها، فنزعتها من المادة، واستبثتها في ذاتها وصارت إياها كما تفعل في المعقولات)) (١) . وأبو حيان يربط بين الخَلْق والخُلُق ((الخُلُق الحسن مشتق من الخلْق، فكما لا سبيل إلى تبديل الخلْق كذلك لا قدرة على تحويل الخُلُق، لكنه الحضُّ على إصلاح الخُلٌق وتهذيب النفس لم يقع من الحكماء بالعبث والتجزيف، بل لمنفعة عظيمة موجودة ظاهرة، ومثاله أن الحبشي يتدلك بالماء والغَسُول لا ليستفيد بياضاً، ولكن ليستفيد نقاءً شبيهاً بالبياض)) (٢) . فالجماليّة تكون في الطبيعة، وفي الفن، والحُسْن يتحقق في الإنسان وفي المكان، وهذا بخلاف ما ذهب إليه فلاسفة الجمال في العصر الحديث حين قصروا الجمالية على الفن (فكانت) مثلاً يقول: ((تكون الطبيعة جميلة عندما يكون لها مظهر الفن، ولا يسمى الفن جميلاً إلا إذا كنا نعيه كفن، وكان مع ذلك يتردّى بمظهر الطبيعة)) (٣) . ويقول هيجل: ((لا يبدو الجمال في الطبيعة إلا انعكاساً للجمال في الذهن)) (٤) .

стр. 6558

فالجمال للفن فقط كما عبر “ كانت ” وما في الطبيعة من جمال إنما هو نتيجة للجمال الذهني كما ذكر “ هيجل ” وهذا فهم منحاز للفن وللعقل، وإلاّ فإن الطبيعة هي منبع الجمال، وقد يؤثر فينا الفن أكثر ممّا تؤثر فينا الطبيعة، ولكن لا يمكن تجريد الطبيعة من جمالها. كما أننا لا يمكن أن نجعل الجمالية من حيث هي علم خاصة بفلسفة الفن فالجمالية يمكن أن تكون فلسفة لكل جميل، وهذا ما قاله ادغاردو بروين ((إن الجمالية بمعناها الدقيق، تكمن في المعرفة المنشودة لمجرّد اللذة التي يتيحها لنا حدوث المعرفة بانصبابها على جميع الأشياء القابلة للانكشاف وعلى جميع الذوات القادرة على المعرفة الخالية عن الغرض، وعلى التلذذ بهذه المعرفة)) (١) . الجمال الإنساني في شقه الباطني أو “ جمال البصيرة ” كما عرفنا، منشؤه السلوك القويم، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة في العلاقات الإنسانية. وهانحن نقف أمام هذا الجمال كما تصوره حمزة شحاتة، وكشف عن صورته في النفس الإنسانية، وفي المجتمع الإنساني وسيكون من خلال حديثه عن: أ - الأنا. ب - الآخر. أ – الأنا: صورة الأنا التي رسمها حمزة شحاتة لنفسه مليئة بالغموض، يختلط فيها الواقع بالأسطورة، فهو لا يكاد يعي نفسه ((عندما سألتني “ البلاد ” من أنت؟ ذهلت.. لأنني لم أجد في حياتي كلها، ما يعينني على أن أعرف من أنا؟! نعم وبمزيد من المرارة، والخجل، والحيرة، والضياع.. من أنا؟!)) (٢) .

стр. 6559

هذه الأنا “ المجهولة ”، غارقة في التأمل حتى في ذاتها. حياة مليئة بالتحوّلات، كرّ وفرّ، سيرٌ ووقوف، ((وحيث يتاح لي أن أتأمل ذاتي، أرى أنني أداة تملى عليها مقدرات حركتها وسكونها. لم أشعر قط، بتحرير إرادتي، وحين بدا للآخرين أنني اكتملت بحكم السن، واتساع أفق التجربة وجدت أن ما يسمى الإرادة فينا، ليس إلا حاصل ظروف، وعوامل ينسحق فيها ما هو ذاتي وداخلي، تحت وطأة ما هو خارجي، فإذا قلت الآن، بصدق إنني أجهل من أنا، أو ما أنا، فلأني لم أستقبل قط، ما أستطيع أن أسمّيه حياتي..)) (١) . ذات مطحونة كانت مشغولة بتحرير الإرادة، وما أن قطعت شوطاً في مضمار الحياة حتى تبين لها أن الإرادة انسحاق للذات تحت وطأة الآخر، وهذا منتهى الضياع استعداداً لمعركة لم تحدث، وعملٌ لصياغة كيان لن يوجد ((إني كنت كالجندي الذي قضى أيامه، ولياليه في الاستعداد لمعركة، لم يقدر له أن يخوضها، أو كالمتعلم الذي قضى شطر عمره للتخصص في مجال معيّن، وقضى الشطر الثاني عاملاً غير ثابت، في كل مجال غير مجال تخصصه هذا هو أنا..)) (٢) .

стр. 6560

كان حمزة رجلاً طِوالاً كما ذكر صديقه عزير ضياء ((فارع القامة، وثيق البنيان عالي الجبهة)) (١) ، وكان فيه جفوة كما يقول، ولهذا يشبّه نفسه بهول الليل، تلك الشخصيّة الأسطورية في الحكايات الشعبية في بلادنا ((بيني وبين هول الليل مُشابه. فأنا طويلٌ مثله، وفي طباعي جفوة ووعورة تصرف الناس عن الاطمئنان إلى عشرتي، فأنا وحيد مظلم النفس، انطوي منها على ما يشبه القبر العميق المهدّم، وفيّ ميلٌ إلى الصمت الطويل ولو أخذت لكنت أبكم ... وأنا حزين منقبض الصدر أحس دائماً بأنني غريبٌ في الحياة، أو عابر سبيل، أو متفرّج حيل بينه وبين ما يدور تحت أنفه من الحوادث، ويستفزني المزاح والمرح أحياناً فأسخر بالحياة، وأستجيب لبواعث السرور لحظات، وهذه اللحظات نادرة في حياتي الآنيّة ... وهكذا هول الليل ... وهول الليل لا ينزل إلى أذى الصغار إنما يعمد إلى الأقوياء فيخيفهم وهو كثير الإعجاب بمن لا يخافونه.. وبمن يسايرونه وينظرون إليه نظراتهم إلى شيء معقول)) (٢) لا تقولي: أهواك، إن حياتي واقعٌ قاتم الظلال مخوف كان لي في الهوى ربيعٌ وولى وتلاشت أصداؤه والطيوف فأنا اليوم بين أطلال يأسي طللٌ للرياح فيه عزيف طللٌ موحش أفاح به الحزن وأرسى هذا الضباب الكثيف استقرت به رغائب روحي جُثثاً مُثلت بهن الصُّروف (٣) لقد كان حمزة كثير التأمل والصمت وتمنى لو كان أبكم، لأن الواقع الذي يعيش فيه لا يمكن للغة أن تحيط به، ولكنه إذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، فقد عرف عنه أنَّه كان يتحدث ويحاور لساعات طوال لا يملّ من الجدل والمقارعة، وهذا ما يعرفه هو عن نفسه (٤) ، ويعرفه عنه أصدقاؤه حيث يذكر عبد الله عبد الجبار إنه ليظل يناقش عشرين ساعة بلا كلل أو ملل (٥) .

