← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

لهذا الرسالة حسب علمي مخطوطتان: إحداهما في المكتبة الخديوية الملحقة بدار الكتب المصرية، وهي محفوظة فيها تحت رقم: (ن ع ٣٧٢٨) ، وتتكون هذه المخطوطة من أربع لوحات، وفي كل صفحة منها خمسة عشر سطرا، وهي مكتوبة بخط النسخ، وعليها تعليقات، وهي نسخة خالية من الطمس، وفيها شيءٌ قليل من السقط، وَذَكَرَ كاتبها محمود محمد المالكي بأَنَّه نسخها في السابع من جمادى الآخر من سنة ٩٧، هكذا من غير تحديد، لكن يبدو أَنَّها السنة السابعة والتسعون بعد المائة والألف من الهجرة؛ لأَنَّ كاتب هذه النسخة من تلاميذ مؤلف الكتاب، فقد ذكر هذا على غلاف نسخة الكتاب؛ إذ كتب ما يلي: (هذا أحكام «لا سِيَّما» وما يتعلق بها لشيخنا الشيخ أحمد.... الخ) . لكن يبقى احتمالٌ، وهو أَنْ يكون الناسخ قد نقل هذه النسخة من نسخة أحد تلاميذ المؤلف إلا أَنَّ هذا احتمال بعيد؛ لما يلزم عليه من نسبة الغفلة عمَّا يكتب إلى الناسخ. وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف "د". أمَّا النسخة الثانية فهي محفوظة ضمن مجموعٍ في مكتبة آل هاشم في المدينة المنورة، ومنها مصوَّرةٌ فلميةٌ محفوظةٌ في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحت رقم: (٨٥٤٣/٣) ، وتقع هذه المخطوطة في ثلاث لوحات، وتحتوي كُلُّ صفحةٍ من صفحاتها على ثلاثةٍ وعشرين سطرا، وهي مكتوبة بخط النسخ، وكتابتها واضحة، وهي نسخة سليمة من الطمس، وتكاد تكون خالية من السقط، ولم يحدِّد كاتبها سنة نسْخِها، بل ذكر أَنَّه نسخها في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من غير تحديد للسنة. وقد رمزت لها بالحرف "ج"، وهذه النسخة هي التي ذكرت أرقام صفحاتها في المتن. ولم أجعل إحداهما أصلا؛ لأَنَّ كلاًّ منهما ليست نسخة المؤلف ولا منقولة منها ولا مقروءة عليه؛ ولهذا اعتمدت الاختيار من النسختين والجمع بينهما. عملي في التحقيق:

стр. 6652

لَمَّا كانت الغاية من تحقيق النصوص هو إخراجها صحيحة سليمة كما وضعها مؤلفوها فقد بذلت جهدا كبيرا في تحقيق هذه الرسالة، ملتزما بالأمانة العلمية والنهج العلمي في التحقيق، مراعيا في ذلك الأسس التالية: ١ احترمت نَصَّ الرسالة، فلم أتدخل فيه إلا بالقدر اليسير الذي لا يَمَسُّ جوهره، مثل كتابته وَفْقَ القواعد الإملائية المعروفة الآن. ٢ عَزَوْتُ الآياتِ القرآنيةَ إلى سُوَرِهَا، مع ذكر رقم الآية، وَضَبَطْتُ بالشكل التَّامِّ جميع الآيات. ٣ خَرَّجْتُ الشواهد الشعرية، وذلك ببيان بَحْر البيت، وإكماله في الهامش إن وَرَدَ ناقصا في الأصل، ونسِبته إلى قائله، مع توثيقه من ديوانه، وبيان معاني الكلمات الغامضة فيه، وذكر الشاهد في البيت، وإيراد بعض الكتب التي استشهدت به مراعيا في ذلك التسلسل التاريخي لوفاة مؤلفيها. ٤ شَرَحْتُ الكلماتِ الغريبةَ الواردةَ في الكتاب، وَضَبَطْتُ ما يحتاج إلى ضَبْطٍ. ٥ خَرَّجْتُ أقوالَ النحاةِ وآراءهم من كتبهم إن وُجِدتَ فيها، وإلا فَمِنْ كُتُبِ النحو المشهورة، وَنَسَبْتُ المذاهبَ النحوية إلى أصحابها مُوَثِّقًا ذلك من كتبهم. ٦ خَرَّجْتُ المسائلَ النَّحْوِيَّةَ، وَأَشَرْتُ إلى مواطنها في أمهات كتب النحو، وَعَلَّقْت عليها، وأكملت ما لم يستكمله المؤلف من أقوالٍ فيها. ٧ تَرْجَمْتُ للأعلام الذين ذُكِرُوا في متن الكتاب، واستثنيت من ذلك المشهورين، كابن مالك والرضي والمرادي ونحوهم؛ لأن هذه الرسالة مقدمة للمتخصصين، والمتخصصون لا يخفى عليهم كثير من جوانب حياة المشهورين من الأعلام. أبيات المنظومة:

стр. 6653

ذكر المؤلف منظومته في الشرح متفرقة في الغالب؛ لأَنَّه سلك في الشرح فيما عدا البيتين الأوَّلَين مَزْجَ المنظومة مع الشرح، ونظرا لأَنَّ القارئ قد يحتاج إلى الوقوف على المنظومة منفردة رأيت أن أذكرها هنا، وبخاصة أَنَّني وجدت أبيات المنظومة مذكورة على غلاف نسخة المدينة المنورة، وإليك المنظومة: وَمَا يَلِي «لا سِيَّما» إِنْ نُكِّرَا فَاجْرُرْ أَوِ ارْفَعْ ثُمَّ نَصْبَهُ اذْكُرَا في الْجَرِّ «مَا» زِيْدَتْ وَفي رَفْعٍ أُلِفْ وَصْلٌ لَهَا قُلْ أَوْ تَنَكُّرٌ وُصِفْ وَعِنْدَ رَفْعٍ مُبْتَدًا قَدِّرْ وَفِي رَفْعٍ وَجَرٍّ أَعْرِبَنْ سِيَّ تَفِي وَانْصِبْ مُمَيِّزًا وَقُلْ: (لاَ سِيَّما يَوْم) بِأَحْوَالٍ ثَلاَثٍ فَاعْلَمَا وَالنَّصْبُ إِنْ يُعَرَّفِ اسْمٌ فَامْنَعَا وَبَعْدَ «سِيٍّ» جُمْلَةً فَأَوْقِعَا أَجَازَ ذَا الرَّضِيْ وَلا تُحْذَفُ «لا» مِنْ سِيَّما وَسِيَّ خَفِّفْ تَفْضُلا وَامْنَعْ عَلَى الصَّحِيْحِ الِاسْتِثْنَا بِهَا ثُمَّ الصَّلاَةُ لِلنَّبِيِّ ذِي الْبَهَا

стр. 6654

الحمد لله الذي (١) رَفَعَ قَدْرَ حبيبه في الدارَين، وَنَصَبَهُ بخفض العِدَا لا سِيَّما يوم بدرٍ وحنين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الكرام، وعلى من تبعهم من السادة البررة الأعلام، صلاة وسلاما بهما ننتظم في سلكه الرفيع، ونأمن من كل هول بالدخول في حصنه المنيع، آمين، أمَّا بعد: فاعلم رزقنا الله التوفيق (٢) ، وسلك بنا مَهَايِع (٣) التحقيق أَنَّ الذي يلي لفظ «لا سِيَّما» له حالتان: التنكير، والتعريف. فإن كان نكرة جاز فيه ثلاثة أوجه: الجر، والرفع، والنصب. فالجر وهو أرجحها (٤) بإضافة «سي» إليه، و «ما» زائدة بينهما (٥)

стр. 6655

مثلها في (أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ ((١) . والرفعُ خبرٌ لمحذوف وجوبا (٢) ، و «ما» موصولةٌ أو نكرة موصوفةٌ (٣) ، أي: ولا مثل الذي....، أو: ... شيء هو كذا. وعلى الوجهين فتحةُ «سِيّ» إعرابٌ؛ لأَنَّ (٤) اسم «لا» مضاف، وخبرها محذوف، أي: موجود (٥) ، وحَذْفُ المبتدأ في هذا المحل (٦)

стр. 6656

مقيسٌ غير شاذ (١) ؛ لأَنَّهم نزَّلوا «لا سِيَّما» منزلة «إلا» الاستثنائية، فناسب ألاَّ يُصرَّحَ بعدها بجملة (٢)

стр. 6657

فإن قيل: «لا سِيَّما زيدٌ الصالحُ» فلا استثناء (١) ؛ لطول الصلة بالنعت (٢) كما نبَّه عليه ابن عقيل (٣) .

стр. 6658

لا يقال: (إن شرط «لا» عملها في النكرات، و «سِيّ» قد عُرِّفت بالإضافة فلا عَمَلَ ل «لا» فيها) ؛ لأَنَّا نقول: مَنَعَ من ذلك توغُّلها في الإبهام ك «غَيْر» و «مِثْل» و «شِبْه» فلا تُعرِّفها الإضافة (١) . والنصب على [٢ أ] التمييز (٢) و «ما» كافَّة، وفتحة «سي» فتحة بناء (٣)

стр. 6659

، وإلى ما تقدم أشرت بقولي: وَمَا يَلِي «لا سِيَّما» إِنْ نُكِّرَا فَاجْرُرْ أَوِ ارْفَعْ ثُمَّ نَصْبَهُ اذْكُرَا في الْجَرِّ «مَا» زِيْدَتْ وَفي رَفْعٍ أُلِفْ وَصْلٌ لَهَا قُلْ أَوْ تَنَكُّرٌ وُصِفْ (وَعِنْدَ رَفْعٍ) بالتنوين (١) (مُبْتَدًا قَدِّرْ) (٢) ، أي: قَدِّرْ مبتدأً عند رفعٍ (٣) (وَفِي رَفْعٍ وَجَرٍّ أَعْرِبَنْ) بنون التوكيد الخفيفة (٤) ، (سِيَّ تَفِي، وَانْصِبْ مُمَيِّزًا) أي: انصبْ حالَ كونك مُمَيِّزًا. وقد عُلِمَ بناء «سِيّ» في هذا الأخير من التقييد بالإعراب في ذينك، وقد رُوِيَ قولُ الشاعر: وَلا سِيَّما يَوْم بِدَارَةِ جُلْجُلِ (٥) بالأوجه الثلاثة، وإلى هذا أشرتُ بقولي: (وَقُلْ: ((لاَ سِيَّما يَوْم)) بِأَحْوَالٍ) بالتنوين (ثَلاَثٍ) (٦) بدلٌ مما قبله (فَاعْلَمَا) .

стр. 6660

قال العلامة الفارضي (١) في شرح الألفية بعد أن ذكر البيت المستشهد به (٢) : (فعلى رواية الجر تكون «سِيّ» بمعنى «مِثْل» ، وهو مضاف، و «يوم» مضاف إليه، و «ما» زائدة. وعلى رواية الرفع تكون «ما» موصولة، و «يومٌ» خبرٌ لمحذوف، أو نكرةٌ موصوفة، والتقدير: لا مثلَ الذي هو يومٌ، أو: لا مثلَ شيءٍ هو يومٌ. والنصب على التمييز كما يقع التمييز بعد «مِثْل» في نحو: (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ((٣) ، و «ما» كافة عن الإضافة، وفتحةُ «سِيّ» بناءٌ مثلُها في «لا رجلَ» على ما تقدم) .

стр. 6661

وذكر وجها آخر، وهو أَنَّ «ما» موصولة، و «بدارة جُلْجِل» صلة، و «يوما» ظرف، والعامل فيه ما في «بدارة» (١) من معنى الاستقرار (٢) ، ثم قال (٣) [٢ ب] : (وفتحةُ «سِيّ» في الصور الثلاث فتحةُ إعرابٍ يعني به: حالة الجر، والرفع، والنصب على الظرفية؛ وذلك لأَنَّ «ما» إن كانت موصولة فهي معرفة، واسم «لا» التبرئة لا يكون معرفة، وإن كانت غير موصولة ف «سيّ» مضافة (٤) لما بعدها إن كانت «ما» زائدة، أو مضافة ل «ما» إن كانت نكرة موصوفة، واسم «لا» المبني لا يكون مضافا) . انتهى (٥) كلامه. وقد علمت ردَّه بما تقدم من أَنَّها لا تتعرف بالإضافة (٦) ، فتأمل (٧) . قال ابن مالك (٨) : وإذا كانت (٩) «ما» موصولة معها جاز وصلها بفعلٍ وبظرف، نحو: أعجبني كلامُكَ لا سِيَّما تَعِظُ به (١٠)

стр. 6662

، ويعجبني التهجُّدُ لا سِيَّما عندَ زيدٍ (١) . انتهى. هذا إن كان ما بعدها نكرة، فإن كان معرفة (٢) جاز الأولان، أعني: الجر والرفع، وإن ضُعِّفَ الرفع بأَنَّ فيه حَذْفَ العائد المرفوع مع عدم الطول (٣) ، وإطلاقَ «ما» على من يعقل في نحو: ولا سِيَّما زيدٌ. وامتنع الأخير، أعني: نصبه، أي: عند الجمهور، وإلا فقد نَقَلَ بعضهم جوازه (٤) ، نحو (٥) : أكرمِنَّ القوم (٦) لا سِيَّما زيدًا، وإلى هذا أشرت بقولي: (وَالنَّصْبُ إِنْ يُعَرَّفِ اسْمٌ فَامْنَعَا) .