стр. 6561

وحين نقف على نتاج حمزة الفكري والأدبي ندرك أنه نسيج وحده، في بلاغته وذكائه، ومع هذا يرى أن قلّة ذكائه هي مشكلته الكبرى فالذكاء ينقصه حين يكون الذكاء سلاحاً ماضياً في معركة الحياة، ولهذا كان يعتقد - كما يقول - بقدرته على التكيّف مع الحياة التي لا تلبي حريته ولا ترضي عقله، والذكاء في هذه الفلسفة الساخرة عند حمزة يعني “ التنازلات ” والكفر بالقيم والمباديء حين تتصادم مع المصالح، وهو ما يرفضه حمزة، ويضحي بحياته من أجله ولهذا فهو بحاجة إلى الضمير أكثر من حاجته إلى هذا الذكاء وكأنهما أمران لا يجتمعان ((حاجة الإنسان إلى الضمير تنتهي عندما يحصل على مقدار كاف من الذكاء)) (١) وقد يكون الذكاء مرادفاً للمجون وهتك الأعراض والبوائق ((إذا كان جارك ذكياً، وجب أن تكون دائماً على حذر)) (٢) . وقد يكون موقف حمزة شحاتة من هذه الصفة مصادماً لكثير من المفاهيم، ولكنها الحقيقة، فالقيم في حركة دائبة، فالذكاء في عصرنا صار مرادفاً للنفاق الاجتماعي، والانتهازية، وتلوين المواقف، كما صارت الطيبة مرادفة للغباء والضعف، والدروشة. والصراع النفسي والقلق سمة في أدب حمزة وفي فكره وفي حياته، فهو في شبابه باحث عن المثاليات، وفي شيخوخته حالم بما فات. وحين يتوغل في ذاته، ويكشف لنا أعماقه يقول: ((أحسّ في قرارة نفسي، أني منطو على قطعة مجدبة جافة من الأرض، لا يرف فيها دليل من دلائل الحياة ولا تلح بمعنى من معانيها، وقد تضيق سبلها أحياناً حتى أشعر بانطباقها على جانبيّ ... )) (٣) .

стр. 6562

فهو يعيش ممزقاً بين عالمين عالم “ اليوتوبيا ” الذي يرسمه لنفسه، وعالم الواقع الذي يعيش فيه. في ليله أحلام وأفكار وأمانٍ وهموم، وفي الصباح حركة مجنونة، وواقع مشاهد يجر الحالم إلى أغلاله وقيوده، كأن هناك ناطوراً يحرسه بالليل من أن تطوف الأحلام برأسه - ومع هذا فهو يحلم ليهرب من واقعه، وحين تشرق الشمس يبدأ الواقع في المداهمة بجنوده وقيوده (١) . رأسٌ مليء بالهم والكدر والسهر المضني، ونفس كالمقبرة مليئة بقبور الذكريات، وسجين في سجن مظلم مهدّم تجرّه روح قديمة (٢) . هذه المعاناة هي معاناة الكبار، وأحاسيس الفاتحين في معركة الحياة، لأن الحياة لديهم عطاءٌ وبذل وانتماء، وليست غدوّاً ورواحاً. وحين نتأمل سير العظماء نجد “ المكابدة ” والسهر، والتمزّق الداخلي زاداً يوميّاً لهم، غارقون في البحث عن حقائق الأشياء، مولعون بالمعرفة، لا يقتلهم في حياتهم شيء كما تقتلهم الجموع المنطفئة، والأحاسيس الميتة، والتدافع المحموم إلى توافه الحياة ونقائصها. ولهذا كان حمزة يُحسّ بواجب وطني كبير عليه تجاه وطنه، مع أنه لم يكن عالة على أحد، وإنما كان مواطناً باذلاً، مقاوماً لعوامل الضعف فهذا هو مبرر وجوده كما يقول (٣) . وكان شاعراً وأديباً ومفكراً من طراز خاص، حين يذكر الشعر والأدب والفكر السعودي يظل حمزة في مقدمة مبدعيها ومع هذا كله يشعر أنه لم يقم بواجباته تجاه وطنه لا بوصفه مواطناً، ولا بوصفه مبدعاً (٤) .

стр. 6563

وهو في مزاجه الفني متجدّدٌ لا يقر به قرار ((وأنا ذو مزاج سؤوم، لا أدع الزمن يفجعني في طمأنينة شعوري بطرافة الأشياء، وأيّة حقيقة من حقائق الفكر، أو متعة من متعات الحس، أو طوبى من طوبيات الخيال الخلاّب يبقى لها جمالها على الزمن الماضي، أو يفض الختام كل يوم عن جمالها ومعانيه جديدة أخاذة؟)) (١) . هذا المزاج السؤوم ليس نقيصه، وإنما هو نتاج روح متجدّدة، وعقلية مولعة بالكشف والتمحيص والاهتمام، لا يغنيها جمال عن جمال، تترقى في مطالبها إلى أعلى درجات الكمال وإن كان الكمال لا يدرك، هذه النفس التوّاقة تحتاج إلى فنّ متدفق، يتجدّد في صوره وأشكاله وجمالياته في كل حين، ليظل حيّاً، وممتعاً، وقادراً على التأثير في هذه النفس الفيّاضة. ولهذا كان حمزة يرى أن أدبه لا ينتمي إلى أيّة مدرسة أدبيّة؛ لأن كل أثر أدبي عنده يعكس لوناً جميلاً خاصاً به يمكن أن يتصل بمدرسة ما، فهو “ مدارس في رجل ” وهذه هي العبقرّية، ((إن الانتماء الموسع اعتباري من الطراز اللامنتمي)) (٢) ولم يكن حمزة شحاتة يتعاطى الأدب بوصفه وسيلة، وإنما كان يتعاطاه “ تنفيساً ” عن شعوره “ بمرارة العيش وحرارة القلب ” وما لبثت الممارسة أن استحالت إلى عادة (٣) .

стр. 6564

هذه هي “ الأنا الشحاتية ” كما صورها صاحبها، “ ذات محيّرة ” يتواءم فيها الغموض والوضوح، والواقع والأسطورة، واليقين والشك، وجماليات هذه الأنا لها نسقها الخاص، فإذا ما تجاوزنا جماليات الإبداع التعبيري الواصف لتلك الأنا، أدركنا أن “ جماليات هذه الأنا ” تكمن في نفيها لذاتها، فلم يغتبط صاحبها، وإنما كان يضعها على محك دقيق، وهذا أمرٌ قل أن يدركه كثير من الناس ((فالأفراد في كل المجتمعات غارقون في استسلام مفعم بالرضا والغبطة في الجانب الاعتقادي والعقلي والمعرفي، وهذه الغبطة هي العائق عن اكتشاف الفرد لذاته لأنه لم يدرك أنه يعيش استلاباً كاملاً، فهو يتوهم أنّه تام التفرد.. لذلك يندر في الناس من يخترق هذا العائق لأنه أصلاً لا يعلم بوجوده فلا يحاول اكتشافه فضلاً عن اختراقه)) (١) . لقد اكتشف حمزة شحاتة حقيقة نفسه، واخترق حجبها الكثيفة، فكان جمال هذه النفس - الذي يكمن في عبقرية اهتمامها وولعها بالمعرفة، وحبها للجديد، وسعة إدراكها، وإيمانها بنقصها، وتنكرها لعطاءاتها - بحثاً عن نفس أفضل، وعطاءٍ أكثر جمالاً، إنها ((النفس الفاضلة، في المدينة الفاضلة التي أتعب العظماء أنفسهم في البحث عنها، مع إدراكهم لثمن هذا البحث الشاق: وما أنا إلا ثائرٌ، فُلَّ سيفه وأسلمه الحامي، فأثخنه الطعن لقد عاد بي جُهْدُ السُّرى نحو غاية حرامٌ على طُلاّبها العيش والأمن (٢) ب - الآخر:

стр. 6565

حمزة شحاتة “ عقلية تأملية ” لا يحب الوقوف عند الأشياء والأفكار وقوفاً عابراً، وإنما يحب أن يتأمل ويركبّ ويحللّ، ويغربل الأفكار، كما يغربل الناس. اتخذ من المراجعة الدؤوبة، والفحص الدوري للآخر منهجاً في الحياة فقام بفحص ذاته وتجريدها، وقدم لنا في “ النقد الذاتي ” فكراً نيّراً يدل على عظمة المفكر، في التحليل وفي مواجهة الذات ((ذلك الحقل المملوء بالصخور والشوك والعناء والمجهول)) (١) . الآخر خضع للفحص تحت منظار هذا المفكر الكبير، وعبّر عنه بلغة أدبية بديعة التصوير والتصوّر. والآخر عنده. ١ - الفرد: يغلب على نظرة حمزة شحاتة للآخر الفرد التنافي والنبذ والازدراء لا لشخصه، وإنما حين يكون ميت الهمة، سيء الخلق، ضامر الوعي، ولهذا يأتي الآخر مبهماً فيكون اسماً للجنس، يضم تحته أنماطاً كثيرة مشاكلة له في الخصائص، فالنذل هو المخلص لطبيعته، العابد لغرائزه ومصالحه الخاصة ((ليس في الناس من هو أكثر إخلاصاً لطبيعته من النذل)) (٢) النذل إذن هو الأناني الذي لا تعني الحياة عنده إلا “ الحقوق ” فقط، أمّا الواجبات فلا يعترف بها، والنذل ضعيف النفس، فهو منافق يدعي الذكاء؛ لضعف نفسه، ودناءة طبعه ((ما أروع النذل عندما يلعب دور الرجل النبيل المهذب أمام ضحايا نذالته على الأخص عندما يظنّهم لا يعرفون)) (٣) .

стр. 6566

إن الإنسان يمكن أن يكون رجلاً صالحاً، أو قدّيساً - كما يرى حمزة - ويمكن أن يكون شيطاناً، والفرق بين الصورتين، درجة من الوعي تسمو بالإنسان إلى درجة الملائكة، أو تسقط به إلى عالم الشياطين والوحوش ((إن الإنسان ليس وحشاً خالصاً، كما أنه ليس على بعد ثابت من الوحش، أحياناً يدنو إليه أكثر)) (١) . والظروف تلعب دوراً مهماً عند حمزة شحاتة في التغيير السيكلوجي، فالإنسان ابن بيئته، ليس هناك إنسان صالح، وإنسان شريرٌ إلا بوسط اجتماعي يتحرك فيه، ويربيه على قيمه ((حتى الوحوش تحمل ذخيرة من الوداعة واللين أمام بعض الظروف)) (٢) . هذا الإنسان الغاوي يبلغ به حمزة شحاتة درجة من السخرية حين يجعل من حق الشياطين أن تفتش عن سبب غوايتها لديه ((ربما كان من حق الشياطين أن تعتبر الإنسان مسؤولاً عن غوايتها ... قالت جنيّةٌ لزوجها أنت إنسان في شكل شيطان)) (٣) .

стр. 6567

لكن هذه الصورة تتبدل قليلاً حين يرسم صورة لصديقه الشاعر أحمد قنديل يختلط فيها الإعجاب بالسخرية، فأحمد قنديل شاعر له لسان ((ما يعجزه أن يحك به قفاه لو شاء)) (١) ، هاديءٌ يقضي في صفّه الدراسي أعواماً لا تندّ من فمه كلمة اعتراض، ((كاذبٌ ممعن في الكذب وما إخاله إلا كذبة تدفعها الحياة في شكل آدمي ليسهل تسرّبها إلى النفوس والأذهان، يكذب بعضه على بعضه، وظاهره على باطنه، فهو في مجموعه مثال للتنافر)) (٢) ، وهو شاعر وكاتب من طراز نادر ذو فلسفة في إنكار الذات لو عرفت بين الناس لخلت البلاد من ثمانية أعشار الرذائل التي يولدها الغرور والجهل بالذات، بلديٌّ أصيل، وبلديته هي التي جنت عليه، وغمطته حقه (٣) ، وفيه ((ميل إلى الابتكار والتجديد إلا فيما يتصل بمطالب جسده وعيشه فإنه رجعي إلى أطراف أذنيه ... وما فتيء قنديل بحاجة إلى ثورة إصلاحية تتناوله من جميع نواحيه الظاهرة، وتقوم بها مصلحة تنظيم مستعدة، وما نرى للبلدية عذراً في إغفال هذا الواجب، فسوف يجيء يومٌ يكون فيه الأستاذ قنديل جزءاً من تاريخ البلد، وجزءاً من تاريخ نشاطه الأدبي)) (٤) . وتنجلي الصورة عن أجمل مظاهرها في“ شخصيات ثلاث ” رجل وامرأتان، هم معالي الشيخ عبد الله السليمان الحمدان أول وزير مالية في المملكة، وشيرين حمزة شحاتة ابنة حمزة الكُبرى، ونفيسة، أو غادة بولاق. صورة الشيخ عبد الله الحمدان “ صورة رجل عظيم ” يسوقها حمزة شحاتة مثالاً للعبقريّة ولكن ليتحدث عن سلوكها؛ لأن في ((نفس العظيم وسبيله في الحياة سراً خفياً من العبقرية الموهوبة يعجز عن إدراكه التحليل)) (٥) . قيمة هذه الصورة الجميلة تكمن في “ وعيها الشمولي ” وقدرتها على “ التجديد والابتكار ” في ذلك كله، مع اتفاق تام بين “ المخبر والمظهر ”.

стр. 6568

فهو عبقريٌّ في كل عمل يلجه، ((فهو في حفول نفسه بمعاني العبقرية الفياضة أكثر من رجل، وأكبر من عظيم، وما بالك برجل يأبى إلا أن يكون في كل أعماله معنى من الابتكار والعمل الجبار؟ ومعنى من الأمل المنظم، ومعنى من الطموح الزاخر؟)) (١) . كل هذا الإبداع يتجلى في ((وجه هاديء رصين الملامح، تترقرق فيه قوّة الأمل، وقوّة الإرادة، وقوّة الإيمان، وتجول مجالها في حواشيه الوادعة معان جذابة من اللطف، والكرم، واللين واتساع مدى الشعور، ومعان ناطقة تعبر عما يزدحم وراءها من ألوان العواطف والخوالج، والإحساس الدقيق لكل ما هو جميل وعظيم، وسويّ وفتان وقويّ)) (٢) . اجتمعت الأضداد في هذه الصورة الجميلة. الظاهر هدوء كهدوء الفجر الحالم، والباطن كونٌ يعج بالحركة، وشعلة تتوقد، وتفكير لا تقف دونه الحواجز، واللسان سحر وفتنة تقتاد أعصى القلوب (٣) . وعبقرية الرجل دليل عبقرية “ عاهل العرب الأكبر ” الملك عبد العزيز الذي أحسن الاختيار ((ولأن من حسنات عاهل العرب الأكبر عبد العزيز الأول، ما نراه اليوم من آثار بارزة في نهضة الشعب الكريم، وإصلاح سبيله في الحياة، فإن من أكبر الحسنات ولاشك أن يكون هذا الوزير الخطير، يداً عاملة لجلالته)) (٤) . وقد كان من آثار عبقرية الحمدان التجديّدية، إقامة رصيف لبناء الجمارك، وإعداد مخازن محكمة للبضائع ارتقت بفنيات التخزين. ويربط حمزة التجديد في هذا المعمار بالوظيفة التي يؤديها، والأفكار التي يتأسس عليها فالفكرة قائمة ((على ترقية التاجر وتبديد شعوره بالغبن والإرهاق، وعلى التقريب الفكري بينه وبين أنظمة الحكومة ومقرراتها، ونصيب الفلسفة الإنسانية في هذا واضح بيّن)) (٥) .