стр. 6663

وقد أشرت بقولي: (وَبَعْدَ «سِيٍّ» جُمْلَةً فَأَوْقِعَا، أَجَازَ ذَا الرَّضِيْ) إلى ما نقله العلامة الْحِفْنِيِّ (١) في حاشية الشِّنْشَوْرِيِّ (٢) عن الْمُحَقِّقِ الرَّضِيِّ من جواز وقوع الجملة بعد «لا سِيَّما» ، ونَصُّهُ (٣) : (وهل يقع بعدَهَا جملةٌ أو لا؟ قال في التسهيل نقلا عن [٣ أ] المرادي: (وقولهم: (لا سِيَّما والأمرُ كذا (٤)) تركيب غير عربي) (٥)

стр. 6664

، وعليه السيوطي (١) . وقد أجاز ذا (٢) الرضي حيث قال (٣) : (ويُحذف ما بعد «سِيَّما» (٤) على جعله بمعنى «خصوصا» ، فيكون منصوبَ المحل على أَنَّه مفعول مطلق مع بقائه على نصبه الذي كان له في الأصل حين كان اسم «لا» التبرئة، فإذا قلت: ((أحب زيدا ولا سِيَّما راكبا)) ، فهو بمعنى: وخصوصا راكبا، ف «راكبا» حال (٥) من مفعول الفعل المقدر، أي: وأخصه بزيادة المحبة خصوصا راكبا (٦) ، وكذا في: ((أحبه ولا سِيَّما وهو راكب)) (٧)) . انتهى، فقد حَكَمَ بِصِحَّةِ ما جعله المراديُّ تركيبا فاسدا (٨)

стр. 6665

) . انتهى. ثم قلت: (وَلا تُحْذَفُ «لا» مِنْ سِيَّما) يعني: أَنَّ لفظة «لا» لا تُحذف من «سِيَّما» وجوبا (١)

стр. 6666

؛ لأَنَّ حذف الحرف خارج عن القياس (١) . وكذلك دخول الواو على «لا» ، وذكر بعضهم أَنَّها قد تُحذف (٢) .

стр. 6667

وتُخفَّف «سِيَّما» (١) ، كما في قوله: فِهْ بالْعُقُودِ وبالأَيْمانِ لا سِيَما عَقْدٌ وفاءٌ بِهِ مِنْ أعظمِ القُرَبِ (٢)

стр. 6668

وإلى جواز التخفيف أشرت بقولي: (وَسِيَّ خَفِّفْ تَفْضُلا) ، أي: خَفِّفْ لفظة (١) «سِيّ» إن أردت ذلك (٢) .

стр. 6669

ثم قلت: (وَامْنَعْ عَلَى الصَّحِيْحِ الاسْتِثْنَا بِهَا) ، أي: الصحيح أَنَّ «لا سِيَّما» ليست من أدوات الاستثناء (١) ، بل هي مضادة له؛ لأَنَّ الذي بعدها داخلٌ فيما دخل فيه ما قبلها ومشهودٌ له بأَنَّه أحقُّ بذلك من غيره (٢) . وقد وُجِّهَ قولُ من قال (٣) بأَنَّها من أدوات الاستثناء بأَنَّ [٣ ب] ما بعدها مُخرَجٌ مما قبلها (٤) من حيث أولويته بالحكم المتقدم، فلَمَّا لم يستوِ مع ما قبلها في الرتبة جُعِلَ كأَنَّه مُخرَجٌ (٥) . وقد تمَّ الكلام عليها.

стр. 6670

وقد ختمت الأبيات بالصلاة على أشرف المخلوقات، فقلت (١) : (ثُمَّ الصَّلاَةُ لِلنَّبِيِّ ذِي الْبَهَا) ، أي: والصلاة والسلام على النبي المعهود، صاحبِ الحوض المورود، وعلى آله وأصحابه وأهل بيته (٢) ومُحبِّيه. والبهاء (٣) : بفتح الباء معناه: الْحُسْن. وفي هذا (٤) البيت الْجِنَاسُ بكسر الجيم الْمُحرَّفُ (٥) ، وضابطه: اختلاف هيئة الحروف (٦) ، كقولهم (٧)

стр. 6671

: (جُبَّة الْبُرْد جَنَّة الْبَرْد) (١) . انتهى، والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا (٢) محمد وعلى آله وصحبه وأحِبَّته ومُحِبِّيه (٣) ، كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون (٤) ، والحمد لله رب العالمين. تَمَّ نسخها في ليلة الخميس المبارك خلت من الليلة نحوُ ساعة ونصف في شهر جمادى الآخر خلت منه ستة أيام سنة ٩٧، على يد كاتبها الفقير محمود محمد بن الْحِفْنَاوِيِّ (٥)

стр. 6672

المالكيِّ مذهبا، فُتِحَ عليه وعلى جميع إخوانه في الله تعالى. **** الحواشي والتعليقات