стр. 6569

الحمدان عبقرية إدارية تخطّت مفاهيم “ الإدارة الجامدة، إلى الإدارة بالأهداف ”، فكان وجوده دفعاً لعجلة التنمية، وتحقيقاً عملياً للمواطنة الحقة. لم يكن الحمدان مشغولاً بذاته، وإنما كان مهموماً بإنجازاته، وكانت إنجازاته دائماً مرتبطة بالخيريّة والنفع العام، وهذا هو الإيمان بقيمة التكليف وأهميته في صنع الشهود الحضاري للأمة، وهذا ما أدركه الحمدان وآمن به، وحقق به ما حقق من تميز ومكانة اجتماعية. وبهذا يكشف حمزة شحاتة عن أنَّ البناء الحضاري أساسه الإنسان، فما حدث للجزيرة لم يكن ليتحقق لولا توفيق الله، ثم حنكة القائد “صقر الجزيرة ”، الذي لمَّ الشتات، وأقام كيان الوحدة، وأسس لحركة التنمية، وقاد معركة البناء بالعقول المبدعة. وأما المرأة الأولى التي كان يرى فيها حمزة “ الأمل الممكن ” فهي ابنته شيرين التي تتجلى في رسائل والدها إليها، مثابرة، ذكية، مليئة بالطموح ومع كل هذا يظل يتعهدها برعايته ونصحه وتوجيهه، لتكون مثالاً للإنسان الصالح، المتطلع لغدٍ أفضل لا يعبأ بالعوائق، ولا يلين أمام الملمات (١) . وأما الأخرى، فهي نفيسة الفتاة المصرية الجميلة التي كتب فيها قصيدة نشرت في الديوان باسم نفيسة، ونشرت مفردة بعنوان “ غادة بولاق ” وقد أضفى عليها أسمى صفات الجمال، فكانت نفيسة نموذجاً “ للجمال الأعلى ” في المرأة كما يتصوره حمزة شحاتة، وقد امتلأت القصيدة بالتساؤلات التي بعثتها فتنة الجمال، فوقف الشاعر يتملى هذا الكيان الأسطوري وقفة المتسائل الذاهل: يا منحة النيل ما أحلى روائعه هل أنت من سحره أم قد تبنّاك وهل ترعرعتِ طفلاً في معابده أم كاهن في ربى سيناء ربّاك أم كنت لؤلؤة في يمه سُحرت فصاغك اليم مخلوقاً وأنشاك أم أنت حورية ضاقت بموطنها فهاجرته صنيع المضنك الشاكي فضمّك الليل في رفقٍ فهمت به

стр. 6570

حبا، ووثقت نجواه بنجواك أم أنت أسطورة قامت بفكرته تحوّلت غادة لما تمناكِ أم أنت من كرم ياخوسٍ معتقةٍ قد انتفضت حياة حين صفاكِ بل أنت من كل هذا جوهر عجبٌ قضى فقدرك الباري فسوّاك (١) ٢ - الأسرة: الأسرة هي “ قاعدة الحياة البشرية ” (٢) ، ولهذا فلابد أن تؤسس هذه القاعدة على أرض صلبة، حتى لا يتهاوى البناء ويتصدّع، واستراتيجية التأسيس تقوم على معايير ثابتة في اختيار العنصر الآخر الذي يشارك في بناء هذا الكيان، تضمن - بمشيئة الله - التناغم والانسجام وتكفل قوة البنية، وتطاول البناء. وحمزة شحاتة أقام كيانه الأسري “ ثلاث مرّات ” ولكن الكيان يتصدع، مرة تلو أخرى، وليس مهمتنا هنا “ الحفر الأركيولوجي ” عن أسرة حمزة شحاتة كيف قامت؟ ولماذا دب الخلاف بين الزوجين في كلّ مرة؟ المهمة هنا تقتضي الكشف عن فلسفة حمزة الجماليّة في وصف هذه القاعدة، وتأمل ذلك البناء، كما عاشه وكما أبدعه فنّاً جميلاً. الشراكة التي عقدها حمزة شحاتة لبناء كيان أسرته كانت نتيجتها الندامة (( ... أما المتزوجون فندامتهم على الزوجيّة فقط)) (٣) هذا الندم نتيجة فشل حمزة في مهمته، وهو فشل لا يجد له تفسيراً إلا سوء الطالع ((لقد تزوجت ثلاث نساء على التعاقب، وأنا الآن أعزب، وولد لي من إحداهن أربع بنات باطراد، وبنت من الأخرى، وبقيت وحدي المسئول عن خمس بنات محرومات من الأمومة. أليس في حاجة إلى تفسير؟! إنّ حسن الطالع أو سوءه هو التفسير)) (٤) .

стр. 6571

هذه الزيجات الثلاث كانت إشكالات مميتة ((الزواج الأول غلطة، والثاني حماقة، أما الثالث فإنه انتحار)) (١) ، وهذا الإشكال الذي وقع فيه حمزة ثلاث مرّات لا حل له إلا الموت أو الطلاق (٢) ولأن حمزة لم يمت اختار الطلاق حلاً لذلك الإشكال المتكرر. إن الرجل أو المرأة عندما يتزوج أحدهما، فإنه يستجيب لنداء الفطرة، ويبحث عن السعادة والعفاف، لكن الزواج استحال عند حمزة إلى نكدٍ وعذاب دائم تظلّ جدران السجن أرحم من العشق والزواج ((حتى السجن أرحم من فتاة عشقتها، ثم حوّلتها حماقتك إلى زوجة)) (٣) . لقد ضحى حمزة شحاتة بكل أمجاده في سبيل القيام بدور الأم في تربية بناتها عندما ذهبت لتتزوج، فلو قالت لبناتها: إنه شيطان لصدقت لسوء ما فعل، ولكنها ضريبة تلك الشراكة، حيث أمضى عمره “ مربية لخمس بنات ” (٤) . الزواج لا يكون ناجحاً إلاّ بالتكافؤ الفكري على الأقلّ، وهذا المفكر يطلب طرازاً خاصاً من النساء يشاركه في أفكاره التي هي أقرب ما تكون إلى المثالية ولهذا لم ينجح، كان يطمح حمزة شحاتة إلى أن يجعل من بيته مختبراً لبناء الأفكار فلم تنم الأفكار؛ لأنها لم تجد قراراً مكيناً تتلاقح فيه مع أفكار مخصبة ((إن الزوجة الكاملة لا تقل قيمة عن اكتشاف علمي عظيم، فإذا جاء يوم تغدو فيه الحياة سخية بالاكتشافات العلمية العظمى، فإنه لن يأتي اليوم الذي تغدو فيه سخيّة بالزوجات الكاملات؛ لأن هذه سعادة لا يستحقها نقصنا البشري فيما يظهر)) (٥) . من هنا كان الزواج “ همّاً وغمّاً ” ((الزوجة والأولاد غمٌّ في الليل، وهمٌّ في النهار)) (٦) .

стр. 6572

هذا الهم والغمّ سببه القصور الفكري والوجداني، أو “ صغر الكبار ” الذي يؤول بالسفينة إلى “ الغرق ” ((عندما يصغر الكبار فليس للأسرة أن تنتظر سوى الغرق)) (١) و ((صورة الكبير تصغر كلما قلّ نفعه للآخرين)) (٢) . لقد احتفظ حمزة بحب أسرته ووضع ((ذاته وإمكانياته تحت تصرف الجميع لا يستثني أحداً إلا نفسه)) (٣) ، ومع هذا فلم يستطع أن يحقق رغباتها فكانت النهاية و ((عندما يعجز رب الأسرة عن تحقيق رغباتها يكون موته أفضل)) (٤) . لقد أنهار البناء ولم يبق إلا ضريبة “ المغامرة الخاسرة ” “ البنات الخمس ” اللاتي حاول حمزة أن يكون لهن الأب المثال، وظل يصارع المتاعب حتى سقط إعياءً، ولم آيبق سوى الأماني بتحقيق النصيب من العلم والمعرفة (٥) . هذه أحلام المفكر، أن يعدّ الأبناء للحياة، لا أن يُعِد الحياة للأبناء لقد كانت إشكالية حمزة الكبرى هي نبوغه، وإشراق عقله في محيط لا يشاركه وجدانياً هذا التدفق ((والعقول التي تتوازن كفاءاتها في غير أجوائها هي خير العقول وأقواها وأتمها نضوجاً)) (٦) . ولأنه كان يرى العالم حوله بمنظار أسود لما لقيه في أكنافه من ويلات، كان همّ تربية بناته عذاباً أبدياً ((لا تصدق أن هناك شيئاً أسوأ من أن تكون أباً لبضع بنات إلا إذا كنت لا تسمع ولا ترى ولا تشعر أو إذا كنت سوائياً تستوي عندك الأشياء مهما تناقضت وتباينت)) (٧) .

стр. 6573

لقد عانى من المرأة كثيراً، وابتلي بخمس فتيات أراد أن يصنع منهن “ المرأة النموذج ” التي يتمناها، وهنا تأتي مشكلة التربية وانعدام التفاهم بين عقليتين مختلفتين أبناء يريدون الانطلاق، وآباء يخشون من انطلاقهم عليه وينتصر المنطلقون دائماً؛ لأن الحركة أقوى من السكون، وهذه أكثر صور الشقاء شيوعاً كما يعبر حمزة شحاتة (١) . وبناءً على هذا يحذرنا المفكر الكبير: افهم أبناءك كما يريدون هم، لا كما تريد أنت، ((فبهذا يمكن أن تتذوق حلاوة حبهم واحترامهم، وإلا فليخطفك الشيطان ليلقي بك في أقرب مزبلة)) (٢) . هكذا كانت حياة حمزة مع أسرته، كان الزواج يمثل قيداً لا يطاق فنفذ الصبر، وفارق زوجته الأولى، وبحث عن شَرَكٍ آخر فوقع فيه، فنفذ صبره مرة ثانية وثالثة ((الطلاق دليل نفاذ الصبر، أما الزواج مرة أخرى، فبرهان على عمى البصيرة)) (٣) . لقد سئل العقاد عن سبب عدم إقدامه على الزواجه، فقال: خيّرت بين أن أكون زوجاً أو أكون رجلاً فاخترت أن أكون رجلاً، وحمزة شحاتة اختار أن يكون مفكرّاً حرّاً طليقاً لا يحدّه مدى ((الحب والمال والزواج أقدم أسباب التعاسة في العالم)) (٤) . اقترن بالمرأة فلم يعش سعيداً، وإنما عاش فيلسوفاً. كان يرى حمزة شحاتة في الزواج قدراً محتوماً لا مجال للاختيار فيه ((ليس الزواج عملية اختيار إنه قدر)) (٥) ، وهذا القدر المحتوم الذي يُقحم الرجل في هذا العالم هو الذي يجعل منه فراشة طائشة تدور حول النار حتى تحترق (٦) ، يُعمي القدر بصيرته فيجّره إلى سوء العاقبة جاهلاً بمصيره الذي ينتظره ((أرحم تفسير لمن يتزوج أنه يجهل الخطر)) (٧) و ((أشجع كثيراً ممن يقتل نفسه الرجل الذي يتزوج)) (٨) .

стр. 6574

والمرأة في “ جمالياتها ” العامة كائن بشري فيه ما يسر ومالا يسر ((في كل امرأة تسرك، امرأة أخرى تسوءك)) (١) ، وهذا يعني في ظاهره التوازن بين الجمال والقبح، ككلّ البشر، والمرأة خلقت من ضلع أعوج، ولهذا كان الهدي النبوي للعلاقة الزوجية عظيماً للاستعلاء على هذا التنابذ النفسي عند الشريك في الحياة الزوجية، فقد قال رسول الله (: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)) (٢) . ما أن يبدأ شهر العسل أو “ فترة تخفيف آثار الصدمة ” كما يسميه حمزة شحاتة (٣) ، حتى يبدأ الجمال يتكشف عن صورة غير مقبولة، فالمظهر أصباغ ومساحيق صار جمال المرأة معها مجالاً للشك، وفقدت بسببه المرأة سحر الأنوثة ((الذين جمّلوا المرأة بالوسائل الصناعيّة لم يفقدوها سحر الأنوثة فقط، بل جعلوا منها صدمة لعواطف الرجل وخياله)) (٤) ، وانكشف عالمها فلم يبق فيها - بعد سفورها - ما يثير فضولاً، ويغري بمتعة الاكتشاف (٥) .