стр. 6673

منهج إبراهيم (في الدعوة كما عرضه القرآن الكريم د- منظور بن محمد بن محمد رمضان أستاذ مساعد بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بمكة ملخص البحث إن الدعوة إلى الله تعالى من وظائف الأنبياء والمرسلين ومنهاج الصالحين من عباد الله لأنهم صفوة خلق الله، وهي من أهم ركائز الإيمان وأعظم ركن من أركانه، وأمرها وفضلها وخطرها بمكان معلوم، إذ هي بمنزلة الرأس من الجسد والغذاء للبدن، بها بيان الحق ونشر الخير والهدى وتحقق السعادة للبشر، وبها تكشف وسائل الباطل والمنكر وأساليبه الملتوية بشتى الطرق والوسائل، ولقد اعتنى القرآن الكرمي بهذا الركن اعتناء عظيماً واهتم به اهتماماً بالغاً. فلابد للدعوة والداعية من خصائص وركائز ثابتة وقواعد مؤصلة حتى تسلم من الفشل، ويسلم الداعية من الزلل والميل عن الجادة الصحيحة، لذا يشترك فيها ما يشترك في سائر الأحكام الشرعية من فروض وواجبات ومستحبات. ولقد كان منهج إبراهيم (في الدعوة إلى الله موضع اهتمام القرآن، ذلك لما اشتملت عليه شخصيته الكريمة من الصفات الحميدة والخصال الكريمة أولاً، ثم ما قامت عليه دعوته على أهم أهداف الدعوة وضوابطها بأساليب نظرية وعملية، وطرق مجدية نافعة، رسم بها الطريق للدعوة والدعاة، وأمر الله تعالى الأمة بالاقتداء به (ليتخذوا طريقته نبراساً لهم يسيرون على منوالها، ودرساً يجعلون الدعوة بها مرغوبة محببة، وبالله التوفيق والسداد. مقدمة: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:

стр. 6674

فإن الله تعالى خلق الخلق لحكمة عظيمة وغاية نبيلة ألا وهي عبادته ، واقتضت حكمته أن بعث رسلا مبشرين ومنذرين، ليبينوا للناس حقيقة عبادة الله ليعبدوه على بصيرة وفق ما يشرع لهم، وامتحن الله الرسل بالأمم والأمم بالرسل، ليرسموا بذلك منهج الدعوة وسبيلها الصحيح الذي رسمه الله لهم بقوله: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ((يوسف ١٠٨) على حجة واضحة يتميز بها الحق من الباطل، وبرهان صحيح يقنع الخصم ويهدي إلى سواء السبيل. ولابد لأصحاب الدعوة إلى الله من هذا التميز ولابد لهم من هذا الاقتداء: (أنا ومن اتبعني... ((١) فكل من سار من بعدهم على هذا المنهج القويم فهو على منهج الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو ممن عناهم الله بقوله: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا... ((فصلت ٣٣) . فما دام أنها دعوة إلى الله تعالى فلابد لها من خصائص مميزة وركائز ثابتة وقواعد راسخة حتى تسلم من الفشل، ويسلم الداعية من الزلل والميل عن الجادة الصحيحة. وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة رسوله (وسيرته فنَجِدُ أن الدعوة بمجموعها تدور حول محاور ثلاثة: أولا: توضيح الأمانة وبيانها للناس ثم أداؤها على وجهها، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينّنه للناس ولا تكتمونه.... ((آل عمران ١٨٧) ثانيا: إقامة الحجة والبرهان، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق... ((فصلت ٣٥) . ثالثا: إنقاذ الأمة ووقايتها من أسباب الهلاك، وهذا ما أشار إليه القرآن بقوله تعالى: (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ((آل عمران ١٠٣) . وبمجموع هذه المحاور الثلاثة تتم الدعوة على أصولها.

стр. 6675

ولقد كان منهج إبراهيم (نموذجا في الدعوة إلى الله وموضع اهتمام القرآن، ذلك لما اشتملت عليه شخصيته الكريمة من الصفات الحميدة والخصال الكريمة أولا، ثم ما قامت عليه دعوته على أهم أهداف الدعوة وضوابطها بأساليب نظرية وعملية، وطرق مجدية نافعة، رسم بها الطريق للدعوة والدعاة، وأمر الله تعالى الأمة بالاقتداء به (سواء كان ذلك في صفاته (الشخصية أو في أساليبه النظرية أو أساليبه العملية، ليتخذوا طريقته نبراسا لهم يسيرون على منوالها، ودروسا يجعلون الدعوة بها مرغوبة محببة. ولقد نوه القرآن الكريم بمواقفه النبيلة الثابتة، وشهد له بعزيمته القوية الصادقة لا سيما مع أبيه في سبيل دعوته إلى توحيد الله تعالى، إلى أن أُلقِي في النار فأكرمه الله برتبة (الخُلّة) ورفع من شأنه أن ضمه في صف أولي العزم من الرسل، صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ومن هنا كان لهذا الموضوع أهمية بالغة وضرورة ملحة. أهمية الدعوة وضرورتها: قال الله (: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما ((الأحزاب ٧٢، ٧٣) . إن الدعوة إلى الله تعالى تعني تحمل الأمانة التي كلف الإنسان بحملها والعمل بمقتضاها ثم دعوة الناس لها، ولذا كانت من وظائف الأنبياء والمرسلين ومنهاج الصالحين المتقين من عباد الله لأنهم صفوة خلق الله، وهي من أهم ركائز الإيمان وأعظم ركن من أركانه، وأمرها وفضلها وخطرها بمكان معلوم، إذ هي بمنزلة الرأس من الجسد والغذاء للبدن والري للعطشان، بها نشر الملة السمحاء التي تمتاز في منهجها ببيان الحق ونشر الخير والهدى وتحقق السعادة للبشر، وتكشف وسائل الباطل والمنكر وأساليبه الملتوية بشتى الطرق والوسائل.

стр. 6676

ولقد اعتنى القرآن الكريم بهذا الركن اعتناء عظيما واهتم به اهتماما بالغا،.فذكره في عدة مواضع منه، تارة بذكر آدابه وأساليبه التي يجب اتباعها ضمانا لنجاحها، كما قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنّ ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ((النحل ١٢٥) . وتارة بذكر قصص الأنبياء مع أممهم المخالفة لأمر الله وما حل بها، كقصة موسى (مع فرعون، قال تعالى: (هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربّه بالوادى المقدس طوى اذهب إلى فرعون إنه طغى ((النازاعات ١٥- ١٩) . وقال تعالى: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكرُ أو يخشى.. ((طه ٤٤) . وأخرى بالحث والترغيب في الدعوة إلى الله، كما قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ... ((يوسف١٠٨) . (١) وقال تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ... ((فصلت ٣٣) . لذا فليعلم الدعاة أن في أعناقهم أمانة عظيمة حملهم الله إياها، وهم مسئولون عنها أمامه ولا يُعذرون حتى ولو كانوا في أحرج ظروف وأضيقها، لا سيما في زمن الماديات الذي ترك الناس فيه الدعوة إلى الله وزهدوا عنها بحب الدنيا وإيثارها عليها، فليؤدوها على وجهها، انقاذا للأمة من الضلال في الدنيا ومن النار في الآخرة وإقامة للحجة عليها: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ((النساء ١٦٥) . في يوم لا يقبل فيه عذر ولا تنفع فيه شفاعة قال تعالى: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يُستعتبون ((الروم ٥٧) . موضوع البحث:

стр. 6677

دراسة الآيات التي تحدثت عن منهج إبراهيم (في الدعوة كما عرضه القرآن الكريم من حيث أهميته وضرورته دراسة موضوعية يتبن من خلالها لكل مسلم عظمة الدعوة إلى الله وضرورتها، وما يجب على كل مسلم تجاهها فيجعلها نصب عينيه ويلتزمها في كل شئون حياته العلمية والعملية، حتى تكون همّ حياته ومصدر سعادة إخوانه اقتداء بالخليل (الذي لم يدخر وسعا أو نصيحة أو أهمل سببا في إرشاد أبيه وقومه. أهمية البحث: تظهر أهمية البحث وثمرته من حيث استمداده وموضوعه ومنهجه، ومن حيث تطبيقه وصلته بالمجتمع وحاجته إليه ومدى تحقيقه للأهداف والنتائج والغايات المرجوة من ورائه، وإنّ موضوع (منهج إبراهيم (في الدعوة كما عرضه القرآن الكريم) من أهم الموضوعات التي نحن في أمس الحاجة إليها، لا سيما في زمن فسد فيه معتقد كثير من الناس وتبلبلت أفكارهم تجاه دينهم وشريعتهم، فما حصل أو يحصل من ضعف الوازع الديني أو خروج الناس على أحكام الله أو إهمالهم أوامر الله ونواهيه وتساهلهم في ارتكاب المحرمات إلا بسبب تقصير الدعاة في جانب الدعوة، أو لعدم جدواها لعدم اتباع قواعدها المرسومة وفق شريعة الله تعالى واستلم السفهاء من الناس زمام الغواية، فانتشر الإلحاد والملحدون في المجتمعات البشرية ممن يزعمون العلم والفهم وهم في الحقيقة معاول لهدم الإنسانية وطمس معالم الحق في الناس. الهدف من البحث:

стр. 6678

إن التفسير الموضوعي يختلف عن التفسير التحليلي أو الإجمالي، فمن حيث المراجع العلمية فإنه يعتمد بصورة كبيرة على الاستنباط والتلخيص لما في الآيات من المعاني والإرشادات والإشارات والأسرار القرآنية الدقيقة بعد الرجوع إلى التفسير بالمأثور والمعقول، كما يقول الزركشي: (أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر، واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كِبر أو هوى أو حب الدنيا أو يكون غير متحقق الإيمان أو ضعيف التحقيق أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم بظاهر، أو يكون راجعا إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وموانع وبعضها آكد من بعض) (١) ومن حيث المنهج فإنه يعتمد على الموضوعات القرآنية فحسب. ومن حيث التحرير والأسلوب فإن المفسر يحتاج إلى تدبر آيات القرآن الكريم وإلى تعمق فكري لمعاني الذكر الحكيم وتذوق للبيان والأسلوب القرآني الرصين، وإلقاء نظرة عامة على جميع الآيات المجمعة من حيث تأليفها وترتيبها واستنباط العلاقة بينها وربط عناصر الموضوع بعضه ببعض، ثم سبك هذه المعاني في قالب من الحقائق مترابطة متصلة مثل سلسلة الذهب للخروج بنظرية قرآنية جديدة. وهذا يتأتى (إذا كان العبد مُصْغِيا إلى كلام ربّه ملقى السمع وهو شهيد القلب لمعاني صفات مخاطبه ناظرا إلى قدرته تاركا للمعهود من علمه ومعقوله) (٢) فإنه يفتح الله عليه أبواب معرفته بحيث يقف على أسرار عظمة كتاب الله تعالى. ويمكن تلخيص بعض أهداف هذه الدراسة في النقاط التالية:

стр. 6679

تحقيق مبدأ النصيحة التي يقوم عليها أساس جلب الخير ودفع الشر عن البشر، والتواصي بالحق وبالصبر امتثالا لقول الله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خُسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ((العصر) ولقول النبي (: (الدين النصيحة) قال الصحابة: لمن يا رسول الله؟، قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (١) . جمع ما يتعلق من الآيات بموضوع البحث في مكان واحد، ثم البحث والنظر فيها من زاوية قرآنية محددة، ثم دراستها دراسة موضوعية وافية مركزة منحصرة على ما يتعلق بالموضوع شاملة لجوانبه من حيث بيان ما يتعلق بموضوع (منهج إبراهيم (في الدعوة كما عرضه القرآن الكريم) وضرورته، ومن حيث منهج الآيات في عرض الموضوع، دراسة موضوعية على نمط يغاير نمط الموضوعات العامة، بعيدا عن الإطالة المملة، ثم تفسير الآيات تفسيرا موضوعيا من كتب التفسير بالرواية والدراية، ثم من كتب السنة على أساس وحدة واحدة مترابطة. تأصيل البحث بالقرآن الكريم وبالسنة الصحيحة ومن واقع منهج السلف في الدعوة. إخراج هذا الموضوع- الذي لم يسبق أن كتب فيه حسب علمي- بمنهج التفسير الموضوعي، بأسلوب سهل ميسر، وإيصاله إلى مسامعهم بوضوح تام ليسهل عليهم فهمه وإدراكه ثم السير على نهجه دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وإرشادا ونصحا بالتي هي أحسن. معذرة إلى الله بإقامة حججه ونصب براهينه على الناس وإيقاظهم وتنوير بصائرهم وإقناعهم وتنبيههم من غفلتهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. بيان أهمية موضوع الدعوة إلى الله تعالى لا سيما في زمان تزعزعت فيه العقيدة وتذبذبت الأفكار وترك الناس الدعوة إلى الله زهداً عنها بتقديس المادة وبحب الدنيا وإيثارها عليها. منهج الآيات في عرض الموضوع: إنّ منهج الآيات بمجموعها وحسب تناولها للموضوع دارت على محورين رئيسيين:

стр. 6680

المحور الأول: تكلمت عن أساليب دعوة إبراهيم (النظرية. المحور الثاني: تكلمت عن أساليب دعوة إبراهيم (العملية. أما منهجي في عرض الموضوع، فإنني ذكرت الآيات التي تناولت الأساليب النظرية والعلمية في الدعوة وما يتعلق بها، وتفسير الآيات وبيان ما بينها من الصلة والترابط، وذكرت ما فيها من الفوائد والآداب والإرشادات والتوجيهات الربانية الكريمة، مدعما ذلك بالآيات القرآنية وبالأحاديث النبوية الشريفة. خطة البحث: اشتمل البحث على: مقدمة، وفصلين، وستة عشر مطلبا. المقدمة: وفيها بيان فضل الموضوع، أهمية الدعوة وضرورتها، موضوع البحث، أهمية البحث، الهدف من البحث، التعريف بمسمى البحث. الفصل الأول: صفات إبراهيم (وأثرها في الدعوة. ويشتمل على توطئة وأربعة عشر صفة. الفصل الثاني: أساليب إبراهيم (في الدعوة كما عرضها القرآن الكريم. ويشتمل على توطئة ومبحثين وستة عشر مطالبا: المبحث الأول: الأساليب النظرية وتحته أربعة مطالب: المطلب الأول: الاستعطاف، الثاني: أسلوب المناظرة والمحاجة، الثالث: استثارة الخصم، الرابع: المعاريض. المبحث الثاني: أساليب إبراهيم (العملية في الدعوة. ويشتمل على توطئة واثني عشر مطلبا كالتالي: المطلب الأول: القدوة، الثاني: اللين أولا ثم الشدة، الثالث: الابتداء بالأهم، الرابع: الابتداء بالأقربين، الخامس: التحدي، السادس: تحطيم الأصنام، السابع: الهجرة، الثامن: المفاصلة والموادعة، التاسع: المبادرة بامتثال أمر الله ببناء البيت، العاشر: المبادرة بامتثال أمر الله بذبح ابنه، الحادي عشر: الدعاء والتضرع إلى الله، الثاني عشر: دروس وعِبَر عَبْرَ قصة الخليل إبراهيم (. * * * منهج إبراهيم (في الدعوة كما عرضه القرآن الكريم تعريف المنهج: قال ابن فارس: النون والهاء والجيم أصلان متباينان: الأول: النهج الطريق، ونهج لي الأمر: أوضحه، وهو مستقيم المنهاج.

стр. 6681

والآخر: الانقطاع وأتانا فلان ينهج إذا أتى مبهورا منقطع النفس... (١) ولعل صلة المعني بهذا الأصل واضحة وهو ما سبق ذكره من حيث بذل الداعية قصارى جهده في إبلاغ الدعوة حتى ينقطع به النفس من شدة البلاغ، وتتفطر قدماه فيبقى مبهورا. من شدة السعي والمسارعة في حضور مجالس القوم ونواديهم وأماكن تجمعاتهم كما كان حال رسل الله. والله أعلم. والمَنْهَجُ والمنهاج: الطريق الواضح، وكذلك النَهْجُ، قال تعالى: (لكلٍ جعلنا منكم شِرْعَةً ومِنْهَاجَا ((المائدة ٤٨) . وأنْهَجَ الطريقُ أي: استبانَ وصار نَهجَا واضحا بَيِّنا، ويقال: فلان يَستَنهِجُ سبيلَ فلان، أي: يسلُكُ مَسلَكَه (٢) . فالمنهج: الطريق المستقيم الواضح فى الدين (٣) . تعريف الدعوة: الدعوة: مأخوذة من الدعاء، وهو النداء إلى الشيء والحث على قصده، قال تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام ((يونس ٢٥) . (٤) ، والمراد هو جمع الناس على الخير ودلالتهم على الرشد بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. قال ابن تيمية: الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره والدعوة إلى أن يعبد العبد ربّه كأنه يراه (٥) . والداعية: هو الذي يدعو إلى الله تعالى على بصيرة. فالمقصود مِن منهج إبراهيم (في الدعوة: هي الطريقة والسبيل الذي اتخذه وسلكه مع أبيه وقومه في دعوتهم إلى ربّه ﵎. الفصل الأول:

стр. 6682

دراسة الآيات المشتملة على صفات إبراهيم (وأثرها في الدعوة الآيات المشتملة على صفات إبراهيم (في الدعوة: قال تعالى: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين، إنّ أولى الناس بِإبراهيم لَلَّذين اتبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا والله ولي المؤمنين ((آل عمران ٦٧، ٦٨) . وقال تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا ((النساء ١٢٥) ، وقال تعالى: (إنّ إبراهيم لأواه حليم ((التوبة ١١٤) . وقال (: (إنّ إبراهيم لحليم أواه منيب ((هود (٧٥) . وقال (: (إنّ إبراهيم كان أمّةً قانِتَا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، وءاتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لَمِن الصالحين، ثم أوحينا إليك أن اتبع مِلَةَ إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ((النحل ١٢٠- ١٢٣) . وقال: (: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً، إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمَسَّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً، قال سلام عليك سأستغفرلك ربي إنه كان بي حفيّا ((مريم ٤١-٤٧) . وقال: (: (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ((الأنبياء ٥٧) . وقال: (: (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ((الأنبياء ٦٨) .وقال: (: (الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين ((الشعراء ٧٨- ٨٠) .وقال: (: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقربّه إليهم قال ألا تأكلون ((الذاريات ٢٤-٢٧) .