стр. 6575

وأما المَخْبَر “ فعَالم ”من الشك والخداع والخشع، والرذائل. وتطغى على صورة المرأة “ الخيانة ” فهي تغمض عينيها لتستحضر صورة رجل آخر (١) ، و ((تبيت في هدوء مع صديقك الذي يمدّك بكل أخبارها)) (٢) و ((لا تعرف للشرف والعفة معنى عندما تحب)) (٣) وتحب لتتزوج وتتزوج لتحب، ولهذا يجعل من دقة الفطنة دعوة البدو المشهورة ((جعل الله ولدك من ظهرك)) (٤) فهي ((دعوة تدل على دقة الفطنة لحرج مركز الرجل تجاه زوجته إذا قدر له أن يتلقى أبناءها باعتبارهم أبناءه)) (٥) . وهكذا تتحول السعادة إلى شقاء “ واللباس ” إلى عُري، والسكن والمودة والرحمة إلى معركة دامية غير متكافئة ((المعركة الأبديّة بين الرجل والمرأة غير متكافئة ينتصر فيها الرجل باستمرار، ولكنه الضحيّة دائماً)) (٦) . وينتهي الأمر بالطلاق وهو الذي يكون فيه الرجل الضحيّة ((سمعت أحدهما يقول: إنها تحبني وتخلص لي، ما في ذلك ريب ولكنها لا تقدم غذاءً لفكري وإحساسي بالحياة، فالعيش معها كزوجة لا يكون إلاّ محدوداً كعيش البهائم والحب وحده لا يستطيع أن ينهض بأعباء الدوام لعشرتنا. وقال الآخر: هناك من تلهب فكرك وإحساسك، ولكنها تهب قلبها غيرك، فهي صالحة لأن تكون صديقة أو حبيبة كل شيء إلا الزوجة المخلصة الأمينة فهل يكفيك هذا لدوام العشرة؟! وزفر الأوَّل زفرة كانت صك اعترافه بحيرته وقال: ألا ليت الزواج لم يكن ضرورّياً)) (٧) . ٣ - المجتمع: المجتمع ليس كتلة بشرية وإنما هو نسيج علاقات وفي هذا يقول مالك بن نبي ((المجتمع ليس مجرد مجموعة من الأفراد، بل هو تنظيم معين ذو طابع إنساني، يتم طبقاً لنظام معين وهذا النظام في خطوطه العريضة يقوم بناءً على ما تقدّم على عناصر ثلاثة: ١ - حركة يتسم بها المجموع الإنساني.

стр. 6576

٢ - إنتاج لأسباب هذه الحركة. ٣ - تحديد لاتجاهها)) (١) . وبتناغم هذه العناصر الثلاثة “ الحركة ” و “ المنتج ” و “ المنهج ” يصنع المجتمع شهوده الحضاري، وبتنافرها ونشاز نغمها يظل راسفاً في قيود التخلف والتبعيّة. والمجتمع بوصفه “ شبكة علاقات ” كان أحد محاور البحث والتأمل في الفلسفة الجمالية عند حمزة شحاتة، حيث أعلن “ حرباً أهلية ” على “ عوامل القبح ” في المجتمع، وكان مناضلاً جعل من مقاومة الانحطاط رسالته الأولى، وكانت قيمته بوصفه أحد عقد هذه الشبكة أن يكون منتجاً وفعّالاً، وليس عالة عليه ((إن حياة المجتمع كالحرب تماماً لا عبرة فيها بما يسقط، ولكن بما يظلّ قائماً، ومع ذلك فإن كل شيء سيخبو وينطوي، إنني منذ ولجت باب العيش، وحتى هذه اللحظة، لم أكن عالة على المجتمع، ألا يكفي هذا، فوق أنّه مبرر لوجودي، أن يجعلني مواطناً أقاوم عوامل الانحطاط)) (٢) . وحين يتأمل الصحافة السعودّية بين الماضي والحاضر يجدها صورة للمجتمع، حين تحوّل من مجتمع عشائري إلى مجتمع موحد على يدي الملك عبد العزيز طيب الله ثراه حيث ((تكامل عمران المدن، وامتدادها، وتكدس منتجات الحضارة وشيوعها، وتكاثر وسائل النقل، والمواصلات، وبروز معالم الحياة، وامتلاء المشاعر بها، والتعلق، والتململ، والصراع، تعبير عن توهج الرغبة في التخلص من آثار الشعور بالتخلف والإقبال الملتهب على أي منفذ من منافذ الحياة ... )) (٣) لقد شهد حمزة شحاتة دخول المجتمع السعودي مرحلة الانطلاق الحضاري على يدي موحد الجزيرة، وأعجب بتلك القفزة الحضارية التي انتقل فيها المجتمع من “ قبائل متناحرة ” إلى “ دولة وحدة ”.

стр. 6577

وأبدى إعجابه بنماذج “ اجتماعيّة ” مضيئة، لها حضورها الفاعل في البناء الاجتماعي كصديقه أحمد قنديل، ومعالي الشيخ عبد الله الحمدان أول وزير للماليّة، لكنه لم يغفل عن ممارسات بعض “ القوارض الاجتماعية ” (١) بحسب تعبير مالك بن نبي التي تسعى إلى خلخلة النسيج الاجتماعي، والعبث بشباكه، وذلك من خلال ممارسات تغلب فيها الذات على المجموع، ويصبح الحق أولى من الواجب إن لم ينعدم الواجب ويختفي. إن الشهود الحضاري للمجتمع لا يكمن في تكديس منجزات الآخرين وإنما يكمن في الفعل الحضاري، والاندماج في شبكة المجتمع والعمل بروح الفريق (٢) . لقد رأى كثيراً من القيم تنتحر تحت أهواء الذات ونوازعها، فالهجرة الدينية المتتابعة إلى المجتمع السعودي، وشيوع التواكل، والانطفاء الحضاري، وانعدام التجديد، وغلبة الرتابة قوارض اجتماعية ينبغي تتبعها والقضاء عليها حتى لا تخترم ذلك النسيج، وتمزق وحدته. ويُعدّ كتابه “ رفات عقل ”، ومحاضرته الشهيرة “الرجولة عماد الخلق الفاضل” بحثاً دقيقاً في هذه المسألة. ٤ - الأمة: ((المعنى الاصطلاحي المتكامل للأمة يتضمّن عناصر أربعة: الأوَّل: العنصر البشري، والثاني: العنصر الفكري، والثالث: العنصر الاجتماعي، والرابع: العنصر الزمني. فالأمة مجموعة من الناس تحمل رسالة حضاريّة نافعة للإنسانية، وتعيش طبقاً لمباديء هذه الرسالة، وتظل تحمل صفة الأمة مادامت تحمل هذه الصفات، أمّا حين تفقدها فقد يطلق عليها اسم الأمة ولكنها لن تكون النموذج الإسلامي الكامل للأمة)) (٣) .

стр. 6578

والأمة الإسلاميّة تعاني نكوصاً في جميع مجالات الحياة وتفتقد لتكامل هذه العناصر الأربعة ولذا فهي تحتاج إلى وقفة جادة وشاملة لإعادة إخراجها، واسترداد دورها في الشهود الحضاري. وحمزة شحاتة كان أحد أدبائنا ومفكرينا الذين استوقفهم حال الأمة “شهود حضاريٌّ ” في الماضي و “ إفلاس حضاري ” في الحاضر. إن التنافر الذي يدب في التجانس التركيبي للحياة هو الذي يدفعها إلى الأمام، لكنه لا يفعل ذلك في أمتنا بوصفها جسماً اجتماعيّاً حيّاً (١) . ولهذا فالمآل هو الهلاك ((ينبغي أن لا نشك في مستقبلنا الاجتماعي كأمة كلما ارتفع ميزان الحضارة والتقدم الصناعي في الأمم البعيدة، لا معدى عن أن نرتدّ بدواً تضرب في هذه الصحاري المقفرة لتشارك الحيوانات حياتها)) (٢) . وعلى هوان هذه الأمة ونكوصها الحضاري أنها ((كالمعدة القوية، تهضم كل شيء بسهولة)) (٣) تهضم ما تحتاج إليه ومالا تحتاج إليه، وهذا الهضم المتكرر، يعلم الاستهلاك لا الإنتاج، ويقتل ولا ينفع، “ والمعدة بيت الداء ”، وهذا يعني أن “ الإنتقاء ” مبدأ حياة، وخيار وجود، ودليل وعي. هذه العلة تجعل سمة كل ((من يحلم بإصلاح هذه الأمة، أن يكون مفرطاً في التشاؤم إلا إن كان لا يعبأ بالخذلان)) (٤) لقد أصبحت الأمة “ حيواناً بليداً ” حين فقدت شهودها الحضاري، ولا يعاب الأدباء - ومنهم حمزة شحاتة - في أنهم لم يستطيعوا ((تحريك هذا الحيوان البليد الذي تدعوه أمه؛ لأن هذا لم يكن ميسوراً لكرّة الزمن نفسه في ثلاثة عشر قرناً)) (٥) .

стр. 6579

لقد فقدت الأمة “ رشدها ” بعد معركة صفين (١) ، عندما بدأت أخلاق الأمة في الانهيار، وبدأت تطفو على الساحة أخلاقيات جديدة، وسلوكيات مغايرة لقيم الهدي الإلهي، ولهذا فنهضة الأمة لا تكون إلا بنهضة أخلاقيّة يعرف فيها الفرد والمجتمع الحقوق والواجبات، ويستشعر فيها كل فرد المسئولية، والأمة ((لا يمكن أن تنجح إلا بأخلاقها وتقاليدها النابعين من تاريخها وخصوصاً في هذا العصر)) (٢) . هذه الأخلاق نتيجة تربية سليمة ترفع درجة الوعي لدى أبناء الأمة فتنتفي الازدواجية المميتة بين الفكرة والواقع، حين يصبح الواقع ميداناً لممارسة الأفكار واستنباتها وتطويرها، وفي ضوء هذا التناغم تنشأ سلوكيات سوّية تكشف عن ثقافة راسخة، لم تفرض برأس البندقية، وإنما تنبثقُ من نفوس مؤمنة بأصالة الموقف الذي تتبناه، والأصل الذي تنتمي إليه. وهنا تتفاوت الأمم، ويتباين السبق الحضاري بتباين أساليب التربية ((لا تحيا أمة إلا بالتربية الصالحة، وما نراه من الفروق بين الأمم الناهضة إنما مرده تفاوت أساليبها في التربية. وقد تماثل أمة أمة في قوتها الظاهرة، ولكن الغلبة تكون دائماً لأقواهما خُلقاً. وتفوق السياسة الانجليزية ليس مرده القوة الحربيّة، ولا امتياز الذكاء والإدراك، ولا قوة النفوذ، وامتداد السلطة وارتفاع ميزان الثروة؛ لأن هذه النتائج ضمنتها قوة الخُلُق في الفرد الانجليزي. ولقد كانت فرنسا وما تزال أقوى ذهنية، وأحدّ شعوراً، ولكن اتجاه المزاج الإفرنسي، كنتيجة لأسلوب التربية الغالب في فرنسا جعل الفرنسي، دون الانجليزي في متانة الخلق، وصدق الاتجاه، وقوة العزيمة، وضبط النفس.

стр. 6580

والإجماع عام على أن أيّة نهضة لا تقوم على قوّة خلقيّة في أمّة، إنما تكون نهضة مقضياً عليها بالانهيار والتحيّر..)) (١) والرجولة عماد الخلق الفاضل، فالرجولة هي السلاح، وهي قوّة الدفع ساعة الضعف ((ها نحن نرى أمة نكرة بين الأمم يعجزها النهضان، ويصرفها لهوها بالفضائل، عن انتهاج سبيل القوة والارتقاء، وسبيل الحياة والسمو، فأين القوّة والجمال والحق تأخذ بيدها؟ أين الرجولة تأخذ بيدها وتقيل عثرتها؟ الرجولة التي كانت رمز القوة الفعالة في الإنسان القديم! ورمز سجاياه ومحاسنه في أولى وثباته إلى التطور! ورمز الحياء والرحمة والعدالة في فجر مدنيته المنبثق! ورمز المبدأ للعربي يوم نهض بأعباء رسالته التاريخية)) (٢) . و“ الفضائل ” عندما يضعها حمزة شحاتة تحت مجهر التشريح، ويقوم بتجريدها، وفق فلسفته الخاصة، يقدّم لنا رؤية جديدة يتخطى بها حدود النظر الضيّق إلى آفاقٍ رحبة لا ليضعف هذه الفضائل، وإنما ليبلغ بها أبعد آماد القوة والاحتمال (٣) . وهذه مجازفة استدعتها الأمانة مع ما لهذه المجازفة من عواقب وخيمة؛ لأن رج المعتقدات والأعراف الثابتة، يقابلها الناس بردود فعل عنيفة لا تكاد تقاوم، ولكن الحياة لا تستقيم إلا بهذه المغامرات من الطامحين لصناعة الحياة الذين يكشفون خبايا الوجود والفكر (٤) . وحمزة شحاتة يربط بين الأطوار الاجتماعية والفضائل، فالفضائل تتلبس معاني ومفاهيم خاصة في كل طور اجتماعي، ولهذا لا سبيل لتفكيك هذه المفاهيم إلا في سياقها الاجتماعي. فالفضائل: ((صفات وأعمال تؤمن الجماعة الغالبة اصطلاحاً بفائدتها وضرورتها، أو بأنها خير..)) (٥) .

стр. 6581

فالنفع أساس الفضائل جميعاً، لكنّ هذه المنفعة تختلف باختلاف العقول والعصور، وهذا الاختلاف في تصور بعض الحقائق وإدراكها من عصر إلى عصر وعقل إلى آخر لا ينفي الحقيقة الأصلية (١) . وهذا أمر لا يدركه كثير من الناس ((فإذا قال مفكر اليوم: إن الفضائل أوهام عقلية أو نفسية، غايتها إيجاد مثل عليا للجموع تستمد منه روح العزاء والعزيمة والأمل، لم يكن معنى هذا إنكار صحة تعاريفها أو صحة الأحكام التي أعطيت عنها..)) (٢) . وحين يعرض لأطوار الفضيلة يذهب إلى أنها مرت بثلاث مراحل: كانت في الطور الأول ضرورة فرضتها طبيعة الحياة في عصر الإنسان البدائي. فصارت معتقدات شعورية شعرت بها الجماعة فاستجابت لأحكامها، وتحولت في طورها الثالث إلى أخلاق وملكات لا شعورية وخصائص نفسية وفكرية من خلال المحاكاة (٣) . وإذا كانت الرذائل “ أنانية عارية ” فإن الفضائل “ أنانية مهذّبة ” (٤) ؛ لأنها ألفاظ القوي واستراتيجيته لاستغلال الضعيف وقهره (٥) ، أما الحياة فلا تعرف إلا الأقوياء (٦) قديماً كان الجسد مصدر القوة، فجاء النفوذ والثروة وحلا محل القوة الجسدية (٧) وكل هذا يتم تحت مسمى “ الفضيلة ” فكم من المجازر البشرية التي انقادت لها الجماعات البشرية مأخوذة بأوهام الحق والعدالة والدفاع عن الفضائل المستباحة (٨) .