стр. 6683

الفصل الأول: صفات إبراهيم (وأثرها في الدعوة: توطئة: إنّ الإسلام في حد ذاته منبع نور وهداية للبشرية، يرى وجوبا أن تتم الدعوة إليه من خلال التطبيق الصحيح له قبل الدعوة إليه بالقول، ويقتضي ذلك الالتزام التام به ظاهرا وباطنا، والتمسك به علماً وعملا، والتحلي بصفاته وآدابه تطبيقا واقتداءً، والدعوة إليه بذلا ونصحا، ولا أدل على ذلك من محمد (.وأصحابه الذين ساروا على نهج إبراهيم (مع الأمم كما قال الله تعالى: (إنّ أولى الناس بِإبراهيم لَلَّذين اتبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا والله ولي المؤمنين ((آل عمران ٦٨) . إذ إن من أسباب مقت الله وغضبه ومن فشل الداعية ودعوته مخالفة الداعية واقعه ومبدأه ومنهجه، ولا أقرب مثلا من أهل الكتاب ومن سار على نهجهم من أهل هذا الزمان من المنتسبين إلى الإسلام حين خالفوا منهج الخليل إبراهيم (فكذبهم الله في دعواهم، فقال تعالى: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ((آل عمران ٦٧) . وإنما كان (مثالا للهداية والطاعة والشكر والإنابة لله، وإماما يُقتدى به في الخير لاستجماعه خصالها وكمالها، كما قال الله (عنه: (إنّ إبراهيم كان أمّةً قانِتَا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، وءاتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لَمِن الصالحين، ثم أوحينا إليك أن اتبع مِلَّةَ إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ((النحل ١٢٠- ١٢٣) . هذه الآيات الكريمات حين تصف الخليل إبراهيم (بهذه الصفات الجليلة العظيمة، تتضمن أسرارا قرآنية عظيمة، وانطوى تحتها مباني ثابتة متينة لتشيد للدعاة معالم بارزة يهتدون بها في ظلمات الجهل والجهالات لئلا يضلوا، جدير بنا أن تكون لنا وفقة تأمل وتعقل عند كل صفة منها، وهي أربعة عشر صفة: ١- قال (: (إنّ إبراهيم كان أُمّة (:

стр. 6684

صفة صغيرة المبنى كبيرة المعنى قليلة الحروف كثيرة الصروف، صفة جمعت جميع خصال الخير وعناصر الفضيلة وكماله، لأنها من كلام الله لتوفي بالغرض على أتم الوجوه وأبلغها: فهو إمام الخير ومعلمه، كان يوحد الله من بين سائر الناس، وعاملا بما عَلَّمَه الله من الشرائع، كما قال تعالى: (إني جاعلك للناس إماما ((البقرة ١٢٤) . (١) فهو كما قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان عنده (من الخير ما كان عند أمة وجماعة كثيرة،.فإطلاقها عليه (لاستجماعه كمالات لا تكاد توجد إلا متفرقة في أمة كثيرة، وكل هذه المعاني تنطبق عليه (٢) . فهو (خير أهل دينه، جمع من خصال الخير وكمالاتها الحسية والمعنوية ما يعدل بها أمة كاملة،.فهو قد نصب أدلة التوحيد ورفع أعلامها وخفض رايات الشرك، كما قال تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ((البقرة ١٣٣) . وقال تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وكانوا لنا عابدين ((الأنبياء ٧٣) . أي: قانتين مطيعين خاضعين. ٢- قال (: (قانتا لله... (: مطيعا خاضعا قائما بأمر ربّه على الوجه الأكمل والأمثل مؤمنا وحده والناس كلهم كفار، داعية إليه مستجمعا لشروط الكمال في نفسه داعيا إليها غيره، مستقيما على دين ربّه حنيفا غير مشرك مثل قومه (٣)

стр. 6685

٣- قال (: (حنيفا ولم يك من المشركين... (: أهلا للدعوة إلى الله لاستقامته في نفسه ومقيما غيره على ملة الإسلام استقامة تامة كاملة بعيدا عن الهوى والمطالب النفسية، فهو (لم يمل إلى دين سوى دين الإسلام،.ولم يشرك بالله قط: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ((آل عمران ٦٧) فيه إعلام من الله تعالى لكل من خالف منهج إبراهيم (كائنا من كان قريبا أم بعيدا، بأن إبراهيم (بريء منه وأنهم منه بُرءاء. (١) . حقا إنّ نعمة الاستقامة على التوحيد والسلامة من الشرك ليستوجبان شكر الله تعالى، فإذا مَنّ الله على العبد بنعم وجب عليه شكرها وتوجيهها إلى منعمها ٤- قال (: (شاكرا لأنعمه... (: شاكرا شكرا دائما كاملا موصولا مستزيدا غير مودع ولا معرض عما أنعم الله عليه من صغير النعم وكبيرها جديدها وقديمها أولها وآخرها ظاهرها وباطنها: (لئن شكرتم لأزيدنكم ((إبراهيم ٧) فكان من آثار ذلك الشكر أن (اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم.... ( ونتيجة جهاده في الله حق جهاده، وقنوته وإخلاصه وشكره لربّه، زاده الله من كل ضروب الخير والفضل والنعم، كما قال تعالى: (وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لَمِنَ الصالحين ((النحل ١٢١، ١٢٢) . أي: وهبه حسنات كثيرة عامة شاملة لا تختص بنوع معين حسنات بكل معانيها. فمن هذه الحسنات الموهوبة: الولد الصالح، والثناء الحسن فى الدنيا حتى إن أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه، وأما لسان الصدق والنبوة فلا يوازيهما حسنة، كما قال تعالى حكاية عنه: (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين ((الشعراء ٨٣، ٨٤) .

стр. 6686

ومن هذه الحسنات الموهوبة: شكر الخليل (نعم ربّه ابتداءً وختاما ظاهرا وباطنا سرا وعلنا، خالصا مخلصا موصولا عدلا خضوعا واستكانة تعبدا ورقا لرب العالمين مولي النعم، غير مشرك في شكره شريكا من الآلهة والأنداد كما يفعل المشركون، سائلا ربّه في أن يوفقه لذكره وشكره وحسن عبادته حتى يكون أهلا لجنته ودار كرامته التي لا لغو فيها ولا تأثيم قائلا: (واجعلني من ورثة جنة النعيم ((الشعراء ٨٥) . (١) نعمة ونعيما وحبرة وقرة عين بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. المقام مقام دعوة وإرشاد ولا يخلو من استفزازت وانفعالات وتشنجات، وإبراهيم (بشر رسول قد يثور ويغضب على جهالة الجهال وسفاهة السفهاء، والحلم سيد الأخلاق ومن لوازم الدعوة الأناءة والصبر، والتحمل من أصولها. ٥- قال (: (إنّ إبراهيم لَحلِيمٌ أواه منيب ( الخليل (أقدر على حزم نفسه وضبط أعصابه، ليصفح عن جهالات الناس ويصبر على أذاهم، فهو لم يعاقب قط إلا في الله ولم ينتصر إلا لله، لأنه طبع على أحب الصفات إلى الله وهي: الحلم وكرم الأخلاق والطمأنينة والتؤدة، فأصبحت من صفاته الخِلْقية والخُلُقية (٢) ولكن قد يعجز عنها أصحاب الدعوة، فما أجدر بهم أن يقتدوا بإمام الدعوة والدعاة الخليل (. ومن آثار حلمه: توجعه وتألمه على كفر أبيه وقومه وأذيتهم له، ولم يستعجل لهم بالعقوبة والعذاب على حين أن حالهم يستوجب إحلال العذاب بهم. ٦- قال (: (أوّاه.... (:.