стр. 6582

ففضيلة “ الكرم ” مثلاً كانت دليلاً على القوة، فصارت دليلاً على النفوذ (١) . وهذه الفضيلة لم تنشأ كاملة السمات، وإنما تدرجت من الضرورة إلى أن صارت ملكة لا شعورية، كان الكرم في الأصل دلالة افتخار على اتساع نفوذ القوي فأصبح صفة لازمة لمن تحلهم قوتهم ونفوذهم محل الأبطال والقادة، فالكريم كثير الأعوان، عميق الأثر، رفيع المنزلة ولهذا يمجده الناس مع أن العفيف أكثر قهراً لشهوات النفس (٢) . والبخل رذيلة بلاشك تدل على ضيق النفس، وفتور الفكر الطامح ولكنه يدل من جهة أخرى على فهم عميق لطبيعة الحياة، وحقيقة الناس، وطبائعهم المطوية (٣) . فإذا كان الكرم خيالاً جميلاً، فإن البخل حكمة وفلسفة عميقة. فالكرم “ أنانية مهذبة ” لأن الكريم يعطي ليأخذ، يكرم ليستعبد النفوس ويسترق الألسنة، ويستمتع بلذة الثناء، وبهرج الاستعلاء (٤) . وهذه حقيقة، يؤكدها واقع الحياة المعاصرة، وجدل الفكر الشعري الذي يتجلى بين الشاعر الباحث عن “ الخيال الجميل ” والثناء السائر، وزوجته الحكيمة التي تتحدث بلغة الحياة، ورؤية الإنسان الخائف، ولا ينفيها ترغيب الإسلام في الكرم والحث عليه كقوله صلوات الله وسلامه عليه: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) (٥) .

стр. 6583

فالإسلام يسمو بهذه الفضيلة كغيرها من الفضائل فلا يجعل الميزان فيها للأخذ والعطاء، وحسابات الربح والخسارة، والمصالح الضيّقة، ولهذا يسميها حمزة شحاتة “ محاسن ومعايب ” (١) ، ((أما الفضائل التي نراها خليقة بهذه التسمية، فهي التي نزل بها القرآن ودعا إليها. تلك فضائل لا يكون للمتصف بها، والمؤمن بقوانينها، نظر إلى مصلحة أو سمعة، وإن كان شيء من ذلك فالمثوبة عند الله والزلفى إليه. فالكرم فيها إحسان إلى مستحقه، ينزل منزلة الحق المفروض له. وخروج من سلطان المادة وحدودها في سبيل الله)) (٢) . والانحراف بهذه الفضائل ضرورة اقتضاها سير الحياة وقوانينها (٣) . وذلك ((أن النظرة العامة إلى الفضائل أصبحت نظرة خيالية لا نظرة إيمان وتحتيم. وإنها لم تعد سلاحاً يضمن الحماية لمتقلّده)) (٤) . والعودة بهذه الفضائل إلى ما كانت عليه هو سبب النجاة، والأمل في الشهود الحضاري، وسبيل القوة والظفر (٥) . هذه الرؤية الفلسفية العميقة للفضائل وربطها بتطور الحياة الاجتماعية عند حمزة شحاتة كما تجلت في محاضرته “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” ذهب الأستاذ الكبير محمد حسن زيدان إلى أنها مستمدة من كتاب علم الاجتماع لنقولا حدّاد (٦) ولكن عزيز ضياء يرى فرقاً بين استنساخ المعرفة و “ ابتكارها ”، فقد يكون حمزة شحاتة وقف على ما قاله “ نقولا حداد ” وأفاد منه، ولكن الإفادة شيءٌ، والتقليد شيءٌ آخر، وحمزة شحاتة في كل ما يكتب كان من أبرز خصائصه ((التعشق الملهوف للاستقلال الفكري والحرص الممضّ على الابتداع، والترفع عن الاتباع..)) (٧) .

стр. 6584

وقد جهدت في البحث عن كتاب “ نقولا حدّاد ” فلم أجده، لكن الذي أراه هو أن حمزة شحاتة لديه قدرة مدهشة على الإبداع والإضافة في محاضرته هذه، وفيما عرض له من قضايا فكريّة وأدبيّة، الأمر الذي يعزز روح النبوغ لديه. واعتقد أن حمزة شحاتة أفضل من قدّم رؤى خصبة من روادنا الكبار فيما يسمى “ بالنقد الثقافي ” الذي يبحث في الدلالة المضمرة للخطاب الجمالي، ويكشف بعض عيوبه المنسربة تحت قشرته الظاهرة (١) . جماليات المكان علاقة الإنسان بالمكان علاقة قديمة تمتد بالإنسان إلى أبيه الأوَّل آدم ﵇ الذي كان خلقه قبضة من الطين ونفخة من الرُّوح، فمن الأرض تشكّل أبوه بقضاء الخلاّق العليم، وصارت الأرض له بيتاً كبيراً يحنو عليه وأُمّاً تعذق بما سخر الله فيها من طاقات الحنوّ والخصوبة. وبدأ الإنسان يشكل مكانه الخاص به، وفي إطار من الإحساس بالمدنية بدأت دوائر المكان تتسع من البيت الصغير “ المنزل ” إلى البيت الكبير “ الوطن ” إلى المنزل الأكبر “ الأمة ” ثم “ العالم ” الذي أصبح بيتاً للجميع، لا حياة إلا فيه، ولا بقاء إلا بالحفاظ على نظافته ونقائه. والمكان في رؤية الإنسان يكتسب خصوصيته وقيمته وجماليته من خلال علاقة الكائن به، وألفته له، وليس من خلال وجوده الموضوعي ((إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكاناً لامبالياً، ذا أبعاد هندسيّة وحسب. فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيّز. إننا ننجذب نحوه؛ لأنه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية)) (٢) .

стр. 6585

والمكان في الفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة له حضوره الخاص، تأملاً وتآلفاً أو تنافراً، بمقتضى رؤية خاصة تشكل للمكان وجوداً جديداً، وتضفي عليه ألواناً وظلالاً “ شحاتّية ” تنقله من وجوده “ الموضوعي ” إلى وجود “ جمالي ” جديد لا نجده إلا في هذه الفلسفة الجماليّة. وحين نستقرئ آثار حمزة شحاتة نجد عدداً من الأماكن استوقفت حمزة وصبغها بروحه ومشاعره فنقلها إلى عالمه الخاص ومنها: ١ - البيت. ٢ - المدرسة. ٣ - المدينة. ٤ - الوطن. ١ - البيت: ((البيت هو ركننا في العالم، إنه كما قيل مراراً، كوننا الأوَّل، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى، وإذا طالعنا بألفة فسيبدو أبأس بيت جميلاً)) (١) . في هذا الكون الصغير تتآلف الأشياء، وتجتمع الأسرة، وتكتب الأحلام، ولهذا يظل البيت عالقاً في الأذهان لما ينطوي عليه من ذكريات جميلة، ولما حفظ لنا بوصفه مكاناً من مواقف لا تُنسى. في البيت تتشكل عقلية الطفل، وتتحدد شخصيته، وحمزة شحاتة يرى أن البيت لدينا يمارس سلطة قمع على الطفل، فالطفل لا يشعر بوجوده إلا بالحركة والشغب وإلا أصبح قطعة أثاث جامدة لا روح فيها، فينشأ شعور الحريّة مع الطفل فيقابل بزواجر القانون “ استح ” (٢) . هذا القانون الذي يحاول أن يجعل الطفل في غده إنساناً ((متسقاً، مؤدباً، هادئاً، فلا يلتهم الطعام، ولا يصرخ من الألم)) (٣) .
следующие страницы →