стр. 6687

حين يتذكر حرمان أبيه وقومه من نعمة الإيمان ومن نعمة نعيم الجنة، يتذكر عاقبة الذين أساؤوا من قومه السوأى فتذهب نفسه عليهم حسرات، يتوجع على عاقبتهم بدخولهم النار ويتأوه على سماجة رأيهم وسفاهة عقلهم، ولكن لا ينفع الأسى على قوم كافرين، فيطلب من ربّه ﵎ الصبر والسلوان بكثرة تلاوة كتابه والإنابة والخشوع له، ويبتهل بالدعاء والتضرع إليه مقرا بالضعف والاستكانة (١) . ٧- قال (: (مُنِيب... (: إنابة وافتقار إلى الله ﵎ من قدوة الدعاة الخليل (في طلب المدد والعون والسداد في كل الشئون، وتفويض لحال قومه إلى الله، فإنه لا غنى للعبد عن مولاه طرفة عين أو أقل من ذلك، لا سيما في أمر الدعوةِ إلى الله. فمهما بلغ تمكن العبد وتمكينه ومهما أعطي من قوة واقدام واستكملت لديه قوام الحياة وعناصر السعادة، فلا يزال الضعف والعجز يلازمه، ومهما بلغ من العلم والفهم والذكاء فإن النقص لا يفارقه، إلا من ركب مركب الصدق وتوجه به إلى الله في مغالبة الصعاب بعزيمة صادقة ونية خالصة: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصِدّقون والشهداء عند ربّهم لهم أجرهم ونورهم ((الحديد ١٩) . قال (: (إنه كان صديقاً نبياً (: قال الزمخشري أي: (كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء وبليغا في الصدق) (٢) وذكرت هذه الصفة هنا مقترنة مع النبوة لكونه (كما قال الراغب: (صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله ((٣)

стр. 6688

فلا عجب أن يذكر الله تعالى خليله إبراهيم (في معرض كمال الصدق ونهايته، كما يُفهم من معاني الآية الكريمة حيث عبر بصيغة المبالغة، فقال: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً ((مريم ٤٤١) فإنّ الصدق ملاك أمر النبوة ومن لوازم الدعوة ومن أخص صفات الداعية، وقد جعله الله من كمال الإيمان، فقال: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون.... ((الحدديد ١٩) وجعله من مؤيدات النبوة والرسالة، فقال: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ((الحديد ٢٥) وقال: (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة ((يوسف ١٠٨) . (١) وأمر به فقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ((التوبة ١١٩) لأنه مفتاح الخلة وباب الرضى ورَحبَة الثقة والمودة. ٩- قال (: (واتخذ الله إبراهيم خليلا... (: منزلة الخُلة منزلة رفيعة عظيمة عالية، وهي والصدق توءمان كل منهما يختبيء في الآخر لينوب عنه، ولم تحصل هذه المرتبة إلا للخليلين: محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام. ولنقف عند هذه الصفة العظيمة لنستشف بعض معانيها الجليلة وأسرارها اللطيفة:

стр. 6689

فهو السخي الكريم وهو الذي أحب الله حبا حتى تخلل قلبه بمحبة الله فلم يدع فيه فراغا إلا ملأه بحب الله حتى أحبه الله، فوالى في الله وعادى في الله،.روي أنه لما رمي فى النار بالمنجنيق وصار في الهواء، أتاه جبريل (فقال: ألك حاجة؟، قال: أما إليك فلا، فَخُلَّةُ الله لإبراهيم (: نصرته إياه (١) . فلما تأتي النتائج مرضية والعواقب حميدة، فتجيش رحمة الله على عباده بالإنعام والتفضل والاكرام، فإبراهيم (يحوز عمله القبول وجهاده الرضى، فيفيض المولى عليه بِخِلع الرحمة والرضوان والقبول، قال تعالى: (وناديناه أن يا إيراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين ((الصافات ١٠٤، ١٠٥) فيمنح الجليل الجزيل: فيتخذ إبراهيم خليلا. ١٠- (السخاء والكرم) : قال تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ... ((الذاريات ٢٤- ٢٧) .

стр. 6690

الضيافة من مكارم الأخلاق ومِن آداب الإسلام، ومِن خُلق النبيين والمرسلين وعباد الله الصالحين، وهي كرم وبذل حفاوة وتكريم، تستمال بها النفوس وتجتذب وتعطف بها القلوب وتؤلف، والدعوة كذلك بذل للمعروف لين في الكلام سخاء في الأخلاق، والضيف عزيز كريم. ولذا كان إكرام بعض الناس فى العطاء سببا في إسلامهم، كما روي عن أنس (أن رجلا سأل النبي (غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم! أسلموا فوالله إنّ محمدا ليعطي عطاءً من لا يخاف الفقر، فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها (١) واعطى يوم حنين صفوان بن أمية (مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، فقال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله (ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يُعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ (٢) . وقفة لا بد منها: يجب أن يعلم الداعية أن يكون عطاؤه ومنعه لله تعالى فحسب، لا فرق في ذلك بين القريب والبعيد والعدو والصديق (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ((النساء ١٣٥) . ولا بد أن يكون في حسبانه بأن المال مدعاة للمؤاثرة إن لم يراقب الله فيه، أسوة برسول الله (لا يريد من وراء ذلك جزاء ولا شكورا، فلا يهمه إرضاء قريب أويزعجه غضب صديق أو يثيره شر من أحسن إليه، فلا بد من الصبر والتحمل في ذات الله تعالى ليتحقق المنع والعطاء لله وحده. ١١- (الصبر والتحمل) : إنّ الصبر والتحمل لمن أبرز صفات الداعية وأوجبها ومن أصول منهج الدعوة وأسسها وآدابها،، فمن فقد الصبر فقد الدعوة، فلا يكمل الداعية ولا تتم الدعوة بدون صبر واصطبار.
следующие страницы →